• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم .
        • القسم الرئيسي : تفسير .
              • القسم الفرعي : تفسير الجزء الثلاثين .
                    • الموضوع : 97ـ في تفسير سورة القدر .

97ـ في تفسير سورة القدر

 العلامة الشيخ حبيب الكاظمي

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ.

1 ـ لقد وردت في هذه السورة صور عديدة من صور التأكيد على عظمة القرآن، منها:

التعبير بالضمير دون التصريح بالاسم، وكأنه معلوم بالبداهة.

إن الله تعالى اختار ظرفا زمانيا هو من أشرف الظروف، والمتمثّل بليلة القدر.

كما اختار له قلب أشرف الكائنات ليتلقاه دفعة واحدة بمقتضى قوله تعالى ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ إذ كما أن المُلقى وهو القرآن الكريم شُرِّف بالمتلقّي وهو النبي الأكرم (ص) فإن المتلقّي أيضا شُرِّف بالقرآن الكريم.

صار التعبير بضمير الجمع الدال على التفخيم، كقوله تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا [سورة الحجر: الآية 9] و﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [سورة الكوثر: الآية1].

إن هناك حقيقة ملفتة في هذه السورة، وهي أنها تبدأ بذِكر إنزال القرآن الكريم، وكان السياق الطبيعي أن يستمر الحديث عنه، وإذا بالسياق يتوجّه دفعة إلى ليلة القدر، كما لو قلت: أنزلت ضيفا عظيما في المكان الفلاني، وبدلا من ذِكر عظمة الضيف، تذكر خصوصيات ذلك المكان!

وعليه، فلو صدر مثل هذا القول من قائل حكيم لاستُفيد منه أن الغرض الأولي كان متعلقا ببيان عظمة المكان، لأنك اخترت ضيفا عظيما للنزول فيه، وهذا ما حصل في هذه السورة؛ لأن السورة أرادت أن تقول: إن من موجبات عظمة ليلة القدر، أنها أصبحت ظرفا زمانيا لإنزال القرآن الكريم.

لا يخفى أن الليل له مزية من بين الأزمنة، ومن هنا صار ظرفا لتلك الليلة المباركة دون النهار، ففيه يتوجّه الله تعالى إلى خاصة أوليائه، ليغشّيهم بأنوار جلاله.

وممّا يلاحظ في القران الكريم أن الله تعالى أقسم بالفجر والعصر مرة واحدة، ولكنه أقَسَم بالليل في سبعة مواضع كقوله تعالى ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ [سورة التكوير: الآية 17] ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ [سورة المدثر: الآية 33] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ [سورة الفجر: الآية 4] وقد ذَكر تعالى أوصاف المؤمنين في الليل إذ ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [سورة الذاريات: الآية 18] ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ [سورة الإسراء: الآية 79] وهم ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ [سورة آل عمران: الآية 113] ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا [سورة الإنسان: الآية 26] و﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلا [سورة المزمل: الآية 2] وقد واعد الله تعالى كليمه ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [سورة البقرة: الآية 51] كما أسرى بحبيبه ليلا [سورة الإسراء: الآية 1].. كل هذه الأمور تدل على قابلية الليل لتحمل كل هذه البركات.

إن القرآن الكريم غالبا ما يستعمل صيغة ﴿وَمَا أَدْرَاكَ في الأمور الغائبة عن الحس من مفردات يوم القيامة: كذِكر ﴿سَقَرُ [سورة المدثر: الآية 27] و﴿يَوْمُ الْفَصْلِ [سورة المرسلات: الآية 14] و﴿يَوْمُ الدِّينِ [سورة الانفطار: الآية 17] و﴿الْقارِعَةُ [سورة القارعة: الآية 2] و﴿ما الْحُطَمَةُ [سورة الهمزة: الآية 5] و﴿نَارٌ حَامِيَةٌ [سورة القارعة: الآية 11].

وعليه، فإن ذِكر ﴿لَيْلَةِ الْقَدْرِ في هذا السياق، يجعل تلك الليلة كأنها ملحقة بعالم الغيب رغم أنها من عالم الشهود، وذلك لعدم قدرة الخلق على استيعاب حقيقة تلك الليلة، كعدم قدرتهم على استيعاب حقائق البرزخ والقيامة الغائبة عن الحس.

إن عظمة ليلة القدر تتجلى في أمور، منها:

أنها ظرف زماني لنزول القرآن الكريم، وهي بدورها أيضا مظروف لأفضل الشهور؛ أي شهر رمضان المبارك.

أنه قد تكرر ذِكر ليلة القدر ثلاث مرات في السورة الواحدة، بدلا من الاكتفاء بالضمير الراجع إليها.

مخطابة المولى لنبيه الأكرم (ص) بقوله تعالى ﴿وَمَا أَدْرَاكَ أي لم تبلغ درايتك غاية فضلها ومنتهى علو قدرها، فكان الأمر خارج عن فهم عقول عامة الخلق!

إن الله تعالى أراد ـ برأفته الغامرة ـ أن يعوّض الأمة الخاتمة بسبب قصر أعمارها وتقاعس بعض أفرادها تعويضا جزيلا، فجعل لهم ليلة هي خير من ألف شهر، فقد روي أن رسول اللّه (ص) رأى أعمار الناس، فاستقصر أعمار أمته(** المصدر)، وخاف أن لا يبلغوا من الأعمال مثل ما بلغته سائر الأمم، فأعطاه اللّه تعالى ليلة القدر ؛ وهي خير من ألف شهر لسائر الأمم!

وليس من المعلوم أن تكون الآية بصدد المساواة بين تلك الليلة والألف شهر بل قد تفوقه الفضل، فقد ذَكر الله تعالى أن هذه الليلة هي خير، ولم يبين قدر الخيرية ومقدار مضاعفتها، بل جعل الحد الأدنى لمقدار التفاضل هي الشهور الألف.. وهذا كقول النبي (ص) عن ضربة علي عليه السلام عند مبارزته لعمرو بن عبد ود: «لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن ‌عبد ود يوم الخندق ؛ أفضل من عمل أمتي إلى يوم القيامة» [مناقب ابن شهر آشوب: ج3 ص 138].

إننا سواء جعلنا القدر هنا بمعنى:

الشرافة: كقوله تعالى ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [سورة الزمر: الآية 67].

تقدير الأمور فيها: كقوله تعالى ﴿جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى [سورة طه: الآية 40].

الضيق: إذ تضيق الأرض بملائكة السماء كقوله تعالى ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ [سورة الطلاق: الآية 7].

فإنه يدل إجمالا ـ بأيٍّ من المعاني المذكورة ـ على عظمة تلك الليلة من: جهة ذاتها، ومن جهة الملائكة النازلة فيها، ومن جهة المقدّرات التي تنجز فيها.. ومن المعلوم أنه من مجموع ذلك تُفهم عظمة الخالق وكرمه، الذي يمنّ بمثل هذا العطاء في سويعات قليلة من ليلة واحدة.

إن التعبير عن ليلة القدر بأنها ﴿لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ [سورة الدخان: الآية 3] يُفهم منه أن الله تعالى يُنزل فيها من البركة ما يمنح الحياة الباطنية للعبد في تلك الليلة، كما يهب الحياة الظاهرية للأرض الميتة بقوله تعالى ﴿وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً [سورة ق: الآية 9] فالمحروم هو الذي لم يتعرّض لهذه البركة الغامرة في الوجود ولم ينتفع منها.

ولعل هذه المباركة الإلهية هي السر في دبيب النشاط في عامة العباد تلك الليلة، رغم تكاسلهم في باقي الليالي حتى من الشهر الكريم، ولا يخفى أن البركة ذات درجات.

فما ينزل مثلا من البركات على صاحب الأمر عليه السلام  لا يعقل أن ينزل على غيره، فلا تنبغي القناعة بدرجة من درجات التوفيق في تلك الليلة المباركة.

إن من موجبات تحقق شرافة ليلة القدر، أن الله تعالى ـ وهو الذي تحققت مشيئته على تنزيل القرآن الكريم تدريجيا طوال فترة الدعوة ـ تعلقت إرادته أيضا بإنزال هذه المعاني العظيمة كلها في ليلة واحدة على قلب المصطفى (ص) ويا له من قلب عظيم !.. إذ تحمّلَ نزول هذا القرآن بأكمله دفعة واحدة، وهو الذي كان يكابد نزول آية واحدة ؛ إلى درجة كان يُرى أثر ذلك في وجوده الشريف.

إن طبيعة البركة متعدية إلى ما يجاورها، فهو تعالى يقول عن نبيه عيسى عليه السلام  ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ [سورة مريم: الآية 31] وعن موسى عليه السلام  ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ومَنْ حَوْلَها [سورة النمل: الآية 8] وشهر رمضان المبارك ـ بالإضافة إلى بركته كشهر لله تعالى ـ فإنه قد بورك أيضا بليلة القدر لأنها صارت جزءاً منه، فتعدت البركة منها إلى الشهر الكريم.

وقياسا عليه نقول: إن بركات ليلة القدر تتعدى أيضا إلى ذوات المؤمنين، وذلك لمن كان أهلا لتلقّي ذلك الفيض الأعظم.

إن خيرية ليلة القدر قياسا إلى ألف شهر، قد تكون بلحاظ الأعمال ـ كما قيل غالبا ـ وقد تكون بلحاظ الذوات وهو الأهم، فتتعلق البركات بنفس الفاعل لا إلى ذات الفعل فحسب!

بمعنى: إن الفرد قد يكتسب من القرب إلى الحق والكمال في عالم الأرواح، ما لا يكتسبه في ألف شهر من المجاهدة والسعي، وفي هذا كمال الإغراء لأهله الذين يبحثون عن كمال الذوات لا الأفعال.

إن تقدير الأمور في ليلة واحدة كما يُفهم من آية اُخرى أيضا وهي ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [سورة الدخان: الآية 4] لمن موجبات اضطراب العبد الذي يريد السلامة في الدين والدنيا، وهذا بدوره من موجبات شحذ الهمة للعمل على جلب خير المقدرات لنفسه، قبل جفاف قلم التقدير في ساعة الفجر، وخاصة عند اللحظات الأخيرة من انتهاء ليلة القدر الكبرى.

وعليه نقول: إن المقدرات الإلهية ـ وإن كانت نازلة من الغيب ـ إلا أن للعبد دورا في تغييرها أو تبديلها لما فيه الصلاح والإصلاح، وهذه القاعدة تجري في كل موارد ذِكر (من يشاء) في القرآن الكريم، فقد يراد من الفاعل فيها هو (العبد) كما في قوله تعالى ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ [سورة النور: الآية 35].

إن ممّا يثير التساؤل عند ذِكر مضاعفة الأجر ليلة القدر، هو أنه كيف يتم الجمع بين هذه الآية وبين ما نعلمه من أن الأجر على قدر المشقة؛ فأين عبادة ألف شهر من عبادة ليلة واحدة؟!

والجواب عنه هو ما نجيب به عند تفسير البركات الكبيرة لكل منتسب صغير إلى الله تعالى مثل: تابوت موسى عليه السلام ، وقميص يوسف عليه السلام ، وحجارة الكعبة، وشهر رمضان المبارك، فنقول: إن الانتساب إلى الله تعالى يغيّر ماهية الأشياء والأفعال، وبما أن الله تعالى ـ وهو جاعل الخواص في الأشياء ـ جعل بلطفه هذه الخاصية المذهلة في ليلة واحدة ؛ فلا غرابة بعدها أبدا وهو الفعال لما يشاء.

إن ليلة القدر ليست مصيرية للبشر فحسب، بل لعامة الكائنات، فقد قيل: إن الله تعالى يقدّر فيها ما يكون في كل تلك السنة من مطر، ورزق، وإحياء، وإماتة.

وعليه، فإن التقدير في تلك الليلة المباركة يتعلق بالحوادث الكونية بناء على أن القدر الإلهي يلفّ كل ما خلقه الله عز وجل، بمقتضى قوله تعالى ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَر [سورة القمر: الآية 49] ولهذا يمكن القول بأن الذي يبالغ في الدعاء تلك الليلة، فإنه من المحتمل أن يكون دعاؤه دخيلا في تغيير مقدرات الكون من الزلازل والكوارث وغيرها، أضف إلى مقدرات الخلق من اخوانه المؤمنين، بل من عامة البشر الخارجين عن ملته أيضا.

إن الله تعالى كان بإمكانه أن يمنّ علينا بتعيين ليلة القدر في ليلة واحدة، ليريحنا من هذا التحيّر في كل عام، ولكنه أخفاها ـ بحكمته البالغة ـ بعثا للعباد على الاجتهاد والعمل في أكثر من ليلة وقلوبهم بين الخوف من تفويتها، والرجاء بإدراكها، فلا يصاب مَن أدركها بالغرور والعجب، كما لا يصاب مَن فوّتها باليأس والقنوط، إضافة إلى ما في إبهام تلك الليلة من إضفاء شرافة زائدة، فإن ما غلا ثمنه لا يكون مبذولا متاحا لكل مريد!

وليُعلم: أن حكمة الإخفاء نراها في أمور اُخرى فهو تعالى أخفى:

رضاه في الطاعات؛ حتى يرغبوا في كل الصالحات.

غضبه في المعاصي؛ ليحترزوا عن كل الخطايا.

وليّه فيما بين الناس؛ حتى يعظموا كل العباد.

الإجابة في الدعاء؛ ليبالغوا في كل الدعوات.

الاسم الأعظم؛ ليعظموا كل الأسماء.

الصلاة الوسطى؛ ليحافظوا على كل الصلوات.

قبول التوبة ؛ ليواظب المكلف على جميع أقسام التوبات.

وقت الموت؛ ليخاف المكلف من مفاجأة الموت له.

إن ظاهر قوله تعالى ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ يقتضي نزول جميع الملائكة بمقتضى ذِكر الجمع المحلى بالألف واللام، وقد وقع المفسرون بعدها في حيرة حول كيفية اجتماع هذا الجمع العظيم من الملائكة في ليلة واحدة، فمن قائل [التبيان في تفسير القران: ج10ص386]: بأنها لا تنزل إلى الأرض وإنما تبقى في السماء الدنيا، ومن قائل [مفاتيح الغيب: ج32 ص233]: إنها تتعاقب على الأرض أفواجا ؛ فصح إطلاق نزول جميعها في ليلة واحدة.

ومن المعلوم: أن تصوّر هذا الحشد من الملائكة، يوجب انبهار العبد وسعيه في أن يكون أفضل عامل في تلك الليلة، إذ قد يحظى بسلام كل هذا الجمع بل بدعائهم.

إن عطف الروح على الملائكة، يُشعر بقانون التفاضل في عموم الخلق، فكما أن الله تعالى فضّل الرسل بعضها على بعض ؛ فإنه أيضا جعل التفاضل بين سكنة العرش، فجعل الروح معطوفا مستقلا على الملائكة، واختُلف فيه فقيل عنه أنه:

ملَك عظيم لا شبه له.

طائفة خاصة من الملائكة لا تنزل إلا ليلة القدر.

جبرائيل الذي وصِف بقوله تعالى ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّك [سورة النحل: الآية 102].

إشارة إلى المسيح عليه السلام  حيث قال الله تعالى عنه ﴿عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْه [سورة الإنسان: الآية 171] ليطّلع على أعمال أمة النبي الخاتم (ص) ؛ فيرى عظيم العمل الصادر من أتباعه، وعلى رأس تلك الأعمال عمل خاتم الأوصياء المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف.

إن هناك ارتباطا وثيقا بين هذه السورة وبين مبدأ الولاية، وذلك لأن ليلة القدر ثابتة في كل العصور ـ كما هو المحقق ـ ويترتب عليه تنزل الملائكة فيها بالمقدرات، ومن المعلوم: أن لكل متنزِّل متنزَّلا عليه، ومَن يكون ذلك سوى مَن لولاه لساخت الأرض بأهلها والمتمثل بالمعصوم عليه السلام في كل عصر؟!

 ومن هنا أمكن أن نعد هذه السورة من سور الولاية، وجوهرها إرجاع الأمة إلى الثقل الآخر للقرآن الكريم.

إن نزول الملائكة إلى الأرض رغم كونه راجحا في بحد ذاته، إلا أن الأمر لا بُد له من إذن إلهي، وهذه طبيعة الملائكة التي لا تسبق ربها بالقول ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [سورة الأنبياء: الآية 27] وقد لا تخلو الآية من إشارة إلى أن الملائكة وكأنها مشتاقة لزيارة الصالحين من هذه الأمة، وعلى رأسهم الولي الأعظم (ص) كما لهم شوق آخر لزيارتهم في الجنة قائلين ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار [سورة الرعد: الآية 24] فطبيعة الزائر القاصد للزيارة تلازم الشوق للقاء المزور، وإن كان ذلك بأمر مَن لا يمكن مخالفته.

إن جميع العناصر الدخيلة في قوام ليلة القدر مرتبطة بالله تعالى بنحو من أنحاء الارتباط: فإنها واقعة في شهر الله، والذي أنزل فيه كتاب الله، وذلك على رسول الله، على يد ملك من ملائكة الله، لهداية عباد الله تعالى.. فعناصر هذه الليلة مصطبغة كلها بألوان إلهية، ومن هنا اكتسبت هذه المزية والشرافة.

إن عظمة القرآن الكريم، تتجلى في احتمال كلماته ـ بل حروفه ـ لمعان متغايرة، ومنها ما اختلف فيه العلماء حول تفسير ﴿مِن﴾ في قوله تعالى ﴿مِن كُلِّ أَمْرٍ﴾.. فقيل:

إنها بمعنى (باء الملابسة) ففيها بيان لما ينزل في تلك الليلة.

إنها بمعنى (السببية) أي أن هذا النزول بسبب كل أمر إلهي، ويفسره قوله تعالى ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ [سورة يس: الآية 82].

إنها بمعنى (التعليل) أي لأجل تدبير كل أمر من الأمور الكونية الحادثة [الميزان في تفسير القرآن: ج 20ص 332].

إن ما يُبطل أثر السِلم والسلامة في حياة العبد هي النفس الأمارة من جهة، والشيطان الغوي الرجيم من جهة اُخرى، ومن المعلوم أن دورهما يتحجّم في ليلة القدر:

فأما الشياطين: فهي مغلولة عموما في الشهر الكريم وخصوصا في ليلة القدر، إذ لا مجال لبسط سلطانها مع بسط سلطان الملائكة، التي تملأ الآفاق في تلك الليلة.

وأما النفس: فهي أيضا مُروّضة بالصيام في مجموع الشهر وفي خصوص ليلة القدر، فإنها محاطة بهالة من التقديس الإلهي الذي يلاحظه عامة الخلق في أنفسهم، ومن هنا كانت تلك الليلة سلاما إلى مطلع الفجر.

إن السلام في ليلة القدر قد يكون باعتبار:

نفس الليلة: فوصفت بالسلام لما فيها من السلامة من الآفات المانعة من قبول الأعمال، ولا يخفى ما فيه من التأكيد كقولنا: فلان عدل ؛ للتأكيد على أنّه عادل.

تسليم الملائكة على بعضها أو على المؤمنين، أو أنها تأتي لتسلّم على النبي (ص) وخليفته المعصوم.. وقد روي عن علي عليه السلام : «أنهم ينزلون ليسلّموا علينا، وليشفعوا لنا، فمن أصابته التسليمة؛ غُفر له ذنبه» [مفاتيح الغيب: ج32 ص233].

 


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/subject.php?id=1891
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2015 / 01 / 24
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 10 / 18