• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : علوم القرآن الكريم .
                    • الموضوع : نافذة على إعجاز القرآن‌ .

نافذة على إعجاز القرآن‌

آية الله العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي (دام عزه)

سرّ الحروف المقطعة

نلاحظ في أوائل عدد من سور القرآن بعض «الحروف المقطعة» مثل «ألم» و«المر» و«يس».

تقول بعض الروايات الاسلامية أن واحداً من أسرار هذه الحروف المقطعة هو أنَّ الله يريد أن يرينا كيف أن هذه المعجزة الخالدة العظيمة، «القرآن العظيم» قد وجدت من حروف الألفباء البسيطة التي تعتبر من أبسط مواد البناء! وكيف أنَّ هذا الكلام الرائع العظيم قد تألف من هذه الحروف التي يستطيع التكلم بها حتى الاطفال الصغار. ولا شك إذن في أنَّ ظهور هذا الامر العظيم من هذه المواد البسيطة اعجاز لا يُدانيه إعجاز.

هنا يتبادر للذهن سؤال وهو: أين يكمن اعجاز القرآن؟ أمن حيث البلاغة والفصاحة، أي من حيث حلاوة عباراته ودخولها الى القلب بنفوذ عجيب، أم أنَّ هناك جوانب اخرى‌ لإعجازه؟

والحقيقة هي أنَّك من أية زاوية نظرت الى القرآن لطالعتك أمارات الاعجاز واضحة. ومن بين ذلك على سبيل المثال:

1- الفصاحة والبلاغة: هنا تجد حلاوة الالفاظ والجاذبية العجيبة التي تتجلى لك في المعاني والمفاهيم.

2- المحتوى الرفيع وخاصة العقائد البعيدة عن كل انحراف.

3- المعجزات العلمية، فالقرآن يكشف الستار عن مسائل علمية لم يكن الانسان قد اكتشفها يومذاك.

4- الاخبار عن الغيب والتنبؤ بحدوث بعض الحوادث في المستقبل.

5- عدم وجود التناقض ولا الاختلاف ولا التّشتت.

الفصاحة والبلاغة

لكل كلام صفتان، «الفاظه» و«محتواه». فعندما تكون الالفاظ والكلمات جميلة ولائقة وتتميز بالانسجام والترابط اللازم وخالية من التعقيد، بحيث يوصل تركيب الجمل المعنى المراد بدقّة تامّة وبطريقة مقبولة وجذابة قيل لذلك الكلام أنَّه فصيح وبليغ.

وفي القرآن تتجسد هاتان الصفتان تجسداً لا حد له، بحيث أنَّ أحداً لم يستطع حتى الآن أنْ يأتي بآيات وسور تضاهي آيات القرآن وسوره من حيث الجاذبية والحلاوة والتناغم.

ومما يُذكر أنَّ الوليد بن المغيرة ـ وكان ممّن دُعوا لمواجهة تحدي القرآن من قبل مشركي العرب‌ ـ  هاجت مشاعره وانفعل عند سماع بضع آيات من القرآن، ولم يتوصل تفكيره العميق الى إلصاق أي تهمة به إلا أن يصفه بالسحر وإلا أنْ يصف رسول الله بالساحر!

وعلى الرّغم من أنَّهم راحوا يكررون إلصاق صفة السحر بآيات القرآن على سبيل الذم والتنديد، إلا أنَّ ذلك كان في الواقع مدحاً وتكريماً، إذ أنَّ فيه اعترافاً ضمنياً بسيطرة القرآن الكريم الخارقة للعادة على المخاطب ونفوذه الى أعماقه. بحيث إنّك لا تستطيع أنْ تفسر ذلك تفسيراً عادياً، إلا أنْ تقول أنَّ فيه جاذبية غامضة ومجهولة.

ولكنهم بدلاً من أنْ يتقبلوا تلك الحقيقة ويعتبروها معجزة فيؤمنوا بها، انحرفوا عن جادة الصواب وقالوا إنَّها سحر وأساطير.

ويذكر لنا التاريخ أمثلة كثيرة عن أشخاص غلاظ شداد كانوا يفدون على رسول الله صلى الله عليه وآله، وما أنْ يستمعوا الى بضع آيات منه حتى يتغير حالهم وينبعث نور الايمان في قلوبهم، الامر الذي يدل بوضوح على أنَّ ما في القرآن الكريم من فصاحة وبلاغة معجز.

بل إنَّنا في أيّامنا هذه نجد العارفين بآداب اللغة العربية كلما كرروا تلاوة القرآن الكريم ازداد إحساسهم بالراحة واللذة لما فيه من حلاوة وما يثيره فيهم من شعور بحيث أنَّهم لا يتعبون من تكرار تلاوته.

وتتصف العبارات القرآنية بالدقة المتناهية المحسوبة، فالقرآن عفيف البيان متين البنيان، وهو في الوقت نفسه ناطق صريح، وصارم شديد عند الاقتضاء.

ولا بدّ من الاشارة الى أنَّ العرب منذ ذلك الوقت كانوا قمة في الفنون‌ الادبية من شعر ونثر وصناعة كلام، وما زالت قصائد من الشعر الجاهلي تعتبر من أرفع الشعر، وكان سوق عكاظ مكاناً يجتمع فيه فطاحل الشعراء كلّ سنة ينشدون فيه اشعارهم ويتنافسون في أجودها، ويختارون أفضلها طراً ويعلقونها على جدار الكعبة باعتبارها خير قصيدة قيلت في تلك السنة. وعند ظهور الدّعوة الاسلامية كانت هناك سبع قصائد معلقة على حائط الكعبة، اطلق عليها اسم «المعلقات السبع».

ولكن بعد نزول القرآن لم يبق لتلك المعلقات أي لون ولا طعم، فازيلت الواحدة بعد الاخرى وطواها النسيان.

ولقد سعى المفسرون جهد طاقاتهم للإشارة الى دقائق الابداع الالهي العجيبة في القرآن، فيمكن الرجوع الى تلك التفاسير لمزيد من الاطلاع. [يمكنكم الرّجوع الى «تفسير الامثل» بهذا الخصوص].

إنَّ معرفة القرآن تؤكد أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله لم يبالغ حين قال: «ظاهره أنيق وباطنه عميق لا تحصى عجائبه ولا تبلى‌ غرائبه».

والامام علي أمير المؤمنين عليه السلام، تلميذ مدرسة القرآن العظيم، يقول في نهج البلاغة واصفاً القرآن: «فيه ربيع القلب، وينابيع العلم، وما للقلب جلاء غيره».

نظرة القرآن الى العالم‌

قبل كل شيء ينبغي أنْ نتعرف على البيئة التي نزل فيها القرآن على الصعيدين الفكري والثقافي.

يجمع المؤرخون على أنَّ أرض الحجاز كانت من أكثر بلدان العالم تخلفاً بحيث أنَّهم كانوا يعبرون عن سكانها بأنَّهم متوحشون أو شبه متوحشين. وقد عكفوا على عبادة الاصنام وتمسكوا بها تمسكاً شديداً، وكانوا يصنعونها من الحجر والخشب بإشكال متنوعة، فكانت تلقي بظلها المشئوم على كل ثقافتهم، حتى قيل أنَّهم كانوا يصنعون الاصنام من التمر ويسجدون لها، ولكنهم إذا أحسوا بالجوع أكلوها!

وعلى الرغم من كرههم الشديد للبنات بحيث أنَّهم كانوا يئدونهن احياء لكنهم كانوا يقولون: إن الملائكة بنات الله. بحيث يعتبرون الله سبحانه وتعالى انساناً مثلهم.

وكان ينتابهم العجب من التوحيد وعبادة إله واحد. وعندما دعاهم نبي الاسلام الى عبادة الله الاحد، قالوا بدهشة: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ. [سورة ص، الآية 5]

وكانوا يلصقون صفة الجنون بكل من يخالف خرافاتهم واساطيرهم المزيفة ويتعرض لمعتقداتهم الواهية.

وكان النظام القبلي هو السائد على المجتمع، حيث النزاعات القبلية كانت على أشدها، حتى أنَّ نار الحروب لم تخمد يوماً بينهم، وكثيراً ما اصطبغت أرضهم بالدماء، ويفتخرون بالقتل والنهب والسبي.

واذا ظهر بينهم من يعرف القراءة والكتابة أصبح ناراً على علم، وكان من النادر أنَّ تعثر بينهم على عالم مفكر.

هذا هو المحيط الذي بزغ فيه نور انسان امّي لم يدخل مدرسة ولا رأى معلماً، ولكنه أتى بكتاب عميق المحتوى الى درجة أن العلماء والمفسرين ما يزالون بعد أربعة عشر قرناً مشغولين باستكناه معانيه واستخراج حقائق جديدة منه فهو معين لا ينضب ابداً.

إنَّ الصورة التي يرسمها القرآن الكريم لعالم الوجود ونظامه صورةً دقيقة مدروسة، فيعرض التوحيد بأكمل حالاته، ويعرض أسرار خلق الارض والسماء والليل والنهار والشمس والقمر والنباتات والاشجار والانسان على أنَّ كلاً منها آية تدل على وحدانية الله الاحد.

ويتعمق أحياناً في اغوار النفس الانسانية ويتحدث عن التوحيد الفطري، فيقول: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ. [سورة العنكبوت، الآية 65]

وقد يسلك سبيل العقل والمنطق لإثبات التوحيد مستنداً الى السير في الآفاق وفي الانفس، ومذكّراً بأسرار خلق السموات والارض والحيوانات والجبال والبحار، وهطول الامطار، وهبوب الرياح ودقائق اعضاء الانسان: ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [سورة فصلت، الآية 53]

وعندما يكون الكلام عن صفات الله يختار أعمقها وأجلبها للنظر، فيقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَي‌ءٌ. [سورة الشورى، الآية 11]

وفي مواضع اخرى‌ يقول: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. [سورة الحشر، الآيات 22- 24]

ويعبر تعبيراً جميلاً عن وصف علم الله اللامحدود، فيقول:

﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. [سورة لقمان، الآية 27]

وعن احاطة الله بكل شيء وحضوره في كل مكان، يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. [سورة البقرة، الآية 115]

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. [سورة الحديد، الآية 4]

وعندما يدور الكلام حول البعث ويوم القيامة، يواجه دهشة المشركين وانكارهم بقوله:

﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة يس، الآيات 78- 82]

في تلك الايام التي لم يكن فيها قد تمّ اكتشاف التصوير وتسجيل الاصوات، يقول القرآن الكريم بشأن أعمال الانسان:

﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾. [سورة الزلزلة، الآية 4- 5]

وقد يتحدث عن شهادة أعضاء الانسان فيقول: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾. [سورة يس، الآية 65]

﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. [سورة فصلت، الآية 21]

إنَّ قيمة العلوم القرآنية وعظمة محتواها وخلوها من الخرافات، لا تتضح إلا إذا وضعت الى جانب التّوراة والانجيل المحرفتين للمقارنة بينهما، لنرى‌ ما تقول التّوراة بشأن خلق آدم وما يقول القرآن الكريم بهذا الشأن.

وماذا تقول التّوراة بشأن الانبياء وما يقوله القرآن المجيد.

وما تقوله التوراة والانجيل في وصف الله، وما يقوله القرآن في ذلك. عندئذ يتبين الفرق واضحاً بينهما.

القرآن والاكتشافات العلمية المعاصرة

لا شك أنَّ القرآن ليس كتاباً من كتب العلوم الطّبيعية أو الطّبية أو النّفسية أو الرّياضية، بل أن القرآن كتاب هداية وبناء لروح الانسان.

فهو لا يترك شيئاً ضرورياً في هذا السبيل إلا وأتى‌ به.

لذلك ليس لنا بالطّبع أنْ نرى في القرآن دائرة معارف عامّة، بل أن القرآن عبارة عن نور الايمان والهداية والتقوى والانسانية والاخلاق والنظام والقانون، فهو يضم كل هذه الامور.

والقرآن ومن أجل الوصول الى هذه الاهداف، يشير أحياناً الى جانب من العلوم الطبيعية وأسرار الخلق وعجائب عالم الوجود وخاصة خلال بحوث التوحيد والاستدلال بنظام الكون، فيرفع الستار عن بعض أسرار عالم الخلق ويكشف اموراً لم يكن أحد يعرف عنها شيئاً في ذلك الزمان وفي تلك البيئة، حتى العلماء منهم.

هذه الاسرار تجتمع تحت عنوان «معجزات القرآن العلمية»، نشير الى بعض منها في ما يلي:

القرآن وقانون الجاذبية

لم يكن أحد قبل (نيوتن) يعرف شيئاً عن قانون الجذب العام. ومن المعروف أنَّ (نيوتن) هذا كان يوماً جالساً تحت شجرة تفاح، فسقطت تفاحة من الشجرة على الارض، فاستولى هذا الحدث الصغير على كل تفكيره وأمضى سنوات يفكر في القوة التي جذبت التفاحة إليها. لماذا لم ترتفع الى السماء؟ وبعد سنوات توصل الى وضع قانون الجذب العام الذي يقول: «تتجاذب الكتلتان بنسبة طردية مع حاصل ضرب كتلتيهما وعكسياً مع مربع المسافة بين مركزي ثقليهما».

على أثر صياغة هذا القانون اتضح وضع المنظومة الشمسية.

لماذا تدور هذه الكواكب العظيمة كلّ في مدار حول الشمس؟ لماذا لا تهرب من هذا المدار وتنطلق في كل اتجاه؟ لماذا لا تتراكم بعضها فوق بعض؟ ما هذه القوّة التي تمسك هذه الاجرام في مدارات دقيقة في هذا الفضاء الشاسع، دون أنْ تتجاوزها حتى بمقدار رأس الابرة؟

اكتشف (نيوتن) أنَّ حركة الجسم الدائرية تجعله يبتعد عن المركز، وقانون الجاذبية يجذبه الى المركز، فاذا ما تعادلت هاتان القوتان، القوة الدافعة عن المركز، والقوة الجاذبة نحو المركز، أي إذا أوجدت «الكتلة» و«المسافة» من القوة «الجاذبة الى الداخل» والقوّة «الدافعة الى الخارج» مقادير متعادلة، بقي‌ الجسم يدور في مداره ولا يتعداه.

غير أنَّ القرآن قبل اكثر من ألف سنة من اكتشاف هذه القوانين قال في الآية الثّانية من سورة الرّعد:

﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾.

وقد جاء في تفسير هذه الآية عن الامام علي بن موسى الرّضا عليه السلام قوله: «أليس الله يقول‌ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها؟ قلت: بلى. قال: ثَمّ عمد لكن لا ترونها».

أهناك تعبير أوضح وأبسط في الادب العربي من هذا القول عن قوّة الجاذبية: أعمدة غير مرئية، ليفهمه عامّة الناس؟

وفي حديث عن الامام علي أمير المؤمنين عليه السلام نقرأ: «هذه النجوم التي في السّماء مدائن مثل المدائن التي في الارض مربوطة كل مدينة الى عمود من نور».

يقول العلماء المعاصرون أن بين نجوم السماء نجوماً كثيرة تسكنها كائنات حيّة وعاقلة، وإنْ لم يكتشفوا بعد تفاصيلها.

دوران الارض حول نفسها وحول الشمس‌

يقول التاريخ أنَّ (غاليليو) الايطالي كان أوّل من اكتشف دوران الارض‌ حول نفسها قبل نحو أربعة قرون، بينما كان العلماء قبله يؤمنون بنظرية بطليموس المصري القائلة أن الارض هي مركز الكون وأنَّ جميع الاجرام الاخرى تدور حولها.

وكان جزاء (غاليليو) على اكتشافه العملي هذا أن حكمت الكنيسة بكفره، ولم ينج من الموت إلا بإظهار الندم على اكتشافه ذاك. غير ان علماء آخرين تابعوا نظريته واكّدوها بحيث أنها أصبحت اليوم من الامور التي لا يختلف فيها اثنان، بل لقد ثبت بالتجارب الملموسة أنَّ الارض تدور حول نفسها، وخاصّة بعد التحليقات الفضائية الاخيرة.

وعليه فقد فقدت الارض مركزيتها بالنسبة للكون بعد أنْ تبين إنَّنا كنا من قبل ضحية خطأ حواسنا، فكنا نخلط حركة الارض بحركة مجموعة الثوابت والسيارات. إنَّنا نحن الذين نتحرك، وكنا نعتبرها هي التي تتحرك.

على كل حال، لقد سيطرت نظرية بطليموس نحو ألف وخمسمائة سنة على عقول العلماء. وعند ظهور القرآن لم يكن أحد يجرأ على القول بخلاف ذلك.

ولكننا إذا رجعنا الى آيات القرآن نجد أنَّه في الآية 88 من سورة «النمل» يتحدث عن حركة الارض فيقول: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾.

هذه الآية تشير بوضوح الى حركة الجبال مع إنَّنا نراها ساكنة جامدة. إنَّ تشبيه حركتها بحركة السحاب يفيد السرعة مع الهدوء.

أمّا التعبير عن حركة الارض بحركة الجبال، فهو لكي يبيّن أهمية الموضوع، إذ لا حركة للجبال بغير حركة الارض من تحتها، أي إنَّ حركتها هي حركة الارض نفسها، سواء أكان المقصود دورانها حول نفسها، أم حول الشمس، أم كليهما.

تصور الآن عصراً كانت فيه جميع المحافل العلمية في العالم والانسان العادي، يؤمنون بنظرية سكون الارض ودوران الشمس والكواكب الاخرى حولها، ألا يكون الإخبار بحركة الارض بهذا البيان معجزة علمية؟ خاصّة أنَّ المخبر انسان امّي لم يدخل مدرسة، بل أنَّه نشأ في محيط متخلف لا مدرسة فيه ولا تعليم. أفلا يكون هذا دليلاً على كون القرآن كتاباً سماوياً؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) سلسلة دروس في العقائد الاسلامية، ناصر مكارم شيرازي، ج1، ص:161- 177، عن موقع مكتبة مدرسة الفقاهة www.eShia.ir، بتصرّف يسير.


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/subject.php?id=2323
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2018 / 01 / 07
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 04 / 22