00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة الاعراف من أول السورة ـ آخر السورة  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الاصفى في تفسير القران (الجزء الاول)   ||   تأليف : المولى محمد محسن الفيض الكاشاني

[ 359 ]

سورة الأعراف

[ مكية، وهي مائتان وست آيات ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (المص). مضى الكلام في تأويله في أول سورة البقرة. (كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه): ضيق من تبليغه. قيل: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخاف تكذيب قومه، فكان يضيق صدره في الاداء ولا ينبسط له، فأمنه الله سبحانه بهذه الاية. (2) (لتنذر به وذكرى للمؤمنين). (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء): شياطين الجن والانس، فيحملو كم على الاهواء والبدع (قليلا ما تذكرون). (وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا): بائتين، كقوم لوط (أوهم قائلون): أو قائلين نصف النهار، من القيلولة كقوم شعيب، يعني أخذهم في غفلة منهم وأمن وفي وقتي دعة واستراحة.

___________________________

(1) ما بين المعقوفتين من " ب ". (2) الكشاف 2: 86. (*)

 

[ 360 ]

(فما كان دعواهم): ما كانوا يدعونه من دينهم، أو دعائهم واستغاثتهم (إذا جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين): إلا اعترافهم ببطلانه وبظلمهم فيما كانوا عليه، وتحسرهم على ما كان منهم. (فلنسئلن الذين أرسل إليهم) يعني الامم عن قبول الرسالة وإجابتهم الرسل (ولنسئلن المرسلين) يعني الانبياء عن تأدية ما حملوا من الرسالة. ورد في حديث: " فيقام الرسل فيسألون عن تأدية الرسالات التي حملوها إلى أممهم، فيخبرون أنهم قد أدوا ذلك إلى أممهم، ويسأل الامم فيجحدون، كما قال الله: " فلنسألن " الاية، فيقولون: ما جاءنا من بشير ولا نذير. فيستشهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فيشهد بصدق الرسل ويكذب من جحدها من الامم، فيقول لكل أمة منهم: " قد جاءكم بشير نذير، والله على كل شئ قدير " (1) أي: مقتدر على شهادة جوارحكم عليكم، بتبليغ الرسل إليكم رسالاتهم، ولذلك قال الله لنبيه: " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا "، (2) فلا يستطيعون رد شهادته، خوفا من أن يختم الله على أفواههم، وأن يشهد عليهم جوارحهم بما فعلوا " (3). (فلنقصن عليهم): على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم (بعلم): عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة (وما كنا غائبين) عنهم وعن أفعالهم وعن أحوالهم، والغرض من السؤال: التوبيخ والتقرير عليهم، وازدياد سرور المثابين بالثناء عليهم، وغم المعاقبين بإظهار قبائحهم. (والوزن يومئذ الحق) أي: وزن الاعمال والتميز (4) بين راجحها وخفيفها (فمن

___________________________

(1) المائدة (5): 19. (2) النساء (4): 41. (3) راجع: الاحتجاج 1: 360، عن أمير المؤمنين عليه السلام، مع تفاوت يسير. (4) في " ب " و " ج ": التمييز. (*)

 

[ 361 ]

ثقلت موازينه): حسناته، جمع موزون، أو ما يوزن به حسناته، جمع ميزان. (فأولئك هم المفلحون). (ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بأياتنا يظلمون). ورد: إنه سئل عن وقول الله عزوجل: " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة " قال: " هم الانبياء والاوصياء ". (1) وفي رواية: " نحن الموازين القسط " (2). أقول: وذلك لان ميزان كل شئ هو المعيار الذي به يعرف قدر ذلك الشئ، فميزان الناس ليوم القيامة: ما يوزن به قدر كل إنسان وقيمته على حسب عقيدته وخلقه وعمله، لتجزى كل نفس بما كسبت، وليس ذلك إلا الانبياء والاوصياء، إذ بهم وباتباع شرائعهم واقتفاء آثارهم وترك ذلك، وبالقرب من سيرتهم والبعد عنها يعرف مقدار الناس وقدر حسناتهم وسيئاتهم، فميزان كل أمة هو نبي تلك الامة ووصي نبيها والشريعة التي أتى بها، فمن ثقلت حسناته وكثرت، فأولئك هم المفلحون، ومن خفت وقلت حسناته، فأولئك الذين خسروا أنفسهم، أي: ضيعوا فطرتهم بسبب ظلمهم عليها، بتكذيبهم الانبياء والاوصياء. تمام تحقيق هذا المقام يطلب من رسالتنا الموسومة بميزان القيامة. (ولقد مكناكم في الارض): مكناكم من سكناها وزرعها والتصرف فيها (وجعلنا لكم فيها معايش) تعيشون بها (قليلا ما تشكرون). (ولقد خلقناكم ثم صورناكم). قال: " أما " خلقناكم "، فنطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما ثم لحما، وأما " صورناكم "، فالعين والانف والاذنين والفم واليدين

___________________________

(1) معاني الاخبار: 31، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) الكلمات المكنونة: 158، عنهم عليهم السلام. (*)

 

[ 362 ]

والرجلين، صور هذا ونحوه، ثم جعل الدميم والوسيم (1) والجسيم والطويل والقصير وأشباه هذا " (2). أقول: الاقتصار على بيان الخلق والتصوير لبني آدم في الحديث، لا ينافي شمول الاية لادم، فإنه خلقه طينا غير مصور ثم صوره، فلا ينافي الحديث تمام الاية. (ثم قلنا) أي: بعد خلق آدم وتصويره (للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين). (قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك) أي: أن تسجد. تزاد " لا " في مثله لتأكيد معنى الفعل الذي دخلت عليه، نظيره: " لئلايعلم " (3)، وفيه تنبيه على أن الموبخ عليه، ترك السجود، على أن الممنوع عن الشئ مضطر إلى خلافه، فكأنه قيل: ما اضطرك أن لا تسجد. (قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين). قال: " إن إبليس قاس نفسه بآدم فقال: خلقتني من نار وخلقته من طين، فلو قاس الجوهر الذي خلق منه آدم، بالنار، كان ذلك أكثر نورا وضياء من النار " (4). وفي رواية: " ولو قاس نورية آدم بنورية النار، عرف فضل ما بين النورين وصفاء أحدهما على الاخر " (5). وفي أخرى: " كذب إبليس، ما خلقه الله تعالى إلا من طين، قال الله عزوجل: " الذي جعل لكم من الشجر الاخضر نارا " (6) قد خلقه الله من تلك النار ومن تلك الشجرة، والشجرة أصلها من طين " (7). (قال فأهبط منها): من المنزلة التي أنت عليها في السماء وزمرة الملائكة (فما

___________________________

(1) الدميم: القبيح المنظر، والوسيم: الحسن الوجه. مجمع البحرين 6: 64 (دهم). الصحاح 5: 2051 (وسم). (2) القمي 1: 224، عن أبي جعفر عليه السلام، وليس فيه: " الجسم ". (3) الحديد (57): 29. (4) الكافي 1: 58، الحديث: 18، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) المصدر، الحديث: 20، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) يونس (10): 80. (7) القمي 2: 244، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

 

[ 363 ]

يكون لك): فما يصح لك (أن تتكبر فيها) وتعصي، فإنها مكان الخاشع المطيع، وفيه تنبيه على أن التكبر لا يليق بأهل الجنة. (فاخرج إنك من الصاغرين) فإن من تكبر وضعه الله. (قال أنظرني إلى يوم يبعثون): أمهلني إلى يوم القيامة، فلا تمتني ولا تعجل عقوبتي. (قال إنك من المنظرين). أجابه الله إلى ما سأله من الامهال، ولم يجبه إلى ما سأله من غايته، لان الله تعالى يقول في موضع آخر: " فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم " (1) وهو النفخة الاولى ويوم البعث، والقيامة هو النفخة الثانية. وورد: " يموت إبليس ما بين النفخة الاولى والثانية " (2). وفي رواية: " أنظره إلى يوم يبعث فيه قائمنا " (3). وفي إسعافه (4) إليه، ابتلاء العباد وتعريضهم للثواب بمخالفته. (قال فبمآ أغويتني): فبسبب إغوائك إياى، وهو تكليفه إياه ما وقع به في الغي، ولم يثبت كما ثبتت الملائكة، فإنه لما أمره لله بالسجود حملته الانفة على معصيته. (لاقعدن لهم صراطك المستقيم): لاجتهدن في إغوائهم حتى يفسدوا بسببي كما فسدت بسببهم، بأن أتر صد لهم على طريق الاسلام كما يترصد القطاع على الطريق ليقطعه على المارة. ورد: " الصراط هنا: علي عليه السلام " (5). في رواية: " يا زرارة (6) إنما عمد لك ولاصحابك، فأما الاخرون فقد فرغ منهم " (7)

___________________________

(1) الحجر (15): 37 و 38، وص (38): 80 و 81. (2) علل الشرايع 2: 402، الباب: 142، الحديث: 2 عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) العياشي 2: 242، الحديث: 14، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) الاسعاف: الاعانة وقضاء الحاجة. مجمع البحرين 5: 70 (سعف). (5) العياشي 2: 9، الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) لم ترد في " ب " و " ج " كلمة: " يا زرارة ". (7) الكافي 8: 145، الحديث: 118 عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: " إنما صمدلك ". (*)

 

[ 364 ]

(ثم لاتينهم) من الجهات الاربع جمع (من بين أيديهم) قال: " معناه أهون عليهم أمر الاخرة " (1). (ومن خلفهم) قال: " آمرهم بجمع الاموال والبخل بها عن الحقوق لتبقى لورثتهم " (2). (وعن أيمناهم) قال: " أفسد عليهم أمر دينهم، بتزيين الضلالة وتحسين الشبهة " (3). (وعن شمائلهم) قال: " بتحبيب اللذات إليهم وتغليب الشهوات على قلوبهم " (4). (ولا تجد أكثرهم شاكرين): مطيعين. قاله تظننا، لقوله سبحانه: " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه " (5). ورد: " إنه استوجب من الله أن أعطاه ما أعطاه بركعتين ركعهما في السماء في أربعة آلاف سنة " (6). (قال أخرج منها مذءوما): مذموما، من ذأمه: إذا ذمه. (مدحورا): مطرودا (لمن تبعك منهم). اللام فيه لتوطية القسم، وجوابه: (لاملان جهنم منكم أجمعين) أي: منك ومنهم. ورد ما معناه إنه قال: " فكيف وأنت العدل الذي لا تجور، فثواب عملي بطل ؟ قال: لا ولكن سلني من أمر الدنيا ما شئت، أعطك. فأول ما سأل البقاء، ثم تسلطه على ولد آدم، ثم أن يجريه فيهم مجرى الدم، ثم أن لا يولد لهم ولد إلا ولد له إثنان، ثم أن يراهم ولا يرونه ويتصور لهم في كل صورة شاء، ثم أن يجعل صدورهم أو طانا له ولذريته، فأعطاه الله ذلك كله، فعند ذلك قال: " فبعزتك لاغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين " 7 " ثم لاتينهم " الاية " (8). (9)

___________________________

(1) مجمع البيان 3 - 4: 404، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2، 3 و 4) مجمع البيان 3 - 4: 404، عن أبي جعفر عليه السلام. (5) سبأ (34): 20. (6) القمي 1: 42، عن أبي عبد الله عليه السلام. (7) ص (38): 82 و 83. (8) الاعراف (7): 17. (9) القمي 1: 42، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

 

[ 365 ]

(ويآأدم ؟ اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين). سبق تفسيرها في سورة البقرة (1). (فوسوس لهما الشيطان): أو همهما النصحية لهما، وهي في الاصل: الصوت الخفي. (ليبدى لهما): ليظهر لهما) ما ورى): غطي (عنهما من سوأتهما): عوراتهما. قيل: وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الاخر (2). (وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين). (وقاسمهما): أقسم لهما (إنى لكما لمن الناصحين). قال: " قال إنكما إن أكلتما من هذه الشجرة التي نها كما الله عنها، صرتما ملكين وبقيتما في الجنة أبدا، وإن لم تأكلا منها، أخر جكما من الجنة، وحلف لهما أنه لهما ناصح، فقبل آدم قوله " (3). (فدليهما ؟): فنزلهما إلى الاكل منها. نبه به على أنه أهبطهما بذلك من درجة عالية إلى رتبة سافلة، فإن التدلية: إرسال الشئ من أعلى إلى أسفل. (بغرور): بما غرهما به من القسم، فإنهما ظنا أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا. (فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوأتهما) قال: " سقط عنهما ما ألبسهما الله من لباس الجنة، وأقبلا يستتران من ورق الجنة " (4). (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة): وأخذا يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة (وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين). (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين).

___________________________

(1) ذيل الاية: 35. (2) البضاوي 3: 6. (3 و 4) القمي 1: 43، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

 

[ 366 ]

(قال اهبطوا بعضكم عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين). سبق تفسيرها مع تمام القصة (1). (قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون). (يابنئ ادم قد أنزلنا عليكم لباسا يورى سوأتكم) ويغنيكم عن خصف الورق (وريشا) تتجملون به. والريش ما يتجمل به، مأخوذ من ريش الطائر، فإنه لباسه وزينته. (ولباس التقوى): خشية الله قال: " فأما اللباس: فالثياب التي تلبسون، وأما الرياش: فالمال والمتاع (2)، وأما لباس التقوى: فالعفاف، إن العفيف لا تبدوله عورة وإن كان عاريا من الثياب، والفاجر بادي العورة وإن كان كاسيا من الثياب " (3). (ذلك خير) قال: " يقول: والعفاف خير " (4). (ذلك) أي: إنزال اللباس (من ءآيات الله) الدالة على فضله ورجمته (لعلهم يذكرون) فيعرفون نعمته، أو يتعظون فيتورعون عن القبائح. (يابنئ ادم لا يفتننكم الشيطان): لا يمتحننكم، بأن يمنعكم دخول الجنة بإغوائكم (كمآ أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوأتهما). أسند النزع إليه للتسبب. (إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم). تعليل للنهي، وتأكيد للتحذير من فتنته، و " قبيله ": جنوده. (إنا جعلنا الشياطين أو ليآء للذين لا يؤمنون) لما بينهم من التناسب. (وإذا فعلوا فاحشة): فعلة متناهية في القبح، كعبادة الاصنام، والايتمام بأئمة الجور (قالوا وجدنا عليها ءابآءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله مالا تعلمون). قال: " هل رأيت أحدا زعم أن الله أمر بالزنا، وشرب الخمر، * (هامش) (1) في سورة البقرة، ذيل الاية: 36. (2) في " ب " و " ج ": " فالمتاع والمال ". (3 و 4) القمي 1: 226، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

 

[ 367 ]

أو شئ (1) من هذه المحارم ؟ فقيل: لا، ثم قال: إن هذا في أئمة الجور، ادعوا أن الله أمرهم بالايتمام بقوم لم يأمرهم الله بالايتمام بهم، فرد الله ذلك عليهم، فأخبر أنهم قد قالوا عليه الكذب، وسمى ذلك منهم فاحشة " (2). (قل أمر ربى بالقسط): بالعدل والاستقامة (وأقيموا وجوهكم) أي: نحو القبلة، أو توجهوا إلى عبادته مستقيمين، غير عادلين إلى غيرها (عند كل مسجد): في كل وقت سجود، أو في كل مكان سجود، وهو الصلاة. قال: " هذه في القبلة " (3). وفي رواية: " مساجد محدثة، فأمروان أن يقيموا وجوههم شطر المسجد الحرام " (4). وفي أخرى: " عند كل مسجد، يعني: الائمة عليهم السلام " (5). (وادعوه): واعبدوه (مخلصين له الدين) أي: الطاعة، فإن إليه مصيركم. (كما بدأكم): كما أنشأكم ابتداء (تعودون) بإعادته. قال: " يعني: خلقهم حين خلقهم مؤمنا وكافرا، وشقيا وسعيدا، وكذلك يعودون يوم القيامة مهتد وضال " (6). (قريقا هدى) بأن وفقهم للايمان (وفريقا حق عليهم الضلالة) إذ لم يقبلوا الهدى. قال: " هم القدرية الذين يقولون: لا قدر، ويزعمون أنهم قادرون على الهدى والضلال، وذلك إليهم، وإن شاؤوا اهتدوا وإن شاؤوا ضلوا، وهم مجوس هذه الامة، وكذب أعداء الله المشية والقدرة لله، كما بدأهم يعودون، من خلقه شقيا يوم خلقه، * (هامش) (1) في " الف " و " ج " والعياشي: " وشئ ". (2) الكافي 1: 373، الحديث: 9 مضمرا، والعياشي 2: 12، الحديث: 15، عن العبد الصالح عليه السلام. (3) التهذيب 2: 43، الحديث: 134، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " هذه القبلة ". (4) المصدر، الحديث: 137، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) العياشي 2: 12، الحديث: 18، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) القمي 1: 226، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

 

[ 368 ]

كذلك يعود إليه شقيا، ومن خلقه سعيدا يوم خلقه، كذلك يعود إليه سعيدا " (1). قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من سعد في بطن أمه " (2). (إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله) قال: " يعني أئمة دون أئمة الحق " (3). و (ويحسبون أنهم مهتدون). (يابنئ ادم خذوا زينتكم عند كل مسجد) قال: " خذوا ثيابكم التي تتزينون بها للصلاة في الجمعات والاعياد " (4). وفي رواية: " من ذلك، التمشط عند كل صلاة " (5). وفي أخرى: " الغسل عند لقاء كل إمام " (6). (وكلوا واشربوا) ما طاب لكم (ولا تسرفوا) بالافراط والاتلاف، وبالتعدي إلى الحرام، وبتحريم الحلال وغير ذلك. قيل: لقد جمع الله الطب في نصف آية (7). أقول: وهو ناظر إلى الافراط في الاكل. (إنه لا يحب المسرفين). قال: " من سأل الناس شيئا، وعنده ما يقوته يومه فهو من المسرفين " (8). (قل من حرم زينة الله) من الثياب وسائر ما يتجمل به (التي أخرج لعباده) من الارض، كالقطن والكتان والابريسم والصوف والجواهر (والطيبات من الرزق) * (هامش) (1) القمي 1: 226، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) القمي 1: 227. (3) علل الشرايع 2: 610، الباب: 385، ذيل الحديث: 81، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: " يعني: أئمة الجور ". (4) مجمع البيان 3 - 4: 412، عن أبي جعفر عليه السلام. (5) من لا يحضر الفقيه 1: 75، الحديث: 319، عن الرضا عليه السلام، ومجمع البيان 3 - 4: 413، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) التهذيب 6: 110، الحديث 197، عن أبي عبد الله عليه السلام. (7) البيضاوي 3: 8. (8) العياشي 2: 14، الحديث: 28، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

 

[ 369 ]

المستلذات من المآكل والمشارب، وهو إنكار لتحريم هذه الاشياء. (قل هي للذين ءامنوا في الحياة ؟ الدنيا) قال: " المغصوبين عليها " (1). (خالصة) لهم (يوم القيامة) قال: " بلا غصب " (2). ورد: " إن المتقين حازوا عاجل الخير وآجله، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم، أباحهم الله في الدنيا ما كفاهم به وأغناهم، ثم تلا هذه الاية " (3). (كذلك نفصل الايات لقوم يعلمون). (قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها) قال: " يعني: الزنا المعلن، ونصب الرايات التي كانت ترفعها الفواجر للفواحش في الجاهلية " (4). (وما بطن) قال: " يعني: ما نكح من أزواج الاباء، لان الناس كانوا قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان الرجل له زوجة ومات عنها، تزوجها ابنه من بعده إذا لم تكن أمة، فحرم الله ذلك " (5). (والاثم) قال: " هي الخمر بعينها، وقد قال الله في موضع آخر: " يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس " (6) فأما الاثم في كتاب الله فهي الخمر والميسر، وإثمهما كبير " (7). (والبغى بغير الحق) قال: " هي الزنا سرا " (8). (وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطان): ما لم يدل عليه برهان (وأن تقولوا على الله مالا تعلمون) أي: تتقولوا وتفتروا. ورد: " لا تقل ما لا تعلم بل لا تقل كل ما تعلم " (9). وفي رواية: " من أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة السماوات والارض " (10). * (هامش) (1 و 2) الكافي 1: 409، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) الامالي (للمفيد): 263، المجلس الحادي والثلاثون، ذيل الحديث: 3، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: " أباحهم الله من الدنيا ما كفاهم وبه أغناهم ". (4 و 5 و 7) الكافي 6: 406، الحديث: 1، والعياشي 2: 17، الحديث: 38، عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام. (6) البقرة (2): 219. (8) العياشي: 2: 17، الحديث: 38، عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام. (9) من لا يحضره الفقيه 2: 381، الحديث: 1627، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (10) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 46، الباب: 31، الحديث: 173، عن النبي عليه السلام. (*)

 

[ 370 ]

(ولكل أمة أجل). قال: " هو الذي سمي لملك الموت في ليلة القدر " (1). (فإذا جاء أجلهم لا يستأجرون ساعة ولا يستقدمون). قال " تعد السنين، ثم تعد الشهور، ثم تعد الايام، ثم تعد النفس، " فإذا جاء أجلهم ")) الاية (2). (يابنئ ادم إما يأتينكم) ضمت " ما " إلى " إن " الشرطية تأكيدا لمعنى الشرط. (رسل منكم): من جنسكم (يقصون عليكم ءاياتي فمن اتقى) التكذيب منكم (وأصلح) عمله (فلا خوف عليهم ولاهم يحرنون). (والذين كذبوا بأياتنا واستكبروا أولئك أصحاب النارهم فيها خالدون). (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا): تقول عليه ما لم يقله (أو كذب بأياته): أو كذب ما قاله (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب): مما كتب لهم من الارزاق والاجال (حتى إذا جاءتهم رسلنا يتفونهم). " حتى " غاية لنيلهم نصيبهم واستيفائهم إياه، أي " إلى وقت وفاتهم، وهي التي يبتدء بعدها الكلام. والمراد بالرسل هنا: ملك الموت وأعوانه. (قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله) الالهة التي تعبدونها (قالوا ضلوا عنا): غابوا عنا (وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين) (قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والانس في النار) أي: قال الله تعالى لهم يوم القيامة. (كلما دخلت أمة لعنت أختها) التي ضلت بالاقتداء بها (حتى إذا ادار كوافيها جميعا): تداركوا وتلاحقوا في النار. قال: " برئ بعضهم من بعض، ولعن بعضهم بعضا، يريد بعضهم أن يحج - أي: يغلب (3) بعضا رجاء الفلج (4)،

___________________________

(1) العياشي 1: 354، الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) الكافي 3: 262، الحديث: 44، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " تعد الساعات، ثم تعد النفس ". (3) لم ترد في " ب " و " ج " كلمة: " أي يغلب ". (4) الفلج الظفر والفوز. مجمع البحرين 2: 323 (فلج). (*)

 

[ 371 ]

فيفلتوا (1) من عظيم ما نزل بهم، وليس بأوان بلوى ولا اختبار ولا قبول معذرة ولات حين نجاة " (2). (قالت أخراهم) منزلة، وهي الاتباع والسفلة (لاوليهم ؟) منزلة أي: لاجلهم، إذا الخطاب مع الله لا معهم، وهم القادة والرؤساء. قال: " يعني أئمة الجور " (3). (ربنا هؤلاء أضلونا فأتهم عذابا ضعفا من النار) مضاعفا، لانهم ضلوا وأضلوا (قال لكل ضعف) أما القادة فبكفرهم وتضليلهم، وأما الاتباع فبكفرهم وتقليدهم (ولكن لا تعلمون). (وقالت أوليهم لاخراهم) مخاطبين لهم: (فما كان لكم علينا من فضل). عطفوا كلامهم على قول الله سبحانه للاتباع: " لكل ضعف " أي: فقد ثبت أن لافضل لكم علينا، وإنا وإياكم متساوون في الضلال واستحقاق الضعف (فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون) شماتة بهم. (إن الذين كذبوا بأياتنا واستكبروا عنها) أي: عن الايمان بها (لا تقتح لهم أبواب السماء) لادعيتهم وأعمالهم ولنزول البركة عليهم ولصعود أرواحهم، إذا ماتوا. (ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط): لا يدخلونها حتى يكون ما لا يكون أبدا. من ولوج الجمل - الذي لا يلج إلا في باب واسع - في ثقب الابرة. (وكذلك نجزى المجرمين). (لهم من جهنم مهاد): فراش (ومن فوقهم غواش): أغطية (وكذلك نجزى الظالمين). (والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا نفسا إلا وسعهآ): ما يسعه طاقتهم ويسهل عليهم، والجملة اعتراض للترغيب. (أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون).

___________________________

(1) الافلات: التخلص من الشئ. مجمع البحرين 2: 213 (فلت). (2) الكافي 2: 31، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) مجمع البيان 3 - 4: 417، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

 

[ 372 ]

(ونزعنا ما في صدورهم من غل) على إخوانهم في الدنيا فسلمت قلوبهم وطهرت من الحقد والحسد والشحناء (1)، ولم يكن منهم إلا التراحم والعاطف والتوادد. ورد: " العداوة تنزع منهم، يعني: من المؤمنين في الجنة " (2). (تجرى من تحتهم الانهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). قال " إذا كان يوم القيامة، دعي بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبأمير المؤمنين والائمة عليهم السلام فينصبون للناس، فإذا رأتهم شيعتهم، قالوا: " الحمد الله الذي هدانا لهذا ". يعني: هدانا الله في ولاية أمير المؤمنين والائمة من ولده عليهم السلام " (3). (لقد جاءت رسل ربنا بالحق) فاهتدينا بإرشادهم. يقولون ذلك، اغتباطا وتبجحا (4)، إذ صار علم يقينهم في الدنيا عين يقينهم في الاخرة. (ونودوا أن تلكم الجنة) إذا رأوها (أورثتموها بما كنتم تعملون). روي: " ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار، فأما الكافر فيرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنة، فذلك قوله تعالى " أورثتموها بما كنتم تعملون ") (5). (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا) ؟ قالوه تبجحا بحالهم وشماتة بأصحاب النار وتحسرا لهم، وإنما لم يقل: " ما وعدكم " كما قال: " ما وعدنا "، لان ما ساءهم من الموعود لم يكن بأسره مخصوصا وعده بهم، كالبعث والحساب ونعيم الجنة لاهلها. (قالوا نعم فأذن مؤذن

___________________________

(1) الشحناء: العداوة والبغضاء. مجمع البحرين 6: 271 (شحن). (2) القمي 1: 231، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) الكافي 1: 418، الحديث: 33، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) البجح - بالتحريك -: الفرح. مجمع البحرين 2: 341 (بجح). (5) مجمع البيان 3 - 4: 420، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (*)

 

[ 373 ]

بينهم أن لعنة الله على الظالمين). الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا) زيغا وميلا عما هو عليه (وهم بالاخرة كافرون). قال: " المؤذن أمير المؤمنين عليه السلام يؤذن أذانا يسمع الخلايق " (1). (وبينهما حجاب) أي: بين الفريقين، أو بين الجنة والنار. (وعلى الاعراف رجال). أعراف الحجاب أي: أعاليه: رجال من الموحدين العارفين المعروفين. (يعرفون كلا) من أهل الجنة والنار (بسيماهم): بعلامتهم التي أعلمهم الله بها، لانهم من المتوسمين أهل الفراسة. قال: " الاعراف كثبان (2) بين الجنة والنار، يوقف عليها كل نبي وكل خليفة نبي مع المذنبين من أهل زمانه، كما يقف صاحب الجيش مع الضعفاء من جنده، وقد سبق المحسنون إلى الجنة " (3) الحديث. وفي رواية: " نحن على الاعراف نعرف أنصارنا بسيماهم، ونحن الاعراف الذين لايعرف الله عزوجل إلا بسبيل معرفتنا، ونحن الاعراف يوقفنا الله عزوجل يوم القيامة على الصراط " (4). وفي لفظ آخر: " نوقف بين الجنة والنار، فلا يدخل الجنة إلا من عرفنا وعرفناه، ولا يدخل النار إلا من أنكرنا وأنكرناه " (5). وفي رواية: " إنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقصرت بهم الاعمال، وإنهم لكما قال الله " (6). وزيد في أخرى: " فإن أدخلهم النار فبذنوبهم، وإن أدخلهم الجنة فبرحمته " (7).

___________________________

(1) القمي 1: 231، والكافي 1: 426، عن أبي الحسن عليه السلام. (2) الكثبان جمع كثيب: التل من الرمل. القاموس المحيط 1: 126 (كثب). (3) مجمع البيان 3 - 4: 423، وجوامع الجامع 1: 438 - 439، عن أبي عبد الله عليه السلام، والقمي 1: 231 ما يقرب منه. (4) الكافي 1: 184، الحديث: 1، عن أمير المؤمنين عليه السلام، وفيه: " يعرفنا الله " بدل: " يوقفنا الله ". (5) بصائر الدرجات: 497، الباب: 16، الحديث: 6، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (6) الكافي 2: 408، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. (7) المصدر: 381، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

 

[ 374 ]

أقول: لا تنافي بين الروايتين: لان هؤلاء القوم يكونون مع الرجال الذين على الاعراف، وكلاهما أصحاب الاعراف كما دل عليه الحديث الاول. (ونادوا) قال: (1) يعني: ونادى أصحاب الاعراف الذين كانوا عليه مع الائمة عليهم السلام، من مذنبي شيعتهم الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم (أصحاب الجنة) أي: الذين سبقوا إليها، وذلك حين يقول لهم الائمة عليهم السلام: أنظروا إلى إخوانكم في الجنة، قد سبقوا إليها بلا حساب. (أن سلام عليكم) أي: إذا نظروا إليهم سلموا عليهم (لم يدخلوها وهم يطمعون) أن يدخلهم الله إياها بشفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والامام عليه السلام. (وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين) أي: في النار. وفي قراءة الصادق عليه السلام: " قالوا ربنا عائذا بك أن لا تجعلنا " (2). (ونادى أصحاب الاعراف) يعني: الائمة عليهم السلام (رجا لا يعرفونهم بسيماهم) من رؤساء الكفار (قالوا مآأغنى عنكم جمعكم) في الدنيا (وما كنتم تستكبرون) عن الحق. (أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برجمة) من تتمة قول الائمة عليهم السلام للرجال، والاشارة إلى شيعتهم الذين كانوا معهم على الاعراف، الذين كانت الكفرة يحتقرونهم في الدنيا، ويحلفون أن الله لا يدخلهم الجنة. (ادخلوا الجنة لاخوف عليكم ولا أنتم تحزنون) " أي: فالتفتوا إلى أصحابهم وقالوا لهم: " ادخلوا الجنة " الاية ". كذا ورد في تفسيرها هذه الايات (3). (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء) أي: صبوه،

___________________________

(1) كذا في جميع النسخ، ولعل قوله: " قال " زائد، أو كان قائله المصنف لا الامام المعصوم عليه السلام كما يظهر من الصافي فراجع. (2) مجمع البيان 3 - 4: 424، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه " أن تجعلنا ". (3) جوامع الجامع 1: 439، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

 

[ 375 ]

وذلك لان الجنة فوق النار (أو مما رزقكم الله) من الاطعمة والفواكه (قالوا إن الله حرمهما على الكافرين). (الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا) فحرموا ما شاؤوا واستحلوا ما شاؤوا (وغرتهم الحيوة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا) قال: " نتركهم كما تركوا الاستعداد للقاء يومهم هذا. وقال: إنما يجازي من نسيه ونسي لقاء يومه بأن ينسيهم أنفسهم، كما قال الله تعالى: " ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم " (1). وفي رواية: " يعني بالنسيان أنه لم يثبهم كما يثيب أولياءه، الذين كانوا في دار الدنيا مطيعين ذاكرين، حين آمنوا به وبرسوله (2) صلى الله عليه وآله وسلم وخافوه في الغيب. قال: وقد يقول العرب في باب النسيان: قد نسينا فلان فلا يذكرنا. أي: أنه لا يأمر لهم بخير ولا يذكرهم به " (3). (وما كانوا): وكما كانوا (بأياتنا يجحدون). (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون). (هل ينظرون): ينتظرون (إلا تأويله): ما يؤل إليه أمره، من تبين صدقه بظهور ما نطق به من الوعيد. (يوم يأتي تأويله). القمي: ذلك في قيام القائم عليه السلام ويوم القيامة. (4) (يقول الذين نسوه من قبل) تركوه ترك الناسي (قد جاءت رسل ربنا بالحق): قد تبين أنهم جاؤوا بالحق. (فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا) اليوم (أو نرد) إلى الدنيا (فنعمل غير الذى كنا نعمل قد خسروا أنفسهم) بصرف أعمارهم في الكفر (وضل عنهم ما كانوا يفترون):

___________________________

(1) التوحيد: 160، الباب: 16، الحديث: 1، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. والاية في الحشر (59): 19. (2) في " ب " و " ج " والمصدر: " برسله ". (3) التوحيد: 259، الباب: 36، ذيل الحديث: 5، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (4) القمي 1: 235. (*)

 

[ 376 ]

بطل فلم ينفعهم. (إن ربكم الله الذي خلق السموات والارض في ستة أيام). قال: " ولو شاء أن يخلقها في أقل من لمح البصر لخلق، ولكنه جعل الاناة (1) والمدارة مثالا لامنائه، وإيجابا للحجة على خقه " (2). وفي رواية: " كان قادرا على أن يخلقها في طرفة عين، ولكنه عزوجل خلقها في ستة أيام، ليظهر على الملائكة ما يخلقه منها شيئا بعد شئ، فيستدل بحدوث ما يحدث على الله تعالى مرة بعد مرة " (3). (ثم استوى على العرش) قال: " يعني استوى تدبيره وعلا أمره " (4). وفي رواية: " استولى على ما دق وجل " (5). وفي أخرى: " استوى على كل شئ فليس شئ أقرب إليه " (6). وفي أخرى: " استوى من كل شئ، فليس شئ أقرب إليه من شئ " (7). وفي أخرى: " استوى في كل شئ فليس شئ أقرب إليه من شئ، لم يبعد منه بعيد، ولم يقرب منه قريب " (8). أقول: المستفاد من هذه الروايات، أن المراد بالعرش، مجموع الاشياء، كما ورد في أخبار أخر أيضا، ومن الثلاث الاخيرة بألفاظها، أن المراد بالاستواء، استواء النسبة، وضمن الاستواء ما يتعدي ب‍ " على " تارة، كالاستيلاء والاشراف ونحوهما، لموافقة لفظ القرآن. فيصير المعنى: استوى نسبته إلى كل شئ حال كونه مستوليا على الكل، وأتى بلفظة " من " تارة، تحقيقا لمعنى الاستواء في القرب والبعد، وبلفظة " في " تارة،

___________________________

(1) الاناة كقناة -: الرفق. مجمع البحرين 1: 360 (أنا). الاحتجاج 1: 379، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (3) التوحيد: 320، الباب: 49، الحديث: 2، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (4) الاحتجاج 1: 373، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (5) المصدر 2: 157، عن أبي الحسن عليه السلام. (6) الكافي 1: 127، الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. (7) التوحيد: 315، الباب: 48، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (8) الكافي 1: 128، الحديث: 8، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

 

[ 377 ]

تحقيقا لمعنى ما يستوي فيه. ففي الاية دلالة على نفي المكان عنه سبحانه، خلاف ما يفهمه الجمهور منها. وفيها إشارة إلى معيته القيومية، واتصاله المعنوي بكل شئ على السواء، على الوجه الذي لا ينافي أحديته وقدس جلاله، وإلى إفاضة رحمته العامة على الجميع على نسبة واحدة، وإحاطة علمه بالكل بنحو واحد، وقربه من كل شئ على نهج سواء. وأما اختلاف المقربين كالانبياء والاولياء مع المبعدين كالشياطين والكفار في القرب والبعد، فليس ذلك من قبله سبحانه، بل من جهة تفاوت أرواحهم في ذواتها. (يغشي اليل النهار): يغطيه به (يطلبه حثيثا): يعقبه سريعا كالطالب له، لا يفصل بينهما شئ. (والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق): عالم الاجسام (والامر): عالم الارواح (تبارك الله رب العالمين): تعالى بالوحدانية في الالوهية وتعظم بالفردانية في الربوبية. (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) فإن الاخفاء أقرب إلى الاخلاص (إنه لا يحب المعتدين): المجاوزين ما أمروا به في الدعا وغيره. ورد: " إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في غزاة، فأشرف على واد فجعل الناس يهللون ويكبرون ويرفعون أصواتهم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: يا أيها الناس اربعوا (1) على أنفسكم أما إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا، إنه معكم " (2). وعن الصادق عليه السلام في هذه الاية: " الاعتداء من صفة قراء زماننا هذا وعلامتهم " (3). (ولا تفسدوا في الارض) بالكفر والمعاصي (بعد إصلاحها) ببعث الانبياء وشرع الاحكام. قال " إن الارض كانت فاسدة فأصلحها الله عزو جل بنبيه، فقال: " ولا

___________________________

(1) إربع على نفسك: أرفق بنفسك وكف وتمكث. مجمع البحرين 4: 331 (ربع). (2) مجمع البيان 3 - 4: 429. (3) مصباح الشريعة: 58، الباب: 25، في آفة القراء، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (*)

 

[ 378 ]

تفسدوا في الارض بعد إصلاحها ") (1). والقمي: أصلحها برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام، فأفسدوها حين تركوا أمير المؤمنين عليه السلام (2). (وادعوه خوفا) من الرد لقصور أعمالكم وعدم استحقاقكم (وطمعا) في إجابتة، تفضلا وإحسانا لفرط رحمته (إن رحمت الله قريب من المحسنين). ترجيح للطمع وتنبيه على ما يتوصل به إلى الاجابة. (وهو الذي يرسل الرياح بشرا). جمع بشير. (بين يدى رحمته): قدام رحمته، يعني: المطر، فإن الصبا تثير السحاب، والشمال تجمعه، والجنوب تجلبه، والدبور تفرقه. (حتى إذا أقلت): حملت (سحابا): سحائب (ثقالا) بالماء (سقناه لبلد ميت): لاحيائه (فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى) من الاجداث (3) أحياء. (لعلكم تذكرون) فتعلمون أن من قدر على ذلك قدر على هذا. (والبلد الطيب): الارض الكريمة التربة (يخرج نباته بإذن ربه) بأمره وتيسيره. (عبر به من كثرة النبات وحسنه وغزارة نفعه، بقرينة المقابلة. (والذي خبث) كالحرة (4) والسبخة (5) (لا يخرج) نباته (إلا نكدا): قليلا عديم النفع (كذلك نصرف الايات): نرددها ونكررها (لقوم يشكرون) نعمة الله، فيتفكرون فيها ويعتبرون بها. قيل: الاية مثل لمن تدبر الايات وانتفع بها، ولمن لم يرفع إليها رأسها ولم يتأثر بها. (6) والقمي: مثل للائمة عليهم السلام يخرج علمهم بإذن ربهم، ولاعدائهم لا يخرج

___________________________

(1) الكافي 8: 58، الحديث: 20، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) القمي 1: 236. (الاجداث جمع حدث - بالتحريك -: القبر. القاموس المحيط 1: 169 (جدث). (4) الحرة: أرض ذات حجارة نخرة سود. القاموس المحيط 2: 7 (حر). (5) السبخة - محركة ومسكنة -: أرض ذات نز وملح. القاموس المحيط 1: 270 (سبخ). (6) البيضاوي 3: 13 - 14. (*)

 

[ 379 ]

علمهم إلا كدرا فاسدا (1). (لقد أرسلنا نوحا إلى قومه يا قوم أعبدو الله) وحده ما لكم من إله ؟ غيره إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) إن لم تؤمنوا. (قال الملا من قومه) أي: الاشراف (إنا لنراك في ضلال مبين). (قال يا قوم ليس بى ضلالة ولكني رسول من رب العالمين). (أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله مالا تعلمون). (أو عجبتم). إنكار، وذلك أنهم تعجبوا من إرسال البشر (أن جاء كم ذكر من ربكم): موعظة منه (على رجل منكم): على لسانه (لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون). (فكذبوه فأنجيناه والذين معه) وهم من آمن به (في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بأياتنآ إنهم كانوا قوما عمين): عمي القلوب غير متبصرين، وأصله عميين، ويأتي تمام القصة في سورة هود إن شاء الله (2). (وإلى عاد أخاهم هود ا). هم قبيلة من العرب سموا باسم أبيهم الاكبر (3)، ويعنى بالاخ: الواحد منهم، كقولهم: " يا أخا العرب " للواحد منهم. (قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ؟ غيره أفلا تتقون) عذاب الله. (قال الملا الذين كفروا من قومه إنما لنراك في سفاهة) إذ فارقت دين قومك (وإنا لنظنك من الكاذبين). (قال يا قوم ليس سفاهة ولكني ؟ رسول من رب العالمين). (أبلغكم رسالات ربى وأنا لكم ناصح) فيما أدعوكم إليه (أمين): مأمون في

___________________________

القمي 1: 236، وفيه: " إلا كذبا فاسدا ". (2) الايات: 25 إلى 49. (3) وهو " هود بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ". راجع: جوامع الجامع 1: 445. (*)

 

[ 380 ]

تأدية الرسالة لا أكذب ولا أغير. (أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم). في إجابة الانبياء عليهم السلام الكفرة عن كلماتهم الحمقاء بما أجابوا، والاعراض عن مقابلتهم بمثلها، مع علمهم بأنهم أضل الخلق وأسفههم أدب حسن، وحكاية الله ذلك تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء ويدارونهم. (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح) أي: خلفتموهم في الارض بعد هلاكهم بالعصيان (وزادكم في الخلق بصطة): قامة وقوة. ورد: " كانوا كالنخل الطوال، وكان الرجل منهم ينحو الجبل (1) بيده فيهدم منه قطعة " (2). (فأذكروا ءالاء الله) بالشكر. ورد: " أعظم آلاء الله على خلقه ولايتنا " (3). (لعلكم تفلحون). (قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد أآباؤنا فأتنا بما تعدنا) من العذاب المدلول عليه بقوله: " أفلا تتقون " (4) (إن كنت من الصادقين). (قال قد وقع عليكم من ربكم رجس): عذاب، من الارتجاس، وهو الاضطراب (وغضب): إرادة انتقام. (أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم): في أشياء ماهي إلا أسماء ليس تحتها مسميات لانكم سميتموها آلهة، ومعنى الالهية فيها معدوم، نظيره: " ما يدعون من دونه من شئ ". (5) (ما نزل الله بها من سلطان): من حجة ولو استحقت للعبادة لكان استحقاقها بإنزال آية من الله ونصب حجة منه (فانتظروا) نزول

___________________________

(1) ينحو الجبل: يقصده. القاموس المحيط 4: 396 (نحو). (2) مجمع البيان 3 - 4: 437 عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: " بيديه ". (3) الكافي 1: 217، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) الاية: 65 من نفس السورة. (5) العنكبوت (29): 42. (*)

 

[ 381 ]

العذاب (إنى معكم من المنتظرين). (فأنجيناه والذين معه) في الدين (برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بأياتنا وما كانوا مؤمنين): استأصلناهم، وكان ذلك بأن أنشأالله سبحانه سحانه سوداء زعموا أنها ممطرهم، فجاءتهم منها ريح عقيم فأهلكتهم، كما يأتي في مواضع أخر. (وإلى ثمود أخاهم صالحا). هم قبيلة أخرى من العرب سموا باسم جدهم (1). ورد: " هي قرية واحدة لا تكمل أربعين بيتا على ساحل البحر، صغيرة " (2). (قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله ؟ غيره قد جاءتكم بينة من ربكم): معجزة ظاهرة الدلالة على صحة نبوتي (هذه ناقة الله لكم ءاية). أضافها إلى الله، لانها خلقت بلا واسطة، ولذلك كانت أية. (فذروها تأكل في أرض ولا تمسوها بسوء فيأخذ كم عذاب أليم). (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الارض تتخذون من سهو لها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا). روي: " أنهم لطول أعمارهم كانوا يحتاجون إلى أن ينحتوا في الجبال بيوتا، لان السقوف والابنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم " (3). (فأذكروا ءالاء الله ولا تعثوا في الارض مفسدين) أي: ولا تبالغوا في الفساد. (قال الملا الذين أستكبروا من قومه): أنفوا من اتباعه (للذين استضعفوا): للذين استذلوهم (لمن ءامن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه). قالوه استهزاء (قالوا إنا بمآ أرسل به مؤمنون). (قال الذين استكبروا إنما بالذئ امنتم به كافرون). (فعقروا الناقة). أسند العقر إلى جميعهم وإن لم يعقرها إلا بعضهم، لانه كان

___________________________

(1) وهو " ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح ". أنظر: جوامع الجامع 1: 447. (2) كمال الدين: 220، الباب: 22، ذيل الحديث: 2، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) مجمع البيان 3 - 4: 440. (*)

 

[ 382 ]

برضاهم. (وعتوا): تولوا عاتين (عن أمرربهم) على لسان صالح: " فذروها تأكل في أرض الله ". (وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين). (فأخذتهم الرجفة): الزلزلة، وفي سورة هود: " وأخذ الذين ظلموا الصيحة " (1) وفي الحجر: " فأخذتهم الصيحة " (2) ولعلها كانت من مباديها. القمي: فبعث الله عليهم صيحة وزلزلة فهلكوا (3). (فأصبحوا في دارهم جاثمين): خامدين ميتين لا يتحركون، يقال: الناس جثم، أي: قعود لا حراك بهم، وأصل الجثوم: اللزوم في المكان. (فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين). قاله متحسرا على ما فاته من إيمانهم، متحزنا لهم بعد ما أبصرهم موتى صرعى. ورد: " إنه بعث إلى قومه وهو ابن ست عشرة سنة، فلبث فيهم حتى بلغ عشرين ومائة سنة لا يجيبونه إلى خير، وكان لهم سبعون صنما يعبدونها من دون الله. فقال لهم: إن شئتم فاسألوني حتى أسأل إلهي فيجيبكم فيما سألتموني الساعة، وإن شئتم سألت آلهتكم، فإن أجابتني بالذي أسألها خرجت عنكم، فقد سئمتكم وسئمتموني (4). فقالوا: قد أنصفت. فدعا (5) كلها بأسمائها فلم يجبه منها شئ، فنحوا بسطهم وفرشهم وثيابهم، وتمرغوا على التراب (6)، وطرحوا التراب على رؤوسهم، وقالوا الاصنامهم: لئن لم تجيبي صالحا اليوم لنفتضحن (7)، ثم دعوه فقالوا: يا صالح أدعها، فدعاها، فلم

___________________________

(1) الاية: 6. (2) الاية: 73 و 84. (3) القمي 1: 332. (4) أي: ملكتكم وملكتموني. (5) في " ب " و " ج ": " فدعاها ". تمرغ في التراب: تقلب. القاموس المحيط 3: 116 (مرغ). (7) في المصدر: " لتفضحن ". (*)

 

[ 383 ]

تجبه. قال: فاسألوني حتى أدعو إلهى يجبكم الساعة، فقالوا: أدع لنا ربك يخرج لنا من هذا الجبل الساعة ناقة حمراء شقراء وبراء عشراء بين جنبيها ميل (1). فقال لهم: لقد سألتموني شيئا يعظم علي ويهون على ربي تعالى، فسأل الله ذلك، فانصدع الجبل صدعا (2) كادت تطير منه عقولهم لما سمعوا ذلك، ثم اضطرب ذلك الجبل اضطرابا شديدا كالمرأة إذا أخذها المخاض، ثم لم يفجأهم (3) إلا رأسها قد طلع عليهم من ذلك الصدع، فما استتمت رقبتها حتى اجترت (4)، ثم خرج ساير جسدها ثم استوت قائمة على الارض فلما رأوا ذلك قالوا: يا صالح ما أسرع ما أجابك ربك، أدع لنا يخرج لنا فصيلها (5)، فسأل الله ذلك، فرمت به، فدب (6) حولها. فقال لهم: يا قوم أبقي شئ ؟ قالوا: لا، انطلق بنا إلى قومنا نخبرهم بما رأينا ويؤمنون بك. قال: فرجعوا، فلم يبلغ السبعون إليهم حتى ارتد منهم أربعة وستون رجلا، وقالوا: سحر وكذب. قالوا فانتهوا إلى الجميع، فقال الستة: حق، وقال الجميع: كذب وسحر، فانصرفوا على ذلك، ثم ارتاب من الستة واحد، فكان فيمن عقرها " (7). وورد: " إن الله أوحى إلى صالح: قل لهم: إن الله قد جعل لهذه الناقة من الماء شرب (8) يوم ولكم شرب يوم، فكانت الناقة إذا كان يوم شربها شربت ذلك اليوم الماء

___________________________

(1) شقراء أي: شديد الحمرة، وبراء أي: كثير الوبر، عشراء أي: أتى على حملها عشرة أشهر. وقوله: " بين جنبيها ميل " أي: يكون عرضها قدر ميل. " أنظر: مرآة العقول 26: 78 ". (2) أي: انشق الجبل شقا. (3) أي: لم يظهر لهم فجأة شئ إلا رأسها. (4) الاجترار هو ما يفعله بعض الدواب من إخراجها ما في بطنها مضغة وابتلاعه ثانيا. (5) فصيل الناقة: ولدها إذا فصل عن أمه. القاموس المحيط 4: 30 (فصل). (6) دب يدب دبا: مشى على هيئته. القاموس المحيط 1: 67 (دب). (7) الكافي 8: 185 - 186، الحديث: 213، عن أبي جعفر عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مع الاختصار. (8) الشرب - بالكسر - الحظ والنصيب من الماء. مجمع البحرين 2: 87 (شرب). (*)

 

[ 384 ]

فيحلبونها، فلا يبقى صغير ولا كبير إلا شرب من لبنها يومهم ذلك، فإذا كان الليل وأصبحوا، غدوا إلى مائهم فشربوا منه ذلك اليوم ولم تشرب الناقة ذلك اليوم، فمكثوا بذلك ما شاء الله، ثم إنهم عتوا على الله ومشى بعضهم إلى بعض وقالوا: اعقروا هذه الناقة واستريحوا منها، لا نرضى أن يكون لها شرب يوم ولنا شرب يوم، فجعلوا جعلا لرجل أحمر، أشقر، أزرق، ولد زنا لا يعرف له أب، يقال له قدرا، شقي من الاشقياء مشؤم عليهم، فقتلها وهرب فصيلها، واقتسموا لحمها فيما بينهم، فأوحى الله إلى صالح قل لهم: إني مرسل إليكم عذابي إلى ثلاثة أيام، فإن هم تابوا ورجعوا قبلت توبتهم وصددت عنهم، وإن هم لم يتوبوا بعثت عليهم عذابي في اليوم الثالث، فقالوا: يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين، فقال: يا قوم إنكم تصبحون ووجوهكم مصفرة واليوم الثاني محمرة والثالث مسودة، فجاءهم ماقاله لهم فلم يتوبوا ولم يرجعوا، فلما كان نصف الليل أتاهم جبرئيل فصرخ بهم صرخة خرقت أسماعهم وفلقت قلوبهم وصدعت أكبادهم " (1). هذا ملخص القصة. (ولوطا): وأرسلنا لوطا. ورد: " انه كان ابن خالة إبراهيم، وكانت سارة امرأة إبراهيم أخته، خرجوا من بلاد نمرود إلى أن نزل إبراهيم بأعلى الشامات وخلف لوطا بأدناها " (2). (إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين). (إنكم لتأتون الرجال). من أتى المرأة: إذا غشيها. (شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون): متجاوزون الحد في الفساد حتى تجاوزتم المعتاد إلى غير المعتاد. ورد: " إن إبليس أتى شبانهم في صورة حسنة فيها تأنيث، عليه ثياب حسنة، فأمرهم أن يقعوا

___________________________

(1) الكافي 8: 187 - 189، الحديث: 214، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) علل الشرايع 2: 549، الباب: 340، الحديث: 4، عن أبي جعفر عليه السلام، والكافي 8: 371 - 373، الحديث: 560، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

 

[ 385 ]

به فلما وقعوا به التذوه، ثم ذهب عنهم وأحال بعضهم على بعض " (1). (وما كان جواب قومه إلا أن أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون) من الخبائث. (فأنجيناه وأهله) المختصين به من الهلاك (إلا امرأته) فإنها كانت تسر (2) الكفر وتوالي أهل القرية (كانت من الغابرين): من الذين غبروا في ديارهم، أي: بقوافيها فهلكوا. (وأمطرنا عليهم مطرا): نوعا من المطر عجيبا، وهي أمطار حجارة من سجيل، كما يأتي في موضع آخر (3). (فانظر كيف كان عاقبة المجرمين). ورد: " إن لوطا لبث في قومه ثلاثين سنة، وكان نازلا فيهم ولم يكن منهم، يدعوهم إلى الله وينها هم عن الفواحش ويحثهم على الطاعة، فلم يجيبوه ولم يطيعوه، وكانوا لا يتطهرون من الجناية، بخلاء أشحاء على الطعام، فأعقبهم البخل الداء الذي لا دواء له في فروجهم، وذلك أنهم كانوا على طريق السيارة إلى الشام ومصر، وكان ينزل بهم الضيفان فدعاهم البخل إلى أن كانوا إذا نزل بهم الضيف فضحوه، وإنما فعلوا ذلك لتنكل النازلة عليهم من غير شهوة بهم إلى ذلك، فأوردهم البخل هذا الداء، حتى صاروا يطلبونه من الرجال ويعطون عليه الجعل، وكان لوط سخيا كريما يقرى الضيف إذا نزل بهم (4)، فنهوه عن ذلك فقالوا: لا تقرى ضيفانا تنزل بك (5)، فإنك إن فعلت فضحنا ضيفك، وكان لوط إذا نزل به الضيف كتم أمره مخافة أن يفضحه قومه، وذلك

___________________________

(1) علل الشرايع 2: 548، الباب: 340، الحديث 3، والكافي 5: 544، الحديث: 4، عن أحدهما عليهما السلام. (2) في " ب ": " تستر ". (3) انظر: سورة هود (11): 82، والحجر (15): 74. (4) كذا في جميع النسخ والصافي ولعل الصواب: " إذا نزل به " كما في المصدر. (5) في المصدر: " لا تقرين ضيفا جاء ينزل بك ". (*)

 

[ 386 ]

أنه لم يكن له عشيرة فيهم " (1). (وإلى مدين أخاهم شعيبا): وأرسلنا إليهم. قيل: هم أولاد " مدين إبراهيم " وشعيب منهم، سموا باسم جدهم وسميت به قريتهم (2). القمي: هي على طريق الشام (3). وورد: " إنها لا تكمل أربعين بيتا " (4). (قال يا قوم اعبدوا الله) وحده (مالكم من إله غيره قدجآءتكم بينة من ربكم): معجزة شاهدة بصحة نبوتي، وهي غير مذكورة في القرآن، ولم نجدها في شئ من الاخبار. (فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم): ولا تنقصوهم حقوقهم، جئ بالاشياء للتعميم (ولا تفسدوا في الارض) بالكفر والحيف (بعد إصلاحها) بعد ما أصلح فيها الانبياء وأتباعهم، بإقامة الشرايع والسنن (ذالكم خير لكم) في الانسانية وحسن الاحدوثة وما تطلبونه من الربح، لان الناس إذا عرفوا منكم النصفة والامانة رغبوا في متاجرتكم. (إن كنتم مؤمنين): مصدقين لي في قولي. (ولا تقعدوا بكل صراط): بكل منهج من مناهج الدين مقتدين بالشيطان في قوله: " لاقعدون لهم صراطك المستقيم " (5). (توعدون): تتوعدون (وتصدون عن سبيل الله من ءامن به). قيل: كانوا يجلسون على الطرق فيقولون لمن يمر بها: إن شعيبا كذاب فلا يفتننكم عن دينكم، كما كان يفعل قريش بمكة (6). (وتبغونها عوجا): تطلبون لسبيل الله عوجا، يعني: تصفونها للناس بأنها سبيل معوجة غير مستقيمة بإلقاء

___________________________

(1) مجمع البيان 3 - 4: 445، عن أبي جعفر عليه السلام. والظاهر أن قوله في ذيل الحديث: " وذلك إنه... " كلام المصنف وليس في المصدر. (2) في " ألف ": وسميتهم به " (3) القمي 1: 337. (4) كما الدين: 220، الباب: 22، ذيل الحديث: 2، عن أبي جعفر عليه السلام. (5) الاعراف (7): 16. (6) البيضاوي 3: 18، والكشاف 2: 94. (*)

 

[ 387 ]

الشبه، لتصدوهم عن سلوكها والدخول فيها. (واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين): من أفسد قبلكم من الامم كقوم نوح وهود وصالح ولوط، وكانوا قريبي العهد بهم. (وإن كان طائفة منكم ءامنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فأصبروا حتى يحكم الله بيننا) أي: بين الفريقين بأن ينصر المحق على المبطل، وهذا وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين. (وهو خير الحاكمين) إذ لا معقب لحكمه ولا حيف فيه. (قال الملا الذين استكبروا قومه لنخرجنك يا شعيب والذين ءامنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا) على تغليب الجماعة على الواحد، وذلك لان شعيبا لم يكن على ملتهم قط. (قال أولو كنا كارهين) أي: كيف نعود فيها ونحن كارهون لها. (قد افترينا على الله كذبا) أي: فيما دعونا كم إليه (إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها) بالبيان والبرهان (وما يكون لنآ أن نعود فيها إلا أن يشآء الله ربنا) خذ لاننا ومنعنا الالطاف، بأن يعلم أنه لا ينفع فينا (وسع ربنا كل شئ علما): أحاط علمه بعواقب الامور ومكنوناتها (على الله توكلنا) في أن يثبتنا على الايمان، ويوفقنا لا زدياد الايقان. (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق): احكم بيننا، فإن الفتاح: القاضي، والفتاحة: الحكومة. أو أظهر أمرنا حتى ينكشف ما بيننا وبينهم، ويتميز المحق من المبطل، من فتح المشكل: إذا بينه. (وأنت خير الفاتحين). (وقال الملا الذين كفروا من قومه) أي: أشرافهم قالوه لمن دونهم يثبطونهم عن الايمان (لئين اتبعتم شعيبا) وتركتم دينكم (إنكم الخاسرون). فأخذتهم الرجفة): الزلزلة. وفي سورة هود " وأخذت الذين ظلموا

 

[ 388 ]

الصيحة " (1). (فأصبحوا في دارهم حاثمين): خامدين. (الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها) أي: استؤصلوا (2) كأن لم يقيموا بها، والمغنى: المنزل (3). (الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين) دون أتباع شعيب، فإنهم الرابحون. وفي هذا الابتداء والتكرير تسفيه لرأي الملا ورد لمقالتهم ومبالغة في ذلك. (فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسلات ربى ونصحت لكم فكيف ءاسى): أخزن (على قوم كافرين): قوم ليسوا بأهل للحزن عليهم، لكفرهم واستحقاقهم العذاب النازل بهم. (وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء): بالبؤس والفقر (والضراء): الضر والمرض (لعلهم يضرعون): لكي يتضرعوا ويتوبوا ويتذللوا. (ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة) أي: رفعنا ما كانوا فيه من البلاء والمحنة، ووضعنا مكانه الرخاء والعافية (حتى عفوا) أي: كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم، من قولهم: عفا النبات أي: كثرو منه: إعفاء اللحى (4). (وقالوا قد مس ءابآء الضراء والسرآء) أبطرتهم النعمة، فتركوا شكر الله ونسوا ذكر الله، قالوا: هذه عادة الدهر، يعاقب في الناس بين الضراء والسراء، وقد مس أباءنا نحو ذلك، فلم ينتقلوا عما كانوا عليه، فكونوا على ما أنتم عليه كما كان آباؤكم كذلك. (فأخذناهم بغتة): فجأة، عبرة لمن كان بعدهم (وهم لا يشعرون) أن العذاب نازل بهم إلا بعد حلوله.

___________________________

(1) الاية: 94. (2) استصل الشئ: قطعه من أصله. مجمع البحرين 5: 306 (أصل). (3) أي: المنزل الذي غني به أهله، أي: اقاموا ثم ظعنوا. (4) اللحي جمع اللحية. وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "... وأعفوا اللحي " (معاني الاخبار " 291) أي: وفروها وكثروها. مجمع البحرين 1: 300 (عفا). (*)

 

[ 389 ]

(ولو أن أهل القرى): ولو أنهم (ءامنوا واتقوا) الشرك والمعاصي (لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض): لو سعنا عليهم الخيرات ويسرناها لهم من كل جانب، بإنزال المطر وإخراج النبات وغير ذلك. (ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون). أفأمن أهل القرى) المكذبون لنبينا (أن يأتيهم بأسنا): عذابنا (بياتا): وقت بيات (وهم نائمون). (وأو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى): ضحوة النهار، وهو في الاصل اسم لضوء الشمس إذا أشرقت وارتفعت. (وهم يلعبون): يشتغلون بما لا ينفعهم. (أفأمنوا مكر الله). مكر الله استعارة لاستدراجه العبد وأخذه من حيث لا يحتسب. قال: " المكر من الله: العذاب " (1). (فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون). فيه تنبيه على ما يجب أن يكون العبد عليه من الخوف لعقاب الله واجتناب المعصية. (أو لم يهد) أي: أو لم يبين، ولذا عدي باللام. (للذين يرثون الارض من بعد أهلها) يخلفون من خلا قبلهم في ديارهم (أن لو نشاء): أنه لو نشاء (أصبناهم بذنوبهم): بجزاء ذنوبهم، كما أصبنا من قبلهم (ونطبع على قلوبهم). مستأنف، يعني: ونحن نطبع (فهم لا يسمعون) سماع تفهم واعتبار. (تلك القرى نقص عليك من أنبائها): بعض أبنائها (ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل) يعني: " في الذر، حين كانوا في أصلاب الرجال وأرحام النساء ". كما ورد (2)، ويأتي في سورة يونس (3). قال: " إن الله خلق من أحب من طينة الجنة، وخلق من أبغض من طينة النار، ثم بعثهم في الظلال. قيل: وأي.

___________________________

(1) القمي 1: 236 و 367. (2) راجع: العياشي 2: 126، الحديث: 36، والقمي 1: 248، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) في ذيل الاية: 74. (*)

 

[ 390 ]

شئ الظلال ؟ قال: ألم تر إلى ظلك في الشمس شئ وليس بشئ، ثم بعث منهم النبيين فدعوهم إلى الاقرار بالله، وهو قوله: " ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله " (1). ثم دعوهم إلى الاقرار بالنبيين، فأقر بعضهم وأنكر بعض (2) ثم دعوهم إلى ولايتنا، فأقر بها والله من أحب وأنكرها من أبغض، وهو قوله: " ما كانوا ليؤمنؤا بما كذبوا به من قبل " (3) ثم قال: كان التكذيب ثم " (4). وفي رواية: " فمنهم من أقر بلسانه ولم يؤمن بقلبه " (5). (كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين). (وما وجدنا لاكثرهم من عهد): وفاء عهد (وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين): وإنه علمنا أكثرهم خارجين عن الطاعة. قال: " إنها نزلت في الشاك " (6). وفي رواية: " إنكم وفيتم بما أخذ الله عليه ميثاقكم من ولايتنا، وإنكم لم تبدلوا بنا غيرنا، لو لم تفعلوا لعير كم الله كما عيرهم، حيث يقول: " وما وجدنا لاكثرهم من عهد " الاية " (7). وعن أبي ذر: " والله ما صدق أحد ممن أخذ ميثاقه فوفى بعهد الله غير أهل بيت نبيهم وعصابة قليلة من شيعتهم، وذلك قول الله: " وما وجدنا " الاية " (8). (ثم بعثنا من بعدهم موسى بأياتنآ): بالمعجزات (إلى فرعون وملايه). وهو لقب ملك مصر. (فظلموا بها): بأن كفروا بها مكان الايمان الذي هو من حقها لوضوحها (فانظر كيف كان عاقبة المفسدين).

___________________________

(1) الزخرف (43): 87. (2) في " ألف ": " وأنكر بعضهم ". (3) يونس (10): 74. (4) الكافي 2: 10، الحديث: 3، عن أبي جعفر عليه السلام، والعياشي 2: 126 - 127، الحديث: 37، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) القمي 1: 248، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) الكافي 2: 399، الحديث: 1، والعياشي 2: 23، الحديث: 60، عن موسى بن جعفر عليهما السلام. (7) الكافي 8: 35، ذيل الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. (8) العياشي 2: 23، الحديث: 59. (*)

 

[ 391 ]

(وقال موسى يا فرعون إنى رسول من رب العالمين). (حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق): بأن لا أقول كما قرئ به، فوضع " على " مكان الباء كقولهم: " رميت على القوس ". (قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معى بنى إسرائيل: فخلهم حتى يرجعوا معي إلى الارض المقدسة التي هي وطن آبائهم، وكان قد استعبدهم واستخدامهم في الاعمال الشاقة. (قال إن كنت جئت بأية فأت بها إن كنت من الصادقين). (فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين): ظاهر أمره لا يشك في أنه ثعبان، وهو الحية العظيمة. قال: " وكان له شعبتان قد وقع إحداهما في الارض والاخرى في أعلى قبة فرعون، وكان ارتفاعها ثمانين ذراعا، فنظر فرعون إلى جوفه وهو يلتهب نيرانا، فأهوى إليه فأحدث (1) وصاح: يا موسى خذها " (2). (ونزع يده) من جيبه (فإذا هي بيضاء للناظرين): بياضا نورانيا غلب شعاعه شعاع الشمس. " وكان موسى آدم شديد الادمة " فيما يروى (3). (قال الملا من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم). (يريد أن يخرجكم من أرضكم فما ذا تأمرون). قالوا أرجه وأخاه): أخرهما وأصدرهما عنك، حتى ترى رأيك فيهما وتدبر أمرهما. ورد: " لم يكن في جلسائه يومئذ ولدسفاح، (4) ولو كان لامر بقتلهما، قال: وكذلك نحن لا يسرع إلينا (5) إلا كل خبيث الولادة ". (6) (وأرسل في المدائن حاشرين).

___________________________

(1) أحدث فلان: تغوط. أقرب الموارد 1: 169 (حديث). (2) العياشي 2: 24 ذيل الحديث: 61، مرفوعة. (3) تفسير أبي السعود 3: 258، والكشاف 2: 102، والبيضاوي 3: 21. (4) السفاح - بالكسر -: الزنا والفجور. مجمع البحرين 2: 372 (سفح). (5) في المصدر: " لا ينزع إلينا ". (6) العياشي 2: 24، الحديث: 62، عن يونس بن ظبيان. (*)

 

[ 392 ]

(يأتوك بكل ساحر عليم). (وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لاجرا إن كنا نحن الغالبين). قال نعم وإنكم لمن المقربين). (قالوا يا موسى إما أن تلقى وإمآ أن نكون نحن الملقين). خيروه مراعاة للادب، ولكن كانت رغبتهم في أن يلقوا قبله، فنبهوا عليه بتغيير النظم إلى ما هو أبلغ. (قال ألقوا) كرما تسامحا وقلة مبالاة بهم، وثقة بما كان بصدده من التأييد الالهي. (فلمآ ألقوا سحروا أعين الناس) بأن خيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه بالحيل والشعوذة (1). (وأسترهبوهم): وأرهبوهم إرهابا شديدا، كأنهم طلبوا رهبتهم (وجآءو بسحر عظيم) في فنه. روي: " أنهم حبالا ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا كأنها خيات، ملات الوادي وركب بعضها بعضا " (2). (وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك) فألقاها فصارت حية عظيمة (فإذا هي تلقف ما يأفكون): ما يزورونه، من الافك، وهو الصرف وقلب الشئ عن وجهه. روي: " أنها لما تلقفت حبالهم وعصيهم وابتلعتها بأسرها، أقبلت على الحاضرين فهربوا وازدحموا حتى هلك جمع عظيم، ثم أخذها موسى فصارت عصا كما كانت، فقالت السحرة: لو كان هذا سحرا لبقيت حبالنا وعصينا " (3). (فوقع الحق): فحصل وثبت لظهور أمره (وبطل ما كانوا يعملون) من السحر والمعارضة.

___________________________

(1) الشعوذة: خفة في اليد وأخذ كالسحر يرى الشئ بغير ما عليه أصله في رأي العين. القاموس المحيط 1: 368. (2 و 3) البيضاوي 3: 22. (*)

 

[ 393 ]

(فغلبوا هنا لك وانقلبوا صاغرين): صاروا أذلاء منهزمين. (وألقى السحرة ساجدين): وخروا سجدا، كأنما ألقاهم ملق لشدة خرورهم، ولعل الحق بهرهم (1) واضطرهم إلى السجود، بحيث لم يبق لهم تمالك، لينكسر فرعون بالذين أراد بهم كسر موسى، وينقلب الامر عليه. (قالوا ءامنا برب العالمين). (رب موسى وهارون) أبدلوا من الاول، لئلا يتوهم أنهم أرادوا به فرعون. (قال فرعون ءامنتم به قبل أن ءان اذن لكم هذا لمكر مكرتموه في المدينة): إن هذا الصنيع لحيلة احتلتموها أنتم وموسى في مصر قبل أن تخرجوا منها إلى هذه الصحراء، وتواطأتم على ذلك (لتخرجوا منها أهلها) يعني: القبط، وتخلص لكم ولبني إسرائيل، وكان هذا الكلام من فرعون تمويها على الناس لئلا يتبعوا السحرة في الايمان. (فسوف تعلمون). وعيد مجمل يفصله ما بعده: (لاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف) أي: من كل شق طرفا (ثم لاصلبنكم أجمعين) تفضيحا لكم وتنكيلا لامثالكم. (قالوا إنا إلى ربنا منقلبون) أي: لا نبالي بالموت والقتل، لانقلابنا إلى لقاء ربنا ورحمته. (وما تنقم منا إلا أن ءامنا بأيات ربنا لما جاءتنا): وما تنكر منا وتعيب إلا الايمان بآيات الله، وهو أصل كل خير. (ربنا أفرغ): أفض (علينا صبرا) واسعا كثيرا يغمرنا كما يفزع الماء (وتوفنا

___________________________

(1) البهر: الغلبة. القاموس المحيط 1: 392 (بهر). (*)

 

[ 394 ]

مسلمين): ثابتين على الاسلام. (وقال الملا من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الارض) بتغيير الناس عليك ودعوتهم إلى مخالتك (ويذرك وءالهتك): معبوداتك. القمي: كان فرعون يعبد الاصنام، ثم ادعى بعد ذلك الربوبية. (1) وعن أمير المؤمنين عليه السلام: " أنه قرأ: " ويذرك وإلهتك ") (2) يعني: عبادتك. وقيل: إن فرعون صنع لقومه أصناما، وأمرهم أن يعبدوها تقربا إليه، ولذلك قال: " أنا ربكم الاعلى " (3) (قال سنقتل أبنائهم ونستحى نساءهم) كما كنا نفعل من قبل، ليعلم أنا على ما كنا عليه من القهر والغلبة، وأن غلبة موسى لا أثر لها في ملكنا (وإنا فوقهم قاهرون): غالبون، وإنهم مقهورون [ مغلوبون ] (4) تحت أيدينا. (قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الارض لله يورثها من يشآء من عباده والعاقبة للمتقين). (قالوا) أي: بني إسرائيل (أو ذينا من قبل أن تأتينا) بالرسالة بقتل الابناء (ومن بعد ما جئتنا) بإعادته. والقمي: قبل المجئ بقتل الاولاد، وبعده لما حبسهم فرعون لايمانهم بموسى (5). (قال عسى ربكم أن يهلك عدو كم ويستخلفكم في الارض فينظر كيف تعملون) من شكر وكفران وطاعة وعصيان. (ولقد أخذنا ءال فرعون بالسنين): بالجدوب، لقلة الامطار والمياه، والسنة غلبت على عام القحط، لكثرة ما يذكر عنه يورخ به، ثم اشتق منها، فقيل: أسنت

___________________________

(1) القمي 1: 236 - 237. (مجمع البيان 3 - 4: 464. (3) البيضاوي 3: 23، والكشاف 2: 105. والاية في النازعات (79): 24. (4) الزيادة من " ب ". (5) القمي 1: 237. (*)

 

[ 395 ]

القوم: إذا أقحطوا. (ونقص من الثمرات) بكثرة العاهات (لعلهم يذكرون): لكي يتنبهوا على أن ذلك بشؤم كفرهم ومعاصيهم فيتعظوا، وليرق قلوبهم بالشدايد، فيفزعوا إلى الله ويرغبوا فيما عنده. (فإذا جاءتهم الحسنة) من الخصب والسعة (قالوا لنا هذه): لاجلنا ونحن مستحقوها (وإن تصبهم سيئة): جدب وبلاء (يطيروا بموسى ومن معه): يتشأموا بهم ويقولوا: ما أصابتنا إلا بشؤمهم. القمي: الحسنة هنا: الصحة والسلامة والامن والسعة، والسيئة هنا: الجوع والخوف والمرض (1). (ألا إنما طائرهم عند الله) أي: سبب خيرهم وشرهم عنده، وهو حكمه ومشيته، كما قال: " قل كل من عند الله " (2) (ولكن أكثرهم لا يعلمون). (وقالوا مهما تأتنا به من ءاية لتسحرنا بها): لتموه علينا (فما نحن لك بمؤمنين). أرادوا أنهم مصرون على تكذيبه وإن أتى بجميع الايات. (فأرسلنا عليهم الطوفان) ما طاف بهم وغشيهم. قال: " هو طوفان الماء والطاعون " (3). (والجراد والقمل). قيل: هي كبار القردان (4) وقيل: صغار الجراد (5). (والضفادع والدم ءايات مفصلات): مبينات. لا يشكل أنها آيات الله ونقمته، أو منفصلات، بين كل آيتين منها مدة لامتحان أحوالهم (فأستكبروا وكانوا قوما مجرمين). (ولما وقع عليهم الرجز): العذاب (قالوا يا موسى أدع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لنرسلن معك بني إسرائيل).

___________________________

(1) القمي 1: 237. (2) النساء (4): 78. (العياشي 2: 25، الحديث: 67، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4 و 5) الكشاف 1: 503، والبيضاوي 3: 24. (*)

 

[ 396 ]

(فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون). (فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبو بأياتنا وكانوا عنها غافلين). قال: " لما سجد السحرة وآمن به الناس، قال هامان لفرعون: إن الناس قد آمنوا بموسى، فانظر من دخل في دينه فاحبسه، فحبس كل من آمن به من بني إسرائيل، فجاء إليه موسى فقاله: خل عن بني إسرائيل، فلم يفعل، فأنزل الله عليهم في تلك السنة الطوفان، فخرب دورهم ومساكنهم حتى خرجوا إلى البرية وضربوا الخيام، فقال فرعون لموسى: ادع ربك حتى يكف عنا الطوفان حتى أخلي عن (1) بني إسرائيل وأصحابك، فدعا موسى ربه فكف عنهم الطوفان، وهم فرعون أن يخلي عن بني إسرائيل، فقال له هامان: إن خليت عن بني إسرائيل غلبك موسى وأزال ملكك، فقبل منه ولم يخل عن بني إسرائيل، فأنزل الله عليهم في السنة الثانية الجراد، فجردت كل شئ كان لهم من النبت والشجر، حتى كادت (2) تجرد شعرهم ولحيتهم، فجزع فرعون من ذلك جزعا شديدا وقال: يا موسى ادع ربك أن يكف عنا الجراد حتى أخلي عن بني إسرائيل وأصحابك، فدعا موسى ربه فكف عنهم الجراد، فلم يدعه هامان أن يخلي عن بني إسرائيل، فأنزل الله عليهم في السنة الثالثة القمل، فذهبت زروعهم وأصابتهم المجاعة، فقال فرعون لموسى: إن رفعت عنا القمل كففت عن بني إسرائيل، فدعا موسى ربه حتى ذهب القمل وقال: أول ما خلق الله القمل في ذلك الزمان، فلم يخل عن بني إسرائيل، فأرسل الله عليهم بعد ذلك الضفادع، فكانت تكون في طعامهم وشرابهم، ويقال: إنها تخرج من أدبارهم وآذانهم وآنافهم، فجزعوا من ذلك جزعا شديدا، فجاؤوا إلى موسى فقالوا: ادع الله يذهب عنا الضفادع فإنا نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا موسى ربه فرفع الله عنهم ذلك، فلما أبوا أن يخلوا عن

___________________________

(1) في " الف ": " من بني إسرائيل ". (2) في " الف " و " ج ": " كانت ". (*)

 

[ 397 ]

بني إسرائيل حول الله ماء النيل دما، فكان القبطي يراه دما والاسرائيلي يراه ماء، فإذا شربه الاسرائيلي كان ماء وإذا شربه القبطي يشربه (1) دما، فكان القبطي يحول دما، فجزعوا من ذلك جزعا شديدا، فقالوا لموسى: لئن رفع عنا الدم لنرسلن معك بني إسرائيل، فلما رفع الله عنهم الدم غدروا ولم يخلوا عن بني إسرائيل، فأرسل الله عليهم الرجز، وهو الثلج، ولم يروه قبل ذلك، فماتوا فيه وجزعوا وأصابهم ما لم يعهدوه قبله، ف‍ " قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك، لئن كشفت عنا " الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل " فدعا ربه فكشف عنهم الثلج فخلى عن بني إسرائيل، فلما خلى عنهم اجتمعوا إلى موسى عليه السلام وخرج موسى من مصر، واجتمع إليه من كان هرب من فرعون، وبلغ فرعون ذلك، فقال له هامان: قد نهيتك أن تخلي عن بني إسرائيل، فقد استجمعوا إليه، فجزع فرعون وبعث في المدائن حاشرين، وخرج في طلب موسى " (2). (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون) يعني: بني أسرائيل، كان يستضعفهم فرعون وقومه بالاستعباد وذبح الابناء. (مشارق الارض ومغاربها) يعني: أرض مصر والشام، ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالة وتمكنوا في نواحيها، (التي باركنا فيها) بالخصب والعيش (وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل): ومضت عليهم، واتصلت بالانجاز عدته إياهم بالنصر والتمكين، وهي قوله عزوجل: " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا " إلى قوله: " ما كانوا يحذرون " 3. (بما صبروا): بسبب صبرهم على الشدائد (ودمرنا): وخربنا (ما كان يصنع فرعون

___________________________

(1) في المصدر: " كان دما ". (القمي 1: 237 - 238، وفي مجمع البيان 3 - 4: 468 - 469 ما يقرب منه عن الصادقين عليهما السلام. (3) القصص (28): 5 و 6. (*)

 

[ 398 ]

وقومه) من القصور والعمارات (وما كانوا يعرشون) من الجنات، أو ما كانوا يرفعون من البنيان. (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر) بعد مهلك فرعون (فأتوا على قوم): فمروا عليهم (يعكفون على أصنام لهم): يقيمون على عبادتها (قالوا يا موسى اجعل لنآ إلها ؟): صنما نعبده (كما لهم ءالهة) يعبدونها (قال إنكم قوم تجهلون). (إن هؤلاء متبر): مدمر مكسر (ماهم فيه) يعني: إن الله يهدم دينهم الذي هم عليه، ويحطم أصنامهم هذه ويجعلها رضاضا (وباطل): مضمحل (ما كانوا يعملون) من عباتها لا ينتفعون بها، وإن قصدوا بها التقرب إلى الله عزوجل. (قال أغير الله أبغيكم إلها): أطلب لكم معبودا ؟ (وهو فضلكم على العالمين): والحال أنه خصكم بنعم لم يعطها غيركم. (وإذ أنجيناكم من ءال فرعون): واذكروا صنيعه بكم في هذا الوقت (يسومونكم سوء العذاب): يكلفونكم شدة العذاب (يقتلون أبنائكم ويستحيون نساءكم وفي ذالكم بلاء من ربكم عظيم). (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة). قد سبق تفسيرها في سورة البقرة (1) (وقال موسى لاخيه هارون اخلفنى في قومي): كن خليفتي فيهم (وأصلح) ما يجب أن يصلح من أمورهم (ولا تتبع سبيل المفسدين): ولا تطع من دعاك إلى الافساد ولاتسلك طريقته. (ولما جاء موسى لميقاتنا): لوقتنا الذي وقتنا له وحددناه (وكلمه ربه) من غير واسطة، كما يكلم الملائكة (قال رب أرني أنظر إليك قال لمن تراني ولكن انظر إلى

___________________________

(1) في ذيل الاية: 51. (*)

 

[ 399 ]

الجبل فإن استقر مكانه) لما تجليت عليه (فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل): ظهر له عظمته وتعرض له اقتداره وأمره (جعله دكا): مدكوكا مفتتا (1) (وخر موسى صعقا): مغشيا عليه من هول ما رأى (فلما أفاق قال) تعظيما لما رأى (سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين). قال: " لما كلمه الله وقربه نجيا (2) رجع إلى قومه فأخبرهم بذلك، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعته، فاختار منهم سبعين، فخرج بهم إلى طور سيناء، فأقامهم في سفح (3) الجبل وصعد إلى الطور، وسأل الله أن يكلمه ويسمعهم كلامه. فكلمه الله وسمعوا كلامه من فوق وأسف ويمين وشمال ووراء وأمام، لان الله أحدثه في الشجرة، ثم جعله منبعثا منها حتى سمعوه من جميع الوجوه، فقالوا: لن نؤمن بأن هذا الذي سمعناه كلام الله، حتى نرى الله جهرة، فلما قالوا هذا القول العظيم، واستكبروا وعتوا، بعث الله عليهم صاعقة، فأخذتهم الصاعقة بظلمهم فماتوا، فقال موسى: يا رب ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم وقالوا: إنك ذهبت بهم فقتلتهم، لانك لم تكن صادقا فيما ادعيت من مناجاة الله إياك، فأحياهم وبعثهم معه، فقالوا: إنك لو سألت الله أن يريك تنظر إليه لاجابك، فتخبرنا كيف هو ؟ ! ونعرفه حق معرفته، فقال: يا قوم، إن الله لا يرى بالابصارو لا كيفية له، وإنما يعرف بآياته ويعلم بأعلامه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى تسأله، فقال موسى: يا رب إنك قد سمعت مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى الله إليه: يا موسى سلني ما سألوك فلن أؤاخذك

___________________________

(1) الدك: الدق والهدم: " القاموس المحيط 3: 311 - دك " والفت: الدق والكسر بالاصابع والشق في الصخرة. " القاموس المحيط 1: 159 - فت ". و " دكا " في الاية مصدر بمعنى مفعول. (2) قربه نجيا أي: مناجيا وهو مصدر كالصهيل والنهيق يقع على الواحد والجماعة. مجمع البحرين 1: 408 (نجا). (3) سفح الجبل: أسفله حيث يسفح فيه الماء. مجمع البحرين 2: 373 (سفح). (*)

 

[ 400 ]

بجهلهم، فعند ذلك قال موسى: " رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه " وهو يهوي " فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل " بآية من آياته، " جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك " يقول: رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي، " وأنا أول المؤمنين " مهم بأنك لا ترى " (1). وفي رواية: " فقال الله تبارك وتعالى: لن تراني في الدنيا حتى تموت فتراني في الاخرة، ولكن إن أردت أن تراني في الدنيا " فانظر إلى الجبل " الاية " (2). وورد: " لما صعد إلى الجبل فتحت أبواب السماء وأقبلت الملائكة أفواجا في أيديهم العمد (3) وفي رأسها النور، يمرون به فوجا بعد فوج، يقولون: يابن عمران أثبت فقد سألت أمرا عظيما، قال: فلم يزل موسى واقفا حتى تجلى ربنا جل جلاله " (4). وفي رواية: " إن الملائكة أمرت أن تمر عليه موكبا بالبرق والرعد والريح والصواعق، فكل ما مر به موكب من المواكب ارتعدت فرائصه فيرفع (5) رأسه فيسأل أفيكم ربي ؟ فيجاب هو آت وقد سألت عظيما يابن عمران " (6). وفي رواية: " إنه لما سأل ربه سأل، أمر واحدا من الكروبيين (7) فتجلى للجبل وجعله دكا " (8). (قال يا موسى إنى اصطفيتك): إخترتك (على الناس) أي: الذين في زمانك (برسالاتى) يعني: أسفار التوراة (وبكلامي): وبتكليمي إياك (فخذمآ ءاتيتك) من

___________________________

(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 200 - 201، الباب: 15، الحديث: 1. (2) التوحيد: 262، الباب: 36، ذيل الحديث: 5، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (3) العمد - بضم العين والميم وفتحهما - جمع العمود. (4) العياشي 2: 26، الحديث: 72، عن الصادقين عليهما السلام، وفيه: " فلما صعد موسى على الجبل ". (5) في " ألف " و " ج ": " فرفع ". (6) العياشي 2: 27، الحديث: 74، عن أبي عبد الله عليه السلام. (7) الكروبيون - مخففة الراء - سائة الملائكة والمقربون منهم. مجمع البحرين 2: 159 (كرب). (8) السرائر: 476، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " رجلا " بدل: " واحدا ". (*)

 

[ 401 ]

الرسالة (وكن من الشاكرين). روي: " أن سؤال الرؤية كان يوم عرفة وإعطاء التوراة يوم النحر " (1). (وكتبنا له في الالواح من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ). ورد: " أنزلها عليه وفيها تبيان كل شئ كان أو هو كائن إلى أن تقوم الساعة. قال: وهي عندنا " (2). وورد: " إن الالواح كانت من زبرجدة من الجنة " (3). وفي رواية: " كانت من زمرد أخضر " (4). (فخذها بقوة): بجد وعزيمة (وأمر قومك يأخذوا بأحسنها): بأحسن ما فيها، كالصبر والعفو بالاضافة إلى الانتقام والاقتصاص، وهو مثل قوله تعالى: " واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم " (5) وقوله: " فيتبعون أحسنه " (6) (سأوريكم دار الفاسقين): منازل القرون الماضية المخالفة لامر الله، الخارجة عن طاعة الله لتعتبروا. (سأصرف عن ءاياتى الذين يتكبرون في الارض بغير الحق) بالطبع على قلوبهم، فلا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها. (وإن يروا كل ءاية لا يؤمنوا بها) لانهما كهم في الهوى. ورد: " إذا عظمت أمتي الدنيا نزعت عنها هيبة الاسلام وإذا تركوا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي " (7). (وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا) القمي: إذا رأو الايمان والصدق والوفاء والعمل الصالح لا يتخذوه سبيلا، وإن يروا الشرك والزنا والمعاصي يأخذوا بها ويعملوا بها (8). (ذلك بأنهم كذبوا بأياتنا وكانوا عنها غافلين).

___________________________

(1) البيضاوي 3: 27. (2 و 3) والعياشي 2: 28، الحديث: 77، وبصائر الدجات: 140، الباب: 11، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) بصائر الدرجات: 141، الباب: 11، الحديث: 6، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (5 و 6) الزمر (39): 55 و 18. (7) فيض القدير 1: 404. (8) القمي 1: 240. (*)

 

[ 402 ]

(والذين كذبوا بأياتنا ولقآء الاخرة وحبطت أعمالهم): لا ينفعون بها (هل يجزون إلا ما كانوا يعملوا). (واتخذ قوم موسى من بعده): من بعد ذهابه للميقات (من حليهم عجلا جسدا): خاليا من الروح (له خوار): صوت البقر. قد سبق قصة العجل في سورة البقرة (1). وورد: " إن فيما ناجى موسى ربه (2) أن قال: يا رب هذا السامري صنع العجل، فالخوار من صنعه ؟ ! فأوحى الله إليه: يا موسى إن تلك فتنتي فلا تفحص عنها " (3). وفي رواية: " قال: يا رب، ومن أخار الصنم ؟ فقال الله يا موسى أنا أخرته، فقال موسى: إن هي إلا فتنتك " (4). (ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه) إلها (وكانوا ظالمين): واضعين الاشياء غير مواضعها، فلم يكن اتخاذ العجل بدعا منهم. (ولما سقط في أيدهيم). كناية عن اشتداد ندمهم، فإن النادم المتحسر يعض يده غما، فتصير يده مسقوطا فيها. (ورأوا): وعلموا (أنهم قد ضلوا) باتخاذ العجل (قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين). (ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا): شديد الغضب، أوحزينا (قال بئسما خلفتموني من بعدى) حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله (أعجلتم أمرربكم) ؟ يقال: عجل عن الامر: إذا تركه غير تام، وأعجله عنه غيره، ويضمن معنى سبق فيقال: عجل الامر. والمعني: أتركتم أمر ربكم غير تام ؟ والامر: انتظار موسى حافظين لعهده (وألقى الالواح): طرحها من شدة الغضب لله، وفرط الضجر حميلة للدين. ورد:

___________________________

(1) في ذيل الاية: 51. (2) في " ب ": " ناجى ربه موسى " وفي المصدر: " ناجى الله موسى ". (3) العياشي 2: 29، الحديث: 80، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) المصدر الحديث: 79، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

 

[ 403 ]

" إن منها ما تكسر ومنها ما بقي ومنها ما ارتفع " (1). (وأخذ برأس أخيه يجره إليه). قال: " وذلك لانه لم يفارقهم لما فعلوا ذلك ولم يلحق بموسى، وكان إذا فارقهم ينزل بهم العذاب " (2). (قال ابن أم). قال: " ولم يقل: يابن أبي، لان بني الاب إذا كانت أمهاتهم شتى لم تستبعد العداوة بينهم إلا من عصمه الله منهم، وإنما تستبعد العدواة بين بني أم واحدة " (3). وورد: " إنه كان أخاه لابيه وأمه " (4). قيل: وكان أكبر من موسى بثلاث سنين وكان حمولا (5) لينا، ولذلك كان أحب إلى بني إسرائيل. (6) (إن القوم استضعفوني): قهروني واتخذوني ضعيفا، ولم آل جهدا في كفهم بالانذار والوعظ. (وكادو يقتلونني): وقاربوا قتلي لشدة إنكاري عليهم (فلا تشمت بى الاعداء): فلا تفعل بي ما يشمتون بي لاجله (ولا تجعلني مع القوم الظالمين): معدودا في عدادهم بالموجدة علي (7) ونسبة التقصير إلى. (قال رب اغفر لي ولاخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين). (إن الذين اتخذوا العجل سينا لهم غضب من ربهم وذلة في الحيوة الدنيا). قيل: هو ما أمروا به من قتل أنفسهم وخروجهم من ديارهم والجزية. (8) (وكذلك نجزي المفترين). افتراؤهم قولهم: " هذا إلهمكم وإله موسى ". (9) ورد: " إنه تلا هذه الاية، فقال: فلا ترى صاحب بدعة إلا ذليلا، ولا مفتريا على الله وعلى رسوله وأهل بيته

___________________________

(1) بصائر الدرجات: 141، الباب: 11، الحديث: 6، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (2 و 3) علل الشرايع 1: 68، الباب: 58، الحديث: 1، عن أبي عبد الله السلام. (4) الكافي 8: 27، ذيل الحديث: 4، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (5) حمل عنه: حلم فهو حمول: ذوحلم. القاموس المحيط 3: 372 (حمل). (6) البيضاوي 3: 28. (7) وجد عليه - يجد وجدا وجدة وموجدة - غضب. " القاموس المحيط 1: 356 - وجد ". وفي " ب ": " بالمؤاخذة على ". (8) البيضاوي 3: 28، والكشاف 2: 119. (9) طه (20): 88. (*)

 

[ 404 ]

صلى الله عليهم إلا ذليلا " (1). (والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وءامنوا): وعملوا بمتقضي الايمان (إن ربك من بعدها): من بعد التوبة (لغفور رحيم). (ولما سكت عن موسى الغضب). عبر عن سكون الغضب بالسكوت تنبيها على أن الغضب كان هو الحامل له على ما فعل، والامر له به، والمغري عليه، وهذا من البلاغة في الكلام. (أخذ الالواح) التي ألقاها (وفي نسختها هدى): بيان ودلالة لما يحتاج إليه من أمر الدين (ورحمة): نعمة ومنفعة (للذين هم لربهم يرهبون) المعاصي. (واختار موسى قومه): من قومه، من باب الحذف والايصال. (سبعين رجلا لميقاتنا). سبقت قصتهم (2). (فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياى). تمنى هلاكهم وهلاكه قبل أن يرى ما رأي. (أتهلكنا بما فعل السفهآء منا) ؟ من التجاسر على طلب الرؤية. (ورد: " إن السبعين لما صاروا معه إلى الجبل قالوا له: إنك قد رأيت الله سبحانه فأرناه كما رأيته، فقال: إني لم أره، فقالوا: " لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة " (3)، فأخذتهم الصاعقة واحترقوا عن آخرهم وبقي موسى وحيدا، فقال: يا رب اخترت سبعين رجلا من بني إسرائيل فجئت بهم وأرجع وحدي، فكيف يصدقني قومي بما أخبرتهم به ؟ ف‍ " لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا " ؟ فأحياهم الله بعد موتهم " (4). (إن هي إلا فتنتك): ابتلاؤك حين أسمعتهم كلامك حتى طمعوا في الرؤية. (تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء أنت ولينا): القائم بأمرنا

___________________________

(1) الكافي 2: 16، الحديث: 6، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) في ذيل الاية: 143 من نفس السورة. (3) البقرة (2): 55. (4) التوحيد: 424، الباب: 65، ذيل الحديث: 1، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (*)

 

[ 405 ]

(فاغفر لنا وأرحمنا وأنت خيرا الغافرين) تغفر السيئة وتبدلها بالحسنة. (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة): حسن معيشة وتوفيق طاعة (وفى الاخرة): الجنة (إنا هدنا إليك): تبنا إليك، من هاد يهود: إذا رجع. (قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شئ) في الدنيا، فما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلا وهو متقلب في نعمتي، أو في الدنيا والاخرة، إلا أن قوما لم يدخلوها لضلالهم. (فسأكتبها): فسأثتبها وأوجبها في الاخرة (للذين يتقون) الشرك والمعاصي (ويؤتون الزكوة والذين هم بأياتنا يؤمنون). الذين يتبعون الرسول النبي). قال: " الرسول: الذي يظهر له الملك فيكلمه، والنبي: هو الذي يرى في منامه، وربما اجتمعت النبوة والرسالة لواحد " (1). (الامي) قال: " المنسوب إلى أم القرى وهي مكة " (2) (الذي يجدونه) قال: " يعني: اليهود والنصارى " (3). (مكتوبا عندهم) قال: " صفة محمد وسمه " (4). (في التوراة). قال: " لما أنزلت الوراة على موسى بشر بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فلم تزل الانبياء تبشربه حتى بعث الله المسيح فبشربه " (5). وورد: " إن يهوديا قال له: إني قرأت نعتك في التوراة محمد بن عبد الله، مولده بمكة ومهاجره بطيبة، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب، (6) ولامترنن (7) بالفحش ولا قول الخنا، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، هذا

___________________________

(1) الكافي 1: 177، الحديث: 4، عن الصادقين عليهما السلام. (2) مجمع البيان 3 - 4: 487، عن أبي جعفر عليه السلام. (3 و 4) العياشي 2: 31، الحديث: 87، عن أبي جعفر عليه السلام. (5) الكافي 8: 117، ذيل الحديث: 92، عن أبي جعفر عليه السلام. (6) السخاب صيغة مبالغة من السخب وهو شدة الصوت، من تساخب القوم: إذا تصايحوا وتضاربوا مجمع البحرين 2: 81 (سخب). (7) المترنن - بنونين - من الرنة - بالفتح والتشديد -: الصوت. والخنا - مقصور -: الفحش من القول. مجمع البحرين 6: 258 (رنن). (*)

 

[ 406 ]

مالي فاحكم فيه بما أنزل الله " (1). (والانجيل). قال: " هو قول الله عزوجل يخبر عن عيسى: " ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ") (2). (يأمرهم بالمعروف وينهاهم. عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم): ويخفف عنهم ما كلفوا به من التكاليف الشافة. وأصل الاصر: الثقل. (فالذين ءامنوا به وعزروه): وعظموه بالتقوية والذب عنه. وورد: " النور في هذا الموضع علي والائمة عليهم السلام " (4). (أولئك هم المفلحون). (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والارض لا إله إلا هو يحي ويميت فأمنوا بالله ورسوله النبي الامي الذي يؤمن بالله وكلماته): ما أنزل عليه وعلى من تقدمه من الرسل (واتبعوه لعلكم تهتدون) إلى العلم اللدني الموصل إلى محبة الله وولايته، فإنه لا يحصل إلا بالايمان واتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن أمر النبي باتباعه. (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) بينهم. قال: " هم أهل الاسلام " (5). وفي رواية: " إن هذه الامة قوم من وراء الصين لم يغيروا ولم يبدلوا ليس لاحدهم مال دون صاحبه، يمطرون بالليل ويضحون بالنهار ويزرعون، لا يصل إليهم منا أحد ولا منهم إلينا، وهم على الحق " (6). وفي أخرى: " إنهم يخرجون مع قائم آل

___________________________

(1) أمالي (الصدوق): 376، المجلس الحادي والسبعون، الحديث: 6، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (2) الكافي 8: 117، ذيل الحديث: 92، عن أبي جعفر عليه السلام. والاية في الصف (61): 6. (3) البيضاوي 3: 30، والكشاف 2: 122. (4) الكافي 1: 194، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " علي أمير المؤمنين ". (5) العياشي 2: 32، الحديث: 89، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) مجمع البيان 3 - 4: 489، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

 

[ 407 ]

محمد عليهم السلام " (1). (وقطعناهم اثنتى عشرة أسباطا أمما): وصيرناهم قطعا متميزا بعضهم عن بعض، والاسباط: ولد الاولاد، وهم في ولد يعقوب بمنزلة القبائل في أولاد إسماعيل. (وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه، في التيه (أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا) أي: فضرب فانبجست، وفي حذفه إشارة إلى أنه لم يتوقف في الامتثال. (قد علم كل أناس): كل سبط (مشربهم وظللنا عليهم الغمام) ليقيهم حر الشمس (وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون). وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية): بيت المقدس (وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين). (فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون). سبق تفسير هذه الايات في سورة البقرة (2). (وسئلهم): واسأل اليهود، سؤال تقربع بقديم كفرهم وتجاوزهم حدود الله (عن القرية): عن خبرها وما وقع بأهلها (التي كانت حاضرة البحر): قريبة منه (إذ يعدون في السبت): يتجاوزون حدود الله تعالى بالصيد يوم السبت وقد نهوا عنه (إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم): يوم تعظيمهم أمر السبت، مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها، بالتجرد للعبادة (شرعا): ظاهرة على وجه الماء، من شرع عليه: إذا دنا منه وأشرف. (ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون).

___________________________

(1) مجمع البيان 3 - 4: 489، مرويا عن أصحابنا. (2) في ذيل الاية: 59. (*)

 

[ 408 ]

ورد: " إنهم توصلوا إلى حيلة ليحلوا بها ما حرم الله، فخدوا أخاديد (1) تؤدي إلى حياض يتهيأ للحيتان الدخول فيها من تلك الاخاديد ولا يتهيأ لها الخروج، فجاءت يوم السبت جارية على أمان لها فدخلت الاخاديد وحصلت (2) في الحياض والغدران (3)، فلما كانت عشية اليوم همت بالرجوع منها إلى اللجج (4) لتأمن من صائدها (5) فلم تقدر، وبقيت ليلها (6) في مكان يتهيأ أخذها بلا اصطياد، وكانوا يأخذونها يوم الاحد ويقولون: ما اصطدنا في السبت إنما اصطدنا في الاحد، وكذب أعداء الله، بل كانوا آخذين لها بأخاديدهم التي علموها يوم السبت " (7). (وإذ قالت أمة منهم): جماعة من أهل القرية (لم تعظون قوما الله مهلكهم) بذنوبهم هلاك استيصال (أو معذبهم عذابا شديدا) لتماديهم في العصيان (قالوا معذرة إلى ربكم) يعني: موعظتنا لانهاء (8) عذر إلى الله، حتى لا ينسب إلى تفريط في النهي عن المنكر (ولعلهم يتقون) إذا اليأس لا يحصل إلا بالهلاك. (فلما نسوا): تركوا ترك الناسي (ما ذكروا به): ما ذكرهم به الواعظون (أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس): شديد (بما كانوا يفسقون).

___________________________

(1) أخاديد جمع أخدود: شقق في الارض مستطيل. وخدالارض: شقها. مجمع البحرين 3: 42. (خدد). (2) حصل الشئ: ثبت وبقى. والحاصل من كل شئ: ما بقى وثبت. القاموس المحيط 3: 368 (حصل). (3) الغدران جمع الغدير: القطعة من الماء يغادرها السيل أي: يتركها. القاموس المحيط 3: 103 (غدر). (4) اللجج: جمع اللج: معظم الماء. القاموس المحيط 1: 212 (لجج). (5) في المصدر ونسخة " ألف ": " لتأمن صائدها ". (6) في المصدر: " وأبقيت ليلتها ". (7) تفسير الامام عليه السلام: 268 - 269. (8) أنهي الرجل الشئ إنهاء: أبلغه. القاموس المحيط 4: 400 (نها). (*)

 

[ 409 ]

(فلما عتوا): تكبروا (عن ما نهوا عنه). قال: " عن قبول الزجر عما نهوا عنه " (1). (قلنا لهم كونوا قردة خاسئين) قال: " مبعدين عن الخير " (2). ورد: " إن الواعظين خرجوا من المدينة مخافة أن يصبيهم البلاء، فنزلوا قريبا منها، فلما أصبحوا غدوا لينظروا ما حال أهل المعصية، فأتوا باب المدينة فإذا هو مصمت، فدقوه فلم يجابوا ولم يسمعوا منها حس أحد، فوضعوا سلما على سور المدينة، ثم أصعدوا رجلا منهم، فأشرف على المدينة، فنظر فإذا هو بالقوم قردة يتعاوون (3)، لها أذناب، فكسروا الباب ودخلوا المدينة، قال فعرفت القردة أنسابها من الانس، ولم يعرف الانس أنسابها من القردة، فقال القوم للقردة: ألم ننهاكم ؟ " (4). وورد: " كانوا ثلاثة أصناف: صنف ائتمروا وأمروا فنجوا، وصنف ائتمروا ولم يأمروا فمسخوا ذرا، وصنف لم يأتمروا ولم يأمروا فهلكوا " (5). (وإذ تأذن ربك): أعلم (6)، تفعل من الايذان، معناه عزم، فإن العازم على الامر يؤذن نفسه به (ليبعثن عليهم): ليسلطن على اليهود (إلى يوم القيامة من يسومهم): يكلفهم (سوء العذاب) بالقتل والاذلال وضرب الجزية. قيل: بعث الله عليهم بعد سليمان بخت النصر، فخرب ديارهم وقتل مقاتليهم وسبي نسائهم وذراريهم وضرب الجزية على من بقي منهم، وكانوا يؤدونها إلى المجوس، حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ففعل ما فعل، وضرب عليهم الجزية، فلا تزال مضروبة إلى آخر الدهر. وفي

___________________________

(1 و 2) تفسير الامام عليه السلام: 269، عن على بن الحسين عليه السلام. (3) العواء: صوت السباع وكأنه بالذئب والكلب أخص. يقال: عوى يعوى عواء. النهاية 4: 324 (عوا). (4) العياشي 2: 33 - 34، الحديث: 93، عن أبي جعفر عليه السلام، والقمي 1: 245، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) الكافي 8: 158، الحديث: 151، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) في " ب ": " تأذن: تفعل ". (*)

 

[ 410 ]

رواية: " إن المعني بهم أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم " (1). (إن ربك لسريع العقاب) عاقبهم في الدنيا (وإنه لغفور رحيم) لمن تاب وآمن. (وقطعناهم في الارض أمما): وفرقناهم فيها بحيث لا يكاد يخلو بلد من فرقة منهم. (منهم الصالحون ومنهم دون ذلك) أي: منحطون عن الصلاح (وبلوناهم بالحسنات والسيئات): بالنعم والنقم والمنح والمحن (لعلهم يرجعون): ينتبهون (2) فينيبون. (فخلف من بعدهم خلف): بدل سوء، وهو بالتسكين شايع في الشر، وبالتحريك في الخير، والمراد به: الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ورثوا الكتاب): التوارة من أسلافهم (يأخذون عرض هذا الادنى): حطام هذا الشئ الادنى، يعني: الدنيا. قيل: هو ما كانوا يأخذون من الرشا في الحكم، وعلى تحريف الكلم للتسهيل على العامة. (3) (ويقولون سيغفرلنا): لا يؤاخذنا الله بذلك ويتجاوز عنه. (وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه) أي: يرجون المغفرة، وهم مصرون عائدون إلى مثل فعلهم غير تاتبين عنه. (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق) ؟ يعني: الميثاق في التوارة بأن لا لا يكذبوا على الله ولا يضيفوا إليه إلا ما أنزله. (ودرسوا ما فيه): وقرؤوا ما فيه، فهم ذاكرون لذلك. ورد: " إن الله خص عباده بآيتين من كتابه: أن لا يقولوا حتى يعلموا، ولا يردوا ما لم يعلموا، قال عزوجل: " ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق " وقال " بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ") (4). (والدار الاخرة خير للذين

___________________________

(1) مجمع البيان 3 - 4: 494، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) في " ب ": " يتنبهون ". (3) الكشاف 2: 128. (4) الكافي 1: 43، الحديث: 8، عن أبي عبد الله عليه السلام. والاية الثانية في يونس (10): 39. (*)

 

[ 411 ]

يتقون) محارم الله مما (1) يأخذ هؤلاء (أفلا تعقلون) فيعلمون ذلك. (والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلوة إنا لا نضيع أجر المصلحين). قال: " نزلت في آل محمد عليهم السلام وأشياعهم " (2). (وإذ نتقنا الجبل): قلعناه ورفعناه، وأصله: الحذب. (فوقهم كأنه ظلة): سقيفة، وهي كل ما أظل. (وظنوا): وتيقنوا (أنه واقع بهم): ساقط عليهم، لان الجبل لا يثبت في الجو، ولانهم كانوا يوعدون به. (خذوا مآ ءاتيناكم بقوة): " بعزم من قلوبكم وأبدانكم ". كذا ورد (3) (واذكروا ما فيه لعلكم تتقون). قال: " لما نزل التوراة لم يقبلوه، فرفع الله عليهم طور سيناء، فقال لهم موسى: إن لم تقبلوا وقع عليكم الجبل، فقبلوه وطأطؤا رؤوسهم " (4). (وإذا أخذ ربك من بنئ ادم من ظهورهم ذريتهم): أخرج من أصلابهم نسلهم على مايتوالدون قرن، يعني: نثر حقايقهم بين يدي علمه فاستنطق الحقايق بألسنة قابليات جواهرها وألسن استعدادت ذواتها. (وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا) أي: ونصب لهم دلائل ربوبيته، وركب في عقولهم ما يدعوهم إلى الاقرار بها حتى صاروا بمنزلة الاشهاد، على طريقة التمثيل، نظير ذلك قوله عزوجل: " إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون " (5) وقوله جل وعلا: " فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين " (6).

___________________________

(1) في " ب ": " بما يأخذ ". (2) القمي 1: 246، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) العياشي 2: 37، الحديث: 101، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) القمي 1: 246، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) النحل (16): 40. (6) فصلت (41): 11. (*)

 

[ 412 ]

ورد: " أخرج من ظهر آدم ذريته إلى يوم القيامة فخرجوا كالذر، فعرفهم نفسه وأراهم صنعه، ولولا ذلك لم يعرف أحد ربه " (1). وفي رواية: سئل: كيف أجابوا وهم ذر ؟ فقال: " جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه " (2). وفي أخرى: سئل: معاينة كان هذا ؟ قال: " نعم، فثبتت المعرفة ونسوا الموقف وسيذكرونه، ولولا ذلك لم يدر أحد من خالقه ورازقه، فمنهم من أقر بلسانه في الذر ولم يؤمن بقلبه، فقال الله: " فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ") (3). (وورد: " لما أراد الله أن يخلق الخلق نثرهم بين يديه، فقال لهم: من ربكم ؟ فأول من نطق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين والائمة عليهم السلام، فقالوا: أنت ربنا، فحملهم العلم والدين، ثم قال للملائكة (4): هؤلاء حملة ديني وعلمي وأمنائي في خلقي، وهم المسؤولون، ثم قال لبني آدم: أقروالله بالربوبية، ولهؤلاء النفر بالولاية والطاعة، فقالوا: نعم ربنا أقررنا. فقال الله للملائكة: أشهدوا، فقال الملائكة: شهدنا " (5). (أن تقولوا يوم القيامة) قال: " على أن لا تقولوا غدا " (6). (إنا كنا عن هذا غافلين). (أو تقولوا إنما أشرك أآباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون) يعني: آباءهم المؤسسين أساس الشرك. (وكذلك نفصل الايات ولعلهم يرجعون) عن التقليد وابتاع الباطل. (واتل عليهم نبأالذئ اتيناه ءاياتنا) هو بلعم بن باعورا من بني إسرائيل أوتي علم بعض كتب الله. قال: (الاصل فيه بلعم، ثم ضربه الله مثلا لكل مؤثر هواه على

___________________________

(1) التوحيد: 330، الباب: 53، الحديث: 9، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) الكافي 2: 12، الحديث: 1، عن عبد الله عليه السلام. (3) القمي 1: 248، عن أبي عبد الله. والاية في يونس (10): 74. (4) في " ألف ": " الملائكته ". (5 و 6) الكافي 1: 133، الحديث: 7، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

 

[ 413 ]

هدى الله من أهل القبلة " (1). (فانسلخ منها) بأن كفربها ونبذها وراء ظهره (فأتبعه الشيطان): فلحقه الشيطان وأدركه وصار قرينا له (فكان من الغاوين): من الضالين. قال: " أعطي بلعم بن باعورا الاسم الاعظم وكان يدعو به فيستجيب له (2)، فمال إلى فرعون، فلما مر فرعون في طلب (3) موسى وأصحابه، قال فرعون لبلعم: ادع الله على موسى وأصحابه ليحبسه علينا، فركب حمارته ليمر في طلب موسى، فامتنعت عليه حمارته فأقبل يضربها، فأنطقها الله عزوجل فقالت: ويلك على ماذا تضربني، أتريد أن أجئ معك لتدعو على نبي الله وقوم مؤمنين ؟ فلم يزل يضربها حتى قتلها، وانسلخ الاسم من لسانه، وهو قوله: " فانسلخ منها ") (4). (ولو شئنا لرفعناه بها) بتلك الايات وملازمتها إلى منازل الابرار من العلماء (ولكنه أخلد إلى الارض): مال الدنيا (واتبع هواه) في إيثار الدنيا واسترضاء قومه، وأعرض عن مقتضى الايات فحططناه. (فمثله كمثل الكلب) في أخس أحواله (إن تحمل عليه) بالطرد والزجر، من الحملة (يلهث): يخرج لسانه بالتنفس الشديد (أو تتركه يلهث): دائم اللهث، بخلاف ساير الحيوان، فإنه إذا هيج وحرك لهث وإلا لم يلهث. والمعنى: إن وعظته فهو ضال، وإن لم تعظه فهو ضال. (ذلك مثل القوم الذين كذبوا بأياتنا فاقصص القصص) المذكورة (لعلهم يتفكرون) فيتعظون ويحذرون (5) مثل عاقبته. (ساء مثلا القوم): مثل القوم (الذين كذبوا بأياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون)

___________________________

(1) مجمع البيان 3 - 4: 500، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) في المصدر: " فيستجاب له ". (3) في " الف ": " إلى طلب موسى ". (4) القمي 1: 248، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (5) في " الف " و " ج ": " فيحذرون ". (*)

 

[ 414 ]

لاغيرهم. (من يهد الله فهو المهتدى). الافراد فيه لاعتبار اللفظ، والجمع في نظيره (1) لاعتبار المعنى، تنبيه على أن المهتدين كواحد لاتحاد طريقهم بخلاف الضالين. (ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون). (ولقد ذرأنا): خلقنا (لجنهم كثيرا من الجن والانس لهم قلوب لا يفقهون بها) قال: " طبع الله عليها فلا تعقل " (2). (ولهم أعين لا يبصرون بها) قال: " عليها غطاء عن الهدى " (3). (ولهم ءاذن لا يسمعون بها) قال: " جعل في آذانهم وقرا فلم يسمعوا الهدى " (4) (أولئك كالانعام) في عدم الفقه والابصار للاعتبار، والاستماع للتدبر، وفي أن مشاعرهم وقواهم متوجهة إلى أسباب التعيش، مقصورة عليها (بل هم أضل) فإنهما تدرك ما يمكن لها أن تدرك من المنافع والمضار، وتجتهد في جذبها وذفعها غاية جهدها، وهم ليسوا كذلك، بل أكثرهم يعلم أنه معاند فيقدم على النار. (أولئك هم الغافلون): الكاملون في الغفلة. ورد: " إن الله ركب في الملائكة عقلا بلا شهوة، وركب في البهائم شهوة بلا عقل، وركب في بني آدم كلتيهما، فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلب شهوته عقله فهو شر من البهائم " (5). (ولله الاسماء الحسنى) التي هي أحسن الاسماء، لتضمنها معاني هي أحسن المعاني (فادعوه بها): فسموة بتلك الاسماء. سئل: عن الاسم، فقال: " صفة لموصوف " (6). وفي رواية: " إذا نزلت بكم شدة فاستعينوا بنا على الله، وهو قول الله: " ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها ") (7).

___________________________

(1) المراد بنظيره هو قوله تعالى: " ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ". (2 و 3 و 4) القمي 1: 249، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: " فلن يسمعوا الهدى ". (5) علل الشرايع 1: 4، الباب: 6، الحديث: 1، عن أبي عبد الله، عن أمير المؤمنين عليهما السلام. (6) الكافي 1: 113، الحديث: 3، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (7) العياشي 2: 42، الحديث: 119، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (*)

 

[ 415 ]

(وذروا الذين يلحدون في أسمائه): يعدلون بها عما هي عليه، فيسمون بها أصنامهم أو يصفون الله بما لا يليق به، ويسمونه بما لا يجوز تسميته به. قال: " وله الاسماء الحسنى التي لا يسمى بها غيره، وهي التي وصفها في الكتاب، فقال: " فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه " جهلا بغير علم، فالذي يلحد في أسمائه بغير علم يشرك وهو لا يعلم، ويكفر به وهو يظن أنه يحسن، ولذلك قال: " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " (1) فهم الذين يلحدون في أسمائه بغير علم فيضعونها غير مواضعها " (2). (سيجزون ما كانوا يعملون). (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) قال: " هم الائمة " (3). وفي رواية علوية: " والذي نفسي بيده لتفترقن هذه الامة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة " وممن خلقنا " الاية، فهذه التي تنجو من هذه الامة " (4). وفي أخرى نبوية: " هذه لكم وقد أعطي قوم موسى مثلها " (5). وورد: " إن من أمتي قوما على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم " (6). (والذين كذبوا بأياتنا سنستدرجهم): سنستدنيهم (7) قليلا قليلا إلى الهلاك حتى يقعوا فيه بغتة، وأصل الاستدراج: الاستصعاد، أو الاستنزال درجة بعد درجة. (من حيث لا يعلمون) ما يراد بهم، وذلك أن يتواتر عليهم النعم فيظنوا أنه لطف من الله بهم، فيزدادوا بطرا وانهما كافي الغي حتى يحق عليهم كلمة العذاب. قال " هو العبد يذنب الذنب فتجدد له النعمة، تلهيه تلك النعمة عن الاستغفار عن ذلك

___________________________

(1) يوسف (12): 106. (2) التوحيد: 324، الباب: 50، ذيل الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) الكافي 1: 414، الحديث: 13، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) العياشي 2: 43، الحديث: 122، عن أمير المؤمنين عليه السلام، وفيه: " لتفرقن ". (5 و 6) مجمع البيان 3 - 4: 503. (7) في " الف " و " ب ": " سنستدينهم ". (*)

 

[ 416 ]

الذنب " (1). وفي رواية: " إذا أراد الله بعبد خيرا فأذنب ذنبا أتبعه بنقمة ويذكره الاستغفار، وإذا أراد الله بعبد شرا فأذنب ذنبا، أتبعه بنعمة لينسيه الاستغفار ويتمادي بها، وهو قول الله عزوجل: " سنستدرجهم من حيث لا يعلمون " بالنعم عند المعاصي " (2). (وأملى لهم): وأمهلهم (إن كيدى متين) لا يدفع بشئ، إنما سماه كيدا لان ظاهره إحسان وباطنه خذلان. (أولم يتفكروا ما بصاحبهم) يعني: محمدا صلى الله عليه وآله وسلم (من جنة) أي: جنون. روي: " أنها نزلت حين حذرهم بأس الله، فنسبوه إلى الجنون " (3). (إن هو إلا نذير مبين). (أو لم ينظروا) نظر اعتبار (في ملكوت السموات والارض): في باطنهما وأرواحهما (وما خلق الله من شئ) مما يقع عليه اسم الشئ من أجناس خلقه التي لا يمكن حصرها، لتذلهم على كمال قدرة صانعها ووحدة مبدعها وعظم شأن مالكها ومتولي أمرها، ليظهر لهم صحة ما يدعوهم إليه. (وأن عسى): وأنه عسى (أن يكون قد اقترب أجلهم) يعني: واقتراب آجالهم وتوقع حلولها، فيسارعوا إلى طلب الحق والتوجه إلى ما ينجيهم، قبل مغافصة (4) الموت ونزول العذاب. (فبأي حديث بعده): بعد القرآن، (يؤمنون) إذا لم يؤمنوا به. والمعنى: ولعل أجلهم قد اقترب فما بالهم لا يبادرون الايمان بالقرآن، وماذا ينتظرون بعد وضوحه ؟ ! فإن لم يؤمنوا به فبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا ؟ (من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون) القمي: يكله إلى

___________________________

(1) الكافي 2: 452، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) المصدر، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) الدر المنثور 3: 618، والبيضاوي 3: 36، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (4) غافصه: فاجاه وأخذه على غرة. القاموس المحيط 2: 322 (غض). (*)

 

[ 417 ]

نفسه (1). (يسئلونك عن الساعة) أي: القيامة وهي من الاسماء الغالبة. (أيان مرساها) ؟: متى إرساؤها ؟ أي: إثباتها واستقرارها (قل إنما علمها عند ربى) استأثر به، لم يطلع عليه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا (لا يجليها لوقتها): لا يظهرها في وقتها (إلا هو) يعني: أن الخفاء بها مستمر على غيره إلى وقت وقوعها، واللام للتوقيت. (ثقلت في السموات والارض): عظمت على أهلها من الملائكة والثقلين لهولها وشدتها. (لا تأتيكم إلا بغتة): فجأة على غفلة. روي: " أن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه، والرجل يسقي ماشيته، والرجل يقوم سلعته في سوقه، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه " (2). (يسئلونك كأنك حفى عنها) قيل: أي: عالم بها، وأصله: كأنك أحفيت بالسؤال حتى علمتها، أي: استقصيت وألحفت. (3) (قل إنما علمها عند الله) لانه من علم الغيب (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) أنه المختص بالعلم بها. القمي: إن قريشا بعثت قوما إلى نجران ليتعلموا من علماء اليهود مسائل يسألونها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان فيها: سلوا محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - متى تقوم الساعة ؟ فإن ادعى علم ذلك فهو كاذب، فإن قيام الساعة لم يطلع الله عليه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا. فلما سألوه نزلت (4). (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا): جلب نفع ولا دفع ضرر، وهو إظهار للعبودية، والتبري عن أدعاء العلم بالغيوب. (إلا ما شاء الله) من ذلك، فيلهمني إياه ويوفقني له (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسنى السوء) قال:

___________________________

(1) القمي 1: 249. (2 و 3) جوامع الجامع 1: 487. (4) القمي 1: 249. (*)

 

[ 418 ]

" يعني الفقر " (1). القمي: كنت أختار لنفسي الصحة والسلامة. (2) (إن أنا إلا نذيرو بشير لقوم يؤمنون). (هو الذي خلقكم من نفس واحدة) هي نفس آدم (وجعل منها): من فضل طينها (زوجها): حواء (ليسكن إليها): ليأنس بها ويطمئن إليها (فلما تغشاها): جامعها (حملت حملا خفيفا): خف عليها (فمرت به) أي: استمرت بالحمل (فلما أثقلت): صارت ذات ثقل بكبر الولد في بطنها (دعوا الله ربهما لئن ءاتيتنا صالحا): ولدا سويا بريئا من الافة (لنكونن من الشاكرين). (فلمآء ءاتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما ءاتاهما فتعلى الله عما يشركون). قال: " هما آدم وحواء، وإنما كان شركهما شرك طاعة وليس شرك عبادة " (3). وفي رواية: " جعل صنفا الذكر والانثى من أولاد هما لله سبحانه شركاء فيما آتاهما ولم يشكراه كشكر أبويهما له عزوجل. قال الله تعالى: " فتعالى الله عما يشركون ") (4). (أيشركون مالا يخلق شيئا وهم يخلقون) يعني الاصنام. (ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون). (وإن تدعوهم إلى الهدى لايتبعوكم سوآء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون). الخطاب إما للمسلمين و " هم " ضمير المشركين، وإما للمشركين و " هم " ضمير الشركاء (5). (إن الذين تدعون من دون الله) أي: تعبدونهم وتسمونهم آلهة من دونه سبحانه

___________________________

(1) معاني الاخبار: 172، باب معنى السوء، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) القمي 1: 250. (3) العياشي 2: 43، الحديث: 125، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 197، الباب: 15، ذيل الحديث: 1. (5) فالمعنى على الاول: إن تدعوا المشركين إلى الاسلام لا يجيبوكم، وعلى الثاني: إن تدعوا الاصنام إلى أن يهدوكم لا يتبعوكم إلى مرادكم ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله " منه في الصافي 2: 260 ". (*)

 

[ 419 ]

(عباد أمثالكم): مملوكون مسخرون (فادعوهم فليستجيبوا لكم) في مهماتكم) (إن كنتم صادقين) أنهم آلهة. (ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم ءاذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم) واستعينوا بهم في عداوتي (ثم كيدون) فبالغوا فيما تقدرون عليه من مكروهي أنتم وشركاؤكم (فلا تنظرون): فلا تمهلوني، فإني لا أبالي بكم لو ثوقي على ولاية الله وحفظه. (إن ولئ): ناصري وحافظي (الله الذي نزل الكتاب): القرآن (وهو يتولى الصالحين): ينصرهم ويحفظهم. (والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون). (وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك): يشبهون الناظرين إليك، لانهم صوروا (1) بصورة من ينظر إلى من يواجهه. (وهم لا يبصرون). خذالعفو): خذ ما عفالك من أفعال الناس وأخلاقهم وما يأتي منهم من غير كلفة وتسهل، ولا تطلب ما يشق عليهم ولا تداقهم، واقبل الميسور منهم، ونحوه: " يسروا ولا تعسروا " (2)، من العفو الذي هو ضد الجهد. قال: " إن الله أدب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، أي: خذ منهم ما ظهر وما تيسر، قال: والعفو: الوسط " (3). (وأمر بالعرف): بالمعروف الجميل من الافعال والحميد من الاخلاق (وأعرض عن الجاهلين): ولا تمار السفهاء ولا تكافهم بمثل سفههم. روي: " لما نزلت هذه الاية سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جبرئيل عن ذلك. فقال: لا أدري

___________________________

(1) أي: صوروا أصنامهم. (2) جوامع الجامع 1: 491. مرويا عن المعصوم عليه السلام. (3) العياشي 2: 43، الحديث: 126، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

 

[ 420 ]

حتى أسأل العالم، ثم أتاه فقال: يا محمد إن الله يأمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك " (1). وفي رواية: " أمر الله نبيه بمكارم الاخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الاخلاق منها " (2). وفي أخرى: " إن الله أمره بمداراة الناس " (3). وإما ينزغنك من الشيطان نزع): ينخسنك منه نخس في القلب يوسوسك على خلاف ما أمرت به، كاعتراء غضب، شبه وسوسته للناس إغراء لهم على المعاصي وإزعاجا بغرز السايق ما يسوقه. (فاستعذ بالله إنه سميع عليم). روي: لما نزلت الاية السابقة قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " كيف يا رب والغضب " (4). فنزلت. (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان): لمة منه، كأنها طافت بهم ودارت حولهم ولم تقدر أن تؤثر فيهم (تذكروا) ما أمر الله به ونهى عنه (فإذاهم مبصرون) مواقع الخطأ ومكائد الشيطان، فيتحرزون عنها. قال: " هو العبد يهم بالذنب ثم يتذكر فيمسك " (5). (وإخوانهم): وإخوان الشياطين، يعني: الذين لم يتقوا (يمدونهم في الغي) بالتزيين والحمل عليه (ثم لا يقصرون): لا يمسكون عن إغوائهم حتى يصروا ولا يرجعوا فيهلكوا. (وإذا لم تأتهم بأية قالوا لولا اجتبيتها): هلا جمعتها تقولا من عند نفسك كساير ما تقرأ (قل إنما أتبع ما يوحى إلى من ربى هذا بصائر) للقلوب، بها تبصرالحق (من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون).

___________________________

(1) مجمع البيان 3 - 4: 512. (2) جوامع الجامع 1: 491، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 256، الباب: 26، الحديث: 9. (4) مجمع البيان 3 - 4: 512. (5) الكافي 2: 435، الحديث: 7، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

 

[ 421 ]

(وإذا قرئ القرءان فأستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون). قيل: نزلت في الصلاة، كانوا يتكلمون فيها فأمروا باستماع قراءة الامام والانصات له (1). ورود: " إن كنت خلف إمام فلا تقرأن شيئا في الاولتين وأنصت لقراءته ولا تقرأن شيئا في الاخيرتين، فإن الله عزوجل يقول للمؤمنين: " وإذا قرئ القرآن " يعني في الفريضة خلف الامام " فاستمعوا له " الاية والاخيرتان تبع للاولتين " (2). وفي رواية: " يجب الانصات للقرآن في الصلاة وفي غيرها، وإذا قرئ عندك القرآن وجب عليك الانصات والاستماع " (3). (واذكر ربك في نفسك). عام في كل ذكر (تضرعا) قال: " يعني مستكينا " (4). (وخيفة) قال: " يعني خوفا من عذابه " (5). (ودون الجهر من القول) قال: " يعني من القراءة " (6). (بالغدو والاصال) قال: " يعني بالغداة والعشئ " (7). (ولا تكن من الغافلين) عن ذكر الله اللاهين عنه. قيل: لان الذكر في النفس ودون الجهر، الذين يعبر عنهما بالسر، أدخل في الاخلاص وأبعد من الرياء وأقرب إلى القبول. (8) وورد: " لا يكتب الملك إلا ما يسمع، وقال الله عزوجل: و " اذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة " فلا يعلم ثواب ذلك الذكر في نفس الرجل غير الله لعظمته " (9). وفي رواية: " قال الله من ذكرني سرا ذكرته علانية " (10). وفي رواية علوية (11): " من ذكر الله في السر فقد ذكر الله كثيرا إن المنافقين كانوا يذكرون

___________________________

(1) البيضاوي 3: 40. (2) من لا يحضره الفقيه 1: 256، الحديث: 1160، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) العياشي 2: 44، الحديث: 132، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) إلى 7 - المصدر، الحديث: 135، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (8) راجع: جوامع الجامع 1: 493. (9) الكافي 2: 502، الحديث: 4، عن أحدهما عليهما السلام. (10) المصدر، 501، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (11) في " ب " و " ج ": " وفي أخرى ". (*)

 

[ 422 ]

الله علانية ولا يذكرونه في السر، فقال الله تعالى: " يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا ") (1). (إن الذين عند ربك) القمي: يعني الانبياء والرسل والائمة عليهم السلام (2). وقيل: الملائكة (3). (لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه): وينزهونه (وله يسجدون): ويخصونه بالعبادة والتذلل، لا يشركون به غيره، هنا أول سجدات القرآن. ورد: " إذا قرأ ابن آدم السجدة، فسجد اعتزل الشيطان يبكي ويقول: يا ويله أمر هذا بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار " (4).

___________________________

(1) الكافي 2: 501، الحديث 2، عن أمير المؤمنين عليه السلام، والاية في النساء: 142. (2) القمي 1: 254. (3) الكشاف 2: 140، والبيضاوي 3: 40. (4) البيضاوي 3: 40، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (*)

 




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8896267

  • التاريخ : 5/08/2020 - 05:43

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net