00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة القلم من أول السورة ـ آخر السورة من ( ص 487 ـ 536 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء الثامن عشر   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

[ 487 ]

سُورَة القَلَم

مكيّة

وعَدَدُ آيَاتِها إثنتان وخمسُون آية

[ 489 ]

 

«سورة القلم»

ملاحظة

بالرغم من أنّ بعض المفسّرين شكّك في كون السورة بأجمعها نزلت في مكّة، إلاّ أنّ نسق السورة ومحتوى آياتها ينسجم تماماً مع السور المكيّة، لأنّ المحور الأساسي فيها يدور حول مسألة نبوّة رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) ومواجهة الأعداء الذين كانوا ينعتونه بالجنون وغيره، والتأكيد على الصبر والإستقامة وتحدّي الصعاب، وإنذار وتهديد المخالفين لهذه الدعوة المباركة بالعذاب الأليم.

وبشكل عامّ يمكن تلخيص مباحث هذه السورة بسبعة أقسام:

1 ـ في البداية تستعرض السورة بعض الصفات الخاصّة لرسول الإنسانية محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وخصوصاً أخلاقه البارّة السامية الرفيعة، ولتأكيد هذا الأمر يقسِمُ الباريء عزّوجلّ في هذا الصدد.

2 ـ ثمّ تتعرّض بعض الآيات الواردة في هذه السورة إلى قسم من الصفات السيّئة والأخلاق الذميمة لأعدائه.

3 ـ كما يبيّن قسم آخر من الآيات الشريفة قصّة (أصحاب الجنّة) والتي هي بمثابة توجيه إنذار وتهديد للسالكين طريق العناد من المشركين.

4 ـ وفي قسم آخر من السورة ذكرت عدّة اُمور حول القيامة والعذاب الأليم للكفّار في ذلك اليوم.

5 ـ كما جاء في آيات اُخرى جملة إنذارات وتهديدات للمشركين.

6 ـ ونلاحظ في آيات اُخرى من السورة الأمر الإلهي للرسول العظيم محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يواجه الأعداء بصبر وإستقامة وقوّة وصلابة.

[ 490 ]

 

7 ـ وأخيراً تختتم السورة موضوعاتها بحديث حول عظمة القرآن الكريم، وطبيعة المؤامرات التي كان يحوكها الأعداء ضدّ الرّسول محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم).

إنتخاب (القلم) اسماً لهذه السورة المباركة، كان بلحاظ ما ورد في أوّل آية منها، وذكر البعض الآخر أنّ اسمها (ن).

ويستفاد من بعض الروايات التي وردت في فضيلة هذه السورة أنّ اسمها «ن والقلم».

فضيلة تلاوه سورة القلم:

نقل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في فضيلة تلاوة هذه السورة أنّه قال: «من قرأ (ن والقلم) أعطاه الله ثواب الذين حسن أخلاقهم»(173).

كما نقرأ في حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «من قرأ سورة (ن والقلم) في فريضة أو نافلة، آمنه الله أن يصيبه في حياته فقر أبداً، وأعاذه إذا مات من ضمّة القبر، إن شاء الله»(174).

وهذا الأجر والجزاء يتناسب تناسباً خاصّاً مع محتوى السورة، والهدف من التأكيد على هذا النوع من الأجر من تلاوة السورة هو أن تكون التلاوة مقرونة بالوعي والمعرفة ومن ثمّ العمل بمحتواها.

* * *

[ 491 ]

 

الآيات

ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون (2)وَإِنَّ لَكَ لاََجْراً غَيْرَ مَمْنُون (3) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم (4)فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7)

التّفسير

عجباً لأخلاقك السامية:

هذه السورة هي السورة الوحيدة التي تبدأ بحرف (ن) حيث يقول تعالى: ( ن).

وقد تحدّثنا مرّات عديدة حول الحروف المقطّعة، خصوصاً في بداية سورة (البقرة) و (آل عمران) و (الأعراف) والشيء الذي يجدر إضافته هنا هو ما اعتبره البعض من أنّ (ن) هنا تخفيف لكلمة (الرحمن) فهي إشارة لذلك. كما أنّ البعض الآخر فسّرها بمعنى (اللوح) أو (الدواة) أو (نهر في الجنّة) إلاّ أنّ كلّ تلك الأقوال ليس لها دليل واضح.

وبناءً على هذا فإنّ الحرف المقطّع هنا لا يختلف عن تفسير بقيّة الحروف المقطّعة والتي أشرنا إليها سابقاً.

[ 492 ]

 

ثمّ يقسم تعالى بموضوعين يعتبران من أهمّ المسائل في حياة الإنسان، فيقول تعالى: ( والقلم وما يسطرون).

كم هو قسم عجيب؟ وقد يتصوّر أنّ القسم هنا يتعلّق ظاهراً بمواضيع صغيرة، أي قطعة من القصب ـ أو شيء يشبه ذلك ـ وبقليل من مادّة سوداء، ثمّ السطور التي تكتب وتخطّ على صفحة صغيرة من الورق.

إلاّ أنّنا حينما نتأمّل قليلا فيه نجده مصدراً لجميع الحضارات الإنسانية في العالم أجمع، إنّ تطور وتكامل العلوم والوعي والأفكار وتطور المدارس الدينية والفكرية، وبلورة الكثير من المفاهيم الحياتية .. كان بفضل ما كُتب من العلوم والمعارف الإنسانية في الحقول المختلفة، ممّا كان له الأثر الكبير في يقظة الاُمم وهداية الإنسان .. وكان ذلك بواسطة (القلم).

لقد قسّمت حياة الإنسان إلى عصرين: (عصر التأريخ) و (عصر ما قبل التأريخ) وعصر تأريخ البشر يبدأ منذ أن إخترع الإنسان الخطّ وإستطاع أن يدوّن قصّة حياته وأحداثها على الصفحات، وبتعبير آخر، يبدأ عندما أخذ الإنسان القلم بيده، ودوّن للآخرين ما توصّل إليه (وما يسطرون) تخليداً لماضيه.

وتتّضح عظمة هذا القسم بصورة أكثر عندما نلاحظ أنّ هذه الآيات المباركة حينما نزلت لم يكن هنالك كتاب ولا أصحاب قلم، وإذا كان هنالك أشخاص يعرفون القراءة والكتابة، فإنّ عددهم في كلّ مكّة ـ التي تمثّل المركز العبادي والسياسي والإقتصادي لأرض الحجاز ـ لم يتجاوز الـ (20) شخصاً. ولذا فإنّ القسم بـ (القلم) في مثل ذلك المحيط له عظمة خاصّة.

والرائع هنا أنّ الآيات الاُولى التي نزلت على قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في (جبل النور) أو (غار حراء) قد اُشير فيها أيضاً إلى المنزلة العليا للقلم، حيث يقول تعالى: ( اقرأ باسم ربّك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربّك الأكرم، الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم)(175).

والأروع من ذلك كلّه أنّ هذه الكلمات كانت تنطلق من فمّ شخص لم يكن يقرأ أو يكتب، ولم يذهب للمكاتب من أجل التعليم قطّ، وهذا دليل

[ 493 ]

 

 أيضاً على أنّ ما ينطق به لم يكن غير الوحي السماوي.

وذكر بعض المفسّرين أنّ كلمة (القلم) هنا يقصد بها: (القلم الذي تخطّ به ملائكة الله العظام الوحي السماوي)، (أو الذي تكتب به صفحة أعمال البشر)، ولكن من الواضح أنّ للآية مفهوماً واسعاً، وهذه الآراء تبيّن مصاديقها.

كما أنّ لجملة ( ما يسطرون) مفهوماً واسعاً أيضاً، إذ تشمل جميع ما يكتب في طريق الهداية والتكامل الفكري والأخلاقي والعلمي للبشر، ولا ينحصر بالوحي السماوي أو صحائف أعمال البشر(176).

ثمّ يتطرّق سبحانه لذكر الأمر الذي أقسم من أجله فيقول تعالى: ( ما أنت بنعمة ربّك بمجنون).

إنّ الذين نسبوا إليك هذه النسبة القبيحة هم عمي القلوب والأبصار، وإلاّ فأين هم من كلّ تلك النعم الإلهية التي وهبها الله لك؟ نعمة العقل والعلم الذي تفوّقت بها على جميع الناس ونعمة الأمانة والصدق والنبوّة ومقام العصمة ... إنّ الذين يتّهمون صاحب هذا العقل الجبّار بالجنون هم المجانين في الحقيقة، إنّ إبتعادهم عن دليل الهداية وموجّه البشرية لهو الحمق بعينه.

ثمّ يضيف تعالى بعد ذلك: ( وإنّ لك لأجراً غير ممنون) أي غير منقطع، ولِمَ لا يكون لك مثل هذا الأجر، في الوقت الذي وقفت صامداً أمام تلك التّهم والإفتراءات اللئيمة، وأنت تسعى لهدايتهم ونجاتهم من الضلال وواصلت جهدك في هذا السبيل دون تعب أو ملل؟

«ممنون» من مادّة (منّ) بمعنى (القطع) ويعني الأجر والجزاء المستمرّ الذي

[ 494 ]

 

 لا ينقطع أبداً، وهو متواصل إلى الأبد، يقول البعض: إنّ أصل هذا المعنى مأخوذ من «المنّة»، بلحاظ أنّ المنّة توجب قطع النعمة.

وقال البعض أيضاً: إنّ المقصود من ( غير ممنون) هو أنّ الله تعالى لم تكن لديه منّة مقابل هذا الأجر العظيم. إلاّ أنّ التّفسير الأوّل أنسب.

وتعرض الآية اللاحقة وصفاً آخر لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك بقوله تعالى: ( وإنّك لعلى خُلُق عظيم).

تلك الأخلاق التي لا نظير لها، ويحار العقل في سموّها وعظمتها من صفاء لا يوصف، ولطف منقطع النظير، وصبر وإستقامة وتحمّل لا مثيل لها، وتجسيد لمبادىء الخير حيث يبدأ بنفسه أوّلا فيما يدعو إليه، ثمّ يطلب من الناس العمل بما دعا إليه والإلتزام به.

عندما دعوت ـ يارسول الله ـ الناس لعبادة الله، فقد كنت أعبد الناس جميعاً، وإذ نهيتهم عن سوء أو منكر فإنّك الممتنع عنه قبل الجميع، تقابل الأذى بالنصح، والإساءة بالصفح، والتضرّع إلى الله بهدايتهم، وهم يؤلمون بدنك الطاهر رمياً بالحجارة، واستهزاءاً بالرسالة، وتقابل وضعهم للرماد الحارّ على رأسك الشريف بدعائك لهم بالرشد.

نعم لقد كنت مركزاً للحبّ ومنبعاً للعطف ومنهلا للرحمة، فما أعظم أخلاقك؟

«خُلُق» من مادّة (الخلقة) بمعنى الصفات التي لا تنفكّ عن الإنسان، وهي ملازمة له، كخلقة الإنسان.

وفسّر البعض الخُلُق العظيم للنبي بـ (الصبر في طريق الحقّ، وكثرة البذل والعطاء، وتدبير الاُمور، والرفق والمداراة، وتحمّل الصعاب في مسير الدعوة الإلهية، والعفو عن المتجاوزين، والجهاد في سبيل الله، وترك الحسد والبغض والغلّ والحرص ..، وبالرغم من أنّ جميع هذه الصفات كانت متجسّدة في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ أنّ الخُلُق العظيم له لم ينحصر بهذه الاُمور فحسب، بل أشمل منها جميعاً.

[ 495 ]

 

وفسّر الخُلُق العظيم أيضاً بـ (القرآن الكريم) أو (مبدأ الإسلام) ومن الممكن أن تكون الموارد السابقة من مصاديق المفهوم الواسع للآية أعلاه.

وعلى كلّ حال فإنّ تأصّل هذا (الخُلُق العظيم) في شخصية الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هو دليل واضح على رجاحة العقل وغزارة العلم له ونفي جميع التّهم التي تنسب من قبل الأعداء إليه.

ثمّ يضيف سبحانه بقوله: ( فستبصر ويبصرون).

( بأيّكم المفتون) أي من منكم هو المجنون(177).

«مفتون»: اسم مفعول من (الفتنة) بمعنى الإبتلاء، وورد هنا بقصد الإبتلاء بالجنون.

نعم، إنّهم ينسبون هذه النسب القبيحة إليك ليبعدوا الناس عنك، إلاّ أنّ للناس عقلا وإدراكاً، يقيّمون به التعاليم التي يتلقّونها منك، ثمّ يؤمنون بها ويتعلّمونها تدريجيّاً، وعندئذ تتّضح الحقائق أمامهم، وهي أنّ هذه التعاليم العظيمة مصدرها الباريء عزّوجلّ، أنزلها على قلبك الطاهر بالإضافة إلى ما منحك من نصيب عظيم في العقل والعلم.

كما أنّ مواقفك وتحرّكاتك المستقبلية المقرونة بالتقدّم السريع لإنتشار الإسلام، ستؤكّد بصورة أعمق أنّك منبع العلم والعقل الكبيرين، وأنّ هؤلاء الأقزام الخفافيش هم المجانين، لأنّهم تصدّوا لمحاربة نور هذه الشمس العظيمة المتمثّلة بالحقّ الإلهي والرسالة المحمّدية.

ومن الطبيعي فإنّ هذه الحقائق ستتوضّح أمامهم يوم القيامة بصورة دامغة، ويخسر هنالك المبطلون، حيث تتبيّن الاُمور وتظهر الحقيقة.

وللتأكيد على المفهوم المتقدّم يقول سبحانه مرّة اُخرى: ( إنّ ربّك هو أعلم

[ 496 ]

 

 بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين).

وبلحاظ معرفة الباريء عزّوجلّ بسبيل الحقّ وبمن سلكه ومن جانبه وتخلّف أو إنحرف عنه، فإنّه يطمئن رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه والمؤمنون في طريق الهداية والرشد، أمّا أعداؤه فهم في متاه الضلالة والغواية.

وجاء في حديث مسند أنّ قريشاً حينما رأت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقدم الإمام علي (عليه السلام) على الآخرين ويجلّه ويعظّمه، غمزه هؤلاء وقدحوا به (صلى الله عليه وآله وسلم) وقالوا: (لقد فتن محمّد به) هنا أنزل الله تعالى قرآناً وذلك قوله: ( ن والقلم) وأقسم بذلك، وإنّك يامحمّد غير مفتون ومجنون حتّى قوله تعالى: ( إنّ ربّك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) حيث الله هو العالم بالأشخاص الذين ضلّوا وانحرفوا عن سواء السبيل، وهي إشارة إلى قريش التي كانت تطلق هذه الإتّهامات، كما أنّه تعالى أعرف بمن اهتدى، وهي إشارة إلى الإمام علي (عليه السلام)(178).

* * *

ملاحظات

1 ـ دور القلم في حياة الإنسان

إنّ من أهمّ معالم التطور في الحياة البشرية ـ كما أشرنا سابقاً ـ هو ظهور الخطّ وما ثبّته القلم على صحائف الأوراق والأحجار، إذ أنّ هذا الحدث أدّى إلى فصل (عصر التاريخ) عن (عصر ما قبل التاريخ).

إنّ ما يثبته القلم على صفحات الورق هو الذي يحدّد طبيعة الإنتصار أو الإنتكاسة لمجتمع ما من المجتمعات الإنسانية، وبالتالي فإنّ ما يسطّره القلم يحدّد مصير البشر في مرحلة ما أو مكان ما .. فـ (القلم) هو الحافظ للعلوم، المدوّن للأفكار، الحارس لها، وحلقة الإتّصال الفكري بين العلماء، والقناة الرابطة بين الماضي والحاضر، والحاضر والمستقبل. بل حتّى موضوع إرتباط الأرض بالسماء قد حصل هو الآخر عن طريق اللوح والقلم أيضاً.

فالقلم يربط بين بني البشر المتباعدين من الناحية الزمانية والمكانية، وهو مرآة

[ 497 ]

 

 تعكس صور المفكّرين على طول التاريخ في كلّ الدنيا وتجمعها في مكتبة كبيرة.

والقلم: حافظ للأسرار، مؤتمن على ما يستودع، وخازن للعلم، وجامع للتجارب عبر القرون والأعصار المختلفة. وإذا كان القرآن قد أقسم به فلهذا السبب، لأنّ القسم غالباً لا يكون إلاّ بأمر عظيم وذي قيمة وشأن.

ومن الطبيعي عندئذ أن يكون (القلم) وسيلة لـ (ما يسطرون) من الكتابة، ونلاحظ القسم بكليهما لقد أقسم القرآن الكريم بـ (الوسيلة) وكذلك (بحصاد) تلك الوسيلة (وما يسطرون).

وجاء في بعض الروايات «إنّ أوّل ما خلق الله القلم».

نقل هذا الحديث محدّثو الشيعة عن الإمام الصادق (عليه السلام)(179).

وجاء هذا المعنى أيضاً في كتب أهل السنّة في خبر معروف(180).

وجاء في رواية اُخرى: (أوّل ما خلق الله تعالى جوهرة)(181).

وورد في بعض الأخبار أيضاً: (إنّ أوّل ما خلق الله العقل)(182).

ويمكن ملاحظة طبيعة الإرتباط الخاصّ بين كلّ من (الجوهرة) و (القلم) و (العقل) الذي يوضّح مفهوم كونهم أوّل ما خلق الله سبحانه من الوجود.

جاء في نهاية الحديث الذي نقلناه عن الإمام الصادق (عليه السلام) إنّ الله تعالى قال للقلم بعد خلقه إيّاه: أكتب، وأنّه كتب ما كان وما سيكون إلى يوم القيامة.

وبالرغم من أنّ المقصود من القلم في هذه الرواية هو قلم التقدير والقضاء، إلاّ أنّ جميع ما هو موجود من أفكار وعلوم وتراث، وما توصّل إليه العقل البشري على طول التأريخ، وما هو مثبت من مبادىء ورسالات وتعاليم وأحكام .. يؤكّد على دور القلم في الحياة الإنسانية ومصير البشرية.

إنّ قادة الإسلام العظام لم يكتفوا بحفظ الأحاديث والروايات والعلوم والمعارف الإلهية في ذاكرتهم بل كانوا يؤكّدون على كتابتها، لتبقى محفوظة لأجيال

[ 498 ]

 

المستقبل(183).

وقال بعض العلماء: (البيان بيانان: بيان اللسان، وبيان البنان، وبيان اللسان تدرسه الأعوام، وبيان الأقلام باق على مرّ الأيّام)(184).

وقالوا أيضاً: (إنّ قوام اُمور الدين والدنيا بشيئين: القلم والسيف، والسيف تحت القلم)(185).

وقد نظّم بعض شعراء العرب هذا المعنى بقولهم:

كذا قضى الله للأقلام مذ بريت أنّ السيوف لها مذ أرهفت خدم

(إنّ هذا التعبير إشارة بديعة إلى بري القلم بواسطة السكين، وجعل الشفرة الحادّة بخدمة القلم من البداية)(186).

ويقول شاعر آخر، في هذا الصدد ومن وحي الآيات مورد البحث:

إذا أقسم الأبطال يوماً بسيفهم وعدّوه ممّا يجلب المجد والكرم

كفى قلم الكتاب فخراً ورفعة مدى الدهر إنّ الله أقسم بالقلم(187)

وإنّه لحقّ، وذلك أنّه حتّى الإنتصارات العسكرية إذا لم تستند وترتكز على ثقافة قويّة فإنّها لن تستقيم طويلا. لقد سجلّ المغول أكبر الإنتصارات العسكرية في البلدان الإسلامية، ولأنّهم كانوا شعباً سطحياً في مجال المعرفة والثقافة فلم يؤثّروا شيئاً، وأخيراً اندمجوا في حضارة الإسلام وثقافة المسلمين وغيّروا مسارهم.

ومجال البحث في هذا الباب واسع جدّاً، إلاّ أنّنا ـ إلتزاماً بمنهج التّفسير وعدم الخروج عنه ـ ننهي كلامنا هنا بحديث معبّر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الموضوع حيث يقول: «ثلاثة تخرق الحجب، وتنتهي إلى ما بين يدي الله: صرير أقلام العلماء، ووطىء أقدام المجاهدين، وصوت مغازل المحصنات»(188).

ومن الطبيعي أنّ كلّ ما قيل في هذا الشأن، يتعلّق بالأقلام التي تلتزم جانب

[ 499 ]

 

 الحقّ والعدل، وتهدي إلى صراط مستقيم، أمّا الأقلام المأجوره والمسمومة والمضلّة، فإنّها تعتبر أعظم بلاء وأكبر خطر على المجتمعات الإنسانية.

2 ـ نموذج من أخلاق الرّسول

بالرغم من أنّ الإنتصارات التي تمّت على يد الرّسول محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت برعاية الله سبحانه وإمداده، إلاّ أنّ ذلك كان اقتراناً بعوامل عديدة أيضاً، ولعلّ أحد أهمّ هذه العوامل هو: سمو الأخلاق عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجاذبيته الشخصية، إنّ أخلاقيته (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت من العلو والصفات الإنسانية السامية لدرجة أنّ ألدّ أعدائه كان يقع تحت تأثيرها كما أنّ مكارم الأخلاق التي أودعت فيه كانت تجذب وتشدّ المحبّين والمريدين إليه بصورة عجيبة.

وإذا ما ذهبنا إلى القول بأنّ السمو الأخلاقي لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان معجزة أخلاقية، فإنّنا لا نبالغ في ذلك، كما سنوضّح لذلك نموذجاً من هذا الإعجاز الأخلاقي .. ففي فتح مكّة وعندما إستسلم المشركون أمام الإرادة الإسلامية، ورغم كلّ حربهم للإسلام والمسلمين وشخص الرّسول الكريم بالذات، وبعد تماديهم اللئيم وكلّ ممارساتهم الإجرامية ضدّ الدعوة الإلهية .. بعد كلّ هذا الذي فعلوه، فإنّ رسول الإنسانية أصدر أمراً بالعفو العامّ عنهم جميعاً، وغضّ الطرف عن جميع الجرائم التي صدرت منهم، وكان هذا مفاجأة للمقرّبين والبعيدين، الأصدقاء والأعداء، وكان سبباً في دخولهم في دين الله أفواجاً، بمصداق قوله تعالى: ( ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً).

لقد وردت في كتب التّفسير والتاريخ قصص كثيرة حول حسن خُلُق الرّسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) في عفوه وتجاوزه وعطفه ورأفته، وتضحيته وإيثاره وتقواه ... بحيث أنّ ذكرها جميعاً يخرجنا عن البحث التّفسيري .. إلاّ أنّنا سنكتفي بما يلي:

وجاء في حديث عن الحسين بن علي (عليه السلام) أنّه قال: سألت أبي أمير المؤمنين عن رسول الله كيف كان سيرته في جلسائه؟ فقال: كان دائم البِشر، سهل الخُلُق، ليّن الجانب، ليس بفظّ، ولا غليظ ولا صخّاب، ولا فحّاش، ولا

[ 500 ]

 

عيّاب، ولا مدّاح، يتغافل عمّا لا يشتهي، فلا يؤيّس منه ولا يخيب فيه مؤمّليه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث كان لا يذمّ أحداً ولا يعيّره، ولا يطلب عثراته ولا عورته ولا يتكلّم إلاّ في ما رجا ثوابه، إذا تكلّم أطرق جلساؤه كإنّما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلّموا، ولا يتنازعون عنده الحديث ...»(189).

نعم لو لم تكن هذه الأخلاق الكريمة وهذه الملكات الفاضلة، لما أمكن تطويع تلك الطباع الخشنة والقلوب القاسية، ولما أمكن تليين اُولئك القوم الذين كان يلفّهم الجهل والتخلّف والعناد، ويحدث فيهم إنعطافاً هائلا لقبول الإسلام .. ولتفرّق الجميع من حوله بمصداق قوله تعالى: ( لانفضّوا من حولك).

وكم كان رائعاً لو أحيينا والتزمنا بهذه الأخلاق الإسلامية القدوة، وكان كلّ منّا يحمل قبساً من إشعاع خلق وأخلاق رسولنا الكريم وخاصّة في عصرنا هذا حيث ضاعت فيه القيم، وتنكبّ الناس عن الخُلُق القويم.

والروايات في هذا الصدد كثيرة، سواء ما يتعلّق منها حول شخص الرّسول الكريم أو ما يتعلّق بواجب المسلمين في هذا المجال، ونستعرض الآن بعضاً من الروايات في هذا الموضوع.

1 ـ جاء في حديث أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إنّما بعثت لاُتمّم مكارم الأخلاق»(190).

ولذا فإنّ أحد الأهداف الأساسية لبعثة الرّسول السعي لتكامل الاخلاق الفاضلة وتركيز الخُلُق السامي.

2 ـ وجاء في حديث آخر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ المؤمن ليدرك بحسن خُلُقه درجة قائم الليل وصائم النهار»(191).

3 ـ وورد عنه أيضاً (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما من شيء أثقل في الميزان من خُلُق حسن»(192).

[ 501 ]

 

4 ـ ونقل عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «أحبّكم إلى الله أحسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلّفون. وأبغضكم إلى الله المشاءون بالنميمة، المفرّقون بين الإخوان، الملتمسون للبراء العثرات»(193).

5 ـ ونقرأ في حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أكثر ما يدخل الناس الجنّة تقوى الله وحسن الخُلُق»(194).

6 ـ وجاء في حديث عن الإمام الباقر (عليه السلام): (إنّ أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً»(195).

7 ـ وورد حديث عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) أنّ الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «عليكم بحسن الخُلُق، فإنّ حسن الخُلُق في الجنّة لا محالة، وإيّاكم وسوء الخُلُق، فإنّ سوء الخُلُق في النار لا محالة»(196).

إنّ ما يستفاد من مجموع الأخبار ـ أعلاه ـ بشكل واضح وجليّ، أنّ حسن الخُلُق مفتاح الجنّة، ووسيلة لتحقيق مرضاة الله عزّوجلّ، ومؤشّر على عمق الإيمان، ومرآة للتقوى والعبادة .. والحديث في هذا المجال كثير جدّاً.

* * *

[ 502 ]

 

الآيات

فَلاَ تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّف مَّهِين (10) هَمَّاز مَّشَّاء بِنَمِيم (11) مَّنَّاع لِّلْخَيْرِ مُعْتَد أَثِيم (12) عُتُلِّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيم (13) أَن كَانَ ذَا مَال وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَـتُنَا قَالَ أَسَـطِيرُ الاَْوَّلِينَ (15) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16)

التّفسير

اجتنب أصحاب هذه الصفات:

بعد أن تعرّضت الآيات السابقة إلى الأخلاق السامية لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، تلتها الآيات أعلاه مستعرضة أخلاق أعدائه ليتّضح لنا الفرق بين الأخلاقيتين، وذلك من خلال المقارنة بينهما.

يقول تعالى في البداية: ( فلا تطع المكذّبين).

إنّهم اُناس ضالّون، ويدفعون الآخرين للتكبّر على الله ورسوله، وينهونهم عن قبول مبدأ الهداية، وقد استهانوا، واستخفّوا بقيم الحقّ، وإنّ الطاعة والإستجابة لهؤلاء سوف لن تكون نتيجتها إلاّ الضلال والخسران.

ثمّ يشير تعالى إلى جهد هؤلاء المتواصل في إقناع الرّسول (صلى الله عليه

[ 503 ]

 وآله وسلم) بمصالحتهم والإعراض عن آلهتهم وضلالهم فيقول: ( ودّوا لو تدهن فيدهنون).

إنّ من أمانيهم ورغبتهم أن تلين وتنعطف باتّجاههم، وتغضّ الطرف عن تكليفك الرسالي من أجلهم.

ونقل المفسّرون أنّ هذه الآيات نزلت حينما دعا رؤساء مكّة وساداتها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للسير على نهج أجدادهم في الشرك بالله وعبادة الأوثان، وقد نهى الله تعالى رسوله الكريم عن الإستجابة لهم وإطاعتهم(197).

ونقل البعض الآخر أنّ (الوليد بن المغيرة) وكان أحد زعماء الشرك قد عرض على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أموالا طائلة، وحلف أنّه سيعطيها لـ (محمّد) إذا تخلّى عن مبدئه ودينه(198).

والذي يستفاد من لحن الآيات ـ بصورة واضحة ـ وممّا جاء في التواريخ، أنّ المشركين الذين أعمى الله بصيرتهم، عندما شاهدوا التقدّم السريع للإسلام وإنتشاره، حاولوا إعطاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعض المكاسب في مقابل تقديم تنازلات مماثلة، في محاولة لترتيب نوع من الصلح معه (صلى الله عليه وآله وسلم). وهذا هو منهج أهل الباطل ـ دائماً ـ في الظروف والأحوال التي يشعرون فيها أنّهم سيخسرون كلّ شيء ويفقدون مواقفهم، لذا فإنّهم اقترحوا عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) إعطاءه أموالا طائلة، كما اقترحوا تزويجه بأجمل بناتهم، كما عرضوا عليه جاهاً ومقاماً وملكاً بارزاً، وما إلى ذلك من اُمور كانوا متعلّقين بها ومتفاعلين معها ومتهالكين عليها، ويقيسون الرّسول بقياسها».

إلاّ أنّ القرآن الكريم حذّر الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مراراً من مغبّة إبداء أي تعاطف مع عروضهم وإقتراحاتهم الماكرة وأكّد على عدم مداهنة أهل الباطل أبداً.

[ 504 ]

 

كما جاء في قوله تعالى: ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتّبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك).

«يدهنون» من مادّة (مداهنة) مأخوذة في الأصل (الدهن) وتستعمل الكلمة في مثل هذه الموارد بمعنى إظهار اللين والمرونة، وفي الغالب يستعمل هذا التعبير في مجال إظهار اللين والميل المذموم كما في حالة النفاق.

ثمّ ينهى سبحانه مرّة اُخرى عن اتّباعهم وطاعتهم، حيث يسرد الصفات الذميمة لهم، والتي كلّ واحدة منها يمكن أن تكون وحدها سبباً للإبتعاد عنه والصدود عن الإستجابة لهم.

يقول تعالى: ( ولا تطع كلّ حلاّف مهين).

تقال كلمة «حلاّف» على الشخص الكثير الحلف، والذي يحلف على كلّ صغيرة وكبيرة، وهذا النموذج في الغالب لا يتسّم بالصدق، ولذا يحاول أن يطمئن الآخرين بصدقه من خلال الحلف والقسم.

«مهين» من (المهانة) بمعنى الحقارة والضّعة، وفسّرها البعض بأنّها تعني الأشرار أو الجهلة أو الكاذبين.

ثمّ يضيف عزّوجلّ: ( همّاز مشّاء بنميم).

«همّاز» من مادّة (همز)، (على وزن رمز) ويعني: الغيبة وإستقصاء عيوب الآخرين.

«مشّاء بنميم» تطلق على الشخص الذي يمشي بين الناس بإيجاد الإفساد والفرقة، وإيجاد الخصومة والعداء فيما بينهم (وممّا يجدر الإلتفات إليه أنّ هذين الوصفين وردا بصيغة المبالغة، والتي تحكي غاية الإصرار في العمل والإستمرار بهذه الممارسات القبيحة).

ثمّ يسرد تعالى أوصافاً اُخرى لهم، حيث يقول في خامس وسادس وسابع صفة ذميمة لأخلاقهم: ( منّاع للخير معتد أثيم).

[ 505 ]

 

ومن صفاتهم أيضاً أنّهم ليسوا فقط مجانبين لعمل الخير، ولا يسعون في سبيله، ولا يساهمون في إشاعته والعون عليه .. بل إنّهم يقفون سدّاً أمام أي ممارسة تدعو إليه، ويمنعون كلّ جهد في الخير للآخرين، وبالإضافة إلى ذلك فإنّهم متجاوزون لكلّ السنن والحقوق التي منحها الله عزّوجلّ لكلّ إنسان ممّا تلطف به من خيرات وبركات عليه.

وفوق هذا فهم مدنسون بالذنوب، محتطبون للآثام، بحيث أصبح الذنب والإثم جزءاً من شخصياتهم وطباعهم التي هي منّاعة للخير، معتدية وآثمة.

وأخيراً يشير إلى ثامن وتاسع صفة لهم حيث يقول تعالى: ( عتل بعد ذلك زنيم).

«عتل» كما يقول الراغب في المفردات: تطلق على الشخص الذي يأكل كثيراً ويحاول أن يستحوذ على كلّ شيء، ويمنع الآخرين منه.

وفسّر البعض الآخر كلمة (عتلّ) بمعنى الإنسان السيء الطبع والخُلُق، الذي تتمثّل فيه الخشونة والحقد، أو الإنسان سيء الخُلُق عديم الحياء.

«زنيم» تطلق على الشخص المجهول النسب، والذي ينتسب لقوم لا نسبة له معهم، وهي في الأصل من (زنمة)، (على وزن عظمة) وتقال للجزء المتدلّي من اُذن الغنم، فكأنّها ليست من الاُذن مع أنّها متصلة بها.

والتعبير بشكل عام إشارة إلى أنّ هاتين الصفتين هما أشدّ قبحاً وضعة من الصفات السابقة كما استفاد ذلك بعض المفسّرين.

وخلاصة البحث أنّ الله تعالى قد أوضح السمات الأساسية للمكذّبين، وبيّن صفاتهم القبيحة وأخلاقهم الذميمة بشكل لا نظير له في القرآن بأجمعه، وبهذه الصورة يوضّح لنا أنّ الأشخاص الذين وقفوا بوجه الإسلام والقرآن، وعارضوا الرّسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا من أخسّ الناس وأكثرهم كذباً وإنحطاطاً وخسّة، فهم يتتبعون عيوب الآخرين، نمّامون، معتدون، آثمون، ليس لهم أصل ونسب، وفي الحقيقة أنّنا لا نتوقّع أن يقف بوجه النور الرسالي إلاّ أمثال هؤلاء الأشرار.

[ 506 ]

ويحذّر سبحانه في الآية اللاحقة من الإستجابة لهم والتعامل معهم بسبب كثرة أموالهم وأولادهم: بقوله: ( أن كان ذا مال وبنين).

وممّا لا شكّ فيه أنّ الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن ليستسلم لهؤلاء أبداً، وهذه الآيات ما هي إلاّ تأكيد على هذا المعنى، كي يكون خطّه الرسالي وطريقته العملية واضحة للجميع، ولن تنفع جميع الإغراءات الماديّة في عدوله عن مهمّته الرسالية.

وبناءً على هذا فإنّ الجملة أعلاه تأتي تكملة للآية الكريمة: ( ولا تطع كلّ حلاّف مهين).

إلاّ أنّ البعض اعتبر ذلك بياناً وعلّة لظهور هذه الصفات السلبية، حيث الغرور الناشىء من الثروة وكثرة الأولاد جرّهم ودفعهم إلى مثل هذه الرذائل الأخلاقية. ولهذا يمكن ملاحظة هذه الصفات في الكثير من الأغنياء والمقتدرين غير المؤمنين. إلاّ أنّ لحن الآيات يتناسب مع التّفسير الأوّل أكثر، ولهذا اختاره أغلب المفسّرين.

وتوضّح الآية اللاحقة ردود فعل هؤلاء الأشخاص ذوي الصفات الأخلاقية المريضة إزاء الآيات الإلهية، حيث يقول تعالى: ( إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأوّلين).

وبهذا المنطق السقيم والحجج الواهية يعرض عن آيات الله عزّوجلّ، فيضلّ ويغوى ويدعو الآخرين للغي والضلال، ولهذا يجب عدم الإستجابة لهؤلاء وعدم السماع لهم في مثل هذه الاُمور، والإعراض عنهم وعدم طاعتهم، وهذا تأكيد للنهي عن طاعتهم الذي تعرّضت إليه الآيات السابقة.

وتوضّح لنا آخر آية ـ من هذه الآيات ـ مفردة من مفردات الجزاء الذي سيلاقيه أمثال هؤلاء فيضيف سبحانه: ( سنسمّه على الخرطوم).

وهذا التعبير كاشف ومعبّر عن سوء النهاية المذلّة لهؤلاء، إذ جاء التعبير أوّلا بالخرطوم الذي يستعمل للفيل وللخنزير فقط، وهو دلالة واضحة في تحقيرهم.

وثانياً: أنّ الأنف في لغة العرب غالباً ما يستعمل كناية عن العزّة والعظمة، كما

[ 507 ]

 

يقال للفارس حين إذلاله: مرّغوا أنفه بالتراب، كناية عن زوال عزّته.

وثالثاً: أنّ وضع العلاّمة تكون عادة للحيوانات فقط، بل حتّى بالنسبة إلى الحيوانات فإنّها لا تعلّم في وجوهها ـ خصوصاً اُنوفها ـ أضف إلى ذلك أنّ الإسلام قد نهى عن مثل هذا العمل.

ومع كلّ ما تقدّم تأتي الآية الكريمة ببيان معبّر واف وواضح أنّ الله تعالى سيذلّ هؤلاء الطغاة الذين امتلؤا عجباً بذواتهم، المتمادين في عنادهم وإصرارهم على الباطل، وتجاوزهم على الرّسول والرسالة .. سيذلّهم بتلك الصورة التي تحدّثت عنها الآية ويفضحهم على رؤوس الأشهاد ليكونوا موضع عبرة للجميع.

إنّ التاريخ الإسلامي ينقل لنا كثيراً من صور الإذلال والإمتهان لأمثال هذه المجموعة المخالفة للحقّ المعاندة في ضلالها، المكابرة في تمسّكها بالباطل، بالرغم من تقدّم الرسالة الإسلامية وقوّتها وإنتصاراتها، كما أنّ فضيحتهم في الآخرة ستكون أدهى وأمرّ.

قال بعض المفسّرين: إنّ أكثر آيات هذه السورة كان يقصد بها (الوليد بن المغيرة) أحد رموز الشرك الذي واجه الإسلام وتعرّض لرسوله الأمين محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، إلاّ أنّ من المسلّم به أنّ هذا القصد، لا يمنع من تصميم وتوسعة مفهوم الآيات الكريمة وشموليته(199).

* * *

ملاحظات

1 ـ الرذائل الأخلاقية

بالرغم من أنّ الآيات أعلاه تحدّثت عن الصفات الأخلاقية الرذيلة

[ 508 ]

 

 للمخالفين والمعاندين لرسول الإسلام محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، إلاّ أنّها في الوقت نفسه تعكس لنا نماذج ومفردات للصفات السلبية التي تبعد الإنسان عن الله عزّوجلّ، وتسقطه في وحل الشقاء والبؤس، ممّا يستدعي من المؤمنين الملتزمين أن يكونوا على حذر منها ويراقبوا أنفسهم بدقّة من التلوّث بها، ولذا فقد أكّدت الروايات الإسلامية كثيراً على هذا المعنى. ومن جملة ذلك ما يلي:

1 ـ نقرأ في حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «ألا اُنبئّكم بشراركم؟ قالوا: بلى يارسول الله، قال: المشّاءون بالنميمة، المفرّقون بين الأحبّة، الباعثون للبرءاء المعايب»(200).

لقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يؤكّد كثيراً على البناء الأخلاقي للشخصية الإسلامية، حتّى أنّه قال: «لا يبلّغني أحد عن أحد من أصحابي شيئاً، فإنّي أحبّ أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر»(201).

2 ـ وأخيراً نقرأ في حديث عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «لا يدخل الجنّة جواظ، ولا جعظري، ولا عتل زنيم».

يقول الراوي: قلت: فما الجواظ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): كلّ جمّاع منّاع، قلت: فما الجعظري؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): الفضّ الغيظ؟ قلت: فما العتل الزنيم؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): رحب الجوف سيء الخُلُق أكول شروب غشوم ظلوم»(202).

2 ـ المداهنة والصلح

إنّ من جملة الخصائص التي يتميّز بها تجّار السياسة، والأشخاص والمجاميع غير الرسالية، أنّهم يتلوّنون ويتصرّفون بالشكل الذي يتماشى مع مصالحهم، فلا ضوابط ولا ثوابت تحكمهم، بل هم على إستعداد دائم للتنازل عن كثير من الشعارات المدعاة من جانبهم، مقابل تحقيق بعض المكاسب أو الحصول على بعض

[ 509 ]

 

الإمتيازات. أمّا متبنّياتهم المدعاة فلا تشكّل شيئاً مقدّساً بالنسبة إليهم، ويحوّرونها بما تقتضيه مصالحهم، وهذا المفهوم هو ما تشير إليه الآية الكريمة حيث يقول تعالى: ( ودّوا لو تدهن فيدهنون).

أمّا أهل المبادىء والإلتزام فإنّهم لا يضحّون بأهدافهم المقدّسة مطلقاً ولا يساومون عليها أو يداهنون أبداً، ولن يتخلّوا عن متبنّياتهم ويقوموا بعمل أو صلح على خلاف ما تمليه عليهم مبادئهم العقائدية، خلافاً لما عليه تجّار السياسة ..

إنّ هذا المقياس من أفضل الدلائل لتشخيص السياسيين المنحرفين عن غيرهم من المبدئيين، والأشخاص الذين يسايرون هؤلاء المنحرفين لا شكّ أنّهم بعيدون عن طريق الله وأوليائه.

* * *

[ 510 ]

 

الآيات

إِنَّا بَلَوْنَـهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَـبَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلاَ يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ(21) أَنِ اغْدوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَـرِمِينَ (22)فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَـفَتُونَ (23) أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْد قَـدِرِينَ (25)

التّفسير

قصّة (أصحاب الجنّة):

في الآيات أعلاه يستعرض لنا القرآن الكريم ـ بما يتناسب مع البحث الذي ورد في الآيات السابقة ـ قصّة أصحاب الجنّة كنموذج لذوي المال الذين غرقوا في أنانيتهم، فأصابهم الغرور، وتخلّوا عن القيم الإنسانية الخيّرة، وأعماهم حبّ المال عن كثير من الفضائل .. فالآيات الكريمة تذكر لنا قصّة مجموعة من الأغنياء كانت لهم جنّة (بستان مثمر) إلاّ أنّهم فقدوها فجأة، وذلك لعتوّهم وغرورهم وكبرهم على فقراء زمانهم.

ويبدو أنّها قصّة معروفة في ذلك الزمان بين الناس، ولهذا السبب استشهد بها القرآن الكريم.

يقول في البداية: ( إنّا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنّة).

[ 511 ]

 

لقد تعدّدت الرّوايات في مكان هذه الجنّة، فقيل: إنّها في أرض اليمن بالقرب من صنعاء، وقيل: هي في الحبشة، وهناك قول بأنّها في أرض الشام، وذهب آخرون إلى أنّها في الطائف .. إلاّ أنّ المشهور أنّها كانت في أرض اليمن.

وموضوع القصّة هو: أنّ شيخاً مؤمناً طاعناً في السنّ كان له بستان عامر، يأخذ من ثمره كفايته ويوزّع ما فضل من ثمرته للفقراء والمعوزين، وقد ورثه أولاده بعد وفاته، وقالوا: نحن أحقّ بحصاد ثمار هذا البستان، لأنّ لنا عيالا وأولاداً كثيرين، ولا طاقة لنا بإتّباع نفس الاُسلوب الذي كان أبونا عليه .. ولهذا فقد صمّموا على أن يستأثروا بثمار البستان جميعاً، ويحرموا المحتاجين من أي عطاء منها، فكانت عاقبتهم كما تحدّثنا الآيات الكريمة عنه ..

يقول تعالى: ( إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين)(203).

( ولا يستثنون) أي لا يتركون منها شيئاً للمحتاجين.

وعند التدقيق في قرارهم هذا يتّضح لنا أنّ تصميمهم هذا لم يكن بلحاظ الحاجة أو الفاقة، بل إنّه ناشىء عن البخل وضعف الإيمان، واهتزاز الثقة بالله سبحانه، لأنّ الإنسان مهما اشتدّت حاجته، فإنّه يستطيع أن يترك للفقراء شيئاً ممّا أعطاه الله.

وقيل: إنّ المقصود من عدم الإستثناء هو عدم قولهم (إن يشاء الله) حيث كان الغرور مسيطراً عليهم، ممّا حدا بهم إلى أن يقولوا: غداً سنذهب ونفعل ذلك، معتبرين الأمر مختصّاً بهم، وغافلين عن مشيئة الله، ولذا لم يقولوا: (إن شاء الله).

إلاّ أنّ الرأي الأوّل أصحّ(204).

ثمّ يضيف تعالى استمراراً لهذا الحديث: ( فطاف عليهم طائف من ربّك وهم نائمون).

[ 512 ]

 

لقد سلّط الله عليها ناراً حارقة، وصاعقة مهلكة، بحيث أنّ جنّتهم صارت متفحّمة سوداء ( فأصبحت كالصريم)، ولم يبق منها شيء سوى الرماد.

«طائف» من مادّة (طواف)، وهي في الأصل بمعنى الشخص الذي يدور حول شيء معيّن، كما تستعمل أحياناً كناية عن البلاء والمصيبة التي تحلّ في الليل، وهذا المعنى هو المقصود هنا.

«صريم» من مادّة (صرم) بمعنى (القطع) وهنا بمعنى (الليل المظلم) أو (الشجر بدون الثمار) أو (الرماد الأسود) لأنّ الليل يقطع عند مجيء النهار، كما أنّ النهار يقطع عند مجيء الليل، ولذا يقال أحياناً لليل والنهار (صريمان)، والمقصود بذلك هو: البلاء السماوي الذي تمثّل بصاعقة عظيمة ـ فيما يبدو ـ أحالت البستان إلى فحم ورماد أسود، وهكذا فعل الصواعق غالباً.

وعلى كلّ حال فإنّ أصحاب البستان بقوا على تصوّرهم لأشجار جنّتهم المملوءة بالثمر، جاهزة للقطف: ( فتنادوا مصبحين)(205).

وقالوا: ( أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين).

«(أغدوا» من مادّة (غدوة) بمعنى بداية اليوم، ولذا يقال للغذاء الذي يؤكل في أوّل اليوم ـ وجبة الإفطار ـ غداء، بالرغم من أنّ (غداء) تقال في التعابير المستعملة حالياً لوجبة الأكل المتناولة في وقت الظهر.

وعلى ضوء المقدّمات السابقة: ( فانطلقوا وهم يتخافتون).

لقد كانوا يتكلّمون بهدوء حتّى لا يصل صوتهم إلى الآخرين، ولا يسمعهم مسكين، ويأتي لمشاركتهم في عملية جني الثمر أو تناول شيء من الفاكهة.

ويرتقب الفقراء يوم الحصاد بفارغ الصبر في مثل هذه الأيّام، لأنّهم تعوّدوا في كلّ سنة أن ينالهم شيء من الفاكهة كما كان يفعل ذلك الشيخ المؤمن، إلاّ أنّ تصميم

[ 513 ]

 

 الأبناء البخلاء على حرمان الفقراء من العطاء، والسريّة التي غلفوا بها تحرّكاتهم، لم تدع أحداً يتوقّع أنّ وقت الحصاد قد حان .. حيث يطّلع الفقراء على الأمر بعد إنتهائه، وبهذا تكون النتيجة: ( وغدوا على حرد قادرين).

«حرد» على وزن «فرد» بمعنى الممانعة التي تكون توأماً مع الشدّة والغضب، نعم إنّهم كانوا في حالة عصبية وإنفعالية من حاجة الفقراء لهم وإنتظار عطاياهم، ولذا كان القرار بتصميم أكيد على منعهم من ذلك.

وتطلق كلمة (حرد) أيضاً على السنوات التي ينقطع فيها المطر، وعلى الناقة التي ينقطع حليبها.

* * *

[ 514 ]

الآيات

فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَـنَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَـلِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض يَتَلَـوَمُونَ (30) قَالُوا يَـوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَـغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الاَْخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)

التّفسير

أصحاب البستان والمصير المؤلم:

الآيات الشريفة ـ أعلاه ـ إستمرار لقصّة أصحاب الجنّة، التي مرّت علينا في الآيات السابقة .. فلقد تحرّكوا في الصباح الباكر على أمل أن يقطفوا محصولهم الكثير، ويستأثروا به بعيداً عن أنظار الفقراء والمحتاجين، ولا يسمحوا لأي أحد من الفقراء بمشاركتهم في هذه النعمة الإلهية الوافرة، غافلين عن تقدير الله ... فإذا بصاعقة مهلكة تصيب جنّتهم في ظلمة الليل فتحوّلها إلى رماد، في وقت كان أصحاب الجنّة يغطّون في نوم عميق.

يقول القرآن الكريم: ( فلمّا رأوها قالوا إنّا لضالّون).

المقصود من (ضالّون) يمكن أن يكون عدم الإهتداء إلى طريق البستان أو الجنّة، أو تضييع طريق الحقّ كما احتمل البعض، إلاّ أنّ المعنى الأوّل أنسب حسب الظاهر.

[ 515 ]

 

ثمّ أضافوا: ( بل نحن محرومون) أي أردنا أن نحرم الفقراء والمحتاجين من العطاء إلاّ أنّنا حرمنا أكثر من الجميع، حرمنا من الرزق المادّي، ومن البركات المعنوية التي تحصل عن طريق الإنفاق في سبيل الله للفقراء والمحتاجين.

( قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبّحون).

ألم أقل لكم اذكروا الله بالتعظيم وتجنّبوا مخالفته واشكروا نعمته وامنحوا المحتاجين شيئاً ممّا تفضّل الله به عليكم؟! لكنّكم لم تصغوا لما قلته لكم، وأخيراً وصلتم إلى هذه النتيجة البائسة في هذا اليوم الأسود.

ويستفاد ممّا تقدّم أنّ أحدهم كان شخصاً مؤمناً ينهاهم عن البخل والحرص، إلاّ أنّهم كانوا لا يسمعون كلامه، ولقد أفصح عن رأيه بقوّة بعد هذه الحادثة، وأصبح منطقه أكثر حدة وقاطعية. وقد وبّخهم كثيراً على موقفهم من الفقراء، ووجّه لهم ملامة عنفية.

وتستيقظ ضمائرهم في تلك اللحظة ويعترفون بخطئهم وذنوبهم و ( قالوا سبحان ربّنا إنّا كنّا ظالمين).

إنّ التعبير بـ (أوسطهم) في الآية السابقة يمكن أن يكون بلحاظ حدّ الإعتدال في العقل والفكر والعلم وقيل: إنّه الوسط في السنّ والعمر. إلاّ أنّه مستبعد جدّاً، وذلك لعدم وجود إرتباط بين العمر وهذه المقالة الوافية المعبّرة. والإرتباط يكون عادة ـ بمثل هذا الكلام بين العقل والفكر.

والتعبير بـ ( لولا تسبّحون) مأخوذ بلحاظ أنّ أصل وجذر كلّ الأعمال الصالحة هو الإيمان ومعرفة الله وتسبيحه وتنزيهه.

وقد فسّر البعض «التسبيح» هنا بمعنى (شكر النعمة) والتي من ملازماتها إعانة المحرومين، وهذان التّفسيران لا يتنافيان مع بعضهما البعض، وهما مجموعان في مفهوم الآية الكريمة.

لقد سبق تسبيحهم (الإعتراف بالذنب)، ولعلّ هذا كان لرغبتهم في تنزيه الله تعالى عن كلّ ظلم بعيداً عمّا نزّل بجنّتهم من دمار وبلاء عظيم، وكأنّ لسان حالهم يقول: ربّنا إنّنا كنّا نحن الظالمين لأنفسنا وللآخرين، ولذا حقّ علينا مثل هذا

[ 516 ]

 

العذاب، وما أصابنا منك هو العدل والحكمة.

كما يلاحظ في قسم آخر من آيات القرآن الكريم ـ أيضاً ـ أنّ التسبيح قبل الإقرار بالظلم، حيث نقرأ ذلك في قصّة يونس (عليه السلام) عندما أصبح في بطن الحوت، وذلك قوله: ( لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين)(206).

والظلم بالنسبة لهذا النبي العظيم هو بمعنى ترك الأولى، كما أوضحنا ذلك في تفسير هذه الآية.

إلاّ أنّ المسألة لم تنته إلى هذا الحدّ، حيث يقول تعالى: ( فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون).

والملاحظ من منطوق الآية أنّ كلّ واحد منهم في الوقت الذي يعترف بذنبه، فإنّه يلقي بأصل الذنب على عاتق الآخر، ويوبّخه بشدّة، وأنّه كان السبب الأساس فيما وصلوا إليه من نتيجة بائسة مؤلمة، وكلّ منهم ـ أيضاً ـ يؤكّد أنّه لم يكن غريباً عن الله والعدالة إلى هذا الحدّ.

نعم، هكذا تكون عاقبة كلّ الظالمين عندما يصبحون في قبضة العذاب الإلهي. ومع الإقرار بالذنب فإنّ كلا منهم يحاول التنصّل ممّا لحق بهم، ويسعى جاهداً لتحويل مسؤولية البؤس والدمار على الآخرين.

ويحتمل أن يكون شعور كلّ منهم ـ أو غالبيتهم ـ بالأدوار المحدودة لهم فيما حصل، هو الذي دفع كلا منهم للتخلّي عن مسؤولية ما حصل، وذلك كأن يقترح شخص شيئاً، ويؤيّده الآخر في هذا الإقتراح، ويتبنّى ثالث هذا العمل، ويظهر الرابع رضاه بسكوته .. ومن الواضح في مثل هذه الأحوال مساهمة الجميع في هذه الجريمة ومشاركتهم في الذنب.

ثمّ يضيف تعالى: ( قالوا ياويلنا إنّا كنّا طاغين).

لقد اعترفوا في المرحلة السابقة بالظلم، وهنا اعترفوا بالطغيان، والطغيان مرحلة أعلى من الظلم، لأنّ الظالم يمكن أن يستجيب لأصل القانون إلاّ أنّ غلبة هواه

[ 517 ]

 

عليه يدفعه إلى الظلم، أمّا الطاغي فإنّه يرفض القانون ويعلن تمرّده عليه ولا يعترف برسميّته.

ويحتمل أن يكون المقصود بالظلم هو: (ظلم النفس)، والمقصود بالطغيان هو (التجاوز على حقوق الآخرين).

وممّا يجدر ملاحظته أنّ العرب تستعمل كلمة (ويس) عندما يواجهون مكروهاً ويعبّرون عن إنزعاجهم منه، كما أنّهم يستعملون كلمة (ويح) أحياناً، وأحياناً اُخرى (ويل) وعادةً يكون إستعمال الكلمة الاُولى في المصيبة البسيطة، والثانية للأشدّ، والثالثة للمصيبة الكبيرة، وإستعمال كلمة (الويل) من قبل أصحاب البستان يكشف عن أنّهم كانوا يعتبرون أنفسهم مستحقّين لأشدّ حالات التوبيخ.

وأخيراً ـ بعد عودة الوعي إلى ضمائرهم وشعورهم. بل وإعترافهم بالذنب والإنابة إلى الله ـ توجّهوا إلى الباريء عزّوجلّ داعين، وقالوا: ( عسى ربّنا أن يبدلنا خيراً منها إنّا إلى ربّنا راغبون)(207) فقد توجّهنا إليه ونريد منه انقاذنا ممّا تورّطنا فيه ..

والسؤال المطروح هنا: هل أنّ هؤلاء ندموا على العمل الذي أقدموا عليه، وقرّروا إعادة النظر في برامجهم المستقبلية، وإذا شملتهم النعمة الإلهية مستقبلا فسيؤدّون حقّ شكرها؟ أم أنّهم وبّخوا أنفسهم وكثر اللوم بينهم بصورة موقتة، شأنهم شأن الكثير من الظالمين الذين يشتدّ ندمهم وقت حلول العذاب، وما إن يزول الضرّ الذي حاقّ بهم إلاّ ونراهم يعودون إلى ما كانوا عليه سابقاً من ممارسات مريضة؟

اختلف المفسّرون في ذلك، والمستفاد من سياق الآية اللاحقة أنّ توبتهم لم تقبل، بلحاظ عدم إكتمال شروطها وشرائطها، ولكن يستفاد من بعض الرّوايات قبول توبتهم، لأنّها كانت عن نيّة خالصة، وعوضهم عن جنّتهم باُخرى أفضل منها، مليئة بأشجار العنب المثمرة.

ويقول تعالى في آخر آية من هذه الآيات، بلحاظ الإستفادة من هذا الدرس والإعتبار به: ( كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون).

[ 518 ]

 

وهكذا توجّه الآية خطابها إلى كلّ المغرورين، الذين سحرهم المال وأبطرتهم الثروة والإمكانات المادية، وغلب عليهم الحرص والإستئثار بكلّ شيء دون المحتاجين .. بأنّه لن يكون لكم مصير أفضل من ذلك. وإذا ما جاءت صاعقة وأحرقت تلك الجنّة، فمن الممكن أن تأتي صاعقة أو عذاب عليكم من أمثال الآفات والحروب المحلية والعالمية المدمّرة، وما إلى ذلك، لتذهب بالنعم التي تحرصون عليها.

* * *

ملاحظات

1 ـ الإستئثار بالنعم بلاء عظيم

جبل الإنسان وطبع على حبّ المال، ويمثّل هذا الحبّ غريزة في نفسه، لأنّ له فوائد شتّى، وهذا الحبّ غير مذموم إذا كان في حدّ الإعتدال، وجعل نصيب منه للمحتاجين، وهذا لا يعني الإقتصار على أداء الحقوق الشرعية فقط، بل أداء بعض الإنفاقات المستحبّة.

وجاء في الرّوايات الإسلامية ضرورة جعل نصيب للمحتاجين الحاضرين ممّا يقطف من ثمار البساتين وحصاد الزرع. وهذا ما يعرف بعنوان (حقّ الحصاد) وهو مقتبس من الآية الشريفة: ( وآتوا حقّه يوم حصاده)(208)، وهذا الحقّ غير حقّ الزكاة، وما يعطى للمحتاجين الحاضرين منه أثناء قطف الثمار أو حصاد الزرع غير محدود بحدّ معيّن(209).

إلاّ أنّ التعلّق بالمال حينما يكون بصورة مفرطة وجشعة فإنّه يأخذ شكلا منحرفاً وأنانياً، وقد لا يكون بحاجة إليه، فحرمان الآخرين والإستئثار بالأموال والتلذّذ بحيازة النعم والمواهب الإلهية دون سواه، مرض وبلاء كما نلاحظ في حياتنا المعاصرة مفردات ونماذج كثيرة في مجتمعاتنا البشرية تعيش هذه الحالة.

وقصّة (أصحاب الجنّة) التي حدّثتنا الآيات السابقة عنها، هي كشف وتعرية واضحة لهذه النفسيات المريضة لأصحاب الأموال الذين يستأثرون بالخير والنعم

[ 519 ]

 

 والهبات الإلهية، ويؤكّدون بحصرها فيهم دون سواهم .. ويتجسّد هذا المعنى في الخطّة التي اُعدّت من جانب أصحاب الجنّة في حرمان المحتاجين، بالتفصيل الذي ذكرته الآيات الكريمة ..

وغاب عن بالهم أنّ آهات هؤلاء المحرومون تتحوّل في أحيان كثيرة إلى صواعق محرقة، تحيل سعادة هؤلاء الأغنياء الظالمين إلى وبال، وتظهر هذه الصواعق على شكل كوارث ومفاجآت وثورات، ويشاهدون آثارها المدمّرة باُمّ أعينهم، ويتحوّل ترفهم وبذخهم إلى زفرات وآهات وصرخات تشقّ عنان السماء، معلنين التوبة والإقلاع عن الممارسات الإستئثارية، ولات ساعة متاب.

2 ـ العلاقة بين (الرزق) و (الذنوب)

ممّا يستفاد ـ ضمناً ـ من القصّة أعلاه وجود علاقة بين الذنب والرزق، وممّا يؤيّد هذا ما ورد في حديث عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «إنّ الرجل ليذنب الذنب، فيدرأ عنه الرزق، وتلا هذه الآية: ( إذ أقسموا ليصرمنّها مصبحين ولا يستثنون، فطاف عليها طائف من ربّك وهم نائمون)(210).

ونقل عن ابن عبّاس أيضاً أنّه قال: إنّ العلاقة بين الذنب وقطع الرزق، أوضح من الشمس، كما بيّنها الله عزّوجلّ في سورة ن والقلم(211).

* * *

[ 520 ]

الآيات

إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّـتِ النَّعِيمِ (34) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالُْمجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) أَمْ لَكُمْ كِتَـبٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (38) أَمْ لَكُمْ أَيْمَـنٌ عَلَيْنَا بَـلِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَـمَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (39) سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ (40) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُوا صَـدِقِينَ(41)

التّفسير

1 ـ استجواب كامل:

إنّ طريقة القرآن الكريم في الكشف عن الحقائق، وإستخلاص المواقف، تكون من خلال عملية مقارنة يعرضها الله سبحانه في الآيات الكريمة، وهذا الاُسلوب مؤثّر جدّاً من الناحية التربوية .. فمثلا تستعرض الآيات الشريفة حياة الصالحين وخصائصهم وميزاتهم ومعاييرهم .. ثمّ كذلك بالنسبة إلى الطالحين والظالمين، ويجعل كلا منهما في ميزان، ويسلّط الأضواء عليهما من خلال عملية مقارنة، للوصول إلى الحقيقة.

وتماشياً مع هذا المنهج وبعد إستعراض النهاية المؤلمة لـ (أصحاب الجنّة) في الآيات السابقة، يستعرض الباريء عزّوجلّ حالة المتّقين فيقول: ( إنّ للمتّقين عند ربّهم جنّات النعيم).

[ 521 ]

 

«جنّات» من (الجنّة) حيث كلّ نعمة متصوّرة على أفضل صورة لها تكون هناك، بالإضافة إلى النعم التي لم تخطر على البال.

ولأنّ قسماً من المشركين والمترفين كانوا يدّعون علوّ المقام وسموّه في يوم القيامة كما هو عليه في الدنيا، لذا فإنّ الله يوبّخهم على هذا الإدّعاء بشدّة في الآية اللاحقة. بل يحاكمهم فيقول: ( أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون).

هل يمكن أن يصدّق إنسان عاقل أنّ عاقبة العادل والظالم، المطيع والمجرم، المؤثر والمستأثر واحدة ومتساوية؟ خاصّة عندما تكون المسألة عند إله جعل كلّ مجازاته ومكافآته وفق حساب دقيق وبرنامج حكيم.

وتستعرض الآية (50) من سورة فصّلت موقف هؤلاء الأشخاص المماثل لما تقدّم، حيث يقول تعالى: ( ولئن أذقناه رحمةً منّا من بعد ضرّاء مسّته ليقولنّ هذا ليّ، وما أظنّ الساعة قائمة، ولئن رجعت إلى ربّي إنّ لي عنده للحسنى).

نعم، إنّ الفئة المغرورة المقتنعة بتصرّفاتها الراضية عن نفسها .. تعبر أنّ الدنيا والآخرة خاصّة بها وملك لها.

ثمّ يضيف تعالى أنّه لو لم يحكم العقل بما تدعون، فهل لديكم دليل نقلي ورد في كتبكم يؤيّد ما تزعمون: ( أم لكم كتاب فيه تدرسون إنّ لكم فيه لما تخيّرون)(212)أي ما اخترتم من الرأي ..

إن توقّعكم في أن تكون العناصر المجرمة من أمثالكم مع صفوف المسلمين وعلى مستواهم ...، حديث هراء لا يدعمه العقل، ولم يأت في كتاب يعتدّ به ولا هو موضع إعتبار.

ثمّ تضيف الآية اللاحقة أنّه لو لم يكن لديكم دليل من العقل أو النقل، فهل أخذتم عهداً من الله أنّه سيكون معكم إلى الأبد: ( أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إنّ لكم لما تحكمون).

[ 522 ]

 

وتتساءل الآية الكريمة عن هؤلاء مستفسرة عمّن يستطيع الإدّعاء منهم بأنّه قد أخذ عهداً من الله سبحانه في الإستجابة لميوله وأهوائه، وإعطائه ما يشاء من شأن ومقام، وبدون موازين أو ضوابط، وبصورة بعيدة عن مقاييس السؤال وموازين الإستجابة؟ حتّى يمكن القول بأنّ المجرمين متساوون مع المؤمنين(213).

ويضيف سبحانه ـ استمراراً لهذه التساؤلات ـ كي يسدّ عليهم جميع الطرق ومن كلّ الجهات، فيقول: ( سلهم أيّهم بذلك زعيم) فمن منهم يضمن أنّ المسلمين والمجرمين سواء، أو يضمن أنّ الله تعالى سيؤتيه كلّ ما يريد؟!.

وفي آخر مرحلة من هذا الإستجواب العجيب يقول تعالى: ( أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين).

فالآية تطلب من المشركين تقديم الدليل الذي يثبت أنّ هذه الأصنام المنحوتة من الحجارة، والتي لا قيمة لها ولا شعور، تكون شريكة الله تعالى وتشفع لهم عنده.

وذهب بعض المفسّرين إلى أنّ (شركاء) هنا بمعنى (شهداء).

ومن خلال العرض المتقدّم نستطيع القول: إنّ هؤلاء المجرمين لإثبات إدّعاءاتهم في التساوي مع المؤمنين في يوم القيامة، بل أفضليتهم أحياناً كما يذهب بعضهم لذلك، لابدّ لهم أن يدعموا قولهم هذا بإحدى الوسائل الأربعة التالية: إمّا دليل من العقل، أو كتاب من الكتب السماوية، أو عهد من الله تعالى، أو بواسطة شفاعة الشافعين وشهادة الشاهدين. وبما أنّ جواب جميع هذه الأسئلة سلبي، لذا فإنّ هذا الإدّعاء فارغ من الأساس وليست له أيّة قيمة.

* * *

[ 523 ]

الآيات

يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاق وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ(42) خَـشِعَةً أَبْصَـرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَـلِمُونَ (43) فَذَرْنِى وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ (45)

التّفسير

العجز عن السجود:

تعقيباً للآيات السابقة التي استجوب الله تعالى فيها المشركين والمجرمين استجواباً موضوعياً، تكشف لنا هذه الآيات جانباً من المصير البائس في يوم القيامة لهذه الثلّة المغرمة في حبّها لذاتها، والمكثرة للإدّعاءات، هذا المصير المقترن بالحقارة والذلّة والهوان.

يقول تعالى: ( يوم يكشف عن ساق ويُدعون إلى السجود فلا يستطيعون)(214).

جملة ( يكشف عن ساق) كما قال جمع من المفسّرين، كناية عن شدّة الهول والخوف والرعب وسوء الحال، إذ أنّ المتعارف بين العرب عند مواجهتهم أمراً صعباً أنّهم يشدّون ثيابهم على بطونهم ممّا يؤدّي إلى كشف سيقانهم.

[ 524 ]

ونقرأ جواب ابن عبّاس المفسّر المعروف عندما سئل عن تفسير هذه الآية قال: كلّما خفي عليكم شيء من القرآن ارجعوا إلى الشعر فإنّ الشعر ديوان العرب، ألم تسمعوا قول الشاعر:

وقامت الحرب بنا على ساق.

إنّ هذا القول كناية عن شدّة أزمة الحرب.

وقيل: إنّ (ساق) تعني أصل وأساس الشيء، كساق الشجرة، وبناءً على هذا فإنّ جملة (يكشف عن ساق) تعني أنّ أساس كلّ شيء يتّضح ويتبيّن في ذلك اليوم، إلاّ أنّ المعنى الأوّل أنسب حسب الظاهر.

وفي ذلك اليوم العظيم يدعى الجميع إلى السجود للباريء عزّوجلّ، فيسجد المؤمنون، ويعجز المجرمون عن السجود، لأنّ نفوسهم المريضة وممارساتهم القبيحة قد تأصّلت في طباعهم وشخصياتهم في عالم الدنيا، وتطفح هذه الخصال في اليوم الموعود وتمنعهم من إحناء ظهورهم للذات الإلهية المقدّسة.

وهنا يثار سؤال: إنّ يوم القيامة ليس بيوم تكاليف وواجبات وأعمال، فلِمَ السجود؟

يمكن إستنتاج الجواب من التعبير الذي ورد في بعض الأحاديث، نقرأ في الحديث التالي عن الإمام الرضا (عليه السلام) في قوله تعالى: ( يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود) قال: «حجاب من نور يكشف فيقع المؤمنون سجّداً وتدمج أصلاب المنافقين فلا يستطيعون السجود»(215).

وبتعبير آخر: في ذلك اليوم تتجلّى العظمة الإلهية، وهذه العظمة تدعو المؤمنين للسجود فيسجدون، إلاّ أنّ الكافرين حرموا من هذا الشرف واللطف.

وتعكس الآية اللاحقة صورة جديدة لحالتهم حيث يقول سبحانه: ( خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلّة)(216).

[ 525 ]

 

هذه الآية الكريمة تصف لنا حقيقة المجرمين عندما يدانون في إجرامهم ويحكم عليهم، حيث نلاحظ الذلّة والهوان تحيط بهم، وتكون رؤوسهم مطأطئة تعبيراً عن هذه الحالة المهينة.

ثمّ يضيف تعالى: ( وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون).

إلاّ أنّهم لن يسجدوا أبداً، لقد صحبوا روح التغطرس والعتوّ والكبر معهم في يوم القيامة فكيف سيسجدون؟

إنّ الدعوة للسجود في الدنيا لها موارد عديدة، فتارةً بواسطة المؤذّنين للصلاة الفردية وصلاة الجماعة، وكذلك عند سماع بعض الآيات القرآنية وأحاديث الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة المعصومين (عليهم السلام) .. ولذا فإنّ الدعوة للسجود لها مفهوم واسع وتشمل جميع ما تقدّم.

ثمّ يوجّه الباريء عزّوجلّ الخطاب لنبيّه الكريم ويقول: ( فذرني ومن يكذّب بهذا الحديث).

وهذه اللهجة تمثّل تهديداً شديداً من الواحد القهّار لهؤلاء المكذّبين المتمردين، حيث يخاطب الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: لا تتدخّل، واتركني مع هؤلاء، لاُعاملهم بما يستحقّونه. وهذا الكلام الذي يقوله ربّ قادر على كلّ شيء، ـ بالضمن ـ باعث على إطمئنان الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين أيضاً، ومشعراً لهم بأنّ الله معهم وسيقتصّ من جميع الأعداء الذين يثيرون المشاكل والفتن والمؤامرات أمام الرّسول والرسالة، ولن يتركهم الله تعالى على تماديهم.

ثمّ يضيف سبحانه: ( سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إنّ كيدي متين).

نقرأ في حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «إذا أحدث العبد ذنباً جدّد له نعمة فيدع الإستغفار، فهو الإستدراج»(217).

[ 526 ]

والذي يستفاد من هذا الحديث ـ والأحاديث الاُخرى في هذا المجال ـ أنّ الله تعالى يمنح ـ أحياناً ـ عباده المعاندين نعمة وهم غارقون في المعاصي والذنوب وذلك كعقوبة لهم. فيتصوّرون أنّ هذا اللطف الإلهي قد شملهم لجدارتهم ولياقتهم له فيأخذهم الغرور المضاعف، وتستولي عليهم الغفلة .. إلاّ أنّ عذاب الله ينزل عليهم فجأة ويحيط بهم وهم بين أحضان تلك النعم الإلهية العظيمة .. وهذا في الحقيقة من أشدّ ألوان العذاب ألماً.

إنّ هذا اللون من العذاب يشمل الأشخاص الذين وصل طغيانهم وتمردّهم حدّه الأعلى، أمّا من هم دونه في ذلك فإنّ الله تعالى ينبّههم وينذرهم عن ممارساتهم الخاطئة عسى أن يعودوا إلى رشدهم، ويستيقظوا من غفلتهم، ويتوبوا من ذنوبهم، وهذا من ألطاف الباريء عزّوجلّ بهم.

وبعبارة اُخرى: إذا أذنب عبد فإنّه لا يخرج من واحدة من الحالات الثلاث التالية:

إمّا أن ينتبه ويرجع عن خطئه ويتوب إلى ربّه.

أو أن ينزل الله عليه العذاب ليعود إلى رشده.

أو أنّه غير أهل للتوبة ولا للعودة للرشد بعد التنبيه له، فيعطيه الله نعمة بدل البلاء وهذا هو: (عذاب الإستدراج) والذي اُشير له في الآيات القرآنية بالتعبير أعلاه وبتعابير اُخرى.

لذا يجب على الإنسان المؤمن أن يكون يقظاً عند إقبال النعم الإلهية عليه، وليحذر من أن يكون ما يمنحه الله من نعم ظاهرية يمثّل في حقيقته (عذاب الإستدراج) ولذلك فإنّ المسلمين الواعين يفكّرون في مثل هذه الاُمور ويحاسبون أنفسهم باستمرار، ويعيدون تقييم أعمالهم دائماً، كي يكونوا قريبين من طاعة الله، ويؤدّون حقّ الألطاف والنعم التي وهبها الله لهم.

جاء في حديث أنّ أحد أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام) قال: إنّي سألت الله تبارك وتعالى أن يرزقني مالا فرزقني، وإنّي سألت الله أن يرزقني ولداً فرزقني، وسألته أن يرزقني داراً فرزقني، وقد خفت أن يكون ذلك

 

[ 527 ]

إستدراجاً؟ فقال: «أمّا مع الحمد فلا»(218).

والتعبير بـ (أملي لهم) إشارة إلى أنّ الله تعالى لا يستعجل أبداً بجزاء الظالمين، والإستعجال يكون عادةً من الشخص الذي يخشى فوات الفرصة عليه، إلاّ أنّ الله القادر المتعال أيّما شاء وفي أي لحظة فإنّه يفعل ذلك، والزمن كلّه تحت تصرّفه.

وعلى كلّ حال فإنّ هذا تحذير لكلّ الظالمين والمتطاولين بأن لا تغرّهم السلامة والنعمة أبداً، وليرتقبوا في كلّ لحظة بطش الله بهم(219).

* * *

[ 528 ]

 

الآيات

أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَم مُّثْقَلُونَ (46) أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَّوْلاَ أَن تَدَرَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَـهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّـلِحِينَ (50)

التّفسير

لا تستعجل بعذابهم:

استمراراً للإستجواب الذي تمّ في الآيات السابقة للمشركين والمجرمين، يضيف الباريء عزّوجلّ سؤالين آخرين، حيث يقول في البداية: ( أم تسألهم أجراً فهم من مغرم مثقلون).

أي إذا كانت حجّتهم أنّ الإستجابة لدعوتك تستوجب أجراً مادياً كبيراً، وأنّهم غير قادرين على الوفاء به، فإنّه كذب، حيث أنّك لم تطالبهم بأجر، كما لم يطلب أي من رسل الله أجراً.

«مغرم» من مادّة (غرامة) وهي ما يصيب الإنسان من ضرر دون أن يرتكب جناية، و (مثقل) من مادّة (ثقل) بمعنى الثقل، وبهذا فإنّ الله تعالى أسقط حجّة اُخرى ممّا يتذرّع به المعاندون.

وقد وردت الآية أعلاه وما بعدها (نصّاً) في سورة الطور (آية 40 ـ 41).

[ 529 ]

 

ثمّ يضيف واستمراراً للحوار بقوله تعالى: ( أم عندهم الغيب فهم يكتبون).

حيث يمكن أن يدّعي هؤلاء بأنّ لهم إرتباطاً بالله سبحانه عن طريق الكهنة، أو أنّهم يتلقّون أسرار الغيب عن هذا الطريق فيكتبونها ويتداولونها، وبذلك كانوا في الموقع المتميّز على المسلمين، أو على الأقل يتساوون معهم.

ومن المسلّم به أنّه لا دليل على هذا الإدّعاء أيضاً، إضافةً إلى أنّ لهذه الجملة معنى (الإستفهام الإنكاري)، ولذا فمن المستبعد ما ذهب إليه البعض من أنّ المقصود من الغيب هو (اللوح المحفوظ)، والمقصود من الكتابة هو القضاء والقدر، وذلك لأنّهم لم يدّعوا أبداً أنّ القضاء والقدر واللوح المحفوظ في أيديهم.

ولأنّ العناد واللامنطقية التي كان عليها أعداء الإسلام تؤلم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وتدفعه إلى أن يدعو الله عليهم، لذا فإنّه تعالى أراد أن يخفّف شيئاً من آلام رسوله الكريم، فطلب منه الصبر وذلك قوله تعالى: ( فاصبر لحكم ربّك).

أي انتظر حتّى يهيء الله لك ولأعوانك أسباب النصر، ويكسر شوكة أعدائك، فلا تستعجل بعذابهم أبداً، واعلم بأنّ الله ممهلهم وغير مهملهم، وما المهلة المعطاة لهم إلاّ نوع من عذاب الإستدراج.

وبناءً على هذا فإنّ المقصود من (حكم ربّك) هو حكم الله المقرّر الأكيد حول إنتصار المسلمين.

وقيل أنّ المقصود منها هو: أن تستقيم وتصبر في طريق إبلاغ أحكام الله تعالى.

كما يوجد إحتمال آخر أيضاً وهو أنّ المقصود بالآية أنّ حكم الله إذا جاء فعليك أن تستسلم لأمره تعالى وتصبر، لأنّه سبحانه قد حكم بذلك(220).

إلاّ أنّ التّفسير الأوّل أنسب.

[ 530 ]

 

ثمّ يضيف تعالى: ( ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم):

والمقصود من هذا النداء هو ما ورد في قوله تعالى: ( فنادى في الظلمات أن لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين)(221).

وبذلك فقد إعترف النبي يونس (عليه السلام) بترك الأولى، وطلب العفو والمغفرة من الله تعالى. كما يحتمل أن يكون المقصود من هذا النداء هو اللعنة التي أطلقها على قومه في ساعة غضبه. إلاّ أنّ المفسّرين إختاروا التّفسير الأوّل لأنّ التعبير  بـ «نادى» في هذه الآية يتناسب مع ما ورد في الآية (87) من سورة الأنبياء، حيث من المسلّم انّه نادى ربّه عندما كان (عليه السلام) في بطن الحوت.

«مكظوم» من مادّة (كظم) على وزن (هضم) بمعنى الحلقوم، و (كظم السقاء) بمعنى سدّ فوهة القربة بعد امتلائها، ولهذا السبب يقال للأشخاص الذين يخفون غضبهم وألمهم ويسيطرون على إنفعالاتهم ويكظمون غيظهم ... بأنّهم: كاظمون، والمفرد: كاظم، ولهذا السبب يستعمل هذا المصطلح أيضاً بمعنى (الحبس).

وبناءً على ما تقدّم فيمكن أن يكون للمكظوم معنيان في الآية أعلاه: المملوء غضباً وحزناً، أو المحبوس في بطن الحوت، والمعنى الأوّل أنسب، كما ذكرنا.

ويضيف سبحانه في الآية اللاحقة: ( لولا أن تداركه نعمة من ربّه لنبذ بالعراء وهو مذموم)(222).

من المعلوم أنّ يونس (عليه السلام) خرج من بطن الحوت، واُلقي في صحراء يابسة، عبّر عنها القرآن الكريم بـ (العراء) وكان هذا في وقت قَبِل الله تعالى فيه توبته وشمله برحمته، ولم يكن أبداً مستحقّاً (عليه السلام) للذمّ.

ونقرأ في قوله تعالى: ( فنبذناه بالعراء وهو سقيم وأنبتنا عليه شجرة من يقطين)(223) كي يستريح في ظلالها.

كما أنّ المقصود من (النعمة) في الآية أعلاه هو توفيق التوبة وشمول الرحمة

[ 531 ]

 

 الإلهية لحاله (عليه السلام) حسب الظاهر.

وهنا يطرح سؤالان:

الأوّل: هو ما جاء في الآيتين 143، 144 من سورة الصافات في قوله تعالى: ( فلولا أنّه كان من المسبّحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) وهذا مناف لما ورد في الآية مورد البحث.

وللجواب على هذا السؤال يمكن القول: كانت بإنتظار يونس (عليه السلام) عقوبتان: إحداهما شديدة، والاُخرى أخفّ وطأة. الاُولى الشديدة هي أن يبقى في بطن الحوت إلى يوم يبعثون، والأخفّ: هو أن يخرج من بطن الحوت وهو مذموم وبعيد عن لطف الله سبحانه، وقد كان جزاؤه (عليه السلام) الجزاء الثاني، ورفع عنه ما ألمّ به من البعد عن الألطاف الإلهية حيث شملته بركة الله عزّوجلّ ورحمته الخاصّة.

والسؤال الآخر يتعلّق بما جاء في قوله تعالى: ( فالتقمه الحوت وهو مليم)(224)وإنّ ما يستفاد من الآية مورد البحث أنّه (عليه السلام) لم يكن ملوماً ولا مذموماً.

ويتّضح الجواب على هذا السؤال بالإلتفات إلى أنّ الملامة كانت في الوقت الذي التقمه الحوت توّاً، وأنّ رفع المذمّة كان متعلّقاً بوقت التوبة وقبولها من قبل الله تعالى، ونجاته من بطن الحوت.

لذا يقول الباريء عزّوجلّ في الآية اللاحقة: ( فاجتباه ربّه فجعله من الصالحين).

وبذلك فقد حمّله الله مسؤولية هداية قومه مرّة اُخرى، وعاد إليه يبلّغهم رسالة ربّه، ممّا كانت نتيجته أن آمن قومه جميعاً، وقد منّ الله تعالى عليهم بألطافه ونعمه وأفضاله لفترة طويلة.

وقد شرحنا قصّة يونس (عليه السلام) وقومه، وكذلك بعض المسائل الاُخرى حول تركه لـ (الأولى) وإستقراره فترة من الزمن في بطن الحوت والإجابة على بعض التساؤلات المطروحة في هذا الصدد بشكل مفصّل في تفسير الآيات (139 ـ 148) من سورة الصافات وكذلك في تفسير الآيات (87، 88) من سورة الأنبياء.

* * *

 

[ 532 ]

الآيتان

وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَـرِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لََمجْنُونٌ (51) وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَـلَمِينَ (52)

التّفسير

يريدون قتلك .. لكنّهم عاجزون

هاتان الآيتان تشكّلان نهاية سورة القلم، وتتضمّنان تعقيباً على ما ورد في بداية السورة من نسبة الجنون إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) من قبل الأعداء.

يقول تعالى: ( وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لمّا سمعوا الذكر ويقولون إنّه لمجنون).

«ليزلقونك» من مادّة (زلق) بمعنى التزحلق والسقوط على الأرض، وهي كناية عن الهلاك والموت.

ثمّة أقوال مختلفة في تفسير هذه الآية:

1 ـ قال كثير من المفسّرين: إنّ الأعداء حينما يسمعون منك هذه الآيات العظيمة للقرآن الكريم، فإنّهم يمتلئون غضباً وغلا، وتتوجّه إليك نظراتهم الحاقدة وبمنتهى الغيظ، وكأنّما يريدون أن يطرحوك أرضاً ويقتلوك بنظراتهم الخبيثة الغاضبة.

وأضاف قسم آخر في توضيح هذا المعنى، أنّهم يريدون قتلك بالحسد عن طريق العين، وهو ما يعتقد به الكثير من الناس، لوجود الأثر المرموز في بعض العيون والتي يمكن أن تؤثّر على الطرف الآخر بنظرة خاصّة تميت المنظور.

2 ـ وقال البعض الآخر: إنّها كناية عن نظرات ملؤها الحقد والغضب، كما يقال عرفاً: إنّ فلاناً نظر إليّ نظرة وكأنّه يريد إلتهامي أو قتلي.

[ 533 ]

3 ـ ويوجد تفسير آخر للآية الكريمة يحتمل أن يكون أقرب التفاسير، وهو أنّ الآية الكريمة أرادت أن تظهر التناقض والتضادّ لدى هؤلاء المعاندين، وذلك أنّهم يعجبون ويتأثّرون كثيراً عند سماعهم الآيات القرآنية بحيث يكادون أن يصيبوك بالعين (لأنّ الإصابة بالعين تكون غالباً في الاُمور التي تثير الإعجاب كثيراً) إلاّ أنّهم في نفس الوقت يتّهمونك بالجنون، وهذا يمثّل التناقض حقّاً. إذ أين الجنون ولغو الكلام وأين هذه الآيات المثيرة للإعجاب والنافذة في القلوب؟

إنّ هؤلاء ذوي العقول المريضة لا يدركون ما يقولون وما وقعوا فيه من التناقض فيما ينسبونه إليك.

وعلى كلّ حال فإنّ ما يتعلّق بموضوع حقيقة إصابة العين وصحّتها ـ من وجهة النظر الإسلامية أو عدمها، وكذلك من وجهة نظر العلوم الحديثة، فهذا ما سنستعرضه في البحوث التالية إن شاء الله.

وأخيراً يضيف تعالى في آخر آية: ( وما هو إلاّ ذكر للعالمين).

حيث أنّ معارف القرآن الكريم واضحة، وإنذاراته موقظة، وأمثاله هادفة، وترغيباته وبشائره مربّية، وبالتالي فهو عامل وسبب ليقظة النائمين وتذكرة للغافلين، ومع هذا فكيف يمكن أن ينسب الجنون إلى من جاء به؟

وتماشياً مع هذا الرأي فإنّ (ذكر) على وزن (فكر) تكون بمعنى (المذكّر). وفسّرها البعض الآخر بمعنى (الشرف)، وقالوا: إنّ هذا القرآن شرف لجميع العالمين، وهذا ما هو وارد ـ أيضاً ـ في قوله تعالى: ( وإنّه لذكر لك ولقومك)(225).

إلاّ أنّ (الذكر) هنا بمعنى المذكّر والمنبّه، بالإضافة إلى أنّ أحد أسماء القرآن الكريم هو (الذكر) وبناءً على هذا، فإنّ التّفسير الأوّل أصحّ حسب الظاهر.

* * *

[ 534 ]

بحث

هل أنّ إصابة العين لها حقيقة؟

يعتقد الكثير من الناس أنّ لبعض العيون آثاراً خاصّة عندما تنظر لشيء بإعجاب، إذ ربّما يترتّب على ذلك الكسر أو التلف، وإذا كان المنظور إنساناً فقد يمرض أو يجنّ ..

إنّ هذه المسألة ليست مستحيلة من الناحية العقلية، حيث يعتقد البعض من العلماء المعاصرين بوجود قوّة مغناطيسية خاصّة مخفية في بعض العيون بإمكانها القيام بالكثير من الأعمال، كما يمكن تدريبها وتقويتها بالتمرين والممارسة، ومن المعروف أنّ «التنويم المغناطيسي» يكون عن طريق هذه القوّة المغناطيسية الموجودة في العيون.

إنّ (أشعة ليزر) هي عبارة عن شعاع لا مرئي يستطيع أن يقوم بعمل لا يستطيع أي سلاح فتّاك القيام به، ومن هنا فإنّ القبول بوجود قوّة في بعض العيون تؤثّر على الطرف المقابل، وذلك عن طريق أمواج خاصّة ليس بأمر مستغرب.

ويتناقل الكثير من الأشخاص أنّهم رأوا باُمّ أعينهم أشخاصاً لهم هذه القوّة المرموزة في نظراتهم، وأنّهم قد تسبّبوا في إهلاك آخرين (أشخاص وحيوانات وأشياء) وذلك بإصابتهم بها.

لذا فلا ينبغي الإصرار على إنكار هذه الاُمور. بل يجدر تقبّل إحتمال وجود مثل هذا الأمر من الناحية العقلية والعلمية.

كما جاء في بعض الرّوايات الإسلامية ـ أيضاً ـ ما يؤيّد وجود مثل هذا الأمر بصورة إجمالية كما في الرواية التالية: «إنّ أسماء بنت عميس قالت: يارسول الله إنّ بني جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم؟ قال: نعم، فلو كان شيء يسبق القدر لسبقه العين». (المقصود من (الرقية) هي الأدعية التي يكتبونها ويحتفظ بها الأشخاص لمنع الإصابة بالعين ويقال لها التعويذة أيضاً)(226).

وجاء في حديث آخر أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: النّبي رقى حسناً وحسيناً فقال:

[ 535 ]

 

«اُعيذكما بالكلمات التامّة وأسمائه الحسنى كلّها عامّة، من شرّ السامّة والهامّة، ومن شرّ كلّ عين لامّة، ومن شرّ حاسد إذا حسد» ثمّ التفت النّبي إلينا فقال: هكذا كان يعوّذ إبراهيم إسماعيل وإسحاق(227).

وجاء في نهج البلاغة أيضاً: «العين حقّ، والرقى حقّ»(228).

ولمّا كانت الأدعية توسّلا للباريء عزّوجلّ في دفع الشّر وجلب الخير، فبأمر من الله تعالى يمنع تأثير القوّة المغناطيسية للعيون، ولا مانع من ذلك، كما أنّ للأدعية تأثيراً في كثير من العوامل والأسباب الضارّة وتبطل مفعولها بأمر الله تعالى.

كما يجدر الإلتفات إلى هذه النقطة ـ أيضاً ـ وهي: إنّ قبول تأثير الإصابة بالعين بشكل إجمالي لا يعني الإيمان بالأعمال الخرافية، وممارسات الشعوذة التي تنتشر بين العوام، إذ أنّ ذلك مخالف لأوامر الشرع، ويثير الشكّ في أصل الموضوع عند غير المسلمين بهذه المسائل، كما أنّ هذه الأعمال تربك وتشوش الكثير من الحقائق بما يدسّ بها من الأوهام والخرافات، وبذلك يكون الإنطباع عنها سلبياً في الأذهان.

اللهمّ: احفظنا بحفظك من شرّ الأشرار، ومكائد الأعداء.

ربّنا، تفضّل علينا بالصبر والإستقامة في سبيل تحصيل رضاك.

إلهي، وفّقنا للإستفادة من نعمك اللامتناهية وأداء شكرها قبل أن تسلب منّا.

آمين ياربّ العالمين.

نهاية سورة القلم

* * *




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 10771162

  • التاريخ : 19/01/2022 - 17:43

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net