• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم .
        • القسم الرئيسي : المشرف العام .
              • القسم الفرعي : مقالاته .
                    • الموضوع : الوجود المحمدي مصدر البركة .

الوجود المحمدي مصدر البركة

 

 
بقلم: الشيخ عبدالجليل المكراني
عندما يكون الكلام عن مركز الكمال في هذا الوجود، فإنّ الألفاظ والكلمات تقصر عن أداء ما هو الواقع والحقّ، وتقصر العقول أيضاً ـ رغم سعتها في العلم والفهم والإدراك ـ إذا أرادت أن تقترب من فضاء مصدر الوجود وعلّته الأولى في دنيا الخلائق، وأنّى لنا فهم ذلك إلاّ بتعليم من الله تعالى وتعليم من شخص ذلك الفيض المقدس؟ فهذا رسول الله يقول:)أوّل ما خلق الله نوري(([1]).
فالكون المادي والروحاني والإنساني ما هو إلاّ رشحة من رشحات الوجود المحمدي ونفحة سماوية من علياء القدس.
إنّ الوجود المقدّس للنبي المصطفى صلى الله عليه وآله هو مصدر نزول العطاء الربّاني على هذا الكون عموماً والوجود الإنساني خاصّة, إذ نستطيع أن نتلمّس مظاهر البركة والخير والعطاء الفياض في الوجود المحمّدي المبارك من خلال الملامح العامّة التي حدّدها لنا القرآن الكريم في بيان صفات أعظم إنسان في دنيا البشر، فقد حمل كلّ الصفات التي جعلته محلاًّ للكمالات ومنبعاً للفضائل ومرآة للإرادة الإلهية والمشيئة الربّانية, ومن غير طريق القرآن الكريم يصعب الوصول إلى منافذ الكون المحمدي.
وأمّا البركة المحمّدية التي يعرّفنا عليها القرآن الكريم تمثّلت في ثلاث صور في البيان القرآني:
الصورة الأولى: الرحمة الإلهية المتجسّدة في الوجود المحمّدي الذي يمثّل الوجود البشري، فإنّها تشمل الجانب التشريعي والجانب التربوي الروحي معاً, فإنّ البركة والرحمة في المقام تعني أنّ حصول الهداية والوصول للمقامات العليا في المسيرة البشرية يتوقف على اتباع النهج المحمدي القويم، وهو ما تجسّد في أفعاله وأقواله ومجمل حياته المباركة، فالبركة والتكامل إنّما ينطلق من سيرته وحياته، ومنها تنطلق البشرية لتصل إلى كمالها وغايتها.
الصورة الثانية: أنّ من كمال بركته في الوجود الإنساني أنّه فيّاض العطاء بلطف ومحبة.
كيف لا يكون كذلك وهو الشاخص الثاني في الخطاب القرآني لتكوين المفهوم الاجتماعي للبركة المحمّدية في الواقع الإنساني، وهذا الشاخص هو صورة الفضائل المحمّدية والخصائص النفسية والأخلاقية التي انحصرت بشخصه الكريم، قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ الله لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}([2]).
إنّ مظهر البركة في التصوير القرآني يكمن في كون النبي المصطفى مظهراً للرحمة الإلهية في تجسيد أخلاقية التسامح والرأفة والمحبّة والحنان والأبوة الحقيقية للمجتمع الإنساني، فبركته صلى الله عليه وآله حوّلت مجتمع السلب والنهب والغارات بعد عدائه له وحربه المتواصلة ضد المبادئ المقدسة التي أعلنها في دعوته، حولته إلى مجتمع حضاري قائم على التوحيد ومصدر للقيم السماوية ومثبت القيم الإنسانية في نفوس البشر. وأنّ في الآية الشريفة بشارة برجوع المجتمعات الإنسانية إلى مركز الفضيلة والنور في تاريخ المسيرة الإنسانية، وهو المصطفى صلى الله عليه وآله ودينه الإلهي الخاتم؛ لأنّها وصفته بأنّه ليس فضّاً حتى ينفضّ الناس من حوله، وأنّ ما جاء به من دين هو دين الرحمة والتعاطف والتراحم على صعيد المثل الإنسانية كافة، ولا يمكن للجنس البشري الواعي المتعقل أن ينفض عن مجمع هذه القيم.
فالبشرية في مسيرتها التكاملية لا بد لها من الالتفاف حول منبع الكرامة والعزّة والرحمة المطلقة، والبركة المحمدية إنّما نقرأها من خلال مسيرة تبليغ الدين وكثرة اتباعه ومعنتقيه.
ولا زال القرآن الكريم ينبئ في سورة النصر عن مستقبل الدعوة المحمّدية ونموها في المسيرة البشرية وانتصارات القيم التي يبثها الإسلام المحمدي في ضمائر بني الإنسان: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ الله وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً}([3]).
إنّ الفتح الإلهي العظيم والنصر المؤزّر بدأ بفتح مكّة وسقوط الأصنام الحجرية التي صنعتها العقول الخاوية والضمائر الميتة، وهذا لا ينتهي إلاّ بسقوط جميع الأصنام المختلقة والموهومة التي تقف بوجه الإنسان وتمنعه من الوصول إلى نقطة الكمال والسعادة، وهي توحيد الله وعبادته جلّ وعلا.
فمسيرة العطاء التي انطلقت من شخص النبي الأكرم تقترن بالكثرة والتزايد بسبب سلوك الجهاد الروحي والعبادي الذي انتهجه سيد المرسلين صلى الله عليه وآله.
الصورة الثالثة: أنّ الإيمان برسالة المصطفى المقدسة تفتح الآفاق أمام العقول وتنير الألباب بنور العلم والفهم والحكمة، فدين محمد هو دين الهداية من الضلال والانحراف العقائدي والفكري، وهو المنقذ من العقائد الهدّامة والأفكار التي تهبط بالإنسان عن قيمه الإنسانية وتسقطه في مهاوي الجهل وعبادة الشهوات واللذائذ الحسّية والدنيوية الزائلة. إنّ هذه الصورة القرآنية للتعريف بعظمة الوجود المحمدي لم تتوافر عليها النبوّات السابقة كما توافرت عليها رسالة نبي الإسلام وخاتم رسل الله، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}([4]).
فوجوده المقدّس هو مصدر التزكية والطهارة النفسية والروحية والأخلاقية لبني البشر ممّن يسير على نهجه العظيم. ووجوده المبارك هو مصدر العلم والنور في فضاءات العقل وإلهامه التفكير السليم. ووجوده صلى الله عليه وآله مصدر الإشعاع الإنساني الذي يشيع في النفوس فضائل الأخلاق وسجايا الفطرة البيضاء.
ولا غرو أن يكون هذا النبي مصدراً فياضاً لكل هذه المضامين والمثل, فهو هالة النور التي أفاضتها يد الرحمة لتنتشل الخلائق من الظلام والعدم، وهو مظهر كمال الفعل الإلهي وحكمته وجلاله وجماله تعالى وتقدس.
 
([1]) بحار الأنوار 1: 97.
([2]) آل عمران: 159.
([3]) النصر: 1ـ 3.
([4]) الجمعة: 2ـ 3.

  • المصدر : http://www.ruqayah.net/subject.php?id=1454
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2012 / 02 / 08
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 10 / 16