00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة القصص من آية 65 ـ آخر السورة من ( ص 279 ـ 324 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء الثاني عشر   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

[ 279 ]

الآيات

وَيُوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65) فَعَمِيَت عَلَيْهِمُ الا،َنبَآءُ يَوْمَئِذ فَهُم لاَ يَتَسَآءَلُونَ (66) فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـلحاً فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَـنَ اللهِ وَتَعَـلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (69)وَهُوَ اللهِ لاَ إِلـهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِى الاُْولَى وَالاْخِرَةِ وَلَهُ الْحكمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70)

 

التّفسير

تعقبُ الآيات محل البحث، على ما كان في الآيات السابقة في شأن المشركين وما يسألون يوم القيامة.

فبعد أن يُسألوا عن شركائهم ومعبوديهم، يسألون عن مواقفهم وما أبدوه من عمل إزاء أنبيائهم (ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين ).

ومن المسلم به أنّ هؤلاء «المشركين» لا يملكون جواباً لهذا السؤال، كما لم يملكوا للسؤال السابق جواباً.

[ 280 ]

تُرى: أيقولون بأنّنا لبيّنا دعوة المرسلين؟ فهذا كذب محض! والكاذب خاسر في ذلك اليوم، أم يقولون بأنّنا كذّبناهم، واتهمناهم، وقلنا لهم بأنّكم سحرة ومجانين وحاربناهم وقتلناهم مع اتباعهم؟...

ما عسى أن يقولوا هناك؟! فكلّ ما يقولون كاشف عن فضيحتهم وشقائهم!. حتى أَنّ الانبياء والمرسلين في ذلك اليوم يجيبون ربّهم حين يسألون (ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنّك أنت علاّم الغيوب ).(1)

ما الذي يقوله في ذلك اليوم وفي ذلك المكان عمي القلوب من المشركين؟!

لذلك يكشف القرآن عن حالهم هناك فيقول: (فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون ) أي يسأل بعضهم بعضاً ولا يعرفون جواباً!.

والذي يستلفت النظر أن العمى نسب في الآية للأنباء لا للمشركين فلا يقول عمي المشركون هناك بل يقول: «عميت عليهم الأنباء».. لأنّه كثيراً ما يحدث أن يكون الإنسان غير عالم بالخبر، لكنّه يصله بانتشاره على أفواه الناس، كما يتفق لنا أن نكون جاهلين بالشيء أحياناً فنعرف به حين ينتشر بين المجتمع، لكن في يوم القيامة، لا الناس مطّلعون، ولا الأخبار تنتشر!.

فعلى هذا تعمى الأخبار، فلا يملكون جواباً هناك على قوله تعالى: (ماذا أجبتم المرسلين ) فيحيط بهم الصمت من قرنهم إلى أقدامهم.

وحيث أنّ اُسلوب القرآن هو ترك الأبواب مفتوحة بوجه الكافرين والآثمين دائماً، لعلهم يتوبون ويرجعون إلى الحق في أي مرحلة كانوا من الإثم، فإنّه يضيف في الآية التي بعدها: (فأمّا من تاب وآمن وعمل صالحاً فعسى أن يكون من المفلحين ).

فسبيل النجاة ـ حسب ما يوضحه القرآن ـ يتلخّص في ثلاث جمل هي العودة والتوبة إلى الله، والإيمان، والعمل الصالح، وعاقبتهما النجاة والفلاح حتماً.

_____________________________

1 ـ المائدة، الآية 109.

[ 281 ]

والتعبير بعسى «من أفعال الرجاء» مع أن الذي آمن وعمل صالحاً فهو من أهل الفلاح حتماً ـ ربّما كان لأنّ الإيمان والعمل الصالح مشروطان بالبقاء والدوام عليهما، وحيث أن التائبين لا يبقى جميعهم على التوبة، بل قد يعود بعضهم لعمله السابق، عبر القرآن بقول: (فعسى ).. ألخ.

قال بعض المفسّرين: التعبير بـ«عسى» حين يكون من شخص كريم، فإنّه يدل على المفهوم القطعي، والله سبحانه أكرم الأكرمين.

والآية التي بعدها في الحقيقة دليل على نفي الشرك وبطلان عقيدة المشركين، إذ تقول: (وربّك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة )(1).

فالخلق بيده، والتدبير والإختيار بيده أيضاً، وهو ذو الإرادة، وليس لأحد سواه أن يفعل ما يشاء، فكيف بالأصنام؟!

فاختيار الخلق بيده، والشفاعة بيده، وإرسال الرسل بيده أيضاً. والخلاصة أنّ اختيار كل شيء متعلق بمشيئته وإرادته المقدسة، فعلى هذا لا يمكن للأصنام أن تعمل شيئاً، ولا حتى الملائكة والأنبياء، إلاّ أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى!

وعلى كل حال فإطلاق الإختيار دليل على عموميته.. بمعنى أن الله سبحانه صاحب الإختيار في الأُمور التكوينية والأُمور التشريعية أيضاً.. فجميعها يتعلقان به.

فمع هذه الحال، كيف يسلك هؤلاء طريق الشرك ويتجهون نحو غير الله؟ لذلك فإنّ الآية تنزه الله عن الشرك وتقول: (سبحان الله وتعالى عمّا يشركون ).

وفي الرّوايات الواردة عن أهل البيت(عليهم السلام) فُسرت الآية المتقدمة باختيار الأئمّة المعصومين من قبل الله سبحانه ـ وجملة (وما كان لهم الخيرة ) أيضاً وردت في هذا المعنى، وهي في الواقع من قبيل بيان المصداق الواضح، لأنّ

_____________________________

1 ـ «ما» في جملة «ما كان لهم الخيرة» نافية، ولكن البعض يحتمل أنّها موصولة ومعطوفة على المفعول المحذوف «ليختار» لكن هذا الإحتمال بعيد جداً...

[ 282 ]

مسألة حفظ الدين والمذهب واختيار القائد المعصوم لأجل هذا الهدف، لا تكون إلاّ من قِبَل الله تعالى(1).

أمّا الآية التي بعدها فتتحدث عن علم الله الواسع، وهي في الحقيقة تأكيد أو دليل على الإختيار الواسع في الآية السابقة، إذ تقول هذه الآية: (وربّك يعلم ما تكنّ صدورهم وما يعلنون ).

فإحاطته بكل شيء دليل على اختياره لكل شيء، كما هي ـ ضمناً ـ تهديد للمشركين، لئلا يظنوا أن الله غير مطلع على سرائرهم ونيّاتهم و«مؤامراتهم».

والآية الأخيرة من هذا المقطع ـ هي نتيجة الحكم، وتوضيح للآيات السابقة في مجال نفي الشرك، وهي ذات أربعة أوصاف من أوصاف الله، وجميعها فرع على خالقيته واختياره.

فالأول: أنّه (هو الله لا إله إلاّ هو ).

فكيف يمكن أن يكون معبود آخر سواه، وهو الخالق وحده وجميع الإختيارات بأمره وبيده. فمن يتوسل بالأصنام لتشفع له عند الله فهو من المضلين الخاطئين.

والثّاني: أن جميع النعم دنيويةً كانت أم أُخروية هي منه، وهي من لوازم خالقيته المطلقة، لذلك يقول القرآن في هذا الصدد (له الحمد في الأُولى وفي الآخرة ).

الثّالث: أنّه (وله الحكم ) فهو الحاكم في هذا العالم، وفي العالم الآخر.

والرّابع: (وإليه ترجعون ) للحساب والثواب والعقاب.

فالله الخالق، وهو المطّلع، وهو الحاكم يوم الجزاء، وبيده الحساب والثواب والعقاب.

* * *

_____________________________

1 ـ اصول الكافي. وتفسير علي بن إبراهيم «طبقاً لتفسير نور الثقلين، ج 4، ص 136».

[ 283 ]

الآيات

قُلْ أَرَأَيْتُمْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ الَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَـمَةِ مَنْ إِلَـهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيآء أَفَلاَ تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَـمَةِ مَنْ إِلَـهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْل تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ (72) وَمِن رَّحْمتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (74) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة شَهِيداً فَقُلْنا هَاتُوا بُرْهَـنَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ للهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُوايَفْتَرُونَ (75)

 

التّفسير

نعمتا «الليل والنهار» العظيمتان:

هذه الآيات ـ محل البحث ـ تتحدث عن قسم كبير من مواهب الله سبحانه، التي تدل على التوحيد ونفي الشرك من جهة، كما أنّها تكمّل البحث السابق..

[ 284 ]

وتذكر مثلا للنعم التي تستوجب الحمد والثناء.. الحمد المشار إليه في الآيات المتقدمة، كما هي في الوقت ذاته شاهد على اختيار الله وتدبيره في نظام الخلق من جهة أُخرى!.

ففي الآية الأُولى من هذه الآيات إشارة إلى نعمة النهار والنور الذي هو أساس لأية حركة، فتقول الآية: (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون )(1).

هنا عبر عن النهار بالضياء، لأنّ الهدف الأصلي من النهار هو الضياء والإنبلاج، ذلك الضياء الذي تتعلق به حياة كل الموجودات الحية، فلولا ضياء الشمس لما تنسمت «زهرة» ولانمت «شجرة» ولا طار «طائر» ولا بقي «إنسان» ولا هطل مطر.

«السرمد» معناه الدائم المتواصل، ويرى البعض بأنه المتتابع، وأصله «سرد» ويرون أن ميمها زائدة.. لكن الظاهر أنّها كلمة مستقلة تعطي معنى الدوام والاستمرار.(2)

كما تتحدث الآية الأُخرى عن نعمة الظلمة فتقول: (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ).

أمّا الآية الثّالثة فتحكي عن نتيجة النعمة المشار إليها في الآيتين السابقتين فيقول (من رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون )

أجل، إنّ سعة رحمة الله تستوجب أن تضمن جميع عوامل حياتكم، فأنتم ـ

_____________________________

1 ـ «أرأيتم» جملة تأتي بمعنى «أخبروني» عادةً، كما فسّروها، ولكن كما قلنا سابقاً تأتي أحياناً بمعنى: هل علمتم؟!

2 ـ قال أهل اللغة: إن كلمة «سرمدى» تطلق على ما ليس له بداية ولا نهاية، و «الأزلي» ما ليس له بداية، و«الأبدي» ما ليس له نهاية...

[ 285 ]

من جانب ـ بحاجة إلى السعي والحركة، وكل ذلك لابدّ لهما من الليل!

لقد ثبت ـ في هذا العصر ـ علميّاً أن جميع أجهزة البدن تكون فعالةً ونشطة مع وجود النور، إذ تنشط الحركة الدموية والجهاز التنفسي وحركة القلب وسائر الأجهزة، وإذا استمر النور أكثر من المعتاد تعبت خلايا الجسم وتحول النشاط إلى خمول!

وبالعكس فإنّ الخلايا تهدأ في الليل وتستريح استراحة عميقة تستعيد نشاطها وقواها «شرحنا هذا المعنى في الجزء السادس ذيل الآية 67 من سورة يونس و الآية (12) من سورة الاسراء»،

الطريف هنا أن الآية حين تتحدث عن سرمديّة الليل تخاطب الناس قائلةً: (أفلا تسمعون )... وحين تتحدث عن سرمدية النهار تخاطبهم قائلة: (أفلا تبصرون ) ولعل هذا التعبير لأجل أَن الحسّ المناسب لليل هو السمع والأذن، وما يناسب النهار هو البصر والعين.. إلى هذه الدرجة نلاحظ الدقّة في القرآن الكريم.

كما أنّ من الجدير الإلتفات إلى أنَّ الآية هنابعد ذكر مسألتي السمع والبصر أو الليل والنهار، تختتم الحديث بالقول: (لعلكم تشكرون ) الشكر إزاء النظام المحسوب النور والظلمة، الشكر الذي يوصل الإنسان إلى معرفة المنعم والشكر الذي يكون باعثاً على الإيمان في المباحث الإعتقادية!.

ومرّة أُخرى ـ بعد ذكر جانب من دلائل التوحيد ونفي الشرك ـ يعود القرآن الكريم على السؤال الأوّل الذي أثير في الآيات السابقة ليقول: (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون ).

وهذه الآية مكررة في السورة نفسها، إذ وردت بنصّها في الآية 62، ولعل هذا التكرار ناشىء عن السؤال مرتين في يوم القيامة، مرّة بصورة انفرادية ليعودوا إلى وجدانهم فيخجلوا من أنفسهم، ومرّة بصورة عامّة في محضر الشهود، وهو ما أشير إليه في الآية التي بعدها.. ليخجلوا أيضاً من حضورهم.

[ 286 ]

لذلك تأتي الآية التي بعدها فتقول: (ونزعنا من كل أمة شهيداً(1) فقلنا هاتوا برهانكم ) أيّها المشركون الضالون.

وحين تنكشف المسائل وتتجلى الأُمور لا تبقى خافية (فعلموا أن الحق الله وضل عنهم ما كانوا يفترون ).

هؤلاء الشهود هم الأنبياء بقرينة الآيات الأُخرى في القرآن، إذ أن كل نبي شاهد على أمته، ونبيّ الإسلام(صلى الله عليه وآله) الذي هو خاتم الأنبياء هو شهيد على جميع الأنبياء والأُمم، كما نقرأ ذلك في الآية (41) من سورة النساء (فكيف إذ جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ).

فعلى هذا، ينعقد يوم القيامة مجلس كبير بحضور الأنبياء، ويؤتى بالمشركين المعاندين عمي القلوب، وهناك يعرفون الفاجعة العظمى للشرك، وحقانية الله، وضلال الأصنام... بجلاء.

ومن الطريف أن القرآن يعبر بـ (ضل عنهم ما كانوا يفترون ) أي إن تصوراتهم واعتقاداتهم في الأصنام تمحى عنهم يوم القيامة، لأنّ عرصة القيامة عرصة الحق، ولا مكان للباطل هناك، فالباطل يضل هناك ويمحى من الوجود!.

فإذا كان الباطل يغطي وجهه هنا (في هذا العالم) بستار من الحق ليخدع الناس أيّاماً، فهناك تنكشف الحجب ولا يبقى سوى الحق.

نقرأ في رواية عن الإمام الباقر(عليه السلام) في تفسير (ونزعنا من كل أمّة شهيداً )قوله: «ومن هذه الأُمة إمامها» (2).

وهذا الكلام إشارة إلى أنّه لابدّ في كل عصر وزمان من شاهد معصوم للأُمة، والحديث آنف الذكر من قبيل بيان مصداق هذا المفهوم القرآني.

* * *

_____________________________

1 ـ التعبير بـ «نزعنا» التي تعني جذب الشيء من مقرّه، هي إشارة إلى إحضار الشهود من بين كل جماعة وأُمة...

2 ـ تفسير الميزان، ج 16، ص 20.

[ 287 ]

الآيات

إِنْ قَـرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَءَاتَيْنَـهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِى الْقُوَّةِ اءِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَآ ءَاتَاكَ اللهُ الدَّارَ الاَْخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ إليْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِى الاْرْضِ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَآ أُوْتِيتُهُ عَلَى عِلْم عِندِى أَوَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونَ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلاَ يُسْئَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْـمجُرِمُونَ (78)

 

التّفسير

الثّري الاسرائيلي البخيل:

جاء تفصيل قصّة موسى(عليه السلام) العجيبة ومواجهاته ومواقفه مع فرعون في قسم كبير من الآيات السابقة في هذه السورة.. وذكرنا الأقوال فيها، وكان الكلام إلى حد ما كافياً عليها.

وفي القسم الآخر من آيات هذه السورة، وقع الكلام على مواجهة بني

[ 288 ]

إسرائيل مع رجل ثري منهم يدعى «قارون».

قارون هذا كان مظهراً للثراء المقرون بالكبر والغرور والطغيان.

وأساساً، فإنّ موسى(عليه السلام) واجه في طول حياته ثلث قوى استكبارية طاغوتية:

1 ـ «فرعون» الذي كان مظهراً للقوّة «والقدرة في الحكومة».

2 ـ «قارون» الذي كان مظهراً للثروة والمال!

3 ـ «السامري» الذي كان مظهراً للنفاق والصناعة.

وبالرغم من أنّ أهم مواجهات موسى(عليه السلام) هي مواجهته لفرعون و«حكومته» إلاّ أَنّ مواجهتيه الأخيرتين لهما أهميّة كبيرة أيضاً، وفيهما دروس ذات عبر ومحتوى كبير!.

المعروف أن «قارون» كان من أرحام موسى و أقاربه «ابن عمه أو ابن خالته» وكان عارفاً بالتوراة، وكان في بداية أمره مع المؤمنين، إلاّ أنّ غرور الثروة جرّه إلى الكفر ودعاه إلى أن يقف بوجه موسى(عليه السلام) وأماته ميتة ذات عبرة للجميع، حيث نقرأ شرح ذلك في الآيات التالية:

يقول القرآن في شأنه أوّلا: (إنّ قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم )وسبب بغيه وظلمه إنّه كان ذا ثروة عظيمة، ولأنّه لم يكن يتمتع بايمان قوي وشخصية متينة فقد غرّته هذه الثروة الكبيرة وجرّته إلى الإنحراف والإستكبار.

يصف القرآن ما عنده من ثروة فيقول: (وآتيناه من الكنوز ما إنّ مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوّة ).

«المفاتح» جمع «مفتح» على زنة «مكتب» معناه المكان الذي يدخّر فيه الشيء، كالصندوق الذي يحفظ فيه المال، وهو ما يسميه بعض التجار بـ «القاصة».

فيكون المعنى: إنّ قارون كان ذا مال كثير ووفير من الذهب والفضّة، بحيث

[ 289 ]

كان يصعب حمل صناديقها على الرجال الأشداء (أولي القوّة ).

ومع ملاحظة كلمة «عصبة» التي تعني الجماعة المُتآزرة يداً بيد على الأمر المهم، يتّضح حجم الذهب والفضة والمعادن الثمينة التي كانت عند قارون، قال بعضهم: العصبة هي من عشرة رجال إلى أربعين رجلا.

وكلمة «تنوء» مشتقّة من «النوء» ومعناه القيام بمشقّة وثقل، وتستعمل في حمل الاثقال التي لها ثقل ووزن كبير، بحيث لو حملها الإنسان لمال إلى أحد جانبيه!.

وهذا الذي بيّناه في «المفتاح» اتفق عليه جماعة من المفسّرين.

في حين أنّ بعضهم يرى أنّها جمع «مفتح» على زنة «مِنْبَر» وهو المفتاح الذي تفتح به الخزائن، يقولون: إن خزائن قارون كانت من الكثرة إلى درجة إن مفاتيحها ينوء بحملها الرجال الأشداء.

والذين ذهبوا إلى هذا المعنى أتعبوا أنفسهم كثيراً في توجيهه، إذ كيف يمكن تصور عدد هذه «المفتاح» بشكل هائل حتى لا يمكن حملها إلاّ بمشقّة وعناء بالغين.. وعلى كل حال فإنّ التّفسير الأوّل أقرب للنظر وأوضح بياناً. لأنّنا وإن سلّمنا على أن «مِفتَح، بكسر الميم» تعني آلة الفتح أي «المفتاح» فإنّ أهل اللغة ذكروا لهذا الوزن (مِفتَح) معاني أُخرى منها «الخزانة» التي يجمع فيها المال، فالمعنى الأوّل أقرب للواقع وبعيد عن المبالغة. فلا ينبغي الخلط بين «المفاتح» التي تعني الخزائن. و«المفاتيح» التي تعني آلات الفتح، وهي جمع «مفتاح»(1).

فلنتجاوز هذا البحث لنرى ما قال بنوا إسرائيل لقارون، يقول القرآن في هذا الصدد: (إذ قال له قومه لا تفرح إنّ الله لا يحبّ الفرحين (2)).

_____________________________

1 ـ فسّر بعضهم «المفتاح» تفسيراً آخر، وهو أنّ الإتيان بالمفتاح لحفظ الأموال وجمعها كان صعباً على الرجال الأشداء، ولكن هذا التفسير بعيد جدّاً «فلا بأس بمراجعة لسان العرب لزيادة الإيضاح».

2 ـ كلمة «الفرحين» جمع الفرح، وتعني من يكون مغروراً على أثر تملكه الشيء ومتكبراً بطراً منتشياً من ريح النّصر.

[ 290 ]

ثمّ يقدمون له أربع نصائح قيّمة أُخرى ذات تأثير مهم على مصير الإنسان، بحيث تتكامل لديه حلقة خماسية من النصائح مع ما تقدم من قولهم له:  (لا  تفرح )

فالنصيحة الأُولى قولهم له: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ) وهذا إشارة إلى أن المال والثروة ليس أمراً سيئاً كما يتصوره بعض المتوهّمين، المهم أن تعرف فيم يستعمل المال، وفي أي طريق ينفق، فإذا ابتغي به الدار الآخرة فما أحسنه! أو كان وسيلة للعب والهوى والظلم والتجاوز، فلا شيء أسوأ منه!

وهذا هو المنطق الذي ورد على لسان أمير المؤمنين(عليه السلام) في كلام معروف «من أبصر بها بصَّرته ومن أبصر إليها أعمته» (1).

وكان قارون رجلا ذا قدرة على الأعمال الإجتماعية الكبيرة بسبب أمواله الطائلة، ولكن ما الفائدة منها وقد أعماه غروره عن النظر إلى الحقائق.

والنصيحة الثّانية قولهم له: (ولا تنس نصيبك من الدنيا ) والآية تشير إلى مسألة واقعيّة، وهي أنّ لكل فرد منّا نصيباً من الدنيا، فالأموال التي يصرفها على بدنه وثيابه ليظهر بمظهر لائق هي أموال محدودة، وما زاد عليها لا تزيد مظهره شيئاً، وعلى الإنسان أن لا ينسى هذه الحقيقة!... فالإنسان... كم يستطيع أن يأكل من الطعام؟ ولم يستطيع أن يلبس من الثياب؟ وكم يمكن أن يحوز من المساكن والمراكب؟! وإذا مات وكم يستطيع أن يأخذ معه من الأكفان؟!

فالباقي ـ إذن ـ رضي أم أبى هو من نصيب الآخرين.

وما أجمل قول الإمام علي(عليه السلام) : «يابن آدم ما كسبت فوق قوتك فأنت فيه خازن لغيرك» (2).

وهناك تفسير آخر لهذه الجملة في الرّوايات الإسلامية وكلمات المفسّرين،

_____________________________

1 ـ نهج البلاغة، خطبة 82.

2 ـ نهج البلاغة، الكلمات القصار جملة 192.

[ 291 ]

ويمكن التوفيق بين هذا التّفسير والتّفسير السابق (لأنّ استعمال اللفظ في أكثر من معنى جائز).

إذ ورد في تفسير (ولا تنس نصيبك من الدنيا ) عن الإمام علي ابن أبي طالب(عليه السلام) أنّه قال: «لا تنس صحتك وقدرتك وفراغك وشبابك ونشاطك أن تطلب بها الآخرة» (1).

وطبقاً لهذا التّفسير فالعبارة المتقدمة بمثابة التنبيه لجميع الناس، لئلا يضيعوا أوقاتهم وفرصهم فإنّها تمر مرّ السحاب.

والنصيحة الثّالثة هي (وأحسن كما أحسن الله إليك ).

وهذه حقيقة أُخرى، وهي أَن الإنسان يرجو دائماً نعم الله واحسانه وخيره ولطفه، وينتظر منه كل شيء. فبمثل هذه الحال كيف يمكن له التغاضي عن طلب الآخرين الصريح أو لسان حالهم.. وكيف لا يلتفت إليهم!.

وبتعبير آخر: كما أنّ الله تفضل عليك وأحسن، فأحسن أنت إلى الناس.

وشبيه هذا الكلام نجده في الآية (22) من سورة النور في شأن العفو والصفح، إذ تقول الآية: (وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ).

ويمكن تفسير هذه الجملة بتعبير آخر، وهو أنّ الله قد يهب الإنسان مواهب عظيمة لايحتاج إليها جميعاً في حياته الشخصيّة فقد وهبه العقل والقدرة التي  لا تدير فرداً واحداً فحسب، بل تكفي لإدارة بلد أيضاً ووهبه علماً لا يستفيد منه إنسان واحد فقط، بل ينتفع به مجتمع كامل.

أعطاه مالا وثروة لتنفيذ المناهج الإجتماعية.

فهذه المواهب الإلهية مفهومها الضمني أنّها لا تتعلق بك وحدك ـ أيّها الإنسان ـ بل أنت وكيل مخوّل من قبل الله لنقلها إلى الآخرين، أعطاك الله هذه المواهب لتدير بها عباده!.

_____________________________

1 ـ معاني الأخبار، مطابق تفسير نور الثقلين، ج 4، ص 139.

[ 292 ]

والنصيحة الرابعة والأخيرة أن لا تغرنّك هذه الاموال والامكانات المادية فتجرّك الى الفساد. (ولا تبغ الفساد في الآرض إنّ الله لا يحبّ المفسدين ).

وهذا أيضاً حقيقة واقعية أُخرى، إنّ كثيراً من الأثرياء وعلى أثر جنون زيادة المال ـ أحياناً ـ أو طلباً للاستعلاء، يفسدون في المجتمع، فيجرّون إلى الفقر والحرمان، ويحتكرون جميع الأشياء في أيديهم، ويتصورون أنّ الناس عبيدهم ومماليكهم، ومن يعترض عليهم فمصيره الموت، وإذا لم يستطيعوا إتهامه أو الإساءة إليه بشكل صريح، فإنّهم يجعلونه معزولا عن المجتمع بأساليبهم وطرائقهم الخاصة...

والخلاصة: إنّهم يجرون المجتمع إلى الفساد والإنحراف.

وفي كلام جامع موجز نصل إلى أن هؤلاء الناصحين سعوا أولا إلى أن يكبحوا غرور قارون!.

ثمّ نبهوه أَن الدنيا إنّما هي وسيلة ـ لا هدف ـ في مرحلتهم الثّانية.

وفي المرحلة الثّالثة أنذروه بأن ما عندك تستفيد من قسم قليل منه، والباقي لغيرك.

وفي المرحلة الرابعة أفهموه هذه الحقيقة، وهي أن لا ينسى الله الذي أحسن إليه فعليه أن يحسن إلى الآخرين.. وإلاّ فإنّهُ يسلب مواهبه منك.

وفي المرحله الخامسة حذروه من أن مغبة الفساد في الأرض الذي يقع نتيجة نسيان الأصول الأربعه آنفة الذكر.

وليس من المعلوم بدقّة من هم الناصحون لقارون يومئذ ولكن القدر المسلم به أنّهم رجال علماء متقون، أذكياء، ذوو نجدة وشهامة، عارفون للمسائل الدقيقة الغامضة!.

ولكن الاعتقاد بأنّ الناصح لقارون هو موسى(عليه السلام) نفسه بعيد جدّاً، لأنّ القرآن يعبّر عن من قدم النصح بصيغة الجماعة (إذ قال له قومه ).

[ 293 ]

والآن لنلاحظ ما كان جواب هذا الإنسان الباغي والظالم الإسرائيلي لجماعته الواعظين له!.

فأجابهم قارون بتلك الحالة من الغرور والتكبر الناشئة من ثروته الكبيرة، و(قال إنّما أوتيته على علم عندي ).

هذا لا يتعلق بكم، وليس لكم حق أن ترشدوني إلى كيفية التصرف بمالي، فقد أوجدته بعلمي وإطلاعي.

ثمّ إنّ الله يعرف حالي ويعلم أنّي جدير بهذا المال الذي أعطانيه، وعلمني كيف أتصرف به، فلا حاجة إلى تدخلكم!.

وبعد هذا كله فقد تعبت وبذلت جهوداً كبيرة في سبيل جمع هذا المال، فإذا كان الآخرون جديرين بالمال، فلم لا يتعبون ويجهدون أنفسهم؟ فلست مضايقاً لهم، وإذا لم يكونوا جديرين، فليجوعوا وليموتوا فهو أفضل لهم(1).

هذا المنطق العفن المفضوح طالما يردده الأثرياء الذين لا حظّ لهم من الإيمان أمام من ينصحهم.

وهذه اللطيفة جديرة بالإلتفات وهي أن القرآن لم يصرّح بالعلم الذي كان عند قارون وأبقاه مبهماً، ولم يذكر أي علم كان عند قارون حتى استطاع بسببه على هذه الثروة الطائلة!.

أهو علم الكيمياء، كما فسّره بعضهم.

أم هو علم التجارة والصناعة والزراعة.

أم علم الإدارة الخاص به، الذي استطاع بواسطته أَن يجمع هذه الثروة العظيمة.

أم جميع هذه العلومِ!

_____________________________

1 ـ جملة (إنّما أوتيته على علم عندي ) تصلح للمعاني الثلاثة المتقدمة جميعاً، كما أنّها تصلح لاي واحد منها كما فسروا (فتأملوا بدقّة) .

[ 294 ]

لا يبعد أن يكون مفهوم الآية واسعاً وشاملا لجميع هذه العلوم «بالطبع بصرف النظر عن أَن علم الكيمياء علم يستطاع بواسطته قلب النحاس وأمثاله ذهباً، وهل هو خرافة أم حقيقة واقعية»؟

وهنا يجيب القرآن على قول قارون وأمثاله من المتكبرين الضالين، فيقول: (أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوّة وأكثر جمعاً ).

أتقول: (إنّما أوتيته على علم عندي ) ونسيت من كان أكثر منك علماً وأشدّ قوّة وأثرى مالا، فهل استطاعوا أن يفروا من قبضة العذاب الإلهي؟!

لقد عبّر اولو الالباب والضمائر الحيّة عن المال بقولهم لقارون: (ما آتاك الله )، ولكن هذا الغافل غير المؤدّب ردّ على قولهم بأنّ ما عنده من مال فهو بواسطة علمه!!

لكن الله سبحانه عبّر عن حقارة قوّته وقدرته أمام إرادته ومشيئته جلّوعلا بالعبارة المتقدمة آنفاً.

وفي ختام الآية إنذار ذو معنى كبير آخر لقارون، جاء في غاية الإيجاز:  (ولا  يُسأل عن ذنوبهم المجرمون ).

فلا مجال للسؤال والجواب، فالعذاب واقع ـ لا محالة ـ بصورة قطعيّة ومؤلمة، وهو عذاب فجائي مُدمّر!.

وبعبارة أُخرى أن العلماء من بني إسرائيل نصحوا قارون هذا اليوم وكان لديه مجال والجواب، لكن بعد إتمام الحجة ونزول العذاب الإلهي، عندئذ  لا مجال للتفكير والجواب، فاذا حلّ العذاب الالهي بساحته فهو الهلاك الحتمي.

هنا يرد سؤال حول الآية التي تقول: (ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ) أي سؤال هذا الذي نفاه الله أهو في الدنيا أم في الآخرة؟!

قال بعض المفسّرين: إنّ المقصود بعدم السؤال هو في الدنيا، وقال بعضهم:

[ 295 ]

بل المقصود أنّه في الآخرة! لكن لا مانع من أن يكون عدم السؤال في الدارين «الدنيا والأخرة».

أي لا يسألون حال نزول العذاب في الدنيا، لئلا يدافعوا عن أنفسهم ويبرئوا ساحتهم،ويظهروا الأعذار تلوا الأعذار. ولا يُسألون يوم القيامة ـ أيضاً ـ لأنّ يوم القيامة لا يبقى فيه شي خافياً، فكل شيء واضح، وكما يعبّر القرآن تعبيراً دقيقاً في هذا الصدد (يُعرف المجرمون بسيماهم ).(1)

وكذلك فإنّ الآية ـ محل البحث ـ (ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون )منسجمة تمام الإنسجام مع الآية من سورة الرحمن إذ تقول: (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنسٌ ولا جانٌ ).

هنا ينقدح سؤال آخر، وهو كيف يسنجم هذا التعبير في القرآن مع قوله تعالى: (فوربّك لنسألنّهم أجمعين ).(2)

ويمكن الإجابة على هذا السؤال عن طريقين:

الأوّل: إنّ المواقف في يوم القيامة متعددة، ففي بعضها يقع السؤال والجواب وفي بعض المواقف لا حاجة للسؤال، لأنّ الحجب مكشوفة، وكل شيء واضح هناك.

الثّاني: إنّ السؤال عادة نوعان.. «سؤال تحقيق» و «سؤال توبيخ» فليس في يوم القيامة سؤال للتحقيق، لأنّ كل شيء هناك مكشوف عياناً وواضح دون لبس. ولكن يوجد هناك سؤال توبيخ وهو بنفسه نوع من العذاب النفسي للمجرمين.

وينطبق هذا تماماً في ما لو سأل الأب ابنه غير المؤدب: ألم أقدم لك كل هذه الخدمات... أهذا جزاء ما قدمت؟! في حين أن كلا من الأب والابن يعرفان الحقيقة، وأن قصد الأب من سؤاله لإبنه هو التوبيخ لا غير!.

* * *

_____________________________

1 ـ سورة الرحمن، الآية 41.

2 ـ سورة الحجر، الآية 92.

[ 296 ]

الآيات

فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِى زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَوةُ الدُّنْيا يَـلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِىَ قَـرُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيم (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـلِحاً وَلاَ يُلَقَّــهَآ إِلاَّ الصَّـبِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الاَْرضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَة يَنْصُروُنَهُ مِنْ دُونِ الله وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) وَأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّواْ مَكَانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ الله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ مِنْ عِبَادهِ وَيَقْدِرُ لَوْلاَ أَن مَّنَّ اللهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَـفِرُونَ (82)

 

التّفسير

جنون الثّروة:

المعروف أَن أصحاب الثروة يبتلون بأنواع الجنون... وواحد منها «جنون عرض الثروة وإظهارها» فهؤلاء يشعرون باللذة عندما يعرضون ثروتهم على الآخرين، وحين يعبرون على مركب غال وثير ويمرّون بين حفاة الأقدام فيتصاعد الغبار والاتربة لينتشر على وجوههم، ويحقّرونهم بذلك، فحينئذ

[ 297 ]

يشعرون بالراحة النفسية والنشوة تدغدغ قلوبهم..

وبالرغم من أَن عرض الثروة هذا غالباً ما يكون سبباً للبلاء عليهم ، لأنّه يربي الأحقاد في الصدور ويعبىء الحساسيّات ضده، وكثيراً ما ينهي هذا العمل الرديء حياة الإنسان، أو يزيل ثروته مع الريح!.

ولعل هذا الجنون يحمل هدفاً من قبيل اغراء الطامعين وتسليم الأفراد المعاندين ولكن الأثرياء غالباً ما يقومون بهذا العمل دون هدف، لأنّه نوع من الهوى والهوس وليس خطة أو برنامجاً معيناً.

وعلى كل حال فإن قارون لم يكن مستثنى من هذا القانون، بل كان يعدّ مثلا بارزاً له، والقرآن يتحدث عنه في جملة موجزة في بعض آياته فيقول: (فخرج على قومه في زينته ). امام قومه من بني اسرائيل.

والتعبير بـ «في زينته» ناطق عن هذه الحقيقة، وهي أنّه أظهر جميع قدرته وقوته ليبدي ما لديه من زينة وثروة.

ومعلوم طبعاً إنّ رجلا بهذه المثابة من الثروة ماذا يستطيع أن يفعل!؟

وينقل في التاريخ ـ في هذا الصدد قصص كثيرة ـ مقرونة بالأساطير أحياناً، فإنّ بعضهم يكتب أنّ قارون خرج في استعراض كبير، وقد أركب أربعة آلاف نفر على أربعة آلاف فرس حُمر «غالية القيمة» مغطاة بالقماش الفاخر، وقد ملأها زينة من الذهب والجواهر الأُخرى، فمرّ بهذا الإستعراض على بني إسرائيل.. وقد أثار هذا المنظر الناس، إذ رأوا أربعة آلاف من الخدم ابيض يلبسون ثياباً حُمراً مع زينتهم.

وقال بعضهم: بل بلغ عدد هؤلاء «الخدم والحشم» سبعة آلاف نفر، وذكروا أخباراً أُخرى في هذا الصدد.

ولو فرضنا أن كل ذلك مبالغ فيه، إلاّ أنّه لا يمكن إنكار هذه الحقيقة، وهي أَن قارون لديه ثروات مهمّة أظهرها في زينته!

[ 298 ]

هنا أصبح الناس طائفتين ـ بحسب العادة فطائفة وهم الأكثرية ـ من عبدة الدنيا ـ أثارهم هذا المشهد، فاهتزت قلوبهم وتأوهوا بالحسرات وتمنوا لو كانوا مكان قارون ولو يوماً واحداً ولو ساعة واحدة وحتى ولو لحظة! واحدة...

فأيّة حياة عذبة جميلة هذه الحياة التي تهب اللذات والنشاط... (قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنّه لذو حظ عظيم ).

هنيئاً لقارون ولثروته العظيمة!.. وما أعظم جلاله وعزّته.. ولا نظن في التاريخ أحداً أعطاه الله ما أعطى قارون.. وما إلى ذلك من الكلمات.

وهنا جاء دور الامتحان الالهي العظيم فمن جانب نجد قارون عليه أن يؤدي امتحانه في غروره وطيشه! ومن جانب آخر من بهرهم مشهده الذين أحاطوا به ـ من بني إسرائيل ـ .

وبالطبع فإنّ العقاب الأليم هو العقاب الذي سيقع بعد هذا العرض المثير، وهو أن يهوي قارون من أوج العظمة إلى قعر الأرض إذ تنخسف به الأرض على حين غرّة!.

لكن أمام هذه الطائفة التي ذكرناها آنفاً طائفة أُخرى من العلماء والمتقين الورعين، سمت آفاقهم عن مثل هذه المسائل، وكانوا حاضرين حينئذ و«المشهد» يمرّ من أمامهم.

هؤلاء الرجال لا يقوّمون الشخصية بالذهب والقوّة، ولا يبحثون عن القيم في الأُمور الماديّة. لا تبهرهم هذه المظاهر، بل يسخرون منها ويتبسمون تبسم استهزاء وازدراء! ويحقّرون هذه الرؤوس الفارغة.

فهؤلاء كانوا هناك، وكان لهم موقف آخر من قارون، وكما يعبر عنهم القرآن (وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً ) ثمّ أردفوا مؤكّدين (ولا يلقّاها إلاّ الصابرون ).

أُولئك الذين لا تهزّهم زخارف الدنيا وزبارجها، ويقفون في استقامة ـ

[ 299 ]

برجولة وشهامة ـ امام الحرمان، ولا يطأطئون رؤوسهم للاراذل ويقفون كالجبال الرواسي في الامتحان الإلهي ـ امتحان الثروة والمال والخوف والمصيبة... وهؤلاء هم الجديرون بثواب الله سبحانه!.

ومن المسلم به أنّه المقصود بجملة (الذين أوتوا العلم ) هم علماء بني إسرائيل، ومن بينهم «يوشع» وهو من كبار رجالهم.

غير أنّ الطريف في الأمر أن القرآن عبّر عن الطائفة الأُولى بجملة (الذين يريدون الحياة الدنيا ) لكنّه لم يعبر عن الطائفة الثّانية بأنّهم «الذين يريدون الحياة الاخرة» بل عبر عنهم بـ (الذين أوتوا العلم ) فحسب، لأنّ العلم هو أساس كل شيء وجذر الإيمان والاستقامة والعشق للثواب الإلهي والدار الآخرة..

كما أن التعبير بـ (الذين أوتوا العلم ) هو جواب دامغ ـ ضمناً ـ لقارون الذي يدّعي العلم، فالقرآن يريد أن يبيّن أن العلماء هم هؤلاء الذين لا يريدون الحياة الدنيا، أمّا أنت يا قارون فمغرور وطائش!.

وهكذا نرى مرّة أُخرى أنّ أساس البركات والخيرات هو العلم الحقيقي.

لقد أوصل قارون بعمله هذا طغيانه وعناده إلى الدرجة القصوى، غير أن ما ورد في التواريخ حكاية منقولة عن قارون تدل على منتهى الخسة وعدم الحياء! ننقلها هنا حسب تفصيلها!.

فقال له موسى(عليه السلام) إنّ الله أمرني أن آخذ الزكاة فأبى فقال: إنّ موسى يريد أن يأكل أموالكم جاءكم بالصلاة وجاءكم بأشياء فاحتملتموها فتحتملوه أن تعطوه أموالكم؟ قالوا: لا نحتمل فما ترى؟ فقال لهم: أرى أن أرسل إلى بغي من بغايا بني إسرائيل فنرسلها اليه فترميه بأنّه أرادها على نفسها فأرسلوا إليها فقالوا لها: نعطيك حكمك على أن تشهدي على موسى أنّه فجر بك قالت نعم.

فجاء قارون إلى موسى(عليه السلام) قال: اجمع بني إسرائيل فأخبرهم بما أمرك ربّك قال: نعم، فجمعهم فقالوا له: بم أمرك ربّك؟ قال: أمرني أن تعبدوا الله  ولا تشركوا

[ 300 ]

به شيئاً وأن تصلوا الرحم وكذا وكذا وقد أمرني في الزاني إذا زنى وقد أحصن أن يرجم. قالوا: وإن كنت أنت؟ قال: نعم. قالوا: فإنّك قد زنيت، قال: أنا؟

فأرسلوا إلى المرأة فجاءت فقالوا: ما تشهدين على موسى؟ فقال لها موسى(عليه السلام) أنشدتك بالله إلاّ ما صدقت. قالت: أمّا إذا نشدتني فإنّهم دعوني وجعلوا لي جعلا على أن أقذفك بنفسي وأنا أشهد أنّك بريء وأنّك رسول الله. فخرّ موسى(عليه السلام) ساجداً يبكي فأوحى الله إليه: ما يبكيك؟ قد سلطناك على الأرض فمرها فتطيعك، فرفع رأسه فقال: خذيهم فأخذتهم إلى أعقابهم فجعلوا يقولون: يا موسى يا موسى فقال: خذيهم فأخذتهم إلى أعناقهم فجعلوا يقولون: يا موسى يا موسى فقال: خذيهم فغيّبتهم فأوحى الله: «يا موسى سألك عبادي وتضرّعوا إليك فلم تجبهم فوعزّتي لو أنّهم دعوني لأجبتهم» .

يقول القرآن الكريم في هذا الصدد (فخسفنا به وبداره الأرض ).

أجل حين يبلغ الطغيان والغرور وتحقير المؤمنين الأبرياء والمؤامرّة ضد نبي الله أوجها، تتجلى قدرة الله تعالى وتطوي حياة الطغاة... وتدمرهم تدميراً يكون عبرة للآخرين.

مسألة «الخسف» هنا التي تعني انشقاق الأرض وابتلاع ما عليها، حدثت على مدى التاريخ عدّة مرات.. إذ تتزلزل الأرض ثمّ تنشقّ وتبتلع مدينة كاملة أو عمارات سكنية داخلها، لكن هذا الخسف الذي حدث لقارون يختلف عن تلك الموارد.. هذا الخسف كان طعمته قارون وخزائنه فحسب!.

يا للعجب!.. ففرعون يهوي في ماء النيل!.. وقارون في أعماق الأرض!.

الماء الذي هو سرّ الحياة وأساسها يكون مأموراً بهلاك فرعون.

والأرض التي هي مهاد الإطمئنان والدعة تنقلب قبراً لقارون واتباعه! ومن البديهي أنّ قارون لم يكن لوحده في ذلك البيت فقد كان معه أعوانه وندماءه ومن أعانه على ظلمه وطغيانه، وهكذا توغلوا في اعماق الارض جميعاً.

[ 301 ]

(فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين )...

فلم يخلصه أصدقاؤه، ولا الذين كانوا يحملون أمتعته ولا أمواله ولا أي أحد من عذاب الله، ومضى قارون وأمواله ومن معه في قعر الأرض!

أمّا آخر آية ـ محل البحث ـ فتحكى عن التبدل العجيب لأولئك الذين كانوا يتفرجون على استعراض قارون بالأمس ويقولون: ياليت لنا مثل ما أوتي قارون، وما شابه ذلك!. وإذا هم اليوم يقولون: واهاً له، فإنّ الرزق بيد الله (فأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الزرق لمن يشاء من عباده ويقدر ).

لقد ثبت عندنا اليوم أن ليس لأحد شيء من عنده! فكلّ ما هو موجود فمن الله، فلا عطاؤه دليل على رضاه عن العبد، ولا منعه دليل على تفاهة عبده عنده!.

فالله تعالى يمتحن بهذه الأموال والثروة عباده أفراداً وأقواماً، ويكشف سريرتهم ونيّاتهم.

ثمّ أخذوا يفكرون في ما لو أجيب دعاؤهم الذي كانوا يصرون عليه، وأعطاهم الله هذا المال، ثمّ هووا كما هوى قارون، فماذا يكون قد نفعهم المال؟

لذلك شكروا الله على هذه النعمة وقالوا: (لولا أن منّ الله علينا لخسف بنا ويكأنّه لا يفلح الكافرون ).

فالآن نرى الحقيقة بأعيننا، وعاقبة الغرور والغفلة ونهاية الكفر والشهوة!. ونعرف أن أمثال هذه الحياة المثيرة للقلوب بمظاهرها الخداعة، ما أوحشها! وما أسوأ عاقبتها!.

ويتّضح من الجملة الأخيرة في هذه القصّة ـ ضمناً ـ أنّ قارون المغرور مات كافراً غير مؤمن، بالرغم من أنّه كان يعدّ عارفاً بالتوراة قارئاً لها، وعالماً من بني إسرائيل ومن أقارب موسى.

* * *

[ 302 ]

بحوث

1 ـ نماذج قارونية بالأمس واليوم!

قصّة قارون ـ هذا الثري المغرور ـ التي ذكرها القرآن في سبع آيات بينات ـ بأسلوب جذّاب ـ تكشف الحجب عن حقاق كثيرة في حياة الناس!

هذه القصّة النّيرة توضح هذه الحقيقة، وهي أن غرور الثروة ونشوتها قد ينجر بهما الإنسان ـ أحياناً ـ إلى أنواع الجنون.. جنون إظهار الثروة وعرضها.. ولفت أنظار الآخرين.. إلى التلذذ من تحقير الفقراء والمساكين.

كما أن هذا الغرور وهذه النشوة والعشق المطلق للفضة والذهب، قد تكون سبباً لأنّ يجرأ الإنسان أحياناً إلى ارتكاب أقبح الذنوب وأخسها، كالإساءة إلى النّبي ومناهظة الحق والحقيقة.. واتهام أطهر الأفراد، واستخدام الثروة لإنفاقها على الفواحش في سبيل الوصول إلى الغرض المطلوب.

أن الغرور والنشوة الناشئين من كثرة الثروة، لا يسمحان للإنسان أن يسمع نصيحة الآخرين، ويستجيب لمن يريد له الخير!.

وهؤلاء المغرورون الجهلة يتصورون أنّهم أعلم الناس وأكثرهم اطلاعاً، وفي اعتقادهم أن ثروتهم التي وقعت في أيديهم، وربّما تقع عن طريق الغصب أحياناً، هي دليل على عقلهم وذكائهم... وأن جميع الناس جهلة كما يظنون، وأنّهم ـ وحدهم ـ العلماء فحسب!.

ويبلغ بهم الامر حدّاً أن يظهروا قدرتهم أمام الخالق، وكأنّهم مستقلّون، ويدّعون أنّ ما وصلهم هو عن طريق ابتكارهم وذكائهم، واستعدادهم وخلاّقيتهم ومعرفتهم التي لا نظير لها!

ورأينا عاقبة هؤلاء المغرورين المنحرفين، وكيف ينتهون، وإذا كان قارون وأتباعه وثروته جميعاً قد خسفت بهم الأرض فهووا إلى قعرها، فإنّ الآخرين يفنون بأشكال مختلفة.. وأحياناً تبتلع الأرض حتى ثروتهم العظيمة بشكل

[ 303 ]

آخر.. أو يبدّلون ثروتهم الكبيرة بالقصور والبساتين والأراضي الشاسعة ثمّ  لا يستفيدون منها أبداً.. وقد يشترون الأراضي الموات والبائرة، على أمل تقسيمها صغيرة لتباع كل قطعة بسعر باهض!... وهكذا تبتلع الأرض ثروتهم.

أمثال هؤلاء الأفراد من سقيمي العقول حين لا يجدون طريقاً لصرف ثروتهم العظيمة يتوجهون إلى القِيم الخيالية... وينفقون أموالهم على الخزف المتكسّر على أنّه من التراث القديم كالأكواز والأقداح الخزفية، والطوابع، والأوراق النقدية المتعلقة بالسنوات القديمة، ويحافظون عليها في مكان حريز من بيوتهم على أنّها أغلى التحف، وهي لا تستحق أن توضع إلاّ في المزابل لو نظرنا إليها بعين البصيرة والاعتبار!

أُولئك الذين يحيون مثل هذه الحياة الناعمة الخيالية قد يتفق أن يرى في مدينتهم أو في مناطقهم ـ وأحياناً في جيرانهم ـ من لا عهد له بالشبع، ويسهرون لياليهم على الطوى جائعين، ومن العجيب أنّهم يرون هذه الحالة فلا تهتز لها ضمائرهم، ولا يتأثر لأجلها وجدانهم!.

كما يتفق لحيواناتهم أن تعيش حياة الرفاه، وتستفيد من رعاية الأطباء والأدوية الخاصّة! في حين أن أناساً محرومين يعيشون في ظروف صعبة وسيئة إلى جوارهم، وربّما يرقدون في المستشفى، ويئنون ولا من مصرخ لهم، ولا من علاج لمرضهم!.

جميع هذه البحوث تنطبق أحياناً على بعض الأفراد في مجتمع ما، وقد تنطبق على دولة معينة قبال دول الدنيا كلها، أي قد نجد دولة قارونية مستكبرة أمام الدول الضعيفة، كما نلاحظ في العصر الحاضر في شأن الدول الإستكبارية كأمريكا وكثير من الدول الأوروبية.

لقد هيأ هؤلاء حياة التنعّم والرفاه ـ في أرقى صورها ـ باستثمار أبناء العالم الثّالث والدول الفقيرة العزلاء... بحيث أنّهم يرمون فضلات طعامهم في المزابل،

[ 304 ]

ولو قدر أن تجمع بصورة صحيحة، لأمكن عندئذ تغذية الملايين المحرومة الجائعة من هذه المواد الغذائية الإضافية.

وما نقوله من أن بعض الدول فقيرة هي في الحقيقة ليست دولا فقيرة، بل هي دول مُنيت بسرقة خيراتها وأغير عليها... وربّما كان لديها أغلى المصادر والمعادن تحت الأرض، لكن هؤلاء المغيرين ينهبون هذه الخيرات ويتركون أهلها على الأرض السوداء الجرداء.

فهؤلاء القارونيون يشيدون قواعد قصورهم الظالمة على أكواخ المستضعفين المهدّمة.. وإذا لم يتّحد المستضعفون يداً بيد ليقذفوا بالمستكبرين إلى قعر الأرض كما فعل بقارون، فإنّ حالة الدنيا ستبقى هكذا.

فأُولئك يشربون الخمور ويضحكون منتشين، وهؤلاء يجلسون على بساط الفقر والحرمان باكين.

 

2 ـ منْ أين جاء قارون بهذه الثروة العريضة؟

الطريف أنّنا نقرأ في الآيتين (23) و (24) من سورة المؤمن ما نستفيد منه بوضوح أنّ رسالة موسى(عليه السلام) كانت من البداية لمبارزة ثلاثة أشخاص! «فرعون»، ووزيره «هامان»، و«قارون» الثري المغرور. (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذّاب ).

ونستفيد من النصّ القرآني المتقدم أن قارون كان من جماعة فرعون، وكان على خطه; كما أنّنا نقرأ في التواريخ أنّه كان ممثلا لفرعون في بني إسرائيل من جهة(1)، وأنّه كان أمين الصندوق عند فرعون، والمسؤول على خزائنه من جهة أُخرى(2).

_____________________________

1 ـ تفسير الفخر الرازي، ج 25، ص 13، وتفسر مجمع البيان، ج 7، ص 266 ـ ذيل الآية محل البحث...

2 ـ مجمع البيان، ج 8، ص 520 ذيل الآية 24 من سورة المؤمن.

[ 305 ]

ومن هنا تتّضح هويّة قارون.. فإنّ فرعون من أجل إذلال بني إسرائيل وسلب أموالهم اختار رجلا منافقاً منهم، وأودعه أزمّة أمورهم، ليستثمر أموالهم لخدمة نظامه الجبار، وليجعلهم حفاةً عراة، ويكتسب من هذه الطريقة ثروة ضخمة منهم!.

والقرائن تشير إلى أنّ مقداراً من هذه الثروة العظيمة وكنوز الأموال بقيت بعد هلاك فرعون عند قارون، ولم يطلع موسى(عليه السلام) ـ إلى تلك الفترة ـ على مكان الأموال لينفقها على اتباعه الفقراء.

وعلى كل حال، فسواءً كانت هذه الثروة قد حصل عليها قارون في عصر فرعون، أو حصل عليها عن طريق الإغارة على خزائنه بعد هلاكه، أو كما يقول البعض قد حصل عليها عن طريق علم الكيمياء أو التجارة... أو معرفته بأصول استثمار أموال المستضعفين.

مهما يكن الأمر فإنّ قارون آمن بموسى بعد انتصار موسى على فرعون، وبدّل وجهه بسرعة، وأصبح من قرّاء التوراة وعلماء بني إسرائيل... في حين أنّ من البعيد أن تدخل ذرة من الإيمان في مثل قلب هذا المنافق!.

وأخيراً فحين أراد موسى(عليه السلام) أن يأخذ من قارون زكاة المال، خدع به الناس، وعرفنا كيف كانت عاقبته.

 

3 ـ موقف الإسلام من الثّروة!

لا ينبغي أن نستنبط من المسائل التي ذكرناها آنفاً أنّ الإسلام يقف من الثروة موقفاً سلبياً، وأنّه يخالف خط الثراء، ولا ينبغي أن نتصور أنّ الإسلام يريد حياة الفقر والفقراء، ويعدّ حياة الفقر من الكلمات المعنوية!.

بل على العكس من ذلك، فإنّ الإسلام يعد الثروة عاملا مهمّاً نحو الآخرة! وقد عبّر القرآن عن المال بالخير في الآية (180) من سورة البقرة (إن ترك

[ 306 ]

خيراً )أي مالا.

ونقرأ في حديث عن الإمام الباقر(عليه السلام) في هذا الصدد «نعم العون الدنيا على طلب الآخرة» (1).

بل حتى الآيات ـ محل البحث ـ التي تذم قارون أشدّ الذم، لأنّه اغتر بالمال، هي شاهد بليغ على هذا الموضوع.. غاية ما في الأمر أنّ الإسلام يقبل بالثروة التي بواسطتها تبتغى الدار الآخرة، كما قال علماء بني إسرائيل لقارون (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ).

والإسلام يرضى بالثروة التي نرى فيها «أحسن كمآ أحسن الله إليك» ولكن للجميع!.

والإسلام يوافق على ثروة يتحقق فيه القول «لا تنس نصيبك من الدنيا» ويمدحها.

وأخيراً فإنّ الإسلام لا يطلب ثروةً ينبغي بها الفساد في الأرض وتُنسى بها القيم الإنسانية.. وتكون نتيجتها الإبتلاء بمسابقة جنون التكاثر، أو أن ينفصل الإنسان عن ذاته ويحتقر الآخرين، وربّما تجرّه إلى مواجهة الأنبياء كما فعل قارون في مواجهته لموسى(عليه السلام) !.

يريد الإسلام الثروة لتكون وسيلة لملء الفراغ الإقتصادي، وأن يستفيد منها الجميع، ولتكون ضماداً لجراح المحرومين، وللوصول بها إلى اشباع الحاجات الإجتماعية وحلّ مشاكل المستضعفين...

فالعلاقة بين هذه الثروة وهذه الأهداف المقدّسة ليست علاقة دنيوية، أو ارتباطاً بالدنيا، بل هي علاقة أخروية.

كما نقرأ في حديث عن الإمام الصادق(عليه السلام) أن أحد أصحابه جاءه شاكياً أمره، وقال: والله إنّا لنطلي الدنيا ونُحبّ أن نؤتاها. فقال(عليه السلام) : «تحبّ أن تصنع بها

_____________________________

1 ـ وسائل الشيعة، ج 12، ص 17، الحديث 5 من الباب 16 من أبواب مقدمات التجارة.

[ 307 ]

ماذا؟»

قال: اعود بها على نفسي وعيالي، وأصل بها وأتصدق بها وأحج وأعتمر فقال الامام الصادق(عليه السلام) : «ليس هذا طلب الدنيا، هذا طلب الآخرة» (1).

ومن هنا يتّضح فساد عقيدة طائفتين في هذا المجال:

طائفة من المسلمين، أو بتعبير أدق: ممن يتظاهرون بالإسلام، وبعيدون عن تعاليمه، فيعرّفون الإسلام على أنّه محام عن المستكبرين.

وطائفة من الأعداء المغرضين الذين يريدون أن يمسخوا وجه الإسلام الأصيل، ويجعلوه معادياً للثروة، وأنّه يقف الى جانب الفقراء فحسب.

وأساساً فإنّ أُمّة فقيرة لا تستطيع أن تعيش وحدها مرفوعة الرأس حرّة كريمة!.

فالفقر وسيلة للإرتباط بالاجنبي والتبعية

والفقر أساس الخزي في الدنيا والآخرة!

والفقر يدعو الإنسان إلى الإثم والخطيئة.

كما نقرأ في حديث للإمام الصادق في هذا الصدد «غنىً يحجزك عن الظلم، خير من فقر يحملك على الإثم» (2).

إنّ على المجتمعات الإسلامية أن تسعى ـ مهما استطاعت ـ نحو التقدم لتكون غنيّة غير محتاجة، ولتبلغ مرحلة الإكتفاء الذاتي، وأن تقف على أقدامها وأن لا تضحّي باستقلالها وعزّتها وشرفها من أجل الفقر المذلّ الموجب للتبعية وتعلم أن منهج الإسلام الأصيل هو هذا لا غير.

* * *

_____________________________

1 ـ «وسائيل الشيعة، ج 12، ص 19 الحديث الثّالث الباب السابع من أبواب مقدمات التجارة.

2 ـ وسائل الشيعه، ج 12، ص 17، الحديث السابع الباب السادس من أبواب مقدمات التجارة.

[ 308 ]

الآيتان

تِلْكَ الدَّارُ الاَْخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِى الاَْرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَـقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَنْ جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (84)

 

التّفسير

نتيجة حبّ التسلط والفساد في الأرض:

بعد البيان المثير لما حدث لثري مستكبر ومتسلط، وهو قارون، تبدأ الآية الأُولى من هذا المقطع ببيان استنتاج كلي لهذا الواقع وهذا الحدث، إذ تقول الآية (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّاً في الأرض ولا فساداً ).

أجل، فهم غير مستكبرين ولا مفسدين في الأرض وليس هذا فحسب، بل قلوبهم مطهّرة من هذه المسائل، وأرواحهم منزهة من هذه الأوساخ! فلا يريدون ذلك ولا يرغبون فيه.

وفي الحقيقة إنّ ما يكون سبباً لحرمان الإنسان من مواهب الدار الآخرة، هو هذان الأمران: «الرغبة في العلو» أيّ الإستكبار و «الفساد في الأرض» وهما

[ 309 ]

الذنوب.. لأنّ كل ما نهى الله عنه فهو على خلاف نظام خلق الإنسان وتكامل وجوده حتماً، فارتكاب ما نهى الله عنه يدمر نظام حياة الإنسان، لذا فهو أساس الفساد في الأرض! حتى مسألة الإستعلاء ـ بنفسها ـ هي أيضاً واحدة من مصاديق الفساد في الارض، إلاّ أن أهميته القصوى دعت إلى أن يذكر بالخصوص من بين جميع المصاديق للفساد في الأرض!.

وقد رأينا في قصّة «قارون» وشرح حاله أنّ السبب الاساس في شقوته وهلاكه هو العلوّ و«الإستكبار».

ونجد في الرّوايات الإسلامية اهتماماً بهذه المسألة حتى أنّنا نقرأ حديثا عن الإمام أمير المؤمنين على(عليه السلام) يقول: «إن الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحتها» (1).

(وهذا أيضاً فرع صغير من الاستعلاء).

ومن الطريف أنّ صاحب «تفسير الكشاف» يعلق بعد ذكر هذا الحديث فيقول: بعض الطامعين ينسبون «العلوّ» في الآية محل البحث لفرعون بمقتضى قوله: (إنّ فرعون علا في الأرض )،(2) والفساد لقارون بمقتضى قوله: (تبغ الفساد في الأرض )،(3) ويدعون بأن من لم يكن كمثل فرعون وقارون فهو من أهل الجنّة والدار الآخرة، وعلى هذا فهم يبعدون فرعون وقارون وأمثالهما من الجنّة فحسب، ويرون الباقين من أهل الجنّة، إلاّ أنّهم لم يلاحظوا ذيل الآية (والعاقبة للمتقين ) بدقة ـ كما لاحظها الإمام علي(عليه السلام)(4).

وما ينبغى إضافته على هذا الكلام هو أن هؤلاء الجماعة اخطاؤا حتى في معرفة قارون وفرعون.. لأنّ فرعون كان عالياً في الأرض وكان من المفسدين

_____________________________

1 ـ تفسير جوامع الجامع، ذيل الآية محل البحث.

2 ـ سورة القصص، الآية 4.

3 ـ سورة القصص، الآية 77.

4 ـ تفسير الفخر الرازي، ذيل الآية محل البحث.

[ 310 ]

(إنّه كان من المفسدين )،(1) وقارون أيضاً كان مفسداً وكان عالياً بمقتضى قوله:(فخرج على قومه في زينته ).(2)

ونقرأ في حديث آخر عن الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) أنّه كان يسير في الأسواق أيام خلافته الظاهرية، فيرشد التائهين إلى الطريق ويساعد الضعفاء، وكان يمرّ على الباعة والكسبة ويتلوا الآية الكريمة (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّاً في الأرض ولا فساداً ). ثمّ يضيف سلام الله عليه: «نزلت هذه الآية في أهل العدل والتواضع من الولاة وأهل القدرة من الناس» (3).

ومعنى هذا الكلام، أنّه كما لم يجعل الخلافة والحكومة وسيلة للاستعلاء،  فلا ينبغي أن تجعلوا أموالكم وقدرتكم وسيلة للتسلط على الآخرين، فأنّ العاقبة لأولئك الذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً وكما يقول القرآن في نهاية الآية (والعاقبة للمتقين ).

و«العاقبة» بمفهومها الواسع هي النتيجة الصالحة، وهي الانتصار في هذه الدنيا، والجنّة ونعيمها في الدار الأخرى... وقد رأينا أنّ قارون وأتباعه إلى أين وصلوا وأيّة عاقبة تحمّلوا! مع أنّهم كانوا مقتدرين ولكن حيث كانوا غير متقين فقد ابتلوا بأسوأ العاقبة والمصير!.

ونختم كلامنا في شأن هذه الآية بحديث للإمام الصادق(عليه السلام) وهو أنّ الإمام الصادق حين تلا هذه الآية أجهش بالبكاء وقال: «ذهبت والله الأماني عند هذه الآية». (4).

وبعد ذكر هذه الحقيقة الواقعية، وهي أن الدار الآخرة ليست لمن يحب

_____________________________

1 ـ سورة القصص، الآية 4.

2 ـ سورة القصص، الآية 79.

3 ـ نقل هذه الرواية زاذان عن أميرالمؤمنين «مجمع البيان (ذيل الآية محل البحث)».

4 ـ تفسير علي بن إبراهيم ذيل الآية محل البحث.

[ 311 ]

السلطة والمستكبرين، بل هي للمتقين المتواضعين وطلبة الحق، تأتي الآية الثّانية لتبيّن قانوناً كلياً وهو مزيج بين العدالة والتفضل، ولتذكر ثواب الإحسان فتقول: (من جاء بالحسنة فله خير منها ).

وهذه هي مرحلة التفضل، أي أنّ الله سبحانه لا يحاسب الناس كما يحاسب الإنسان نظيره بعين ضيّقة، فإذا أراد الإنسان أن يعطي أجر صاحبه فإنّه يسعى أن يعطيه بمقدار عمله، إلاّ أنّ الله قد يضاعف الحسنة بعشر أمثالها وقد يضاعفها بمئات الأمثال وربّما بالآلاف، إلاّ أن أقلّ ما يتفضل الله به على العبد أن يجازيه عشرة أضعاف حسناته، حيث يقول القرآن في الآية (160) من سورة الأنعام: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ).

أمّا الحدّ الأكثر من ثواب الله وجزائه فلا يعلمه إلاّ الله، وقد جاءت الإشارة إلى جانب منه ـ وهو الإنفاق في سبيل الله ـ في الآية 261 من سورة البقرة... إذ يقول سبحانه في هذا الصدد...(مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبّة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبّة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ).

وبالطبع فإنّ مضاعفة الأجر والثواب ليس أمراً اعتباطياً، بل له إرتباط وثيق بنقاء العمل وميزان الإخلاص وحسن النيّة وصفاء القلب، فهذه هي مرحلة التفضل الإلهي في شأن المحسنين.

ثمّ يعقّب القرآن ليذكر جزاء المسيئين فيقول: (ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلاّ ما كانوا يعملون ).

وهذه هي مرحلة العدل الإلهي، لأنّ المسيء لا يجازى إلاّ بقدر إساءته، ولا تضاف على إساءته أية عقوبة!.

الطريف هنا عند ذكر جزاء السيئة أن القرآن يعبر عن الجزاء بالعمل نفسه (إلاّ ما كانوا يعملون ) أي إن أعمالهم التي هي طبقاً لقانون بقاء الموجودات في

[ 312 ]

عالم الوجود، تبقى ولا تتغير، وتبرز في يوم القيامة متجسمة دون خفاء، فهو (يوم البروز) في شكل يناسب العمل، وهذا الجزاء يرافق المسيئين ويعذبهم!.

* * *

 

ملاحظات

1 - لِمَ تكرر ذكر «السيئة» في هذه الآية مرتين؟

من المحتمل أن يكون ذكر السيئة مرتين في الآية، لأَن الله يريد أن يؤكّد على هذه المسألة، وهي أن السيئة لا جزاء لها إلاّ نفسها.

2 - هل تشمل الحسنة الإيمان والتوحيد؟ فإذا كان كذلك فما معنى هذه الجملة (من جاء بالحسنة فله خير منها )؟! وهل هناك خير من الإيمان والتوحيد؟!

وفي الإجابة على هذا السؤال نقول - بدون شك و ترددّ - إن للحسنة معنى واسعاً فهي تشمل المناهج الإعتقادية والأقوال والأعمال الخارجية، وما هو أفضل من الاعتقاد بتوحيد الله فهو رضا الله سبحانه الذي يكون ثواباً للمحسنين، فنحن نقرأ في الآية (72) من سورة التوبة قوله تعالى: (ورضوان من الله أكبر )!

3 - لم عبّر القرآن عن الحسنة بصيغة الإفراد، وعن السيئات بصيغة الجمع؟!

يعتقد بعض المفسّرين أنّ هذا التعبير عائد إلى كثرة المسيئين وقلة المحسنين(1).

كما ويحتمل أيضاً أن الحسنات تتلخص في حقيقة التوحيد، وأنّ جميع الحسنات تعود إلى «جذر» واحد وهو توحيد الله، في حين أن السيئات ترجع إلى الشرك الذي هو مصداق التشتت والتعدد والكثرة.

* * *

_____________________________

1 ـ روح المعاني، الآلوسي ذيل الآية.

[ 313 ]

الآيات

إِنَّ اًلَّذي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَآدُّكَ إِلى مَعاد قُل رَّبِّى أَعْلَمُ مَنْ جَآءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِى ضَلَـل مُّبِينَ (1) وَمَا كُنْتَ تَرْجُواْ أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتَـبُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّنْ رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَـفِرِينَ (1) وَلاَ يَصُدُنَّكَ عَنْ ءَايَـتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكينَ (1) وَلاَ تَدْع مَعَ اللهِ إِلـهاً ءَاخَرَ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (1)

 

سبب النّزول

نقل جماعة من المفسّرين ـ سبباً لنزول الآية الأُولى من الآيات أعلاه عن ابن عباس مضمونه مايلي:

حين كان النّبي(صلى الله عليه وآله) متوجهاً من مكّة إلى المدينة في سفر الهجرة وبلغ «الجحفة» وهي لا تبعد عن مكّة كثيراً... تذكر وطنه «مكّة» هذه البقعة التي هي حرم الله وأمنه وفيها البيت العتيق «الكعبة» التي تعلق بها قلب النّبي وروحه تعلقاً لا يقبل الإنفكاك.. ظهرت آثار الشوق على وجه النّبي الكريم مزيجة بالحزن

[ 314 ]

والتأثر، فنزل أمين الوحي جبريل على رسول الله وقال: أتشتاق الى بلدك وهو مولدك؟! فقال النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم): نعم... فقال جبرئيل(عليه السلام): فإن اللّه يقول: (إن الذي فرض عليك القرآن لرآدك إلى معاد )(1) يعني مكّة...

ونعلم أنّ هذا الوعد العظيم تحقق أخيراً، ودخل النّبي(صلى الله عليه وآله) بجيشه القوي وقدرته وعظمته الكبيرة مكّة ظافراً، واستسلمت مكّة والحرم الآمن دون حرب للنّبي(صلى الله عليه وآله).

فعلى هذا تعدّ الآية آنفة الذكر من الإخبار الإعجازي السابق لوقوعه، إذ أخبر القرآن عن رجوع النّبي(صلى الله عليه وآله) إلى مكّة بصورة قطعيّة ودون أي قيد وشرط، ولم تطل المدّة حتى تحقق هذا الوعد الإلهي الكبير!.

 

التّفسير

الوعد بعودة النّبي إلى حرم الله الآمن:

هذه الآيات التي هي آخر الآيات في سورة القصص تخاطب نبيّ الإسلام(صلى الله عليه وآله) وتبشره بالنصر، بعد أن جاءت الآيات الأُولى لتبيّن قصّة موسى و فرعون وما جرى له مع قومه، كما أنّ هذه الآيات فيها ارشادات وتعليمات مؤكّدة لرسول الإسلام(صلى الله عليه وآله).

قلنا: إنّ الآية الأُولى من هذه الآيات طبقاً لما هو مشهور بين المفسّرين نزلت في «الجحفة» في مسير النّبي(صلى الله عليه وآله)، إلى المدينة إذ كان متوجهاً إلى يثرب لتتحول بوجوده إلى «مدينة الرّسول»... وأن يبذر النّواة الأصيلة... «لحكومة إسلامية» فيها ويجعلها مقرّاً لحكومة إلهية واسعة، ويحقق فيها أهدافها.

لكن هذا الحنين والشوق والتعلق بمكّة يؤلمه كثيراً، وليس من اليسير عليه الإبتعاد عن حرم الله الآمن.

_____________________________

1 ـ راجع تفسير الميزان، تفسير القرطبي، ومجمع البيان «التّفسير الكبير» للفخر الرازي، وتفاسير غيرها.

[ 315 ]

وهنا يشرق في قلبه الطاهر نور الوحي، ويبشّره بالعودة إلى وطنه الذي ألفه فيقول: (إنّ الذي فرض عليك القرآن لرآدك إلى معاد ).

فلا تكترث ولا تُذهب نفسك حسرات، فالله الذي أعاد موسى إلى أُمّه هو الذي أرجعه أيضاً إلى وطنه بعد غياب عشر سنوات في مدين، ليشعل مصباح التوحيد ويقيم حكومة المستضعفين ويقضي على الفراعنة ودولتهم وقوّتهم.

هو اللّه سبحانه الذي يردك إلى مكّة بكلّ قوّة وقدرة، ويجعل مصباح التوحيد على يدك مشرقاً في هذه الأرض المباركة.

وهو الله الذي أنزل عليك القرآن، وفرض عليك إبلاغه، وأوجب عليك أحكامه.

أجل، إنّ ربّ القرآن وربّ السماء والأرض العظيم، يسيرٌ عليه أن يردّك إلى معادك ووطنك «مكّة».

ثمّ يضيف القرآن في خطابه للنّبي(صلى الله عليه وآله)، أن يجيب على المخالفين الضالين بما علّمه الله (قل ربّي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين ).

إنّ طريق الهداية واضح، وضلالهم بيّن، وهم يتعبون أنفسهم عبثاً، فالله يعرف ذلك جيداً، والقلوب التي تعشق الحق تعرف هذه الحقيقة أيضاً.

وبالطبع فإنّ التّفسير الواضح للآية كما بيّناه آنفاً، إلاّ أن جمعاً من المفسّرين لديهم احتمالات أُخرى في كلمة «معاد».. من قبيل «العودة للحياة بعد الموت» «المحشر» او «الموت». كما فسّروه «بالجنّة» أو مقام «الشفاعة الكبرى»... أو «بيت المقدس» الذي عرج النّبي منه أوّل مرة، وغير هذه المعاني.

إلاّ أنّه مع الإلتفات إلى محتوى مجموع هذه السورة ـ القصص ـ وما جاء في قصّة موسى وفرعون وبني إسرائيل، وما سقناه من شأن نزول الآية، فيبعد تفسير المعاد بغير العودة إلى مكّة كما يبدو!.

أضف إلى ذلك أن المعاد في يوم القيامة لا يختصّ بالنّبي وحده، والحال أن

[ 316 ]

الآية تتحدث عن النّبي ـ هنا ـ وتخاطبه وحده. ووجود هذه الآية بعد الآية التي تتحدث عن الثواب والجزاء في يوم القيامة، لا دلالة فيها على هذا المعنى، بل على العكس من ذلك، لأنّ الآية السابقة تتحدث عن الانتصار في الدار الآخرة، ومن المناسب أن يكون الحديث في هذه الآية عن الإنتصار في هذه الدنيا.

أمّا الآية التالية فتتحدث عن نعمة أُخرى من نعم الله العظيمة على النّبي(صلى الله عليه وآله)فتقول: (وما كنت ترجو أن يُلقى إليك الكتاب إلاّ رحمة من ربّك )(1).

كان كثير من الناس قد سمعوا بالبشارة بظهور الدين الجديد، ولعل طائفةً من أهل الكتاب وغيرهم كانوا ينتظرون أن ينزل عليهم الوحي ويحمّلهم الله هذه المسؤولية، ولكنّك ـ أيّها النّبي ـ لم تكن تظن أنّه سينزل عليك الوحي (وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب ).. إلاّ أن الله رآك أجدر بالأمر، وأن هذا الدين الجديد ينبغي أن ينتشر ويتسع على يدك في هذا العالم الكبير!.

وبعض المفسّرين يرون هذه الآية منسجمة مع آيات سابقة كانت تتحدث عن موسى(عليه السلام)، وتخاطب النّبي ـ أيضاً ـ كقوله تعالى: (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر.. وما كنت ثاوياً في أهل مدين... وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمةً من ربّك ).

فعلى هذا يكون المقصود بالكتاب هنا هو قصص الأنبياء السابقين.. إلاّ أن هذا التفسير لا منافاة فيه مع التفسير المتقدم! بل يعدّ قسماً منه في الواقع!.

ثمّ يضيف القرآن في خطابه للنّبي(صلى الله عليه وآله) أن طالما كنت في هذه النعمة (فلا تكونن ظهيراً للكافرين ).

ومن المُسلّم به أنّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن ظهيراً للكافرين أبداً، إلاّ أن الآية جاءت في مقام التأكيد على النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وبيان المسؤولية للآخرين، وأن

_____________________________

1 ـ قال بعضهم: إن «إلاّ» هنا تفيد الإستثناء، فاضطروا إلى أن يقولوا بحذف كلمة والتقدير لها من عندهم وهو تحكّم... إلاّ أن البعض الآخر فسّر «إلاّ» بمعنى «لكن» وأنّها تفيد الإستدراك، وهذا الوجه أقرب للنظر!...

[ 317 ]

وظيفتهم أن يتأسوا بالنّبي ولا يكون أيّ منهم ظهيراً للكافرين.

وهذا الموضوع ينسجم تماماً مع الموضوع الذي قرأناه في شأن موسى(عليه السلام)، إذ قال: (ربّ بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين ).. وبيّنا معناه في شأن إعانة الظالمين في الآية (17) من سورة القصص، أمّا الآيتان اللتان تختتم بهما سورة القصص، فهما تأكيد على مسألة التوحيد بتعابير واستدلالات متعددة ومختلفة.

التوحيد الذي هو أساس جميع المسائل الدينية... التوحيد الذي هو الأصل وهو الفرع وهو الكلّ وهو الجزء!.

وفي هاتين الآيتين أربعة أوامر من الله لنبيّه(صلى الله عليه وآله)، وأربعة صفات لله تعالى، وبها يكتمل ما ورد في هذه السورة من أبحاث.

يقول أوّلا: (ولا يصدّنك عن آيات الله بعد إذ اُنزلت إليك ) وبالرغم من أن النهي موجه إلى الكفار، إلاّ أن مفهوم الآية عدم تسليم النّبي(صلى الله عليه وآله) أمام صدّ الكافرين، وإحباطهم ومؤامراتهم، وهذا تماماً يشبه ما لو قلنا مثلا: لا ينبغي أن يوسوس لك فلان، فمعناه: لا تستسلم لوسوسته!.

وبهذا الأسلوب يأمر الله النّبي(صلى الله عليه وآله) أن يقف راسخ القدم عند نزول الآيات ولا يتردد في الأمر، وأن يزيل الموانع من قارعة الطريق مهما بلغت، ولْيَسر نحو هدفه مطمئناً، فإنّ الله حاميه ومعه أبداً.

ويقول ابن عباس: وإن كان المخاطب هو النّبي(صلى الله عليه وآله)، إلاّ أنّ المراد عموم الناس، وهو من قبيل المثل العربي المعروف «إيّاك أعني واسمعي يا جارة!».

وبعد هذا الخطاب الذي فيه جنبة نهي، يأتي الخطاب الثّاني وفيه سمة إثبات فيقول: (وادع إلى ربّك ).. فالله الذي خلقك وهو الذي ربّاك ورعاك...

والامر الثالث، بعد الأمر بتوحيد الله، هو نفي جميع أنواع الشرك وعبادة الأصنام (ولا تكونن من المشركين )... فإن طريق التوحيد واضحة بينة، ومن

[ 318 ]

ساروا عليها فهم على صراط مستقيم!.

والأمر الرّابع تأكيد آخر على نفي جميع أنواع الشرك، إذ يقول تعالى:  (ولا  تدع مع الله إلهاً آخر ).

وهذه الأوامر المتتابعة كل واحد منها يؤكّد الآخر، يوضح أهمية التوحيد في المنهج الإسلامي، إذ بدونه يكون كل عمل زيفاً ووهماً.

وبعد هذه الأوامر الأربعة تأتي أوصاف أربعة لله سبحانه، وهي جميعاً تأكيد على التوحيد أيضاً.

فالأوّل قوله: (لا إله إلاّ هو ).

والثّاني قوله: (كل شيء هالك إلاّ وجهه ).

والوصف الثالث: (له الحكم ) والحاكمية في عالمي التشريع والتكوين.

والرابع: أن معادنا إليه ( وإليه ترجعون ).

والأوصاف الثلاثة الأخيرة يمكن أن تكون دليلا على إثبات التوحيد وترك جميع أنواع عبادة الأصنام، الذي أشير إليه في الوصف الأول!

لأنّه طالما كنّا هالكين جميعاً وهو الباقي.

وطالما كان التدبير لنظام الوجود بيده والحكم له!

وطالما كان معادنا إليه وإليه نرجع!... فما عسى أن يكون دور المعبودات غيره، وأي أحد يستحق العبادة سواه!؟

والمفسّرون الكبار لديهم آراء مختلفة في تفسير جملة (كل شيء هالك إلاّ وجهه ) تدور حول محور كلمتي «وجه» و«هالك».

لأنّ الوجه يطلق ـ من حيث اللغة ـ على المحيّا أو ما يواجهه الإنسان من الشخص المقابل، ولكن الوجه حين يطلق على الخالق فإنّه يعني عندئذ ذاته المقدسة!.

وكلمة «هالك» مشتقّة من مادة «هلك» ومعناه الموت والعدم، فعلى هذا

[ 319 ]

يكون معنى الجملة المتقدمة فناء جميع الموجودات عدا ذات الخالق المقدسة... وهذا الفناء بالنسبة للموجودات الممكنة غير منحصر بفناء هذا العالم وانتهائه، فالموجودات الآن فانية قبال الذات المقدسة، وهي تحتاج إلى فيضه لحظة بعد لحظة، وليس لديها في ذاتها أي شيء، وكلّ ما لديها فمن الله!

ثمّ بعد هذا كلّه فإنّ موجودات هذا العالم جميعها متغير وفي معرض التبدل، وحتى طبقاً لفلسفة «الحركة الجوهرية» فذاتها هي التغيير بعينه، ونحن نعرف أن الحركة والتغيير معناهما الفناء والعودة الدائمية، فكل لحظة تموت موجودات العالم وتحيا!.

فعلى هذا فإنّ الموجودات هالكة وفانية الآن ـ أيضاً ـ غير أن الذات التي لا طريق الفناء إليها ولا تهلك، هي الذات المقدسة!

كما نعلم أنّ الفناء أو العدم يتجلى بصورة واضحة في نهاية هذا العالم، وكما يقول القرآن: (كل من عليها فان ويبقى وجه ربّك ذوالجلال والإكرام ).(1)

ولا يخصُّ الفناء ما على الأرض، بل يشمل حتى أهل السماء (ونفخ في الصور فصعق من في السموات والأرض ).(2)

فهذا التّفسير منسجم مع ظاهر الآية والآيات الأُخرى في القرآن، غير أن بعض المفسّرين ذكروا تفاسير أُخرى غير ما تقدم بيانه، ومنها:

1 ـ أنّ المقصود من كلمة (وجه) هو العمل الصالح، ومفهوم هذه الآية يكون حينئذ أن جميع الأعمال تمضي مع الرياح سوى ما يكون خالصاً لله.

وقال بعضهم: إنّ المراد بالوجه هو انتساب الأشياء إلى الله، فيكون مفهوم الاية أنّ كل شيء معدوم ذاتاً إلاّ من ناحية انتمائه إلى الله!

وقال بعضهم: المراد بالوجه هو الدين، فيكون مفهوم الآية أن المذاهب كلها

_____________________________

1 ـ سورة الرحمن، الآيتان 26 و 27.

2 ـ سورة الزمر، الآية 68.

[ 320 ]

باطلة سوى دين الله.

وجملة (له الحكم ) هي كما فسّروها بأنّها الحاكمية التشريعية. وهو تأكيد على التّفسير السابق!.

كما أن جملة (واليه ترجعون ) فسّروها بالرجوع إلى الله في أخذ الشريعة عنه! وهذا تأكيد آخر على هذا المعنى(1).

وهذه التفاسير مع ما بيّناه آنفاً لا نجد بينها منافاةً في الحقيقة!... لأنّنا حين عرفنا أن الشيء الوحيد الذي يبقى في هذا العالم هو الذات المقدسة لله فحسب! فيتّضح أن ما يرتبط بذات الله بنحو من الأنحاء فإنه يستحق البقاء والابدية.

فدين الله الصادر منه أبديّ، والعمل الصالح الذي له أبديّ... والقادة الألهيّون الذين يرتبطون يتّسمون بالخلود.

والخلاصة، كل ما هو مرتبط بالله ـ ولو بنحو من الأنحاء ـ فهو غير فان «فلاحظوا بدقّة».

* * *

 

مسألتان

1 ـ كيف تفنى جميع الأشياء؟!

من جملة الأسئلة التي أُثيرت في ذيل الآية، هو أنّه إذا كان لابدّ من فناء جميع الأشياء في نهاية العالم، فلا محيص من أن تتلاشى الأتربة التي تكونت من أبدان الناس، في حين أن القرآن يصرّح مراراً بأن الله سيجمع هذه الاتربة وينشر الناس منها، وأن الناس سينشرون في يوم القيامة من قبورهم!.

وطبقاً لظاهر الآيات ـ أيضاً ـ فإن الجنّة معدّة، والنّار معدّة ومهيأة من قبل،

_____________________________

1 ـ وردت روايات متعددة في تفسير «نور الثّقلين» في ذيل الآيات فسّرت بعضها الوجه بدين الله، وبعضها برسل الله وما هو منسوب لله.

[ 321 ]

كما جاء التعبير عن الجنّة (أعدت للمتقين ) أو ما شابه ذلك، وهي إشارة لخلق الجنّة وأنّها مهيأة للمتقين.. وقد ورد هذا التعبير في موضعين من آيات القرآن «الآية 123 من سورة آل عمران والآية 21 من سورة الحديد».

كما ورد التعبير عن النّار بـ(أعدت للكافرين ) في موضعين من القرآن أيضاً «البقرة الآية 24 وآل عمران الآية 131».

فهل ستفنى الجنّة والنّار في انتهاء العالم؟!

ثمّ بعد هذا كلّه فنحن نعتقد بالحياة البرزخية للإنسان، ونستفيد ذلك من آيات القرآن في شأن الأرواح، فهل ستفنى تلك أيضاً؟!

والجواب على جميع الأسئلة يتّضح بما يلي:

إنّ كثيراً ما يتفق أن يكون المراد من الهلاك والعدم هو تخلخل النظام ودماره، لا تلاشيه وفنائه فلو أن عمارة مثلا تهدمت بسبب الزلزلة فهنا يصدق عليها الفناء والهلاك، في حين أنّ مواد العمارة لا تزال موجودة، غير أن نظامها قد أختل وانعدم فحسب!.

ونعرف أن في نهاية هذا العالم ستنطفىء الشمس، ويظلم القمر، وتندك الجبال، وتموت الموجودات الحيّة، فهذا معنى هلاكها ! هذا من جهة!.

ومن جهة أُخرى فإنّ الفناء متعلق بهذه الدنيا، وما في هذه الدنيا... أمّا الجنّة والنّار فسواء كانتا داخل هذا العالم أو خارجه، فليستا جزءاً من هذه الدنيا ليشملهما حكم الفناء والعدم لنظامهما، فهما متعلقتان بالآخرة لا بالدنيا!

ومن جهة ثالثة، فإنّا ذكرنا آنفاً أنّ الهلاك ـ أو الفناء ـ بالنسبة للموجودات الممكنة غير منحصر بانتهاء هذا العالم.. فهي هالكة وفانية الآن أيضاً، لأنّها  لا تملك شيئاً في داخل ذاتها، وكل ما عندها فمن غيرها، فهي متغيرة ودائمة الحركة، ومعنى ذلك الفناء التدريجي والمركب من الوجود والعدم!

ومع بيان ما تقدم يتّضح الجواب على الأسئلة السابقة تماماً!

[ 322 ]

2 ـ التّفسير المنحرف لجملة (ولا تدع مع الله إلهاً آخر!)

يستدل جماعة من الوهّابيين أحياناً على أن مسألة «التوسل والشفاعة»  لا تنسجم مع حقيقة التوحيد، بالآية الآنفة وآيات أُخرى مشابهة لها.

أذ يقول أُولئك: إنّ القرآن نهى عن عبادة غير الله بصريح العبارة، كما نهى أن ندعو أسماء سوى الله، إذ قال: (فلا تدعوا مع الله أحداً ).(1)

والحال أنّ المقصود من هذه الآيات ليس هو أن لا ندعو أشخاصاً آخرين، بل المقصود كما هو مستفاد من الآية (مع الله ) أي أن من يعتقد أن ما كان لله يمكن طلبه من غير الله ويراه مستقلا في إنجازه، فإنه مشرك.

ولكننا إذا اعتقدنا بأن جميع القدرات هي خاصة بالله، ولا نعتقد بأن أحداً معه يكون مبدأ الأثر... ونعتقد بأن لله أولياء يشفعون بإذنه وأمره، فنتوسل بهم إلى الله ليشفعوا لنا عند الله، فهذا هو التوحيد بعينه، وهذا هو ما أشارت إليه آيات القرآن مراراً.

ترى هل كان قول إخوة يوسف لأبيهم: (يا أبانا استغفر لنا ) شركاً؟! (سورة يوسف الآية 97).

وهل ـ حين يقول القرآن: (ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرّسول لوجدوا الله تواباً رحيماً )،(2) يكون قول القرآن هذا دعوة نحو الشرك؟!!

إنّ حقيقة الشفاعة والتوسل ـ أيضاً ـ ليس شيئاً سوى ما أشرنا إليه آنفاً(3)!

رّبنا ألهم قلوبنا نورالتوحيد والمعرفة، لئلا نرى سواك، ولا نطلب سواك، ولا نرجوا سواك!

_____________________________

1 ـ سورة الجن، الآية 18.

2 ـ سورة النساء، الآية 64.

3 ـ لمزيد التوضيح يراجع تفسير الآية 35 المائدة، وتفسير ذيل الآية (48) من سورة البقرة!

[ 323 ]

اللّهم وثّق ارتباطنا بذاتك المقدسة يوماً بعد يوم، ارواحنا تحظى بقبس من بقاء وخلود ذاتك الخالدة!

اللّهم أبعد حبّ الدنيا والاستعلاء والفساد في الأرض عن أرواحنا، واجعلنا في صفوف المتقين، (والعاقبة للمتقين ).

 

آمين ربّ العالمين

انتهاء سورة القصص




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (90)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (4)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (7)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 192

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8211858

  • التاريخ : 10/12/2019 - 13:24

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net