00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة النور من آية 41 ـ آخر السورة من ( ص 121 ـ 182 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء الحادي عشر   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

[121]

 الآيتان

 أَلَمْ تَرَ أنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِى السَّمَـوتِ وَالاَْرْضِ وَالطَّيْرُ صَـفَّـت كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ(41) وَللهِ مُلْكُ السَّمَـوتِ وَالاَْرْضِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ(42)

 

التّفسير

الجميع يسبّح لله:

تحدثت الآيات السابقة عن نور الله، نور الهداية والإيمان، وعن الظلمات المضاعفة للكفر والضلال.

أمّا الآياتُ موضعُ البحث، فإنّها تتحدّث عن دلائل الأنوار الإلهية وأسباب الهداية، وتخاطب الآية النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فتقول: (ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض) وكذلك الطير يسبّحن لله في حال أنها باسطات اجنحتهن في السماء (والطير صافّات كل قد علم صلاته وتسبيحه). (والله عليم بما يفعلون).

وبما أنّ هذا التسبيح العام دليل على خلقِهِ تعالى لجميع المخلوقات، وخالقيته دليل على مالكيته للوجود كله، وكذلك دليل على أنَّ كُل ما في الوجود يرجع إليه سبحانه، فتضيف الآية (ولله ملك السموات والأرض وإلى الله المصير).

[122]

كما يحتمل وجود رابطة بين هذه الآية وسابقتها، حيث تحدّثت الآية الأُولى في آخر جملة لها، عن علم الله بأعمال البشر جميعاً وعلمه بالمسبحين له.

أمّا هذه الآية فقد أشارت إلى محكمة العدل الإِلهي في الآخرة، وأنّ لله ما في السموات والأرض، وهو الحاكِمُ والقديرُ العادِل في مصيرِ الناس وما في الوجود.

* * *

 

مسائل مهمة:

1 ـ ماذا تعني عبارة (ألم تر)

حسبما يراها الكثير من المفسّرين، تَعني: ألم تعلم، حيث التسبيح العام من قبل جميع المخلوقات في العالم لا يمكن ادراكه بالعين، بل بالقلب والعقل.

ولكونِ هذهِ القضية واضحةً جِداً وكأنّها ترى بالعين المجرّدة، استخدمت الآيةُ عبارة (ألم تر).

كما يجب الإِنتباه إلى أنّه على الرغم من كونِ المخاطَب في هذه الآية النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بالذات، فإنّ عدداً من المفسّرين يرى أنّها تشمل الناس جميعاً، لأنّ ذلك من أساليب القرآن المجيد اتبعها في كثير من آياته.

وقال البعض: إنَّ هذا الخطاب خاصّ بالنّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في مرحلة الرؤيا والمشاهدة، حيث منحه اللهُ القدرة على مشاهدة تسبيح جميع المخلوقات، وكذلك منح سبحانه وتعالى هذه القدرة لجميع عباده المخلصينَ له المتمسّكين بِهُداه.

أمّا بالنسبة لعامّة الناس، فالمسألة تخصّ إدراكَهُم لتسبيح الموجوداتِ عن طريق العقل، وليس بالمشاهدةِ البصريَّةِ(1).

_____________________________

 

1 ـ تفسير الصافي للآية موضع البحث.

[123]

2 ـ التسبيح العامّ لجميع المخلوقات

تحدّثت الآيات المختلفة في القرآن المجيد عن أربع عبادات تمارسها مخلوقات هذا الكون العظيم، هي: التسبيح، والحمد، والسجود، والصلاة، أمّا الآية موضع البحث، فقد تناولت الصلاة والتبسيح.

وتحدثت الآية الخامسة عشرة من سورة الرعد عن السجود العام: (ولله يسجد من في السموات والأرض).

أمّا الآية الرّابعة والأربعون من سورة الإِسراء، فقد تحدثت عن التسبيح والحمد من قبل جميع المخلوقات في الوجود كله (وإن من شيء إلاّ يسبح بحمده) وقدتناولنا حقيقة الحمد والتسبيح العامّين من قبل المخلوقات والتفاسير المختلفة الواردة بهذا الصدد، في تفسيرنا الآية الرّابعة والأربعين من سورة الإسراء، ونذكر هنا ملخصه:

هناك تفسيران جديران بالإهتمام، وهما: ـ

1 ـ إنّ ذرات هذا العالم كلها ـ عاقلة أو غير عاقلة ـ لها نوع من الإدراك والشعور، وهي تسبح في عالَمِها لله وتحمده على الرغم مِن عدم إدراكنا لها. ولهذا التّفسير أدِلَّة قرآنية.

2 ـ إن القصد من التسبيح والحمد هما ما نعبر عنه بعبارة «لسان حاله» أي نظام الوجود وأسراره المدهشة الكامنة في كلّ مخلوق تتحدّث بصراحة عن عظمة الخالق وعلمه وحكمته التي لا حدود لها، إذْ كُلّ مخلوق جميل، وكلّ أثر فنيّ بديع يثير الدهشة والإعجاب، حتّى أنّ لوحة فنية وقطعة شعرية جميلة، تحمد وتسبّح لِمبدعها. فمن جهة تكشف عن صفاته (بحمدها له) ومن جهة أُخرى تنفي عنه أي عيب أو نقص (فتسبحه). فكيف وهذا الكون العظيم بما فيه من عجائب وغرائب لا تنتهي! (للإطلاع أكثر على ذلك يُراجع تفسير الآية 44 من سورة الإسراء في تفسيرنا هذا).

[124]

وإذا قلُنا: إنَّ عبارة (يسبّح له من في السموات والأرض) تعني تسبيح كلّ من في السماوات والأرض، ونحدد كلمة «من» بذوي العقول، فإنّ التسبيح يخصّ هنا المعنى الأوّل، فهو تسبيح بوعي وإرادة ولازم هذا القول أن الطيور أيضاً لها شعور، لأنّ كلمة الطيور جاءت بعد حرف «من». ولا عجب في ذلك، لأنّ آيات قرآنية أُخرى قالت بوجود مثل هذا الشعور لدى بعض الطيور (يراجع تفسير الآية 38 من سورة الأنعام).

 

3 ـ التسبيح الخاصّ بالطيور:

ما السبب في ذكر تسبيحِ الطيور من بين جميع المخلوقات، وخاصّة في حالة بسط جناحيها في السماء؟

المسألة تكمن في أنّ الطيور إضافة إلى تنوُّعها الكبير، تمتاز بصفات خاصّة تجلب نظر كل عاقل إليها، حيث تحلّق هذه الأجسام ـ وبعضها ثقيل ـ في السماء خلافاً لقانون الجاذبية، وتطير بسرعة من نقطة إلى أُخرى في الجو، وتركب أمواج الرياح وهي باسطة جناحيها دون أي تعب أو جهد. بشكل يثير الإعجاب.

والمثير فيها هو إدراكها لقضايا الأنواء الجوية، ومعلوماتها الدقيقة لِوَضع الأرض الجغرافي ـ خلالَ سفرِها وهجرتها من قارة إلى أُخرى، حتى أنّ بعضها يُهاجر من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي.

فهي تمتلك جهاز توجيه خفي عجيب يرشُدها إلى الهدف إيَّان سفرها الطويل، حتى لو تلبّدت السماءُ بالغيوم. وهذه من أكثر الأُمور إثارة للدهشة والعجب، ومن أوضح أدلة التوحيد.

طيور الليل بدورها تملك راداراً مدهشاً يخبرها حين الطيران في ظلمة الليل عن كلّ حاجز أمامها، حتى أن بعضها يرى سمكّة تحت الماء، فيخطفها بسرعة البرق، وهذه ميزة مدهشة في هذه الطيور!!

[125]

وعلى كل حال فإنّ هناك أُموراً عجيبة في الطيور جعلت القرآن المجيد يخصّها بالذكر.

 

4 ـ عبارة (كل قد علم صلاته وتسبيحه):

نسب عدد من المفسّرين ضمير «علم» إلى كلمة «كلّ»، وبهذا يصبح معنى العبارة السابقة: كلّ من في الأرض والسماء، وكذلك الطيور علم صلاته وتسبيحه.

وقال بعض المفسّرين: إنّ ضمير (علم) يعود إلى الله تعالى، أي أنّ الله علم صلاة وتسبيح كلّ منهم.

والتّفسير الأوّل يلائم الآية بشكل أفضل.

وبهذا الترتيب يعلم كلّ مسبّح لله أُسلوب تسبيحه وطريقته وشروطه وخصائص صلاته.

فإذا كان التسبيح بوعي من هذه الكائنات يتّضح جيداً مفهومُ هذا الكلام، أمّا إذا كان بلسان حالها فيكون مفهومه أنّ كلّ واحد منها له نظام خاصّ يُعبِّرُ بشكل من الأشكال عن عظمة الله، وكلّ واحد منها يعكس قدرة الله وحكمته.

 

5 ـ ما المقصود بالصلاة؟

قال بعض المفسّرين كالمرحوم «الطبرسي» في مجمع البيان، و«الآلوسي» في روح البيان: إنّ الصلاة هي الدعاء.

وهذا هو مفهومها اللغوي، وبهذا تمارس جميع المخلوقات في الأرض والسماء الدعاء إلى الله بلسان حالها أو مقالها وتسأله الرحمة، لأنّه أرحم الراحمين، وأنّه سبحانه وتعالى يمنّ عليها برحمته كُلاً بحسب قابليته.

غاية الأمر إنّهم جميعاً يعلمون حاجتهم ومطلبهم وما ينبغي أن يدعون،

[126]

وإضافة إلى ذلك ـ وفق الآيات التي أشرنا إليها سابقاً ـ فهم خاضعون لعظمة الله، وقد سَلَّمُوا بقوانين الخلق، ويُردِّدون من الأعماق الثناء على صفاتِهِ الكاملة سبحانَه وتعالى، ونفي كلّ نقص عنه جَلّ اسمُه المقَدّس.

وبهذا الشكل تتمّ العبادات الأربع «الحمد» و«التسبيح» و«الدعاء» و«السّجود».

 

* * *

 

[127]

 

 

الآيات

 

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِى سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَـلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَآءِ مِن جِبَال فِيهَا مِن بَرَد فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالاَْبْصَـرِ(43) يُقَلِّبُ اللهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لاُِّولِى الاْبْصَـرِ(44) وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّة مِّن مَّآء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَى أَرْبَع يَخْلُقُ اللهُ مَا يَشَآءُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ(45)

 

التّفسير

جانب آخر من الخلق العجيب:

نواجه ثانية ـ في هذه الآيات ـ جانباً آخر من مسألة الخلق المدهشة، وما احتوته من آيات العلم والحكمه والعظمة، وكلّ ذلك من أدلّة توحيد ذاتِ اللهِ الطاهرة.

يخاطِبُ القرآنُ المجيد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ثانية ويقول(ألم تر أن الله يزجي سحاباً

]128]

ثمّ يؤلف بينه ثمّ يجعله ركاماً) وبعد أن تتراكم السحب ترى قطرات المطر تخرج من بين السحاب وتهبط على الجبال والسهول والصحاري (فترى الودق يخرج من خلاله).

وكلمة «يزجي» مشتقّة من «الإزجاء»، أي سوقه بأُسلوب لين لترتيب المخلوقات المتبعثرة هنا وهناك بقصد جمعها.

وهذا التعبير يصدق بالنسبة للسحب، حيث ترتفع كلّ قطعة منه من جانب من البحر. ثمّ تسوقها يد القدرة الإلهية. وتجمعها، فتراكم بعضها على بعض.

وكلمة «ركام» على وزن «غلام»، بمعنى الأشياء المتراكمة بعضها فوق بعض.

وأمّا «الودق» على وزن «شرق»، فيرى الكثيرون أنّها حبّات المطر، إلاّ أّن الراغب الأصفهاني يرى في مفرداته أنّها ذرات دقيقة من الماء، أي: الرذاذ الذي يتناثر في الفضاء حين هطول المطر.

والمعنى الأوّل أكثر ملاءمة هنا، فما يدلّ بشكل أكبر على عظمة الله هو ذرات المطر نفسها وليس رُذاذه، إضافة إلى أنَّ القرآن كُلَّما ذكر السحاب ونزول بركات الله من السماء، أشار فيها إلى المطر. فهو الذي يحيي الأرض بعد موتها ويبعث الحياة في الأشجار والنباتات، ويروي عطش البشر والحيوان.

وأشار القرآن إلى ظاهرة أُخرى من ظواهر السماء المدهشة، وهي السحاب، حيث قال: (وينزل من السماء من جبال فيها من برد) أي من جبال السحب في السماء تنزل قطرات المطر على شكل ثلج وَبَرَد، فتكون بلاء لمن يريد الله عذابه فتصيب هذه الثلوج المزارع والثمار وتتلفها وقد تصيب الناس والحيوانات فتؤذيهم (فيصيب به من يشاء) ومن لم يرد تعذيبه دفع عنه هذا البلاء (ويصرفه عمن يشاء).

أجل، إنّه هو الذي ينزّل الغيث المخصب من سحابة تارة ... وهو الذي يُصيّره برَداً بأدنى تغيير بأمره فيصيب به (بالأذى) من يشاء، وربما يكون مُهلكاً أحياناً.

[129]

وهذا يدلّ على منتهى قُدرته وعظمته ـ إذ جَعَلَ نفع الإِنسان وضرره وموته وحياته متقارنة، بل مزج بعضها ببعض!

وفي نهاية الآية يشير إلى ظاهرة أخرى من الظواهر السماوية الّتي هي من آيات التوحيد فيقول سبحانه (يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار).

فالسُحبُ المؤلفة في الحقيقة من ذرات الماء تحمل في طيّاتها الشحنات «الكهربائية»، وتُومض إيماضاً يُذهل برقها (العيون) والأبصار وَيَصُكّ رعدها السمع من صوته، وربّما اهتزت له جميع الاجواء.

إن هذه الطاقة الهائلة يبن هذا البخار اللطيف لمثيرةٌ للدهشة حقّاً!...

 

ردّ على استفسار:

السؤال الذي بقي هنا هو: ما هذا الجبل الذي في السماء ينزل منه البَرَد؟ أجاب المفسّرون عن هذا الإستفسار بأجوبة مختلفة، هي:

1 ـ قال البعض: إنَّ كلمة الجبال هنا كناية، مثلما نقول جبل من غذاء أو جبل من علم. وعلى هذا فإنّ مفهوم الآية السابقة، هو أنّ هناك بَرَداً متراكماً كالجبل في قلب السماء أوجد السحاب، وينزل قسم منه في المدن، وقسم آخر في الصحراء، ويصيب به من يشاء.

2 ـ وقال آخرون: المقصود من الجبال السحب المتراكمة بحيث تشبه الجبل.

3 ـ وذكر صاحب تفسير «في ظلال القرآن»، بياناً آخر هو الأوفق حسب الظاهر، وهو: «إن يدالله تزجي السحاب وتدفعه من مكان إلى مكان، ثمّ تؤلف بينه وتجمعه فإذا هو ركام بعضه فوق بعض، فإذا ثقل خرج منه الماء والويل الهاطل، وهو في هيئة الجبال الضخمة الكثيفة، فيها قطع البرد الثلجية الصغيرة، ومشهد السحاب كالجبال لا يبدو لنا كما يبدو لراكب الطائرة وهي تعلو فوق السحب أو

[130]

تسير بينها، فإذا المشهد مشهد جبال حقاً، بضخامتها ومساقطها وارتفاعها وانخفاضها، وإنّه لتعبير مصور للحقيقة التي لم يرها الناس إلاّ بعد ما ركبوا الطائرات»(1).

ويمكن أن يضاف إلى ذلك أنَّ العلماء يرون في كيفية تكون البَرد في السماء أنَّ قطرات المطر تنفصل من السحاب، وإذا مرت بطبقة باردة من الهواء أصبحتْ ثلجاً، ثمّ تدفعها أحياناً العواصف الموجودة هناك إلى الأعلى، فتدخل قطع الثلج هذه إلى داخل السحب، ويكتسب بعضها مياهاً جديدة ثمّ تهبط، فتجمد ثانية عند مرورها بطبقة من الهواء البارد جدّاً.

وكلما تكرر وقوع هذا العمل نَمَت هذه القطع من الثلج وآزداد وزنها، إلى أنْ تقع على الأرض بعد أن تعجز الأعاصير عَنْ دفعِها إلى الأَعلى مرّة أُخرى. أو أنَّ الإعصار يهدأ فيِسقط البرد على الأرض.

وبهذا الشرح العلمي يتّضح لنا المراد من كلمة «الجبال» التي وردت في هذه الآية، لأن تكوّن البَرَد بقطع كبيرة وثقيلة ممكن في حال تراكم السحب، حتى يقذف الإعصار حبّات البَرَد وسطها، لتكسب هذه الحبّات قدراً أكبر من مياه السحب.

وذلك ممكن في حالة وجودِ جبال مرتفعة من السحب، لتكون مصدراً جيداً لتكونَ البَرد.(2)

ونقرأ هنا تحليلا آخر ذكره بعضُ الكتّاب، وخلاصته كالآتي: «أشارت

_____________________________

 

1 ـ تفسير من ظلال القرآن المجلد (19 ـ 20) صفحة 109 ـ 110 ـ دار إحياء الكتب العربية ـ الطبعة الأُولى.

2 ـ تكرر حرف (من)

ثلاث مرات في عبارة (وينزل من السماء من جبال فيها من يرد)

أولاها ابتدائية، وثانيتها لها نسبة مع إبتدائية، وأمّا الثّالثة فقد اختلف في تفسيرها كما ذكرنا أعلاه، فهي بحسب التّفسير الأوّل بيانية، ويكون مفهوم الجملة هو ينزل من السماء من جبال من برد. وقد حذف مفعول الفعل (ينزل)

وهو البرد، ويفهم ذلك من قرينة في الكلام، وعلى حسب التفسيرين الثّاني والثّالث اللذين اخترناهما تكون «من»

إمّا زائدة (حسبما نقله تفسير روح المعاني عن الأخفش) أو هي للتبعيض.

[131]

الآيات موضع البحث بصراحة إلى الجبال الثلج، أي الجبال التي فيها نوع من الثلوج.

وهذا يثير الإنتباه كثيراً، لأنّ اختراع الطائرات والتمكن من التحليق بها في مستوىً مرتفع زاد من آفاق علم البشر، فقد تمكّن العلماء من الوصول إلى سُحب مستورة ومتكونة من تراكمات ثلجية، وحقّاً ممكن أن تسمى بجبال الثلج.

وممّا يثير الدهشة أنَّ أحد علماء السوفيت استخدم ـ لعدة مرات ـ اسم «جبال السحب» و«جبال الثلج» خلال شرحه موضوع سُحُب العواصف الثلجية، وبهذا يتّضح لنا وجود جبال من الثلج في السماء.

وأشارت الآية التالية إلى إحدى معاجز الخلق ودلائل عظمة الله، وهو خلق الليل والنهار بما فيهما من خصائص، حيث تقول (يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار).

وذكرت لمعنى «يقلّب» عدّة تفاسير، فقال البعض: إنَّ تقلب الليل والنهار هو أنْه إذا حَلَّ أحدهما مَحَا الآخر.

وقال البعض: إنَّه قصر أحدهما وطولُ الآخر، ويَحْدُثُ ذلك بصورة تدريجية وله ارتباطٌ بالفصول الأربعة.

واعتبْر آخرون تقلبات الحرّ والبرد، وحوادث أُخرى تقع في الليل والنهار(1).

وليس بين هذا التفاسير أيُ تناقض، بل يمكن جمعُها في مفهوم عبارة «يقلب»، ولا ريب ـ وقَدْ برهن العلم على ذلك ـ أنَّ لتعاقب الليل والنهار والتغييرات التدريجية الحاصلة منه أثر فَعّال في استدامة الحياة وبقاء الإنسان، وفي ذلك عبرة لأُولي الأبصار.

_____________________________

 

1 ـ التّفسير الكبير للفخر الرازي، وتفسير مجمع البيان، وتفسير روح المعاني.

[132]

وإذا كانت حرارة الشمس على نسق واحد، فإنَّها ترفع درجة حرارة الهواء، وتقتل الأحياء وتتعب الأعصاب، لكنَّ وقوع الليل بين نهارين يعدِّل من أثر الشمس القوي ويلائمه.

كما إنّ التغييرات التدريجية في ساعات الليل والنهار هي السبب في ظهور الفصول الأربعة، وعامِلٌ مؤثِّرٌ جدّاً في نمو النباتات وحياة جميع الأحياء وهطول المطر وتكوين المياه الجوقية التي هي مِنْ كنوزِ الأرض(1).

وأشارت آخر الآيات ـ موضع البحث ـ إلى أبرز صورة وأوضح دليل على التوحيد، وهي مسألة الحياة بصورها المختلفة، فقالت: (والله خلق كل دابّة من ماء) أي أنّ أصلها جميعاً من ماء، ومع هذا فلها صور مختلفة (فمنهم من يمشي على بطنه) كالزواحف. (ومنهم من يمشي على رجلين) كالإنسان والطيور (ومنهم من يمشي على أربع) كالدواب.

وليس الخلق محدداً بهذِهِ المخلوقات، فالحياة لها صور أُخرى متعددةٌ بشكل كبير، سواءَ كانت أحياء بحرية أم حشرات بأنواعها المتعددة التي تبلغ آلاف الأنواع، لهذا قالت الآية في الختام (يخلق اللّه ما يشاء إن الله على كل شيء قدير).

* * *

 

بحوث

1 ـ ماذا يعني الماء هنا؟

وإلى أي نوع من الماء أشارت الآية موضع البحث؟

للمفسِّرين بهذا الصدد ثلاثةُ آراء:

1 ـ يقصد بالماء النطفة، وقد اختار الكثير من المفسّرين هذا المعنى، وقد

_____________________________

 

1 ـ بحثنا في هذا المجال في التّفسير الأمثل عند تفسير الآية (6) من سورة يونس.

[133]

أشارت إليه بعض الأحاديث.

وهناك مشكلة تواجه هذا التّفسير، إذْ أنَّ الاحياء جميعاً لم تخلق من ماء النطفة، فمنها أحياء مجهرية ذات خلّية واحدة، وأُخرى تخلق من انقسام الخلايا وليس من النطفة إلاّ أن يقال بالنسبة للحكم أعلاه: إنّ المراد هو الجانب النوعي وليس عاماً.

2 ـ والتّفسير الثّاني يقول: إنَّ المقصود هنا ظهور أوّل مخلوق، فقد ذكرت بعض الأحاديث أنَّ أوّل ما خلق الله الماء، ثمّ خلق الإنسان من الماء.

وينسجم هذا مع النظريات الجديدة القائلة: إنَّ أوّل عنصر حي ظهر في البحار. وهذه ظاهرة سادت أعماقَ البحار وسواحلها. (وطبيعي فإنّ القدرة التي خلقت هذا الموجود الحيّ بجميع تعقيداته ورعته في المراحل البعدية، هي قدرة أسمى من الطبيعة، أي إرادة الله تعالى).

3 ـ آخر تفسير لخلقِ الأحياءِ مِنَ الماءِ، هو أنَّ الماءَ يشكِّل حالياً أساسَ تكوينها، وأكبر نسبة من بنائها، ولا يمكن للأحياء أن تواصل حياتها دون الماء.

وطبيعي أن لا نجد تناقضاً بين هذه التفاسير، لكنَّ التّفسيرين الأوّل والثّاني أقرب إلى الصواب على ما يبدو(1).

 

2 ـ جواب على استفسار

يطرح هنا سؤال يقول: إنَّ الحيوانات لا تحدد بهذه الأنواع الثلاثة (الزواحف وثنائية الأرجل ورُباعيتها) إذ أنّ هناك دوابّاً لها أكثر من أربع أرجل؟

والجواب عنه يكمن في الآية ذاتها، أي في قولِه تعالى (يخلق الله ما يشاء)

_____________________________

 

1 ـ استند البعض عن دعاة نظرية التطور إلى هذه الآيه لإثبات نظريتهم، إلاّ أننا ذكرنا عدم ثبوت هذه النظرية في تفسيرنا للآية (26) من سورة الحجر. والجدير بالإِهتمام هو أنّه يجب أن لا نطبق الآيات مع النظريات. فالآيات القرآنية تحكي عن حقائق لا تتغير، أمّا النظريات العلمية فتتغير.

[134]

فهي تتناول الحيواناتِ كافّة، مضافاً إلى أن أهم الحيوانات التي يستخدمها الإنسان، هي هذه الأنواع الثلاثة.

ويرى البعض أنّ الأحياء التي لها أكثر من أربع أرْجُل، تعتمد على أربع منها، والباقي منها سواعد مساعدة لها(1)(2).

 

3 ـ صور الحياة المختلفة:

لا شك أنّ الحياة تعتبر أعجب ظاهرة في العالم، ذلك السرّ الذي لم يقدر العلماء على فكّ رموزه حتّى الآن، فالجميع يقول: إنَّ الأحياء خلقت من مادّة  لا حياة فيها، إلاّ أنّه لا أَحَدَ يعلم كيف حدثت هذه الطفرة وفي أيّ ظرف، إذْ لم يشهد أيّ مختبر تبدُّلَ موجود عديم الحياة إلى آخر حي، على الرغم من انشغال الآلاف من العلماء طوال سنين عديدة في التفكير بذلك، وإجراء تجارب مُختبرية يخطئها الحصر.

وهناك خيال من بعيد يتراءى للعلماء في هذا المجال، ولكنّه مجرّد خيال وشبح، فانّ العلم البشري عاجز عن كشف أسرار الحياة مَع تقدّمِه الهائل، وذلك لتعقد هذه الأسرار بدرجة كبيرة.

وفي الظروف السائدة تولّد الأحياء من أحياء أخرى، ولا يولد أيُّ حيّ من غير حيّ. ولكن المؤكّد أن هذا الحال لم يكن كذلك في الماضي البعيد. أو بعبارة أُخرى: أنّ الحياةُ تملك تاريخاً لظهورها.

ولكن كيف وتحت أية شروط؟

إنّ ذلك لغز لم تتضح حقيقته بعدُ، والأعجب من ذلك تنوع الحياةِ في هذه

_____________________________

 

1 ـ تفسير القرطبي، وتفسير الفخر الرازي للآية موضع البحث.

2 ـ لابدّ من الإهتمام بهذه المسألة لغوياً، وهي أنّ الضمير «هم»

في «منهم»

رغم أنّه للجمع العاقل، فقد استخدمتها الآية لغير العاقل أيضاً. وكذلك حرف «من»

وذلك بسبب استخدام هذه الكلمات أحياناً لغير العاقل أيضاً.

[135]

الصور الكاملة، تبدأ من الأحياء المجهرية وحيدة الخلية حتى تصل إلى الحيتان العظيمة التي يتجاوز طولُ الواحدة منها الثلاثين متراً، وتبدو إحداها كأنّها جبل من لحم طائف في المحيط.

ومن مئات الآلاف من الحشرات المختلفة إلى الآف من الطيور الجميلة، كلّ له عالمه الخاصّ به وأسرارُهُ الذاتية.

وتشغل كتب علم الحيوان اليوم حيّزاً كبيراً من مكتبات العالم، ويستعرض مؤلفوها جوانب من أسرار هذه الأحياء، خاصّة الأحياء البحرية.

والبحر دوماً تكمن فيه الأسرار التي ما تزالُ معلوماتُنا قاصرة عن استكناهها، على الرغم من سِعة تطوّرنا العلميِّ وعُمقِه، حقّاً الله اكبر، خلق كلّ هذه الأحياء، ومنحها ما تحتاج إليه، فما أعظم قدرته وعلمه!

سبحانه! كيف وضع كلّ واحد منها في ظروف مناسبة له، ووفّر غذاءه وما يحتاج إليه، والأعجب من ذلك خلقه سبحانه وتعالى جميع هذه الكائناتِ، من ماء وقليل من تراب.

* * *

 

 

[136]

 

 

الآيات

 

لَّقَدْ أَنزَلْنَآ ءَايَـت مُّبَيِّنَـت وَاللهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرط مُّسْتَقِيم(46) وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَآ أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ(47) وَإذَا دُعُواْ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ (48)وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ(49) أَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّـلِمُونَ(50)

 

سبب النّزول

ذكر المفسّرون سببين لنزول بعض هذه الآيات:

قيل نزلت الآيات في رجل من المنافقين كان بينه وبين رجل من اليهود خصومة، فدعاه اليهودي إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشراف (اليهودي) (حتّى أنّ بعض الرّوايات ذكرت أنَّ المنافق قال صراحة: يحتمل أن  لا يعدل محمداً فينا):

[137]

وحكي أنّه كان بين علي(عليه السلام) وعثمان (وحسب رواية بين علي(عليه السلام) والمغيرة بن وائل) منازعة في أرض اشتراها من علي(عليه السلام) فخرجت فيها أحجار، وأراد ردَّها بالعيب، فلم يأخذها فقال: بيني وبينك رسولُ الله(صلى الله عليه وآله وسلم). فقال الحكم بن أبي العاص (وهو من المنافقين): إن حاكمته إلى ابن عمِّه يحكم له، فلا تحاكمه إليه، فنزلت الآيات واستنكرت عليه ذلك بشدَّة، وهو المروي عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام)أو قريب منه(1).

 

التّفسير

الإيمان وقبول حكم الله:

تحدثت الآيات السابقة عن الإيمان بالله وعن دلائل توحيده وعلائمه في عالم التكوين، بينما تناولت الآيات ـ موضع البحث ـ أثَرَ الإيمان وانعكاس التوحيد في حياة الإنسان، وإذعانه للحقّ والحقيقة.

تقول أوّلا: (لقد أنزلنا آيات مبينات) آيات تنور القلوب بنور الإيمان والتوحيد، وتزيد في فكر الإنسان نوراً وبهجة، وتبدّل ظلمات حياته إلى نور على نور. وطبيعي أنّ هذه الآيات المبينات تُمهد للإِيمان، إلاّ أنَّ الهداية الإِلهية هي صاحبةُ الدور الأساسي (والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم).

وكما نعلم فإنّ إرادة الله ومشيئته ليست دون حساب، فهو سبحانه وتعالى يدخل نور الهداية إلى القلوب المستعدة لتقبله، أي التي أبدت المجاهدة في سبيل الله وقطعت خطوات للتقرب إليه، فأعانها على قَدرِ سَعْيِها في الوصول إلى لطفه سبحانه.

ثمّ استنكرت الآية الثّانية وذمَّت مجموعة من المنافقين الذين يدّعون

_____________________________

 

1 ـ «مجمع البيان» وتفسير «روح المعاني» وتفسير «التبيان» وتفسير «القرطبي» وتفسير «الفخر الرازي» وتفسير «الصافي» وتفسير «نورالثقلين» (مع بعض التصرف).

[138]

الإيمان في الوقت الذي خلت فيه قلوبُهُم من نور الله، فتقول الآية عن هذه المجموعة (ويقولون آمنا بالله وبالرّسول وأطعنا ثمّ يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أُولئك بالمؤمنين).

ما هذا الإيمان الذي لا يتجاوز حدود ألسنتهم، ولا أثر له في أعمالهم؟

ثمّ تذكر الآية التي بعدها دليلا واضحاً على عدم إيمانهم (وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون).

ولتأكيد عبادة هذه المجموعة للدنيا وفضح شركهم، تُضيف الآية (وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين) وبكامل التسليم والخضوع.

والجدير بالذكر أن العبارة الأُولى تحدثت عن الدعوة إلى الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم). وأمّا العبارة التالية أي كلمة «ليحكم» فإنّها جاءت مفردة، وهي تشير إلى تحكيم الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لوحده; وذلك لأنّ تحكيم الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ليس منفصلا عن تحكيم الله تعالى، حيث أنّ كلا الحكمين في الحقيقة واحد.

كما يجب الإنتباه إلى أنّ ضمير الهاء المتصلّة في «إليه» يعود إلى النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)نفسه، أو إلى تحكيمه. وكذلك لابدّ من الإلتفات إلى أن الآية نسبت التخلُف عن هذا الحكم والإعراض عن تحكيم الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مجموعة من المنافقين فقط. ولعل ذلك لأن الفئات الأُخرى لم تكن بهذه الدرجة من الجرأة وعدم الحياء، لأنّ للنفاق مراتب أيضاً كمراتب الأيمان المختلفة.

وبيّنت الآية الأخيرة في ثلاث جمل، الجذور الأساسية ودوافع عدم التسليم إزاءَ تحكيم الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت أوّلا (أفي قلوبهم مرض).

هذه صفة من صفات المنافقين يتظاهرون بالإيمان، ولكنّهم لا يُسلِّمون بحكم الله ورسوله، ولا يستجيبون له، إمّا بسبب انحرافهم قلبياً عن التوحيد أو الشك والتردد (أم ارتابوا) وطبيعي أنّ الذي يتردّد في عقيدته، لن يستسلم لها أبداً.

وثالثها فيما لو لم يلحدوا ولم يشكوا، أي كانوا من المؤمنين: (أم يخافون أن

]139]

يحيف الله عليهم ورسوله).

في الوقت الذي يعتبر هذا تناقضاً صريحاً، إذ كيف للذي يؤمن برسالة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) ويعتبر حكمه حكم الله تعالى أن يَنْسِب الظلم إلى الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!

وهل يمكن أن يظلم الله أحداً؟

أليس الظلم وليد الجهل أو الحاجة أو الكبر؟

إنّ الله تعالى مقدَّس عن كلّ هذه الصفات (بل أُولئك هم الظالمون) إنّهم  لا يقتنعون بحقّهم، وهم يعلمون أنَّ النّبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يجحف بحقِ أحد، ولهذا  لا  يستسلمون لحكمه.

ويرى مفسّر «في ظلال القرآن»: في الآية: (أفي قلوبهم مرض؟ أم ارتابوا؟ أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله؟) أنّ السؤال الأوّل للإِثبات، أي لاثبات وجود مرض النفاق في قلوبهم فمرض القلب جدير بأن ينشىء مثل هذا الأثر.

والسؤال الثّاني للتعجب، فهل هم يشكّون في حكم الله وهم يزعمون الإيمان؟ هل هم يشكّون في مجيئه من عند الله؟ أو هم يشكّون في صلاحيته لإقامة العدل؟

والسؤال الثّالث لاستنكار أمرهم الغريب، والتناقض الفاضح بين إدعائهم وعملهم.

وإنّه لعجيب أن يقوم مثل هذا الخوف في نفس إنسان، فالله خالق الجميع وربّ العالمين، فكيف يحيف في حكمه على أحد من خلقه لحساب مخلوق آخر(1).

وما يورده هذا المفسّر هو أنَّ عبارة «أم ارتابوا» تعني الشك في عدالةِ الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وفي صحة تحكيمه في الوقت الذي يرى كثير من المفسّرين أنَّهُ الشكُ في أصل النّبوة كما هو الظاهر.

* * *

_____________________________

 

1 ـ تفسير في ظلال القرآن، المجلد (17 ـ 20)، صفحة 115 ـ طبعة دار إحياء الكتب العربية ـ الطبعة الأُولى.

[140]

بحثان

1 ـ مرض النفاق

ليست هذهِ المرة الأُولى التي يستخدم فيها القرآن عبارة «المرض» للنفاق، فقد استخدمها في مطلع سورةِ البقرة عند بيانه لصفات المنافقين (في قلوبهم مرض فزادهم الله مَرضاً) وكما قُلنا في المجلد الأوّل في أثناءِ تفسير الآية المذكورة، فإنّ النفاق في حقيقته مرض وانحراف عن الطريق السوي، فالإنسان السليم له صورة واحدة هي انسجامٌ روحِه مع بدنه.

فإذا كان مؤمناً فكلّ أجزاء بدنه تعبر عن إيمانها، وإذا كان عديم الإيمان فإنّ ظاهره وباطنه يكشفان عن كفره وانحرافه.

أمّا إذا كان مُتظاهراً بالإيمان ومبطناً للكفر، فإنّ ذلك يعتبر نوعاً من المرض.

وبما أنَ هؤلاء الأشخاص (المنافقين) لا يستحقون لطف الله ورحمته، بسبب عنادهم وإصرارهم على المُضِي بمناهجهم المنحرفة، فقد تركهم الله على حالهم، ليزدادوا مرضاً.

والمنافقون في الواقع أخطر مجموعة في المجتمع، لأنّه لا يتّضح للمؤمن بأيّ أُسلوب يجب أن يعاملهم، فهم ليسوا أصدقاء ولايبدون أنّهم أعداء، فيستفيدون من إمكاناتِ المؤمنين ويصونون أنفسهم عن العقاب المفروض على الكفار بالتظاهر وإخفاءِ حقائِقهم المشؤُومِة، فأعمالهم أتعس من أعمال الكفّار.

ولكن هؤلاءِ لا يمكنهم أن يُواصِلُوا هذا المنهج لمدّة طويلة، فلابدّ أن يفتضح أمرهم وينكشف باطنهم. وكما ذكرت الآيات ـ موضع البحث ـ وسببُ نُزولها. افتضاحهم في عملية تحكيم واحدة وانكشاف باطنهم الخبيث(1).

 

_____________________________

 

1 ـ لإيضاح أكثر حول صفات المنافقين يراجع التّفسير الأمثل من بداية سورة البقرة آخر الآية العاشرة وما يليها.

[141]

2 ـ الحكومة العادلة هي الحكومة الإلهية فقط:

لاشك في أن الانسان مهما سعى في تهذيب نفسه مِن الصفات الرذيلة، خاصّة الكِبر والبغضاء وحب الذات والأنانية، فإنّه قد يبتلى ببعضها دون وعي منه، إلاّ المعصوم من البشر، إذ يعصمه الله من الخطأ والزلل.

ولهذا السبب نقول: الله وحده هو المشرّع الحقيقي، لأنّه إضافة إلى علمه المطلق بحاجات الإنسان، فإنّه يعلم سبل سدِّ هذه الحاجات، وهو الذي لا يزلُّ ولا ينحرف بسبب احتياجه وميول الحب والبغض فيه سبحانه.

وقضاء الله والنّبي والإمام المعصوم أفضل قضاء، ويليهم التابعون السائرون على نهجهم المتوكلون على الله، إلاّ أنّ البشر الذي يصاب بالكبر وحبّ الذات  لا يرضخ لهذا القضاء، فهو يبحث عن قضاء يشبع طمعه وشهواته. ما أجمل العبارة التي استخدمتها الآية الكريمة بحق هؤلاء (أُولئك هم الظالمون).

كما أنّ المرور في مثل هذا الإمتحان، خير دليل على إيمان الإنسان أو عدم إيمانه.

ويستوقفنا قولُ القرآن في موضعِ آخر (فلا وربّك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت ويسلموا تسليماً)(1).

أجل، المؤمنون الحقيقيون لا يرتضون قضاءَك فحسب، وإنّما قد سلّموا أنفسهم لك حتّى إنْ لحقهم ضررٌ.

أمّا المنافقون، فلا يقنعون بحكم من الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ ما يحقق مصالحهم، فهم عبيد لها، وعلى الرغم من ادعائهم الإيمان، فهم مشركون حقّاً!

 

* * *

_____________________________

 

1 ـ النساء، 65.

[142]

 

 

الآيات

 

إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُؤلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(51) وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَـئِكَ هُمُ الْفَآئِزُونَ (52)وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَـنهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لاَّ تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ اللهَ خَبِيرُ بِمَا تَعْمَلُونَ(53) قُلْ أطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إلاَّ الْبَلَـغُ الْمُبِينُ(54)

 

التّفسير

الإيمان والتسليم التام إزاء الحقّ:

لاحظنا في الآيات السابقة ردّ فعل المنافقين، الذين اسودّتْ قلوبهم، وأصبحت ظلمات في ظلمات. وكيف لم يرضخوا لحكم الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكأنَّهُم يَخَافُونَ أن يحيف الله ورسوله عليهم، فيضيع حقّهم!

[143]

أمّا الآيات ـ موضع البحث ـ فإنّها تشرح موقف المؤمنين إزاء حكم الله ورسوله، فتقول (إنّما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا).

ما أجمل هذا التعبير المختصر والمفيد (سمعنا وأطعنا)!

وقد وردتْ كلمة «إنّما» في الآية السابقة لتحصر كلام المؤمنين في عبارة (سمعنا وأطعنا) والواقع أن حقيقة الايمان يكمن في هاتين الكلمتين فقط.

كيف يمكن أن يرجّح شخص حكم شخص آخر على حكم الله، وهو يعتقد بأنّ الله عالم بكلّ شيء، ولا حاجة له بأحد، وهو الرحمن الرحيم؟ وكيف له أن يقوم بعمل إزاء حكم الله إلاّ السمع والطاعة؟

فما أحسن هذه الوسيلة لامتحان المؤمنين الحقيقيين ونجاحهم في الإمتحان؟! لهذا تختتم الآية حديثها بالقول: (وأُولئك هم المفلحون) ولا شك في أنّ الفلاح نصيبُ الذي يسلّم أمرَه إلى الله، ويعتقد بعدله وحُكمِه في حياته المادية والمعنوية.

وتابعت الآية الثّانية هذه الحقيقة بشكل أكثر عمومية، فتقول: (ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأُولئك هم الفائزون)(1).

وقد وصفت هذه الآية المطيعين المتقين بالفائزين، كما وصفت الآيةُ السابقة الذين يرضخون لحكم الله ورسوله بالمفلحين.

وتُفيد مصادر اللغة أنَّ «الفوز» و«الفلاح» بمعنىً واحد تقريباً، قال الراغب الأصفهاني في مفرداته: «الفوز: الظفر بالخير مع حصول السلامة» و«الفلاح: الظفر وادراك البغية» (وفي الأصل بمعنى الشق، وبما أنّ الاشخاص المفلحين يشقون طريقهم إلى مقصدهم ويزيلون العقبات منه أطلق الفلاح على الفوز أيضاً) وبما أن

_____________________________

 

1 ـ أصل «يتقه»

بسكون القاف وكسر الهاء «يتقيه»

وقد حذفت الياء منها لأنّها في حالة جزم وقد حذفت إحدى الكسرتين المتاليتين لأنّها ثقيلة للفظ.

[144]

الكلام في الآية السابقة كان عن الطاعة بشكل مطلق، وفي الآية قبلها عن التسليم أمام حكم الله، وأحدهما عام والآخر خاص، فنتيجة كليهما واحدة.

و ما يستحقُّ الملاحظة هو أن الآية الأخيرة ذكرت ثلاثةَ أوصاف للفائزين: هي: طاعة الله والرّسول، وخشية الله، وتقوى الله.

وقال بعض المفسّرين: إنّ الطاعة ذات معنىً عام، والخشية فرعها الباطني، والتقوى فرعها الظاهري. وقد تحدثت أوّلا عن الطاعةِ بشكل عامّ، ثمّ عن باطنها وظاهرها.

ورُوي عن الإمام الباقر(عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: (أُولئك هم المفلحون)قال: «إنَّ المعني بالآية أميرالمؤمنين (علي (عليه السلام))»(1).

ولا خلاف في أنَّ علياً(عليه السلام) خير مصداق لهذه الآية، وهذا هو المراد من هذا الحديث فلا يفقد الآية عموميتها.

لحن الآية التالية ـ وكذلك سبب نزولها الذي ذكرته بعض التفاسير ـ يعني أنّ بعض المنافقين تأثروا جداً على ما هم فيه، بعد نزول الآيات السابقة والتي وجّهت اللوم الشديد إليهم، فجاءوا إلى النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأقسموا يميناً مغلظة أنّنا نسلّم أمرنا إليك، ولهذا أجابَهُم القرآن بشكل حاسم (وأقسموا بالله جهد إيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن) إلى ميدان الجهاد، أو يخرجوا من أموالهم وبيوتهم فقل لهم: لا حاجة إلى القسم، وعليكم عملا اطاعة الله بصدق واخلاص(قل لا تقسموا طاعة معروفة إنّ الله خبير بما تعملون).

يرى كثير من المفسّرين أنّ كلمة «ليخرجن» في هذه الآية يقصد منها الخروج للجهاد في سبيل الله، غير أنّ مفسّرين آخرين يرون أنّها تقصد عدم التهالك على المال والحياة، وأتباع الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أينما رحل وحَلّ وطاعته.

_____________________________

 

1 ـ تفسير نورالثقلين، المجلد الثالث، صفحة 616.

[145]

وقد وردت كلمة «الخروج» ومشتقاتها في القرآن المجيد بمعنى الخروج إلى ميادين الجهاد تارة، وتركِ المنزل والأهل والوطن في سبيل الله تعالى تارة أخرى، إلاّ أنّ الآيات السابقة التي تحدثت عن حكم الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في القضايا المختلفة يجعلنا نتقبل التّفسير الثّاني. بمعنى أن المنافقين جاءوا إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ليعربوا عن طاعتهم لحكمُه(صلى الله عليه وآله وسلم) والتسليم له، فأقسموا على اخراج قسم من أموالهم، بل أن يتركوا الحياة الدنيا إن أمرهم بذلك.

ولا مانع من الجمع بين التّفسيرين، أي إنّهم كانوا على استعدادهم لترك أموالهم وأهليهم، والخروج للجهاد ولتضحية في سبيل الله.

ولكن بما أنّ المنافقين يتقلبون في مواقفهم بحسب الظروف السائدة في المجتمع، فتراهم يقسمون الأيمان المغلَّظة حتى تشعُرَ بأنّهم كاذبون، فقد رَدَّ القرآن ـ بصراحة ـ أنّه لا حاجة إلى اليمين، وإنّما لا بُدّ من البرهنة على صدق الإدعاء بالعمل، لأنّ الله خبير بما تعملون. يعلم هل تكذبون في يمينكم، أم تبغون تعديل مواضعكم واقعاً؟

لهذا أكدت الآية التالية ـ التي هي آخر الآيات موضع البحث ـ هذا المعنى، وتقول للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أن: (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول).

ثمّ تضيف الآية أنّ هذا الأمر لا يخرج عن إحدى حالتين: (فإن تولوا فإنّما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم) ففي صورة العصيان فقد ادّى وظيفته وهو مسؤول عنها كما أنّكم مسؤولون عن أعمالكم حين أن وظيفتكم الطاعة، ولكن (وإن تطيعوه تهتدوا) لأنّه قائد لا يدعو لغير سبيل الله والحقّ والصواب.

في كل الأحوال (وما على الرّسول إلاّ البلاغ المبين) وإنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) مكلّف بإبلاغ الجميع ما أمر الله به، فإن أطاعوه استفادوا، وإنْ لم يُطيعوه خَسروا. وَلَيْسَ على النّبي أن يجبر الناس على الهداية وتقبّل دعوته.

وما يلفت النظر في الآية السابقة تعبيرها عن المسؤولية بـ «الحملِ» الثقيل

[146]

وهذا هو الواقع، فرسالة النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) تستوجب الإبلاغ عليه(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى الناس طاعته. إنّها لمسؤوليةٌ لا يطيق حملها إلاّ المخلصون.

ولذا روى الإمام الباقر(عليه السلام) حديثاً عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال فيه «يا معشر قرّاءِ القرآن، اتقوا الله عزَّوجلّ فيما حملكم من كتابه، فإنّي مسؤول، وأنتم مسؤولون: إنّي مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأمّا أنتم فتسألون عما حُمِلْتُم من كتاب الله وسنّتي»(1).

 

* * *

 

_____________________________

 

1 ـ المصدر السابق.

[147]

 

 

الآية

 

وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلوُاْ الصَّـلِحـتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الاَْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَُيمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَـئِكَ هُمُ الْفَـسِقُونَ(55)

 

سبب النّزول

روى كثير من المفسّرين. ومنهم السيوطي في «أسباب التنزيل» والطبرسي في «مجمع البيان» وسيد قطب في «في ظلال القرآن» والقرطبي في تفسيره، مع بعض الإختلاف، سبب نزول هذه الآية أنه: عندما هاجر الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم)والمسلمون إلى المدينة، استقبلهم الأنصار بترحاب، ولكن العرب تحالفوا ضدهم. لهذا كان المسلمون يبيتون ليلتهم والسلاح إلى جانبهم لا يفارقهم، إذ كانوا في حالة تأهّب تامّ. وقد شقّ على المسلمين ذلك. حتى تساءل البعض: إلى متى يدوم هذا الوضع؟ وهل يأتي زمان نستريح وتطمئنّ أنفسنا ولا نخشى إلاّ الله؟ فنزلت الآية السابقة تبشرهم بتحقّق ما يصبون إليه.

[148]

التّفسير

حكومة المستضعفين العالمية:

تحدثت الآية السابقة عن طاعة الله ورسوله والتسليم له، وقد واصلت الآية ـ موضع البحث ـ هذا الموضوع، وبيّنت نتيجة هذه الطاعة ألا وهي الحكومة العالمية التي: وعدها الله المؤمنين به. فقالت الآية مؤكّدة (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم). (وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم) ويجعله متجذراً وثابتاً وقوياً بين شعوب العالم.

(وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً) وبعد سيادة حكم التوحيد في العالم وإجراء الأحكام الإِلهية، واستقرار الأمن واقتلاع جذور الشرك، (ومن كفر بعد ذلك فأُولئك هم الفاسقون).

وعلى كلّ حال يبدو من مجمل هذه الآية أنّ الله يبشر مجموعة من المسلمين الذين يتصفون بالإيمان والعمل الصالح بثلاث بشائر:

1 ـ استخلافهم وحكومتهم في الأرض.

2 ـ نشر تعاليم الحقّ بشكل جذري وفي كلّ مكان (كما يستفاد من كلمة «تمكين»...).

3 ـ انعدام جميع عوامل الخوف والإضطراب.

وينتج من كل هذا أن يُعبد الله بكلّ حرية، وتُطبق تعاليمُه ولا يشرك به، ويتمّ نشرُ عقيدة التوحيد في كلّ مكان.

ويتّضح ممّا يلي متى تمّ وعد الله هذا؟ أو متى سيتم؟

 

* * *

 

[149]

بحوث

1 ـ تفسير عبارة (كما استخلف الذين من قبلهم)

هناك اختلاف بين المفسّرين حول الذين أشارت إليهم الآية الشريفة من الذين استخلفوا في الأرض قبل المسلمين.

البعض من المفسّرين يرى أنّهم آدم وداود وسليمان(عليهم السلام)، حيث قالت الآية (30) من سورة البقرة حول آدم(عليه السلام)(إنّي جاعل في الأرض خليفة) وفي الآية (26) من سورة ص جاء بصدد داود(عليه السلام) (يا داود إنا جعلناك خليفة في الإرض).

وبما أنَّ سليمان(عليه السلام) ورِث حكم داود(عليه السلام) بمقتضى الآية (16) من سورة النمل فإنَّه قد استخلف في الأرض.

لكن بعض المفسّرين ـ كالعلامة الطباطبائي في الميزان ـ استبعد هذا المعنى وَرَأى أنَّ عبارة (الذين من قبلهم) لا تُناسبُ مقامَ الأَنبياء. إذ أنَّ القرآن المجيد لم ترد فيه هذه العبارة بخصوص الأنبياء. وإنّما هي إشارة إلى أمم خلت، وكانت على درجة من الإيمان والعمل الصالح بحيث استخلفها الله في الأرض.

ويرى مفسرون آخرون أنَّ هذه الآية إشارة إلى بني إسرائيل، لأنّهم استخلفوا في الحكم في الأرض بعد ظهور موسى(عليه السلام) وتدمير حكم فرعون والفراعنة، حيث يقول القرآن المجيد في الآية (127) من سورة الأعراف (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها) ويضيف (ونمكن لهم الأرض) أي جعلناهم حكاماً بعد أن استضعفوا في الأرض.

ولا شكّ في أنَّهُ كان في بني إسرائيل ـ حتى في زمن موسى(عليه السلام) ـ أشخاص عرفوا بفسقهم وكفرهم، لكنّ الحكم كان بيد المؤمنين الصالحين، (وبهذا يمكن دفع ما أشكل به البعض على هذا التّفسير) ويظهر أن التّفسير الثّالث أقرب إلى الصواب.

 

[150]

2 ـ الذين وعدهم الله باستخلاف الأرض:

لقد وعدالله المؤمنين ذوي الأعمال الصالحة بالإستخلاف في الأرض وتمكينهم من نشر دينهم وتمتعهم بالأمن الكامل، فما هي خصائص هؤلاء الموعودين بالإستخلاف؟

هناك اختلاف بهذا الصدد بين المفسّرين: يرى البعض من المفسّرين أنّ الوعد بالإستخلاف خاصّ بأصحاب الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الذين استخلفهم الله في الأرض في عصر النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم). (ولا يقصد بالأرض جميعها، بل هو مفهوم يطلق على الجزء والكل).

ويرى آخرون أنّه خاصّ بالخلفاء الأربعة الذين خلفوا الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم).

ويرى البعض أنَّ مفهومه واسع يشمل جميع المسلمين الذين اتصفوا بهذه الصفات.

ويرى آخرون أنَّه إشارة إلى حكومة المهدي (عج) الذي يخضع له الشرق والغرب في العالم، ويجري حكم الحقّ في عهده في جميع أرجاء العالم، ويزول الإضطراب والخوف والحرب وتتحقق للبشرية عبادة الله النقية من كلّ أنواع الشرك.

ولا ريب في أنّ هذه الآية تشمل المسلمين الأوائل، كما أنّ حكومة المهدي(عج) مصداق لها، إذْ يتفق المسلمون كافة من شيعة وسنة على أن المهدي(عج) يملأ الأرض عَدْلا وقسطاً بعد أن مُلئت جوراً وظلماً.

ومع كل هذا لا مانع من تعميمها. وينتج من ذلك تثبيت أُسس الإيمان والعمل الصالح بين المسلمين في كلّ عصر وزمان، وأنَّ لهم الغلبة والحكم ذا الأسس الثابتة.

أمّا قول البعض: إنّ كلمة «الأرض» مطلقة وغيرمحددة، وتشمل كلّ الأرض، وبذلك تنحصر بحكومة المهدي (أرواحنا له الفداء)، فهولا ينسجم مع

[151]

عبارة (كما استخلف الذين من قبلهم)، لأن خلافة وحكومة السابقين بالتأكيد لم تشمل الأرض كلها.

وإضافة إلى ذلك فإنّ سبب نزول هذه الآية يبيّن لنا ـ على أقلّ تقدير ـ وقوع مثل هذا الحكم في عصر النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) (رغم حدوثه في أواخر حياته(صلى الله عليه وآله وسلم)).

ونقولها ثانية: إنّ نتيجة جهود جميع الأنبياء والمرسلين حصول حكم يسوده التوحيد والأمن الكامل والعبادة الخالية من أيّ نوع من الشرك، وذلك حين ظهور المهدي(عج)، وهو من سلالة الأنبياء(عليهم السلام) وحفيد النّبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو المقصود في هذا الحديث الذي تناقله جميع المسلمين عن الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم): «لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من عترتي، اسمه اسمي، يملأ الأرض عدلا وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً»(1).

وممّا يجدر ذكره هنا قول العلاّمة الطبرسي في تفسير هذه الآية: روي عن أهل بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حول هذه الآية: «إنّها في المهدي من آل محمد»(2).

وذكر تفسير «روح المعاني» وتفاسير عديدة لمؤلفين شيعة عن الإمام السجاد(عليه السلام) في تفسير الآية موضع البحث أنه قال: «هم والله شيعتنا ـ أهل البيت ـ يفعل الله ذلك بهم على يدي رجل منّا، وهو مهدي هذه الأُمة يملأ الأرض عدلا وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وهو الذي قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فيه لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم...».

وكما قلنا، لا تعني هذه التفاسير حصر معنى هذه الآية، بل بيان مصداقها التام، وممّا يؤسف له عدم انتباه بعض المفسّرين ـ كالآلوسي في روح البيان ـ إلى هذه المسألة، فرفضوا هذه الأحاديث.

_____________________________

 

1 ـ إحتوى كتاب «منتخب الأثر»

على مائة وثلاثة وعشرين حديثاً بهذا الصدد، من مصادر إسلامية مختلفة خاصّة السنّية منها. للإستزادة يراجع هذا الكتاب في صفحة 247، ومايليها.

2 ـ مجمع البيان في تفسير الآية موضع البحث.

[152]

وروى القرطبي المفسّر المشهور من أهل السنة عن المقداد بن الأسود عن الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «ما على ظهر الأرض بيت حجر ولا مدر إلاّ أدخله الله كلمة الإسلام»(1).

وللحصول على إيضاح أكثر حول حكومة المهديّ(عج) وشرح أدلتها في كتب علماء السنة والشيعة، يراجع تفسير الآية (33) من سورة التوبة.

 

3 ـ الهدف النهائي عبادة خالصة:

إنّ مفهوم عبارة (يعبدونني لا يشركون بي شيئاً) من الناحية الأدبية سواء كانت جملة حالية أم مستقبلية(2)، هو أن الهدف النهائي إعدادُ حكومة عادلة راسخة الأُسس، ينتشر فيها الحقّ والأمن والإطمئنان، وتكون ذات تحصينات أُسسها العبودية لله وتوحيده على نحو ما ذكرتهُ آية قرآنية أُخرى تذكر الغاية من الخلق (وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون)(3).

عبادة هدفها السامي تربية البشر وتسامي أنفسهم. عبادة لا يحتاج الله إليها، وإنّما يحتاج إليها البشر لطّي مراحل تكاملهم الإنساني.

وعلى هذا فإنّ الفكر الإسلامي ليس كالأفكار المادية التي تتوخى مكاسب مادية ورفاهية في الحياة، بل تكون للحياة المادية قيمة في الإسلام إن أصبحت وسيلة لتحقيق هدف معنوي سام، فالإهتمام بكون العبادة خاليةً من شوائبِ الشرك نافيةً للأهواءِ الزّائفة، يعني أنّه لا يمكن تحقق هذه العبادة الصافية إلاّ بتشكيل حكومة عادلة.

_____________________________

 

1 ـ تفسير القرطبي، المجلد السابع، صفحة 4292.

2 ـ في الصورة الأُولى الجملة الحالية للضمير «هم»

الذي جاء في الآيات السابقة. وفي الصورة الثّانية تقدر بـ «ليعبدونني»

واحتمل آخرون أنها جملة استئنافية وهو احتمال ضعيف.

3 ـ الذاريات، 65.

[153]

هذا ويمكن كسب مجموعة من الناس إلى جانب الحقّ بالتربية والتعليم والتبليغ المستمر، ولا يمكن تعميم هذه الحالة في المجتمع إلاّ بتشكيل حكومة عادلة يقودها المؤمنون الصالحون، ولهذا سعى الأنبياء إلى تشكيل مثل هذه الحكومة خاصّة الرّسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، فَبمجرَّد وصوله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة المنورة، وفي أوّل فرصة، شكَّل نموذجاً لها.

ويمكن الإستنتاج من ذلك أنّ جميع الجهود ـ من حرب وسلام وبرامج تثقيفية واقتصادية وعسكرية ـ تنصّب في ظلّ هذه الحكومة في مسيرة العبودية لله الخالية من كل شائبة من شوائب الشرك.

ولابدّ من القول: إنّه لا يعني خُلو الأرضِ من المذنبين والمنحرفين في ظلّ حكومة الصالحين المؤمنين الذين يمكّنهم الله من نشر الحقّ والعدل، وعبادته عبادة خالية من صور الشرك، بل مفهوم هذه الحكومة هو أنها تُدار من قبل المؤمنين الصالحين، والصفة السائدة في المجتمع هي خلوه من الشرك. وبما أن الإنسان خلق حرّاً، فإن مجال الإنحراف موجود حتى في أفضل المجتمعات الإنسانية (فتأملوا جيداً).

 

* * *

 

[154]

 

 

الآيتان

 

وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَءَاتُوْا الزَّكَوةَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(56) لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِى الاْرْضِ وَمَأْوَيهُمْ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ(57)

 

التّفسير

استحالة الفرار من حكومته تعالى:

وعدت الآية السابقة المؤمنين الصالحين بالخلافة في الأرض، وتعيىء هاتان الآيتان الناس للتمهيد لهذه الحكومة، وخلال نفيها وجود حواجز كبيرة لهذا العمل، تضمن هي بذاتها نجاحه. وفي الحقيقة أن إحدى هاتين الآيتين بيّنت المقتضي، بينما نفت الثّانية المانع، فهي تقول أوّلا: (وأقيموا الصلاة).

وهي الوسيلة التي توثق الصلة بين الخالق والمخلوق، وتقرّب الناس إلى بارئهم، وتمنع عنهم الفحشاء والمنكر.

(وآتوا الزّكاة) وهي الوسيلة التي تربط الإنسان بأخيه الإنسان، وتقلل الفواصل بينهما، وتقوي ارتباطهما العاطفي.

وبشكل عام يكون في كلّ شيء تبعاً للرسول: (وأطيعوا الرّسول) طاعة

[155]

تكونون بسببها من المؤمنين الصالحين الجديرين بقيادة الحكم في الأرض (لعلكم ترحمون) وتكونون لائقين لحمل رأية الحقّ والعدل.

وإذا احتملتم أن الأعداء الأقوياء المعاندين يمنعوكم من تحقق ما وعدكم الله إيّاهُ، فذلك غير ممكن، لأن قادرٌ على كلّ شيء، ولا يحجُب إرادته شيء، ولهذا (لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض) فهؤلاء الكفار لا يستطيعون الفرار من عقاب الله وعذابه في الأرض، ولا يقتصر ذلك على الدنيا فقط، بل أنّهم في الآخرة (مأواهم النار ولبئس المصير)

وكلمة «معجزين» جمع «معجز»، المشتقّة من الإعجاز بمعنى نفاذ القدرة، وأحياناً يتابع المرء شخصاً يفر من يديه، ولا يمكنه القبض عليه وقد خرج من سلطته فهو يعجزه، لهذا استعملت كلمة «معجز» بهذا المعنى، وكذلك تشير الآية السابقة إلى المعنى ذاته، ومفهومها أنّكم لا يمكنكم الفرارُ من حكومة الله.

* * *

 

[156]

 

الآيات

 

يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِيَسْتَئْذِنُكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـنُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَـثَ مَرَّت مِنْ قَبْلِ صَلَوةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَوةِ الْعِشَاءِ ثَلَـثُ عَوْرَت لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّفُونَ عَلَيْكُمْ بَعضُكُمْ عَلَى بَعْض كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ الاَْيَتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(58) وَإِذَا بَلَغَ الاَْطْفَـلُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَئْذِنُوا كَمَا اسْتَئْذَن الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ ءَايـتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(59) وَالْقَوَعِدُ مِنَ النِّسآءِ الَّـتِى لَا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَـاتِ بِزينَة وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيرٌ لَّهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(60)

 

التّفسير

آداب الدخول إلى المكان الخاصّ بالوالدين:

إنّ أهم مسألة تابعتها هذه السورة ـ كما ذكرنا ـ هي مسألة العفاف العام

[157]

ومكافحة كل انحطاط خلقي، بأبعاده المختلفة.

وقد تناولت الآيات ـ موضع البحث ـ إحدى المسائل التي ترتبط بهذه المسألة، وشرحت خصائصها، وهي استئذان الأطفال البالغين وغيرالبالغين للدخول إلى الغرفة المخصصة للزوجين.

فتقول أوّلا: (يا أيّها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات) فيجب على عبيدكم وأطفالكم الاستئذان في ثلاث أوقات (من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء).

«الظهيرة» تعني كما يقول «الراغب الإصفهاني» في مفرداته «والفيروزآبادي» في القاموس المحيط: منتصف النهار وقريب الظهر حيث ينزع الناس عادة الملابس الإضافية، وقد يختلي الزوج بزوجته.

(ثلاث عورات لكم) أي هذه ثلاث أوقات للخلوة خاصّة بكم.

«العورة» مشتقّة من «العار»، أي: العيب. وأطلق العرب على العضو التناسلي العورة، لأنّ الكشف عنه عار.

كما تعني العورة الشقّ الذي في الجدار أو الثوب، وأحياناً تعني العيب بشكل عامّ.

وعلى كلّ فإنّ إطلاق كلمة (العورة) على هذه الأوقات الثلاثة بسبب كون الناس في حالة خاصّة خلال هذه الأوقات الثلاثة، حيث لا يرتدون الملابس التي يرتدونها في الأوقات الأُخرى.

وطبيعي أنّ المخاطب هنا هم أولياء الأطفال ليعلموهم هذه الأُصول، لأنّ الأطفال لم يبلغوا بعد سنّ التكليف لتشملهم الواجبات الشرعية.

كما أنّ عمومية الآية تعني شمولها الأطفال البنين والبنات، وكلمة «ألَّذين» التي هي لجمع المذكر السالم، لا تمنع أن يكون مفهوم الآية عاماً، لأنّ هذه العبارة

[158]

استعملتْ في كثير من الموارد وقصد بها المجموع، كما في آية وجوب الصوم، فلفظ «ألَّذين» هناك يَعُمُّ المسلمين كافةً (سورة البقرة الآية 83).

ولابدّ من القول بأنّ هذه الآية تتحدّث عن أطفال مميزّين يعرفون القضايا الجنسية، ويعلمون ماذا تعني العورة. لهذا أمرتهم بالإستئذان عند الدخول إلى غرفة الوالدين، وهم يدركون سبب هذا الإستئذان، وجاءت عبارة «ثلاث عورات» شاهداً آخراً على هذا المعنى ولكن هل أن الحكم المتعلق بمن ملكت أيديكم يختص بالعبيد الذكور منهم أو يشمل الأماء والجواري، هناك أحاديثٌ مختلفةٌ في هذا المجال، ويمكن ترجيح الأحاديث التي تؤيد ظاهر الآية، أي شمولها الغلمان والجواري.

وتختتم الآية بالقول: (ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض) فلا حرج ولا إثم عليكم وعليهم إذا دخلوا بدون استئذان في غير هذه الأوقات الثلاثة، أجل: (كذلك يبيّن الله لكم الآيات والله عليم حكيم).

كلمة (طوافون) مشتقة من «الطواف» بمعنى الدوران حول شيء ما، وقد جاءت بصيغة مبالغة لتأكيد تعدد الطواف.

وبما أنّ عبارة (بعضكم على بعض) جاءت بعد كلمة (طوافون) فإنّ مفهوم الجملة يكون: إنهُ مسموح لكم بالطواف حول بعضكم في غير هذه الأوقات الثلاثة، ولكم أن تتزاوروا فيما بينكم ويخدم بعضكم بعضاً.

وكما قال «الفاضل المقداد» في كنز العرفان، فإنّ هذه العبارة بمنزلة دليل على عدم ضرورة الإستئذان في غير هذه الأوقات، لأنّ المسألة تتعقد إن رغبتم في الإستئذان كلّ مرّة(1).

وبيّنت الآية التالية الحكم بالنسبة للبالغين، حيث تقول: (وإذا بلغ الأطفال

_____________________________

 

1 ـ كنزالعرفان، المجلد الثاني، صفحة 225.

]159]

منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم).

وكلمة «الحلم» على وزن «كتب» بمعنى العقل والكناية عن البلوغ، الذي يعتبر توأماً لِطفرة عقلية وفكرية، ومرحلة جديدة في حياة الإنسان.

وقيل أنّ الحلم بمعنى الرؤيا، فهي كناية عن احتلام الشباب حين البلوغ.

وعلى كلّ حال يستفاد من الآية السابقة، أنّ الحكم بالنسبة للبالغين يختلف عنه بالنسبة للأطفال غير البالغين، لأنّ أولئك يجب عليهم إستئذانُ الوالدين في الأوقات الثلاثة فقط، لأنّ حياتهم قد امتزجت مع حياة والديهم بدرجة يستحيلُ بها الإستئذانُ كلّ مرة، وكما أنّهم لم يعرفوا المشاعر الجنسية بعد. أمّا الشباب البالغ، فهم مكلّفون في جميع الأوقات بالإستئذان حين الدخول على الوالدين.

ويَخصُّ هذا الحكم المكان المخصَّص لاستراحهِ الوالدين. أمّا إذا كان في غرفة عامّة يجلس فيها آخرون أيضاً، فلا حاجة للإستئذان منهما بالدخول.

والجدير بالذكر إنّ عبارة (كما استأذن الذين من قبلهم) إشارة إلى الكبار الذين يستأذنون من الوالدين حين الدخول إلى غرفتهما. وقد أردفتِ الآيةُ الشباب الذين بلغوا الرشد بهؤلاء، الكبار.

وتقول الآية في الختام للتأكيد والإهتمام الفائق: (كذلك يبيّن الله لكم آياته والله عليم حكيم).

وهذا هو نفس التعبير الذي جاء في آخر الآية السابقة دون تغيير، باستثناء استعمال الآية السابقة كلمة «الآيات» وهذه استعملت كلمة «آياته» ولا فرق في معناهما.

وسنتناول بحث ميزات هذا الحكم، وكذلك فلسفته في ذيل تفسير هذه الآيات.

وفي آخر الآيات ـ موضع البحث ـ استثناء لحكم الحجاب، حيث استثنت النساء العجائز والمسنّات من هذا الحكم، فقال: (والقواعد من النساء اللاتي لا

]160]

يرجون نكاحاً فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة).

ولهذا الإستثناء شرطان:

أولهما: وصول هذه العجائز إلى عمر لا يتوقع أن يتزوجن فيه، أو بعبارة أُخرى: أن يفقدن كلّ جاذبية أُنثوية.

وثانيهما: ألا يتزيَّن بزينة بعد رفع حجابهنّ، ويتّضح بذلك أنّه لا ضير في رفع الحجاب بعد إجراء هذين الشرطين. ولهذا استثناهنّ الإسلام من حكم الحجاب.

كما أنّ ـ من الواضح ـ أنّه لا يقصد برفع العجائز للحجاب اباحة خلع الملابس كلها والتعريّ، بل خلع اللباس الفوقاني فقط. وكما عبّرت عنه بعض الأحاديث بالجلباب والخمار.

وجاء في حديث عن الإمام الصادق(عليه السلام) في شرح هذه الآية: «الخمار والجلباب»، قلت: بين يدي من كان؟ قال: «بين يدي من كان غير متبرجة بزينة».(1)

كما وردت أحاديث أُخرى عن أهل البيت(عليهم السلام) بهذا المضمون أو ما يقاربه(2).

وتضيف الآية في ختامها (وإن يستعففن خير لهن).

فالإسلام يرغب في أن تكون المرأة أكثر عفّة وأنقى وأطهر. ولتحذير النساء اللواتي يسئن الإستفادة من هذه الحرية، ويتحدثن أو يتصرفن بأُسلوب لا يليق بشرفهنّ، تقول الآية محذرة إيّاهن: (والله سميع عليم) كلّما تقولونه يسمعه الله، وما تكتمون في قلوبكم أو في أذهانكم يعلمه الله أيضاً.

 

* * *

 

_____________________________

 

1 ـ وسائل الشيعة، المجلد 14 كتاب النكاح صفحة 147، الباب 110.

2 ـ للإستزادة يراجع المصدر السابق.

[161]

بحثان

1 ـ فلسفة الإستئذان والمفاسد المترتبة على عدم الإلتزام به

لا يكفي اللجوء إلى القوة لاقتلاع جذور المفاسد الإجتماعية كالأعمال المخلة بالشرف، ولا يرجى نتيجة مرضية من العقاب فقط في القضايا الإجتماعية. وإنّما يستوجب اتباع عدة أُمور كالتثقيف الإسلامي، وتعليم آدابه الخلقية، واتباع السبل الصحيحة في القضايا العاطفية. وإلى جانب هذه الأُمور يكون العقاب كعامل لردع المنحرفين عن الطريق السوي.

ولهذا السبب بدأت سورة النور ـ وهي في الواقع سورة العفاف والشرف ـ بالحديث عن جلد الرجال الزناة والنساء الزانيات، كما تحدثت في نفس الوقت عن تسهيل الزواج ورعاية الحجاب الإسلامي، والنهي عن النظر بلذة وتحريم إتهام الآخرين بشرفهم وناموسهم، وأخيراً استئذان الأبناء حين الدخول إلى غرفة الوالدين.

وهذا يدلّ على عدم إغفال الإسلام أي من هذه التفاصيل التي لها علاقة بمسألة العفاف والشرف.

وعلى الخدم أن يستأذنوا حين الدخول إلى غرفة الزوجين الخاصّة اللذين يخدمانهما، كذلك يستوجب على الأطفال البالغين عدم الدخول إلى الغرفة المذكورة دون استئذان، وتعليم الأطفال غير البالغين الذين يرتبطون ارتباطاً وثيقاً بالوالدين، أن لا يدخلوا غرفة الوالدين دون استئذان وعلى الأقل في الأوقات الثلاثة التي أشارت إليها الآية «قبل صلوة الفجر وحين الظهر ومن بعد صلوة العشاء».

وهذا نوع من الأدب الإسلامي، رغم قلّة الالتزام به مع كلّ الأسف. ورغم بيان القرآن ذلك بصراحة في الآيات السابقة. فإنّه من النادر أن يتناوله الخطباء

[162]

والكتّاب، ولا يعرف سبب إهمال هذا الحكم القرآني الحاسم؟!

ورغم أنّ ظاهر الآية يوجب هذا الحكم، وحتى لو اعتبرناه مستحباً فإنّه ينبغي الحديث عنه، وبحث جزئياته. ورغم تصور بعض السذج بأن الأطفال  لا يدركون شيئاً عن هذه الأُمور، وأن خدم البيت لا يهتمون بها، فإنّ الثابت هو حساسية الأطفال بالنسبة لهذه القضية (فكيف بالنسبة للكبار). وقد يؤدي إهمال الوالدين ورؤية الأطفال لمشاهد ممنوعة إلى انحرافهم خلقياً وأحياناً إلى إصابتهم بأمراض نفسية.

وقد واجهنا أشخاصاً اعترفوا بأنّهم اثيروا جنسياً، أو أُصيبوا بعقد نفسية لمشاهد جنسية من هذا القبيل وقد شبّت في قلوب البعض منهم نار الحقد على الوالدين، إلى درجة الرغبة في قتلهما، أو الانتحار. كلّ ذلك بسبب الأثر الذي زرعه في نفوسهم إهمال الوالدين، وعدم حيطتهم حين الممارسة الجنسية أومقدماتها.

هنا تتضح لنا قيمة وأهمية هذا الحكم الإسلامي الذي بلغه العلماء المعاصرون، بينما جاء به الإسلام قبل أربعة عشر قرناً. وهنا نجد لزاماً علينا توصية الآباء والأُمهات بالجدية في الحياة الزوجية، وتعليم أولادهم الإستئذان حين الدخول إلى غرفتهما، واجتناب كلّ عمل قد يثير الأولاد ويحركهم. ومن هذه الأعمال مبيت الزوجين بغرفة فيها أولاد بالغون، فيجب اجتناب ذلك بالقدر الممكن. وأن يعلما بأنّ هذه الأُمور تؤثّر بشكل كبير في مستقبل أولادهما.

وممّا يلفت النظر حديث للرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول فيه «إيّاكم وأن يجامع الرجل امرأته والصبي في المهد ينظر إليهما»(1).

_____________________________

 

1 ـ بحارالأنوار، المجلد 103، صفحة 295.

[163]

2 ـ حكم الحجاب بالنسبة للنساء العجائز:

لاخلاف في أصل هذا الإستثناء في حكم الحجاب بين علماء المسلمين، لأنّ القرآن صريح في هذا الأمر. إلاّ أنّ هناك أقوالا في خصوصيات هذا الحكم.

فبالنسبة لعمر هؤلاء النسوة، والحد الذي يجب أن يبلغنه ليكنَّ من القواعد، هناك أقوال. فبعض الأحاديث الإسلامية تنص على أنّ المراد هو «المسنّة».(1)

بينما فسرته أحاديث أخرى بـ «القعُود عن النكاح»(2).

ولكن عدد من المفسّرين يرى أنّها تعني «النساء اللواتي لا يطمئن، فيصلن إلى مرحلة عدم الحمل. ولا يرغب أحد في الزواج بهنّ»(3).

ويبدو أنّ جميع هذه التعابير تشير إلى واقع محدد، هو بلوغهن سناً  لا يتزوجن عادة. وقد يحدث نادراً أن يقدم بعضهن على الزواج في هذا العمر.

كما جاءت تعابير مختلفة في الأحاديث الإسلامية حول المقدار من الجسم المسموح بكشفه، لأنّ القرآن الكريم ذكر المسألة بشكل عام (فليس عليهن جناح أن يَضَعْنَ ثيابهن غير متبرجات) ويقصد بهذه الثياب الملابس الفوقانية.

وجاء في بعض الأحاديث جواباً على سؤال: أي الثياب يجوز وضعها؟

يجيب الإمام الصادق(عليه السلام) «الجلباب» (4).

بينما ذكر حديث آخر أنه «الجلباب والخمار»(5).

ويبدو أنّ هذه الأحاديث غير متناقضة، وقصدها جواز الكشف عن رؤوسهن، وعدم تغطية الشعر والرقبة والوجه. كما قالت أحاديث أُخرى ـ وقال فقهاء ـ بشمول الإستثناء إلى حدّ الرسغ. ولا سند لدينا يسمح بأكثر من ذلك.

_____________________________

 

1 ـ وسائل الشيعة، المجلد 14، كتاب النكاح، الباب 110، الحديث 4.

2 ـ المصدر السابق، الحديث 5.

3 ـ الجواهر، المجلد 29، صفحة 85 وكنز العرفان، المجلد 2، ص 226.

4 ـ وسائل الشيعة، كتاب النكاح، الباب 110، الحديث 1.

5 ـ المصدر السابق، الحديث 2 و 4.

[164]

وعلى كلّ حال، فإنّ ذلك مسموح لهنّ بشرط أن يكنّ (غير متبرجات بزينة)وأن يخفين الزينة التي تحت الحجاب، والتي من الواجب إخفاؤها من قبل جميع النساء، وأن لا يرتدين الملابس التي تنزين بها النساء، والتي تثير انتباه الآخرين. وبتعبير آخر: إنّه مسموح لهنّ بعدم التحجب على أن يخرجن إلى الشارع بلباس محتشم ودون تزين بزينة.

وهذا كلّه ليس حكماً إلزامياً. إذ أنّ الأفضل لهن أن يخرجن محجبات كالنساء الأُخريات، كما جاء في آخر الآية المذكورة، إذ هنّ معرضات إلى الزلل ـ وإن كان نادراً.

 

* * *

[165]

 

 

الآية

 

لَيْسَ عَلَى الاَْعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلى الاَْعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَـتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَنِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَتِكُم أَوْ بُيُوتِ أَعْمَـمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّـتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَلِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَـلَـتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُم جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً فإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةْ مِّن عِندِ اللهِ مَبَـرِكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ الاَْيَـتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(61)

 

التّفسير

البيوت التي يسمح بالأكل فيها:

تحدثت الآيات السابقة عن الإستئذان في أوقات معينة، أو بشكل عام حين الدخول إلى المنزل الخاصّ بالأب والأُم.

أمّا الآية موضع البحث فإنّها استثناء لهذا الحكم، حيث يجوز للبعض

[166]

وبشروط معينة، الدخول إلى منازل الأقرباء وأمثالهم، وحتّى أنّه يجوز لهم الأكل فيها دون استئذان، حيث تقول هذه الآية أولا (ليس على الأعمى حرجٌ ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج).

لأنّ أهل المدينة كانوا ـ كما ورد بصراحة في بعض الأحاديث ـ وقبل قبولهم الإسلام، يمنعون الأعمى والأعرج والمريض من المشاركة في مائدتهم، ويتنفّرون من هذا العمل.

وعلى عكس ذلك كانت مجموعة منهم بعد إسلامها، تفرد لمثل هؤلاء موائد خاصّة، ليس لاحتقارهم المشاركة معهم على مائدة واحدة، وإنّما لأسباب إنسانية، فالأعمى قد لا يرى الغذاء الجيد في المائدة، وهم يرونه، ويأكلونه، وهذا خلاف الخلق السليم، وكذلك الأمر بالنسبة للأعرج والمريض، حيث يحتمل تأخرهما عن الغذاء، وتقدم السالمين عليهما. ولهذا كلّه لم يشاركوهم الغذاء على مائدة واحدة. ولهذا كان الأعمى والأعرج والمريض يسحب نفسه حتى لا يزعج الآخرين بشيء. ويعتبر الواحد منهم نفسه مذنباً إن شارك السالمين غذاءهم في مائدة واحدة.

وقد استفسر من الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عن هذا الموضوع، فنزلت الآية السابقة التي نصّت على عدم وجود مانع من مشاركة الأعمى والأعرج والمريض للصحيح غذاءه على مائدة واحدة.(1)

وقد فسر آخرون هذه العبارة باستثناء هذه الفئات الثلاث من حكم الجهاد، أو أنّ القصد أنّه مسموح لكم استصحاب العاجزين معكم إلى الأحد عشر بيتاً التي أشارت إليها الآية في آخرها، ليشاركوكم في غذائكم.

إلاّ أن هذين التفسيرين ـ كما يبدو ـ بعيدان عن قصد الآية، ولا ينسجمان مع

_____________________________

 

1 ـ ذكرت هذا التّفسير أيضاً، التفاسير التالية «الدر المنثور» و «نور الثقلين» و «مجمع البيان» و«الصافي» و«التّفسير الكبير» و«التبيان».

[167]

ظاهرها. (فتأملوا جيداً).

ثمّ يضيف القرآن المجيد (ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم).

والمقصود بعبارة بيوتكم الأبناء أو الزوجات.

(أو بيوت آبائكم).

(أو بيوت أمهاتكم).

(أو بيوت إخوانكم).

(أو بيوت إخواتكم).

(أو بيوت أعمامكم).

(أو بيوت عماتكم).

(أو بيوت أخوالكم).

(أو بيوت خالاتكم).

(أو ما ملكتم مفاتحه).

(أو صديقكم).

بالطبع فإنّ هذا الحكم له شروط وإيضاحات سيأتي ذكرها في آخر تفسير الآية.

ثمّ تضيف الآية (ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً).

ذكر أنّ مجموعة من المسلمين كانوا يمتنعون عن الأكل منفردين، بل كانوا يبقون جياعاً لمدّة حتى يجدوا من يشاركهم غذاءهم، فعلمهم القرآن المجيد أن تناول الغذاء مسموح بصورة جماعية أو فردية.(1)

ويرى البعض: إنّ مجموعة من العرب كانت تقدم غذاء الضيف على حدة احتراماً له، ولا يشاركونه الغذاء (حتى لا يخجل أثناء تناوله الطعام).

_____________________________

 

1 ـ تفسير التبيان، للآية موضع البحث.

[168]

لقد رفعت الآية المذكورة هذه التقاليد واعتبروا غير محمودة(1)

وقال آخرون: إنّ البعض كان يرى عدم جواز تناول الأغنياء الغذاء مع الفقراء، والمحافظة على الفروق الطبقية حتى على مائدة الطعام. لهذا نفى القرآن المجيد هذا التقليد الخاطىء والظالم بذكره العبارة السابقة.(2)

ولا مانع من احتواء الآية السابقة لكلّ هذه المعاني.

ثمّ تشير الآية إلى أحد التعاليم الأخلاقية فتقول: (وإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة) واختتمت بهذه العبارة (كذلك يبيّن الله لكم الآيات لعلكم تعقلون).

وقال بعض المفسّرين: إنّ المقصود من عبارة «بيوتاً» في هذه الآية، هي البيوت الأحد عشرة المذكورة سابقاً.

وقال آخرون: إنّها المساجد.

ولكن بيدو أنها عامّة، تشمل جميع البيوت، سواء الأحد عشر بيتاً التي يجوز للمرء الأكل فيها، أو غيرها كبيوت الأصدقاء والأقرباء. حيث لا يوجد دليل على تضييق المفهوم الواسع لهذه الآية.

ولكن ما هو المقصود من عبارة (سلّموا على أنفسكم

نجد هنا عدداً من التفاسير: حيث يرى البعض من المفسّرين أنّه سلام البعض على البعض، مثلما جاء في قصّة بني إسرائيل (سورة البقرة الآية 54) (فاقتلوا أنفسكم).

ورأى آخرون أنّه يعني السلام على الزوجة والأبناء والأهل، حيث هم بمنزلة النفس، لهذا استخدمت الآية تعبير «الأنفس»، كما جاء هذا التعبير أيضاً في آية المباهلة (سورة آل عمران الآية 61). وهذا يبيّن لنا أن قرب الشخص من

_____________________________

 

1 ـ المصدر السابق.

2 ـ المصدر السابق.

[169]

الآخر قد يصل إلى درجة أنّه يكون كنفسه، أي يكونان كنفس واحدة، مثلما كان عليّ(عليه السلام) من الرّسول محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم).

ويرى بعض المفسّرين أنّ الآية السابقة أشارت إلى بيوت لم يسكنها أحد، حيث يحيي المرء نفسه عند دخولها فيقول: السّلام عليكم من قبل ربّنا. أو: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. ونرى عدم وجود تناقض بين هذه التفاسير. حيث يجب السلام عند الدخول إلى أيّ منزل كان، ويجب أن يسلم المؤمنون بعضهم على بعض، ويسلّم أهل المنزل أحدهم على الآخر. وأمّا إذا لم يجد أحداً في المنزل فيحيي المرءُ نفسه، حيث تعود هذه التحيات بالسلامة على الإنسان ذاته.

لهذا نقرأ في حديث عن الإمام الباقر(عليه السلام) يجيب فيه على سؤال يخصّ تفسير هذه الآية فيقول: «هو تسليم الرجل على أهل البيت حين يدخل ثمّ يردون عليه فهو سلامكم على أنفسكم».(1)

وفي حديث عن الباقر(عليه السلام) أيضاً، يقول فيه: «إذا دخل الرجل منكم بيته فإنّ كان فيه فليسلم عليه، وإن لم يكن فيه أحد فليقل: السلام علينا من عند ربّنا، يقول الله عزَّوجلّ «تحيّة من عند الله مباركة طيبة»(2).

* * *

 

بحوث

1 ـ هل أن تناول غذاء الآخرين غير منوط بإذنهم؟

كما شاهدنا في الآية السابقة، أنّ الله تعالى سمح أن يأكل الإنسان في بيوت أقربائه المُقرّبين وبعض الأصدقاء وأمثالهم، وأصبح عدد هذه البيوت أحد عشر بيتاً. ولم تشترط الآية استئذانهم لتناول الطعام، ولا شك في عدم وجوب

_____________________________

 

1 ـ نورالثقلين، المجلد الثالث، ص 627.

2 ـ المصدر السابق.

[170]

الاستئذان. إذ أنّ بوجود الإذن بالأكل يمكن تناول الغذاء العائد لأي شخص، وبذلك لا تبقى ميزة لهذه المجموعة المؤلفة من أحد عشر بيتاً.

فهل يشترط توفر الرضى القلبي يتناول الغذاء «وكما يقال من شاهد الحال». بسبب الصلة الوثيقة بين الطرفين إن ظاهر اطلاق الآية ينفي هذا الشرط، إذ يكفي احتمال حصول رضاه فقط وعادة يحصل الرضى.

أمّا إذا كانت الحالة تؤكّد عدم رضى صاحب الطعام في تناول غذاءه، فبالرغم من اطلاق الآية وشمولها لهذا المورد أيضاً، إلاّ أنّه لا يبعد إنصراف الآية عن هذا المورد، وخاصّة أنّ مثل هذا المورد نادر الوقوع، ومن المعلوم أنّ الإطلاقات لا تشمل الأفراد النادرة.

وعلى هذا فإنّ الآية المذكورة تخصص الآيات والرّوايات التي تشترط في التصرف بأموال الآخرين احراز رضاهم في دائرة محدودة. وتكرر القول بأن هذا التخصيص. في نطاق محدد، أي تناول الغذاء بمقدار الحاجة تناولا بعيداً عن الإسراف.

والذي ذكرناه متعارف عليه بين كبار فقهائنا. وجاء بعضه بصراحة في الأحاديث الإسلامية، حيث ذكر رواية معتبرة عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال عند الإستفسار منه عبارة «أو صديقكم» الوارد في هذه الآية قال(عليه السلام): «هو والله الرجل يدخل بيت صديقه فيأكل بغير إذنه»(1).

كما ذكرت أحاديث أُخرى بهذا المضمون، أكّدت أنّه لا يشترط الإستئذان في هذه الحالات. (وبالطبع لا يوجد خلاف بين الفقهاء حول عدمِ جواز الأكل من غذاء الآخرين دون استئذان، الذي نهت عنه الآية بصراحة مع العلم بهذا النهي. لهذا أهملت الآية السابقة ذكرهُ).

_____________________________

 

1 ـ وسائل الشيعة، المجلد 16، صفحة 434، كتاب الأطعمة والأشربة ـ أبواب آداب المائدة ـ الباب 24 الحديث، 1.

[171]

وحول عبارتي «عدم الإفساد» و«عدم الإسراف» فقد صرحت بعض الأحاديث بذلك أيضاً(1).

ولا بد من الإشارة إلى أنّه ورد حديث في هذا الباب يقول بأنّه يمكن الإستفادة فقط من غذاء خاص وليس أيّ غذاء، إلاّ أنّ الفقهاء أعرضوا عن هذا الحديث لضعف سنده.

واستثنى بعض المفسّرين الأطعمة الممتازة التي يحفظها صاحب المنزل لنفسه، أو لضيوفه المقربين، أو لمناسبات خاصّة. وهذا الإستثناء غير بعيد، بسبب انصراف الآية عنه(2).

 

2 ـ فلسفة هذا الحكم الإسلامي:

يمكن أن يثير هذا الحكم تساؤلا بالمقارنة مع الأحكام الشديدة التي نصت عليها التعاليم في تحريم الغصب، هو: كيف سمح الإسلام بذلك، رغم تشديده في قضية التصرف بأموال الآخرين؟!

إنّنا نرى أنّ هذا السؤال ينسجم مع طبيعة البيئات المادية تماماً، كالمجتمع الغربي، حيث يطرد الأبناء من المنزل حين البلوغ! ولا يهتمون بالوالدين حين إصابتهم بالعجز أو الشيخوخة! حيث نشاهد الأبناء هناك، لا يثمنون أتعاب الوالدين ولا يشفقون عليهما، بسبب تسلط التفكير المادي على العلاقات الإجتماعية في الغرب! ولا خبر هناك عن العاطفة الإنسانية والشفقة!

إلاّ أنّ التعاليم الإسلامية والعواطف الإنسانية التي تمتد جذورها في المجتمع الإسلامي، خاصّة بين الأهل والأقرباء والأصدقاء، قد ميّزت المجتمع الإسلامي عن المجتمع الغربي.

_____________________________

 

1 ـ المصدر السابق، الحديث4.

2 ـ لإيضاح أكثر يراجع جواهر الكلام المجلد 36، صفحة 406، (كتاب الأطعمة والأشربة).

[172]

والواقع أنّ الإسلام جعل علاقات الأقرباء والأصدقاء أسمى من الأُمور المادية، وهذا يعكسه الصفاء والود اللذان يسودان المجتمع الإسلامي الحقيقي، حيث يبتعد أفراد هذا المجتمع عن الصفات غير المحمودة كالبخل وحب الذات.

ولا ريب أن أحكام الغصب تكون نافذة في غير هذه الدائرة. ولكن الإسلام في داخل هذه الدائرة يفضل القضايا العاطفية والروابط الإنسانية، فهي التي ينبغي أن تسود العلاقات بين الأقرباء والأصدقاء جميعاً.

 

3 ـ من هو الصديق؟

لا شك أنّ للصداقة مفهوماً واسعاً، وهي تعني هنا بالتأكيد الأصدقاء الخاصين الذين تربطهم علاقات وثيقة، وهذه العلاقة توجب التزاور فيما بينهم والأكل من طعام الآخر، ولا حاجة هنا ـ كما أسلفنا ـ إلى احراز الرضا، بل يجوز الأكل بمجرّد عدم العلم بعدم رضا صاحب الغذاء.

لهذا قال بعض المفسّرين حول هذه الآية: الصديق هو الذي يصدق في علاقاته معك.

وقيل: الصديق هو الذي يصدّق ظاهره باطنه وكما يبدو فإن الجميع يشيرون إلى حقيقة واحدة.

ويتّضح من هذه العبارة أنّ الذي لا يسمح بمشاركة صديقه لغذائه، لا يمكن اعتباره صديقاً!

ومن المناسب هنا أن نقرأ حديثاً عن الإِمام الصادق(عليه السلام) ضمّ مفهوم الصداقة الواسع وشروطها الكاملة:

«لا تكون الصداقة إلاّ بحدودها، فمن كانت فيه هذه الحدود أو شيء منها فإنسبه إلى الصداقة، ومن لم يكن فيه شيء منها فلا تنسبه إلى شيء من الصداقة.

فأوّلاها: أن تكون سريرته وعلانيته لك واحدة.

[173]

والثّاني: أن يرى زينك زينه وشينك شينه.

والثّالثة: أن لا تغيره عليك ولاية ولا مال.

والرّابعة: أن لا تمنعك شيئاً تناله مقدرته.

والخامسة: وهي تجمع هذه الخصال أن لا يسلمك عند النكبات».(1)

 

4 ـ تفسير عبارة (ماملكتم مفاتحه)

جاء في بعض أسباب النّزول أنّ المسلمين في صدر الإسلام كانوا يسلمون أحياناً مفاتيح منازلهم إلى الذين لا يشملهم الجهاد. حين توجههم إلى الجهاد في سبيل الله. وكانوا يسمحون له بتناول الطعام من هذه المنازل، إلاّ أنّ هؤلاء كانوا يمتنعون من الأكل في هذه المنازل خوفاً من ارتكاب إثم في ذلك.

وحسب هذه الرواية فإنّ المراد من عبارة (ما ملكتم مفاتحه) هو ما ذكرنا.(2)

وروي عن ابن عباس أيضاً أن قصد الآية هو وكيل الشخص على ما يملكه من ماء وبستان ومواشي، حيث سمح له بتناول الفاكهة من بستان الموكّل بقدر حاجته والشرب من حليب ماشيته.

كما فسّر آخرون ذلك بحارس المخزن الذي يسمح له بتناول قليل من المواد الغذائية الموجودة في هذا المخزن.

ومع ملاحظة سائر المجموعات التي ورد ذكرها في هذه الآية، يبدو أنّها تقصد الذين يسلمون مفاتيح منازلهم لأشخاص مؤثقين ومقربين لهم، وهذا التقارب الوثيق بينهما يؤدي إلى أن يكونوا في صف الأقرباء والأصدقاء المقرّبين، وسواءً كان وكيلا رسمياً أم لا.

_____________________________

 

1 ـ أصول الكافي، المجلد الثاني، صفحة 467.

2 ـ تفسير القرطبي، المجلد الثّاني عشر، ص 315 (وجاء في وسائل الشيعة المجلد السادس عشر، صفحة 436، الباب 24 من أبواب المائدة حديث بهذا المضمون).

[174]

وإذا لاحظنا أنّ بعض الأحاديث تفسر عبارة (ما ملكتم مفاتحه) بالوكيل الذي يتعهد بالإِشراف على أموال شخص آخر، فإنّ ذلك مصداق للآية وليس لتحديد معناها وحصرها بهذا التّفسير.

 

5 ـ السلام والتحية

«التحية» مشتقّة من الحياة، بمعنى الدعاء لسلامة الآخرين، سواء كانت بشكل السلام عليكم، أو السلام علينا، أو قولا كحيّاك الله، فكل هذا إعراب عن المحبة التي يبديها الشخص عند لقائه بآخر، وتدعى بالتحية.

ويقصد بعبارة (تحية من عند الله مباركة طيبة). ربط التحية بالله بشكل ما، أي «السلام عليكم»، سلام الله عليكم، أو نسأل الله أن يسلمكم، إذ أن كل موحّد يرى ربط الدعاء بالله، وطبيعي أنّ الدعاء بهذا الشكل يكون مباركاً وطيباً. (تناولنا بحث السلام وأهميته ووجوب الردّ على التحية، في تفسير الآية 86 من سورة النساء).

* * *

[175]

 

 

الآيات

 

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْر جَامِع لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَئْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَئْذِنُوكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَئْذَنُوكَ لِبَعْضِ شأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَنِ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(62) لاَّ تَجْعَلُوا دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)أَلاَ إِنَّ للهِ مَا فِى السَّمَـواتِ وَالاَْرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أنَتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللهُ بِكُلِّ شَىْء عَلِيمٌ(64)

 

سبب النّزول

ذكرت عدة أسباب لنزول الآية الأُولى من الآيات أعلاه، فقد جاء في بعض الأحاديث أنّ هذه الآيه نزلت في «حنظلة بن أبي عياش» الذي صادف زواجه ليلة معركة أُحد، وكان الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يشاور أصحابه حول هذه المعركة، فجاءه

[176]

حنظلة يستأذنه المبيت عند زوجته، فأجازه(صلى الله عليه وآله وسلم).

وقد بكّر حنظلة للإلتحاق بصفوف المسلمين، وكان على عجل من أمره بحيث لم يتمكن من الإغتسال. ودخل المعركة على هذه الحال، وقاتل حتى قتل في سبيل الله.

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فيه «رأيت الملائكة تغسل حنظلة بماء المزن في صحائف فضة بين السماء والأرض».

لهذا سمي حنظلة بعدها بـ «غسيل الملائكة»(1).

وذكر سبب آخر لنزول هذه الآية حيث «روى ابن إسحاق» في سبب نزول هذه الآيات أنّه لما سمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بتجمع قريش والاحزاب على حربه ـ وما أجمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة. فعمل فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ترغيباً للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون فيه فدأب ودأبوا، وأبطأ عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين لا ينجزون إلاّ اليسير من العمل، أو يتسللون إلى أهليهم بغير علم رسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا إذنه، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لابدّ منها، يذكر ذلك لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ويسأله في اللحوق بحاجته فيأذن له.

فإذا قضى حاجته، رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتساباً له، فأنزل الله تعالى في أُولئك المؤمنين (إنّما المؤمنون ...) الآية، ثمّ قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل ويذهبون بغير إذن من النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم): (ولا تجعلوا دعاء الرّسول بينكم ...) الآية(2)

* * *

 

_____________________________

 

1 ـ تفسير علي بن إبراهيم، حسبما نقله تفسير نورالثقلين، المجلد الثالث، صفحة 628.

2 ـ في ظلال القرآن ـ طبعة دار إحياء الكتب العربية ـ الجزء السابع عشر، ص 126.

[177]

التّفسير

لا تتركوا النبيّ وحده!

قال بعض المفسّرين حول علاقة هذه الآيات بسابقتها، وفيهم المرحوم «الطبرسي» في مجمع البيان «وسيد قطب» في تفسير في ظلال القرآن: بما أنّ الآيات السابقة طرحت للبحث جانباً من أُسلوب التعامل مع الأصدقاء والأقرباء. فإنّ الآيات موضع البحث تناولت كيفية تعامل المسلمين مع قائدهم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم). وقد أكّدت التزام الوقار أمامه، وطاعته وعدم ترك الجماعة إلاّ بإذنه.

 

ويمكن أيضاً أنّ الآيات السابقة تحدثت عن ضرورة طاعة الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن علائم طاعته عدم تركه أو القيام بعمل ما دون إذن منه، لهذا تحدثت الآيات ـ موضع البحث ـ حول هذا الموضوع. فتقول أوّلا: (إنّما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه).

والمراد من «أمر جامع» كلّ عمل يقتضي إجتماع الناس فيه ويتطلب تعاونهم، سواء كان عملا استشارياً، أو مسألة حول الجهاد ومقاتلة العدو، أو صلاة جمعة في الظروف الإستثنائية وأمثالها.

وإذا وجدنا أنّ بعض المفسّرين، قالوا بأنّه يعني الإستشارة أو الجهاد أو صلاة الجمعة أو العيد فنقول: إنّهم عكسوا جانباً من معاني هذه الآية. وأسباب النّزول السابقة أيضاً هي من مصاديق هذا الحكم العام.

وفي الحقيقة إنّ هذا من شروط النظم والتنظيم ولا يمكن لأية مجموعة منظمة منسجمة أن تهمله، فغياب شخص واحد قد تترتب عليه صعوبات ويلحق ضرراً بالهدف النهائي، خاصّة إذا كان قائد الجماعة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وكلامه مطاع.

كما يجب الإنتباه إلى أنّ الإذن لا يعني الإستئذان الشكلي لقضاء الشخص أعماله الخاصّة والتفرغ لتجارته. وإنّما أن يكون صادقاً في الإستئذان. فإذا وجد القائد أن غياب هذا الشخص يلحق ضرراً، فمن حقه أن لا يأذن له، وعليه أن

[178]

يضحي بمصلحته من أجل هدف أسمى. لهذا تضيف الآية: (إنّ الذين يستأذنوك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم).

ومن الواضح أنّ هؤلاء المؤمنين لا يستأذن أحدهم لعمل بسيط في حين أنّهم اجتمعوا لأمر أهم، والمقصود من عبارة «شأنهم»، الأعمال الضرورية والمهمّة فقط.

ومن جهة أخرى، لا تعني إذن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) للأشخاص دون دراسة جوانب المسألة وأثر حضور وغياب الأفراد، بل جاء هذا التعبير ليطلق يد النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأن لا يأذن لأحد حين إحساسه بضرورة حضوره في الجماعة.

ودليل هذا الكلام ما جاء في الآية (43) من سورة التوبة حيث يلام الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لإذنه بعض الأفراد: (عفى الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبيّن الذين صدقوا وتعلم الكاذبين).

وتبيّن هذه الآية كيف أوجبت على النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) التحقيق قبل الإذن، وأن يلاحظ أبعاد هذه المسؤولية الإلهية.

وتقول الآية في الختام: (واستغفر لهم الله إنّ الله غفور رحيم).

و هنا يطرح سؤال: ما الغرض من هذا الإستغفار؟ فهل هم مذنبون رغم أخذهم الإذن من الرّسول بالمغادرة، كي يحتاجوا إلى استغفاره لهم؟

و للجواب على هذا السؤال هناك وجهان:

أحدهما: أن يستغفر لهم تنبيهاً على أنّ الأوْلى أن لا يقع الإِستئذان منهم وإن أذن لهم، لأن ذلك يعتبر تقديم الشخص لمصلحته الخاصّة على مصلحة المسلمين، و لا يخلو هذا الامر من «الترك الاولى» ولذا يحتاج الى الاستغفار (كالاستغفار

[179]

على عمل مكروه).(1)

كما تبيّن هذه العبارة ضرورة عدم الإستئذان بالقدر الممكن. واتباع التضحية و الإيثار حتى لا يتورطوا بارتكاب عمل تركه أوْلى كمغادرة الجماعة لعمل بسيط.

و الوجه الثاني: يحتمل أنّه تعالى أمره بأن يستغفر لهم مقابلة لتمسّكهم بآداب اللّه تعالى في الإستئذان.(2)

ولكن نرى عدم وجود تناقض بين هذين الوجهين، كما أنّه من الطبيعي أن لا تخصّ هذه التعاليم التنظيمية الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه فقط. وإنّما هي واجبة الإتباع إزاء كلّ قائد إلهي، سواء كان نبياً أم إماماً أم عالماً نائباً لهما، حيث يتوقف مصير المسلمين على هذه الطاعة. كما يحتمه ـ إضافة إلى القرآن ـ العقل والمنطق، لأنّ الاستمرار التنظيم يتوقف على رعاية هذه المبادىء، ولا يمكن إدارة المجتمع بدونها.

و المدهش تفسير كبار مفسّري أهل السنة لهذه الآية بأنّها دليل على جواز الإجتهاد وتوقف الحكم على رأي المجتهد. ولا يخفى أنّ الإجتهاد المطروح في مباحث الأصول والفقه يخص الأحكام الشرعية، ولا يتعلق بالاجتهاد في الموضوعات حيث أنّ الإجتهاد في الموضوع لا يقبل الإنكار، فكل قائد جيش أو مدير دائرة أو مشرف على جماعة يجتهد في القضايا الإجرائية الخاصّة بدائرة عمله. وليس هذا دليلا على إمكان الإجتهاد في الأحكام الشرعية العامّة بإيجاب حكم بدعوى المصلحة العامّة، أو نفي حكم أو تشريع آخر.

ثمّ بيّنت الآية التالية حكماً آخر له علاقة بتعاليم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث

_____________________________

 

1 ـ التّفسير الكبير للفخر الرازي، وروح المعاني، وتفسير القرطبي للآيات موضع البحث.
2 ـ التّفسير الكبير للفخر الرازي ـ في تفسيره للآية موضع البحث صفحة 39 من طبعة دار الكتب العلمية بطهران ـ الطبعة الثّانية.

[180]

تقول:(لا تجعلوا دعاء الرّسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً).

إن الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عندما يدعوكم للإجتماع، فإنه لابدّ من أن يكون لمسألة إلهية مهمّة، لهذا يجب عليكم الإهتمام بدعوته، والإلتزام بتعاليمه، وألاّ تهملوها، فأمره من الله ودعوته منه سبحانه وتعالى.

ثمّ تضيف الآية (قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم).

«يتسللون» مشتقّة من «تسلل»، وتعني سحب الشيء من موضعه، كأنّ يقال: سلّ السيف من غمده. كما يطلق على الذين يفرون سرّاً من مكان تجمع محدد لهم، كلمة «متسللون».

«لواذاً» مشتقّة من «ملاوذة» بمعنى الإختفاء، وتعني هنا اختفاء البعض وراء البعض أو خلف جدار، أو بتعبير آخر: استغفال الآخرين ثمّ الفرار من مكان تجمعهم، وهذا ما كان يقوم به المنافقون حينما يوجه الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الدعوة للجهاد أو لأمر مهم آخر، يقول لهم القرآن المجيد: «إنّ عملكم النفاقي هذا إن خفي على الناس فإنّه لا يخفى على الله، وسيعاقبكم على هذه الاعمال ومخالفتكم لاوامر الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في الدنيا والآخرة».

ماذا يقصد به «فتنة» هنا؟ قال بعض المفسّرين: إنّها القتل، وآخرون قالوا: إنّها تعني الضلال، كما قال بعضهم: إنّها السلطان الظالم، وقيل: إنّها بلاء النفاق الذي يتوغل في قلب الإنسان.

كما يحتمل أن تعني الفتنة الفتن الإجتماعية ومشاكلها، وأن يسود الهرج والمرج في المجتمع، وابتلائه بالهزيمة، وسائر الفتن الاُخرى التي يبتلى بها المجتمع في حالة عصيانه أوامر قائده.

و على كلّ حال فالفتنة ذات مفهوم واسع يضمّ جميع هذه الأُمور وغيرها، مثلما يضمّ العذاب الأليم عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة أو كليهما.

[181]

و ممّا يجب الإنتباه إليه في تفسير الآية محل البحث وجود احتمالين إضافة إلى ما ذكرناه هما:

الأوّل: أنّ القصد من قوله تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرّسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً) أنّكم عندما تدعو النّبى(صلى الله عليه وآله وسلم) فينبغي أن تدعوه بأدب واحترام يليق بمنزلته، وليس كما تدعون بعضكم بعضاً، والسبب يكمن في أنّ جماعة من المسلمين لم يتعلموا ـ بعد ـ الآداب الإسلامية في التعامل مع الآخرين، فكانوا ينادون الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بعبارة: يا محمّد! وهذا لا يليق بنداء قائد إلهي كبير. وتستهدف الآية تعليم الناس أن يدعوا الرّسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بعبارات رزينة وبأسلوب مؤدب، كأن يدعوه: يا رسول الله، أو: يا نبىّ الله.

وهذا التّفسير ورد في بعض الرّوايات أيضاً إلاّ أنّه لا ينسجم مع ظاهر الآية التي تحدثت عن الإستجابة لدعوة الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ووجوب عدم الغياب عن الجماعة دون استئذان منه(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ أن نقول: إن كلا المعنيين مقصودان للآية واحدة، وأن مفهوم الآية شامل للتفسيرين الأوّل والثّاني .

و الآخر: ويبدو أنّه ضعيف جدّاً، وهو ألاّ تجعلوا دعاء النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على أحد الاشخاص ولعنه له كدعاء بعضكم على بعض(1)، لأنّ دعاء ولعن النبىّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يتمّ وفق حساب دقيق وخاضع للتعاليم الإلهية، وهو نافذ حتماً.

و لكن ليس لهذا التّفسير علاقة بأوّل الآية ونهايتهاً، ولم يرد حديث إسلامي خاصّ به، ولهذا السبب لا يمكن قبوله.

و تجدر الإشارة إلى أنّ علماء الأُصول فسّروا عبارة (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) بأنّ أوامر الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) تدل على الوجوب، إلاّ أنّ هذا الإستدلال فيه نواقص اُشير إليها في علم الاُصول.

_____________________________
 
1 ـ لقد جاء بعد كلمة الدعاء «لام»
فإنّها تعني الإبتهال والدعاء، أمّا إذا جاء الحرف «على»
فإنّها تعني الدعاء على شخص لغير صالحه، وإذا افتقدت الجملة أي من هذين الحرفين فيحتمل أن تتضمّن العبارة المعنيين.

[182]

و آخر آية من الآيات موضع البحث، ـ والتي هي آخر سورة النور ـ اشارة بليغة إلى قضية المبدأ والمعاد التي تعتبر دافعاً لإمتثال التعاليم الإلهية جميعاً، وضمان لتنفيذ جميع الأوامر والنواهي، ومنها التي وردت في هذه السورة حيث تقول: (ألا أن لله ما في السموات والأرض)

فإنّ الله العالم بكلّ شيء (قد يعلم ما أنتم عليه) أي يعلم أُسلوبكم في التعامل و أعمالكم واعتقادكم ومقاصدكم، فكلّها واضحة له سبحانه وتعالى. وثابتة في لوحة علمه (و يوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا) ويجازيهم بها (والله بكل شيء عليم).

و ممّا يلفت النظر تأكيد الآية ثلاث مرات على علم الله بأعمال البشر. ليشعر الإنسان أنّه مراقب بشكل دائم، ولا يخفى على الله شيء من أعمال هذا الإنسان أبداً. ولهذا الإعتقاد أثره التربوي الكبير ويضمن سيطرة الإنسان على نفسه إزاء الإنحرافات والذنوب.

إلهي، نوّر قلوبنا بنور العلم والإيمان، وقوِّ مشكاة وجودنا للمحافظة على هذا الإيمان، لنجتاز صراطك المستقيم الذي سار عليه أنبياؤك لكسب رضاك، ولتحفظنا بلطفك من كل انحراف.

ربّاه، نوّر أبصارنا بنور العفة، وقلوبنا بنور المعرفة، وأرواحنا بنور التقوى، ونور وجودنا كله بنور الهداية، واحفظنا من التيه والغفلة، وأعذنا من وساوس الشيطان.

إلهي، وطّد أركان حكومة العدل الإسلامي من أجل تنفيذ حدودك، واحفظ مجتمعنا من الزلل والسقوط في هاوية الرذيلة، إنك على كل شيء قدير.

 

نهاية سورة النور

* * *




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (90)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (4)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (7)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 192

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8499407

  • التاريخ : 8/04/2020 - 08:21

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net