• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم .
        • القسم الرئيسي : دروس قرآنية تخصصية .
              • القسم الفرعي : الوقف والإبتداء .
                    • الموضوع : سلسلة دروس في الوقف والابتداء (الدرس الرابع) .

سلسلة دروس في الوقف والابتداء (الدرس الرابع)

 اعداد: الأستاذ عبد الرسول عبائي

 حاجة هذا الفنّ إلى مختلف العلوم

إن موضوع الوقف والابتداء يمكن أن يحسن القيام به كلُّ قارئ إذا أُوتي بعض الحظّ من علم باللغة ووجوه أدائها ولكنه يُشكِل في بعض الأحيان فلا يحسنه إلاّ العلماء الذين أُوتوا حظّاً من سماع ومن علم بالتأويل.

قال ابن النحاس: « حكى لي بعض أصحابنا عن أبي بكر بن مجاهد (ت: 334هـ) انه كان يقول: لا يقوم بالتمام إلاّ نحويٌّ، عالمٌ بالقراءات، عالم بالتفسير، عالم بالقصص، وتلخيص بعضها من بعض، عالم باللغة التي نزل بها القرآن. وقال غيره: يحتاج صاحب علم التمام إلى المعرفة بأشياء من اختلاف الفقهاء في أحكام القرآن، لأنه من قال من الفقهاء: لا تقبل شهادة القاذف وإن تاب، كان الوقف عنده ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ﴾ (النور/4) ... ومن قال تجوز شهادته إذا تاب كان الكلام عنده متصلاً والوقف عنده ﴿فإنّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النور/46). [القطع والائتناف لابن النحاس، ص 94 و 95]

«ومن الذين صرحوا بذلك معين الدين عبد الله النكزاوي (ت: 683هـ) قال في كتاب الوقف: لابدّ للقارئ من معرفة بعض مذاهب الأئمة المشهورين في الفقه، لأن ذلك يُعينُ على معرفة الوقف والابتداء، لأن في القرآن مواضع ينبغي الوقف على مذهب بعضهم، ويمتنع على مذهب آخرين». [الإتقان للسيوطي في علوم القرآن للحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت: 851 هـ) ج1 ص 297، تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم، منشورات رضي ايران- قم]

أمّا حاجته إلى علم النحو وتقديراته فلأن من جعل ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ...﴾ (الحج/78) منصوبة بمعنى «كملّةِ» وأعمل فيها ما قبلها لم يقف على ما قبلها ومن نصبها على الإغراء وقف على ما قبله ». [القطع والائتناف لابن النحاس، ص 95]

وكذا الوقف على قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَاً﴾ ثم يبتدئ ﴿قَيِّمًا﴾ لئلا يتخيّل كونه صفة له إذ أن العوج لا يمكن أن يكون «قَيِّمًا».

وهكذا الوقف على ما في آخره هاء السكت فإنك في غير القرآن تثبتُ الهاء إذا وقفت وتحذفها إذا وصلت، فتقول: قِهْ، عِهْ في الوقف، قِ زيداً، عِ كلامي، في الوصل.

أمّا في القرآن من قوله تعالى: ﴿كِتَابِيَهْ﴾ (الحاقة/19)، ﴿حِسَابِيَهْ﴾ (الآية/20) و ﴿سُلْطَانِيَهْ﴾ (الآية/29) و ﴿لَمْ يَتَسَنّهْ﴾ (الأنعام/259) و ﴿اقْتَدِهْ﴾ (الأنعام/90) وغير ذلك، فالواجب أن يوقف عليه بالهاء لأنه مكتوب في المصحف بالهاء، ولا يوصل، لأنه يلزم في حكم العربية إسقاط الهاء في الوصل؛ فإن أثبتها خالف العربية، وإن حذفها خالف مراد المصحف، ووافق كلام العرب، وإذا هو وقف عليه خرج من الخلافين واتّبع المصحف وكلام العرب. [البرهان للزركشي ج1 ص21 و 422]

وأمّا احتياجه إلى معرفة التفسير فلأنه إذا وقف على قوله تعالى: ﴿فإنها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ...﴾ (المائدة/26) كان المعنى محرّمة عليهم هذه المدّة، وإذا وقف على ﴿فإنها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ كان المعنى محرّمة عليهم أبداً وأنّ التيه أربعون؛ فلا بدّ من الرجوع إلى التفسير فيكون الوقف بحسب ذلك.

وكذلك يستحب الوقف على قوله تعالى: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ...﴾ (يس/52) ثم يبتدئ فيقول: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ لأنه قيل: إنَّه من كلام الملائكة. (48)

وأمّا احتياجه الى المعرفة بالقراءات فلأنَّه إذا قرأ ﴿وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُورًا﴾ (الفرقان/22) كان هذا التمام عنده، وإن ضمّ الحاء - وهي قراءة الحسن - فالوقف عنده ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا﴾ وكان الرجل من العرب إذا نزلت به شدة، يقول: حجراً، فقيل له: محجوراً، أي: لا تُعاذون كما كنتم تُعاذون في الدنيا حَجَرَ الله جلّ وعزّ ذلك عليكم يوم القيامة.

وإذا قرأ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأنْفَ بِالأنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ...﴾ (المائدة/45) فهذا التمام عنده إذا نصب ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ وهي قراءة نافع وعاصم والأعمش (ت:148هـ) وحمزة (ت: 156هـ) ومن قرأ: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ فرفعها ورفع ما بعدها فالوقف عنده ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وهذه قراءة الكسائي (ت: 180هـ) واختيار أبي عبيدة (ت: 209هـ) ... فعلى هذه القراءة ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ ابتداء حكم في المسلمين، وبجعل ما كتب عليهم في التوراة ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ويوجب الحكم في القصاص في العيون وما بعدها بين المسلمين بالآية. [القطع والائتناف لابن النحاس، ص 96]

وأمّا احتياجه إلى المعنى فضرورة لأنّ معرفة مقاطع الكلام إنّما هي بعد معرفة معناه، فينبغي لقارئ القرآن إذا قرأ أن يتفهم ما يقرأه ويشغل قلبه به ويتفقد القطع والائتناف ويحرص على أن يُفهم المستمعين في الصلاة وغيرها وأن يأتي وقفه عند كلام مستغنٍ أو شبيهٍ وأن يأتي ابتداؤه حسناً ولا يقف على مثل: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى﴾ (الأنعام/36)، لأن الواقف ها هنا قد أشرك بين المستمعين وبين الموتى، والموتى لا يسمعون ولا يستجيبون وانما أخبر عنهم أنهم يبعثون ومن لم يعرف الفرق بين ما وصله الله عزّ وجلّ في كتابه وبين ما فصله لم يحلّ له أن يتكلّم في القطع والائتناف فالقارئ يحتاج إلى أن ينظر أين يقطع وكيف يأتنف فإنّ من الوقف ما هو واضح مفهوم معناه ومنه مشكل لا يُدرى إلا بسماع وعلم بالتأويل ومنه ما يعلمه أهل العربية واللغة فيدري أين يقطع وكيف يأتنف. [القطع والائتناف لابن النحاس، ص 97 و 98]

إنَّ ما تقدّم من اشتراط ابن مجاهد في صاحب الوقف، العلم بالنحو والتفسير والقراءات واللغة، واشتراط غيره المعرفة بأشياء من اختلاف الفقهاء تجعل موضوع الوقف والابتداء خصوصاً في كتاب الله تعالى ذا أهميّة خاصة لا يقدِرُ عليها إلاّ من تحقّقت فيه تلك الشروط.

 


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/subject.php?id=1825
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2014 / 08 / 26
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 04 / 16