00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة الحشر من أول السورة ـ آخر السورة من ( ص 157 ـ 228 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء الثامن عشر   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

[ 157 ]

سُورَة الحشر

مدنيّة

وعَدَدُ آيَاتِها أربع وعشرون آية

[ 159 ]

 

«سورة الحشر»

محتوى السورة:

تأخذ هذه السورة بصورة متميّزة قصّة حرب المسلمين مع بعض اليهود (يهود بني النضير) والتي إنتهت بإخراجهم من المدينة وتطهير هذه المدينة المقدّسة منهم.

وهذه السورة من السور المهمّة والمثيرة والموقظة في القرآن الكريم، ولها إنسجام قريب جدّاً مع الآيات الأخيرة مع السورة السابقة، والتي وعدت «حزب الله» بالنصر. والنصر الوارد في هذه السورة يعدّ مصداقاً بارزاً لذلك النصر الموعود.

ويمكن تلخيص موضوعات هذه السورة في ستّة أقسام هي:

الأوّل: من هذه السورة ـ الذي هو آية واحدة فقط ـ يعتبر مقدّمة للأبحاث المختلفة التي وردت في هذه السورة، فتتحدّث الآية عن تسبيح الله الحكيم العليم من قبل الموجودات جميعاً.

الثّاني: الذي يبدأ من الآية الثانية إلى الآية العاشرة، والذي يشمل تسع آيات ـ فإنّه يوضّح قصّة إشتباك المسلمين مع ناقضي العهد من يهود المدينة.

الثّالث: والذي يتكوّن من الآية الحادية عشرة إلى الآية السابعة عشر ـ وفيه يستعرض القرآن قصّة منافقي المدينة مع اليهود والتعاون بينهما.

الرّابع: الذي يتجاوز بضع آيات ـ يشمل مجموعة من التوجيهات والنصائح العامّة لعموم المسلمين، وهي تمثّل إستنتاجاً للأحداث أعلاه.

[ 160 ]

الخامس: الذي يشمل آية واحدة فقط وهي الآية الحادية والعشرون ـ فهو عبارة عن وصف بليغ للقرآن الكريم وبيان أثره في تطهير الروح والنفس.

القسم الأخير ـ الذي هو آخر قسم من السورة، ويبدأ من الآية الثانية والعشرين إلى الآية الرابعة والعشرين ـ فيتناول قسماً مهمّاً من أوصاف جلال وجمال الذات الإلهية المقدّسة، وبعض أسمائه الحسنى، وهذه الصفات تكون عوناً للإنسان في طريق معرفة الله سبحانه.

وبالضمن فإنّ اسم هذه السورة مأخوذ من الآية الثانية فيها، والتي تتحدّث عن «الحشر»، والذي يعني هنا تجمّع اليهود للرحيل عن المدينة، أو حشر المسلمين اليهود لطردهم منها، ومن هنا يتّضح أنّ مقصود هذه الكلمة هنا لا يرتبط بيوم القيامة.

كما أطلق البعض على هذه السورة اسم (سورة بني النضير) لأنّ قسماً كبيراً من آياتها تتحدّث عنهم.

وأخيراً فإنّ هذه السور هي إحدى (سور المسبّحات) والتي بدأت بتسبيح الله، وإنتهت بتسبيح الله أيضاً.

فضيلة تلاوة هذه السورة:

ذكرت لهذه السورة فضائل عديدة منها:

ورد في الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «من قرأ سورة الحشر لم يبق جنّة ولا نار، ولا عرش ولا كرسي ولا حجاب، ولا السماوات السبع ولا الأرضون السبع، والهوام والرياح والطير والشجر والدواب، والشمس والقمر والملائكة، إلاّ صلّوا عليه، واستغفروا له، وإن مات من يومه أو ليلته مات شهيداً»(1).

______________________________

1 ـ مجمع البيان، ج9، ص255، 256، ونقل القرطبي هذا الحديث أيضاً في بداية هذه السورة.

[ 161 ]

كما نقرأ في حديث آخر عن الإمام الصادق (عليه السلام): «من قرأ إذا أمسى الرحمن والحشر، وكّل الله بداره ملكاً شاهراً سيفه حتّى يصبح»(1).

وممّا لا شكّ فيه أنّ هذا من آثار التفكّر والتدبّر في محتوى هذه السورة وعند قراءتها.

* * *

______________________________

1 ـ المصدر السابق.

[ 162 ]

الآيات

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَـوَتِ وَمَا فِى الاَْرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(1) هُوَ الَّذِى أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَـبِ مِن دِيَـرِهِمْ لاَِوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللهِ فَأتَـهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَـأُوْلِى الاَْبْصَـرِ (2) وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِى الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى الاَْخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ(3) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (4) مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَة أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِىَ الْفَـسِقِينَ (5)

 ]  163 ]

سبب النّزول

ذكر المفسّرون والمحدّثون والمؤرّخون بصورة مفصّلة سبب نزول هذه الآيات، وخلاصة ما ذكروه هي ما يلي:

كان في المدينة ثلاث قبائل من اليهود وهم: «بنو النضير»، و «بنو قريظة»، و «بنو قينقاع»، ويذكر أنّهم لم يكونوا من أهل الحجاز أصلا، وإنّما قدموا إليها واستقرّوا فيها، وذلك لما قرأوه في كتبهم العقائدية من قرب ظهور نبي في أرض المدينة، حيث كانوا بإنتظار هذا الظهور العظيم.

وعندما هاجر الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة عقد معهم حلفاً بعدم تعرّض كلّ منهما للآخر، إلاّ أنّهم كلّما وجدوا فرصة مناسبة لم يألوا جهداً في نقض العهد.

ومن جملة ذلك أنّهم نقضوا العهد بعد غزوة اُحد، التي وقعت في السنة الثالثة للهجرة.

فقد ذهب «كعب بن الأشرف» زعيم قبيلة «بني النضير» مع أربعين فارساً إلى مكّة، وهنالك عقد مع قريش حلفاً لقتال محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وجاء أبو سفيان مع أربعين شخصاً، وكعب بن الأشرف مع أربعين نفراً من اليهود، ودخلا معاً إلى المسجد الحرام ووثقوا العهد في حرم الكعبة، فعلم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك عن طريق الوحي.

والمؤامرة الاُخرى هي أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل يوماً مع شيوخ الصحابة وكبارهم إلى حي بني النضير، وذلك بحجّة إستقراض مبلغ من المال منهم كديّة لقتيلين من طائفة بني عامر، قتلهما (عمرو بن اُميّة) أحد المسلمين، وربّما كان الهدف من ذلك هو معرفة أخبار اليهود عن قرب حتّى لا يباغت المسلمون بذلك.

فبينما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يتحدّث مع كعب بن الأشرف إذ حيكت مؤامرة يهودية لإغتيال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتنادى القوم: إنّكم لا تحصلون على هذا الرجل بمثل هذه الحالة وهاهو قد جلس بالقرب من حائطكم، فليذهب أحدكم إلى السطح ويرميه بحجر عظيم ويريحنا منه، فقام «عمرو بن جحاش» وأبدى

[ 164 ]

إستعداده لتنفيذ الأمر، وذهب إلى السطح لتنفيذ عمله الإجرامي، إلاّ أنّ  رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) علم عن طريق الوحي بذلك، فقفل راجعاً إلى المدينة دون أن يتحدّث بحديث مع أصحابه، إلاّ أنّ الصحابة تصوّروا أنّ الرّسول سيعود مرّة اُخرى، ولمّا عرفوا فيما بعد أنّ الرّسول في المدينة عاد الصحابة إليها أيضاً.

وهنا أصبح من المسلّم لدى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نقض اليهود للعهد، فأعطى أمراً للإستعداد والتهيّؤ لقتالهم.

وجاء في بعض الروايات أيضاً أنّ أحد شعراء بنو النضير هجا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بشعر يتضمّن مسّاً بكرامة الرّسول وهذا دليل آخر لنقضهم العهد.

وبدأت خطّة المسلمين في مواجهة اليهود وكانت الخطوة الاُولى أن أمر رسول الله (محمّد بن سلمة) أن يقتل كعب بن الأشرف زعيم اليهود، إذ كانت له به معرفة، وقد نفّذ هذا العمل بعد مقدّمات وقتله.

إنّ قتل كعب بن الأشرف أوجد هزّة وتخلخلا في صفوف اليهود، عند ذلك أعطى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمراً للمسلمين أن يتحرّكوا لقتال هذه الفئة الباغية الناقضة للعهد.

وعندما علم اليهود بهذا لجأوا إلى قلاعهم المحكمة وحصونهم القويّة، وأحكموا الأبواب، إلاّ أنّ الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر أن تقلع أشجار النخيل القريبة من القلاع.

لقد أُنجز هذا العمل لأسباب عدّة: منها أنّ حبّ اليهود لأموالهم قد يخرجهم من قلاعهم بعد رؤية تلف ممتلكاتهم، وبالتالي يكون إشتباك المسلمين معهم مباشرةً، كما يوجد إحتمال آخر، وهو أنّ هذه الأشجار كانت تضايق المسلمين في مناوراتهم مع اليهود قرب قلاعهم وكان لابدّ من أن تقلع.

وعلى كلّ حال، فقد إرتفع صوت اليهود عندما شعروا بالضيق، وهم محاصرون في حصونهم .. فقالوا: يامحمّد، لقد كنت تنهى عن هذا، فما الذي حدا

[ 165 ]

بك لتأمر قومك بقطع نخيلنا؟

فنزلت الآية (5) من الآيات محلّ البحث وبيّنت بأنّ هذا العمل هو أمر من الله عزّوجلّ.

واستمرّت المحاصرة لعدّة أيّام، ومنعاً لسفك الدماء إقترح رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عليهم أن يتركوا ديارهم وأراضيهم ويرحلوا من المدينة، فوافقوا على هذا وحملوا مقداراً من أموالهم تاركين القسم الآخر .. واستقرّ قسم منهم في «أذرعات الشام»، وقليل منهم في «خيبر»، وجماعة ثالثة في «الحيرة»، وتركوا بقيّة أموالهم وأراضيهم وبساتينهم وبيوتهم بيد المسلمين بعد أن قاموا بتخريب ما يمكن لدى خروجهم منها.

وقد حدثت هذه الحادثة بعد غزوة (اُحد) بستّة أشهر، إلاّ أنّ آخرين قالوا: إنّها وقعت بعد غزوة بدر بستّة أشهر(1).

* * *

التّفسير

نهاية مؤامرة يهود بني النضير:

بدأت هذه السورة بتنزيه وتسبيح الله وبيان عزّته وحكمته، يقول سبحانه: ( سبّح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم).

وهذه في الحقيقة مقدّمة لبيان قصّة يهود بني النضير، اُولئك الذين إنحرفوا عن طريق التوحيد ومعرفة الله وصفاته، وبالإضافة إلى كونهم مغرورين بإمكاناتهم وقدرتهم وعزّتهم ويتآمرون على الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

التسبيح العامّ الوارد في الآية لجميع موجودات الأرض والسماء، أعمّ من

______________________________

1 ـ مجمع البيان وتفسير علي بن إبراهيم وتفسير القرطبي ونور الثقلين (نهاية الآيات مورد البحث) مقتبس بإختصار.

[ 166 ]

الملائكة والبشر والحيوانات والنباتات والجمادات يمكن أن يكون بلسان «القال» ويمكن أن يكون بلسان «حال» هذه المخلوقات حول دقّة النظام المثير للعجب لها في خلق كلّ ذرّة من ذرّات هذا الوجود، وهو التسليم المطلق لله سبحانه والإعتراف بعلمه وقدرته وعظمته وحكمته.

ومن جهة اُخرى فإنّ قسماً من العلماء يعتقدون أنّ كلّ موجود في العالم له نصيب وقدر من العقل والإدراك والشعور، بالرغم من أنّنا لم ندركه ولم نطّلع عليه، وبهذا الدليل فإنّ هذه المخلوقات تسبّح بلسانها، بالرغم من أنّ آذاننا ليس لها القدرة على سماعها، والعالم بأجمعه منشغل بحمد الله وتسبيحه وإن كنّا غير مطّلعين على ذلك.

الأولياء الذين فتحت لهم عين الغيب يتبادلون أسرار الوجود مع كلّ موجودات العالم، ويسمعون نطق الماء والطين بصورة واضحة، إذ أنّ هذا النطق محسوس من قبل أهل المعرفة. (وهنالك شرح أكثر حول هذا الموضوع في تفسير الآية 44 من سورة الإسراء).

وبعد بيان المقدّمة أعلاه نستعرض أبعاد قصّة يهود بني النضير في المدينة حيث يقول سبحانه: ( هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأوّل الحشر).

«حشر» في الأصل تحريك جماعة وإخراجها من مقرّها إلى ميدان حرب وما إلى ذلك، والمقصود منه هنا إجتماع وحركة المسلمين من المدينة إلى قلاع اليهود، أو إجتماع اليهود لمحاربة المسلمين، ولأنّ هذا أوّل إجتماع من نوعه فقد سمّي في القرآن الكريم بأوّل الحشر، وهذه بحدّ ذاتها إشارة لطيفة إلى بداية المواجهة المقبلة مع يهود بني النضير ويهود خيبر وأمثالهم.

والعجيب أنّ جمعاً من المفسّرين ذكروا إحتمالات للآية لا تتناسب أبداً مع محتواها، ومن جملتها أنّ المقصود بالحشر الأوّل ما يقع مقابل حشر يوم القيامة،

[ 167 ]

وهو القيام من القبور إلى الحشر، والأعجب من ذلك أنّ البعض أخذ هذه الآية دليلا على أنّ حشر يوم القيامة يقع في أرض الشام التي اُبعد اليهود إليها، وهذه الإحتمالات الضعيفة ربّما كان منشؤها من وجود كلمة «الحشر»، في حين أنّ هذه الكلمة لم تكن تستعمل هذا بمعنى الحشر في القيامة، بل تطلق على كلّ إجتماع وخروج إلى ميدان ما، قال تعالى: ( وحشر لسليمان جنود من الجنّ والإنس والطير)(1).

وكذلك ما ورد في الإجتماع العظيم لمشاهدة المحاججة التي خاضها موسى(عليه السلام) مع سحرة فرعون حيث يقول سبحانه: ( وأن يحشر الناس ضحى)(2).

ويضيف الباريء عزّوجلّ: ( ما ظننتم أن يخرجوا وظنّوا أنّهم مانعتهم حصونهم من الله) لقد كانوا مغرورين وراضين عن أنفسهم إلى حدّ أنّهم اعتمدوا على حصونهم المنيعة، وقدرتهم الماديّة الظاهرية. إنّ التعبير الذي ورد في الآية يوضّح لنا أنّ يهود بني النضير كانوا يتمتّعون بإمكانات واسعة وتجهيزات وعدد كثيرة في المدينة، بحيث أنّهم لم يصدّقوا أنّهم سيغلبون بهذه السهولة، وذلك ظنّ الآخرين أيضاً.

ولأنّ الله سبحانه يريد أن يوضّح للجميع أن لا قوّة في الوجود تقاوم إرادته، فإنّ إخراج اليهود من أراضيهم وديارهم بدون حرب، هو دليل على قدرته سبحانه، وتحدّ لليهود الذين ظنّوا أنّ حصونهم مانعتهم من الله.

ولذلك يضيف ـ إستمراراً للبحث الذي ورد في الآية ـ قوله تعالى: ( فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخرّبون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين) نعم، إنّ هذا الجيش غير المرئي هو جيش الخوف الذي يرسله الله تعالى في كثير من الحروب لمساعدة المؤمنين، وقد خيّم على قلوبهم، وسلب منهم قدرة

______________________________

1 ـ النمل، الآية 17.

2 ـ سورة طه، الآية 59.

[ 168 ]

الحركة والمقاومة، لقد جهّزوا وهيّأوا أنفسهم لقتال المهاجرين والأنصار غافلين عن إرادة الله تعالى، حيث يرسل لهم جيشاً من داخلهم ويجعلهم في مأزق حرج إلى حدّ ينهمكون فيه على تخريب بيوتهم بأيديهم وأيدي أعدائهم من المسلمين.

صحيح أنّ مقتل زعيمهم «كعب بن الأشرف» ـ قبل الهجوم على قلاعهم وحصونهم ـ كان سبباً في إرباكهم وإضطراب صفوفهم، إلاّ أنّ من الطبيعي أنّ مقصود الآية غير ما تصوّره بعض المفسّرين، فإنّ ما حدث كان نوعاً من الإمداد الإلهي للمسلمين الذين حصل لهم مرّات عديدة حين جهادهم ضدّ الكفّار والمشركين.

والطريف هنا أنّ المسلمين كانوا يخرّبون الحصون من الخارج ليدخلوا إلى عمق قلاعهم، واليهود كانوا يخرّبونها من الداخل حتّى لا يقع شيء مفيد منها بأيدي المسلمين، ونتيجة لهذا فقد عمّ الخراب التامّ جميع قلاعهم وحصونهم.

وذكرت لهذه الآية تفاسير اُخرى أيضاً منها: أنّ اليهود كانوا يخربونها من الداخل لينهزموا، أمّا المسلمون فتخريبهم لها من الخارج ليظفروا باليهود ويجهّزوا عليهم (إلاّ أنّ هذا الإحتمال مستبعد).

أو يقال إنّ لهذه الآية معنىً كنائي، وذلك كقولنا: إنّ الشخص الفلاني هدم بيته وحياته بيده، يعني أنّه بسبب جهله وتعنّته دمّر حياته.

أو أنّ المقصود من تخريب اليهود لبعض البيوت، هو من أجل إغلاق الأزقّة الموجودة داخل القلاع ومنع المسلمين من التقدّم ولكي لا يستطيعوا السكن فيها.

أو أنّهم هدموا قسماً من البيوت داخل القلعة حتّى إذا ما تحوّلت الحرب إلى داخلها يكون هنالك مكان كاف للمناورة والحرب.

أو أنّ مواد بناء بعض البيوت كان ثميناً فخرّبوها لكي يحملوا ما هو مناسب منها، إلاّ أنّ التّفسير الأوّل أنسب من الجميع.

وفي نهاية الآية ـ بعنوان إستنتاج كلّي ـ يقول تعالى: ( فاعتبروا يا اُولي

[ 169 ]

الأبصار).

«اعتبروا» من مادّة (إعتبار) وفي الأصل مأخوذة من العبور، أي العبور من شيء إلى شيء آخر، ويقال لدمع العين «عبرة» بسبب عبور قطرات الدموع من العين، وكذلك يقال (عبارة) لهذا السبب، حيث أنّها تنقل المطالب والمفاهيم من شخص إلى آخر، وإطلاق «تعبير المنام» على تفسير محتواه، بسبب أنّه ينقل الإنسان من ظاهره إلى باطنه.

وبهذه المناسبة يقال للحوادث التي فيها دروس وعظات (عبر) لأنّها توضّح للإنسان سلسلة من التعاليم الكلية وتنقله من موضوع إلى آخر.

والتعبير بـ «اُولي الأبصار» إشارة إلى الأشخاص الذين يتعاملون مع الحوادث بعين واقعية ويتوغلون إلى أعماقها.

كلمة (بصر) تقال دائماً للعين الباصرة، و «البصيرة» تقال للإدراك والوعي الداخلي(1).

وفي الحقيقة أنّ «اُولي الأبصار» هم أشخاص لهم القابلية على الإستفادة من (العبر)، لذلك فإنّ القرآن الكريم يلفت نظرتهم للإستفادة من هذه الحادثة والإتّعاظ بها.

وممّا لا شكّ فيه أنّ المقصود من الإعتبار هو مقايسة الحوادث المتشابهة من خلال إعمال العقل، كمقارنة حال الكفّار مع حال ناقضي العهد من يهود بني النضير، إلاّ أنّ هذه الجملة لا ترتبط أبداً بـ «القياسات الظنّية» التي يستفيد منها البعض في إستنباط الأحكام الدينيّة.

والعجيب هنا أنّ بعض فقهاء أهل السنّة إستفادوا من الآية أعلاه لإثبات هذا المقصود، بالرغم من أنّ البعض الآخر لم يرتضوا ذلك.

______________________________

1 ـ المفردات للراغب.

[ 170 ]

والخلاصة أنّ المقصود من العبرة والإعتبار في الآية أعلاه هو الإنتقال المنطقي والقطعي من موضوع إلى آخر، وليس العمل على أساس التصوّر والخيال.

وعلى كلّ حال فإنّ مصير طائفة «بني النضير» بتلك القدرة والعظمة والشوكة، وبتلك الصورة من الإستحكامات القويّة، صار موضع (عبرة) حيث أنّهم إستسلموا لجماعة من المسلمين لا تقارن قوّاتها بقوّاتهم، وبدون مواجهة مسلّحة، بحيث كانوا يخرّبون بيوتهم بأيديهم وتركوا بقيّة أموالهم للمسلمين المحتاجين، وتفرّقوا في بقاع عديدة من العالم، في حين أنّ اليهود سكنوا في المدينة من أجل أن يدركوا النبي الموعود الذي ورد في كتبهم، ويكونوا في الصفّ الأوّل من أعوانه كما ذكر المؤرّخون ذلك.

وبهذا الصدد نقرأ حديثاً ورد عن الإمام الصادق حيث يقول: «كان أكثر عبادة أبي ذرّ رحمه الله التفكّر والإعتبار»(1).

ومع الأسف فإنّ كثير من الناس يفضّلون تجربة الشدائد والمحن والمصائب بأنفسهم ويذوقوا مرارة الخسائر شخصيّاً، ولا يعتبرون ولا يتّعظون بوضع الآخرين وما يواجهونه في أمثال هذه الموارد، ويقول الإمام علي (عليه السلام) «السعيد من وعظ بغيره»(2).

وتضيف الآية اللاحقة ( ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذّبهم في الدنيا).

وبدون شكّ فإنّ الجلاء عن الوطن وترك قسم كبير من رؤوس الأموال التي جهدوا جهداً بليغاً في الحصول عليها، هو بحدّ ذاته أمر مؤلم لهم، وبناءً على هذا فإنّ مراد الآية أعلاه أنّه لو لم يحلّ بهم هذا العذاب، فإنّ بإنتظارهم عذاباً آخر هو القتل أو الأسر بيد المسلمين ... إلاّ أنّ الله سبحانه أراد لهم التيه في الأرض

______________________________

1 ـ كتاب الخصال مطابق لنقل نور الثقلين، ج5 ص274.

2 ـ نهج البلاغة، خطبة 86.

[ 171 ]

والتشرّد في العالم، لأنّ هذا أشدّ ألماً وأسىً على نفوسهم، إذ كلّما تذكّروا أرضهم وديارهم ومزارعهم وبساتينهم التي أصبحت بيد المسلمين. وكيف أنّهم شردوا منها بسبب نقضهم العهد ومؤامراتهم ضدّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّ ألمهم وحزنهم ومتاعبهم تضاعف وخاصّة على المستوى النفسي.

نعم، إنّ الله أراد لهذه الطائفة المغرورة والخائنة، أن تبتلى بمثل هذا المصير البائس.

وكان هذا عذاباً دنيوياً لهم، إلاّ أنّ لهم جولة اُخرى مع عذاب أشدّ وأخزى، ذلك هو عذاب الآخرة، حيث يضيف سبحانه في نهاية الآية ( ولهم في الآخرة عذاب النار).

هذه عاقبتهم في الدنيا والآخرة، وهي درس بليغ لكلّ من أعرض عن الحقّ والعدل وركب هواه، وغرّته الدنيا وأعماه حبّ ذاته.

وبما أنّ ذكر هذه الحادثة مضافاً إلى تجسيد قدرة الله وصدق الدعوة المحمّدية، فهي في نفس الوقت تمثّل إنذاراً وتنبيهاً لكلّ من يروم القيام بأعمال مماثلة لفعل بني النضير، لذا ففي الآية اللاحقة يرشدنا سبحانه إلى هذا المعنى: ( ذلك بأنّهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقّ الله فإنّ الله شديد العقاب)(1).

«شاقّوا» من مادّة (شقاق) وهي في الأصل بمعنى الشقّ والفصل بين شيئين، وبما أنّ العدو يكون دائماً في الطرف المقابل، فإنّ كلمة (شقاق) تطلق على هذا العمل.

وجاء مضمون هذه الآية بإختلاف جزئي جدّاً في سورة الأنفال الآية 13، وذلك بعد غزوة بدر وإنكسار شوكة المشركين، والتي تبيّن عمومية محتواها من كلّ جهة، في قوله تعالى: ( ذلك بأنّهم شاقوا الله ورسوله، ومن يشاقق الله ورسوله

______________________________

1 ـ «من» شرطية وجزاؤها محذوف وتقديره: ومن يشاقّ الله يعاقبه فإنّ الله شديد العقاب.

[ 172 ]

فإنّ الله شديد العقاب).

والشيء الجدير بالملاحظة أنّ بداية الآية الكريمة طرحت مسألة العداء لله ورسوله، إلاّ أنّ الحديث في ذيل الآية إقتصر عن العداء لله سبحانه فقط، وهو إشارة إلى أنّ العداء لرسول الله هو عداء لله أيضاً.

والتعبير بـ ( شديد العقاب) لا يتنافى مع كون الله «أرحم الراحمين» لأنّه في موضع العفو والرحمة فالله أرحم الراحمين، وفي موضع العقاب والعذاب فإنّ الله هو أشدّ المعاقبين، كما جاء ذلك في الدعاء: «وأيقنت أنّك أرحم الراحمين في موضع العفو والرحمة، وأشدّ المعاقبين في موضع النكال والنقمة»(1).

وفي الآية الأخيرة من الآيات مورد البحث نلاحظ جواباً على إعتراض يهود بني النضير على قطع المسلمين لنخيلهم ـ كما ورد في شأن النزول ـ بأمر من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لتهيئة ظروف أفضل لقتال بني النضير أو لزيادة حزنهم وألمهم، فيضطرّوا للنزول من قلاعهم ومنازلة المسلمين خارج القلعة .. وقد أثار هذا العمل غضب اليهود وحنقهم، فقالوا: يامحمّد، ألم تكن الناهي عن مثل هذه الأعمال؟ فنزلت الآية الكريمة مبيّنة لهم أنّ ذلك من أمر الله سبحانه حيث يقول الباريء: ( وما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على اُصولها فبإذن الله(2) وليخري الفاسقين).

«لينة» من مادّة (لون) تقال لنوع جيّد من النخل، وقال آخرون: إنّها من مادّة (لين) بمعنى الليونة التي تطلق على نوع من النخل، والتي لها أغصان ليّنة قريبة من الأرض وثمارها ليّنة ولذيذة.

وتفسّر (ليّنة) أحياناً بألوان وأنواع مختلفة من شجر النخيل، أو النخل الكريم، والتي جميعها ترجع إلى شيء واحد تقريباً.

______________________________

1 ـ دعاء الإفتتاح (من أدعية شهر رمضان المبارك).

2 ـ «ما» في الآية أعلاه شرطية وجزاؤها (فبإذن الله).

[ 173 ]

وعلى كلّ حال فإنّ قسماً من المسلمين أقدموا على قطع بعض نخيل بني النضير، في الوقت الذي خالف البعض الآخر ذلك، وهنا نزلت الآية أعلاه وفصلت نزاعهم في هذا الموضوع(1).

وقال البعض الآخر: إنّ الآية دالّة على عمل شخصين من الصحابة، وقد كان أحدهم يقوم بقطع الجيّد من شجر النخل ليغضب اليهود ويخرجهم من قلاعهم، والآخر يقوم بقطع الرديء من الأشجار كي يبقي ما هو جيّد ومفيد، وحصل خلاف بينهم في ذلك، فنزلت الآية حيث أخبرت أنّ عملهما بإذن الله(2).

ولكن ظاهر الآية يدلّ على أنّ المسلمين قطعوا بعض نخل (اللينة) وهي نوع جيّد من النخل، وتركوا قسماً آخر، ممّا أثار هذا العمل اليهود، فأجابهم القرآن الكريم بأنّ هذا العمل لم يكن عن هوى نفس، بل عن أمر إلهي صدر في هذا المجال، وفي دائرة محدودة لكي لا تكون الخسائر فادحة.

وعلى كلّ حال فإنّ هذا العمل كان إستثناء من الأحكام الإسلامية الأوّلية التي تنهي عن قطع الأشجار وقتل الحيوانات وتدمير وحرق المزارع .. والعمل أعلاه كان مرتبطاً بمورد معيّن حيث اُريد إخراج العدو من القلعة وجرّه إلى موقع أنسب للقتال وما إلى ذلك ـ وعادةً توجد إستثناءات جزئيّة في كلّ قانون، كما في جواز أكل لحم الميّت عند الضرورة القصوى والإجبار.

جملة ( وليخزي الفاسقين) ترينا على الأقل أنّ أحد أهداف هذا العمل هو خزي ناقضي العهد هؤلاء، وكسر لشوكتهم وتمزيق لروحيّتهم.

* * *

______________________________

1 ـ تفسير أبو الفتوح الرازي، ج11، ص93، وجاء هذا المعنى في الدرّ المنثور، ج9، ص188.

2 ـ تفسير الفخر الرازي، ج29، ص283.

[ 174 ]

ملاحظات

1 ـ الجيوش الإلهيّة اللا مرئية:

في الوقت الذي تعتبر القوى الماديّة أكبر سلاح لتحقيق الإنتصار من وجهة نظر الماديين، فإنّ إعتماد المؤمنين يتمركز حول محورين (القيم المعنوية والإمكانات المادية) والذي قرأنا نموذجاً منه في قصّة إندحار بني النضير كما بيّنت ذلك الآيات السابقة.

ونقرأ في هذه الآية أحد العوامل المؤثّرة في هذا الإنتصار حيث ألقى الله سبحانه الرعب في قلوب اليهود، بحيث أخذوا يخرّبون بيوتهم بأيديهم، وتخلّوا عن ديارهم وأموالهم مقابل السماح لهم بالخروج من المدينة.

وقد ورد هذا المعنى بصورة متكرّرة في القرآن الكريم، منها ما ورد في قصّة اُخرى حول قسم آخر من اليهود وهم (بنو قريظة). حيث اشتبكوا إشتباكاً شديداً مع المسلمين بعد غزوة الأحزاب، وفي هذا المعنى يقول سبحانه: ( وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقاً تقتلون وتأسرون فريقاً).

وجاء هذا المعنى في غزوة بدر حيث يقول تعالى: ( سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب).

وبعض هذا الخوف الذي هو عبارة عن جيش إلهي غير مرئي يكاد يكون أمراً طبيعيّاً، ولكن بعضه يمثّل سرّاً من الأسرار غير الواضحة لنا، أمّا الطبيعي منه فانّ المؤمنين يرون أنفسهم منتصرين سواء قتل أو تغلّب على العدوّ. والشخص الذي يؤمن بهذا الإعتقاد لا يجد الخوف طريقاً إليه، ومثل هذا الإنسان سيكون اُعجوبة في صموده وثباته كما يكون ـ أيضاً ـ مصدر خوف وقلق لأعدائه، والذي نلاحظه في عالم اليوم أنّ بلداناً عديدة تملك قدرات هائلة من الإمكانات العسكرية المتطورة والمادية الكبيرة، تخشى من ثلّة من المؤمنين الصادقين

[ 175 ]

الذائدين عن الحقّ، ويحاولون دائماً تحاشي مواجهتهم.

وفي حديث حول هذا المعنى يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «نصرت بالرعب مسيرة شهر»(1).

يعني أنّ الرعب لم يصب الأعداء في خطّ المواجهة فحسب، بل أصاب من كان من الأعداء على مسافة شهر واحد من جيش الإسلام.

وحول جيوش الإمام المهدي (عليه السلام) نقرأ أنّ ثلاثة جيوش تحت أمره وهم: (الملائكة، و المؤمنون، و الرعب)(2).

وفي الحقيقة، إنّ الأعداء يبدلّون كافّة إمكاناتهم لتجنّب الضربة من الخارج، إلاّ أنّهم غفلوا عن أنّ الله سبحانه يهزمهم داخليّاً، حيث أنّ الضربة الداخلية أوجع للنفس، ولا يمكن تداركها بسهولة، حتّى لو وضعت تحت تصرّفهم كلّ الأسلحة والجيوش، فإنّها غير قادرة على أن تحقّق النصر مع فقدان المعنوية العالية والروحية المؤهّلة لخوض القتال، وبالتالي فإنّ الفشل والخسران أمر متوقّع جدّاً لأمثال هؤلاء.

2 ـ مؤامرات اليهود المعاصرة

إنّ التاريخ الإسلامي إقترن منذ البداية بمؤامرات اليهود، ففي كثير من الحوادث الأليمة والفجائع الدامية ترى أصابعهم مشهودة بشكل مباشر أو غير مباشر. والعجيب أنّ هؤلاء نزحوا إلى ديار الحجاز طمعاً في أن يكونوا في الصفّ الأوّل من أصحاب النبي الموعود إلاّ أنّهم بعد ظهوره أصبحوا من ألدّ أعدائه.

وعندما نستقرىء حالتهم المعاصرة فإنّنا نلاحظ أيضاً أنّهم متورّطون في أغلب المؤامرات المدبّرة ضدّ الإسلام، ويتجسّد موقفهم هذا في داخل الأحداث

______________________________

1 ـ مجمع البيان، ج2، ص519، (نهاية الآية 151/ آل عمران).

2 ـ إثبات الهداة، ج7، ص124.

[ 176 ]

تارةً ومن خارجها اُخرى، وفي الحقيقة فإنّ هذا هو موضع تأمّل وإعتبار لمن كان له قلب وبصيرة.

والطريق الوحيد لكسر شوكتهم كما يؤكّده تاريخ صدر الإسلام، هو التعامل الحدّي والجدّي معهم، خصوصاً مع الصهاينة الذين لا يتعاملون بمبادىء العدل والحقّ أبداً، بل منطقهم القوّة، وبغيرها لا يمكن التفاهم معهم، ومع هذا فإنّ خوفهم الحقيقي هو من المؤمنين الصادقين.

وإذا كان المسلمون المعاصرون مسلّحين بالإيمان والإستقامة المبدئية ـ كأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ فإنّ الرعب سيستحوذ على قلوب اليهود ونفوسهم، وبالإمكان عندئذ إخراجهم من الأرض الإسلامية التي إغتصبوها بهذا الجيش الإلهي.

وهذا درس علّمنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إيّاه قبل أربعة عشر قرناً.

* * *

[ 177 ]

الآيتان

وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْل  وَلاَ رِكَاب وَلَـكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ (6) مَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَـمَى وَالْمَسَـكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَىْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الاَْغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا ءَاتَـكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)

سبب النّزول

بما أنّ هذه الآيات تكملة للآيات القرآنية السابقة التي تتحدّث عن إندحار يهود بني النضير، لذا فإنّ سبب نزولها هو إستمرار لنفس أسباب نزول الآيات السابقة. والتوضيح كما يلي:

بعد خروج يهود بني النضير من المدينة بقيت بساتينهم وأراضيهم وبيوتهم

[ 178 ]

وقسم من أموالهم في المدينة، فأشار بعض شيوخ المسلمين على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)تماشياً مع سنّة جاهلية ـ حيث قالوا له خذ الصفوة من أموالهم وربع ممتلكاتهم، واترك لنا المتبّقي كي نقسّمه بيننا، فنزلت الآيات أعلاه حيث أعلنت صراحة أنّ هذه الغنائم التي لم تكن بسبب قتال، ولم تكن نتيجة حرب، فإنّها جميعاً من مختصات الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بإعتباره رئيساً للدولة الإسلامية، ويتصرّف بها كما يشاء، وفقاً لما يقدره من المصلحة في ذلك.

وسنلاحظ أنّ الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قسّم هذه الأموال بين المهاجرين الفقراء في المدينة، وعلى قسم من الأنصار من ذوي الفاقة(1).

التّفسير

حكم الغنائم بغير الحرب:

إنّ هذه الآيات ـ كما ذكر سابقاً ـ تبيّن حكم غنائم بني النضير، كما أنّها في نفس الوقت توضّح حكماً عاماً حول الغنائم التي يحصل عليها المسلمون بدون حرب، كما ذكر ذلك في كتب الفقه الإسلامي بعنوان (الفيء).

يقول الله تعالى: ( وما أفاء الله على رسوله منهم فما اُوجفتم عليه من خيل ولا ركاب)(2).

«أفاء» من مادّة (فيء) على وزن شيء ـ وهي في الأصل بمعنى الرجوع، وإطلاق كلمة (فيء) على هذا اللون من الغنائم لعلّه بإعتبار أنّ الله سبحانه قد خلق هذه النعم والهبات العظيمة في عالم الوجود في الأصل للمؤمنين، وعلى رأسهم

______________________________

1 ـ مجمع البيان نهاية الآيات مورد البحث وتفاسير اُخرى.

2 ـ «ما» في (ما أفاء الله ورسوله) موصولة في محلّ رفع مبتدأ وما في (ما أوجفتم عليه) نافية، ومجموع هذه الجملة خبر، وهنالك إحتمال ثان: وهو أنّ (ما) في (ما أفاء) شرطية، (وما) الثانية مع جملتها تكون جواباً للشرط ومجيء (الفاء) في صدر جملة الخبر حينما تكون فيها شبيهة بالشرط، فلا إشكال فيه.

[ 179 ]

الرّسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي هو أشرف الكائنات، وبناءً على هذا فإنّ الجاحدين لوجود الله والعاصين له بالرغم من إمتلاكهم للبعض من هذه النعم بموجب القواعد الشرعية والعرفية، إلاّ أنّهم يعتبرون غاصبين لها، ولذلك فإنّ عودة هذه الأموال إلى أصحابها الحقيقيين (وهم المؤمنون) يسمّى (فيئاً) في الحقيقة.

«أوجفتم» من مادّة (إيجاف) بمعنى السَّوق السريع الذي يحدث غالباً في الحروب.

«خيل» بمعناه المتعارف عليه (وهي اسم جنس وجمعها خيول)(1).

«ركاب» من مادّة (ركوب) وتطلق في الغالب على ركوب الجمال.

والهدف من مجموع الجملة أنّ جميع الموارد التي لم يحدث فيها قتال وفيها غنائم، فإنّها لا توزّع بين المقاتلين، وتوضع بصورة تامّة تحت تصرّف رئيس الدولة الإسلامية وهو يصرفها في الموارد التي سيأتي الحديث عنها لاحقاً.

ثمّ يضيف سبحانه أنّ الإنتصارات لا تكون غالباً لكم ( ولكن الله يسلّط رسله على من يشاء والله على كلّ شيء قدير).

نعم، لقد تحقّق الإنتصار على عدو قوي وشديد كيهود (بني النضير) وذلك بالمدد الإلهي الغيبي، ولتعلموا أنّ الله قادر على كلّ شيء، ويستطيع سبحانه بلحظة واحدة أن يذلّ الأقوياء، ويسلّط عليهم فئة قليلة توجّه لهم ضربات موجعة وتسلب جميع إمكاناتهم.

ولابدّ للمسلمين أن يتعلّموا من ذلك دروس المعرفة الإلهية، ويلاحظوا علائم حقّانية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويلتزموا منهج الإخلاص والتوكّل على الذات الإلهية المقدّسة

______________________________

1 ـ يقول الراغب في المفردات: إنّ الخيل في الأصل من مادّة (خيال) بمعنى التصوّرات الذهنية، وخيلاء بمعنى التكبّر والتعالي على الآخرين لأنّه ناتج من تخيّل الفضيلة، ولأنّ ركوب الإنسان على الحصان يشعر بالإحساس بنوع من الفخر والزهو غالباً، لذلك أطلق لفظ الخيل على الحصان، والنقطة الجديرة بالملاحظة أنّ خيل تطلق على الحصان وكذلك على راكبيه.

[ 180 ]

في جميع ممارساتهم.

وهنا قد يتبادر سؤال وهو: إنّ الحصول على غنائم بني النضير لم يتمّ بدون حرب، بل إنّ المسلمين زحفوا بجيشهم نحو قلاعهم وحاصروها، وقيل أنّ إشتباكاً مسلّحاً قد حصل في حدود ضيّقة بين الطرفين.

وفي مقام الجواب نقول: بأنّ قلاع بني النضير ـ كما ذكروا ـ لم تكن بعيدة عن المدينة، وذكر بعض المفسّرين أنّ المسافة بين المدينة والقلاع ميلان وأنّ المسلمين ذهبوا إليها سيراً على أقدامهم، وبناءً على هذا فلم يواجهوا مشقّة حقيقية. أمّا بالنسبة لموضوع الإشتباك المسلّح فإنّه لم يثبت من الناحية التأريخية، كما أنّ الحصار لم يستمرّ طويلا، وبناءً على هذا فإنّنا نستطيع القول بأنّه لم يحدث شيء يمكن أن نسمّيه قتالا، ولم يرق دم على الأرض.

والآية اللاحقة تبيّن بوضوح مورد صرف (الفيء) الوارد في الآية السابقة وتقول بشكل قاعدة كليّة: ( وما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلّله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل).

وهذا يعني أنّ هذه الغنائم ليست كباقي الغنائم الحربية التي يكون خمس منها فقط تحت تصرّف الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وسائر المحتاجين، والأربعة الأخماس الاُخرى للمقاتلين.

وإذا ما صرّحت الآية السابقة برجوع جميع الغنائم لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا يفهم من ذلك أن يصرفها جميعاً في موارده الشخصية، وإنّما اُعطيت له لكونه رئيساً للدولة الإسلامية، وخاصّة كونه المتصدّي لتغطية حاجات المعوزين، لذا فإنّ القسم الأكبر يصرف في هذا المجال.

وقد ذكر في هذه الآية بصورة عامّة ستّ مصارف للفيء.

1 ـ سهم لله، ومن البديهي أنّ الله تعالى مالك كلّ شيء، وفي نفس الوقت غير محتاج لأي شيء، وهذا نوع من النسبة التشريفية، حتّى لا يحسّ بقيّة الأصناف

[ 181 ]

اللاحقة بالحقارة والذلّة، بل يرون سهمهم مرادفاً لسهم الله عزّوجلّ، فلا ينقص من قدرهم شيء أمام الناس.

2 ـ سهم الرّسول: ومن الطبيعي أن يصرف لتأمين إحتياجاته الشخصية (صلى الله عليه وآله وسلم)وما يحتاجه لمقامه المقدّس وتوقّعات الناس منه.

3 ـ سهم ذوي القربى: والمقصود بهم هنا وبدون شكّ أقرباء الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وبني هاشم، حيث أنّهم مستثنون من أخذ الزكاة والتي هي جزء من الأموال العامّة للمسلمين(1).

وأساساً لا دليل على أنّ المقصود من ذوي القربى هم أقرباء الناس جميعاً، لأنّه في هذه الحالة ستشمل جميع المسلمين، لأنّ الناس بعضهم أقرباء بعض.

ولكن هل هناك شرط يقضي أن يكون ذوو القربى من المحتاجين والفقراء أو لا يشترط ذلك؟ لقد إختلف المفسّرون في ذلك بالرغم من أنّ القرائن الموجودة في نهاية هذه الآية والآية اللاحقة توضّح لزوم شرط الحاجة.

(4، 5، 6): «سهم اليتامى» و «المساكين» و «أبناء السبيل»، وهل أنّ جميع هؤلاء يلزم أن يكونوا هاشميين أو أنّها تشمل عموم اليتامى والمساكين وأبناء السبيل؟

إختلف المفسّرون في ذلك، ففقهاء أهل السنّة ومفسّروهم يعتقدون أنّ هذا الأمر يشمل العموم، في الوقت الذي إختلفت الروايات الواردة عن أهل البيت(عليهم السلام)في هذا المجال، إذ يستفاد من قسم منها أنّ هذه الأسهم الثلاثة تخصّ اليتامى والمساكين وأبناء السبيل من بني هاشم فقط، في حين صرّحت روايات اُخرى بعمومية هذا الحكم، ونقل أنّ الإمام الباقر (عليه السلام) قال: «كان أبي يقول: لنا سهم رسول

______________________________

1 ـ هذا التّفسير لم يأت به الشيعة فقط، حيث جاء ذكره في تفاسير أهل السنّة أيضاً، كما ذكر ذلك الفخر الرازي في التّفسير الكبير، والبرسوني في روح البيان، وسيّد قطب في ظلال القرآن، والمراغي في تفسيره والآلوسي في روح المعاني.

[ 182 ]

الله، وسهم ذي القربى ونحن شركاء الناس فيما بقي»(1).

والآيات الثامنة والتاسعة من هذه السورة، التي هي توضيح لهذه الآية، تؤيّد أيضاً أنّ هذا السهم لا يختّص ببني هاشم، لأنّ الحديث دالّ على عموم فقراء المسلمين من المهاجرين والأنصار.

وبالإضافة إلى ذلك، فقد نقل المفسّرون أنّ الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد حادثة بني النضير قسّم الأموال المتبقية بين المهاجرين من ذوي الحاجة والمسكنة، وعلى ثلاثة أشخاص من طائفة الأنصار، وهذا دليل آخر على عمومية مفهوم الآية. وإذا لم تكن بعض الروايات متناسبة معها، فينبغي ترجيح ظاهر القرآن(2).

ثمّ يستعرض سبحانه فلسفة هذا التقسيم الدقيق بقوله تعالى: ( كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) فيتداول الأغنياء الثروات فيما بينهم ويحرم منها الفقراء(3).

وذكر بعض المفسّرين سبباً لنزول هذه الجملة بشكل خاصّ، واُشير له بشكل إجمالي في السابق، وهو أنّ مجموعة من زعماء المسلمين قد جاؤوا  لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد واقعة بني النضير، وقالوا له: خذ المنتخب وربع هذه الغنائم، ودع الباقي لنا نقتسمه بيننا، كما كان ذلك في زمن الجاهلية. فنزلت الآية أعلاه تحذّرهم من تداول هذه الأموال بين الأغنياء فقط.

والمفهوم الذي ورد في هذه الآية يوضّح أصلا أساسيّاً في الإقتصاد الإسلامي وهو: وجوب التأكيد في الإقتصاد الإسلامي على عدم تمركز الثروات بيد فئة محدودة وطبقة معيّنة تتداولها فيما بينها، مع كامل الإحترام للملكية

______________________________

1 ـ مجمع البيان، ج9، ص261، ووسائل الشيعة، ج، ص368، حديث12 وباب واحد من أبواب الأنفال.

2 ـ وسائل الشيعة، ج6، ص356، (حديث4، باب واحد من أبواب الأنفال).

3 ـ (دولة) بفتح الدال وضمّها بمعنى واحد، وفرّق البعض بين الإثنين وذكر أنّ (دولة) بفتح الدال تعني الأموال، أمّا بضمّها فتعني الحرب والمقام، وقيل أنّ الأوّل اسم مصدر، والثاني مصدر، وعلى كلّ حال فإنّ لها أصلا مشتركاً من مادّة «تداول» بمعنى التعامل من يد إلى اُخرى.

[ 183 ]

الشخصية، وذلك بإعداد برنامج واضح بهذا الصدد يحرّك عملية تداول الثروة بين أكبر قطاع من الاُمّة.

ومن الطبيعي ألاّ نقصد من ذلك وضع قوانين وتشريعات من تلقاء أنفسنا ونأخذ الثروات من فئة ونعطيها لآخرين، بل المقصود تطبيق القوانين الإسلامية في مجال كسب المال، والإلتزام بالتشريعات المالية الاُخرى كالخمس والزكاة والخراج والأنفال بصورة صحيحة، وبذلك نحصل على النتيجة المطلوبة، وهي إحترام الجهد الشخصي من جهة، وتأمين المصالح الإجتماعية من جهة اُخرى، والحيلولة دون إنقسام المجتمع إلى طبقتين: (الأقليّة الثريّة والأكثرية المستضعفة).

ويضيف سبحانه في نهاية الآية: ( وما آتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتّقوا الله إنّ الله شديد العقاب).

وبالرغم من أنّ هذا القسم من الآية نزل بشأن غنائم بني النضير، إلاّ أنّ محتواها حكم عام في كلّ المجالات، ومدرك واضح على حجيّة سنّة الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم).

وطبقاً لهذا الأصل فإنّ جميع المسلمين ملزمون بإتّباع التعاليم المحمّدية، وإطاعة أوامر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإجتناب ما نهى عنه، سواء في مجال المسائل المرتبطة بالحكومة الإسلامية أو الإقتصادية أو العبادية وغيرها، خصوصاً أنّ الله سبحانه هدّد في نهاية الآية جميع المخالفين لتعاليمه بعذاب شديد.

* * *

بحوث

1 ـ مصارف الفيء

«الفيء» كما قلنا هو الغنائم التي يحصل عليها المسلمون بدون حرب، وهذه الأموال كانت توضع تحت تصرّف الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بإعتباره رئيساً للدولة

[ 184 ]

الإسلامية، وهي أموال كثيرة في الغالب، وخاصّة في بداية الفتوحات الإسلامية ويقدر لهذه الأموال أن تلعب دوراً هامّاً في تنمية الثروة في المجتمع الإسلامي، خلافاً لما كان متّبعاً في الجاهلية حيث تقسّم هذه الأموال بين أغنياء القوم فقط، في حين أنّها وضعت مباشرةً تحت تصرّف رئيس الدولة الإسلامية في التشريع الإسلامي فيصرفها كما يرى حسب الأولويات.

وكما قلنا في بحث الأنفال فإنّ هذه الأموال تشكّل قسماً من «الفيء»، والقسم الآخر من الفيء هو كلّ الأموال التي يكون مالكها مجهولا، كما وضّح ذلك في الفقه الإسلامي، وتبلغ إثنتا عشرة فقرة، وبهذا فإنّ قسماً كبيراً من النعم والهبات الإلهيّة توضع تحت تصرّف رئيس الدولة الإسلامية عن هذا الطريق، ومن ثمّ تحت تصرّف المحتاجين(1).

ويتّضح ممّا تقدّم أن لا تضادّ بين الآية الاُولى والآية الثانية، بالرغم من أنّ الآية الاُولى تضع الفيء تحت تصرّف شخص الرّسول، والآية الثانية توضّح لنا

______________________________

1 ـ الموارد الإثني عشر للأنفال هي:

1 ـ الأراضي التي تركها أهلها ورحلوا عنها كـ (أراضي يهود بني النضير).
2 ـ الأراضي التي تركها أصحابها برغبة منهم إلى رئيس الدولة الإسلامية مثل (فدك).
3 ـ أراضي الموات.
4 ـ سواحل البحار.
5 ـ قمم الجبال.
6 ـ الوديان.
7 ـ الغابات والآجام.
8 ـ الغنائم الحربية الثمينة الخاصّة بالملوك.
9 ـ ما يختاره قائد المسلمين من الغنائم العامّة لنفسه.
10 ـ الغنائم الحاصلة من الحروب التي لم يأذن بها الحاكم الشرعي.
11 ـ المعادن.
12 ـ ميراث من لا وارث له.
ومن الطبيعي أنّ في بعض الموارد أعلاه قد حصلت إختلافات بين الفقهاء إلاّ أنّ الأكثرية الغالبة قد إعتبرت هذه الموارد، ويمكن مراجعة ذلك في الكتب الفقهية.

[ 185 ]

ستّة أبواب لمصارف الفيء، على أن يراعى في صرفها الأولويات الخاصّة.

وبتعبير آخر، فإنّ الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يريد الأموال لاُموره الشخصية، بل بعنوان قائد المسلمين ورئيس دولتهم يصرفها في الاُمور التي تحقّق مصلحة الدولة الإسلامية بشكل عامّ.

وممّا يجدر بالملاحظة أنّ هذا الحقّ ينتقل من بعد الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الأئمّة المعصومين(عليهم السلام)، ومن بعدهم إلى نوّابهم، يعني (كلّ مجتهد جامع للشرائط) لأنّ الأحكام الإسلامية لا تعطّل، والحكومة الإسلامية من أهمّ المسائل التي يتعامل المسلمون معها. وقسم من هذه الاُسس قنّنت ضمن الهيكل الإقتصادي العامّ للمجتمع الإسلامي، كما أنّها تمثّل مبدأً أساسيّاً في النظام الإقتصادي للدولة الإسلامية.

2 ـ جواب على سؤال:

يمكن أن يطرح هذا السؤال: كيف ألزم الله سبحانه جميع الناس ـ بدون إستثناء ـ بقبول التعاليم الصادرة من قبل الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بدون قيد وشرط؟

ويتّضح الجواب على هذا السؤال بملاحظة انّنا نعتبر الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) معصوماً، لذا كان هذا الحقّ له ولخلفائه المعصومين من بعده ضمن هذا الفهم أيضاً.

والملفت للنظر أنّ الروايات العديدة قد أشارت لهذه المسألة أيضاً، وهي أنّ الله سبحانه منح كلّ تلك الإمتيازات للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنّ الله عزّوجلّ إختبره وإمتحنه بشكل كامل ولما له من خلق عظيم وسجايا حميدة، لذا فوّض له مثل هذا الحقّ(1).

______________________________

1 ـ الروايات التي تناولت هذا البحث عديدة يمكن مراجعتها في ج5، ص279 ـ 283 من تفسير نور الثقلين.

[ 186 ]

3 ـ القصّة المؤلمة لـ (فدك)

«فدك»: إحدى القرى المثمرة في أطراف المدينة، وتبعد 140كم عن خيبر تقريباً، ولمّا سقطت قلاع «خيبر» في السنة السابعة للهجرة، الواحدة تلو الاُخرى أمام قوّة المسلمين، واندحر اليهود .. جاء ساكنو فدك يطلبون الصلح مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأعطوا نصف أراضيهم وبساتينهم لرسول الله واحتفظوا بالقسم الآخر لأنفسهم، وتعهّدوا للرسول بزراعة أراضيه وأخذ الاُجرة عوض الجهد الذي يبذلونه.

ومن خلال ملاحظة التفاصيل التي وردت حول (الفيء) في هذه السورة، فإنّ هذه الأرض كانت من مختّصات الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن صلاحيته أن يصرفها في شؤونه الشخصية، أو ما يراه من المصارف الاُخرى التي اُشير إليها في الآية السابعة من نفس هذه السورة، لذلك فإنّ الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وهبها لإبنته فاطمة(عليها السلام).

وهذا الحديث صرّح به الكثيرون من المؤرّخين والمفسّرين من أهل السنّة والشيعة، ومن جملة ما ورد في تفسير الدرّ المنثور، نقلا عن ابن عبّاس في تفسير قوله تعالى: ( فآت ذا القربى حقّه)(1) أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما نزلت هذه الآية عليه أعطى فدكاً لفاطمة. (أقطع رسول الله فاطمة فدكاً)(2).

وجاء في كتاب كنز العرفان، أنّه جاء في حاشية مسند (أحمد) حول مسألة صلة الرحم أنّه نقل عن أبي سعيد الخدري أنّ الآية أعلاه عندما نزلت على  الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) دعا الرّسول فاطمة، وقال: «يافاطمة لك فدك»(3).

وقد أورد الحاكم النيسابوري هذا المعنى في تأريخه(4).

______________________________

1 ـ الروم، الآية 38.

2 ـ الدرّ المنثور، ج4، ص177.

3 ـ كنز العمّال، ج2، ص158.

4 ـ يراجع كتاب فدك، ص49.

[ 187 ]

وقد ذكر ابن أبي الحديد قصّة فدك بصورة مفصّلة في شرح نهج البلاغة(1)، كما ذكرت كذلك في كتب اُخرى كثيرة.

إلاّ أنّ بعض أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعتقد أنّ وجود (فدك) بيد زوجة الإمام علي (عليه السلام) تمثّل قدرة إقتصادية يمكن أن تستخدم في مجال التحرّك السياسي الخاصّ بالإمام علي (عليه السلام). ومن جهة اُخرى كان هنالك موقف وتصميم على تحجيم حركة الإمام (عليه السلام) وأصحابه في المجالات المختلفة، لذا تمّت مصادرة تلك الأرض بذريعة الحديث الموضوع: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث). مع أنّ (فدك) كانت بيد فاطمة (عليها السلام)، وذو اليد لا يطالب بشهادة أو بيّنة. والجدير بالذكر أنّ الإمام علي (عليه السلام) قد أقام الشهادة على أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد منح فدكاً إلى فاطمة. إلاّ أنّهم مع كلّ هذا لم يرتّبوا أثراً على هذه الشهادة.

وقد إستعملت قضيّة فدك عبر العصور التأريخية المختلفة كموضوع يراد التظاهر من خلاله بالودّ لأهل البيت (عليهم السلام) من قبل بعض الخلفاء وذلك لمآرب سياسيّة، فكانوا يرجعون فدكاً لآل الرّسول تارةً، ويصادرونها ثانية، وقد تكرّر هذا الفعل عدّة مرّات في فترات حكم خلفاء بني اُميّة وبني العبّاس.

وقصّة فدك وما رافقها من أحداث مؤلمة وقعت في صدر الإسلام هي من أكثر القصص ألماً وحزناً، وفي نفس الوقت تكاد أن تكون من أكثر حوادث التاريخ عبرةً، ولابدّ من التوقّف عندها والتأمّل في أحداثها المختلفة ضمن بحث محايد دقيق.

والجدير بالملاحظة أنّه روى مسلم في صحيحه قال: (حدّثني محمّد بن رافع، أخبرنا حُجين، حدّثنا ليث بن عقيل، عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة، أنّها أخبرته أنّ فاطمة بنت رسول أرسلت إلى أبي بكر الصدّيق تسأله

______________________________

1 ـ شرح ابن أبي الحديد، ج16، ص209 وما بعدها.

[ 188 ]

ميراثها من رسول الله ممّا أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إنّ رسول الله قال: «لا نورّث ما تركناه صدقة إنّما يأكل آل محمّد في هذا المال» وانّي والله لا اُغيّر شيئاً من صدقة رسول الله عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله ... فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك. قال: فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفّيت)(1).

* * *

______________________________

1 ـ صحيح مسلم، ج3 ص1380، حديث52 عن كتاب الجهاد.

[ 189 ]

الآيات

لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَـجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَـرِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ يِبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللهِ وَرِضْوَناً وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الصَّـدِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالإيمَـنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَنِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَـنِ وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ(10)

التّفسير

السمات الأساسية للأنصار والمهاجرين والتابعين:

[ 190 ]

هذه الآيات ـ التي هي إستمرار للآيات السابقة ـ تتحدّث حول طبيعة مصارف الفيء الستّة، التي تشمل الأموال والغنائم التي حصل عليها المسلمون بغير حرب، وقد أوضحت الآية المعني باليتامى والمساكين وأبناء السبيل، مع التأكيد على المقصود من أبناء السبيل بلحاظ أنّهم يشكّلون أكبر رقم من عدد المسلمين المهاجرين في ذلك الوقت، حيث تركوا أموالهم ووطنهم نتيجة الهجرة، وكانوا فقراء بعد أن هجروا الدنيا من أجل دينهم.

يقول تعالى: ( للفقراء المهاجرين الذين اُخرجوا من ديارهم وأموالهم(1)يبتغون فضلا من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله اُولئك هم الصادقون).

هنا بيّنت الآية ثلاثة أوصاف مهمّة وأساسية للمهاجرين الأوائل، تتلخص بـ: (الإخلاص والجهاد والصدق).

ثمّ تتناول الآية مسألة (ابتغاء فضل الله ورضاه) حيث تؤكّد هذه الحقيقة وهي: أنّ هجرتهم لم تكن لدنيا أو لهوى نفس، ولكن لرضا الله وثوابه.

وبناءً على هذا فـ (الفضل) هنا بمعنى الثواب. و «الرضوان» هو رضا الله تعالى الذي يمثّل مرحلة أعلى من مرتبة الثواب. كما بيّنت ذلك آيات عديدة في القرآن الكريم، ومنها ما جاء في الآية 29 من سورة الفتح، حيث وصف أصحاب  رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا الوصف ( تراهم ركّعاً سجّداً يبتغون فضلا من الله ورضواناً).

ولعلّ التعبير بـ (الفضل) إشارة إلى أنّ هؤلاء المؤمنين يتصوّرون أنّ أعمالهم قليلة جدّاً لا تستحقّ الثواب، ويعتقدون أنّ الثواب الذي غمرهم هو لطف إلهي.

ويرى بعض المفسّرين «الفضل» هنا بمعنى الرزق، أي رزق الدنيا، فقد ورد في بعض الآيات القرآنية بهذا المعنى أيضاً، ولكن بما أنّ المقام هو مقام بيان إخلاص المهاجرين، لذا فإنّ هذا المعنى غير مناسب، والمناسب هو الجزاء

______________________________

1 ـ «للفقراء» بدل وتفسير لابن السبيل.

[ 191 ]

والثواب الإلهي.

كما لا يستبعد أن يكون المراد من «الفضل» إشارة للنعم الجسمية، و«الرضوان» هو إشارة للنعم الروحية والمعنوية، والجميع مرتبط بالآخرة وليس بالدنيا.

ثمّ إنّ «المهاجرين» ينصرون المبدأ الحقّ دائماً، وعوناً لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يتوقّفوا في جهادهم بهذا السبيل لحظة واحدة (يرجى ملاحظة: أنّ فعل (ينصرون) بصيغة المضارع، وهو دليل على الإستمرار).

ومن هنا يتّضح أنّ هؤلاء المهاجرين ليسوا من أصحاب الإدّعاءات الفارغة، بل هم رجال حقّ وجهاد، وقد صدقوا الله بإيمانهم وتضحياتهم المستمرّة.

وفي مرحلة ثالثة يصفهم سبحانه بالصدق، ومع أنّ الصدق له مفهوم واسع، إلاّ أنّ صدق هؤلاء يتجسّد في جميع الاُمور: بالإيمان، وفي محبّة الرّسول، وفي التزامهم بمبدأ الحقّ ..

ومن الواضح أنّ هذه الصفات كانت لأصحاب الرّسول في زمن نزول هذه الآيات، إلاّ أنّنا نعلم أنّ أشخاصاً من بينهم قد فرّطوا بالنعم الإلهية التي غمرتهم، وسلكوا سبيل الضلال كالذين أشعلوا نار حرب الجمل في البصرة، وصفين في الشام، وحاربوا خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي كان واجب الطاعة بإجماع المسلمين، وأراقوا دماء الآلاف من المسلمين ...

وفي الآية اللاحقة يستعرض سبحانه ذكر مورد آخر من موارد صرف هذه الأموال، ومن بين ما يستعرضه في الآية الكريمة أيضاً وصف رائع ومعبّر جدّاً عن طائفة الأنصار، ويكمل البحث الذي جاء في الآية السابقة حول المهاجرين، فيقول سبحانه: ( والذين تبوّؤا الدار والإيمان من قبلهم).

«تبؤوا» من مادّة (بواء) على وزن (دواء) وهي في الأصل بمعنى تساوي أجزاء المكان، وبعبارة اُخرى يقال: (بواء) لترتيب وتسوية مكان (ما)، هذا التعبير

[ 192 ]

كناية لطيفة لهذا المعنى، وهو أنّ طائفة الأنصار ـ أهل المدينة ـ قد هيّؤوا الأرضية المناسبة للهجرة، وكما يخبرنا التاريخ فإنّ الأنصار قدموا مرّتين إلى «العقبة» ـ وهي مضيق قرب مكّة ـ وبايعوا رسول الله متنكّرين، ورجعوا إلى المدينة مبلّغين، ومعهم «مصعب بن عمير» ليعلّمهم اُمور دينهم وليهيء الأرضية المناسبة لهجرة الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

وبناءً على هذا فإنّ الأنصار لم يهيّؤوا بيوتهم لإستقبال المهاجرين فحسب، بل إنّهم فتحوا قلوبهم ونفوسهم وأجواء مجتمعهم قدر المستطاع للتكيّف في التعامل مع وضع الهجرة المرتقب.

والتعبير ( من قبلهم) يوضّح لنا أنّ كلّ تلك الاُمور كانت قبل هجرة مسلمي مكّة، وهذا أمر مهمّ.

وإنسجاماً مع هذا التّفسير، فإنّ أنصار المدينة كانوا مستحقّين لهذه الأموال، وهذا لا يتنافى مع ما نقل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه أعطى شخصين أو ثلاثة أشخاص من الأنصار ـ فقط ـ من أموال بني النضير، إذ من الممكن أن لا يكون بين الأنصار أشخاص فقراء ومساكين غير هؤلاء، بعكس المهاجرين فإنّهم إن لم يكونوا مصداقاً للفقير، فيمكن إعتبارهم مصداقاً لأبناء السبيل(1).

ثمّ يتطرّق سبحانه إلى بيان ثلاث صفات اُخرى توضّح روحية الأنصار بصورة عامّة، حيث يقول تعالى: ( يحبّون من هاجر إليهم).

فلا فرق بين المسلمين في وجهة نظرهم والمهمّ لديهم هو مسألة الإيمان والهجرة وهذا الحبّ كان يعتبر خصوصية مستمرّة لهم.

والأمر الآخر: ( ولا يجدون في صدورهم حاجة ممّا أتوا) فهم لا يطمعون بالغنائم التي اُعطيت للمهاجرين، ولا يحسدونهم عليها، ولا حتّى يحسّون بحاجة

______________________________

1 ـ إلاّ أنّه وطبقاً لتفسير آخر فإنّ (والذين تبوّؤا الدار) تكون مبتدأ، و (يحبّون) خبرها، وإجمالا فإنّها تشكّل جملة مستقلّة، ولا ترتبط بالجملة السابقة التي تتحدّث حول مصاريف الفيء، إلاّ أنّ من الواضح أنّ التّفسير الأوّل هو الأنسب.

[ 193 ]

إلى ما اُعطي للمهاجرين منها، وأساساً فإنّ هذه الاُمور لا تخطر على بالهم. وهذه الصورة تعكس لنا منتهى السمو الروحي للأنصار.

ويضيف تعالى في المرحلة الثالثة إلى وصفهم ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)(1).

ومن هذه السمات الثلاث: «المحبّة» و «عدم الطمع» و «الإيثار»، كانت تتشكّل خصوصية الأنصار المتميّزة.

ونقل المفسّرون قصصاً متعدّدة في شأن نزول هذه الآية:

يقول ابن عبّاس: إنّ الرّسول بيّن للأنصار يوم الإنتصار على يهود بني النضير، إذا كنتم ترومون المشاركة في حصّة المهاجرين من الغنائم فشاطروهم بتقسيم أموالكم وبيوتكم، وإذا أردتم أن تبقى بيوتكم وأموالكم لكم فلا شيء لكم من هذه الغنائم؟ فقال الأنصار: علام نتقاسم بيوتنا وأموالنا معهم، نقدّم المهاجرين علينا ولا نطمع بشيء من الغنائم؟ فنزلت هذه الآية تعظّم هذه الروح العالية(2).

ونقرأ في حديث آخر أنّ شخصاً أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فشكا إليه الجوع، فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى منزله، فقالت زوجته: ما عندنا إلاّ الماء، فقال رسول الله: من لهذا الرجل الليلة، فتعهّده رجل من الأنصار وصحبه إلى بيته، ولم يكن لديه إلاّ القليل من الطعام لأطفاله. وطلب أن يؤتى بالطعام إلى ضيفه وأطفأ السراج، ثمّ قال لزوجته: نوّمي الصبية، ثمّ جلس الرجل وزوجته على سماط الطعام فتظاهروا بالأكل ولم يضعوا شيئاً في أفواههم، وظنّ الضيف أنّهم يأكلون معه، فأكل حتّى شبع وناموا الليلة، فلمّا أصبحوا قدموا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنظر إليهم وتبسّم (دون أن يتكلّم)، فنزلت الآية أعلاه وأثنت على إيثارهم.

______________________________

1 ـ «خصاصة» من مادّة (خصاص) على وزن (أساس) بمعنى الشقوق التي توجد في جدران البيت، ولأنّ الفقر في حياة الإنسان يمثّل شقّاً، لذا عبّر عنه بالخصاصة.

2 ـ مجمع البيان، ج9، ص260.

[ 194 ]

ونقرأ في الروايات التي وصلتنا عن طريق أهل البيت (عليهم السلام) أنّ المضيف هو الإمام علي (عليه السلام) وأطفاله الحسن والحسين (عليهم السلام)، والمرأة التي نوّمت الصبية جياعاً هي فاطمة الزهراء (عليها السلام)(1).

ويجدر الإنتباه هنا إلى أنّ القصّة الاُولى يمكن أن تكون سبباً لنزول الآية، والقصّة الثانية من مصاديق تطبيق هذه الآية الكريمة.

وبناءً على هذا فإنّ نزول الآيات حول الأنصار لا يتنافى مع كون المضيف هو الإمام علي (عليه السلام).

وذكر البعض ـ أيضاً ـ أنّ هذه الآية نزلت في مقاتلي غزوة اُحد، حيث أنّ سبعة أشخاص منهم جرحوا في المعركة وقد أنهكهم العطش، فجيء بماء يكفي لأحدهم، فأبى أن يشرب وأومأ إلى صاحبه، وكان الساقي كلّما ذهب إلى أحدهم يشير إلى الآخر ويؤثره على نفسه مع شدّة عطشه، إلى أن وصل إلى الأخير فوجده قد فارق الحياة ثمّ رجع إلى الأوّل فوجده قد فارق الحياة أيضاً، وحتّى انتهى إليهم جميعاً وهم موتى فأثنى الله تعالى على إيثارهم هذا(2).

ولكن من الواضح أنّ هذه الآية نزلت في بني النضير، وبسبب عمومية مفهومها فإنّها قابلة للتطبيق في موارد متشابهة.

وفي نهاية الآية ـ ولمزيد من التأكيد لهذه الصفات الكريمة، وبيان تأثيرها الإيجابي العميق ـ يضيف سبحانه: ( ومن يوق شحّ نفسه فاُولئك هم المفلحون).

«الشحّ» كما يقول الراغب في المفردات: البخل مقترناً بالحرص عادةً.

«يوق» من مادّة وقاية، وبالرغم من أنّه بصيغة فعل مجهول، إلاّ أنّه من الواضح أنّ الفاعل هو الله سبحانه، ويعني أنّ كلّ شخص حفظه الله سبحانه من هذه الصفة الذميمة فإنّه سيفلح.

______________________________

1 ـ المصدر السابق.

2 ـ مجمع البيان، ج9، ص260.

[ 195 ]

ونقرأ في حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال لأحد أصحابه: أتدري ما الشحّ؟ فأجاب: هو البخيل، قال (عليه السلام): «الشحّ أشدّ من البخل، إنّ البخيل يبخل ممّا في يده، والشحيح يشحّ بما في أيدي الناس، وعلى ما في يده، حتّى لا يرى في أيدي الناس شيئاً إلاّ تمنّى أن يكون له بالحلّ والحرام، ولا يقنع بما رزقه الله عزّوجلّ»(1).

ونقرأ في حديث ثان: «لا يجتمع الشحّ والإيمان في قلب رجل مسلم، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخّان جهنّم في جوف رجل مسلم»(2).

وبالجملة، فما يستفاد بوضوح من الآية أعلاه أنّ ترك المرء للشحّ يوصله إلى الفلاح، ومن يتّصف بهذه الصفة المذمومة فإنّه يهدم بناء سعادته.

وفي آخر آية مورد البحث يأتي الحديث عن آخر طائفة من المسلمين، الذين عرفوا بيننا بإصطلاح القرآن الكريم بـ (التابعين)، والذين يشكّلون المجموعة الغالبة من المسلمين بعد المهاجرين والأنصار الذين تحدّثت عنهم الآيات السابقة.

يقول تعالى: ( والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربّنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربّنا إنّك رؤوف رحيم).

بالرغم من أنّ بعض المفسّرين قد حدّد مفهوم هذه الآية بمجموعة من الأشخاص الذين التحقوا بالمسلمين بعد إنتصار الإسلام وفتح مكّة، إلاّ أنّه لا يوجد دليل على هذه المحدوديّة الخاصّة بل تشمل جميع المسلمين إلى يوم القيامة، وعلى فرض أنّ هذه الآية ناضرة إلى فئة خاصّة، إلاّ أنّها عامّة من حيث الملاك والمعيار والنتيجة.

وبهذا فإنّ الآيات الثلاثة المتقدّمة تشمل جميع مسلمي العالم، الذين

______________________________

1 ـ نور الثقلين، ج5، ص291، حديث64.

2 ـ مجمع البيان، ج9، ص262.

[ 196 ]

ينضوون إلى واحدة من هذه الطوائف الثلاثة، وهم: (المهاجرون والأنصار والتابعون).

جملة ( والذين جاؤوا ...) حسب الظاهر عطف على ( للفقراء المهاجرين)وذلك لبيان هذه الحقيقة، وهي أنّ أموال «الفيء» لا تنحصر بمحتاجي المهاجرين والأنصار فقط، بل تشمل سائر المحتاجين من المسلمين على مرّ العصور.

ويحتمل أيضاً أنّ الجملة مستقلّة (بأن تكون جملة ( والذين جاؤوا ...) مبتدأ (ويقولون) خبر) إلاّ أنّ التّفسير الأوّل ـ بالنظر إلى إنسجامه مع الآيات السابقة ـ هو الأنسب.

والملاحظ هنا هو أنّ الآية تذكر ثلاث صفات للتابعين:

الاُولى: أنّهم يفكّرون في إصلاح أنفسهم، وطلب العفو والمغفرة والتوبة من الله تعالى.

والثّانية: النظرة المقترنة بالإكبار والإجلال والإحترام إلى من سبقهم بالإيمان، ويطلبون لهم أيضاً العفو والمغفرة من الله تعالى.

الثّالثة: أنّهم يسعون بكلّ وسيلة إلى تهذيب أنفسهم وتطهيرها من الحقد والحسد والبغض والعداء، ويطلبون العون من الله الرؤوف الرحيم لمساعدتهم في هذا الطريق.

وبهذا الترتيب فإنّ خصوصياتهم هي: (تربية النفس) و (الإحترام للسابقين في الإيمان) و (الإبتعاد عن الحسد والبغضاء).

«غِلّ» على وزن (سِلّ)، جاءت في الأصل بمعنى نفوذ الشيء بخفية، ولذا يقال للماء الجاري بين الأشجار (غلَل) ولأنّ الحسد والعداوة والبغضاء تنفذ في قلب الإنسان بصورة خفيّة، يقال لها: «غِلْ». وبناءً على هذا فإنّ (الغِلّ) ليس فقط بمعنى الحسد، ولكنّه مفهوم واسع يشمل الكثير من الصفات الخفيّة والقبيحة أخلاقياً.

[ 197 ]

والتعبير بـ (إخوان) والإستمداد من الرؤوف الرحيم في نهاية الآية يحكي عن روح المحبّة والصفاء والاُخوّة التي يجب أن تسود المجتمع الإسلامي أجمع. فكلّ شخص يتمنّى صفة حسنة لا يتمنّاها لنفسه فحسب، بل للآخرين أيضاً، ولتشمل المجتمع بصورة عامّة، وبذلك تطهّر القلوب من كلّ أنواع العداء والبغضاء والحسد والحرص، وهذا هو المجتمع الإسلامي النموذجي.

* * *

بحث

الصحابة في ميزان القرآن والتاريخ:

يصرّ بعض المفسّرين ـ بدون الإلتفات إلى الصفات التي مرّت بنا في الآيات السابقة لكلّ من المهاجرين والأنصار والتابعين ـ على إعتبار جميع الصحابة بدون إستثناء متّصفين بجميع الصفات الإيجابية (للمهاجرين والأنصار والتابعين) وأنّهم نموذج يقتدى بهم من حيث نزاهتهم وطهرهم والتسامح فيما بينهم، وكلّ خلاف صدر منهم أحياناً سواء في زمن الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أو من بعده فإنّهم يغضّون النظر عنه، وبهذا اعتبروا كلّ مهاجر وأنصاري وتابع شخصاً محترماً ومقدّساً بصورة عامّة، دون الإلتفات إلى أعمالهم وتقييمها حسب الموازين الشرعية.

إلاّ أنّ الملاحظ أنّ في الآيات أعلاه رفض واضح إزاء هذا الفهم، حيث تحدّد الآية التقييم وفق ضوابط وموازين دقيقة للمهاجرين الحقيقيين والأنصار والتابعين.

ففي «المهاجرين»: الإخلاص والجهاد والصدق.

وفي «الأنصار»: المحبّة للمهاجرين والإيثار، والإبتعاد عن كلّ حرص وبخل.

وفي «التابعين»: بناء أنفسهم، والإحترام للسابقين في الإيمان، والإبتعاد عن

[ 198 ]

كلّ بغض وحسد.

ومع كلّ هذا، كيف يمكن أن نحترم الأشخاص الذين قاتلوا الإمام علي (عليه السلام)في معركة الجمل وشهروا سيفهم عليه، ولم يراعوا اُخوته في الله، ولم يطهّروا قلوبهم من البغض والحسد تجاهه، ولا احترموا أسبقيته في الإيمان، وبعد كلّ ذلك لا يجوز لنا إنتقادهم، بل يجب علينا التسليم وبدون نقاش لأحاديث هذا وذاك دون تمحيص وتثبّت.

وبناءً على هذا فإنّنا في الوقت الذي نحترم فيه السابقين في خطّ الرسالة والإيمان، يجدر بنا أن ندقّق في سوابقهم وملفّ فعالهم، سواء على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أو المخاضات المختلفة التي حدثت بعده في التأريخ الإسلامي، وعلى أساس الضوابط والمعايير الإسلامية المستلهمة من هذه الآيات المباركات نحكم لهم أو عليهم، وعندئذ نقوّي أواصرنا مع من بقي على العهد، ونقطعها أو نحدّدها ـ بما يناسب ـ مع من ضعفت روابطهم أو قطعوها مع تلك الموازين والضوابط، وهذا هو المنطق الصحيح والمنسجم مع حكم القرآن والعقل.

* * *

[ 199 ]

الآيات

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَنِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَـبِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـذِبُونَ(11) لَئِنْ أُخْرِجُوا لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا  لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلَّنَّ الاَْدْبَـرَ ثُمَّ  لاَ يُنصَرونَ(12) لاََنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِى صُدُورِهِم مِّنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ (13) لاَ يُقَـتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِى قُرىً مُّحَصَّنَة أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرِ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ (14)

سبب النّزول

نقل بعض المفسّرين سبباً لنزول الآيات أعلاه، والذي خلاصته ما يلي:

[ 200 ]

إنّ قسماً من منافقي المدينة ـ كعبدالله بن اُبي وأصحابه ـ أرسلوا شخصاً إلى يهود بني النضير وأبلغهم بما يلي: أثبتوا في أماكنكم بقوّة، ولا تخرجوا من بيوتكم، وحصّنوا قلاعكم، وسيكون إلى جنبكم ألفا مقاتل من قومنا مدد لكم، وإنّنا معكم حتّى النهاية. كما أنّ بني قريظة وقبيلة غطفان والمتعاطفين معكم سيلتحقون بكم أيضاً.

إنّ هذه الرسالة ـ التي وجّهها المنافق عبدالله بن اُبي إلى يهود بني النضير ـ أوجدت لديهم الإصرار والعناد على مخالفة الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والخروج عن أمره، وفي هذه الحالة انبرى (سلام) أحد كبار يهود بني النضير إلى «حي بن أخطب» الذي كان أحد وجوه بني النضير وقال له: لا تهتّموا بكلام عبدالله بن اُبي، إنّه يريد أن يدفعكم لقتال محمّد ويجلس في داره ويسلّمكم للحوادث، قال حي: نحن لا نعرف شيئاً إلاّ العداء لـ (محمّد) والقتال له، فأجابه سلام: اُقسم بالله أنّي أراهم سيخرجوننا قريباً ويهدرون أموالنا وشرفنا وتؤسر أطفالنا ويقتل مقاتلونا(1).

وأخيراً تبيّن الآيات أعلاه نهاية المطاف لهذا المشهد.

ويعتقد البعض أنّ هذه الآيات نزلت قبل قصّة يهود بني النضير، حيث تتحدّث عن الحوادث المستقبلية لهذه الوقائع، وبهذا اللحاظ فإنّهم يعتبرونها إحدى المفردات الغيبية للقرآن الكريم.

ورغم أنّ التعابير التي وردت في الآيات الكريمة كانت بصيغة المضارع وبذلك تؤيّد وجهة النظر هذه، إلاّ أنّ العلاقة بين هذه الآيات والآيات السابقة التي نزلت بعد إندحار بني النضير وإبعادهم عن المدينة، تؤكّد لنا أنّ هذه الآيات أيضاً نزلت بعد هذا الحادث، ولذا كان التعبير بصيغة المضارع بعنوان حكاية الحال. «فتدبّر»

______________________________

1 ـ روح البيان، ج9، ص439، وجاء نفس هذا المعنى بإختلافات عديدة في تفسير الدرّ المنثور، ج6، ص199.

[ 201 ]

التّفسير

دور المنافقين في فتن اليهود:

بعد بيان ما جرى ليهود بني النضير في الآيات السابقة، وبيان حالة الأصناف الثلاثة من المؤمنين (المهاجرين والأنصار والتابعين) وخصوصيات كلّ منهم في الآيات مورد البحث، يتعرّض القرآن الكريم الآن لشرح حالة المنافقين ودورهم في هذا الحادث، وبيان حالهم بالقياس مع الآخرين، وهذا هو منهج القرآن الكريم، حيث يعرّف كلّ طائفة بمقارنتها مع الاُخرى.

وفي البداية يتحدّث مع الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث يقول سبحانه: ( ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجنّ معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبداً وان قوتلتم لننصرنّكم).

وهكذا فانّ هؤلاء المنافقين وعدوا طائفة اليهود باُمور ثلاثة، وجميعها كانت كاذبة:

الأوّل: إذا أخرجتم من هذه الأرض فإنّنا سوف لن نبقى بعدكم نتطلّع إلى خواء أماكنكم ودياركم.

والأمر الآخر: إذا صدر أمر ضدّكم من أي شخص، وفي أيّ مقام، وفي أي وقت، فإنّ موقفنا الرفض له وعدم الإستجابة.

والأمر الثالث: إنّه إذا وصل الأمر للقتال فإنّنا سوف نقف إلى جانبكم ولا نتردّد في نصرتكم أبداً.

نعم، هذه هي الوعود التي أعطاها المنافقون لليهود قبل هذا الحادث، إلاّ أنّ الحوادث اللاحقة أوضحت كذب إدّعاءاتهم ووعودهم.

ولهذا السبب يقول القرآن الكريم بصراحة ( والله يشهد أنّهم لكاذبون).

كم هو تعبير رائع ومثير ومقترن بتأكيدات عديدة، من شهادة الله عزّوجلّ، وكون الجملة إسمية، وكذلك الإستفادة من (إنّ) واللام للتأكيد، وكلّها تفيد أنّ

[ 202 ]

الكذب والنفاق ممتزجان بهم لحدّ لا يمكن فصلهما، لقد كان المنافقون كاذبين دائماً، والكاذبون منافقين غالباً.

والتعبير بـ (إخوانهم) يوضّح لنا طبيعة العلاقة الحميمة جدّاً بين «المنافقين» و «الكفّار»، كما ركّزت الآيات السابقة على علاقة الاُخوة بين المؤمنين، مع ملاحظة الإختلاف بين الفصيلتين، وهو أنّ المؤمنين صادقون في اُخوتهم لذلك فهم لا يتبرّمون بكلّ ما يؤثرون به على أنفسهم، على عكس المنافقين حيث ليس لهم وفاء أو مواساة بعضهم لبعض، وتتبيّن حقيقتهم بصورة أوضح في اللحظات الحرجة حيث يتخلّون عن أقرب الناس لهم، بل حتّى عن إخوانهم، وهذا هو محور الإختلاف بين نوعين من الاُخوة، اُخوة المؤمنين واُخوة المنافقين.

وجملة: ( ولا نطيع فيكم أحداً أبداً) تشير إلى موقف المنافقين الذي أعلنوه لليهود بأنّهم سوف لن يراعوا التوصيّات والإنذارات التي أطلقها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فيهم.

ثمّ .. للإيضاح والتأكيد الأكثر حول كذب المنافقين يضيف سبحانه:

( لئن اُخرجوا لا يخرجون معهم).

( ولئن قوتلوا لا ينصرونهم).

( ولئن نصروهم ليولنّ الأدبار).

( ثمّ لا ينصرون).

إنّ اللحن القاطع والقوي لهذه الآيات قد أدخل الرعب والهلع في قلوب المنافقين وأقلق بالهم.

وبالرغم من أنّ الآية نزلت في مورد معيّن، إلاّ أنّها ـ من المسلّم ـ لا تختص به، بل بيان أصل عامّ في علاقة المنافقين مع سائر أعداء الإسلام، بالإضافة إلى الوعود الكاذبة التي يمنحها كلّ منهم للآخر، وتقرّر بطلان وخواء كلّ هذه الروابط والوعود.

[ 203 ]

ولا يختّص هذا الأمر بما حدث تأريخياً في صدر الإسلام، بل إنّنا نلاحظ اليوم بأعيننا نماذج وصوراً حيّة لا تخفى على أحد، في طبيعة تعامل المنافقين في الدولة الإسلامية مع مختلف الفصائل المعادية للإسلام، وسوف تصدق أيضاً في المستقبل القريب والبعيد. ومن المسلّم أنّ المؤمنين الصادقين إذا التزموا بواجباتهم فإنّهم سينتصرون عليهم، ويحبطون خططهم.

والآية اللاحقة تتحدّث عن سبب هذا الإندحار، حيث يقول سبحانه: ( لأنتم أشدّ رهبةً في صدورهم من الله).

ولأنّهم لا يخافون الله، فإنّهم يخافون كلّ شيء خصوصاً إذا كان لهم أعداء مؤمنون مثلكم ( ذلك بأنّهم قوم لا يفقهون).

«رهبة» في الأصل بمعنى الخوف المقترن بالإضطراب والحذر، فهو خوف عميق له جذور وتظهر آثاره في العمل.

وبالرغم من أنّ الآية أعلاه نزلت في يهود بني النضير وأسباب إندحارهم أمام المسلمين، إلاّ أنّ مقصودها حكم عام وكلّي، لأنّه لن يجتمع في قلب الإنسان خوفان: الخوف من الله، والخوف من غيره. لأنّ كلّ شيء مسخّر بأمر الله، وكلّ إنسان يخشى الله ويعلم مدى قدرته لا ينبغي أن يخاف من غيره.

إنّ مصدر جميع هذه الآلام هو الجهل وعدم إدراك حقيقة التوحيد، ولو كان مسلمو اليوم بالمعنى الواقعي (يعني مؤمنين موحّدين حقّاً) فإنّهم لا يقفون بشجاعة أمام القوى الكبرى بإمكاناتها المادية والعسكرية فحسب، بل إنّ القوى الكبرى هي التي تخشاهم وتخاف منهم، كما نلاحظ نماذج حيّة لهذا المعنى، حيث نرى دولا كبرى مع ما لديها من الأسلحة والوسائل المتطوّرة تخشى شعباً صغيراً لأنّه مسلّح بالإيمان ومتّصف بالتضحية.

وشبيه هذا المعنى ما ورد في قوله تعالى: ( سنلقي في قلوب الذين كفروا

[ 204 ]

الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزّل سلطاناً ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين)(1).

ثمّ يستعرض دليلا واقعياً واضحاً يعبّر عن حالة الخوف والإضطراب حيث يقول سبحانه: ( لا يقاتلونكم جميعاً إلاّ في قرى محصنة أو من وراء جدر).

«قرى» جمع قرية، أعمّ من المزروعة وغير المزروعة، وتأتي أحياناً بمعنى الناس المجتمعين في مكان واحد.

«محصّنة» من مادّة (حصن) على وزن «جسم» بمعنى مسوّرة، وبناءً على هذا فإنّ (القرى المحصّنة) تعني القرى التي تكون في أمان بوسيلة أبراجها وخنادقها والمواضع التي تعيق تقدّم العدو فيها.

«جُدُر» جمع جدار، والأساس لهذه الكلمة بمعنى الإرتفاع والعلو.

نعم، بما أنّهم خرجوا من حصن الإيمان والتوكّل على الله، فإنّهم بغير الإلتجاء والإتّكاء على الجدران والقلاع المحكمة لا يتجرّؤون على مواجهة المؤمنين.

ثمّ يوضّح أنّ هذا ليس ناتجاً عن جهل بمعرفة فنون الحرب، أو قلّة في عددهم وعدّتهم، أو عجز في رجالهم، بل إنّ ( بأسهم بينهم شديد).

إلاّ أنّ المشهد الذي عرض يتغيّر في حالة مواجهتهم لكم ويسيطر عليهم الرعب والإضطراب بصورة مذهلة.

وهذا الأمر تقريباً يمثّل أصلا كليّاً في مورد إقتتال الفئات غير المؤمنة فيما بينهم، وكذلك محاربتهم للمؤمنين.

ونشاهد مصاديق هذا المعنى بصورة متكرّرة أيضاً في التأريخ المعاصر، حيث نلحظ عند إشتباك مجموعتين غير مؤمنتين مع بعضهما شدّة الفتك وقسوة الإنتقام وشراسة المواجهة بينهما بصورة لا تدعو للشكّ في قوّة كلّ منهما ... ولكن لو تغيّرت المعادلة، وأصبحت المواجهة بين مجموعة غير مؤمنة بالله واُخرى مؤمنة مستعدّة للشهادة في سبيل الله، عند ذلك نرى أعداء الحقّ يلوذون إلى القلاع

______________________________

1 ـ آل عمران، الآية 151.

[ 205 ]

المحكمة ويخفون أنفسهم في المواضع ووراء المتاريس وخلف الأسلحة، ويسيطر عليهم الخوف ويهيمن عليهم الرعب ويملأ كلّ وجودهم، والحقيقة أنّ المسلمين إذا جعلوا إيمانهم وقيمهم الإسلامية هي الأساس فإنّهم منتصرون ومتفوقون على الأعداء بلا ريب.

ولهذا السبب ـ وإستمراراً لما ورد في نفس الآية ـ نستعرض سبباً آخر من أسباب إندحار المنافقين، حيث يقول سبحانه: ( تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتّى ذلك بأنّهم قوم لا يعقلون).

«شتّى» بمعنى (شتيت) أي متفرّق.

إنّ القرآن الكريم في تحليل المسائل بشكل دقيق جدّاً وملهم يؤكّد على أنّ (التفرقة والنفاق الداخلي) وليدة (الجهل وعدم المعرفة) لأنّ الجهل عامل الشرك، والشرك عامل للتفرقة، والتفرقة تسبّب الهزيمة. وبالعكس فإنّ «العلم» عامل لوحدة العقيدة والعمل والإنسجام والإتّفاق، وهذه الصفات بحدّ ذاتها مصدر للإنتصار.

وهكذا فإنّ الإنسجام الظاهري للعناصر غير المؤمنة والإتفاقيات العسكرية والإقتصادية يجب ألاّ تخدعنا أبداً، لأنّ وراءها قلوب متناحرة متنافرة، ودليلها واضح وهو إنهماك كلّ منهم بمنافعه المادية بشكل شديد، وبما أنّ المنافع غالباً ما تكون متعارضة، فعندئذ تبرز الإختلافات والشحناء فيما بينهم، ولن تغني عن ذلك العهود والإتّفاقيات وشعارات الوحدة والإنسجام الظاهري. في الوقت الذي تكون فيه وحدة وإنسجام المؤمنين على قواعد واُصول ربّانية كأصل الإيمان والتوحيد والقيم الإلهية، وإذا اُصيب المسلمون بإنتكاسة في أعمالهم فإنّ ذلك دليل على إبتعادهم عن حقيقة الإيمان وما لم يعودوا إلى الإيمان فإنّ وضعهم لن يتحسّن.

* * *

[ 206 ]

الآيات

كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (15) كَمَثَلِ الشَّيْطَـنِ إِذْ قَالَ لِلإنسَـنِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّى بَرِىءٌ مِّنكَ إِنِّى أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَـلَمِينَ (16) فَكَانَ عَـقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِى النَّارِ خَـلِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَؤُا الظَّـلِمِينَ(17) يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَد وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنَسـهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَـسِقُونَ(18)  لاَ يَسْتَوِى أَصْحَـبُ النَّارِ وَأَصْحَـبُ الْجَنَّةِ أَصْحَـبُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (20)

التّفسير

حيل الشيطان والمهالك:

يستمرّ البحث في هذه الآيات حول قصّة بني النضير والمنافقين ورسم

[ 207 ]

خصوصية كلّ منهم في تشبيهين رائعين:

يقول سبحانه في البداية: ( كمثل الذين من قبلهم قريباً ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم)(1).

تحدّثنا هذه الآية عن ضرورة الإعتبار بما جرى لبني النضير والقوم الذين كانوا من قبلهم وما جرى لهم، خاصّة وأنّ الفترة الزمنية بين الحادثتين غير بعيدة.

ويعتقد البعض أنّ المقصود بقوله: ( الذين من قبلهم) هم مشركو مكّة الذين ذاقوا مرارة الهزيمة بكلّ كبريائهم في غزوة «بدر»، وأنهكتهم ضربات مقاتلي الإسلام، لأنّ هذه الحادثة لم يمرّ عليها وقت طويل بالنسبة لحادثة بني النضير، ذلك لأنّ حادثة بني النضير ـ كما أشرنا سابقاً ـ حدثت بعد غزوة «اُحد»، وغزوة بدر قبل غزوة اُحد بسنة واحدة، وبناءً على هذا فلم يمض وقت طويل بين الحادثتين.

في الوقت الذي يعتبرها كثير من المفسّرين إشارة إلى قصّة يهود «بني قينقاع»، التي حدثت بعد غزوة بدر، وإنتهت بإخراجهم من المدينة.

وطبيعي أنّ هذا التّفسير مناسب أكثر ـ حسب الظاهر ـ بإعتباره متلائماً أكثر مع يهود بني النضير، لأنّ يهود بني قينقاع كيهود بني النضير كانوا ذوي ثراء ومغرورين بقدرتهم القتالية، يهدّدون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين بقوّتهم وقدرتهم العسكرية ـ كما سنذكر ذلك تفصيلا إن شاء الله ـ إلاّ أنّ العاقبة لم تكن غير حصاد التيه والتعاسة في الدنيا والعذاب في الآخرة.

«وبال» بمعنى (عاقبة الشؤم والمرارة) وهي في الأصل مأخوذة من (وابل) بمعنى المطر الغزير، لأنّ المطر الغزير غالباً ما يكون مخيفاً ويقلق الإنسان من عاقبته المرتقبة، كالسيول الخطرة والدمار وما إلى ذلك.

______________________________

1 ـ هذه الجملة خبر لمبتدأ محذوف تقديره: مثلهم كمثل الذين من قبلهم.

[ 208 ]

ثمّ يستعرض القرآن الكريم تشبيهاً للمنافقين حيث يقول سبحانه: ( كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلمّا كفر قال انّي بريء منك إنّي أخاف الله ربّ العالمين)(1).

ما المقصود بـ «الإنسان» في هذه الآية؟

هل هو مطلق الإنسان الذي يقع تحت تأثير الشيطان، وينخدع بأحابيله ووعوده الكاذبة، ويسير به في طريق الكفر والضلال، ثمّ إنّ الشيطان يتركه ويتبرّأ منهم؟.

أو أنّ المقصود به شخص خاصّ أو (إنسان معيّن) كأبي جهل وأتباعه، حيث أنّ ما حصل لهم في غزوة بدر كان نتيجة تفاعلهم مع الوعود الكاذبة للشيطان، وأخيراً ذاقوا وبال أمرهم وطعم المرارة المؤلمة للهزيمة والإنكسار، كما في قوله تعالى: ( وإذ زيّن لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وانّي جار لكم فلمّا تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إنّي بريء منكم إنّي أرى ما لا ترون، إنّي أخاف الله والله شديد العقاب)(2).

أو أنّ المقصود منه هنا هو (برصيصا) عابد بني إسرائيل، حيث إنخدع بالشيطان وكفر بالله، وفي اللحظات الحاسمة تبرّأ الشيطان منه وإبتعد عنه، كما سيأتي شرح ذلك إن شاء الله ...؟

التّفسير الأوّل هو الأكثر إنسجاماً مع مفهوم الآية الكريمة، أمّا التّفسيران الثاني والثالث فنستطيع أن نقول عنهما: إنّهما بيان بعض مصاديق هذا المفهوم الواسع.

______________________________

1 ـ بالرغم من أنّ التعبير بـ (كمثل) في هذه الآية وفي الآية السابقة متشابهان، فإنّ بعض المفسّرين اعتبر الإثنين دليلا على مجموعة واحدة، إلاّ أنّ القرائن تبيّن بوضوح أنّ الأوّل يحكي وضع يهود بني النضير، والثاني يحكي وضع المنافقين، وعلى كلّ حال فإنّ هذه العبارة أيضاً خبر لمبتدأ محذوف تقديره مثلهم كمثل الشيطان.

2 ـ الأنفال، الآية 48.

[ 209 ]

وعلى كلّ حال فإنّ العذاب الذي يخشاه الشيطان ـ في الظاهر ـ هو عذاب الدنيا، وبناءً على هذا فإنّ خوفه جدّي وليس هزلا أو مزاحاً، ذلك لأنّ الكثير من الأشخاص يخشون العقوبات الدنيوية المحدودة، إلاّ أنّهم لا يأبهون للعقوبات البعيدة المدى ولا يعيرون لها إهتماماً.

نعم، هكذا حال المنافقين حيث يدفعون بحلفائهم من خلال الوعود الكاذبة والمكر والحيلة إلى اُتون المعارك والمشاكل ثمّ يتركونهم لوحدهم، ويتخلّون عنهم، لأنّ الوفاء لا يجتمع والنفاق.

وتتحدّث الآية اللاحقة عن مصير هاتين الجماعتين (الشيطان وأتباعه، والمنافقين وحلفائهم من أهل الكفر) وعاقبتهما البائسة، حيث النار خالدين فيها، فيقول سبحانه عنهم: ( فكان عاقبتهما أنّهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين)(1).

وهذا أصل كلّي فإنّ عاقبة تعاون الكفر والنفاق، والشيطان وحزبه، هو الهزيمة والخذلان، وعدم الموفّقية، وعذاب الدنيا والآخرة، في الوقت الذي تكون ثمره تعاون المؤمنين وأصدقائهم تعاون وثيق وبنّاء، وعاقبته الخير ونهايته الإنتصار والتمتع بالرحمة الإلهية الواسعة في عالم الدنيا والآخرة.

وتوجّه الآية اللاحقة حديثها للمؤمنين بعنوان إستنتاج من حالة الشؤم والبؤس التي اعترت المنافقين وبني النضير والشياطين، حيث يقول تعالى: ( ياأيّها الذين آمنوااتّقوا الله ولتنظر نفس ما قدّمت لغد)(2).

ثمّ يضيف تعالى مرّة اُخرى للتأكيد بقوله: ( واتّقوا الله إنّ الله خبير بما تعملون).

______________________________

1 ـ «عاقبتهما» خبر «كان» ومنصوب، و (إنّهما في النار) جاءت بمكان اسم كان و «خالدين» حال لضمير «هما».

2 ـ «ما» في (ما قدّمت لغد) هل أنّها موصولة أو إستفهامية؟ هناك إحتمالان، والآية الشريفة لها القدرة على تقبّل الإحتمالين، بالرغم من أنّ الإستفهامية أنسب.

[ 210 ]

نعم، التقوى والخوف من الله يدعوان الإنسان للتفكير بيوم غده (القيامة) بالإضافة إلى السعي إلى تنقية وتخليص وتطهير أعماله.

إنّ تكرار الأمر بالتقوى هنا تأكيد محفّز للعمل الصالح، كما أنّ الرادع عن إرتكاب الذنوب هو التقوى والخوف من الله تعالى.

واحتمل البعض أنّ الأمر الأوّل للتقوى هو بلحاظ أصل إنجاز الأعمال، أمّا الثاني فإنّه يتعلّق بطبيعة الإخلاص فيها.

أو أنّ الأوّل ملاحظ فيه إنجاز أعمال الخير، بقرينة جملة (ما قدّمت). والثاني ملاحظ فيه ما يتعلّق بتجنّب المعاصي والذنوب.

أو أنّ الأوّل إشارة إلى التوبة من الذنوب الماضية، والثاني (تقوى) للمستقبل.

إلاّ أنّه لا توجد قرينة في الآيات لهذه التفاسير، لذا فإنّ التأكّد أنسب.

والتعبير بـ (غد) إشارة إلى يوم القيامة، لأنّه بالنظر إلى قياس عمر الدنيا فإنّه يأتي مسرعاً، كما أنّ ذكره هنا بصيغة النكرة جاء لأهميّته.

والتعبير بـ (نفس) دلالة على مفرد، ويمكن أن تعني كلّ نفس، يعني كلّ إنسان يجب أن يفكّر بـ (غده) بدون أن يتوقّع من الآخرين إنجاز عمل له، وما دام هو في هذه الدنيا فإنّه يستطيع أن يقدّم لآخرته بإرسال الأعمال الصالحة من الآن إليها.

وقيل أنّه إشارة إلى قلّة الأشخاص الذين يفكّرون بيوم القيامة، كما نقول: (يوجد شخص واحد يفكّر بنجاة نفسه) إلاّ أنّ التّفسير الأوّل هو الأنسب حسب الظاهر، كما أنّ خطاب ( ياأيّها الذين آمنوا) وعمومية الأمر بالتقوى، دليل على عمومية مفهوم الآية.

وأكّدت الآية اللاحقة بعد الأمر بالتقوى والتوجّه إلى يوم القيامة على ذكر الله سبحانه، حيث يقول تعالى: ( ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم).

وأساساً فإنّ جوهر التقوى شيئان: ذكر الله تعالى، وذلك بالتوجّه والإنشداد إليه من خلال المراقبة الدائمة منه وإستشعار حضوره في كلّ مكان وفي كلّ

[ 211 ]

الأحوال، والخشية من محكمة عدله ودقّة حسابه الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها في صحيفة أعمالنا .. ولذا فإنّ التوجّه إلى هذين الأساسين (المبدأ والمعاد) كان على رأس البرامج التربوية للأنبياء والأولياء، وذلك لتأثيرها العميق في تطهير الفرد والمجتمع.

والنقطة الجديرة بالملاحظة أنّ القرآن الكريم يعلن هنا ـ بصراحة ـ أنّ الغفلة عن الله تسبّب الغفلة عن الذات، ودليل ذلك واضح أيضاً، لأنّ نسيان الله يؤدّي من جهة إلى إنغماس الإنسان في اللذات المادية والشهوات الحيوانية، وينسى خالقه، وبالتالي يغفل عن إدّخار ما ينبغي له في يوم القيامة.

ومن جهة اُخرى فانّ نسيان الله ونسيان صفاته المقدّسة وأنّه سبحانه هو الوجود المطلق والعالم اللامتناهي، والغنى اللامحدود .. وكلّ ما سواه مرتبط به، ومحتاج لذاته المقدّسة .. كلّ ذلك يسبّب أن يتصوّر نفسه مستقلا ومستغنياً عن المبدأ(1).

وأساساً فإنّ النسيان ـ بحدّ ذاته ـ من أكبر مظاهر تعاسة الإنسان وشقائه، لأنّ قيمة الإنسان في قابلياته ولياقاته الذاتية وطبيعة خلقه التي تميّزه عن الكثير من المخلوقات، وإذا نسيها فهذا يعني نسيان إنسانيته، وفي مثل هذه الحالة يسقط الإنسان في وحل الحيوانية، ويصبح همّه الأكل والشرب والنوم والشهوات.

وهذه كلّها عامل أساس للفسق والفجور، بل إنّ نسيان الذات هو من أسوأ مصاديق الفسق والخروج عن طاعة الله، ولهذا يقول سبحانه: ( اُولئك هم الفاسقون).

وممّا يجدر بيانه أنّ الآية لم تقل «لا تنسوا الله»، بل وردت بعبارة ( ولا تكونوا كالذين نسوا الله) أي كالأشخاص الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، وهي

______________________________

1 ـ الميزان، ج19، ص253.

[ 212 ]

في الحقيقة بيان مصداق حسّي وواضح يمكن للإنسان أن يرى فيه عاقبة نسيان الله تعالى.

والظاهر أنّ المقصود في هذه الآية هم المنافقون والذين اُشير لهم في الآيات السابقة، أو أنّ الملاحظ فيها هم يهود بني النضير، أو كلاهما.

وجاء نظير هذا المعنى في قوله تعالى: ( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إنّ المنافقين هم الفاسقون)(1).

ومع وجود قدر من التفاوت بين الآيتين، أنّه ذكر نسيان الله هناك كسبب لقطع رحمة الله عن الإنسان، وفي هذه الآية محل البحث سبب لنسيان الذات. وبالتالي فإنّ الآيتين تنتهيان إلى نقطة واحدة. «فلاحظ»

وفي آخر آية ـ مورد البحث ـ يستعرض سبحانه مقارنة بين هاتين الجماعتين: الجماعة المؤمنة المتّقية السائرة باتّجاه المبدأ والمعاد، والجماعة الغافلة عن ذكر الله، التي ابتليت كنتيجة للغفلة عن الله بنسيان ذاتها.

حيث يقول سبحانه: ( لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنّة).

ليس في الدنيا، ولا في المعتقدات، وليس في طريقة التفكير والمنهج، وليس في طريقة الحياة الفردية والإجتماعية للإنسان وأهدافه، ولا في المحصّلة الاُخروية والجزاء الإلهي .. إذ أنّ خطّ كلّ مجموعة من هاتين المجموعتين في اتّجاه متعارض .. متعارض في كلّ شيء وكلّ مكان وكلّ هدف .. إحداهما تؤكّد على ذكر الله والقيامة وإحياء القيم الإنسانية الرفيعة، والقيام بالأعمال الصالحة كذخيرة ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون .. والاُخرى غارقة في الشهوات واللذات المادية، وأسيرة الأهواء ومبتلية بالنسيان(2).. وبهذا فإنّ الإنسان على مفترق

______________________________

1 ـ التوبة، الآية 67.

2 ـ حذف المتعلّق أي متعلّق «لا يستوي» دليل على العموم.

[ 213 ]

طريقين، إمّا أن يرتبط بالقسم الأوّل، أو بالقسم الثاني، وليس غيرهما من سبيل آخر.

وفي نهاية الآية نلاحظ حكماً قاطعاً حيث يضيف سبحانه: ( أصحاب الجنّة هم الفائزون).

فليس في الدار الآخرة فقط يوجد (فائزون وخاسرون) بل في هذه الدنيا أيضاً، حيث يكون الإنتصار والنجاة والسكينة من نصيب المؤمنين المتّقين، كما أنّ الهزيمة والخسران في الدارين تكون من نصيب الغافلين.

ونقرأ في حديث لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه فسّر (أصحاب الجنّة) بالأشخاص الذين أطاعوه، وتقبّلوا ولاية علي (عليه السلام). وأصحاب النار بالأشخاص الذين رفضوا ولاية علي (عليه السلام)، ونقضوا العهد معه وحاربوه(1).

وطبيعي أنّ هذا أحد المصاديق الواضحة لمفهوم الآية، ولا يحدّد عموميتها.

* * *

بحوث

1 ـ التعاون العقيم مع أهل النفاق

إنّ ما جاء في الآيات أعلاه حول نقض العهد من قبل المنافقين والتخلّي عن حلفائهم في المواقف الحرجة والحاسمة، هو مسألة ملاحظة في حياتنا العملية أيضاً .. إنّهم شياطين يعدون هذا وذاك بالعون والدعم ويدفعونهم إلى لهوات الموت، ولكن حينما تحين ساعة الجدّ والضيق يتخلّون عنهم ويهربون منهم حفاظاً على أنفسهم، بالإضافة إلى أنّهم يملؤون قلوبهم بالشكّ والوسوسة ويدنسونهم بمختلف الذنوب.

______________________________

1 ـ نور الثقلين، ج5، ص292.

[ 214 ]

وليعلم بهذا كلّ من يروم التعاون مع النفاق وأهله، حيث سيلقى نفس المصير السابق.

والنموذج الذي نلاحظه في عصرنا هو: طبيعة الإتفاقات التي تبرمها القوى الكبرى والشياطين المعاصرين مع رؤوساء الحكومات المرتبطة بهم، والذي نلاحظه بصورة متكرّرة أنّ هذه الدول بالرغم من أنّها وضعت كلّ ما تملك في طبق وقدّمته لهؤلاء المستكبرين .. إلاّ أنّ هؤلاء خذلوهم في المواطن الصعبة والساعات الحرجة، فتركوهم لوحدهم حيث تتقاذفهم أعاصير المحن وأمواج الأزمات، وحيث يتجسّد فيهم قول الله تعالى كما ورد في القرآن الكريم بشأنهم: ( كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلمّا كفر قال إنّي بريء منك إنّي أخاف الله ربّ العالمين).

2 ـ قصّة العابد (برصيصا)

نقل بعض المفسّرين وأئمّة الحديث في نهاية الآيات رواية قصيرة عن عابد إسرائيلي إسمه (برصيصا) وهذه القصّة في الحقيقة يمكن أن تكون موضع إعتبار وعظة للبشرية أجمع، كي يتجنّبوا طريق الهلاك، ويحذروا من الوقوع في مصيدة الشراك الشيطانية النخرة والتي تكون نتيجتها ـ حتماً ـ السقوط في الهاوية.

وخلاصة ما جاء في هذه القصّة ما يلي:

يدّعي «برصيصا» قد عبد الله زماناً من الدهر حتّى كان يؤتى بالمجانين يداويهم ويعوذهم فيبرؤون على يديه، وانّه أُتي بامرأة قد جنّت وكان لها اُخوة فأتوه بها فكانت عنده، فلم يزل به الشيطان يزيّن له حتّى وقع عليها فحملت، فلمّا إستبان حملها قتلها ودفنها، فلمّا فعل ذلك ذهب الشيطان حتّى لقى أحد اُخوتها فأخبره بالذي فعل الراهب وانّه دفنها في مكان كذا، ثمّ أتى بقيّة اُخوتها، وهكذا إنتشر الخبر فساروا إليه فاستنزلوه فأقرّ لهم بالذي فعل، فاُمر به فصلب، فلمّا رفع

[ 215 ]

على خشبته تمثّل له الشيطان فقال: أنا الذي ألقيت في قلوب أهلها، وأنا والذي أوقعتك في هذا، فأطعني فيما أقول اُخلّصك ممّا أنت فيه، قال نعم. قال: اسجد لي سجدة واحدة، فقال: كيف أسجد لك وأنا على هذه الحالة، فقال: أكتفي منك بالإيماء، فأومى له بالسجود فكفر بالله وقتل، فهو قوله تعالى: ( كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر ...)(1).

نعم هكذا هو مصير من ابتلي بوسوسة الشيطان وسار في خطّه.

3 ـ ما ينبغي عمله

أكّدت الآيات محل البحث وجوب إهتمام الإنسان بما يرسله من متاع سلفاً لغده في يوم القيامة، قال تعالى: ( ولتنظر نفس ما قدّمت لغد) حيث أنّ هذه الذخيرة الاُخروية تمثّل أكبر رأسمال حقيقي للإنسان في مشهد يوم القيامة، لذا فإنّ هذا النوع من الأعمال الصالحة يلزم إعداده وتهيئته وإرساله مسبقاً، وإلاّ فلا أحد يهتمّ له بعد وفاته وإنقضاء أجله، وإذا أُرسل شيئاً فليس له شأن يذكر.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «تصدّقوا ولو بصاع من تمر، ولو ببضع صاع ولو بقبضة، ولو ببعض قبضة، ولو تمرة، ولو بشقّ تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيّبة، فإنّ أحدكم يلقى الله، فيقال له: ألم أفعل بك، ألم أفعل بك، ألم أجعلك سميعاً بصيراً، ألم أجعل لك مالا وولداً؟ فيقول: بلى، فيقول الله تبارك وتعالى: فانظر ما قدّمت لنفسك، قال: فينظر قدّامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله، فلا يجد شيئاً يقي به وجهه من النار»(2).

ونقرأ في حديث آخر أنّ الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان جالساً مع عدد من أصحابه، إذ

______________________________

1 ـ مجمع البيان، ج9، ص265، تفسير القرطبي، ج9، ص6518، وجاءت هذه القصّة مفصّلة أكثر في روح البيان، ج9، ص446.

2 ـ نور الثقلين، ج5، ص292.

[ 216 ]

دخل قوم من قبيلة «مضر»، متقلّدين السيف ومتهيئين للجهاد في سبيل الله، إلاّ أنّ ملابسهم رثّة، فعندما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) آثار الطاقة والجوع عليهم، تغيّرت ملامح وجهه، فدعا الناس إلى المسجد وارتقى المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: «أمّا بعد، ذلكم فإنّ الله أنزل في كتابه: ( ياأيّها الذين آمنوا اتّقوا الله ولتنظر نفس ما قدّمت لغد ...) تصدّقوا قبل أن لا تصدقوا، تصدّقوا قبل أن يحال بينكم وبين الصدقة، تصدّق امرؤ من ديناره، تصدّق امرؤ من درهمه، تصدّق امرؤ من برّه، من شعيره، من تمره، لا يحقّرن شيء من الصدقة ولو بشقّ تمرة».

فقام رجل من الأنصار، وأعطى كيساً لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فظهرت آثار الفرحة والسرور على وجهه المبارك، ثمّ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فعمل بها كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها، لا ينقص من اُجورهم شيئاً، ومن سنّ سنّة سيّئة فعمل بها كان عليه وزرها ووزر من عمل بها، لا ينقص من أوزارهم شيئاً. فقام الناس فتفرّقوا فمن ذي دينار ومن ذي درهم ومن ذي طعام ومن ذي ومن ذي فاجتمع فقسّمه بينهم».

وقد أكّدت هذا المعنى آيات قرآنية اُخرى ولمرّات عديدة، ومن جملة ذلك ما ورد في قوله تعالى: ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدّموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إنّ الله بما تعملون بصير)(1).

* * *

______________________________

1 ـ البقرة، الآية 110.

[ 217 ]

الآيات

لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَل لَّرَأَيْتَهُ خَـشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الاَْمْثَـلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21)هُوَ اللهُ الَّذِى لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَـلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَـدَةِ هُوَ الرَّحْمَـنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللهُ الَّذِى لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَـمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَـنَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ(23) هُوَ اللهُ الْخَـلِقُ الْبَارِىءُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الاَْسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِى السَّمَـوَتِ وَالاَْرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(24)

التّفسير

لو نزل القرآن على جبل:

تكملة للآيات السابقة التي كانت تهدف إلى تحريك النفوس والقلوب الإنسانية، وخاصّة عن طريق التذكير بالنهاية التي يكون عليها الإنسان، والمصير

[ 218 ]

الذي ينتظره، والذي يجدر أن يهيّئه في أبهى وأفضل صورة .. تأتي هذه الآيات المباركات التي هي آخر آيات سورة الحشر، والتي تأخذ بنظر الإعتبار مجمل ما ورد من آيات هذه السورة، لتوضّح حقيقة اُخرى حول القرآن الكريم، وهي: أنّ هذا الكتاب المبارك له تأثير عميق جدّاً حتّى على الجمادات، حيث أنّه لو نزل على الجبال لهزّها وحرّكها وجعلها في وضع من الإضطراب المقترن بالخشوع .. إلاّ أنّه ـ مع الأسف ـ هذا الإنسان القاسي القلب يسمع آيات الله تتلى عليه ولا تتحرّك روحه ولا يخشع قلبه، يقول سبحانه: ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدّعاً من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلّهم يتفكّرون).

فسّر الكثير من المفسّرين هذه الآيات بأنّها تشبيه، وقالوا: إنّ الهدف من ذلك هو بيان أنّ هذه الآيات إذا نزلت على الجبال بكلّ صلابتها وقوّتها إذا كان لها عقل وشعور ـ بدلا من نزولها على قلب الإنسان ـ فانّها تهتزّ وتضطرب إلى درجة أنّها تتشقّق، إلاّ أنّ قسماً من الناس ذوي القلوب القاسية والتي هي كالحجارة أو أشدّ قسوة لا يسمعون ولا يعون ولا يتأثّرون أدنى تأثير، وجملة: ( وتلك الأمثال نضربها للناس) إعتبرت دليلا وشاهداً على هذا الفهم.

وقد حملها البعض الآخر على ظاهرها وقالوا: إنّ كلّ الموجودات في هذا العالم ـ ومن جملتها الجبال ـ لها نوع من الإدراك والشعور الخاصّ بها، وإذا نزلت هذه الآيات عليها فانّها ستتلاشى، ودليل هذا ما ورد في الآية (74) من سورة البقرة في وصف جماعة من اليهود، قال تعالى: ( ثمّ قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة، وانّ من الحجارة لما يتفجّر منه الأنهار وإنّ منها لما يشقّق فيخرج منه الماء وانّ منها لما يهبط من خشية الله).

والتعبير بـ (مثل) يمكن أن يكون بمعنى هذا الوصف، كما جاءت هذه الكلمة مراراً مجسّدة لنفس المعنى، وبناءً على هذا، فإنّ التعبير المذكور لا يتنافى مع هذا التّفسير.

[ 219 ]

والشيء الممكن ملاحظته هنا، أنّه تعالى يقول في البداية: إنّ الجبال تخشع وتخضع للقرآن الكريم، ويضيف أنّها تتشقّق، إشارة إلى أنّ القرآن الكريم ينفذ تدريجيّاً فيها، وبعد كلّ فترة تظهر عليها آثار جديدة من تأثيرات القرآن الكريم، إلى حدّ تفقد فيه قدرتها وإستطاعتها فتكون كالعاشق الواله الذي لا قرار له ثمّ تنصدع وتنشقّ(1).

الآيات اللاحقة تستعرض قسماً مهمّاً من صفات جمال وجلال الله سبحانه، التي لكلّ واحدة منها الأثر العميق في تربية النفوس وتهذيب القلوب. وتحوي الآيات القرآنية الثلاثة خمسة عشر وصفاً لله سبحانه، أو بتعبير آخر فإنّ ثماني عشرة صفة من صفاته العظيمة تذكرها ثلاث آيات، وكلّ منها تتعلّق ببيان التوحيد الإلهي والإسم المقدّس، وتوضّح للإنسان طريق الهداية إلى العالم النوراني لأسماء وصفات الحقّ سبحانه، يقول تعالى: ( هو الله الذي لا إله إلاّ هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم).

هنا وقبل كلّ شيء يؤكّد على مسألة التوحيد، التي هي أصل لجميع صفات الجمال والجلال، وهي الأصل والأساس في المعرفة الإلهية، ثمّ يذكر علمه بالنسبة للغيب والشهود.

«الشهادة» و «الشهود» ـ كما يقول الراغب في المفردات ـ هي الحضور مقترناً بالمشاهدة سواء بالعين الظاهرة أو بعين البصيرة، وبناءً على هذا، فكلّ مكان تكون للإنسان فيه إحاطة حسيّة وعلمية يطلق عليها عالم شهود، وكلّ ما هو خارج عن هذه الحدود يطلق عليه «عالم الغيب» وكلّ ذلك في مقابل علم الله سواء، لأنّ وجوده اللامتناهي في كلّ مكان حاضر وناظر، فلا مكان ـ إذن ـ خارج حدود علمه وحضوره، قال تعالى: ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلاّ

______________________________

1 ـ «متصدّع» من مادّة (صدع)، بمعنى شقّ الأشياء القوية، كالحديد والزجاج، وإذا قيل لوجع الرأس: صداع، فإنّه بسبب شعور الإنسان أنّ رأسه يريد أن يتشقّق من الألم.

[ 220 ]

هو)(1).

والتوجّه بهذا الفهم نحو الذات الإلهية يؤدّي بالإنسان إلى الإيمان بأنّ الله حاضر وناظر في كلّ مكان، وعندئذ يتسلّح بالتقوى، ثمّ يعتمد على رحمته العامّة التي تشمل جميع الخلائق: (الرحمن) ورحمته الخاصّة التي تخصّ المؤمنين، (والرحيم) لتعطي للإنسان أملا، ولتعينه في طريق بناء نفسه والتكامل بأخلاقه وسلوكه بالسير نحو الله، لأنّ هذه المرحلة ـ الحياة الدنيا ـ لا يمكن للإنسان أن يجتازها بغير لطفه، لأنّها ظلمات وخطر وضياع.

وبهذا العرض ـ بالإضافة إلى صفة التوحيد ـ فقد بيّنت الآية الكريمة ثلاثة من صفاته العظيمة، التي كلّ منها تلهمنا نوعاً من المعرفة والخشية لله سبحانه.

أمّا في الآية اللاحقة، فبالإضافة إلى التأكيد على مسألة التوحيد فإنّها تذكر ثمانية صفات اُخرى لله سبحانه، حيث يقول الباريء عزّوجلّ: ( هو الله الذي لا إله إلاّ هو).

( الملك) الحاكم والمالك الحقيقي لجميع الكائنات.

( القدّوس) المنزّه من كلّ نقص وعيب.

( السلام)(2) لا يظلم أحد، وجميع الخلائق في سلامة من جهته.

وأساساً فإنّ دعوة الله تعالى هي للسلامة ( والله يدعو إلى دار السلام)(3).

وهدايته أيضاً باتّجاه السلامة ( يهدي به الله من اتّبع رضوانه سبل السلام)(4)

______________________________

1 ـ الأنعام، الآية 59.

2 ـ فسّر البعض كلمة «سلام» هنا بمعنى «السلامة من كلّ عيب ونقص وآفة»، وبالنظر إلى أنّ هذا المعنى مندرج في القدّوس والتي جاءت سابقاً، بالإضافة إلى أنّ كلمة سلام تقال في القرآن الكريم في الغالب بمعنى إعطاء السلامة للآخرين، وأساساً فإنّ كلمة سلام تقال عند اللقاء وتعني إظهار الصداقة والمحبّة وبيان الروابط الحميمة مع الطرف المقابل، فإنّ ما ذكرناه أعلاه هو الأنسب حسب الظاهر. (يرجى الإنتباه لذلك).

3 ـ يونس، الآية 25.

4 ـ المائدة، الآية 16.

[ 221 ]

والمقرّ الذي اُعدّ للمؤمنين أيضاً هو: بيت السلامة ( لهم دار السلام عند ربّهم).

وتحيّة أهل الجنّة أيضاً ليست بشيء سوى السلام: ( إلاّ قليلا سلاماً سلاماً)(1)

ثمّ يضيف سبحانه:

( المؤمن)(2) يعطي الأمان لأحبّائه، ويتفضّل عليهم بالإيمان.

( المهيمن) الحافظ والمراقب لكلّ شيء(3).

( العزيز) القادر الذي لا يقهر.

( الجبّار) مأخوذ من (جبر) يأتي أحياناً بمعنى القهر والغلبة ونفوذ الإرادة، وأحياناً بمعنى الإصلاح والتعويض، ومرج الراغب في المفردات كلا المعنيين حيث يقول: «وأصل (جبر) إصلاح شيء بالقوّة والغلبة» وعندما يستعمل هذا اللفظ لله تعالى، فإنّه يبيّن أحد صفاته الكبيرة، حيث أنّ نفوذ إرادته، وكمال قدرته يصلح كلّ فساد. وإذا استعملت في غير الله أعطت معنى المذمّة، وكما يقول الراغب فإنّها تطلق على الشخص الذي يريد تعويض نقصه بإظهاره لاُمور غير لائقة، وقد ورد هذا المصطلح عشر مرّات في القرآن الكريم، تسع مرّات حول الأشخاص الظالمين والمستكبرين المتسلّطين على رقاب الاُمّة والمفسدين في

______________________________

1 ـ الواقعة، الآية 26.

2 ـ ذكر بعض المفسّرين أنّ المؤمن هنا بمعنى صاحب الإيمان، إشارة إلى أنّه أوّل شخص مؤمن بذات الله الطاهرة، وصفاته ورسله (وهو الله تعالى) إلاّ أنّ الذي ذكر أعلاه أنسب.

3 ـ في الأصل لهذا المصطلح قولان بين المفسّرين وأرباب اللغة، حيث اعتبره البعض من مادّة (هيمن) والتي تعني المراقبة، والحفظ، والبعض الآخر اعتبره من مادّة (إيمان) تبدّلت الهمزة إلى الهاء بمعنى الباعث للهدوء، وورد هذا المصطلح مرّتين في القرآن الكريم: الاُولى: حول القرآن نفسه، كما في الآية (48) من سورة المائدة، والثانية: في وصف الله سبحانه في الآية مورد البحث. والموردان مناسبان للمعنى الأوّل، (لسان العرب وكذلك تفسير روح المعاني والفخر الرازي).

كما نقل أبو الفتوح الرازي في نهاية الآية مورد البحث عن أبي عبيدة أنّه جاء في كلام العرب خمس كلمات فقط على هذا الوزن: (مهيمن، مسيطر، مبيطر (طبيب الحيوانات) مبيقر (الذي يشقّ طريقه ويمضي فيه) مخيمر (اسم جبل).

[ 222 ]

الأرض ومرّة واحدة فقط عن الله القادر المتعال، حيث ورد بهذا المعنى في الآية مورد البحث.

ثمّ يضيف سبحانه: ( المتكبّر).

«المتكبّر» من مادّة (تكبّر) وجاءت بمعنيين:

الأوّل: إستعملت صفة المدح، وقد اُطلقت على لفظ الجلالة، وهو إتّصافه بالعلو والعظمة والسمات الحسنة بصورة عامّة.

والثّاني: إستعملت صفة الذمّ وهو ما يوصف به غير الله عزّوجلّ، حيث تطلق على الأشخاص صغار الشأن وقليلي الأهميّة .. الذين يدّعون الشأن والمقام العالي، وينعتون أنفسهم بصفات حسنة غير موجودة فيهم.

ولأنّ العظمة وصفات العلو والعزّة لا تكون لائقة لغير مقام الله سبحانه، لذا إستعمل هذا المصطلح هنا بمعناه الإيجابي حول الله سبحانه. وكلّما إستعمل لغير الله أعطى معنى الذمّ.

وفي نهاية الآية يؤكّد مرّة اُخرى مسألة التوحيد التي كان الحديث حولها إبتداءً حيث يقول تعالى: ( سبحان الله عمّا يشركون).

ومع التوضيح المذكور فإنّ من المؤكّد أنّ كلّ موجود لا يستطيع أن يكون شريكاً وشبيهاً ونظيراً للصفات الإلهية التي ذكرت هنا.

وفي آخر آية مورد للبحث يشير سبحانه إلى ستّ صفات اُخرى حيث يقول تعالى:

( هو الله الخالق).

( الباريء)(1).

______________________________

1 ـ الباريء من مادّة «بُرء» على وزن (قفل) وهي في الأصل بمعنى التحرّر والتخلّص من الاُمور السلبية، ولذا يقال (باريء) للشخص الذي يوجد شيئاً غير ناقص وموزون بصورة تامّة. وأخذه البعض ـ أيضاً ـ من مادّة (برى) على وزن (نفى) قطّ الخشب، حيث ينجز هذا العمل بقصد الموزونية، وصرّح بعض أئمّة اللغة أيضاً بأنّ الباريء هو الذي يبدأ شيئاً لم يكن له نظير في السابق.

[ 223 ]

( المصوّر).

ولأنّ صفات الله لا تنحصر فقط بالتي ذكرت في هذه الآية فإنّه سبحانه يشير إلى صفة أساسية لذاته المقدّسة اللامتناهية، حيث يقول عزّوجلّ: ( له الأسماء الحسنى).

ولهذا السبب فإنّه سبحانه منزّه ومبرّأ من كلّ عيب ونقص ( يسبّح له ما في السماوات والأرض) ويعتبرونه تامّاً وكاملا من كلّ نقص وعيب.

وأخيراً ـ للتأكيد الأكثر على موضوع نظام الخلقة ـ يشير سبحانه إلى وصفين آخرين من صفاته المقدّسة، التي ذكر أحدهما في السابق بقوله تعالى: ( وهو العزيز الحكيم).

الاُولى دليل كمال قدرته على كلّ شيء، وغلبته على كلّ قوّة.

والثانية إشارة إلى علمه وإطّلاعه ومعرفته ببرامج الخلق وتنظيم الوجود وتدبير الحياة.

وبهذه الصورة فإنّ مجموع ما ورد في الآيات الثلاث بالإضافة إلى مسألة التوحيد التي تكرّرت مرّتين، فإنّ مجموع الصفات المقدّسة لله سبحانه تكون سبع عشرة صفة مرتبة بهذا الشكل:

1 ـ عالم الغيب والشهادة.

2 ـ الرحمن.

3 ـ الرحيم.

4 ـ الملك.

5 ـ القدّوس.

6 ـ السلام.

[ 224 ]

7 ـ المؤمن.

8 ـ المهيمن.

9 ـ العزيز.

10 ـ الجبّار.

11 ـ المتكبّر.

12 ـ الخالق.

13 ـ الباريء.

14 ـ المصوّر.

15 ـ الحكيم.

16 ـ له الأسماء الحسنى.

17 ـ الموجود الذي تسبّح له كلّ موجودات العالم.

ومع صفة التوحيد يصبح عدد الصفات ثماني عشرة صفة. ويرجى الإنتباه إلى أنّ «التوحيد» و «العزيز» جاء كلّ منها مرّتين.

ومن بين مجموع هذه الصفات فإنّنا نلاحظ تنظيماً خاصّاً في الآيات الثلاث وهو: في الآية الاُولى يبحث عن أعمّ صفات الذات وهي (العلم) وأعمّ صفات الفعل وهي (الرحمة) التي هي أساس كلّ أعماله تعالى.

وفي الآية الثانية يتحدّث عن حاكميته وشؤون هذه الحاكمية وصفاته كـ (القدّوس والسلام والمؤمن والجبّار والمتكبّر) وبملاحظة معاني هذه الصفات ـ المذكورة أعلاه ـ فإنّ جميعها من خصوصيات هذه الحاكمية الإلهية المطلقة.

وفي الآية الأخيرة يبحث مسألة الخلق وما يرتبط بها من إنتظام في مقام تسلسل الخلقة والتصوير، وكذلك البحث في موضوع القدرة والحكمة الإلهية.

وبهذه الصورة فإنّ هذه الآيات تأخذ بيد السائرين في طريق معرفة الله، وتقودهم من درجة إلى درجة ومن منزل إلى منزل، حيث تبدأ الآيات أوّلا

[ 225 ]

بالحديث عن ذاته المقدّسة، ومن ثمّ إلى عالم الخلقة، وتارةً اُخرى بالسير نحو الله تعالى، حيث ترتفع روحيته إلى سمو الواحد الأحد، فيتطهّر القلب بالأسماء والصفات الإلهية المقدّسة، ويربى في أجواء هذه الأنوار والمعارف، حيث تنمو براعم التقوى على ظاهر أغصان وجوده، وتجعله لائقاً لقرب جواره لكي يكون وجوداً منسجماً مع كلّ ذرّات الوجود، مردّدين معاً ترانيم التسبيح والتقديس.

لذا فلا عجب أن تختص هذه الآية بصورة متميّزة في الروايات الإسلامية التي سنشير إليها فيما يلي ..

* * *

ملاحظتان

1 ـ التأثير الخارق للقرآن الكريم

إنّ لتأثير القرآن الكريم في القلوب والأفكار واقعية لا تنكر، وعلى طول التاريخ الإسلامي لوحظت شواهد عديدة على هذا المعنى، وثبت عملياً أنّ أقسى القلوب عند سماعها لآيات محدودة من القرآن الكريم تلين وتخضع وتؤمن بالذي جاء بالقرآن دفعةً واحدة، اللهمّ عدا الأشخاص المعاندين المكابرين فقد استثنوا من ذلك حيث طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون، وليس هنالك من أمل في هداية نفوسهم المدبِرة عن الله سبحانه.

ونقرأ في الآيات أعلاه العرض الرهيب الذي يصوّر نزول القرآن على جبل، وما هو الأثر سيحدثه حيث الخضوع والتصدّع والخشوع، وهذه كلّها دليل تأثير هذا الكلام الإلهي الذي نحسّ بحلاوة طعمه عند التلاوة المقرونة بحضور القلب.

2 ـ عظمة الآيات الأخيرة لسورة الحشر

إنّ الآيات الأخيرة لهذه السورة ـ التي إشتملت على قسم مهمّ من الأسماء

[ 226 ]

والصفات الإلهية ـ آيات خارقة وعظيمة وملهمة، وهي درس تربوي كبير للإنسان، لأنّها تقول له: إذا كنت تطلب قرب الله، وتريد العظمة والكمال .. فاقتبس من هذه الصفات نوراً يضيء وجودك.

وجاء في بعض الرّوايات أنّ «اسم الله الأعظم» هو في الآيات الأخيرة من سورة الحشر(1).

ونقرأ في حديث آخر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «من قرأ آخر الحشر غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر»(2).

وجاء في حديث آخر أنّه قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «من قرأ ( لو أنزلنا هذا القرآن) .. إلى آخرها، فمات من ليلته مات شهيداً»(3).

ويقول أحد الصحابة: سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الإسم الأعظم لله، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «عليك بآخر الحشر وأكثر قراءتها»(4).

حتّى أنّه جاء في حديث: «أنّها شفاء من كلّ داء إلاّ السأم، والسأم: الموت»(5).

والخلاصة أنّ الروايات التي جاءت في هذا المجال كثيرة في كتب الشيعة وأهل السنّة، وتدلّ جميعها على عظمة هذه الآيات ولزوم التفكّر في محتواها.

والجدير بالملاحظة أنّ هذه السورة كما أنّها بدأت بتسبيح الله واسمه العزيز الحكيم، فكذلك إنتهت بإسمه العزيز الحكيم، إذ أنّ الهدف النهائي للسورة هو معرفة الله وتسبيحه والتعرّف على أسمائه وصفاته المقدّسة.

وحول أسماء الله ـ التي اُشير إليها في الآيات أعلاه ـ كان لدينا بحث مفصّل

______________________________

1 ـ مجمع البيان، ج9، ص267.

2 ـ تفسير نور الثقلين، ج5 ص293.

3 ـ المصدر السابق.

4 ـ المصدر السابق.

5 ـ الدرّ المنثور، ج6، ص201.

[ 227 ]

في نهاية الآية (18) من سورة الأعراف.

اللهمّ، نقسم عليك بعظمة أسمائك وصفاتك أن تجعل قلوبنا خاشعة خاضعة أمام القرآن الكريم.

ربّنا إنّ مصيدة الشيطان خطيرة، ولا خلاص لنا منها إلاّ بلطفك، فاحفظنا في ظلّ لطفك من وساوس الشيطان.

إلهنا، تفضّل علينا بروح الإيثار والتقوى والإبتعاد عن البخل والبغض والحسد، وجنّبنا حبّ الذات والأنانية ..

آمين ياربّ العالمين.

نهاية سورة الحشر

* * *

 




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 11384418

  • التاريخ : 4/07/2022 - 11:29

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net