00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة ص من آية 26 ـ 44 من ( ص 488 ـ 527 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء الرابع عشر   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

[ 488 ]

 الآيات

 يَـدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِى الاَْرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ(26) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالاَْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّـلِحَـتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِى الاَْرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) كِتَـبٌ أَنزَلْنَـهُ إِلَيْكَ مُبَـرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا ءَايَـتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الاَْلْبَـبِ (29)

 

التّفسير

اُحكم بالعدل ولا تتّبع هوى النفس:

نواصل استعراض قصّة داود، ونقف هنا على أعتابها النهائية، حيث إن آيات بحثنا هذا هي آخر الآيات الواردة في هذه السورة بشأن داود، إذ تخاطبه بلهجة حازمة وبعبارات مفعمة بالمعاني، شارحة له وظائفه ومسؤولياته الجسيمة بعد أن

[ 489 ]

وضحت مقامه الرفيع، إذ تقول: (يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل اللّه إن الذين يضلون عن سبيل اللّه لهم عذاب شديد بما نسوا يوم القيامة).

محتوى هذه الآية التي تتحدّث عن مقام داود الرفيع والوظائف المهمّة التي كلّف بها، تبيّن أنّ القصص الخيالية والكاذبة التي نسجت بشأن زواج داود من زوجة (أوريا) كلّها كاذبة ولا أساس لها من الصحّة.

فهل يمكن أن ينتخب الباري عزّوجلّ شخصاً ينظر إلى شرف المؤمنين والمقرّبين منه بعين خؤونة ويلوّث يده بدم الأبرياء ـ خليفة له في الأرض، ويمنحه حكم القضاء المطلق؟!

هذه الآية تضمّ خمس جمل كلّ واحدة منها تتحدّث عن حقيقة معيّنة:

الاُولى: خلافة داود في الأرض، فهل المقصود منها خلافته للأنبياء السابقين، أمّ أنّها تعني خلافة الله؟ المعنى الثاني أنسب ويتطابق مع ما جاء في الآية (30) من سورة البقرة: (وإذ قال ربّك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة).

بالطبع فإنّ المعنى الواقعي للخلافة لا يتعلّق بالله، لأنّه يأتي في مورد وفاة شخص أو غيابه، والمراد من الخلافة هنا هو أن يكون نائباً لله بين العباد، والمنفّذ لأوامر الله سبحانه وتعالى في الأرض. هذه الجملة تبيّن أنّ الحكومة في الأرض يجب أن تستلهم شرعيّتها من الحكومة الإلهيّة، وأي حكومة لا تستلهم شرعيتها من الحكومة الإلهيّة فإنّها حكومة ظالمة وغاصبة.

الجملة الثانية: تأمر داود قائلة: بعد أن منحك الله سبحانه وتعالى هذه النعمة الكبيرة، أي الخلافة، فإنّك مكلّف بأن تحكم بين الناس بالحقّ (فاحكم بين الناس بالحقّ).

وفي واقع الأمر فإنّ إحدى ثمار خلافة الله هي ظهور حكومة تحكّم بالحقّ، ومن هذه الجملة يمكن القول أنّ حكومة الحقّ تنشأ ـ فقط ـ عن خلافة الله، وأنّها

[ 490 ]

النتيجة المباشرة لها.

أمّا الجملة الثالثة: فإنّها تشير إلى أهمّ خطر يهدّد الحاكم العادل، ألا وهو اتّباع هوى النفس (ولا تتبع الهوى).

نعم، فهوى النفس ستار سميك يغطّي بصيرة الإنسان، ويباعد بينه وبين العدالة.

لهذا فإنّ الجملة الرابعة تقول: (فيضلّك عن سبيل الله).

فأينما وجد الضلال كان لهوى النفس ضلع في ذلك، وأينما اتّبع هوى النفس فإنّ عاقبته الضلال.

فالحاكم الذي يتّبع هوى النفس، إنّما يفرّط بمصالح وحقوق الناس لأجل مطامعه، ولهذا السبب فإنّ حكومته تكون مضطربة ومصيرها الإنهيار والزوال.

ومن الممكن أن يكون لـ (هوى النفس) معاني واسعة، تضمّ في نفس الوقت هوى نفس الإنسان، وهوى النفس عند كلّ الناس، وهكذا فإنّ القرآن يحكم ببطلان المناهج الوضعيّة التي تستند على أفكار عامّة الناس في الحكم، لأنّ نتيجة الإثنين هو الضلال والإنحراف عن سبيل الله وصراط الحقّ.

واليوم نشاهد الآثار السيّئة لهذا النوع من التفكير في عالم يسمّى بالعالم المتطور والحديث، فأحياناً نرى أشنع وأقبح الأعمال تأخذ شكلا قانونياً نتيجة الأخذ بآراء الناس، ورائحة الفضيحة في هذا العالم قد أزكمت الاُنوف، والقلم يجلّ عن ذكرها.

صحيح أنّ اُسس الحكومة مستندة على الجماهير، وأنّ مشاركة الجميع فيها يحفظ اُسسها، إلاّ أنّ هذا لا يعني أنّ رأي الأكثرية هو معيار الحقّ والباطل في كلّ شيء وفي كلّ مكان.

فالحكومة يجب أن يكون إطارها الحقّ، ولتطبيق الحقّ لا بأس بالإستعانة بطاقات أفراد المجتمع، وعبارة (الجمهورية الإسلامية) المتكوّنة من كلمتي (الجمهورية) و (الإسلامية) تعطي المعنى السابق، وبعبارة اُخرى فإنّ اُصولها

[ 491 ]

مستمدّة من نهج الإسلام، وتنفيذ تلك الاُصول يتمّ بمشاركة الجماهير.

وأخيراً فإنّ الجملة الخامسة تشير إلى أنّ كلّ ضلال عن سبيل الله لا ينفكّ عن نسيان يوم الحساب، ومن ينسى يوم الحساب فإنّ عذاب الله الشديد ينتظره (إنّ الذين يضلّون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب).

ومن الطبيعي أنّ نسيان يوم القيامة هو مصدر الضلال، وكلّ ضلال مرتبط بالنسيان، وهذا المبدأ يوضّح التأثير التربوي في الإهتمام بالمعاد في حياة البشر.

ولقد وردت روايات بهذا الشأن في المصادر الإسلامية، ومنها حديث مشهور عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) جاء فيه: «أيّها الناس، إنّ أخوف ما أخاف عليكم إثنان: اتّباع الهوى، وطول الأمل; فأمّا اتّباع الهوى فيصدّ عن الحقّ، وأمّا طول الأمل فينسي الآخرة»(1).

أليس من الأفضل كتابة هذا الحديث بماء الذهب، ووضعه أمام الجميع خاصّة الحكّام والقضاة والمسؤولين.

وفي رواية اُخرى وردت عن الإمام الباقر (عليه السلام)، جاء فيها: «ثلاث موبقات: شحّ مطاع، وهوى متّبع، وإعجاب المرء بنفسه»(2).

وتتمّة للبحث الذي إستعرض حال داود وخلافته في الأرض، تتطرّق الآيات لأهداف خلق عالم الوجود، كي تشخّص أسباب الحكومة على الأرض التي هي جزء من ذلك العالم، وجاء في قوله تعالى: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظنّ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار).

هناك مسألة مهمّة تعدّ مصدراً لكلّ الحقوق، وهي: ما الهدف من وجود الخلق؟ فعندما ننظر إلى هذا العالم الوسيع، ونوافق على أنّ هذا العالم الوسيع لم يخلقه الله عبثاً، نتابع الهدف من وراء ذلك الخلق، الهدف الذي يمكن إيجازه في كلمات

________________________________

1 ـ نهج البلاغة، الخطبة (42).2 ـ كتاب «الخصال» نقلا عن نور الثقلين، المجلّد 4، الصفحة 453.

[ 492 ]

قصيرة وعميقة، وهي (التكامل) و (التعليم) و (التربية) ومن هنا نستنتج أنّ الحكومات عليها أن تسير وفق هذا الخطّ، فعليها أن تثبت اُسس التربية والتعليم لتكون أساس التكامل المعنوي عند الإنسان.

وبعبارة اُخرى: إنّ الحقّ والعدل هما أساس عالم الوجود، وعلى الحكومات أن تعمل وفق موازين الحقّ والعدالة.

الجملة الأخيرة من الآية السابقة التي تطرّقت إلى نسيان يوم الجزاء، متطابقة بصورة كاملة مع الآية مورد بحثنا، لأنّ هدف خلق العالم يوجب عدم نسيان يوم الجزاء والحساب، وكما قلنا في بحث المعاد (في آخر سورة يس) لو لم يكن هناك يوم للحساب، فإنّ خلق العالم يعدّ عبثاً.

ونهاية هذه الآية تشير إلى خطوط واضحة تفصّل بين الإيمان والكفر، وإعتقاد المذهب الإلحادي بعدم جدوى خلق العالم هو مثال للإبتلاءات التي إبتلينا بها اليوم، إذ أنّ اتّباع ذلك المذهب يعلنون بصراحة أنّ خلق العالم لا فائدة فيه، ولا هدف يرتجى من ورائه، فمن يفكّر هكذا كيف يتمكّن من تطبيق الحقّ والعدالة في حكومته؟!

الحكومة الوحيدة التي تستطيع تطبيق الحقّ والعدالة، هي الحكومة التي تستلهم أفكارها ومعتقداتها من المبادىء الإلهيّة، والتي تقول إنّ الباري عزّوجلّ لم يخلق العالم عبثاً وإنّما خلقه لأهداف وأغراض معيّنة، كي تسير الحكومات وفق تلك الأهداف، وإذا كان العالم الإلحادي قد وصل اليوم إلى طريق مسدود في شؤون الحكم والحرب والسلام وفي الإقتصاد والثقافة، فالسبب الرئيسي يكمن في إبتعادهم عن هذا الأمر، ولهذا فإنّ اُسس حكوماتهم تقوم على الظلم والتسلّط، فكم تكون الدنيا موحشة ورهيبة إذا أصبحت تدار وفق هذا النوع من التفكير العشوائي!

على أيّة حال، فإنّ الباري عزّوجلّ حكيم، ومن غير الممكن أن يخلق هذا

[ 493 ]

العالم من دون هدف، فالعالم هذا مقدّمة لعالم آخر أكبر وأوسع من عالمنا هذا، وهو أبدي وخالد يوضّح الأهداف الحقيقيّة وراء خلق عالم الدنيا.

الآية التالية تضيف: (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتّقين كالفجّار)(1).

كما أنّ عدم وجود هدف من خلق العالم يعدّ أمراً مستحيلا، فمن المستحيل أيضاً المساواة بين الصالحين والطالحين، لأنّ المجموعة الاُولى كانت تخطو خطواتها وفق أهداف خلق العالم للوصول إلى الغاية النهائية، بينما كانت المجموعة الثانية تسير بإتّجاه مخالف لمسير المجموعة الاُولى.

الواقع أنّ بحث المعاد بكافّة أبعاده قد تمّ تناوله في هذه الآية والآية التي سبقتها بشكل مستدلّ.

فمن جهة تقول: إنّ حكمة الخالق تقتضي أن يكون لخلق العالم هدف، وهذا الهدف لا يتحقّق بعدم وجود عالم آخر، لأنّ الأيّام القلائل التي يعيشها الإنسان في هذه الدنيا لا قيمة لها بالنسبة للهدف الرئيسي الكامن وراء خلق هذا العالم الواسع.

ومن جهة اُخرى، فإنّ حكمة وعدالة الباري عزّوجلّ تفرض أن لا يتساوى المحسن والمسيء والعادل والظالم، ولهذا كان البعث والثواب والعقاب والجنّة والنار.

وبغضّ النظر عن هذا، فعندما ننظر إلى ساحة المجتمع الإنساني في هذه الدنيا نشاهد الفاجر في مرتبة المؤمن، والمسيء إلى جانب المحسن، ولربّما في أكثر الأحيان نرى المفسدين المذنبين يعيشون في حالة من الرفاه والتنعّم أكثر من غيرهم، فإذا لم يكن هناك عالم آخر بعد عالمنا هذا لتطبيق العدالة هناك، فإن

________________________________

1 ـ بعض المفسّرين قالوا: إنّ (أمّ) هنا تعطي معنى (بل) للاضراب، وهنا إحتمال آخر يقول: إنّ (أم) جاءت للعطف على إستفهام محذوف، وتقدير الآية هو (أخلقنا السموات والأرض باطلا أم نجعل المتّقين كالفجّار؟).

[ 494 ]

وضع العالم هذا مخالف «للحكمة» و (للعدالة)، وهذا هو دليل آخر على مسألة المعاد.

وبعبارة اُخرى، فلإثبات مسألة المعاد ـ أحياناً ـ يمكن الإستدلال عليها عن طريق برهان (الحكمة) وأحياناً اُخرى عن طريق برهان (العدالة)، فالآية السابقة إستدلال بالحكمة، والآية التي بعدها إستدلال بالعدالة.

الآية الأخيرة في بحثنا هذا تشير إلى موضوع يوضّح ـ في حقيقة الأمر ـ الهدف من الخلق، إذ جاء في الآية الكريمة: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدّبروا آياته وليتذكّر اُولوا الألباب).

فتعليماته خالدة، وأوامره عميقة وأصيلة، ونظمه باعثة للحياة وهادية للإنسان إلى الطريق المؤدّي إلى إكتشاف هدف الخلق.

فالهدف من نزول هذا الكتاب العظيم لم يقتصر ـ فقط ـ على تلاوته وتلفّظ اللسان به، بل لكي تكون آياته منبعاً للفكر والتفكّر وسبباً ليقظة الوجدان، لتبعث بدورها الحركة في مسير العمل.

كلمة (مبارك) تعني شيئاً ذا خير دائم ومستمر، أمّا في هذه الآية فإنّها تشير إلى دوام إستفادة المجتمع الإنساني من تعليماته، ولكونها إستعملت هنا بصورة مطلقة، فإنّها تشمل كلّ خير وسعادة في الدنيا والآخرة.

وخلاصة الأمر، فإنّ كلّ الخير والبركة في القرآن، بشرط أن نتدبّر في آياته ونستلهم منها ونعمل بها.

* * *

 

ملاحظتان

1 ـ التقوى والفجور أمام بعضهما البعض

في الآيات المذكورة أعلاه، ورد الفساد في الأرض في مقابل الإيمان والعمل

[ 495 ]

الصالح، والفجور (الذي يعني تمزيق حجب الدين) في مقابل التقوى والورع.

هل أنّ هذين الإثنين، يوضّحان حقيقة واحدة في عبارتين، أم أنّهما يوضّحان موضوعين؟ من غير المستبعد أن يكون الإثنان تأكيداً لمعنى واحد، لأنّ (المتّقين) هم المؤمنون أصحاب العمل الصالح و (الفجّار) هم المفسدون في الأرض.

ويحتمل في أن تكون الجملة الاُولى هي إشارة إلى الجوانب العملية والعقائدية لكلا الطرفين، إذ تقارن بين أصحاب العقائد الصحيحة والأعمال الصالحة وبين أصحاب العقائد الفاسدة والأعمال الخبيثة، في حين أنّ الجملة الثانية تشير فقط إلى الجانب العملي.

ويحتمل أيضاً أنّ (التقوى والفجور) شاهدان على كمال ونقص الإنسان، والعمل الصالح والفساد في الأرض شاهدان على الجوانب الإجتماعية، ولكن التأكيد يعدّ أنسب.

 

2 ـ لمن تعني هذه الآيات؟

جاء في إحدى الروايات التي تفسّر قوله تعالى: (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) بأنّها إشارة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأنصاره، في حين أنّ بقيّة الآية (المفسدين في الأرض) إشارة إلى أعدائه(1).

وجاء في حديث آخر نقله (ابن عساكر) عن ابن عبّاس، في أنّ المقصودين في الآية (الذين آمنوا) «علي» و «حمزة» و «عبيدة» الذين واجهوا في معركة بدر كلا من «عتبة» و «الوليد» و «شيبة» ورموز جيش الكفر والشرك (وتمكّنوا من قتلهم في ساحة المعركة. فبهذا يكون عتبة والوليد وشيبة هم المقصودين في الآية

________________________________

1 ـ تفسير نور الثقلين، المجلّد الرابع، الصفحة 453 (الحديث 37).

[ 496 ]

(المفسدين في الأرض)(1).

الواضح من معنى هذه الرّوايات أنّها لا تحصر مفهوم الآية في أفراد معينين، وإنّما هي بيان لأسباب النّزول، أو أنّها مصداق واضح وبارز لهذه الآية.

 

* * *

________________________________

1 ـ تفسير روح المعاني، المجلّد 23، الصفحة 171.

[ 497 ]

 

 

 

 

 

الآيات

 

وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَـنَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِىِّ الصَّـفِنَـتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّىّ أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَىَّ فَطَفِقَ مَسْحَا بِالسُّوقِ وَالاَْعْنَاقِ (33)

 

التّفسير

سليمان (عليه السلام)

يستعرض قوّاته القتالية:

هذه الآيات تواصل البحث السابق بشأن داود(عليه السلام).

فالآية الاُولى تزفّ البشرى لداود في أنّه سيرزق بولد صالح هو سليمان، وسيتولّى الحكم وأعباء الرسالة من بعده، وتقول: (ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنّه أوّاب).

هذه الجملة تبيّن عظمة مقام سليمان، ويحتمل كونها ردّاً على الإتّهامات القبيحة والعارية من الصحّة الواردة في التوراة المحرّفة عن ولادة سليمان من زوجة أوريا، والتي كانت شائعة في المجتمع قبل نزول القرآن.

فعبارة (وهبنا) من جهة و (نعم العبد) من جهة اُخرى، وللتعليل (إنّه أوّاب) أي

[ 498 ]

(الشخص المطيع لله والممتثل لأوامره، والذي يتوب إلى الباري عزّوجلّ إثر أبسط غفلة أو زلّة) من جهة ثالثة، كلّها تدلّ على عظمة مقام هذا النّبي الكبير.

وعبارة (إنّه أوّاب) هي نفس العبارة التي جاءت بحقّ والده داود في الآية (17) من نفس السورة، ورغم أنّ كلمة (أوّاب) صيغة مبالغة وتعني كثير الرجوع وغير محدودة، فإنّها هنا تعني العودة لطاعة الأمر الإلهي، العودة إلى الحقّ والعدالة، العودة من الغفلة وترك العمل بالأولى.

الآية التالية تبدأ بقصّة خيل سليمان، التي فسّرت بأشكال مختلفة، حيث أنّ البعض فسّرها بصورة سيّئة ومعارضة لموازين العقل، حتّى أنّه لا يمكن إيرادها بشأن إنسان عادي، فكيف ترد بحقّ نبي عظيم كسليمان (عليه السلام).

ولكن المحقّقين بعد بحثهم في الدلائل العقليّة والنقلية أغلقوا الطريق أمام أمثال هذه التّفسيرات، وقبل أن نخوض في الإحتمالات المختلفة الواردة، نفسّر الآيات وفق ظاهرها أو (وفق أقوى إحتمال ظاهري لها) لكي نوضّح أنّ القرآن الكريم خال من مثل هذه الإدّعاءات المزيّفة التي فُرضت على القرآن من قبل الآخرين.

إذ يقول القرآن: (إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد).

«صافنات» جمع (صافنة) وقال معظم اللغويين والمفسّرين: إنّها تطلق على الجياد التي تقوم على ثلاث قوائم وترفع أحد قوائمها الإمامية قليلا ليمسّ الأرض على طرف الحافر، وهذه الحالة تخصّ الخيول الأصيلة التي هي على أهبّة الإستعداد للحركة في أيّة لحظة(1).

«الجياد» جمع (جواد) وتعني الخيول السريعة السير، وكلمة «جياد» مشتقّة في الأصل من (جود)، والجود عند الإنسان يعني بذل المال، وعند الخيول يعني سرعة سيرها. وبهذا الشكل فإنّ الخيول المذكورة تبدو كأنّها على أهبّة الإستعداد

________________________________

1 ـ ويرى البعض: إنّ (صافنات)، تستعمل للمذكّر والمؤنث، ولهذا فإنّها لا تختّص بإناث الخيل.

[ 499 ]

للحركة أثناء حالة توقّفها، وإنّها سريعة السير أثناء عدوها.

ويستشف من الآية مع القرائن المختلفة المحيطة بها، أنّه في أحد الأيّام وعند العصر إستعرض سليمان (عليه السلام) خيوله الأصيلة التي كان قد أعدّها لجهاد أعدائه، إذ مرّت تلك الخيول مع فرسانها أمام سليمان (عليه السلام) في إستعراض منسّق ومرتّب. وبما أنّ الملك العادل وصاحب النفوذ عليه أن يمتلك جيشاً قويّاً، والخيول السريعة إحدى الوسائل المهمّة التي يجب أن تتوفّر لدى ذلك الجيش، فقد جاء هذا الوصف في القرآن بعد ذكر مقام سليمان بإعتباره نموذجاً من أعماله.

ولكي يطرد سليمان التصوّر عن أذهان الآخرين في أنّ حبّه لهذه الخيول القويّة ناتج من حبّه للدنيا، جاء في قوله تعالى: (فقال إنّي أحببت حبّ الخير عن ذكر ربّي) انّي اُحبّ هذه الخيل من أجل الله وتنفيذ أمره، واُريد الإستفادة منها في جهاد الأعداء.

لقد ورد أنّ العرب تسمّي «الخيل» خيراً، وفي حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال فيه: «الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة»(1).

وإستمرّ سليمان (عليه السلام) ينظر إلى خيله الأصيلة المستعدّة لجهاد أعداء الله، وهو يعيش حالة من السرور، حتّى توارت عن أنظاره (حتّى توارت بالحجاب).

كان هذا المشهد جميلا ولطيفاً لقائد كبير مثل سليمان، بحيث أمر بإعادة عرض الخيل مرّة اُخرى (ردّوها عليّ). وعندما نفّذت أوامره بإعادة الخيل، عمد سليمان (عليه السلام) إلى مسح سوقها وأعناقها (فطفق مسحاً بالسوق والأعناق).

وبهذا الشكل أشاد بجهود مدربي تلك الخيول، وأعرب لهم عن تقديره لها، لأنّ من الطبيعي لمن أراد أن يعرب عن تقديره للجواد أن يمسح رأس ذلك الجواد ووجهه ورقبته وشعر رقبته، أو يمسح على ساقه. وأبرز في نفس الوقت تعلّقه

 

________________________________

1 ـ مجمع البيان في ذيل الآيات مورد بحثنا، قال البعض: إنّ (خير) الواردة في الآية الآنفة الذكر تعني المال أو المال الكثير، وهذا التّفسير من الممكن أن يتطابق مع التّفسير السابق، لأنّ مصداق المال هنا هو الخيل.

[ 500 ]

الشديد بخيله التي تساعده في تحقيق أهدافه العليا السامية، وتعلّق سليمان الشديد بخيله ليس بأمر يبعث على العجب.

«طفق» بإصطلاح النحويين من أفعال المقاربة، وتأتي بمعنى «شرع».

«سوق» هي جمع (ساق) و (أعناق) جمع (عنق) ومعنى الآية هو أنّ سليمان شرع بمسح سوق الجياد وأعناقها.

ما ذكرناه بشأن تفسير هذه الآية يتطابق مع ما ذهب إليه بعض المفسّرين كالفخر الرازي، كما تمّت الإستفادة من بعض ما ورد عن العالم الشيعي الكبير السيّد المرتضى، إذ قال في كتابه (تنزيه الأنبياء) في باب نفي الإدّعاءات الباطلة والمحرّمة التي ينسبها بعض المفسّرين ورواة الحديث إلى سليمان (إنّ الله تعالى ابتدأ الآية بمدحه والثناء عليه فقال: (نعم العبد إنّه أوّاب) فلا يمكن أن يثني عليه بهذا الثناء ثمّ يتبعه من غير فصل بإضافة القبيح إليه، وأنّه يتلّهى بعرض الخيل عن فعل المفروض عليه من الصلاة، والذي يقتضيه الظاهر أنّ حبّه للخيل وشغفه بها كان عن إذن ربّه وبأمره وبتذكيره إيّاه، لأنّ الله تعالى قد أمرنا بإرباط الخيل وإعدادها لمحاربة الأعداء، فلا ينكر أن يكون سليمان (عليه السلام) مأموراً بمثل ذلك)(1).

أمّا العلاّمة المجلسي فقد ذكر في كتابه (بحار الأنوار) في باب النبوّة، تفسيراً لهذه الآيات يشابه كثيراً ما ذكر أعلاه(2).

على أيّة حال ـ وفق هذا التّفسير ـ لم يصدر من سليمان أي ذنب، ولم يحدث أي خلل في ترتيب الآيات، ولا تبدو أيّة مشكلة حتّى نعمد إلى توضيحها(3).

والآن نستعرض تفاسير اُخرى لمجموعة من المفسّرين بشأن هذه الآيات وأشهرها، ذلك التّفسير الذي يعود بالضمير في جملتي (توارت) و (ردّوها) إلى

________________________________

1 ـ تنزيه الأنبياء، الصفحة 93.2 ـ بحار الأنوار، المجلّد 14، الصفحة 104.3 ـ طبقاً لهذا التّفسير فإنّ الضمير في عبارتي (توارت) و (ردّوها) يعود على الخيل الماهرة والحاذقة (الصافنات الجياد).

[ 501 ]

(الشمس) التي لم ترد في تلك الآيات، ولكنّهم استدلّوا عليها من كلمة (العشي) (التي تعني آخر النهار بعد الزوال) الموجودة في آيات بحثنا.

وبهذا الشكل فإنّ الآيات تعطي المفهوم التالي، إنّ سليمان كان غارقاً في مشاهدة الخيل والشمس قد غربت واستترت خلف حجاب الاُفق، فغضب سليمان كثيراً لأنّه لم يكن قد صلّى صلاة العصر، فنادى ملائكة الله، ودعاها إلى ردّ الشمس، فإستجابت له الملائكة وردّتها إليه، أي رجعت فوق الاُفق، فتوضّأ سليمان (المراد بمسح السوق والأعناق هو أداء الوضوء الذي كان حينذاك يعمل به وفق سنّة سليمان، وبالطبع فإنّ كلمة (المسح) تأتي أحياناً في لغة العرب بمعنى الغسل) ثمّ صلّى.

البعض ممّن ليس لديهم الإطلاع الكافي تحدّثوا بأكثر من هذا، ونسبوا اُموراً سيّئة ومحرّمة اُخرى إلى هذا النّبي الكبير، عندما قالوا: إنّ المقصود من جملة (طفق مسحاً بالسوق والأعناق) هو أنّه أمر بضرب سوق وأعناق الخيل بالسيف، أو أنّه نفّذ هذا الأمر بشخصه، لأنّها شغلته عن ذكر الله والصلاة.

طبيعي أنّ بطلان التّفسير الأخير لا يخفى على أحد، لأنّ الخيول لا ذنب لها كي يقتلها سليمان بحدّ السيف، فإن كان هناك ذنب فقد إرتكبه هو، لأنّه كان غارقاً في مشاهدة خيله، ونسي صلاته.

وأحياناً فإنّ قتل الخيل إسراف إضافةً إلى كونه جريمة، فكيف يمكن أن يصدر مثل هذا العمل المحرّم من نبي، أمّا الروايات التي وردت من المصادر الإسلامية بشأن هذه الآية فإنّها تنفي ـ بشدّة ـ هذه التهمة الموجّهة إلى سليمان (عليه السلام).

أمّا التفاسير السابقة التي قالت بنسيان سليمان وغفلته عن أداء صلاة العصر، فهي موضع السؤال التالي، هل يمكن لنبي معصوم أن ينسى واجباً مكلّفاً به؟ رغم أنّ إستعراضه للخيول كان واجباً آخر مكلّفاً به، إلاّ إذا كانت الصلاة ـ كما قال

[ 502 ]

البعض ـ صلاة مندوبة أو مستحبّة، ونسيانها لا يسبّب أيّة مشاكل، ولكن إن كانت صلاة نافلة فلا ضرورة إذن لردّ الشمس.

إذا إنتهينا من هذا، فهناك إشكالات اُخرى وردت بشأن هذا التّفسير.

1 ـ كلمة (الشمس) لم تأت بصورة صريحة في الآيات، في حين أنّ الخيل (الصافنات الجياد) جاء ذكرها صريحاً، ونرى من المناسب أن نعود بالضمير على شيء صرّحت به الآيات.

2 ـ عبارة (عن ذكر ربّي) ظاهرها يعني أنّ حبّ هذه الخيل إنّما هو ناشيء من ذكر وطاعة أمر الله، في حين ـ طبقاً للتفسير الأخير ـ تعطي كلمة (عن) معنى (على) ويكون معنى العبارة، إنّي آثرت حبّ الخيل على حبّ ربّي، وهذا المعنى مخالف لظاهر الآية.

3 ـ الأعجب من كلّ ذلك هي عبارة (ردّوها عليّ) التي تحمل صفة الأمر، فهل يمكن أن يخاطب سليمان الباري عزّوجلّ أو ملائكته بصيغة الأمر، أن ردّوا عليّ الشمس، كما يخاطب عبيده أو خدمه.

4 ـ قضيّة ردّ الشمس، رغم أنّها في مقابل قدرة الباري عزّوجلّ تعدّ أمراً يسيراً، إلاّ أنّها تواجه بعض الإشكالات بحيث جعلتها أمراً لا يمكن قبوله من دون توفّر أدلّة واضحة عليها.

5 ـ الآيات المذكورة أعلاه تبدأ بمدح وتمجيد سليمان، في حين أنّ التّفسير الأخير لها يعطي معنى الذمّ والتحقير.

6 ـ إذا كانت الصلاة المتروكة واجبة، فتعليلها يعدّ أمراً صعباً، أمّا إذا كانت نافلة فلا داعي لردّ الشمس.

السؤال الوحيد المتبقّي هنا، هو أنّ هذا التّفسير ورد في عدّة روايات في مصادر الحديث، وإذا دقّقنا جيّداً في إسناد هذه الأحاديث، يتّضح لنا أنّها جميعاً

[ 503 ]

تفتقد السند الموثوق المعتبر، وأنّ أكثر هذه الروايات موضوعة.

أليس من الأفضل صرف النظر عن تلك الروايات غير الموثوقة، وإرجاع علمها إلى أصحابها، وتقبّل كلّ ما يبيّنه ظاهر الآيات بذهنية صافية ومتفتّحة، لنريح أنفسنا من عناء الإشكالات الفارغة.

 

* * *

[ 504 ]

 

 

 

 

 

الآيات

 

وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ (34)قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لاَِحَد مِّن بَعْدِى إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصابَ (36) وَالشَّيَـطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاص (37) وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى الاَْصْفَادِ (38) هَـذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَاب (39) وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَئَاب (40)

 

التّفسير

الإمتحان الصعب لسليمان وملكه الواسع:

هذه الآيات تتحدّث عن أحداث اُخرى من قصّة سليمان، وتبيّن أنّ الإنسان مهما إمتلك من قوّة وقدرة، فإنّها ليست منه، بل إنّ كلّ ما عنده هو من الله سبحانه وتعالى، هذا الموضوع يزيل حجب الغرور والغفلة عن عين الإنسان، ويجعله يشعر بصغر حجمه قياساً إلى هذا الكون.

القسم الأوّل من الآيات يتطرّق إلى أحد الإمتحانات التي إمتحن الله بها عبده

[ 505 ]

سليمان، الإمتحان في ترك العمل بالأولى، وكيف توجّه بعدها سليمان بقلب خاشع إلى الله سبحانه وتعالى طالباً منه العفو والتوبة لتركه العمل بالأولى.

إيجاز محتوى الآيات، سمح مرّة اُخرى لناسجي قصص الخيال أن ينسجوا قصصاً خيالية وهمية اُخرى، ويلصقوا التّهم بهذا النّبي الكبير ما لا يليق بالنبوّة، ويتنافى مع مقام العصمة، ويتنافى أساساً مع المنطق والعقل، وهذا بحدّ ذاته إمتحان للمحقّقين في علوم القرآن، فلو أنّنا إكتفينا بما تطرحه آيات القرآن لما بقيت ثغرة لنفوذ الخرافات والأباطيل.

الآية الاُولى في بحثنا هذا تقول: (ولقد فتنّا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثمّ أناب).

«الكرسي» يعني الأريكة ذات الأرجل القصيرة، ويبدو أنّه كان للسلاطين نوعان من الكراسي، الأوّل: له أرجل قصيرة يستخدم في الأوقات العادية، والثاني: له أرجل أطول يستخدمها السلاطين في إجتماعاتهم الرسمية، ويطلق على الأوّل اسم (كرسي) وعلى الثاني اسم (عرش).

«الجسد» يعني الجسم الذي لا روح فيه، وكما يقول الراغب في مفرداته: إنّ لها مفهوماً أكثر محدودية من مفهوم الجسم، لأنّ كلمة الجسد لا تطلق على غير الإنسان إلاّ نادراً، ولكن كلمة الجسم لها طابع عام.

يستفاد من هذه الآيات بصورة عامّة أنّ موضوع إمتحان سليمان كان بواسطة جسد خال من الروح اُلقي على كرسيّه وأمام عينيه، أمر لم يكن يتوقّعه، وآماله كانت متعلّقة بشيء آخر، والقرآن لا يعطي تفصيلات اُخرى في هذا المجال.

وقد أورد المفسّرون والمحدّثون تفسيرات متعدّدة في هذا المجال، أفضلها وأوضحها ما يلي:

إنّ سليمان (عليه السلام) كان متزوجاً من عدّة نساء، وكان يأمل أن يُرزق بأولاد صالحين شجعان ليساعدوه في إدارة شؤون البلاد وجهاد الأعداء، فحدّث نفسه

[ 506 ]

يوماً قائلا: لأطوفنّ على نسائي كي اُرزق بعدد من الأولاد لعلّهم يساعدونني في تحقيق أهدافي، ولكونه غفل عن قول (إن شاء الله) بعد تمام حديثه مع نفسه، تلك العبارة التي تبيّن توكّل الإنسان على الله سبحانه وتعالى في كلّ الاُمور والأحوال، فلم يرزق سوى ولد ميّت ناقص الخلقة جيء به واُلقي على كرسي سليمان (عليه السلام).

سليمان (عليه السلام) غرق ـ هنا ـ في تفكير عميق، وتألّم لكونه غفل عن الله لحظة واحدة وإعتمد على قواه الذاتية، فتاب إلى الله وعاد إليه.

وهناك تفسير آخر يمكن طرحه بعد التّفسير الأوّل وهو: إنّ الله سبحانه وتعالى إمتحن سليمان بمرض شديد، بحيث طرحه على كرسيه كجسد بلا روح من شدّة المرض، وعبارة (جسد بلا روح) مألوفة ودارجة في اللغة العربية إذ تطلق على الإنسان الضعيف والعليل.

وفي نهاية الأمر تاب سليمان إلى الله، وأعاد الله إليه صحّته، وعاد كما كان قبل مرضه (والمراد من (أناب) هنا عودة الصحّة والعافية إليه).

بالطبع هناك إشكال ورد على هذا التّفسير إذ أنّ عبارة (ألقينا) كان يجب أن تأتي بصورة (ألقيناه) حتّى تتناسب مع التّفسير المذكور أعلاه، يعني أنّا ألقينا سليمان على كرسيّه جسداً بلا روح، في حين أنّ هذه العبارة لم ترد في الآية بتلك الصورة، وتقديرها مخالف للظاهر.

عبارة (أناب) في هذا التّفسير جاءت بمعنى عودة الصحّة والعافية إليه، وهذا أيضاً مخالف للظاهر، أمّا إذا اعتبرنا أنّ معنى (أناب) هو التوبة والعودة إلى الله، فإنّها لا تلحق أي ضرر بالتّفسير، ولهذا فإنّ الشيء الوحيد المخالف لظاهر الآية ـ هنا ـ هو حذف ضمير عبارة (ألقيناه).

القصص الكاذبة والقبيحة التي تحدّثت عن فقدان خاتم سليمان، وعثور أحد الشياطين عليه، وجلوس ذلك الشيطان على عرش سليمان، كما ورد في بعض الكتب التي لا يستبعد أن يكون مصدرها هو كتاب (التلمود) اليهودي المليء

[ 507 ]

بالخرافات الإسرائيلية بما لا يتناسب مع العقل والمنطق.

وهذه القصص ـ في حقيقة الأمر ـ دليل إنحطاط أفكار مبتدعيها، ولهذا فإنّ المحقّقين المسلمين أينما ذكروها أعلنوا بصراحة زيفها وكونها مجرّد إختلاقات، وقالوا: إنّ مقام النبوّة والحكومة الإلهية غير مرتبط بالخاتم، ولم يستردّ الباري عزّوجلّ النبوّة من أحد أنبيائه بعد أن بعثه بها، حتّى يبعث الشيطان بصورة نبي ليجلس مكان سليمان (40) يوماً يحكم فيها بين الناس ويقضي بينهم(1).

على أيّة حال، فإنّ القرآن الكريم ـ من خلال الآية التالية ـ يكرّر الحديث بصورة مفصّلة حول قضيّة توبة سليمان التي وردت في آخر عبارة تضمّنتها الآية السابقة: (قال ربّ اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنّك أنت الوهّاب).

* * *

 

هنا يطرح سؤالان:

1 ـ هل يستشفّ البخل من طلب سليمان

(عليه السلام)

ذكر المفسّرون أجوبة كثيرة على هذا السؤال، الكثير منها لا يتطابق مع ظاهر الآيات، والجواب الذي يبدو أكثر تناسباً ومنطقية من بقيّة التفاسير هو أنّ سليمان طلب من الباري عزّوجلّ أن يهب له ملكاً مع معجزات خاصّة، كي يتميّز ملكه عن بقيّة الممالك، لأنّنا نعرف أنّ لكلّ نبي معجزة خاصّة به، فموسى (عليه السلام) معجزته العصا واليد البيضاء، ومعجزة إبراهيم (عليه السلام) عدم إحراق النار له بعد أن اُلقي فيها، ومعجزة صالح (عليه السلام) الناقة الخاصّة به، ومعجزة نبيّنا الأكرم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) هو القرآن المجيد، وسليمان كان ملكه مقترناً بالمعجزات الإلهيّة، كتسخير الرياح والشياطين له مع

________________________________

1 ـ وللإيضاح أكثر في أنّ كتب اليهود هي مصدر مثل هذه الخرافات، يراجع كتاب (أعلام القرآن) موضوع سليمان في القصص الصفحة 392.

[ 508 ]

مميّزات اُخرى.

وهذا الأمر لا يعدّ عيباً أو نقصاً بالنسبة للأنبياء الذين يطلبون من الله أن يؤيّدهم بمعجزة خاصّة، كي يبرهنوا للناس على صدق نبوّتهم، ولهذا فلا يوجد أي مانع في أن يطلب الآخرون ملكاً أوسع وأكبر من ملك سليمان، ولكن لا تتوفّر فيه الخصائص التي اُعطيت لسليمان.

والدليل على هذا الكلام الآيات التالية، والتي هي ـ في الحقيقة ـ تعكس إستجابة الباريء عزّوجلّ لطلب سليمان، وتتحدّث عن تسخير الرياح والشياطين لسليمان، وكما هو معروف فإنّ هذا الأمر هو من خصائص ملك سليمان.

ومن هنا يتّضح جواب السؤال الثاني الذي يقول، وفقاً لعقائدنا نحن المسلمون، فإنّ ملك المهدي (عجّل الله تعالى فرجه) سيكون ملكاً عالياً، وبالنتيجة سيكون أوسع من ملك سليمان. لأنّ ملك المهدي (عجّل الله تعالى فرجه) مع سعته وخصائصه التي تميّزه عن بقيّة الممالك، فإنّه يبقى من حيث الخصائص مختلفاً عن ملك سليمان، وملك سليمان يبقى خاصّاً به. خلاصة الأمر أنّ الحديث لم يختّص بزيادة ونقصان وتوسعة ملكه وطلب الإختصاص به، وإنّما اختصّ الحديث بكمال النبوّة والذي يتمّ بوجود معجزات خصوصية، لتميّزه عن نبوّة الأنبياء الآخرين، وسليمان كان طلبه منحصراً في هذا المجال.

ولقد ورد في بعض الرّوايات المنقولة عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)في ردّه على سؤال يقول: إنّ دعوة سليمان فيها بخل، إذ جاء في الحديث أنّ أحد المقرّبين عن الإمام الكاظم (عليه السلام) وهو علي بن يقطين سأل الإمام (عليه السلام) قائلا: أيجوز أن يكون نبي الله عزّوجلّ بخيلا؟

فقال: «لا».

فقلت له: فقول سليمان (عليه السلام): (ربّ اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي) ما وجهه ومعناه؟

[ 509 ]

فقال: «الملك ملكان: ملك مأخوذ بالغلبة والجور وإجبار الناس، وملك مأخوذ من قبل الله تعالى كملك آل إبراهيم وملك طالوت وذي القرنين، فقال سليمان (عليه السلام): هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي أن يقول إنّه مأخوذ بالغلبة والجور وإجبار الناس، فسخّر الله عزّوجلّ له الريح تجري بأمره رخاءً حيث أصاب، وجعل غدوّها شهراً ورواحها شهراً، وسخّر الله عزّوجلّ له الشياطين كلّ بنّاء وغوّاص، وعلّم منطق الطير ومكّن في الأرض، فعلم الناس في وقته وبعده أنّ ملكه لا يشبه ملك الملوك المختارين من قبل والمالكين بالغلبة والجور.

قال: فقلت له: فقول رسول الله: «رحم الله أخي سليمان بن داود ما كان أبخله»؟

فقال: «لقوله (عليه السلام) وجهان: أحدهما: ما كان أبخله بعرضه وسوء القول فيه، والوجه الآخر يقول: ما كان أبخله إن كان أراد ما كان يذهب إليه الجهّال»(1).

الآيات التالية تبيّن ـ كما قلنا ـ موضوع إستجابة الله سبحانه وتعالى لطلب سليمان ومنحه ملكاً يتميّز بإمتيازات خاصّة ونعم كبيرة، يمكن إيجازها في خمسة أقسام:

1 ـ تسخير الرياح له بعنوان واسطة سريعة السير، كما تقول الآية: (فسخّرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب).

من الطبيعي أنّ الملك الواسع الكبير يحتاج إلى واسطة اتّصال سريعة، كي يتمكّن صاحب ذلك الملك من تفقّد كلّ مناطق مملكته بسرعة في الأوقات الضرورية، وهذا الإمتياز منحه الباري عزّوجلّ لسليمان (عليه السلام).

أمّا كيف كانت الرياح تطيع أوامره؟

وبأي سرعة كانت تسير؟

وعلى أي شيء كان سليمان وأصحابه يركبون أثناء إنتقالهم من مكان إلى آخر عبر الرياح؟

________________________________

1 ـ كتاب علل الشرائع، نقلا عن تفسير نور الثقلين، المجلّد 4، الصفحة 459.

[ 510 ]

وما هي العوامل التي كانت تحفظهم من السقوط ومن إنخفاض وإرتفاع ضغط الهواء، وغيرها من المشاكل.

خلاصة الأمر: ما هي هذه الواسطة السريّة وذات الأسرار الخفيّة التي كانت موضوعة تحت تصرّف سليمان في ذلك العصر؟

تفاصيل هذه التساؤلات ليست واضحة بالنسبة لنا، وكلّ ما نعرفه أنّ تلك الاُمور الخارقة توضع تحت تصرّف الأنبياء لتسهّل لهم القيام بمهامهم. وهذه القضايا ليست بقضايا عادية، وإنّما هي نعم خارقة ومعجزات، وهذه الأشياء تعدّ شيئاً بسيطاً في مقابل قدرة الباري عزّوجلّ، وما أكثر المسائل التي نعرف أصلها في الوقت الذي لا نعرف أي شيء عن جزئياتها.

وهنا يطرح سؤال، وهو: كيف يمكن أن تتطابق عبارة (رخاء) الواردة في هذه الآية، والتي تعني (اللين) مع عبارة (عاصفة) والتي تعني الرياح الشديدة والواردة في الآية (81) من سورة الأنبياء: (ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها).

لهذا السؤال جوابان:

الأوّل: وصف الرياح بالعاصفة لبيان سرعة حركتها، ووصفها بالرخاء لبيان حركتها الهادئة والرتيبة، أي إنّ سليمان وأصحابه لم يكونوا يشعرون بأيّ إنّزعاج من جرّاء حركة الرياح السريعة، فهي كالوسائل السريعة السير الموجودة حالياً، التي يشعر الإنسان معها كأنّه جالس في إحدى غرف بيته، بينما تسير به تلك الوسيلة بسرعة عالية جدّاً.

وقد ذكر بعض المفسّرين جواباً آخر على ذلك السؤال، وهو: إنّ هاتين الآيتين تشيران إلى نوعين من الرياح سخّرهما الله سبحانه وتعالى لسليمان، إحداهما كانت سريعة السير، والثانية بطيئة.

2 ـ النعمة الاُخرى التي أنعمها الباريء عزّوجلّ على عبده سليمان (عليه السلام)، هي

[ 511 ]

تسخير الموجودات المتمردة ووضعها تحت تصرّف سليمان لتنجز له بعض الأعمال التي يحتاجها (والشياطين كلّ بنّاء وغوّاص)(1).

أي إنّ مجموعة منها منشغلة في البرّ ببناء ما يحتاج إليه سليمان من أبنية، واُخرى منشغلة بالغوص في البحر.

وبهذا الشكل فإنّ الله وضع تحت تصرّف سليمان قوّة مستعدّة لتنفيذ ما يحتاج إليه، فالشياطين ـ التي من طبيعتها التمرّد والعصيان ـ سخّرت لسليمان لتبني له، ولتستخرج المواد الثمينة من البحر.

ومسألة تسخير الشياطين لسليمان وتنفيذها لما يحتاج إليه، لم ترد في هذه الآية فقط، وإنّما وردت في عدّة آيات من آيات القرآن المجيد، ولكن في بعض الآيات ـ كالآية التي هي مورد بحثنا والآية (82) من سورة الأنبياء إستخدمت كلمة (الشياطين) فيها، فيما إستخدمت كلمة (الجنّ) في الآية (12) من سورة سبأ.

وكما قلنا سابقاً فإنّ (الجنّ) موجودات مخفية عن أنظارنا، ولها عقول وشعور وقدرة، وبعضها مؤمن وبعضها الآخر كافر، ولا يوجد هناك أي مانع من أن توضع ـ بأمر من الله ـ تحت تصرّف بعض الأنبياء، لتنجز له بعض الأعمنال.

وهناك إحتمال وارد أيضاً، وهو أنّ كلمة الشياطين لها معنى واسع قد يشمل حتّى العصاة من البشر، وقد إستخدم هذا المعنى في الآية (112) من سورة الأنعام، وبهذا الترتيب فإنّ الله سبحانه وتعالى منح سليمان قوّة جعلت حتّى المتمردّين العصاة ينصاعون لأوامره.

3 ـ النعمة الاُخرى التي أنعمها الباري عزّوجلّ على سليمان، هي سيطرته على مجموعة من القوى التخريبيّة، لأنّ هناك من بين الشياطين من لا فائدة فيه،  ولا سبيل أمام سليمان سوى تكبيلهم بالسلاسل، كي يبقى المجتمع في أمان من

________________________________

1 ـ (الشياطين) معطوفة على (الريح) والتي هي مفعول (سخّرنا)، و (كلّ بنّاء وغوّاص) بدل من الشياطين.

[ 512 ]

شرورهم، كما جاء في القرآن المجيد (وآخرين مقرنين في الأصفاد)(1).

«مقرّنين» مشتقّة من (قرن) وهي تشير إلى ربط الأيدي والأرجل أو الرقاب بالسلاسل.

«أصفاد» جمع (صفد) على وزن (مطر) وتعني القيود التي تكبّل بها أيدي السجناء.

وقال البعض: إنّ عبارة (مقرنين في الأصفاد) تعني الجامعة التي تجمع بين الرقبة واليدين، وهذا المعنى قريب من معنى «مقرنين» اللغوي وأكثر مناسبة له.

وهناك رأي آخر محتمل، وهو أنّ المقصود من هذه العبارة هو أنّ كلّ مجموعة منهم مغلولة بسلسلة واحدة.

وهنا يطرح هذا السؤال: إن كان المراد من الشياطين هم شياطين الجنّ، فإنّ اُولئك لهم جسم شفّاف لا يتناسب مع إستخدام الأغلال والسلاسل والقيود.

لهذا قال البعض: إنّها كناية عن إعتقال ومنع تلك الشياطين من أداء أي نشاط تخريبي، وإن كان المقصود من الشياطين هم المتمردون والعصاة من بني آدم فإنّ الأغلال والقيود تبقى محافظة على مفهومها الأصلي، أي إنّ إستخدامها هنا وارد.

4 ـ النعمة الرابعة التي أنعمها الله سبحانه وتعالى على نبيّه سليمان هي إعطاؤه الصلاحيات الواسعة والكاملة في توزيع العطايا والنعم على من يريد، ومنعها عمّن يريد حسب ما تقتضيه المصلحة، (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب).

عبارة (بغير حساب) إمّا أن تكون إشارة إلى أنّ الباريء عزّوجلّ قد أعطى لسليمان صلاحيات واسعة لن تكون مورد حساب أو مؤاخذة، وذلك لصفة العدالة التي كان يتمتّع بها سليمان في مجال إستخدام تلك الصلاحيات، أو أنّ العطاء الإلهي لسليمان كان عظيماً بحيث أنّه مهما منح منه فإنّه يبقى عظيماً وكثيراً.

وقال بعض المفسّرين: إنّ هذه العبارة تخصّ ـ فقط ـ الشياطين المقرنين

________________________________

1 ـ «آخرين» معطوفة على (كلّ بنّاء) وهي بمثابة مفعول (سخّرنا)، و (مقرنين) صفة لـ (آخرين).

[ 513 ]

بالأصفاد، وتخاطب سليمان بأنّه يستطيع إطلاق سراح أي منهم (إن رأى في ذلك صلاحاً، وإبقاء من يشاء في قيوده إن رأى الصلاح في ذلك.

إلاّ أنّ هذا المعنى مستبعد، لأنّه لا يتلاءم مع ظاهر كلمة (عطائنا).

5 ـ والنعمة الخامسة والأخيرة التي منّ الله سبحانه وتعالى بها على سليمان، هي المراتب المعنوية اللائقة التي شملته، كما ورد في آخر آية من آيات بحثنا (وإنّ له عندنا لزلفى وحسن مآب).

هذه الآية ـ في الحقيقة ـ هي الردّ المناسب على اُولئك الذين يدّنسون قدسية أنبياء الله العظام بادّعاءات باطلة وواهية يستقونها من كتاب التوراة الحالي المحرّف، وبهذا الشكل فإنّها تبرىء ساحته من كلّ تلك الإتّهامات الباطلة والمزيّفة، وتشيد بمرتبته عند الباريء عزّوجلّ، حتّى أنّ عبارة (حسن مآب)التي تبشّره بحسن العاقبة والمنزلة الرفيعة عند الله، هي ـ في نفس الوقت ـ إشارة إلى زيف الإدّعاءات المحرّفة التي نسبتها كتب التوراة إليه، والتي تدّعي أنّ سليمان انجرّ في نهاية الأمر إلى عبادة الأصنام إثر زواجه من امرأة تعبد الأصنام، وعمد إلى بناء معبد للأصنام، إلاّ أنّ القرآن الكريم ينفي ويدحض كلّ تلك البدع والخرافات.

* * *

 

ملاحظتان

1 ـ الحقائق التي تبيّنها لنا قصّة سليمان

من دون أيّ شكّ، إنّ القرآن الكريم يهدف من ذكر تاريخ الأنبياء إتمام برامج التربية من خلال عكس عين الحقائق في هذه القصص.

ومن جملة الاُمور التي رسمتها قصّة سليمان، ما يلي:

أ : إنّ إمساكه بزمام اُمور مملكة قويّة ذات إمكانيات ماديّة وإقتصادية واسعة

[ 514 ]

وحضارة ساطعة لا تتنافى مع المقامات المعنوية والقيم الإلهية والإنسانية، كما ذكرت ذلك الآيات المذكورة أعلاه بعد إنتهائها من سرد النعم الماديّة التي أجزلها الله على سليمان، إذ يقول القرآن المجيد: (وإنّ له عندنا لزلفى وحسن مآب).

وفي حديث ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال فيه: «أرأيتم ما اُعطي سليمان بن داود من ملكه؟ فإنّ ذلك لم يزده إلاّ تخشعاً، ما كان يرفع بصره إلى السماء تخشعاً لربّه»(1)!

ب : لإدارة شؤون مملكة كبيرة مترامية الأطراف، يجب توفّر وسيلة سريعة للإتّصال، كما ينبغي الإستفادة من الطاقات المختلفة، والحيلولة دون نفوذ القوى المخرّبة، والإهتمام بالقضايا العمرانية، والحصول على الأموال عن طريق إستخراج الثروات من البرّ والبحر، ووضع الإمكانات تحت تصرّف الولاة والعمّال المناسبين والجديرين بتسلّم المناصب، كلّ هذه الاُمور عكستها قصّة سليمان بصورة واضحة.

ج : الإستفادة من القوى البشرية بأقصى حدّ ممكن، بل ويمكن الإستفادة حتّى من الشياطين، إذ يمكن توجيهها وإرشادها للطريق الصحيح، وغلّ وتصفيد المتبقّي منها الذي لا يستفاد منه.

 

2 ـ سليمان في القرآن والتوراة

القرآن المجيد وصف نبي الله سليمان في الآيات المذكورة أعلاه بأنّه إنسان طاهر وصاحب قيم ومدبّر وعادل.

في حين وصفه كتاب التوراة الحالي المحرّف (والعياذ بالله) بأنّه رجل فاجر مطيع لهوى نفسه وذو نقاط ضعف كثيرة. والعجيب في الأمر أنّه إستعرض إلى جانب هذه الصفات الكاذبة والمزيّفة مناجاة سليمان لربّه وأشعاره الدينيّة وأمثاله

________________________________

1 ـ روح البيان، المجلّد 8، الصفحة 39.

[ 515 ]

وحكمه، والتي تشهد على أنّه رجل حكيم وحرّ، وهذا تناقض عجيب يشاهد في كتاب التوراة المحرّف الحالي.

ولمن يريد الإطلاع أكثر بهذا الشأن يمكنه مراجعة تفسير الآيات 12 و13 و14 من سورة سبأ، والذي جاء تحت عنوان (صور سليمان في القرآن وكتاب التوراة الحالي المحرّف).

 

* * *

[ 516 ]

 

 

 

 

 

الآيات

 

وَاذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِى الشَّيْطَـنُ بِنُصْب وَعَذَاب (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42)وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مُّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لاُِوْلِى الاَْلْبَـبِ (43) وَخَذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَـهُ صَابِراً نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)

 

التّفسير

حياة أيّوب المليئة بالحوادث والعبر:

الآيات السابقة تحدّثت عن سليمان (عليه السلام) وعن القدرة التي منحها إيّاه الباريء عزّوجلّ، والتي كانت بمثابة البشرى لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولمسلمي مكّة الذين كانوا يعيشون تحت ضغوط صعبة.

آيات بحثنا هذا تتحدّث عن أيّوب الذي كان اُنموذجاً حيّاً للصبر والإستقامة، وذلك لتعطي درساً لمسلمي ذلك اليوم ويومنا الحاضر وغداً، درساً في مقاومة مشاكل وصعاب الحياة، ولتدعوهم إلى الإتّحاد والتعاون، كما وضّحت العاقبة المحمودة للصبر والصابرين.

[ 517 ]

وأيّوب هو ثالث نبي من أنبياء الله تستعرض هذه السورة (سورة ص) جوانب من حياته، وهي بذلك تدعو رسولنا الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى تذكّر هذه القصّة، وحكايتها للمسلمين، كي يصبروا على المشاكل الصعبة التي كانت تواجههم، ولا ييأسوا من لطف ورحمة الله.

اسم «أيّوب» أو قصّته وردت في عدّة سور من سور القرآن المجيد، منها الآية (163) في سورة النساء، والآية (84) في سورة الأنعام التي ذكرت إسمه في قائمة أنبياء الله الآخرين، وبيّنت وأثبتت مقام نبوّته، بخلاف كتاب التوراة الحالي الذي لم يعتبره من الأنبياء، وإنّما إعتبره أحد عباد الله المحسنين والأثرياء وذا عيال كثيرين.

كما أنّ الآيات (83) و84) في سورة الأنبياء إستعرضت بصورة مختصرة جوانب من حياة أيّوب (عليه السلام)، أمّا آيات بحثنا هذه فإنّها تستعرض حياته بصورة مفصّلة أكثر من أيّ سورة اُخرى من خلال أربعة آيات:

فالاُولى تقول: (واذكر عبدنا أيّوب إذ نادى ربّه أنّي مسّني الشيطان بنصب وعذاب).

«نصب» على وزن (عسر)، و (نصب) على وزن (حسد)، وكلاهما بمعنى البلاء والشرّ.

هذه الآية تبيّن أوّلا علوّ مقام أيّوب عند الباري عزّوجلّ، وذلك من خلال كلمة «عبدنا»، وثانياً فإنّها تشير بصورة خفيّة إلى الإبتلاءات الشديدة التي لا تطاق، وإلى الألم والعذاب الذي مسّ أيّوب (عليه السلام).

ولم يرد في القرآن الكريم شرحاً مفصّلا لما جرى على أيّوب (عليه السلام)، وإنّما نقرأ في كتب الحديث المعروفة والتفاسير تفاصيل هذه القصّة.

ففي تفسير نور الثقلين نقرأ أنّ أبا بصير سأل الإمام الصادق عن بليّة أيّوب التي ابتلي بها في الدنيا لأيّ علّة كانت؟ (لعلّ السائل كان يظنّ أنّ أيّوب ابتلي بما ابتلي

[ 518 ]

به لمعصية إرتكبها) فأجاب (عليه السلام) بقوله: «لنعمة أنعم الله عزّوجلّ عليه بها في الدنيا وأدّى شكرها، وكان في ذلك الزمان لا يحجب إبليس دون العرش، فلمّا صعد ورأى شكر نعمة أيّوب (عليه السلام) حسده إبليس، فقال: ياربّ، إنّ أيّوب لم يؤدّ إليك شكر هذه النعمة إلاّ بما أعطيته من الدنيا، ولو حرمته دنياه ما أدّى إليه شكر نعمة أبداً، فسلّطني على دنياه حتّى تعلم أنّه لم يؤدّ إليك شكر نعمة أبداً».

(ولكي يوضّح الباريء عزّوجلّ إخلاص أيّوب للجميع، ويجعله نموذجاً حيّاً للعالمين حتّى يشكروه حين النعمة ويصبروا حين البلاء، سمح الباري عزّوجلّ للشيطان في أن يتسلّط على دنيا أيّوب).

«فقال له الباري عزّوجلّ: قد سلّطتك على ماله وولده، قال: فانحدر إبليس فلم يبق له مالا ولا ولداً إلاّ أعطبه (أي أهلكه) فإزداد أيّوب لله شكراً وحمداً. قال: فسلّطني على زرعه ياربّ، قال: قد فعلت، فجاء مع شياطينه فنفخ فيه فاحترق، فازداد أيّوب لله شكراً وحمداً، فقال: ياربّ سلّطني على غنمه، فسلّطه على غنمه فأهلكها، فإزداد أيّوب لله شكراً وحمداً، فقال: ياربّ سلّطني على بدنه فسلّطه على بدنه ما خلا عقله وعينيه، فنفخ فيه إبليس فصار قرحة واحدة من قرنه إلى قدمه، فبقي في ذلك دهراً طويلا يحمد الله ويشكره».

 

(ولكن وقعت حادثة كسرت قلبه وجرحت روحه جرحاً عميقاً، وذلك عندما زارته مجموعة من رهبان بني إسرائيل).

«وقالوا له: ياأيّوب لو أخبرتنا بذنبك لعلّ الله كان يهلكنا إذا سألناه، وما نرى إبتلاك بهذا الإبتلاء الذي لم يبتل به أحد إلاّ من أمر كنت تستره؟ فقال أيّوب (عليه السلام): وعزّة ربّي لم أرتكب أي ذنب، وما أكلت طعاماً إلاّ ويتيم أو ضعيف يأكل معي»(1).

________________________________

1 ـ هذه الرواية وردت في تفسير نور الثقلين نقلا عن تفسير علي بن إبراهيم، ونفس المضمون ورد في (تفسير القرطبي) و (الفخر الرازي) و (الصافي) وغيرها مع إختلاف بسيط.

[ 519 ]

حقّاً إنّ شماتة أصحابه كانت أكثر ألماً عليه من أيّة مصيبة اُخرى حلّت به، ورغم هذا لم يفقد أيّوب صبره، ولم يلوّث شكره الصافي كالماء الزلال بالكفر، وإنّما توجّه إلى الباريء عزّوجلّ وذكر العبارة التي ذكرناها آنفاً، أي قوله تعالى: (انّي مسّني الشيطان بنصب وعذاب) ولكونه خرج من الإمتحان الإلهي بنتيجة جيّدة، فتح الباري عزّوجلّ ـ مرّة اُخرى ـ أبواب رحمته على عبده الصابر المتحمّل أيّوب، وأعاد عليه النعم التي إفتقدها الواحدة تلو الاُخرى، لا بل أكثر ممّا كان يمتلك من المال والزرع والغنم والأولاد، وذلك كي يفهم الجميع العاقبة الحسنة للصبر والتحمّل والشكر.

بعض كبار المفسّرين، إحتملوا أنّ الوساوس التي وسوس بها الشيطان في قلب أيّوب هي المقصودة من أذى وعذاب الشيطان لأيّوب، إذ كان يقول له أحياناً: لقد طالت فترة مرضك، ويبدو أنّ ربّك قد نسيك!

وأحياناً كان يقول له: ما زلت تشكر الله رغم أنّه أخذ منك النعم العظيمة والسلامة والقوّة والقدرة!

يحتمل أنّهم ذكروا هذا التّفسير لكونهم يستبعدون إمكانية تسلّط الشيطان على الأنبياء كأيّوب، ولكن مع الإنتباه إلى أنّ هذه السلطة: أوّلا: كانت بأمر من الله. وثانياً: محدودة ومؤقتة. وثالثاً: لإمتحان هذا النّبي الكبير ورفع شأنه، فلا إشكال في ذلك.

على أيّة حال، قيل: إنّ فترة ألمه وعذابه ومرضه كانت سبع سنين، وفي رواية اُخرى قيل: إنّها كانت (18) سنة، وحالته وصلت إلى حدّ بحيث تركه أصحابه وحتّى أقرب المقربين إليه، عدا زوجته التي صمدت معه وأظهرت وفاءها له. وهذا شاهد على وفاء بعض الزوجات!

وأشدّ ما آذى وآلم روح أيّوب (عليه السلام) من بين ذلك الأذى والعذاب الذي مرّ به، هو شماتة أعدائه، لذا فقد جاء في إحدى الروايات أنّ أيّوب (عليه السلام) سئل بعد ما عافاه

[ 520 ]

الله، أيّ شيء كان أشدّ عليك ممّا مرّ؟ فقال: شماتة الأعداء.

في النهاية خرج أيّوب (عليه السلام) سالماً من بودقة الإمتحان الإلهي، ونزول الرحمة الإلهيّة عليه يبدأ من هنا، إذ صدر إليه الأمر (اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب).

«اركض» مشتقّة من (ركض) على وزن (فقر وتعني دكّ الأرض بالرجل، وأحياناً تأتي بمعنى الركض، وهنا تعطي المعنى الأوّل.

فالله الذي فجّر عين زمزم في صحراء يابسة وحارقة تحت أقدام الطفل الرضيع إسماعيل، هو الذي أصدر أمراً بتفجّر عين باردة لأيّوب ليشرب منها ويغتسل بمائها للشفاء من كافّة الأمراض التي أصابته (الظاهرية والباطنية).

ويرى البعض أنّ تلك العين عبارة عن ماء معدني صالح للشرب، وفيه شفاء لكلّ الأمراض، ومهما كان فإنّه من لطف الله ورحمته النازلة على نبيّه الصابر المقاوم أيّوب (عليه السلام).

(مغتسل) يعني الماء الذي يغسل به، وقال البعض: إنّها تعني محل الغسل، لكنّ المعنى الأوّل أصحّ.

وعلى أيّة حال، فإنّ وصف ذلك الماء بالبارد، قد يكون إشارة إلى التأثيرات الخاصّة التي يتركها الماء البارد على سلامة الجسم، وذلك ما أثبته الطبّ الحديث اليوم. إضافةً إلى أنّه إشارة لطيفة إلى أنّ كمال ماء الغسل يتمّ إن كان طاهراً ونظيفاً كماء الشرب.

والشاهد على هذا ما جاء في الروايات من إستحباب شرب جرعة من الماء قبل الإستحمام به(1).

النعمة المهمّة الاُولى التي اُعيدت على أيّوب هي العافية والشفاء والسلامة، أمّا بقيّة النعم التي اُعيدت عليه، فاستعرضها القرآن المجيد (ووهبنا له أهله ومثلهم

________________________________

1 ـ وسائل الشيعة، المجلّد الأوّل، الباب الثالث عشر من أبواب آداب الحمّام الحديث 13.

[ 521 ]

معهم رحمةً منّا وذكرى لاُولي الألباب).

وعن كيفية عودة عائلته إليه؟ وردت تفاسير متعدّدة، أشهرها يقول: إنّهم كانوا أمواتاً فأحياهم الله مرّة اُخرى.

ولكن البعض قال: إنّهم كانوا قد تفرّقوا عنه أيّام إبتلائه بالمرض، فجمعهم الله إليه بعد برئه.

ويحتمل أنّ جميعهم أو بعضهم ابتلي بمختلف أنواع الأمراض، وقد شملتهم الرحمة الإلهية وعادت إليهم صحّتهم وعافيتهم، ليجتمعوا مرّة اُخرى حول أيّوب.

أمّا قوله تعالى: (ومثلهم معهم)، فإنّها إشارة إلى تناسلهم وزيادة عددهم إلى الضعف، وبهذا إزداد عدد أبناء أيّوب إلى الضعف.

ورغم أنّ الآيات لا تتطرّق إلى إعادة أموال أيّوب إليه، ولكن الدلائل كلّها تبيّن أنّ الباريء عزّوجلّ أعاد إليه أمواله وأكثر من السابق.

الذي يلفت النظر في آخر الآية ـ محلّ البحث ـ أنّ هدف إعادة النعم الإلهيّة على أيّوب تحدّد بأمرين:

الأوّل: (رحمة منّا) والتي كان لها صبغة فردية، وفي الحقيقة إنّها مكافأة وجائزة من الباريء عزّوجلّ لعبده الصابر المقاوم أيّوب.

والثّاني: إعطاء درس لكلّ أصحاب العقول والفكر على طول التأريخ لأخذ العبر من أيّوب، كي لا يفقدوا صبرهم وتحمّلهم عند تعرّضهم للمشاكل والحوادث الصعبة، وأن لا ييأسوا من رحمة الله، بل يزيدوا من أملهم وتعلّقهم به.

المشكلة الوحيدة التي بقيت لأيّوب (عليه السلام) هي قسمه بضرب زوجته، إذ كان قد أقسم أيّام مرضه لئن برىء من مرضه ليجلدنّ امرأته مائة جلدة أو أقل لأمر أنكره عليها، ولكن بعدما برىء من مرضه رغب أيّوب في العفو عنها إحتراماً وتقديراً لوفائها ولخدماتها التي قدّمتها إليه أيّام مرضه، ولكن مسألة القسم بالله كانت تحول دون ذلك.

[ 522 ]

وهنا شمل الباريء عزّوجلّ أيّوب (عليه السلام) مرّة اُخرى بألطافه ورحمته، وذلك عندما أوجد حلاًّ لهذه المشكلة المستعصية على أيّوب (وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث).

«ضغث» تعني ملء الكفّ من الأعواد الرقيقة، كسيقان الحنطة والشعير أو الورد وما شابهها.

وعن الأمر الذي أنكرته زوجة أيّوب على زوجها والتي تدعى (ليا) بنت يعقوب، فقد إختلف المفسّرون في تفسيره ...

فقد نقل عن (ابن عبّاس) أنّ الشيطان ظهر بصورته الطبيعية لزوجة أيّوب، وقال لها: إنّي اُعالج زوجك بشرط أن تقولي حينما يتعافى: إنّي الوحيد الذي كنت السبب في معافاته، ولا اُريد أيّ اُجرة على معالجته ... الزوجة التي كانت متألّمة ومتأثّرة بشدّة لإستمرار مرض زوجها وافقت على الإقتراح، وعرضته على زوجها أيّوب فيما بعد، فتأثّر أيّوب كثيراً لوقوع زوجته في شرك الشيطان، وحلف أن يعاقب زوجته.

وقال البعض إنّ أيّوب بعث زوجته لمتابعة عمل ما، فتأخّرت في العودة إليه، فتأثّر أيّوب الذي كان يعاني من آلام المرض، وحلف أن يعاقب زوجته.

على أيّة حال، فإنّ زوجته كانت تستحقّ الجزاء من هذا الجانب، أمّا من جانب وفائها وخدمتها أيّوب طوال فترة مرضه فإنّه يجعلها تستحقّ العفو أيضاً.

حقّاً إنّ ضربها بمجموعة من سيقان الحنطة أو الشعير لا تعطي مصداقاً واقعياً لحلفه، ولكنّه نفّذ هذا الأمر لحفظ إحترام اسم الله، والحيلولة دون إشاعة مسألة إنتهاك القوانين، وهذا الأمر ينفّذ فقط بشأن الطرف الذي يستحقّ العفو، وفي الموارد الاُخرى التي لا تستحقّ العفو لا يجوز لأحد القيام بمثل هذا العمل(1).

________________________________

1 ـ نظير هذا المعنى ورد في باب الحدود الإسلامية وتنفيذها بحقّ المرضى المذنبين (كتاب الحدود أبواب حدّ الزنا).

[ 523 ]

الآية الأخيرة في بحثنا هذا ـ التي هي بمثابة عصارة القصّة من أوّلها حتّى آخرها ـ تقول: (إنّا وجدناه صابراً نعم العبد إنّه أوّاب).

ومن الواضح أنّ دعاء أيّوب الباريء عزّوجلّ، وطلبه دفع الوساوس الشيطانية عنه، ورفع البلاء والمرض عنه، كلّ هذه لا تتنافى مع مقام صبره وتحمّله، ذلك الصبر والتحمّل الذي استمرّ لمدّة سبع سنين، وفي روايات اُخرى لمدّة ثمانية عشر عاماً ـ للأوجاع والأمراض والفقر والعسر وإستمرار الشكر.

الذي يلفت النظر في هذه الآية أنّها أعطت ثلاثة أوصاف لأيّوب، كلّ واحد منها إن توفّر في أي إنسان فهو إنسان كامل.

أوّلا: مقام عبوديته.

ثانياً: صبره وتحمّله وثباته.

ثالثاً: إنابته المتكرّرة إلى الله.

* * *

 

بحوث

1 ـ دروس مهمّة في قصّة أيّوب

رغم أنّ قصّة هذا النّبي الصابر أدرجت في أربع آيات في هذه السورة، إلاّ أنّها وضّحت حقائق مهمّة، منها:

أ ـ الإمتحان الإلهي واسع وكبير جدّاً ويشمل حتّى الأنبياء الكبار، إذ يكون إمتحانهم أشدّ وأصعب من الآخرين، لأنّ طبيعة الحياة في هذه الدنيا بنيت على هذا الأساس، ومن دون هذا الإمتحان فإنّ الإمكانيات والطاقات الكامنة في الإنسان لا تتفجّر.

ب ـ الفرج بعد الشدّة نقطة اُخرى تكمن في مجريات هذه القصّة، فعندما تشتدّ أمواج الحوادث والبلاء على الإنسان وتحيط به من كلّ جانب، عليه أن لا ييأس

[ 524 ]

ويفقد الأمل، وإنّما عليه أن يدرك أنّها بداية تفتح أبواب الرحمة الإلهية عليه، كما يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): «عند تناهي الشدّة تكون الفرجة، وعند تضايق حلق البلاء يكون الرخاء»(1).

ج ـ مجريات هذه القصّة توضّح بصورة جيّدة بعض غايات البلاء والحوادث الصعبة في الحياة، وتجيب على من يرى في وجود الآفات والبلايا تناقضاً مع برهان النظم في بحوث التوحيد، لأنّ وجود مثل هذه الحوادث الصعبة والشديدة في حياة الإنسان ـ من أنبياء الله الكبار وحتّى عموم الناس ـ يعدّ أمراً ضرورياً، فالإمتحان ـ كما ذكرنا ـ يفجّر طاقات الإنسان الكامنة، ويوصله في آخر الأمر إلى التكامل في وجوده.

لذا فقد ورد في الروايات الإسلامية عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ أشد الناس بلاءاً الأنبياء، ثمّ الذين يلونهم، الأمثل فالأمثل»(2).

كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ في الجنّة منزلة لا يبلغها عبد إلاّ بالإبتلاء»(3).

د ـ أحداث هذه القصّة تعطي درساً في الصبر لكلّ المؤمنين الواقعيين الرساليين، الصبر والتحمّل الذي يعقبه الظفر والإنتصار في كلّ المجالات، ونيل المقام المحمود والمنزلة الرفيعة عند الباريء عزّوجلّ.

هـ ـ أحياناً يكون إمتحان شخص ما، هو إمتحان في نفس الوقت لأصدقائه وللمحيطين به، كي يعرف حجم صداقتهم ومحبّتهم إيّاه، ومقدار وفائهم له، فعندما فقد أيّوب أمواله وثرواته وصحّته تفرّق عنه أصحابه، ولم يكتفوا بالإبتعاد عنه، وإنّما اتّحدت ألسنتهم مع ألسنة أعدائه في الشماتة به وإلقاء اللائمة عليه، وكشفوا

________________________________

1 ـ نهج البلاغة، قصار الكلمات، الكلمة 351.2 ـ سفينة البحار مادّة (بلاء) المجلّد الأوّل، الصفحة 105.3 ـ المصدر السابق.

[ 525 ]

بفعلتهم هذه عن حقيقة أنفسهم، وكما لاحظنا فإنّ أيّوب كان يتألّم من جراح ألسنتهم أكثر من تألّمه من مرضه، والشعر المعروف يقول:

جراحات السنان لها التيام *** ولا يلتام ما جرح اللسان

جراح الكلام ليس لها التئام.

و ـ أحبّاء الله ليسوا من يذكر الله عند الرخاء، وإنّما أحبّاء الله الواقعيون هم اُولئك الذين يذكرون الله دائماً في السرّاء والضرّاء، وفي البلاء والنعمة، وفي المرض والعافية، وفي الفقر والغنى، وإنّ تأثيرات الحياة الماديّة لا تترك على إيمانهم وأفكارهم أدنى أثر.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبته الخاصّة بوصف المتّقين التي بيّنها لصاحبه المخلص «همام» وإستعرض فيها أكثر من (100) صفة للمتّقين، قال في إحدى تلك الصفات: «نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت في الرخاء».

ز ـ هذه القصّة أكّدت مرّة اُخرى حقيقة أنّ فقدان الإمكانات الماديّة، ونزول المصائب، وحلول المشاكل والفقر، لا تعني عدم شمول الإنسان بلطف الباريء عزّوجلّ، كما أنّ إمتلاك الإمكانات الماديّة ليس دليلا على بُعد الإنسان عن الله سبحانه وتعالى، وإنّما يمكن أن يكون الإنسان عبداً مقرّباً لله مع إمتلاكه للكثير من الإمكانات الماديّة، بشرط أن لا يكون عبداً لأمواله وأولاده ومقامه الدنيوي، وإنّ فقدها لا يفقد الصبر معها.

 

2 ـ أيّوب

(عليه السلام)

في القرآن والتوراة

رغم أنّ الباريء عزّوجلّ أشاد بالروح الكبيرة لهذا النّبي الكبير الذي هو مظهر الصبر والتحمّل في قرآنه المجيد في أوّل القصّة الخاصّة به وفي آخرها. فإنّ قصّة هذا النّبي الكبير ـ ممّا يؤسف له ـ لم تحفظ من أيدي الجهلة والأعداء، حيث دسّوا فيها خرافات تافهة لا تليق بمقامه المحمود المنزّه عنها والمطهّر منها، ومن تلك

[ 526 ]

الخرافات القول بأنّ الدود غطّى بدنه أثناء فترة مرضه، وتعفّن جسده، بحيث أنّ أهل قريته ضاقوا به ذرعاً وأخرجوه من قريتهم.

ودون أدنى شكّ، فإنّ مثل هذه الروايات مزيّفة رغم ورودها في طيّات كتب الحديث، لأنّ رسالة الأنبياء تفرض أن يكون النّبي المرسل ـ في أي زمان ـ بعيداً عن مثل تلك التقوّلات، كي ينجذب إليه الناس برغبة وشوق، وأن لا تتوفّر فيه أشياء تكون سبباً لتنفّرهم فيه وإبتعادهم عنه، كالأمراض والعيوب الجسدية والأخلاق السيّئة، لأنّها تتناقض مع فلسفة الرسالة، فالقرآن المجيد يقول بشأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الآية (159) من سورة عمران: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلب لأنفضّوا من حولك).

وهذه الآية دليل على أنّ النّبي يجب أن لا يكون بحالة تجعل المحيطين به يتفرّقون عنه. ولكن ورد في التوراة جزء خاص بأيّوب وقبل موضوع (مزامير داود) وهذا الجزء يشتمل على (42) فصلا، كلّ فصل يشرح مواضيع مختلفة، وقد وردت في بعض الفصول مواضيع سيّئة وقبيحة، ومنها ما ورد في الفصل الثالث والذي يقول: إنّ أيّوب كان كثير الشكوى، في حين أنّ القرآن الكريم كان يعظّم ويشيّد بمقام صبره وتحمّله.

 

3 ـ إطلاق صفة (أوّاب) على الأنبياء الكبار

ثلاثة أنبياء كبار اُطلقت عليهم صفة (أوّاب) في هذه السورة، وهم: داود وسليمان وأيّوب، وفي سورة (ق) في الآية (32) اُطلق هذا الوصف على كلّ أهل الجنّة، قوله تعالى: (هذا ما توعدون لكلّ أوّاب حفيظ).

هذه العبارات تبيّن أنّ مقامه في المقام الأعلى، وعندما نرجع إلى مصادر اللغة نشاهد أنّ كلمة (أوّاب) مشتقّة من كلمة (أوب) وتعني الرجوع والعودة.

وهذا الرجوع والعودة (خاصّة وأنّ كلمة (أوّاب) هي اسم مبالغة تعني كثرة

[ 527 ]

الرجوع وتكراره) يشير إلى أنّ الأوّابين حسّاسون جدّاً تجاه الأسباب والعوامل التي تبعدهم عن الله، كالرزق وبريق الزخارف الدنيوية في أعينهم، ووساوس النفس والشيطان، وإن إبتعدوا لحظة واحدة عن الله عادوا إليه بسرعة، وإن غفلوا عنه لحظة تذكروه وسعوا في جبرانها.

هذه العودة يمكن أن تكون بمعنى العودة إلى طاعة أوامر الله وإجتناب نواهيه، أي أنّ أوامره هي مرجعهم وسندهم أينما كانوا.

وكلمة (أوّاب) التي جاءت في الآية العاشرة من سورة سبأ (ياجبال أوّبي معه والطير) والخاصّة بداود ـ أيضاً ـ تعطي معناً آخر، وهو ترديد الصوت، إذ أنّ الأوامر صدرت إلى الجبال والطيور أن ردّدي الصوت مع داود، ولهذا فإنّ (أوّاب) تعني كلّ من يردّد الأوامر الإلهيّة والتسبيح والحمد الذي تردّده كلّ موجودات الكون حسب قوانين الخلقة، وممّا يذكر أنّ أحد معاني كلمة (أيّوب) هي (أوّاب).

 

* * *

[ 528 ]

 




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 9073620

  • التاريخ : 26/09/2020 - 17:35

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net