• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم .
        • القسم الرئيسي : قرآنيات .
              • القسم الفرعي : الأخلاق في القرآن .
                    • الموضوع : شهر رمضان انعكاسة روحية .

شهر رمضان انعكاسة روحية

سماحة الشيخ عبد الجليل المكراني

جاء في الحديث القدسي: (الصوم لي وأنا أجزي به)(1).

إنّ لشهر رمضان ميزةً وخصوصيةً يتفرّد بها عن غيره من الشهور على الرغم من أنّ كلّ الشهور وأيامها وأوقاتها هي لله تبارك وتعالى، وهي محلّ لذكره وعبادته، لكنّ شهر رمضان توفّر على ما يجعله ظرفاً لإبراز عبودية الإنسان وطاعته الكاملة للباري عزّ وجلّ.

لذا يحدّثنا القرآن الكريم عن فضل هذا الشهر المبارك، فيقول فيه: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}(2).

إذن فهذا هو الشهر الذي اختاره الله تعالى لنزول كتابه العظيم ونشر ثقافة الدين الصحيح ونظام العبودية الذي يُصلح الإنسان وينقله إلى الفلاح والنجاح.

وقد خصّ هذا الشهر بليلة عظيمة، وهي ليلة القدر، بما تحمل من تقدير وتدبير وإدارة كونية عظيمة لشؤون الخلائق، التي من أعظمها الإنسان الذي اختاره الله لخلافته في الأرض ووهبه العقل وأودع فيه الغرائز والفطرة السليمة كي يعمر هذه الأرض بطاعة الله.

وليلة القدر هي محور الزمان في حركة الإنسان؛ إذ فيها ميزان الأعمال وآثارها، وكلّما كان الاهتمام بها والتوجّه إليها عظيماً وكبيراً كلّما كانت النتائج والآثار أعظم بركة ونفعاً للإنسان.

إنّ هذا الشهر يحمل بهذا المعنى البعد الإلهي الذي رسمه الله تعالى له في عالم التكوين والتدبير قبل عالم التشريع والأحكام الإلزامية. ولعلّ الحديث الوارد عن الإمام الباقر(عليه السلام) في شأن شهر رمضان يوضح لنا جانباً من فضيلة هذا الشهر العظيم عند الله جلّ وعلا، يقول(عليه السلام): (لا تقولوا: هذا رمضان، ولا ذهب رمضان، ولا جاء رمضان. فإنّ رمضان اسم من أسماء الله عزّ وجلّ لا يجيء ولا يذهب، وإنّما يجيء ويذهب الزائل. ولكن قولوا: شهر رمضان، فالشهر مضاف إلى الاسم، والاسم اسم الله عزّ ذكره، وهو الشهر الذي أنزل فيه القرآن جعله مثلاً وعيداً)(3).

فإنّ إضافة (الشهر) للاسم المبارك (رمضان) يكشف عن مدى الانجذاب الروحي والوجداني الذي يعيشه الصائم في هذا الشهر من عبادة الله والتمسّك بمظاهر التذلّل والخضوع لله، والاندكاك مع التكاليف الشرعية والدينية.

الصيام والتوجّه الروحي

وبعد أن تبيّن لنا شيء من مزايا وخواصّ شهر رمضان المبارك، ننتقل إلى وظيفة الصوم ودورها في هذا الشهر، فإنّ الله سبحانه قد اختار هذا الوقت لتشريع تكليف الصوم، وهو من أصعب التكاليف وأشدّها وأشقّها على الإنسان؛ إذ يتحمّل الصائم فيه الجوع والعطش والآلام والإرهاق الجسدي والنفسي، بالإضافة إلى تجميد الكثير من الأعمال والأشغال التي لديه؛ كلّ ذلك لأداء هذه الفريضة المقدّسة؛ تلبية لأداء الأحكام الشرعية التي فرضها الله تعالى عليه، رغم ما بها من صعوبة وعناء، لذا فهو يعتبر في عملية جهاد بينه وبين غرائزه وشهواته.

وفي هذه الأجواء نلاحظ التغيير الروحي والوجداني الذي يطرأ على الإنسان في شهر الصيام المبارك، وهو انعطافة روحية ومعنوية يمكن أن نصطلح عليها بالانعكاسة الروحية.

ولا شك أنّ الانعكاس لا يأتي من فراغ، بل هو يحكي شيئاً موجوداً وواقعياً يتفاعل معه الإنسان ويتأثر به، ومن خلال ذلك التأثّر تبرز في سلوك الإنسان حالة العبادة والتوجّه إلى الله تعالى.

وهنا يرافق هذا التوجّه حالة الانقطاع ـ بنسب متفاوتة ـ عن التعلّق بالدنيا والملذّات والشهوات، وتجمّد الرغبات، وتحصل عند الإنسان حالة من التضحية والإرادة القوية لكسب الرضا الإلهي. بل يعيش الصائم نشوة الحبّ وحالة العشق لله تعالى، كما يصف الله تعالى حالة المؤمنين: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}(4).

وقد رغّب الشارع المقدّس في هذا الانشداد وبيّن فضيلة العبد وهو يعيش غمرات محو الذات ونسيانها، والنظر إلى عالم الرحمة والنعمة الإلهية، ونسيان حالة التعب والجهد الذي يلاقيه في حالته الروحية وهو صائم، فعن الإمام الصادق(عليه السلام)، قال: «أوحى الله إلى موسى(عليه السلام): ما يمنعك من مناجاتي؟ قال : يا ربّ، أُجلّك عن المناجاة لخلوق فم الصائم. فأوحى الله إليه: يا موسى، لَخلوق فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك»(5).

وتكريماً لحالة الصائم وهو ينزع لباسه الدنيوي والمادي ويرتدي زي العبودية الصادقة ويتخلّق بأخلاقها، ويعبّر عن الشكر بلسان إيلام النفس وقهرها وتهذيبها وتخليصها من شوائب الكبر والتمرّد، ومجازاة لذلك الجهاد العظيم الذي هو جهاد النفس، أغدقت الرحمة الإلهية والكرم الربّاني الصائم والعابد بالعنايات والفيوضات الإلهية، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) في خطبة له يستقبل بها شهر رمضان: (أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب)(6).

وهذه الانعكاسة الروحية والعبادية هي تعبير عن حالة الفطرة الإلهية التي خلق الإنسان عليها، وهي مصدر الخير والتضحية والفداء ونكران الذات في داخل الإنسان. لكن تلك الفطرة قد تصاب بالكدر والرين والتصدّع، فيعشو ـ بسبب ذلك ـ بصر الإنسان عن رؤية الأشياء على حقيقتها، ويصاب بحالة الشلل الروحي والمعنوي، وتضعف إرادته عن فعل ما يراه حسناً وجميلاً، وتنهار قواه الرادعة عن ارتكاب ما هو قبيح ومذموم.

فما الذي يمنع الإنسان أن يعيش حالة العبادة وحالة المراقبة لأقواله وأفعاله في سائر الأيام الأخرى؟

وما الذي يمعنه أن يعيش التخلّق بالأخلاق الفاضلة الحسنة والصفات المحمودة التي يعيشها في رمضان بأن يمارسها في سائر الأوقات والأيام؟ وما الذي يمنعه من ممارسة تلك الإرادة القوية التي تقف جداراً صلباً أمام الشهوات والنزوات في شهر رمضان وتسريتها لبقية أيام الإنسان من تلك السنة؟

لعلّ ومضة شهر رمضان النورانية تضيء لنا مدّة الصيام، فتنكشف لنا كلّ المساحات المظلمة في حياتنا الفردية والاجتماعية. ولعلّ نور العبادة يضيء لنا ظلمة النفس فتطهرها النفحات الإلهية المقدّسة.

لكنّه تعالى معنا في كل اللحظات، وفي كلّ الأماكن، لا تحجبه عنّا ساعات العمل، ولا الظروف المتقلبة أو الصعوبات والعقبات المادية والنفسية والاجتماعية، فلماذا الغفلة؟ ولماذا النكوص؟!

إنّ الخسران كلّ الخسران أن يفرّط الإنسان بالنور المتوقّد الذي خرج به من الظلام المهلك.

إنّ المؤمن مدعو للحفاظ على هذه الحالات الروحانية الرائعة لتكون له خير معين في زحمة الحياة.

فشهر رمضان هو الهبة الإلهية التي لا تعوض، وهو فرصة للتوبة والرجوع إلى رحمة الله تتكرر في كل عام؛ إظهاراً لرحمة الله ورأفته بعباده المذنبين والعاصين والراجين لعفوه ومغفرته. يقول الإمام أبو عبد الله(عليه السلام): (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان فقل: اللهمّ ربّ شهر رمضان، ومنزّل القرآن، هذا شهر رمضان الذي أنزلت فيه القرآن، وأنزلت فيه آيات بينات من الهدى والفرقان، اللّهم ارزقنا صيامه، وأعنّا على قيامه. اللّهم سلّمه لنا وسلّمنا فيه، وتسلّمه منّا في يسر منك ومعافاة)(7).

والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطيبين الطاهرين.

ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 10: 400، ح 16.

(2) البقرة: 185.

(3) معاني الأخبار: 315. الوسائل 10: 319، ح 2.

(4) المائدة: 54.

(5) الجواهر السنية: 45.

(6) الأمالي (الصدوق): 154.

(7) الكافي 4: 71.

 


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/subject.php?id=1676
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2013 / 07 / 09
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 08 / 16