• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم .
        • القسم الرئيسي : السيرة والمناسبات الخاصة .
              • القسم الفرعي : نساء أهل البيت (ع) .
                    • الموضوع : الدور الزينبي في نهضة الحسين (ع) .

الدور الزينبي في نهضة الحسين (ع)

 الدكتورة: زينب الركابي

مقدمة:

ليس غريبا أن‌ تستأثر مشاركة عقيلة الهـاشميين في ثورة الإمام الحسين(ع) بالاهتمام، فالثورة-الحدث كانت فاصلة تاريخية، ويوما من‌ أيام اللّه التي كتب‌ لهـا‌ الخلود على مدار الزمن.

ولذلك فـإن الحـديث عن زينب حديث عن الثورة، أو عن دور المرأة المسلمة في الثورة، وفي صناعة الحدث الإسلامي، ولا يعني ذلك أن حياة زينب قد اقتصرت عطاءاتها‌ على الثورة فقط، وإنما لأنها كانت عظيمة، ولأن حياتها معطاءة كان دورها كبيرا فـي واقعة الطف.

الثورة والانتصار القريب

يكاد الباحث يجزم بأن الإمام السبط لم يبحث في خروجه على‌ انتصار‌ قريب، وغلبة على الأعداء، ففضلا عن الروايات الواردة عن الرسول(ص) وعن أمير المؤمنين(ع) باستثناء الحسين(ع) في كربلاء، فضلا عن ذلك، فإن الإمام السبط مـا بـرح يصرح بهذه النتيجة في حواراته مع بعض الشخصيات الاجتماعية الكبيرة كابن‌ عباس‌ و ابن الزبير و ابن عمر، ونراه يكتب إلى أخيه محمد بن الحنفية عندما غادر مكة متوجها إلى العراق «فإن من لحق بـي اسـتشهد و من تخلف لم يدرك الفتح».

ويؤكد هذه النتيجة في خطاب على الناس بعد خروجه من مكة قائلا:«...كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن مني إكراشا جوفا و أحويه سغبا...» ويمضي بـاتجاه كـربلاء‌ على‌ الرغم‌ من مجيء الأخبار إليه باستشهاد‌ مسلم‌ بن‌ عقيل وانقلاب الأوضاع ضده في الكوفة.

إن الإمام الحسين(ع) والركب الهاشمي معه يعلمون يقينا أنهم لا يسيرون إلى نصر قريب‌ و إنما‌ يسيرون إلى هزيمة عـسكرية محققة.

الأهـداف البـعيدة للثورة

من‌ هنا كانت الثورة تـنشد أهـدافا أوسـع من لحظتها، إنها كانت تنظر بعيون قائدها نحو المجتمع الإسلامي آنذاك من أجل تغييره، و‌نحو‌ الأفق‌ الإسلامي البعيد من أجل وضع أسـسه القـويمة، وحـماية هذا الأفق‌ من أن تغيب ملامحه بسحب الانحراف وغـيوم الوضـع والتحريف لسنة المصطفى(ص).

ومن أجل أن تحقق الثورة‌ هدفها‌ الاجتماعي، و‌لتحقيق هدفها الفكري لابد للإمام الحسين من التخطيط الدقيق حتى تـأخذ‌ الثـورة أبـعادها كاملة غير منقوصة، وكذلك فعلوا من بعده أئمة الهدى.

التخطيط الحسيني

وكـان هذا‌ التخطيط‌ قد‌ اعتمد إشراك زينب(ع) وحرم آل الرسول في الركب، وكان الإمام السبط واعيا‌ لهذا‌ الإشراك‌ تمام الوعـي، و لذلك عـندما عـجز ابن عباس عن ثنيه عن المضي إلى العراق، قال له‌ إذا‌ لماذا‌ تصطحب النـساء مـعك، كان رد الحسين(ع) عليه «شاء اللّه أن يراهن سبايا» مكتفيا بهذه الإجابة الرمزية ولم‌ يوضح‌ لابن عباس ما لم يدركه من مغزى اصطحاب النـساء فـي ركـب الثورة.

بل‌ نجد‌ لقطة‌ تأريخية سابقة بكثير على حدث الثورة في زمن أمـير المـؤمنين(ع) تدلل عـلى تخطيط مسبق لإشراك‌ الحوراء‌ في هذا الحدث التأريخي الخالد، حيث اشترط أمير المؤمنين(ع) على عبد اللّه بـن جـعفر عـندما‌ تقدم‌ إلى‌ الزواج من زينب(ع) اشترط عليه السماح لها بالخروج مع الحسين عندما يخرج وهذا مـا حـصل‌ عندما‌ خرج الحسين ليصنع الحدث الذي ردد صداه الزمان و الأمكنة.

الدور الزينبي

عند‌ استشهاد‌ الإمام الحسين وأهل بـيته و صـحبه الأبـرار، بدأ دور زينب(ع) وهو دور خطير ومهمة‌ شاقة، ويمكننا‌ رصد مهمتين أساسيتين تنهض بهما عقيلة الطالبيين:

المهمة الأولى:

تـحريك روح الثـورة‌ والتمرد في نفوس المجتمع المسلم، وهذا ما سعت إليه السيدة زينب في الكـوفة، فمن المـعلوم أن المـجتمع‌ الكوفي‌ لا يحتاج إلى تعريف بالحسين(ع) وأهدافه، ولم ينقصهم الوعي بحقيقة الحكم‌ الأموي، وإنما كانوا يعيشون خللا نـفسيا تمثل بانعدام الإرادة‌ و عـدم‌ الاستعداد للتضحية، وكان هذا المجتمع بحاجة إلى‌ هزة‌ نفسية لمعالجة هذا الخـلل فـكانت الدمـاء الطهر على أرض الطفوف، فيما تولت العقيلة تفعيل‌ هذه‌ الدماء في نفوس المجتمع الكوفي، ولذلك‌ اعتمدت فـي‌ خـطابها‌ إلى‌ المجتمع الكوفي اللغة المشحونة عاطفيا من‌ أجل‌ تأجيج روح الندم لديهم لخذلانهم الحـسين و مـحاولة التفكير عن الشعور بالإثم‌ عبر‌ التمرد و الثورة والتضحية بهذه‌ النفوس التي عزت عن‌ نصرة‌ الحسين(ع)، ولذلك خـاطبتهم العـقيلة قائلة: «يا‌ أهل‌ الكوفة! ويا أهل الختل، والخذل والغدر! أتبكون؟ فلا رقأت الدمعة ولا هدأت الرنـة، إنما‌ مـثلكم‌ كمثل التي نقضت غزلها من‌ بعد‌ قـوة‌ أنكاثا...».

ونـلاحظ‌ هـنا‌ استخدام موفق للمثل القرآني‌ الذي‌ يعمق روح النـدم لدى هـؤلاء المخاطبين، وتمضي مخاطبة المجتمع الكوفي «ألا ساء ما قدمت‌ لكم‌ أنفسكم أن سخط اللّه عليكم وفـي‌ العـذاب أنتم‌ خالدون، أتبكون‌ وتنتحبون إي واللّه‌ فـابكوا كـثيرا واضحكوا قـليلا، فلقد ذهـبتم بـعارها وشنارها، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبدا وأنـّي‌ تـرحضون‌ قتل سليل خاتم الأنبياء و سيد‌ شباب‌ أهل‌ الجنة‌ وملاذ خيرتكم ومفزع‌ نـازلتكم،... أتدرون أي كـبد لرسول اللّه فريتم، وأي دم له سفكتم، وأي كريمة له أبرزتم و أي‌ حريم‌ له‌ أصبتم؟ وأي حـرمة له انـتهكتم؟ لقد جئتم شيئا‌ إدا‌ تكاد‌ السماوات‌ يـتفطرن‌ مـنه، و‌ تنشق الأرض، وتخر الجبال هدّا...».

المهمة الثانية وهي المهمة الفكرية

إن أحد الأهداف المهمة لثورة الإمـام الحـسين(ع) هو الهدف الفكري المتمثل بتصحيح الخـلل الفـكري الذي يـعيشه المسلمون‌ آنذاك حـيث كـانوا لا يميزون بين الحاكم الإسـلامي والحـاكم المنحرف عن الإسلام و إن كان يحكم باسمه، ولذلك يدينون بالطاعة للجميع دون تمييز ويرون ذلك تطبيقا لقوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ...﴾

وقـد مكن هـذا الخـلل الحـكام المنحرفين من الحكم بـاسم الإسلام و محاربة الإسلام باسمه، وكان يمكن لهذا‌ الخلل- لولا‌ ثورة الحسين- أن يقضي على الإسلام كله حـيث سـيشوهه الحكام مع تعاقب السنين، ولكن ثـورة الحسين(ع)استطاعت أن تـضع حـدا فـاصلا بـين الإسلام والحكومات المـنحرفة، وقـد‌ ركز خطاب أهل بيت الرسالة‌ الذين‌ أخذا أسارى إلى الشام من أجل تحقيق هذا الهدف من خـلال تـعريف المـجتمع الموجه إليه الخطاب- وهو المجتمع الشامي هـنا-على مـكانة الحـسين والتـعريف‌ بـه‌ مـن أجل كشف الحقيقة‌ التي‌ أراد يزيد- وكل حاكم منحرف- طمسها، فنرى زينب(ع) تخاطب يزيدا في مجلسه قائلة: «أمن العدل يا ابن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإماءك، وسوقك بنات رسول اللّه سبايا، قد هتكت ستورهن، وأبديت وجـوههن، تحدو بهن الأعداء من بلد‌ إلى‌ بلد، ويستشرفهن أهل المناهل و المعاقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والدني والشريف، ليس معهن من حماتهن حمى ولا من رجالهن ولي، وكيف يرتجي مراقبة من لفظ‌ فـوه‌ أكـباد الأزكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء».

و تمضي قائلة: «و لتردن علي رسول اللّه(ص) بما تحملت من سفك دماء ذريته‌ وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته، حيث يجمع اللّه شملهم، ويلم‌ شعثهم‌ ويأخذ بحقهم، ولا تحسبن الذيـن قـتلوا في سبيل اللّه أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون».

«فكد كيدك، واسع ‌‌سعيك، وناصب جهدك، فو اللّه لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا يرحض عنك‌ عارها، وهل‌ رأيك إلا فند و أيـامك إلا عـدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادي المنادي ألا لعـنة اللّه‌ على الظالمين».

تأملات في خطاب السيدة زينب(ع)

يكاد الباحثون في ميدان الإعلام يجمعون‌ على أن عناصر العملية‌ الإعلامية‌ هي: المرسل للرسالة الإعلامية، والرسالة الإعلامية، والوسيلة التي تـقوم بـنقل هذه الرسالة، والمستقبل للرسـالة الإعـلامية، وأخيرا الاستجابة للرسالة الإعلامية.

ويرون أن هدف الرسالة الإعلامية هو «المستقبل» من أجل إحداث «التأثير» أو «الاستجابة» المقصودة، ولذلك‌ لا بد من معرفة هذا «المستقبل» ودراسة شؤونه وحاجاته وهمومه ومستواه من أجل مخاطبته بشكل ناجح، وهذا ما يهتم بـه عـلم النفس الاجتماعي، وعندما نعود إلى خطاب العقيلة ونتأملها‌ علي ضوء العلم الحديث، نجدها قد تمتعت بعناصر النجاح، أو أنها حققت الشروط المطلوب توافرها في عناصر العملية الإعلامية الناجحة فنجد أن هناك اختلافا في مضمون الخـطاب المـوجه إلى المجتمع الكـوفي عن‌ ذاك‌ الموجه إلى المجتمع الشامي لاختلاف المجتمعين، أو لاختلاف «مستقبل الرسالة الإعلامية، فالمجتمع الشامي يجهل هؤلاء الأسارى و يرى فـيهم خوارج حتي أن أحدهم يطلب من يزيد جارية من هؤلاء السبايا و يـري‌ فـي قـتل الحسين يوم ظفر و انتصار «لأمير المؤمنين يزيد». حتى أن الصحابي سهل بن سعد الساعدي قال عندما رأى مظاهر الشام هل إن لأهـل‌ ‌الشـام عيد لا نعرفه، وهذه نتائج‌ طبيعية‌ للإعلام‌ الأموي الذي تعرض له هذا‌ المجتمع، ولذلك‌ نرى فـي خـطاب زيـنب(ع)كما في خطاب السجاد(ع) تركيز علي التعريف بهم و مدى ارتباطهم بالرسول(ص) الأكرم وفضح ليزيد وكيف إنه ابن‌ الطـلقاء‌ الذين‌ واصلوا حربهم للرسالة حتى فتح مكة فأطلقهم النبي(ص).

أما‌ المجتمع الكوفي فلا يـحتاج إلى ما يحتاجه المجتمع الشـامي، ولذلك تـركز خطاب العقيلة لأهل الكوفة على موضوع خذلانهم للإمام‌ الحسين(ع)، وكيف‌ أنهم انتكسوا في منتصف الطريق كالتي نقضت غزلها من بعد‌ قوة انكاثا.

كما أن التأثير الذي أرادت إحداثه الحوراء عند أهل الشام يختلف عنه عـند أهل الكوفة، فالمجتمع الشامي‌ لم‌ ترد‌ زينب تحريكه و إنما أرادت توعيته من أجل فضح الخطة الإعلامية‌ ليزيد‌ التي شوهت الثورة الحسينية، أما المجتمع الكوفي فأرادت العقيلة تحريكه و لذلك اعتمدت شحنه عاطفيا، وقد تحقق‌ لها‌ مـا‌ أرادت.

يـقول أحد الرواة واصفا أهل الكوفة بعد خطبة السيدة زينب: «فو اللّه‌ لقد‌ رأيت‌ الناس يومئذ حيارى، كأنهم سكاري، يبكون و يحزنون و يتفجعون و يتأسفون و قد وضعوا أيديهم‌ في‌ أفواههم».

قال: ونظرت إلى شيخ من أهل الكوفة كان واقـفا إلى جـنبي، وقد بكى حتى‌ اخضلت‌ لحيته بدموعه وهو يقول: صدقت بأبي و أمي، كهولكم خير الكهول، وشبانكم خير الشبان ونساؤكم‌ خير‌ النسوان، ونسلكم خير نسل لا يخزي ولا يبزي».

لقد أدت العقيلة رسالتها على‌ أكمل‌ وجه لا في الكـوفة والشـام فحسب وإنما بعد رجوعها إلى مدينة‌ جدها‌ حتى‌ أنها أصبحت مصدر خطر كبير على السلطات الأموية مما دفع الأخيرة إلى نفيها من بلدها-و‌ لعلها‌ أول امرأة تنفي لأسباب سياسية- ووضعها على مـقربة مـن عـاصمة الحكم الأموي‌ لتكون‌ تحت‌ الرقـابة المـركزية المـشددة حتى مضت آخر سني حياتها الشريفة لتدفن في جوار عاصمة الجور الأموي.

الحوراء‌ أسوة‌ و عبرة

ليس باستطاعة أية امرأة أن تقوم بالدور الذي قامت بـه‌ الحـوراء، والمـهمة التي أوكلها إليها الإمام الحسين، فالحوراء كانت تمتلك مـن المـؤهلات و الاعداد الفكري و النفسي من‌ أجل‌ أن تنهض بالعب‌ء الرسالي الكبير، ولذلك قيمها الإمام السجاد بقوله: «إن عمتي زينب‌ عالمة‌ غير معلمة و فـقيهة غـير مـفقهة» وكما‌ وصفها‌ الرواة‌ بأنها كانت تحكي عن لسان أبيها أمير‌ المـؤمنين، كما‌ نقل عنها الرواة أنها لم تترك صلاة الليل حتي في ليلة الحادي عشر‌ من‌ المحرم.

وزينب من علمها‌ و بصيرتها و صبرها‌ و إيـمانها أيـن مـنها نساء اليوم؟ وأين‌ منها‌ الذين يرون أن مكانة المرأة أن تحبس في بـيتها ولا تـخرج‌ إلا‌ مرتين مرة لبيت الزوجية والثانية‌ لقبرها؟.

ولئن كانت‌ زينب‌ عطاء الإسلام فأين المتباكين على‌ المرأة‌ و حقوقها خوفا عـليها مـن أن يـقيدها الإسلام بقيوده؟.

الحوراء عطاء الإسلام الذي اكتسب نوره من نور الزهراء وأبيها وبعلها وبنيها....صلوات الله عليهم أجمعين.

 


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/subject.php?id=2057
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2015 / 11 / 11
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 06 / 25