00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة التغابن من أول السورة ـ آخر السورة من ( ص 363 ـ 384 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء الثامن عشر   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

[ 363 ]

 

سُورَة التَّغَابُن

مَدَنِيّة

وعَدَدُ آيَاتِها ثماني عشرة آية

[ 365 ]

 

«سورة التغابن»

ملاحظة

هناك خلاف شديد بين المفسّرين في مكان نزول هذه السورة، هل هو المدينة أو مكّة؟ علماً بأنّ الرأي المشهور هو أنّ السورة مدنية. وقال آخرون: إنّ الآيات الثلاث الأخيرة مدنيّة والباقي مكيّة.

ومن الواضح أنّ سياق الآيات الأخيرة في هذه السورة ينسجم مع السور المدنية، وصدرها أكثر إنسجاماً مع السور المكيّة، ولكنّنا نرى أنّها مدنية طبقاً للمشهور.

نقل «عبدالله الزنجاني» في كتابه القيّم (تأريخ القرآن) عن فهرس «ابن النديم» أنّ سورة التغابن هي السورة المدنية الثالثة والعشرون. ونظراً لأنّ مجموع السور المدنية يبلغ 28 سورة فستكون هذه السورة من أواخر السور المدنية.

ويمكن تقسيم هذه السورة من حيث المواضيع التي احتوتها إلى عدّة أقسام:

1 ـ بداية السورة التي تبحث في التوحيد وصفات وأفعال الله تعالى.

2 ـ حثّ الناس على ملاحظة أعمالهم ظاهراً وباطناً، وأن لا يغفلوا عن مصير الأقوام السابقين.

3 ـ في قسم آخر من السورة يجري الحديث عن المعاد، وأنّ يوم القيامة «يوم تغابن»، تغبن فيه جماعة وتفوز فيه جماعة، واسم السورة مشتقّ من هذا المفهوم.

4 ـ الأمر بطاعة الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وتحكيم قواعد النبوّة.

5 ـ ويأمر الله تبارك وتعالى في القسم الأخير من السورة بالإنفاق في سبيله،

[ 366 ]

 

 ويحذّر من الإنخداع بالأموال والأولاد والزوجات. وتختم السورة بذكر صفات الله تبارك وتعالى.

فضيلة تلاوة السورة:

في حديث عن الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) «من قرأ سورة التغابن رفع عنه موت الفجأة»(66).

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) «من قرأ سورة التغابن في فريضة كانت شفيعة له يوم القيامة، وشاهد عدل عند من يجيز شهادتها، ثمّ لا تفارقه حتّى يدخل الجنّة»(67).

* * *

[ 367 ]

 

الآيات

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَـوَتِ وَمَا فِى الاَْرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ (1) هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2) خَلَقَ السَّمَـوَتِ وَالاَْرْضِ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3)يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَـوَتِ وَالاَْرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (4) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (5) ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَـتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَّاسْتَغْنَى اللهُ وَاللهُ غَنِىٌّ حَمِيدٌ (6)

التّفسير

يعلم ما تخفي الصدور:

تبدأ هذه السورة بتسبيح الله، الله المالك المهيمن على العالمين القادر على كلّ شيء ( يسبّح لله ما في السموات وما في الأرض) ويضيف ( له الملك) والحاكمية على عالم الوجود كافّة، ولهذا السبب: ( وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير).

ولا حاجة للحديث عن تسبيح المخلوقات جميعاً لله الواحد الأحد بعد أن تطرّقنا

[ 368 ]

 

إلى ذلك في مواضع عديدة، وهذا التسبيح ملازم لقدرته على كلّ شيء وتملّكه لكلّ الأشياء، ذلك لأنّ كلّ أسرار جماله وجلاله مطوية في هذين الأمرين.

ثمّ يشير تعالى إلى أمر الخلقة الملازم لقدرته، إذ يقول تعالى: ( هو الذين خلقكم) وأعطاكم نعمة الحرية والإختيار ( فمنكم كافر ومنكم مؤمن).

وبناءً على هذا فإنّ الإمتحان الإلهي يجد له في هذا الجو مبرّراً كافياً ومعنى عميقاً ( والله بما تعملون بصير).

ثمّ يوضّح مسألة الخلقة أكثر بالإشارة إلى الهدف منها، إذ يقول في الآية اللاحقة: ( خلق السموات والأرض بالحقّ).

فإنّ هذا الخلق الحقّ الدقيق ينطوي على غايات عظيمة وحكمة بالغة، حيث يقول تعالى في الآية (27) من سورة ص: ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظنّ الذين كفروا).

ثمّ يتحدّث القرآن الكريم عن خلق الإنسان، ويدعونا بعد آيات الآفاق إلى السير في آفاق الأنفس، يقول تعالى: ( وصوّركم فأحسن صوركم). لقد صوّر الإنسان بأحسن الصور وأجملها، وجعل له من المواهب الباطنية الفكرية والعقلية ما جعل العالم كلّه ينطوي فيه. وأخيراً تنتهي الاُمور إليه تعالى ( وإليه المصير).

نعم، إنّ هذا الإنسان الذي هو جزء من عالم الوجود، ينسجم من ناحية الخلقة والفطرة مع سير هذا العالم أجمع وغاية الوجود، حيث يبدأ من أدنى المراتب ويرتقي إلى اللامحدود حيث القرب من الحقّ تبارك وتعالى.

جملة: ( فأحسن صوركم) يراد بها الإشارة إلى المظهر الخارجي والمحتوى الداخلي على حدّ سواء. وأنّ التأمّل في خلق الإنسان وصورته، يظهر مدى القدرة التي خلق بها الباريء هذا المخلوق الرائع، الذي امتاز على كلّ ما سواه من المخلوقات.

ولأنّ الإنسان خلق لهدف سام عظيم، فعليه أن يكون دائماً تحت إرادة الباريء وضمن طاعته، فإنّه ( يعلم ما في السموات والأرض ويعلم ما تسرّون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور).

[ 369 ]

 

تجسّد هذه الآية علم الله اللامتناهي في ثلاثة مستويات: علمه بكلّ المخلوقات، وما في السموات والأرض.

ثمّ علمه بأعمال الإنسان كافّة، سواء أضمرها أو أظهرها.

والثالث علمه بنيّة الإنسان وعقائده الداخلية التي تحكم قلب الإنسان وروحه.

ولا شكّ أنّ معرفة الإنسان بهذا العلم الإلهي ستترك عليه آثاراً تربوية كثيرة، وتحذّره بأنّ جميع تحرّكاته وسكناته وكلّ تصرّفاته ونيّاته، وفي أي مكان كانت، إنّما هي في علم الله وتحت نظره تبارك وتعالى. وممّا لا شكّ فيه أنّ ذلك سيهيء الإنسان للحركة نحو الرقي والتكامل.

ثمّ يلفت القرآن الكريم الإنتباه إلى أهمّ عامل في تربية الإنسان وتعليمه، وهو الإتّعاظ بمصارع القرون وما جرى على الأقوام السالفة حيث يقول: ( ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم).

ألم تمرّوا على مدنهم المهدّمة وآثارهم المدمّرة في طريقكم إلى الشام والأماكن الاُخرى، فتروا باُمّ أعينكم نتيجة كفرهم وظلمهم. اقرأوا أخبارهم في التاريخ، بعضهم أخذته العواصف، وآخرون أتى عليهم الطوفان، وكان هذا عذابهم في الدنيا وفي الآخرة لهم عذاب أشدّ.

ثمّ تشير الآية اللاحقة إلى سبب هذه العاقبة المؤلمة وهو الغرور والتكبّر على الأنبياء: ( ذلك بأنّه كانت تأتيهم رسلهم بالبيّنات فقالوا أبشر
يهدوننا
)وبهذا المنطق عصوا وكفروا ( فكفروا وتولّوا) والله في غنى عن طاعتهم ( واستغنى الله) فطاعتهم لأنفسهم وعصيانهم عليها و ( الله غني حميد).

ولو كفرت كلّ الكائنات لما نقص من كبريائه تعالى شيء، كما أنّ طاعتهم لا تزيده شيئاً. نحن الذين نحتاج إلى كلّ هذه التعليمات والمناهج التربوية.

عبارة ( واستغنى الله) مطلقة تبيّن إستغناء الباريء عن الوجود كلّه، وعدم حاجته إلى شيء أبداً، بما في ذلك إيمان الناس وطاعتهم، كي لا يتصوّروا ـ خطأً ـ

[ 370 ]

 

 أنّ الله عندما يؤكّد على الطاعة والإيمان فبسبب حاجة أو نفع يصيبه سبحانه.

وقال آخرون في معنى عبارة ( استغنى الله) بأنّها إشارة إلى الحكم والآيات والمواعظ التي أعطاها الله تعالى إيّاهم، إذ لا يحتاجون بعدها إلى شيء.

* * *

[ 371 ]

 

الآيات

زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (7) فَئَامِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِى أَنزَلْنَا وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَن يُؤْمِن بِاللهِ وَيَعْمَلْ صَـلِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّـت تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَـرُ خَـلِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِئَايَـتِنَا أُوْلَـئِكَ أَصْحَـبُ النَّارِ خَـلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (10)

التّفسير

يوم التغابن وظهور الغبن:

في أعقاب تلك الآيات التي بحثت مسألة الخلقة والهدف من الخلق، جاءت هذه الآيات لتكمّل البحث الذي يطرح قضيّة المعاد والقيامة، حيث يقول تعالى: ( زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا).

«زعم» من مادة (زعم) ـ على وزن طعم ـ تطلق على الكلام الذي يحتمل أو يتيقن من كذبه، وتارة تطلق على التصور الباطل وفي الآية المراد هو الأوّل.

ويستفاد من بعض كلمات اللغويين أنّ كلمة «زعم» جاءت بمعنى الإخبار المطلق، بالرغم من أنّ الإستعمالات اللغوية وكلمات المفسّرين تفيد أنّ هذا المصطلح قد ارتبط بالكذب ارتباطاً وثيقاً، ولذلك قالوا «لكلّ شيء كنية وكنية الكذب، الزعم».

على أي حال فإنّ القرآن الكريم يأمر الرّسول الأكرم في أعقاب هذا الكلام

[ 372 ]

 

بقوله: ( قل بلى وربّي لتبعثنّ ثمّ لتنبؤنّ بما عملتم وذلك على الله يسير).

إنّ أهمّ شبهة يتمسّك بها منكرو المعاد هي كيفية إرجاع العظام النخرة التي صارت تراباً إلى الحياة مرّة اُخرى، فتجيب الآية الكريمة: ( ذلك على الله يسير)لأنّهم في البداية كانوا عدماً وخلقهم الله، فإعادتهم إلى الوجود مرّة اُخرى أيسر ..

بل احتمل بعضهم أنّ القسم بـ (وربّي) هو بحدّ ذاته إشارة لطيفة إلى الدليل على المعاد، لأنّ ربوبية الله تعالى لابدّ أن تجعل حركة الإنسان التكاملية حركة لها غاية لا تنحصر في حدود الحياة الدنيا التافهة.

بتعبير آخر إنّنا لو لم نقبل بمسألة المعاد، فانّ مسألة ربوبية الله للإنسان ورعايته له لا يبقى لها مفهوماً البتة.

ويعتقد البعض أنّ عبارة ( وذلك على الله يسير) ترتبط بإخبار الله تعالى عن أعمال البشر يوم القيامة، التي جاءت في العبارة السابقة، ولكن يبدو أنّها ترجع إلى المضمون الكلّي للآية. (أصل البعث وفرعه) الذي هو الإخبار عن الأعمال التي تكون مقدّمة للحساب والجزاء.

ولابدّ أن تكون النتيجة كما قرّرتها الآية اللاحقة وأنّه بعد أن ثبت أنّ المعاد حقّ: ( فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير).

وبناءً على ذلك يأمرهم الباريء أن يعدوا أنفسهم بالإيمان والعمل الصالح، ويستعدّوا للبعث ويوم الجزاء.

والإيمان هنا لابدّ أن يرتكز على ثلاثة اُصول: (الله) و (الرّسول) و (القرآن) التي تتضمّن الاُمور الاُخرى جميعاً.

التعبير عن القرآن الكريم بأنّه (نور) في آيات متعدّدة، وكذلك (أنزلنا) شاهدان آخران على ذلك. رغم وجود روايات متعدّدة عن أهل البيت (عليهم السلام)فسّرت كلمة (نور) في الآية ـ مورد البحث ـ بوجود الإمام، ويمكن أن ينظر إلى هذا التّفسير على أنّ وجود الإمام يعتبر تجسيداً عملياً لكتاب الله، إذ يعبّر عن الرّسول والإمام بـ (القرآن الناطق) فقد جاء في ذيل إحدى هذه الروايات عن الإمام الباقر قوله عن الآية: (وهم الذين ينوّرون قلوب المؤمنين)(68).

[ 373 ]

 

وتصف الآية اللاحقة يوم القيامة بقولها: ( يوم يجمعكم ليوم الجمع)(69) فإنّ أحد أسماء يوم القيامة هو «يوم الجمع» الذي ورد كراراً بتعبيرات مختلفة في القرآن الكريم، منها ما جاء في الآية (49) و (50) من سورة الواقعة: ( قل إنّ الأوّلين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم).

ثمّ يضيف تعالى ( ذلك يوم التغابن)(70) أي اليوم الذي يعرف فيه «الغابن» بالفوز عن «المغبون» بالغلبة، وهو اليوم الذي ينكشف فيه من هم الناس الذي غبنوا وخسرت تجارتهم؟

اليوم الذي يرى فيه أهل جهنّم مكانهم الخالي في الجنّة ويأسفون لذلك، ويرى أهل الجنّة مكانهم الخالي في النار فيفرحون لذلك، فقد ورد في أحد الأحاديث أنّ لكلّ إنسان مكاناً في الجنّة وآخر في النار، فحينما يذهب إلى الجنّة يعطى مكانه في جهنّم إلى أهل جهنّم، ويعطى مكان الجهنمي في الجنّة إلى أهل الجنّة(71).

والتعبير بـ (الإرث) في الآيات القرآنية ربّما يكون ناظراً إلى هذا المعنى.

ثمّ يتحدّث القرآن الكريم عن أحوال المؤمنين في ذلك اليوم (يوم القيامة) أو (يوم التغابن) قائلا: ( ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يكفّر عنه سيّئاته ويدخله جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم).

وستتنزّل النعم الإلهية والبركات بتحقّق الشرطين الأساسيين، الإيمان والعمل الصالح. فتحلّ المغفرة والتجاوز عن الذنوب التي تشغل تفكير الإنسان أكثر من أي شيء آخر، وكذلك دخول الجنّة، وذلك هو الفوز العظيم الذي لا فوز بعده.

ثمّ يقول تعالى: ( والذين كفروا وكذّبوا بآياتنا اُولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير).

وهناك عاملان أساسيان للشقاء يذكرهما القرآن، هما الكفر والتكذيب بالآيات الإلهية، وهما النقيضان الواقعيان للإيمان والعمل الصالح.

والإختلاف الأوّل الذي تذكره الآية بين أهل الجنّة وأهل النار هو ذكره الغفران

[ 374 ]

 

 والعفو لأهل الجنّة بينما لم يذكر ذلك لأصحاب النار.

والإختلاف الآخر هو التأكيد على خلود أهل الجنّة في النعيم بقوله (أبداً) بينما اكتفى بالنسبة لأهل النار بذكر الخلود والبقاء فقط، فقد يكون هذا الإختلاف للإشارة إلى أنّ الذين خلطوا الإيمان بالكفر سوف يخرجون من النار والعذاب آخر المطاف، أو إشارة لغلبة رحمته على غضبه، علماً أنّ بعض المفسّرين يعتقد أنّ عدم ذكر (أبداً) في الجملة الثانية كان نتيجة لذكرها في الجملة الاُولى.

* * *

[ 375 ]

 

الآيات

مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَة إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَىْء عَلِيمٌ (11) وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرّسول فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَـغُ الْمُبِينُ (12) اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (13)

التّفسير

كلّ ما يصيبنا بإذنه وعلمه:

في أوّل آية مورد البحث يشير القرآن إلى أصل كلّي عن المصائب والحوادث الأليمة التي تصيب الإنسان، ولعلّ ذلك يعود إلى أنّ الكفّار كانوا دائماً يتذرّعون بوجود المصائب والبلايا لنفي العدالة الإلهية في هذا العالم، أو يكون المراد أنّ طريق الإيمان والعمل الصالح مقرون دائماً بالمشاكل، ولا يصل الإنسان المؤمن إلى مرتبة مقاومتها، وبذلك يتّضح وجه الإرتباط بين هذه الآية وما قبلها.

يقول تعالى أوّلا: ( ما أصاب من مصيبة إلاّ بإذن الله).

فما يجري من حوادث كلّها بإذن الله لا تخرج عن إرادته أبداً، وهذا هو معنى (التوحيد الأفعالي) وإنّما بدأ بذكر المصائب باعتبارها هي التي يستفهم عنها الإنسان دائماً وتشغل تفكيره. وعندما نقول يقع ذلك بإرادة الله، فإنّما نعني «الإرادة التكوينية» لا الإرادة التشريعية.

وهنا يطرح سؤال مهمّ وهو: إنّ كثيراً من هذه الحوادث والكوارث التي تنزل بالناس تأتي من ظلم الظالمين وطغيان الجبابرة، أو أنّ الإنسان يبتلي بها بسبب الغفلة والجهل والتقصير ... فهل أنّ ذلك كلّه بإذن الله؟

للإجابة على هذا السؤال نرجع إلى مجموع الآيات التي وردت في هذا

[ 376 ]

 

المجال، فنلاحظ أنّها عرضت المصائب على نوعين:

الأوّل: ما يكون جزءاً من طبيعة تكوين الإنسان كالموت والحوادث الطبيعية الاُخرى، وهذه لا يستطيع الإنسان أن يدفعها عنه، فيقرّر القرآن الكريم بأنّ ذلك يقع بإذن الله.

الثّاني: هو تلك المصائب التي تأتي من تقصير الإنسان ومن عمل يده، وله الدور الأساسي في تحقّقها، وهذه يقول القرآن: إنّها تصيبكم بسبب أعمالكم.

وبناءً على ذلك فليس للإنسان أن يستسلم للظلم والجهل والفقر.

ومن البديهي أنّ إرادة الله تتدخّل في جميع الاُمور حتّى تلك الخاضعة لإرادة الإنسان وفعله، إذ لا تأثير لجميع الأسباب إلاّ بإذنه، وكلّ شيء خاضع لإرادته وسلطانه، ويبشّر القرآن المؤمنين بقوله: ( ومن يؤمن بالله يهد قلبه). فالمؤمن لا تهزمه المصائب ولا ييأس ولا يجزع. والله يهدي الإنسان حينما يكون شكوراً لنعمه، صابراً على بلائه، مستسلماً لقضائه.

ولهداية القلوب معاني كثيرة منها (الصبر) و (التسليم) و (الشكر) و (الرضى) وقول: ( إنّا لله وإنّا إليه راجعون) وعندما يذكر المفسّرون أحد هذه الاُمور، فإنّما يريدون بيان مصداق من مصاديق الآية لا معناها الكلّي.

وتقول الآية في نهاية المطاف ( والله بكلّ شيء عليم).

وقد يراد من هذا التعبير الإشارة إلى الهدف من وراء هذه الإمتحانات والإختبارات الصعبة، وهو إيقاظ الناس وتربيتهم وإعدادهم لمجابهة الغرور والغفلة، وسيؤثر ذلك حتماً ويدفع الإنسان إلى طاعة الله ورسوله، و ( أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول).

لا يخفى أنّ إطاعة الرّسول فرع عن إطاعة الله تعالى وطاعة الرّسول تقع في طول طاعة الله، فهما في خطّ واحد، وهذا ما جعله يكرّر كلمة إطاعة.

وإذا ما حاولنا الذهاب أبعد من ذلك، فإنّ طاعة الله تتعلّق باُصول القوانين والتشريعات الإلهيّة، بينما طاعة الرّسول في تفسيرها وفي المسائل التنفيذية وفي التفاصيل،  فعلى هذا تكون الاُولى هي الأصل، والثانية فرع.

[ 377 ]

 

ثمّ يضيف قائلا: ( فإن تولّيتم فإنّما على رسولنا البلاغ المبين).

نعم، إنّ الرّسول ملزم بتبليغ الرسالة، وسيتولّى الباريء جلّ شأنه محاسبتكم، وهذا نوع من التهديد الخفي الجادّ.

ويشير القرآن الكريم في الآية اللاحقة إلى قضيّة التوحيد في العبودية، التي تشكّل المبرّر الطبيعي لوجوب الطاعة، إذ يقول تعالى: ( الله لا إله إلاّ هو) وبما أنّه كذلك إذاً: ( على الله فليتوكّل المؤمنون).

فليس غير الله يستحقّ العبودية، لأنّه لا مالك ولا قادر ولا عالم غيره، والغنى كلّه له، وكلّ ما لدى الآخرين فمنه وإليه، فيجب الرجوع له والإستعانة به على كلّ شيء.

* * *

[ 378 ]

 

الآيات

يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَـدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَـدُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ(15) فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأَطِيعُوا وأَنْفِقُوا خَيرَاً لأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(16) إِن تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَـعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (17) عَـلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَـدَةِ الْغَزِيزُ الْحَكِيمُ(18)

سبب النّزول

في تفسير القمّي في رواية أبي الجارود (عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى: ( إنّ من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم فاحذروهم) وذلك أنّ الرجل إذا أراد الهجرة تعلّق به إبنه وامرأته وقالوا: ننشدك الله أن لا تذهب عنّا فنضيع بعدك، فمنهم من يطيع أهله فيقيم، فحذّرهم الله أبناءهم ونساءهم، ونهاهم عن طاعتهم، ومنهم من يمضي ويذرهم ويقول: أما والله لئن لم تهاجروا معي ثمّ جمع الله بيني وبينكم في دار الهجرة لا أنفعكم بشيء أبداً. فلمّا جمع الله بينه وبينهم أمر الله أن

[ 379 ]

 

 يتوق بحسن وصله فقال: ( وان تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإنّ الله غفور رحيم)(72).

التّفسير

أولادكم وأموالكم وسيلة لإمتحانكم:

حذّر القرآن الكريم من مغبّة الوقوع في الحبّ المفرط للأولاد والأموال، الذي قد يجرّ إلى عدم الطاعة لله ورسوله حيث قال: ( ياأيّها الذين آمنوا إنّ من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم فاحذروهم).

إنّ هناك مظاهر عديدة لهذه العداوة، فأحياناً يتعلّقون بثيابكم ليحرموكم خير الهجرة، واُخرى ينتظرون موتكم ليسيطروا على أموالكم وثروتكم، وما إلى ذلك.

وليس كلّ الأولاد، ولا كلّ الزوجات كذلك، لهذا جاءت «من» التبعيضيّة.

وتظهر هذه العداوة أحياناً بمظهر الصداقة وتقديم الخدمة، وحيناً آخر تظهر بسوء النيّة وخبث المقصد.

وعلى كلّ حال فإنّ الإنسان يصبح على مفترق طريقين، فطريق الله وطريق الأهل والأزواج، ولا ينبغي أن يتردّد الإنسان في اتّخاذ طريق الله وإيثاره على غيره، ففيه النجاة والصلاح في الدنيا والآخرة. وهذا ما أكّدت عليه الآية 23 من سورة التوبة: ( ياأيّها الذين آمنوا لا تتّخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبّوا الكفر على الإيمان ومن يتولّهم منكم فاُولئك هم الظالمون).

ومن أجل أن لا يؤدّي ذلك إلى الخشونة في معاملة الأهل، نجد القرآن يوازن ذلك بقوله في ذيل نفس الآية: ( وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإنّ الله غفور رحيم)فإذا ندموا واعتذروا والتحقوا بكم فلا تتعرّضوا لهم بعد ذلك، واعفوا عنهم واصفحوا كما تحبّون أن يعفوا الله عنكم.

جاء في حديث الإفك أنّ بعض المؤمنين أقسموا أن يقاطعوا أقرباءهم الذين ساهموا في بثّ تلك الشائعة الخبيثة وترويجها، وأن يمنعوا عنهم أي عون مالي، فنزلت الآية 22 من تلك السورة: ( ولا يأتل اُولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا اُولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا ويصفحوا ألا تحبّون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم).

وكما يظهر من المعنى اللغوي فإنّ لغفران الذنب مستويات ثلاثة هي (العفو)

[ 380 ]

 بمعنى صرف النظر عن العقوبة، و (الصفح) في مرتبة أعلى، ويراد به ترك أي توبيخ ولوم، و (الغفران) الذي يعني ستر الذنب وتناسبه، وبهذا فانّ الآية في نفس الوقت الذي تدعو الإنسان إلى الحزم وعدم التسليم في مقابل الزوجة والأولاد فيما لو دعوه إلى سلوك خاطيء تدعوه كذلك إلى بذل العفو والمحبّة في جميع المراحل وكلّ ذلك من أساليب التربية السليمة وتعميق جذور التديّن والإيمان في العائلة.

وتشير الآية اللاحقة إلى أصل كلّي آخر حول الأموال والأولاد، حيث تقول: ( إنّما أموالكم وأولادكم فتنة) فإذا تجاوزتم ذلك كلّه فإنّ ( الله عنده أجر عظيم).

وقد تقدّم في الآية السابقة الكلام عن عداء بعض الأزواج والأولاد الذين يدعون الإنسان إلى الإنحراف وسلوك طريق الشيطان والمعصية والكفر، وفي هذه الآية نجد الكلام عن أنّ جميع الأموال والأولاد عبارة عن «فتنة»، وفي الحقيقة فانّ الله يبتلي الإنسان دائماً من أجل تربيته، وهذين الأمرين (الأموال والأولاد) من أهمّ وسائل الإمتحان والإبتلاء، لأنّ جاذبية الأموال من جهة، وحبّ الأولاد من جهة اُخرى يدفعان الإنسان بشدّة إلى سلوك طريق معيّن قد لا يكون فيه رضا الله تعالى أحياناً، ويقع الإنسان في بعض الموارد في مضيقة شديدة، ولذلك ورد التعبير في الآية «إنّما» التي تدلّ على الحصر.

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في رواية عنه «لا يقولنّ أحدكم: اللهمّ إنّي أعوذ بك من الفتنة لأنّه ليس أحد إلاّ وهو مشتمل على فتنة، ولكن من استعاذ فليستعذ من مضلاّت الفتن فإنّ الله سبحانه يقول: ( واعلموا إنّما أموالكم وأولادكم فتنة)»(73).

يلاحظ نفس هذا المعنى مع تفاوت يسير في الآية 28 سورة الأنفال.

وعن كثير من المفسّرين والمؤرخّين (كان رسول الله يخطب فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل رسول الله إليهما فأخذهما فوضعهما في حجره على المنبر وقال: «صدق الله عزّوجلّ: ( إنّما أموالكم وأولادكم فتنة) نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتّى قطعت حديثي ورفعتهما. ثمّ أخذ في خطبته»(74).

إن قطع الرّسول لخطبته لا يعني أنّه غفل عن ذكر الله، أو عن أداء مسؤوليته التبليغية، وإنّما كان على علم بما لهذين الطفلين من مقام عظيم عند الله، ولذا بادر إلى قطع الخطبة ليبرز مدى حبّه وإحترامه لهما.

إنّ عمل الرّسول هذا كان تنبيهاً لكلّ المسلمين ليعرفوا شأن هذين الطفلين العظيمين ابني علي وفاطمة. فقد ورد في حديث نقلته المصادر المشهورة أنّ البراء بن عازب (صحابي معروف يقول: رأيت الحسن بن علي على عاتق النبي وهو يقول: «اللهمّ إنّي أحبّه فأحبّه»(75).

[ 381 ]

 

وفي رواية اُخرى أنّ الحسين (عليه السلام) كان يصعد على ظهر الرّسول وهو ساجد، دون أن يمنعه الرّسول(76)، كلّ ذلك لإظهار عظمة هذين الإمامين ومقامهما الرفيع.

وجاء في الآية اللاحقة: ( فاتّقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيراً لأنفسكم) لقد أمر الله تعالى أوّلا بإجتناب الذنوب، ثمّ بإطاعة الأوامر، وتعدّ الطاعة في قضيّة الإنفاق مقدّمة لتلك الطاعة، ثمّ يخبرهم أنّ خير ذلك يعود إليكم ولأنفسكم.

قال بعضهم: إن «خيراً» تعني (المال) وهو وسيلة لتحقيق بعض الطاعات، وما جاء في آية الوصية يعتبر تعزيزاً لهذا المعنى ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصيّة للوالدين والأقربين بالمعروف).(77)

وذهب البعض إلى أنّ كلمة (خيراً) جاءت بمعناها الواسع، ولم يعتبروها قيداً للإنفاق، بل هي متعلّقة بالآية ككل، فانّ ثمار الطاعة ـ كما يقولون ـ تعود لكم. وربّما يكون هذا التّفسير أقرب من غيره(78).

والأمر بالتقوى بقدر المستطاع لا يتنافى مع ما جاء في الآية (102) من سورة آل عمران حيث تقول: ( اتّقوا الله حقّ تقاته) بل هي مكمّلة لتلك ومن المسلّم أنّ أداء حقّ التقوى لا يكون إلاّ بالقدر الذي يستطيعه الإنسان، إذ يتعذّر التكليف بغير المقدور.

فلا مجال لإعتبار الآية ـ مورد البحث ـ ناسخة لتلك الآية في سورة آل عمران كما اعتقد البعض.

وللتأكيد على أهميّة الإنفاق ختمت الآية بـ ( ومن يوق شحّ نفسه فاُولئك هم المفلحون).

«شحّ» بمعنى «البخل المرادف للحرص»، ومن المعلوم أنّ هاتين الخصلتين السيّئتين من أكبر الموانع أمام فوز الإنسان، وتغلق عليه سبيل الإنفاق وتصدّه عن الخير، ومن يتخلّص من هاتين الخصلتين السيّئتين فلا شكّ أنّه سيضمن السعادة.

[ 382 ]

 

هذا وتوجد رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) تقول: «من أدّى الزكاة فقد وقى شحّ نفسه»(79). ويبدو أنّ ذلك أحد المصاديق الحيّة في مسألة الشحّ وليس كلّ (الشحّ).

وفي حديث آخر عن الصادق (عليه السلام) ـ أيضاً ـ : رأيت أبا عبدالله(عليه السلام) يطوف من أوّل الليل إلى الصباح وهو يقول: «اللهمّ قني شحّ نفسي» فقلت: جعلت فداك ما سمعتك تدعو، بغير هذا الدعاء قال: «وأي شيء أشدّ من شحّ النفس وأنّ الله يقول: ( ومن يوق شحّ نفسه فاُولئك هم المفلحون)»(80).

وللتشجيع على الإنفاق والتحذير من البخل، يقول تعالى: ( إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم).

وكم هو رائع هذا التعبير الذي تكرّر مرّات عديدة في القرآن الكريم فالله الخالق الواهب للنعم الذي له كلّ شيء، يستقرض منّا ثمّ يعدنا بأنّه سيعوّضنا أضعاف ذلك، إنّه لطف ما بعده لطف!

وغير بعيد أن يكون ذلك إشارة إلى أهميّة الإنفاق من جهة، وإلى اللطف اللامحدود لله تعالى الذي يغمر به عباده من جهة اُخرى.

«القرض» في الأصل بمعنى القطع، ولأنّها اقترنت بكلمة (حسن) فإنّها تعني فصل المال عن النفس وإنفاقه في الخير.

«يضاعفه» من مادّة «ضعف» (على وزن شعر) وكما قلنا سابقاً: إنّها تشتمل على عدّة أضعاف وليس ضعفاً واحداً، كما جاء في سورة البقرة آية 161.

وعبارة ( يغفر لكم) للإشارة إلى أنّ الإنفاق أحد عوامل غفران الذنوب.

«شكور» هو أحد صفات الله تعالى الذي يشكر عباده بمجازاتهم أفضل الجزاء وأجزل الجزاء. وكونه (حليم) أي يغفر الذنوب ولا يتعجّل العقوبة.

[ 383 ]

 

ويقول في آخر الآية: ( عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم) إنّه مطّلع على أعمال عباده ومنها النفقة والبذل في سبيل الله. وإنّه غير محتاج لكي يستقرض من عباده وإنّما هو إظهار لكمال لطفه ومحبّته لعباده.

وبناءً على ذلك فإنّ الصفات الخمس ـ المذكورة في هذه الآية والآية السابقة ـ لله تعالى، ترتبط كلّها بمسألة الإنفاق في سبيله والحثّ عليه، والإندكاك بالله تعالى الذي يؤدّي إلى الإقتناع عن إرتكاب الذنوب والإعتصام بالتقوى.

* * *

ملاحظة

حديث مهمّ:

جاء عن الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) «ما من مولود يولد إلاّ في شبابيك رأسه مكتوب خمس آيات من سورة التغابن»(81).

وقد يكون المقصود بهذه الآيات الخمس آخر سورة التغابن التي تتحدّث عن الأموال والأولاد. وكتابة هذه الآيات الخمس في شبابيك الرأس إشارة إلى حتميتها وكونها جزءاً من كيان الإنسان وفطرته التي فطره الله عليها.

لعلّ التعبير بـ (شبابيك) جمع «شبّاك» ـ على وزن خفّاش ـ بمعنى «المشتبك» إشارة إلى عظام الرأس التي تكون على شكل قطع متداخلة مع بعضها. أو لعلّه إشارة إلى شبكات المخّ.

على كلّ فإنّها إشارة إلى وجود هذه المعاني في مخّ النوع البشري.

اللهمّ، أعنّا على هذا الإمتحان الكبير، امتحان الأموال والأولاد والزوجات.

ربّنا، لا تبتلنا بالبخل والحرص وشحّ النفس، فإنّه من نجا من ذلك فقد فاز.

اللهمّ، جنّبنا الغبن يوم القيامة، يوم يظهر فيه غبن العاصين وتنكشف فيه معاصيهم وذنوبهم، واجعلنا في كنف لطفك ورحمتك.

آمين ياربّ العالمين.

نهاية سورة التغابن

* * *




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 11384545

  • التاريخ : 4/07/2022 - 12:40

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net