• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : السيرة .
                    • الموضوع : التأسّي بالنبيّ الأكرم محمّد (صلى الله عليه وآله) .

التأسّي بالنبيّ الأكرم محمّد (صلى الله عليه وآله)

بقلم: سماحة الشيخ عبدالجليل أحمد المكراني

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على نبي الإسلام محمّد الذي بُعث رحمة للعالمين، وكذا الصلوات على آله خلفائه من بعده الطيبين الطاهرين.

وبعد، فقد قال تعالى مخاطباً رسوله الكريم محمّداً (صلى الله عليه وآله): ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيداً [النساء: 41].

إنّ هذه الآية المباركة لهي واحدة من كثير من الآيات الكريمات التي اختصّت بذكر فضائل النبي (صلى الله عليه وآله) وإعلان سمو منزلته ورفيع درجته، فإنّ ذكر مقام الشهادة وكونه شاهداً على الأنبياء الماضين الذين هم كانوا شهوداً على أممهم، يكشف عن خفايا كثيرة مخبأة في هذه الشخصيّة الفذّة كلّها تُشير إلى مقاماته وكونه الإنسان الأكمل على الإطلاق، فهو النموذج البارز للإنسان الكامل من جميع جوانبه.

إنّ إعمال الدراسة التحليليّة في شخصيّة الإنسان الكامل لا تعني دراسة ما يتعلّق بهويّته نسباً وانتساباً وتاريخاً، أو ما يوصف به جسمه طولاً وقصراً وغيرهما من الأوصاف الجسمانيّة الظاهريّة، وإنّما تتوغّل إلى ما هو أعمق من ذلك بكثير، لتصل من خلال تلك الأعماق إلى الأسرار والحقائق التي تنطوي عليها شخصيّته، وذلك لأجل تشخيص القدوة فيه حتى يكون الجنس البشري قادراً على الاقتداء به ومستحقّاً للاتّصاف باتّباعه والسير على منهجه قولاً وعملاً.

والآية الكريمة المتصدّرة تكشف عن حقيقة هذا الرسول العظيم الذي جعلته شهيداً على جميع الأنبياء؛ لما يتمتّع به من صفات كماليّة أودعها الله سبحانه في شخصيّته تؤهّله لأن يكون قدوة لجميع البشر من يوم خلقه إلى يوم القيامة. بل هو سيّد الأوّلين والآخرين، ساد الخلق أجمعين، فقد ورد في الأثر الشريف عنه (صلى الله عليه وآله): (أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذٍ آدم فمَن سواه إلاّ تحت لوائي...) [سنن الترمذي 5: 247/ 3693. كنز العمال 11: 404/ 31882]، فلقد أعطي هذا اللواء لكي يأوي إليه الأوّلون والآخرون.

وهو إنّما حاز هذه المنزلة الرفيعة والدرجات العظيمة والكمالات العالية بحسن الخلق، كيف لا وقد وصفه تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 4].

من هنا فضّل الله تعالى أمّة هذا الرسول الكريم وميّزها واختصّها على غيرها من سائر الأمم بكرامات كثيرة في الدنيا ليست لغيرها، إذ لم تكن لها أن تتميّز وتتبوّأ هذه المكانة وتلك الفضيلة إلاّ بتعظيم الله لرسولها وتكريم نبيّها. لذا كان لزوماً على هذه الأمّة الإستفادة من هذا الإنسان الكامل في صفاته وعقله، وجعله قدوة لها، فإنّ الاقتداء بالرسول (صلى الله عليه وآله) هو أصل الرجاء، والتأسّي به هو أساس الاهتداء، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب: 21].

إنّ من الواجب على الأمّة الإسلاميّة خاصّة والناس عامّة الاقتداء بالنبي (صلى الله عليه وآله) وبسيرته المباركة التي غيّرت سَير الحياة الجاهليّة مخرجة لها من الظلمات وموصلة إيّاها إلى نور الهداية، وجَعْل الرسول وسيرته المثل الأعلى للإنسان الكامل من جميع جوانب الحياة، فإنّ اتّباعه والسير على منهجه وسلوك دربه يكشف عن محبّة العبد ربّه وإطاعته له سبحانه وتعالى؛ لأنّ سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) كانت نموذجاً عمليّاً في صياغة الإسلام؛ لكونه هو النموذج البشري المتكامل في جميع مراحل الحياة وجوانبها العمليّة.

إنّ القدوة الصالحة التي تمتّع بها رسولنا الكريم محمّد (صلى الله عليه وآله) أصلحت الكون كلّه سياسياً واجتماعياً وصحّياً واقتصادياً ونفسياً وفي كلّ شؤون الحياة، فقد جاء بدستور متكامل يشمل جميع مفردات الحياة، وجسّد هذا الدستور هو (صلى الله عليه وآله) بقوله وعمله؛ ليكون درساً عملياً يتعلّم منه سائر الناس. لذا فهو القدوّة في واقع الأرض والقائد العامّ للبشريّة الذي تجمّعت فيه الصفات الحسنة والأخلاق الطيبة التي ساهمت مساهمة فاعلة في بناء العادات والسلوكيّات الحسنة التي تحوّلت إلى عمل ملموس في واقع الحياة.

لقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قدوة في الدين والعبادة، وقدوة في تبليغ الرسالة وحمل الأمانة، وقدوة في السياسة وقيادة الأمّة، وقدوة في قيادة الحروب وخوض المعارك، وقدوة في الأسرة والمجتمع يقوم على شؤونهما وما يرتبط بهما من أمور مادّية وغيرها.

إنّ اتّباع أوامر الله تبارك وتعالى تحتّم على العباد الانقياد التامّ لأوامره ونواهيه، ومن جملة ما أمر به هو الاقتداء والتأسّي بالنبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) وجعل ذلك مفتاحاً لرضوانه وطريقاً إلى جنانه، فالله تعالى بعث النبيّ(صلى الله عليه وآله) لإنقاذ البشريّة وتخليصها من ظلمات الجهل إلى مرابع النور والعلم والمعرفة، فكان من أعظم الواجبات على الأمّة الإسلاميّة تجاه رسولها الكريم الاقتداء به والسير على منهاجه وهديه كي تضمن لنفسها سلامة الدنيا والآخرة، إذ الحاجة إلى اختيار القدوة في حياة الإنسان هي معرفة سلوك الطريق الموصلة إلى النجاة والسعادة.

وهذا ما أكّدت عليه الآثار الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) فمن كلام للإمام أمير المؤمنين (سلام الله عليه) يدعو فيه إلى الاقتداء بالرسول(صلى الله عليه وآله): (فتأسّ بنبيّك الأطيب الأطهر (صلى الله عليه وآله) فإنّ فيه أسوة لمَن تأسّى، وعزاءً تمن تعزّى، وأحبّ العباد إلى الله المتأسّي بنبيّه... عُرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها، وعلم أنّ الله سبحانه أبغض شيئاً فأبغضه، وحقّر شيئاً فحقّره، وصغر شيئاً فصغره... ولقد كان (صلى الله عليه وآله) يأكل على الأرض، ويجلس جلسة العبد، ويخصف بيده نعله، ويرقّع بيده ثوبه... فأعرض عن الدنيا بقلبه، وأمات ذكرها من نفسه، وأحبّ أن تغيب زينتها عن عينه لكيلا يتّخذ فيها رياشاً ولا يعتقدها قراراً، ولا يرجو فيها مقاماً من النفس، وأشخصها عن القلب وغيّبها عن البصر) [نهج البلاغة (تحقيق صالح): 227].

ومن النصّ المبارك نستفيد صفتين مهمّتين في هذه القدوة المباركة، أولهما القدوة في مكارم الأخلاق، وثانيهما القدوة في الإعراض عن الدنيا، فما كان الرسول (صلى الله عليه وآله) ليجمع الأمّة على كلمة التقوى لولا الخلق الرفيع والدعوة الكريمة التي انطوت على التمسّك بالأخلاق الفاضلة، والشواهد في ذلك كثيرة جدّاً ملأت كتب السير والتاريخ.

فمن مكارم أخلاق رسول الله (صلى الله عليه وآله) العفو والصفح، فقد عفا عن الذين حاولوا اغتياله وقتله، ولم يصدر بحقّهم أيّ قرار يقتضي إدانتهم، وهذا ما تميّزت به شخصيّته الخلقيّة واتّسمت به من صفات يطمح إليها كلّ عاقل ويسعى جاهداً في كسبها.

ولم تقتصر الأخلاق النبيلة عند النبي (صلى الله عليه وآله) في تطبيقها في الحياة على معاملته مع أفراد جنسه من البشر، بل تعدّت ذلك لتشمل عالم الحيوان أيضاً، فيروى أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) كان نائماً في أحد الأيام، فلما استيقظ وجد قطّة نائمة على طرف كمّه، فكره أن يوقظ القطّة وبقي ساكناً على حاله إلى أن انتبهت القطّة من منامها فذهبت في حال سبيلها وانصرف النبي (صلى الله عليه وآله) إلى أعماله. بل نُقل أنّه (صلى الله عليه وآله) قصّ جزءاً من ردائه لأنّ قطّة كانت نائمة عليه فأبى أن يوقظها من نومها. وفي مرّة أخرى يروى أنّه يسقي الحيوان بيده الكريمة عندما يلحظ عليه العطش، وثالثة يحذّر من إيذاء الحيوان.

إنّ مثل هذه القصّة تجعل المسلم يفتخر بما كان عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الرحمة والشفقة والرأفة حتى تجاه الحيوان، فهو يأبى أن يؤذي حيواناً ولو بإيقاظه من نومه، وهي مدعاة للتساؤل والتفكّر في كيفيّة معاملة الرسول (صلى الله عليه وآله) مع الحيوان بهذه الصورة من الرحمة والرأفة، ونقطة انطلاق عن التساؤل عن كيفيّة تعامله مع الناس؟ فالرسول(صلى الله عليه وآله) هو المؤسّس لمبدأ الرفق بالحيوان فكيف لا يؤسّس لمبدأ الرفق بالبشر؟!

وقد ورّث الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) مكارم أخلاقه إلى خلفائه من بعده من أهل بيت العصمة والطهارة، وهم الأئمّة المعصومون (عليهم سلام الله) الذين اقتدى بهم شيعتهم وغيرهم من المؤمنين والمسلمين، فقد ورد في الحديث عن عيسى بن عبد الله العلوي العمري، عن أبيه، عن آبائه، عن علي ( عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (اللهم ارحم خلفائي، ثلاثاً. قيل: يا رسول الله ومَن خلفاؤك؟ قال: الذين يبلّغون حديثي وسنّتي ثم يعلّمونها أمّتي) [الأمالي (الصدوق) 1: 247].

ومن خلال هذا الحديث الشريف نعطف الكلام إلى قدوة أخرى من مصابيح الدجى وسفن النجاة، وهو الإمام جعفر الصادق( عليه السلام)، إذ إطلاق الخلافة في الحديث يشمله؛ لكونه خليفة رسول الله في جميع المناصب، فهو (عليه السلام) الفرد الأكمل في زمانه، يُقتدى بهديه ومنهاجه.

لقد مارس صلوات الله عليه دوره في تعليم الناس وتبليغ سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله) جدّه وعلّمها إيّاهم على أحسن وجه، ولاسيما ما كان منها في مجال التربية الأخلاقيّة والآداب الإسلامية التي يكشف عنها حُسن الخلق، كيف لا وهو القائل صلوات الله وسلامه عليه: (إنّ الخلق الحسن يُميث الخطيئة كما تُميث الشمس الجليد) [الكافي 2: 100/ ح7].

لقد عاش الإمام الصادق (عليه السلام) مرحلة خطيرة ومهمّة من تاريخ الأمّة الإسلاميّة فصلت زمان دولتين حكمتا المسلمين، فتزامنت مرحلته مع سقوط الدولة الأمويّة وقيام الدولة العبّاسية، إذ تُعتبر هذه الفترة حالة احتضار دولة بني أميّة ثم موتها، وولادة دولة بني العبّاس وطفولتها، فاستطاع الإمام (عليه السلام) في هذه الظروف وفي خضم الصراعات السياسيّة وتشاغل أهل الدنيا بها أن يصنع الشخصيّات العلميّة والدينيّة التي لها الأثر الكبير في نشر ما ابتدأ به جدّه المصطفى، وتشييد ما أسّسه من مبادئ أخلاقيّة وعلمية توحّد صفوف المجتمع وتلم شتاته.

فقد استطاع أن يصنع علماء ومثقّفين لا يشقّ لهم غبار في مختلف العلوم، فكان هو القائد الحقيقي للأمّة، متصدّياً للجوانب العلميّة والفكريّة والسياسيّة والاجتماعيّة.

تحمل الإمام الصادق (عليه السلام) مسؤولية المسيرة في ظروف صعبة ومعقّدة، لكنّه على الرغم من ذلك أسّس لمعالم هامّة وبارزة في تبيين مسألة الإمامة والدعوة إليها، وكذا بيان الأحكام وتفسير القرآن وفق ما ورثته مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) عن الرسول (صلى الله عليه وآله).

ولم يكن الإمام الصادق (عليه السلام) قد وصل إلى ما وصل إليه في هذه الجوانب إلاّ بحسن الخلق ورفعته، فكان من مظاهر شخصيّته العظيمة نكران الذات، وحبّ التواضع وهو سيّد المسلمين، فكان من تواضعه أنّه يجلس على الحصير. فهو بذلك قد ملك القلوب وجذب العواطف بهذه المظاهر الكريمة التي كانت امتداداً لأخلاق جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وممّا ورد عنه في التواضع معتبراً إيّاه دليلاً على كمال العقل قوله(عليه السلام): (كمال العقل في ثلاثة: التواضع لله، وحسن اليقين، والصمت إلاّ في خير) [الاختصاص (المفيد): 244].

والحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/subject.php?id=2197
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2016 / 12 / 18
  • تاريخ الطباعة : 2017 / 12 / 17