• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم .
        • القسم الرئيسي : السيرة والمناسبات الخاصة .
              • القسم الفرعي : النبي (ص) وأهل البيت (ع) .
                    • الموضوع : وقفة مع الشاعر الكبير عبد الباقي العمري .

وقفة مع الشاعر الكبير عبد الباقي العمري

بقلم: أحمد فرج الله

نحن بإزاء شاعريّة عملاق كبير من عمالقةِ الأدبِ، ورائدٍ فحلٍ من فحول القصيدة العمودية، لا يكلُّ يراعُه عن تصوير المشهد بدقائق تفاصيله، ولا تُخطِئ قوافيه من زَحمة الأفكار والرؤى فتصبُّها في قالَبٍ يشدُّ الجمهور إلى الإصغاء طوعاً وانسيابيةً.

وعلى الرُّغم من كون الشاعر سُنّيَّ العقيدة، لكنه كمسلمٍ يكتنزُ في شخصه الولاءَ لأهلِ البيت (عليهم السّلام)، لا يسَعُه إلاّ الإعجابَ بعليٍّ بطل الإسلام الأول دون منازع، ليكتبَ نصّاً شعرياً مميزاً وقوياً ضمّته رؤيتُه الخاصة لأميرِ المؤمنين (عليه السّلام) من خلال مستويين:

* الأول: المستوى الديني، وذلك بأنّ الإمام علياً (عليه السّلام) هو رابعُ الخلفاء الراشدين.

* الثاني: المستوى النفسي، بأنّه يرى في أمير المؤمنين (عليه السّلام) الشُّجاع الذي لا نظير له، بل زاد على ذلك تأثُّرَه ببعض الأفكار والنظرات الصوفية والعرفانيّة التي كانت ترفع مقامَ الإمامِ أميرِ المؤمنين (عليه السّلام) بما يستحقّه إلى مَصافِّ تجسيد المُثل المطلقة في شخصيته (عليه السّلام)، إلى الحدِّ الذي يعتبره البعضُ غلوّاً وتطرفاً.

فهناك صورةٌ رائعةٌ تختبئ خلف سطورِ نصّ العُمري هذا، وهناك مضمونٌ ينزوي خوفاً من قسوة الحاكم وبطشه، لكن هناك جُرأةٌ وشَجاعةٌ على مستوى المفردة والعبارة، وتحدٍّ وإصرارٌ في الخروج على النمط التقليدي الكلاسيكي لا يستطيع القارئُ أو السامعُ إغفالَه بسهولةٍ أو غضَّ النظرِ عنه في ما أبدعه الشاعر:

أنت العليُّ الذي فوق العُلا رُفعا *** ببطنِ مكّةَ وسطَ البيت إذ وُضعا

سمّتك اُمُّك بنتُ الليثِ حيدرةً *** أكرم بلبوةِ ليثٍ أنجبت سَبُعا

فالقوافي سَلْسةُ الانقياد، طائعةُ القود والاقتفاء الواحدة تلو الاُخرى حتى نهاية القصيدة، ولها ما يشدُّها إلى بعضها البعض بحُزمة الحاطبِ المتمرس في هذا الفن.

وأنتَ والحقُّ يا أقضى الأنامِ به *** غداً على الحوض حقّاً تُحشَرانِ معا

فما هذا التصوير الرائع في المزاوجة بين عليٍّ (عليه السّلام) وبين الحقِّ المتجسّد بصورة آدميٍّ يُحشر إلى جانب أمير المؤمنين (عليه السّلام)، ليغترف غُرفةً من معين حوضه الصافي الزُّلال ! وما هذا التجسيد إلاّ قبسٌ استقاه العُمري هذا من حديث الرسول (ص) القائل: (عليٌّ مع الحق والحقُّ مع علي، يدور معه كيفما دار).

على أنّ هذا النهج لم يقتصر على البيت الواحد أو الاثنين أو الثلاثة، بل هو السمة البارزة لجميع أبيات القصيدة، وهو ما يؤكّد أصالة الالتحام والالتصاق بين أجزاء اللُحمة الواحدة للقصيدة.

ونلاحظ الانتشال الرائع للقصيدة من نَسَقِها القديم، وكيف استطاع العمري هذا من بلورتِها وتغليفِها بإطار الإبداع الرائع الذي حطّت قوافي وقوافل الكثير من شعراء أهل البيت (عليهم السّلام) عند ساحله، وذلك قوله:

وأنت نقطةُ باءٍ معْ توحُدِها *** بها جميعُ الذي في الذكر قد جُمعا

وأنت أنت الذي حطّت له قدمٌ *** في موضعٍ يدُهُ الرحمنُ قد وَضعا

حكى الحِمامُ حِماماً من حسامِك في *** لسانِ نارٍ على هاماتِهم سجعا

عالجتَ بالبيضِ أمراضَ القلوب ولو *** كان العلاجُ بغير البيضِ ما نفعا

لله درُّ فتىَ الفتيانِ منكَ فتىً *** ضُرعُ الفواطمِ في مهد الهُدى رَضعا

لك الكساءُ مع الهادي وبَضعتِه *** وقُرَّتَي ناظريه ابنيك قد جَمعا

ولا عجبَ في ذلك؛ لأنّ كلَّ أديب منصفٍ، مُرهَفِ الحِسِّ، صافي الفطرة والوجدان يعترفُ لعليٍّ بمثل ما اعترف به الشاعر العمري هذا.


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/subject.php?id=1668
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2013 / 06 / 06
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 12 / 16