00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة الاعراف من آية 158 ـ 181 من ( 253 ـ 310)  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء الخامس)   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

[253]

الآية

قُلْ يَـأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَواتِ وَالاَْرْضِ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحْىِ وَيُمِيتُ فَـأَمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيّ الاُْمِّيّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَـتِهِ واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)

التّفسير

دعوة النّبي العالميّة:

جاء في حديث عن الإِمام الحسن المجتبى(عليه السلام) قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يا محمّد، أنت الذي تزعم أنّك رسول الله، وأنّك الذي يوحى إليك كما يوحى إلى موسى بن عمران؟ فسكت النّبي ساعة ثمّ قال: «نعم أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا خاتم النّبيين، وإمام المتقين، ورسول ربّ العالمين.» قالوا: إلى من، إلى العرب أم إلى العجم، أم إلينا؟ فأنزل الله هذه الآية التي صرّحت بأنّ رسالة النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) رسالة عالمية(1).

ولكن مع ذلك لا يمكن إنكار إرتباط هذه الآية بالآية السابقة المتعلقة

_____________________________

1 ـ عن المجالس حسب نقل تفسير الصافي، ج 1، في ذيل هذه الآية.

[254]

بصفات النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والدعوة إلى اتباع دينه وشريعته.

وفي البداية يأمر الله تعالى رسول الله قائلا: (قل يا أيّها النّاس إنّي رسول الله إليكم جميعاً).

إنّ هذه الآية مثل آيات كثيرة أُخرى من القرآن الكريم دليل واضح على عالمية دعوة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

وفي الآية (28) من سورة «سبأ» أيضاً نقرأ: (وما أرسلناك إلاّ كافة للناس).

وفي الآية (19) من سورة الأنعام أيضاً نقرأ: (وأوحى إليّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ) أي بلغه القرآن.

وفي مطلع سورة الفرقان نقرأ: (تبارك الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً) فهو أُرسل إلى الناس كافة ليحذرهم من المسؤوليات.

هذه نماذج من الآيات التي تشهد بعالمية دعوة الرّسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وسوف نبحث حول هذه المسألة أيضاً في ذيل الآية (7) من سورة الشورى، وقد مر لنا في ذيل الآية (92) من سورة الأنعام ـ أيضاً ـ بحثٌ مبسوط نوعاً ما في هذا الصعيد.

ثمّ إنّه وصف الإله الذي يدعو إليه النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بثلاث صفات:

1 ـ (الذي له ملك السماوات والأرض) فله الحاكمية المطلقة.

2 ـ (لا إله إلاّ هو) فلا معبود يليق للعبادة سواه.

3 ـ (يحي ويميت) بيده نظام الحياة والموت.

وبهذه الطريقة تنفي هذه الآية أُلوهية غير خالق السماوات والأرض، وأُلُوهيّة كل صنم، وكذا تنفي التثليث المسيحي، كما وتؤكّد على رسالة النّبي العالمية وقدرة الله تعالى على أمر المعاد.

وفي الختام تدعو جميع أهل العالم إلى الإِيمان بالله وبرسوله الذي لم يتعلّم القرآءة والكتابة والقائم من بين الناس (فآمنوا بالله ورسوله النّبي الأُمّي).

[255]

النّبي الذي لا يكتفي بدعوة الآخرين إلى هذه الحقائق فحسب، بل يؤمن هو في الدرجة الأُولى ـ بما يقول، يعني الإِيمان بالله وكلماته (الذي يؤمن بالله وكلماته).

إنّه لا يؤمن فقط بالآيات التي نزلت عليه، بل يؤمن بجميع الكتب الحقيقة للأنبياء السابقين.

إنّ إيمانه بدينه والذي يتجلى من خلال أعماله وتصرّفاته دليل واضح على حقانيته، لأن عمل الآمر بشيء يعكس مدى إيمانه بما يأمر به ويدعو إليه. وإيمانه بقوله أحد الأدلة على صدقه. إنّ تأريخ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) برمّته يشهد بهذه الحقيقة وهي أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان أكثر من غيره إلتزاماً بالتعاليم التي جاء بها.

أجل، لابدّ لكم من اتّباع مثل هذا النّبي حتى تسطع أنوار الهدايه على قلوبكم، لتهتدوا إلى طريق السعادة (واتّبعوه لعلكم تهتدون).

وهذا إشارة إلى أنّه لا يكفي مجرّد الإِيمان، وإنما يفيد الإِيمان إذا إقترن بالإِتباع العمليّ.

والجدير بالإِلتفات إلى أن الآية الحاضرة نزلت في مكّة يوم كان المسلمون يشكلون أقلية صغيرة جدّاً بحيث إنّه قلّما كان هناك من يحتمل أن يسيطر النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على مكّة فضلا عن جزيرة العرب، أو قسم كبير من العالم.

وعلى هذا الأساس، فإنّ الذين يتصورون أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ادعى في البداية تبليغ الرسالة لأهل مكّة فقط، وعندما إنتشر دينه وعلا أمره فكر في السيطرة على الحجاز، ثمّ فكر في البلاد الأُخرى، وراسل ملوك العالم وأمراءه وقادته، وأعلن عن رسالته العالمية. تجيب الآية الحاضرة التي نزلت في مكّة على كل تصوراتهم هذه، فهي تصرح في غير إبهام ولا غموض بأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) اعلن عن دعوته العالمية منذ البداية.

* * *

[256]

الآيتان

وَمِن قَومِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ(159)وَقَطَّعْنَـهُمٌ اثْنَتىْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُممَاً وَأَوْحَيْنَآ إِلى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَـهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةً عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاس مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَـمَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِن طَيّبـتِ مَا رَزَقْنَـكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160)

التّفسير

جانب من نعم الله على بني إسرائيل:

في الآيات الحاضرة إشارة إلى حقيقة رأينا نظيرها في القرآن الكريم، وهذه الحقيقة هي تحري القرآن للحق، واحترامه لمكانة الأقليات الدينية الصالحة، يعني أنّه لم يكن ليصف جميع بني إسرائيل بأسرهم بالفساد والإِفساد، وبأنّ هذا العرق القومي برمته ضالّ متمرد من دون إستثناء، بل اعترف بأن منهم أقلية صالحة غير موافقة على أعمال الأكثرية، وقد أولى القرآن الكريم اهتماماً خاصاً بهؤلاء فيقول: (ومن قوم موسى أُمّة يهدون بالحق وبه يعدلون).

[257]

إنَّ هذه الآية قد تشير إلى فريق صغير لم يسلّموا للسامريّ ودعوته، وكانوا يدافعون عن دين موسى دائماً وأبداً، أو إلى الفرق والطوائف الصالحة الأُخرى التي جاءت بعد موسى(عليه السلام).

ولكن هذا المعنى يبدو غير منسجم مع ظاهر الآية، لأن «يهدون» و«يعدلون» قعل مضارع، وهو على الأقل يحكي عن زمان الحال، يعني عصر نزول القرآن، ويثبت وجود مثل هذا الفريق في ذلك الزمان، إلاّ أن نقدّر فعل «كان» فتكون الآية إشارة إلى الزمان الماضي، ونعلم أن التقدير من دون قرينة خلاف الظاهر.

وكذلك يمكن أن يكون ناظراً إلى الأقلية اليهودية الذين كانوا يعيشون في عصر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والذين اعتنقوا الإسلام تدريجاً وبعد مطالعة دعوة النّبي ومحتوى رسالته، وانضموا إلى صفوف المسلمين الصادقين. وهذا التّفسير ينسجم أكثر مع ظاهر الفعلين المضارعين المستعملين فيها.

وما جاء في بعض روايات الشيعة والسنة من أنّ هذه الآية إشارة إلى فريق صغير من بني إسرائيل يعيشون فيما وراء الصين، عيشة عدل وتقوى وتوحيد وعبودية الله تعالى فغير مقبول، لأنّه مضافاً إلى عدم موافقته لما نعلمه من جغرافيا العالم اليوم، ومضافاً إلى أن التواريخ الحاضرة الموجودة لا تؤيد هذا الموضوع، فإنّ الأحاديث المذكورة غير معتبرة من حيث السند، ولا يمكن أن يُعتمد عليها كأحاديث صحيحة حسب قواعد علم الرجال.

وفي الآية اللاحقة يشير القرآن الكريم إلى عدّة أقسام من نعم الله على بني إسرائيل.

فيقول أوّلا: (وقطعناهم إثنتى عشرة أسباطاً أُمماً) وهذا التقطيع والتقسيم إنّما هو لأجل أن يسودهم نظام عادل، بعيد عن المصادمات الخشنة.

وواضح أنّه عندما يكون في شعب من الشعوب تقسيمات إدارية صحيحة ومنظمة، ويخضع كل قسم من تلك الأقسام لقيادة قائد قدير، فإنّ إدارتهم ورعاية

[258]

العدالة بينهم تكون أسهل، ولنفس هذا السبب عمدت جميع الدول إلى مثل هذا العمل وأخذت بهذه القاعدة.

و«أسباط» جمع سبط (بفتح السين وبكسرها) تعني في الأصل الإِنبساط في سهولة، ثمّ يطلق السبط والأسباط على الأولاد وبخاصّة الأحفاد لأنّهم امتداد العائلة.

والمراد من الأسباط ـ هنا ـ هو قبائل بني إسرائيل وفروعها، الذين كان كل واحد منها منشعباً ومنحدراً من أحد أولاد يعقوب(عليه السلام).

والنّعمة الأُخرى هي: أنّه عندما كان بنو إسرائيل متوجهين إلى بيت المقدس وأصابهم العطش الشديد الخطير في الصحراء، وطلبوا من موسى(عليه السلام) الماء، أوحي إليه أن اضرب بعصاك الحجر... ففعل فنبع الماء فشربوا ونجوا من الهلاك (وأوحينا إلى موسى إذ استسقاء قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا).

وقد كانت الينابيع هذه مقسمة بين أسباط بني إسرائيل بحيث عرف كل سبط منهم نبعه الذي يشرب منه(قد علم كل أناس مشربهم).

ويستفاد من هذه الجملة أنّ هذه الينابيع الإِثنى عشر التي نبعت من تلك الصخرة العظيمة كانت معلّمة بعلامات ومتميز بعضها عن بعض بفوارق، بحيث كان يعرف كل فريق من فرق بني إسرائيل نبعه المختص به والمقرّر له، لا يقع بينهم أي خلاف ويسود النظم والإِنضباط في جماعتهم، ويتمّ الشرب بصورة أسهل وأفضل.

والنّعمة الثالثة هي: أن الله تعالى أرسل لهم ـ في تلك الصحارى الملتهبة حيث لا سقف ولا ظلال ـ سحباً ظلّلتهم (وظلّلنا عليهم الغمام).

والنّعمة الرّابعة إنزال المنّ والسلوى عليهم كغذائين لذيذين ومقويين (وأنزلنا عليهم المنّ والسلوى).

[259]

ثمّ إنّ المفسّرين أعطوا تفسيرات متنوعة لهذين الغذاءين «المنّ» و«السلوى» اللذين أنزلهما الله على بني إسرائيل في تلك الصحراء القاحلة (وقد ذكرنا هذه التفاسير عند دراسة الآية 57 من سورة البقرة) وقلنا بأنّه لا يبعد أنّ «المن» كان نوعاً من العسل الطبيعي الذي كان في بطون الجبال المجاورة، أو عصارات وإفرازات نَباتية كانت تظهر على أشجار كانت نابتة هنا وهناك في تلك الصحراء، و«السلوى» نوع من الطير الحلال اللحم شبيه بالحمام.

ثمّ يقول الله تعالى: وقلنا (كلوا من طيبات ما رزقناكم).

ولكنّهم أكلوا وكفروا النعمة ولم يشكروها وبذلك ظلموا في الحقيقة أنفسهم (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون).

ويجب الإِنتباه إلى أن مضمون هذه الآية جاء في الآيات (57) و (60) من سورة البقرة مع فارق بسيط، غاية ما في الأمر أنّه عبر عن نبوع الماء من الصخر هنا بـ «انبجست» وهناك بـ «انفجرت»، وحسب اعتقاد جماعة من المفسّرين أنّ التفاوت بين هاتين العبارتين هو أن «انفجرت» تعني «خروج الماء بدفع، وكثرة» و«انبجست» تعني «خروج الماء بقلّة» ولعل هذا التفاوت لأجل الإشارة إلى أنّ عيون الماء المذكورة لم تنبع من الصخرة العظيمة دفعة حتى يصير ذلك سبباً لإستيحاشهم وخوفهم وقلقهم، ولا تكون لهم قدرة على تنظيم المياه المندفقة وحصرها، بل خرجت ابتداءً بهدوء وقلة، ثمّ توسعت المجاري وكثرت المياه النابعة.

وذهب بعض المفسّرين إلى أنّ هاتين الكلمتين ترجعان إلى مفهوم واحد.

* * *

[260]

الآيتان

وَإِذْ قِيلَ لَهُمْ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَتِكُمْ سَنَزِيدُ الُْمحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ(162)

التّفسير

في تعقيب الآيات السابقة تشير هاتان الآيتان إلى قسم آخر من المواهب الإِلهية لبني إسرائيل وطغيانهم تجاه تلك النعم، وكفرانهم بها.

يقول تعالى: (و) اذكروا (إذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم).

وقلنا لهم اطلبوا من الله حطّ الذنوب عنكم وعفوه عن خطاياكم، وادخلوا من باب بيت المقدس بخضوع (وقولوا حِطَّة وادخلوا الباب سجداً).

فاذا قمتم بهذه الأُمور غفرنا لكم خطاياكم، وأعطينا للمحسين ثواباً أكبر (ونغفر لكم خطيئاتكم وسنريد المحسنين).

[261]

وبالرغم من أن الله فتح أمامهم أبواب الرحمة، ولو أردوا إغتنام الفرصة لاستطاعوا حتماً إصلاح ماضيهم وحاضرهم، ولكن لم يغتنم الظالمين من بني إسرائيل هذه الفرصة فحسب، بل بدّلوا أمر الله، وقالوا خلاف ما أمروا أن يقولوه: (فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم).

وفي المآل نزل عليهم بسبب هذا الطغيان والظلم للنفس وللآخرين عذاب من السماء (فأرسلنا عليهم رجزاً من السماء بما كانوا يظلمون).

ويجب الإِنتباه إلى أنّ مضمون هاتين الآيتين جاء أيضاً ـ مع فارق بسيط ـ في سورة البقرة الآية (58) و (59)، وقد أوردنا تفسيراً أكثراً تفصيلا هناك.

والفرق الوحيد بين هذه الآيات المبحوثة هنا، وآيات سورة البقرة هو أنّه يقول هنا: (بما كانوا يظلمون)، وقال هناك: (بما كانوا يفسقون)، ولعل الفارق بين هذين إنما هو لأَجل أن الذنوب لها جانبان: أحدهما الجانب المرتبط بالله، والجانب الآخر مرتبط بنفس الإنسان. وقد أشار القرآن إلى الجانب الأوّل في آية سورة البقرة بعبارة «الفسق» الذي مفهومه الخروج عن طاعة الله، وإلى الثّاني في الآية الحاضرة بعبارة «الظلم».

ماهي «حطّة» وماذا تعني؟

الجدير بالذِكر أن بني إسرائيل كانوا مكلَّفين بأن يطهروا قلوبهم وأرواحهم عند دخولهم بيت المقدس من أدران الذنوب بتوبة خالصة وواقعية تتلخص في كلمة «حطّة» وأن يطلبوا من الله المفغرة لكل تلك الجرائم التي إرتكبوها، وبخاصّة ما آذوا به نبيّهم العظيم موسى بن عمران قبل ورودهم بيت المقدس.

وكلمة «حطّة» التي كانت ـ في الحقيقة ـ شعارهم عند دخولهم بيت المقدس، هي صورة اختصارية لعبارة «مسألتنا حطّة» يعني نطلب منك يا ربّ أن تحطّ عنّا ذنوبنا بإنزال شآبيب الرحمة والعفو علينا، لأنّ «حطّة» معناها إنزال الشيء من علو

[262]

وهذا الشعار شأنه شأن جميع الشعارات الأُخرى لا يكفي فيه أن يكون مجرّد لقلقة لسان، بل يجب أن يكون اللسان ترجمان الروح ومرآة الوجدان،  ولكنّهم ـ كما سيأتي في الآية اللاحقة ـ مسخوا كثيراً من تلك الشعارات حتى هذا الشعار التربوي، وجعلوه وسيلة للّهو والإِستهزاء والسخرية.

* * *

[263]

الآيات

وسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيِهمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيِهمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مَعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِين يَنْهَونَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابِ بَئِيس بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَْسِئينَ (166)

التّفسير

قصّة فيها عبرة:

في هذه الآيات يستعرض مشهداً آخر من تاريخ بني إسرائيل الزاخر بالحوادث، وهو مشهد يرتبط بجماعة منهم كانوا يعيشون عند ساحل بحر. غاية ما في الأمر أن الخطاب موجه فيها إلى الرّسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، فيقول له: اسأل يهود

[264]

عصرك حول تلك الجماعة، يعني جدّد هذه الخاطرة في أذهانهم عن طريق السؤال ليعتبروا بها، ويجتنبوا المصير والعقاب الذي ينتظرهم بسبب طغيانهم وتعنتهم.

إنّ هذه القصّة ـ كما أُشير إليها في الأحاديث الإِسلامية ـ ترتبط بجماعة من بني إسرائيل كانوا يعيشون عند ساحل أحد البحار (والظاهر أنّه ساحل البحر الأحمر المجاور لفلسطين) في ميناء يسمى بميناء «أيلة» (والذي يسمى الآن بميناء ايلات) وقد أمرهم الله تعالى على سبيل الإختبار والإِمتحان أن يعطّلوا صيد الأسماك في يوم السبت، ولكنّهم خالفوا هذا التعليم، فأصيبوا بعقوبة موجعة مؤلمة نقرأ شرحها في هذه الآيات.

في البداية تقول الآية: (واسألْهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر). أي اسأل يهود عصرك عن قضية القرية التي كانت تعيش على ساحل البحر.

ثمّ تقول: وذكّرهم كيف أنّهم تجاوزوا ـ في يوم السبت ـ القانون الإِلهي (إذ يَعدون في السبت) لأنّ يوم السبت كان يوم عطلتهم، وكان عليهم أن يكفوا فيه عن الكسب، وعن صيد السمك ويشتغلوا بالعبادة، ولكنّهم تجاهلوا هذا الأمر.

ثمّ يشرح القرآن العدوان المذكور بالعبارة التالية: (إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً) فالأسماك كانت تظهر على سطح الماء في يوم السبت، بينما كانت تختفي في غيره من الأيّام.

و«السبت» في اللغة تعني تعطيل العمل للإستراحة، وما نقرأوه في سورة النبأ (وجعلنا نومكم سباتاً) اشارة ـ كذلك ـ إلى هذا الموضوع، وسمّى «يوم السبتِ» بهذا الإسم لأنّ الأعمال العادية والمشاغل كانت تتعطل في هذا اليوم، ثمّ بقي هذا الإِسم لهذا اليوم علماً له.

ومن البديهي أنّ صيد الأسماك يشكّل لدى سكنة ساحل البحر مورد كسبهم وتغذيتهم، وكأنّ الأسماك بسبب تعطيل عملية الصيد في يوم السبت صارت تحس

[265]

بنوع من الأمن من ناحية الصيادين، فكانت تظهر على سطح الماء أفواجاً أفواجاً، بينما كانت تتوغل بعيداً في البحر في الأيّام الأُخرى التي كان الصيّادون فيها يخرجون للصيد.

إنّ هذا الموضوع سواء كان له جانب طبيعي عادي أم كان له جانب استثنائي وإلهي، كان وسيلة لإمتحان وإختبار هذه الجماعة، لهذا يقول القرآن الكريم: وهكذا اختبرناهم بشيء يخالفونه ويعصون الأمر فيه (كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون).

وجملة (بما كانوا يفسقون) إشارة إلى أنّ اختبارهم كان بما من شأنه أن يجذبهم ويدعوهم إلى نفسه، وإلى المعصية والمخالفة، وجميع الإختبارات كذلك، لأن الإختبار يجب أن يبيّن مدى مقاومة الأشخاص أمام جاذبية المعاصي والذنوب.

عندما واجهت هذه الجماعة من بني إسرائيل هذا الإِمتحان الكبير الذي كان متداخلا مع حياتهم تداخلا كاملا، انقسموا إلى ثلاث فرق:

«الفريق الأوّل» وكانوا يشكّلون الأكثرية، وهم الذين خالفوا هذا الأمر الإِلهي.

«الفريق الثّاني» وكانوا على القاعدة يشكلون الأقلية، وهم الذين قاموا ـ تجاة الفريق الأوّل بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

«الفريق الثّالث» وهم الساكتون المحايدون الذين لم يوافقوا العصاة، ولا قاموا بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وفي الآية الثّانية من الآيات المبحوثة هنا يشرح الحوار الذي دار بين العصاة، وبين الذين نهوهم عن ارتكاب هذه المخالفة فيقول: (وإذ قالت أُمّة منهم

[266]

لِمَ تعظون قوماً اللهُ مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً)(1).

فأجابهم الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر: بأنّنا ننهى عن المنكر لأنّنا نؤدي واجبنا تجاه الله تعالى، وحتى لا نكون مسؤولين تجاهه، هذا مضافاً إلى أنّنا نأمل أن يؤثر كلامنا في قلوبهم، ويكفوا عن طغيانهم وتعنتهم (قالوا معذرة إلى ربّكم ولعلّهم يتقون).

ويستفاد من الجملة الحاضرة أنّ هؤلاء الواعظين كانوا يفعلون ذلك بهدفين:

الأوّل: أنّهم كانوا يعظون العصاة حتى يكونوا معذورين عند الله.

والآخر: عسى أن يؤثروا في نفوس العصاة، ويفهم من هذا الكلام أنّهم حتى مع عدم احتمال التأثير، فإنّهم كانوا لا يحجمون عن الوعظ والنصيحة في حين أن المعروف هو أن وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مشروطين باحتمال التأثير.

ولكن لابدّ من الإنتباه إلى أنّه ربّما يجب بيان الحقائق والوظائف الإِلهية حتى مع عدم احتمال التأثير، وذلك عندما يكون عدم بيان الأحكام الإِلهية، وعدم إنكار المنكر سبباً لتناسي وتنامي البدع، وحينما يعدّ السكوت دليلا على الرضا والموافقة. ففي هذه الموارد يجب إظهار الحكم الإِلهي في مكان حتى مع عدم تأثيره في العصاة والمذنبين.

إنّ هذه النقطة جديرة بالإلتفات، وهي أنّ الناهين عن المنكر كانوا يقولون: نحن نريد أن نكون معذورين عند (ربّكم) وكأنّ هذا إشارة إلى أنّكم أيضاً مسؤوولون أمام الله، وإنّ هذه الوظيفة ليست وظيفتنا فقط، بل هي وظيفتكم تجاه ربّكم في الوقت ذاته.

_____________________________

1 ـ التعبير بـ «أُمّة منهم» يكشف عن أن الفريق الثّاني كانوا أقلّ من العصاة، لأنّه عبّر عنهم بلفظة «قوماً» بدون كلمة منهم) ونقرأ في بعض الآيات أنّ عدد نفوس هذه المدينة كان ثمانين ألف وبضعة آلاف، وقد ارتكب 70 ألفاً منهم هذه المعصية (راجع تفسير البرهان، المجلد الثّاني، الصفحة 42).

[267]

ثمّ إنّ الآية اللاحقة تقول: وفي المآل غلبت عبادة الدنيا عليهم، وتناسوا الأمر الإِلهي، وفي هذا الوقت نجينا الذين كانوا ينهون عن المنكر، وعاقبنا الظالمين بعقاب أليم منهم بسبب فسقهم وعصيانهم (فلمّا نسوا ما ذِكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون)(1).

ولا شك أنّ هذا النسيان ليس نسياناً حقيقياً غير موجب للعذر، بل هو نوع من عدم الإكتراث والإِعتناء بأمر الله، وكأنّه قد نسي بالمرّة.

ثمّ يشرح العقوبات هكذا: (فلمّا عتوا عمّا نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين)(2).

وواضح أن أمر «كونوا» هنا أمر تكويني مثل: (إنّما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون)(3).

* * *

بحوث

وهنا نقاط عديدة يجب الإِلتفات إليها:

1 ـ كيفَ ارتكبوا هذه المعصية؟

وأمّا كيف بدأت هذه الجماعة عملية التجاوز على هذا القانون الإِلهي؟ فقد وقع فيه كلام بين المفسّرين.

ويستفاد من بعض الرّوايات أنّهم عمدوا في البداية إلى ما يسمى بالحيلة

_____________________________

1 ـ بئيس مشتقة من مادة «بأس» يعني الشديد.

2 ـ «عتوا» من مادة عتّو على وزن «غلوّ» بمعنى الإِمتناع عن طاعة أمر، وما ذكره بعض المفسّرين من تفسيره بمعنى الإِمتناع فقط يخالف ما قاله أرباب اللغة.

3 ـ سورة يس، 28.

[268]

الشرعية، فقد أحدثوا أحواضاً إلى جانب البحر، وفتحوا لها أبواباً إلى البحر، فكانوا يفتحون هذه الأبواب في يوم السبت فتقع فيها أسماك كثيرة مع ورود الماء إليها، وعند الغروب حينما كانت الأسماك تريد العودة إلى البحر يوصدون تلك فتحبس الأسماك في تلك الأحواض، ثمّ يعمدون في يوم الأحد إلى صيدها، وأخذها من الأحواض، وكانوا يقولون: إنّ الله أمرنا أن لا نصيد السمك، ونحن لم نصد الأسماك إنّما حاصرناها فقط(1).

ويقول بعض المفسّرين: إنّهم كانوا يرسلون كلاليبهم وصناراتهم وشباكهم في البحر يوم السبت، ثمّ يسحبونها يوم الأحد وقد علقت بها الأسماك، وهكذا كانوا يصيدون السمك حتى في يوم السبتِ ولكن بصورة ماكرة.

ويظهر من بعض الرّوايات الأُخرى أنّهم كانوا يصيدون السمك يوم السبتِ من دون مبالاة بالنهي الإِلهي، وليس بواسطة أية حيلة.

ولكن من الممكن أن تكون هذه الرّوايات صحيحة بأجمعها وذلك أنّهم في البداية استخدموا ما يسمى بالحيلة الشرعية، وذلك بواسطة حفر أحواض إلى جانب البحر، أو إلقاء الكلاليب والصنارات، ثمّ لما صُغرت هذه المعصية في نظرهم، جرأهم ذلك على كسر احترام يوم السب وحرمته، فأخذوا يصيدون السمك في يوم السبت تدريجاً وعلناً، واكتسبوا من هذا الطريق ثروة كبيرة جداً.

2 ـ من هم الذين نجوا؟

الظاهر من الآيات الحاضرة أنّ فريقاً واحداً من الفرق الثلاثة (العصاة، المتفرجون، الناصحون) هو الذي نجى من العذاب الإِلهي وهم افراد الفريق الثّالث.

_____________________________

1 ـ تفسير البرهان، المجلد 2، الصفحة 22، وقد روي هذا الكلام عن ابن عباس في تفسير مجمع البيان في ذيل الآية.

[269]

وكما جاء في الرّوايات، فإنّه عندما رأى هذا الفريق أن عظاته ونصائحه لا تجدي مع العصاة انزعجوا وقالوا: سنخرج من المدينة، فخرجوا إلى الصحراء ليلا، واتفق أن أصاب العذابُ الإِلهي كلا الفريقين الآخرين.

وأمّا ما إحتمله بعض المفسّرين من أنّ العصاة هم الذين أصيبوا بالعذاب فقط، ونجى الساكتون أيضاً، فهو لا يتناسب مع ظاهر الآيات الحاضرة.

3 ـ هل أنّ كلا الفريقين عوقبوا بعقاب واحد

يظهر من الآيات الحاضرة أنّ عقوبة المسخ كانت مقتصرة على العصاة، لأنّه تعالى يقول: (فلمّا عتوا عن ما نهوا عنه ...) ولكن من جانب آخر يستفاد من الآيات الحاضرة ـ أيضاً ـ أنّ الناصحين الواعظين فقط هم الذين نجوا من العقاب، لأنّه تعالى يقول: (أنجينا الذين ينهون عن السوء).

من مجموع هاتين الآيتين يتبيّن أنّ العقوبة نالت كلا الفريقين، ولكن عقوبة المسخ اختصت بالعصاة فقط، وأمّا عقوبة الآخرين فمن المحتمل أنّها كانت الهلاك والفناء، بالرغم من أن العصاة أيضاً هلكوا بعد مدّة من المسخ حسب ما جاء في هذا الصدد من الرّوايات.(1)

4 ـ هل المسخ كان جسمانياً أو روحانياً؟

«المسخ» أو بتعبير آخر «تغيير الشكل الإِنساني إلى الصورة الحيوانية» ومن المسلّم أنّه حدثٌ على خلاف العادة والطبيعة.

على أنّه قد شوهدت حالات جزئية من (موتاسيون) والقفزة، وتغيير الشكل والصورة في الحيوانات إلى أشكال وصور أُخرى، وقد شكّلت أسُس فرضية

_____________________________

1 ـ وإذا كان يستفاد من بعضِ الرّوايات خلاف هذا الموضوع، فإنّه مضافاً إلى أنّه لا يمكن الإِعتماد عليه في مقابل ظاهر الآيات فإنّما ضعيفة من حيث السند أيضاً، ويحتمل أن يكون الرواي قد أخطأ في نقل الرواية.

[270]

التكامل في العلوم الطبيعية الحاضرة.

ولكنّ الموارد التي شوهدت فيها الـ «موتاسيون» والقفزة إنّما هي في صفات الحيوانات الجزئية، لا الصفات الكليّة، يعني أنّه لم يشاهَد إلى الآن نوعاً من أنواع الحيوان تغيّر على أثر الـ «موتاسيون» إلى نوع آخر، بل يمكن أن تتغير خصوصيات معينة من الحيوان، ناهيك عن أنّ هذه التغييرات إنّما تظهر في الأجيال التي توجد في المستقبل، لا أن يحصل هذا التغيير في الحيوان يتولد من أُمّه.

وعلى هذا الأساس، يكون تغير صورة إنسان أو حيوان إلى صورة نوع آخر أمراً خارقاً للعادة.

ولكن تقدم أنّ هناك أُموراً تحدث على خلاف العادة والطبيعة، وهذه الأُمور ربّما تقع في صورة المعاجز التي يأتي بها الأنبياء، وأحياناً تكون في صورة الأعمال الخارقة للعادة التي تصدر من بعض الأشخاص، وإن لم يكونوا أنبياء (وهي تختلف عن معاجز الأنبياء طبعاً).

وبناء على هذا، وبعد القبول بإمكان وقوع المعاجز وخوارق العادة، لا مانع من مسخ صورة إنسان إلى إنسان آخر. ولا يكون ذلك مستحيلا تأباه العقول.

ووجود مثل هذه الخوارق للعادة ـ كما قلنا في مبحث إعجاز الأنبياء ـ لا هو إستثناء وخرق لقانون العلية، ولا هو خلاف العقل، بل هو مجرّد كسر قضية «عاديّة طبيعيّة» في مثل هذه الموارد، ولها نظائر رأيناها في الأشخاص غير العاديين(1).

بناء على هذا لا مانع من قبول «المسخ» على ما هو عليه في معناه الظاهري

_____________________________

1 ـ لقد جمع أحد الكتّاب المعاصرين نماذج كثيرة ـ من مصادر موثوقة ـ لأشخاص من البشر أو حيوانات استثنائية، ملفتة للنظر ومثيرة للعجب، ومن جملة ذلك: إنسان يستطيع قراءة السطور بأصابعه، أو امرأة وضعت مرتين في خلال شهرين، وفي كل مرة ولدت ولداً، أو طفلا كان قلبه خارج صدره، أو امرأة لم تكن تعرف أنّها حامل حتى لحظة وضعها لوليدها، وما شابه ذلك.

[271]

الوارد في الآية الحاضرة وبعض الآيات القرآنية الأخرى، وأكثر المفسّرين قبلوا هذا التّفسير أيضاً.

ولكن بعض المفسّرين ـ و هم الأقليّة ـ قالوا: إنّ المسخ هو «المسخ الروحاني» والإِنقلاب في الصفات الأخلاقية، بمعنى ظهور صفات مثل صفات القرود أو الخنازير في الطغاة والمتعنتين، مثل الإِقبال على التقليد الأعمى والتوجه الشديد إلى البطنة والشهوة، التي هي صفات بارزة لهذين الحيوانين. وهذا الإِحتمال نقل عن أحد المفسّرين القدامى وهو مجاهد.

وما أخذه البعض على مسألة المسخ، وأنّه خلاف التكامل، وأنّه يوجب العودة والرجوع والتقهقر في الخلقة غير صحيح، لأنّ قانون التكامل يرتبط بالذين يسيرون في طريق التكامل، لا أُولئك الذين انحرفوا عن مسيرة التكامل، وخرجوا عن دائره هذا القانون.

فعلى سبيل المثال: الإنسان السليم ينمو نمواً منتظماً في أعوام الطفولة، ولكنّه إذا حصلت في وجوده بعض النقائص، فيمكن أن لا يتوقف الرشد والنمو فحسب، بل يتقهقر ويفقد نموه الفكري والجسماني تدريجاً.

ولكن يجب الإِنتباه على كل حال إلى أنّ المسخ والتبدل والتحول الجسماني يتناسب مع الأعمال التي قام بها الشخص، يعني أنّ بعض العصاة يسلكون سبيل الطغيان تحت ضغط من دوافع الهوى والشهوة، وجماعة أُخرى تتلوث حياتهم بأدران الذنوب أثر التقليد الأعمى، ولهذا يظهر المسخ في كل فريق من هذه الفرق بصورة متناسبة مع كيفية أعمالهم.

على أنّه قد جرى الحديث في الآيات الحاضرة فقط عن «القردة» ولم يجرِ أي حديث عن «الخنازير» ولكن في الآية (60) من سورة المائدة يدور الحديث حول جماعة مسخ بعضهم في صورتين (بعض قردة وبعض خنازير) وهذه الآية حسبما قال بعض المفسّرين: نزلت حول أصحاب السبت، فالكبار منهم الذين

[272]

اطاعوا أمر الشهوة والبطن مسخوا خنازير، والشباب المقلد لهم تقليداً أعمى وكانوا يشكلون الأكثرية مسخوا قردة.

ولكن على كل حال يجب الإِلتفات إلى أنّ الممسوخين ـ حسب الرّوايات ـ بقوا على هذه الحالة عدة أيّام ثمّ هلكوا، ولم يتولد منهم نسل أبداً.

5 ـ المخالفة تحت غطاء الحيلة الشّرعية

إنّ الآيات الحاضرة وإن كانت لا تتضمّن الإشارة إلى تحايل أصحاب السبت في صعيد المعصية، ولكن ـ كما أسلفنا ـ أشار كثير من المفسّرين في شرح هذه الآيات إلى قصّة حفر الأحواض، أو نصب الصنارات في البحر في يوم السبت، ويشاهد هذا الموضوع نفسه في الرّوايات الإِسلامية، وبناء على هذا تكون العقوبة الإِلهية التي جرت على هذا الفريق ـ بشدة ـ تكشف عن أن الوجه الحقيقي للذنب لا يتغير أبداً بانقلاب ظاهره، وباستخدام ما يسمى بالحيلة الشرعية، فالحرام حرام سواء أتي به صريحاً، أو تحت لفافات كاذبة، ومعاذير واهية.

إنَّ الذين تصوروا أنّه يمكن بالتغيير الصوري تبديل عمل حرام إلى حلال يخدعون أنفسهم في الحقيقة، ومن سوء الحظ أن هذا العمل رائج بين بعض الغفلة الذين ينسبون أنفسهم إلى الدين وهذا هو الذي يشوّه وجه الدين في نظر الغرباء عن الدين، ويكرّهه إليهم بشدّة.

إن العيب الأكبر الذي يتسم به هذا العمل ـ مضافاً إلى تشويه صورة الدين ـ هو أن هذا العمل التحايلي يصغر الذنب في الأنظار ويقلّل من أهميته وخطورته وقبحه، ويجرّىء الإِنسان في مجال الذنب إلى درجة أنّه يتهيأ شيئاً فشيئاً لإرتكاب الذنوب والمعاصي بصورة صريحة وعلينة. فنحن نقرأ في نهج البلاغة أنّ الإِمام عليّاً(عليه السلام) قال: «إنّ القوم سيفتنون بأموالهم، ويمنون بدينهم على ربّهم،

[273]

ويتمنون رحمته، ويأمنون سطوته، ويستحلّون حرامه بالشبهات الكاذبة والأهواء الساهية، فيستحلّون الخمر بالنّبيذ(1) والسحت بالهدية، والربا بالبيع» (الخطبة 156).

ويجب الإِنتباه إلى الدافع وراء أمثال هذه الحيل، إمّا إلباس الباطن القبيح بلباس قشيب وإظهاره بمظهر حَسَن أمام الناس، وإمّا خداع الضمير، وإكتساب طمأنينة نفسية كاذبة.

6 ـ أنواع الإبتلاء الإِلهي المختلفة

صحيح أنّ صيد السمك من البحر لسكان السواحل لم يكن مخالفة، ولكن قد ينهي الله جماعة من الناس وبصورة مؤقَّتة، وبهدف الإِختبار والإِمتحان عن مثل هذا العمل، ليرى مدى تفانيهم، ويختبر مدى إخلاصهم، وهذا هو أحد أشكال الإِمتحان الإِلهي.

هذا مضافاً إلى أنّ يوم السبت كان عند اليهود يوماً مقدساً، وكانوا قد  كُلّفوا ـ احتراماً لهذا اليوم بالتفرغ للعبادة وممارسة البرامج الدينية ـ والكف ـ عن الكسب والإِشتغال بالأعمال اليومية، ولكن سكان ميناء «أيلة» تجاهلوا كلَّ هذه الإِعتبارات والمسائل، فعوقبوا معاقبة شديدة جعلت منهم ومن حياتهم المأساوية ومصيرهم المشؤوم درس وعبرة للأجيال اللاحقة.

* * *

_____________________________

1 ـ كان النبيذ عبارة عن وضع مقدار من التمر أو الشعير أو الزبيب في الماء، عدّة أيّام، ثمّ شربه وهذا وإن لم يكن حراماً شرعاً، ولكنّه على أثر سخونة الهواء تتبدل المواد السكرية فيه إلى مواد كحولية خفيفة.

[274]

الآيتان

وَإذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيـمَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَ إِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ(167)وَقَطَّعْنَهُمْ فِى الاَْرْضِ أُممَاً مِّنْهُمْ الصَّـلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَـهُمْ بِالْحَسَنَتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168)

التّفسير

تفرق اليهود وتشتتهم:

هذه الآيات إشارة إلى قسم من العقوبات الدنيوية التي أصابت جماعة من اليهود خالفت أمر الله تعالى، وسحقت الحق والعدل والصدق.

فيقول في البداية: واذكروا يوم أخبركم الله بأنّه سيسلّط على هذه الجماعة العاصية المتمردة فريقاً يجعلها حليفة العذاب والأذى إلى يوم القيامة (وإذ تأذّن ربّك ليبعثنَّ عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب).

و«تأذَّن» و«أذّن» كلاهما بمعنى الإِخبار والإِعلام، وكذا جاء بمعنى الحلْف والقَسَم، وفي هذه الصورة يكون معنى الآية أنّ الله تعالى أقسم بأن يكون مثل

[275]

هؤلاء الأشخاص في العذاب إلى يوم القيامة.

ويُستفاد من هذه الآية أنّ هذه الجماعة المتمردة الطاغية لن ترى وجه الإستقرار والطمأنينة أبداً، وإن أسّست لنفسها حكومة وشيّدت دولة، فإنّها مع ذلك ستعيش حالة اضطراب دائم وقلق مستمر، إلاّ أن تغيّر ـ بصدق ـ سلوكها، وتكفّ عن الظلم والفساد.

وفي ختام الآية يضيف تعالى قائلا: (إنّ ربّك لسريع العقاب وإنّه لغفور رحيم) فبالنسبة إلى الكفار سريع العقاب، وبالنسبة للمذنبين التائبين غفور رحيم.

وهذه الجملة تكشف عن أنّ الله قد ترك الباب مفتوحاً أمامهم حتى لا يظن أحد أنّه قد كُتب عليهم المصير المحتوم والشقاء الابدي الذي لا خلاص منه.

وفي الآية اللاحقة يشير تعالى إلى تفرق اليهود في العالم فيقول: (وقطعناهم في الأرض أممّا منهم الصالحون ومنهم دون ذلك) فهم متفرقون منقسمون على أنفسهم بعضهم صالحون، ولهذا عندما سمعوا بنداء الإِسلام وعرفوا دعوة النّبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) آمنوا به، وبعضهم لم يكونوا كذلك بل ألقوا الحق وراءهم ظهرياً، ولم يرتدعوا عن معصية في سبيل ضمان مصالحهم وحياتهم المادية.

ومرّة أُخرى تتجلى هذه الحقيقة في هذه الآية وهي أنّ الإِسلام لا يعادي العنصر اليهودي، ولا يشجبهم لكونهم أتباع دين معيّن، أو منتمين إلى عنصر وعرق معيّن، بل يجعل أعمالهم هي مقياس تقييمهم.

ثمّ يضيف تعالى قائلا: (وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون).

أي ربّما نكرمهم ونجعلهم في رفاه ونعمة حتى نثير فيهم روح الشكر، ويعودوا إلى طريق الحق. وربّما نغرقهم في الشدائد والمصاعب والمصائب حتى ينزلوا عن مركب الغرور والأنانية والتكبر، ويقفوا على عجزهم، لعلهم يستيقظون ويعودون إلى الله، والهدف في كلتا الحالتين هو التربية والهداية والعودة إلى الحق.

[276]

وعلى هذا الأساس تشمل «الحسنات» كل نعمة ورفاه واستقرار، كما تشمل «السيئات» كل نقمة وشدة، وحصر هذين المفهومين في دائر ضيّقة معيّنة لا دليل عليه.

* * *

[277]

الآيتان

فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الاَْدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيهِمْ مِّيثَقُ الْكِتَـبِ أَن لاَّ يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الاَْخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ(169) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَبِ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170)

التّفسير

في الآيات الماضية دار الحديث حول أسلاف اليهود، ولكن في الآية الحاضرة دار الكلام حول أبنائهم وأخلافهم.

وفي البداية يقول تعالى: (فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى) إنّهم ورثوا التوراة عن أسلافهم، وكان عليهم أن ينتفعوا بها ويهتدوا، ولكنّهم رغم ذلك فتنوا بمتاع هذه الدنيا وحطامها الرخيص التافه، واستبدلوا الحق والهدى بمنافعهم الماديّة.

و«خَلْف» على وزن «حَرْف» يأتي غالباً في الأولاد غيرالصالحين ـ كما ذهب

[278]

إلى ذلك بعض المفسّرين، في حين أنّ «الخَلَف» على وزن «شَرَف» يأتي بمعنى الولد الصالح(1).

ثمّ يضيف قائلا: وعندما وقعوا بين مفترق طريقين: بين ضغط الوجدان من جهة، والرغبات والمنافع المادية من جهة أُخرى عمدوا إلى الأماني والآمال الكاذبة وقالوا: لنأخذ المنافع الدنيوية فعلا سواءً من حلال أو حرام، والله سيرحمنا ويغفر لنا (ويقولون سيُغفَر لنا).

إنّ هذه الجملة تكشف عن أنّهم كانوا بعد القيام بمثل هذا العمل يتخذون حالة من الندم العابر والتوبة الظاهرية، ولكن هذه الندامة ـ كما يقول القرآن الكريم ـ لم تكن لها أية جذور في أعماق نفوسهم، ولهذا يقول تعالى: (وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه).

و«عرض» على وزن «غرض» يعني الشيء الذي لا ثبات له ولا دوام ، ومن هذا المنطق يطلق على متاع العالم المادي اسم العرض، لكونه زائلا غير ثابت في الغالب، فهو يقصد الإِنسان يوماً ويقبل عليه بوفرة بحيث يضيع الإِنسان حسابه ولا يعود قادراً على عده وإحصائه ويبتعد عنه وجمعه وحصره، يوماً آخر بالكلية بحيث لا يملك منه إلاّ الحسرة والتذكر المؤلم، هذا مضافاً إلى أن جميع نعم هذه الدنيا هي أساساً غير دائمة، وغير ثابته(2).

وعلى كل حال، فإنّ هذه الجملة إشارة إلى عمليات الإِرتشاء التي كان يقوم بها بعض اليهود لتحريف الآيات السماوية، ونسيان أحكام الله لمضادتها لمصالحهم ومنافعهم المادية.

ولهذا قال تعالى في عقيب ذلك: (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا

_____________________________

1 ـ مجمع البيان، وتفسير ابن الفتوح الرازي، في ذيل الآية الحاضرة.

2 ـ يجب الإنتباه، إلى أن «عَرَض» على وزن «غَرض» يختلف عن «عرْض» على وزن (فرض) فالأوّل بمعنى كل رأس مال دنيوي، والثّاني بمعنى المال النقدي.

[279]

على الله إلاّ الحق) أي أنّهم أُخذ عليهم الميثاق ـ بواسطة كتابهم السماوي التوراة ـ أن لا يفتروا على الله كذباً، ولا يحرفوا كلماته، ولا يقولوا إلاّ الحق.

ثمّ يقول: لو كان هؤلاء الذين يرتكبون هذه المخالفات جاهلون بالآيات الإِلهية، لكان من الممكن أن ينحتوا لأنفسهم أعذاراً، ولكن المشكلة هي أنّهم رأوا التوراة مراراً وفَهموا محتواها ومع ذلك ضيعوا أحكامها، ونبذوا أمرها وراء ظهورهم (ودرسوا فيه).

و«الدرس» في اللغة يعني تكرار شيء، وحيث أن الإِنسان عند المطالعة، وتلقي العلم من الأستاذ والمعلم يكرّر المواضيع، لهذا أطلق عليه لفظ «الدرس» وإذا ما رأينا أنّهم يستعملون لفظة «درس والاندراس» على إنمحاء أثر الشيء فإنّما هو لهذا السبب وبهذه العناية، ولأنّ الأمطار والرياح والحوادث الأُخرى تتوالى على الأبنية القديمة وتبليها.

وفي ختام الآية يقول: إنّ هؤلاء يخطئون في تقديرهم للأُمور، وإنّ هذه الأعمال لن تجديهم نفعاً (والدّار الآخرة خير للذين يتفون).

ألا تفهمون هذه الحقائق الواضحة (أفلا تعقلون)؟؟

وفي مقابل الفريق المشار إليه سابقاً يشير تعالى إلى فريق آخر لم يكتفوا بعدم اقتراف جريمة تحريف الآيات الإِلهية وكتمانها فحسب، بل تمسكوا بحذافيرها وطبقوها في حياتهم حرفاً بحرف، والقرآن يصف هذه الجماعة بأنّهم مصلحو العالم، ويعترف لهم بأجر جزيل وثواب عظيم، ويقول عنهم: (والذين يمسّكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين).

وقد وقع كلام بين المفسّرين حول المراد من «الكتاب» وهل أنّه التوراة أو القرآن الكريم؟ بعض ذهب إلى الأوّل، وبعض إلى الثّاني. والظاهر أنّه إشارة إلى فريق من بني إسرائيل الذين انفصلوا عن الضالين الظالمين، وعاكسوهم فى سلوكهم وموقفهم. ولا شك أن التمسك بالتوراة والإنجيل وما فيهما من بشائر

[280]

بظهور نبيّ الإِسلام(صلى الله عليه وآله وسلم)، لا ينفصل عن الإِيمان بهذا النّبي.

إنّ في التعبير بـ «يمسّكون» الذي هو بمعنى الإِعتصام والتمسك بشيء نكتة ملفتة للنظر، لأنّ التمسك بمعنى الأخذ والإلتصاق بشيء لحفظه وصيانته، وهذه هي الصورة الحسيّة للكلمة، وأمّا الصورة المعنوية لها فهي أن يلتزم الإِنسان بالعقيدة بمنتهى الجدية والحرص، ويسعى في حفظها وحراستها.

إنّ التمسك بالكتاب الإِلهي ليس هو أن يمسك الإِنسان بيده أوراقاً من القرآن أو التوراة أو الإِنجيل أو أي كتاب آخر ويشدّها عليه بقوة، ويجتهد في حفظ غلافه وورقه من التلف، بل التمسك الواقعي هو أن لا يسمح لنفسه بأن يرتكب أدنى مخالفة لتعاليم ذلك الكتاب، وأن يجتهد في تحقيق وتطبيق مفاهيمه من الصميم.

إنّ الآيات الحاضرة تكشف لنا بوضوح عن أنّ الإصلاح الواقعي في الأرض لا يمكن من دون التمسك بالكتب السماوية، ومن دون تطبيق الأوامر والتعاليم الإِلهية، وهذا التعبير يؤكّد ـ مرّة أُخرى ـ هذه الحقيقة، وهي أنّ الدين ليس مجرّد برنامج يرتبط بعالم ما وراء الطبيعة، وبدار الآخرة، بل هو برنامج للحياة البشرية، ويهدف إلى حفظ مصالح جميع أفراد البشر، وإجراء مبادىء العدل والسلام والرفاه والإستقرار، وبالتالي كل مفهوم تشمله كلمة «الإِصلاح» الواسعة المعنى.

وما نراه من التركيز على خصوص «الصلاة» من بين الأوامر والتعاليم الإِلهية، فإنّما هو لأجل أن الصلاة الواقعية تقوّي علاقة الإِنسان بالله الذي يراه حاضراً وناظراً لجميع أعماله وبرامجه، ومراقباً لجميع أفعاله وأقواله، وهذا هو الذي عبر عنه في آيات أُخرى بتأثير الصلاة في الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وإرتباط هذا الموضوع بإصلاح المجتمع الإِنساني أوضح من أن يحتاج إلى بيان.

[281]

من كل ما قيل يتّضح أنّ هذا المبدأ والمرتكز الفكري لا يختص باليهود، بل هو أصل في حياة الأُمم والشعوب. وعلى هذا الأساس فإنّ الذين يجمعون متاعاً زائلا بواسطة كتمان الحقائق وتحريفها، ثمّ يرون نتائجه المشؤومة يتّخذون لأنفسهم حالة من التوبة الكاذبة، توبة سرعان ما تزول وتذوب أمام إبتسامة من منفعة مادية متجدّدة، كما يذوب الثلج في حرّ القيظ فهؤلاء هم المخالفون لإصلاح المجتمعات البشرية، وهم الذين يضحون بمصالح الجماعة في سبيل مصالح الفرد، سواء صدر هذا الفعل من يهوديّ أو مسيحي أو مسلم.

* * *

[282]

الآية

وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَآ ءَاتَيْنَـكُمْ بِقُوَّة وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171)

التّفسير

آخر كلام حول اليهود:

«نتقنا» من مادة «نتق» على وزن «قلع» تعني في الأصل قلع وانتزاع شيء من مكانه، وإلقاءه في جانب آخر، ويطلق على النساء اللواتي يلدن كثيراً أيضاً «ناتق» لأنّهن يفصلن الأولاد من أرحامهن ويخرجنهم بسهولة.

وهذه الآية آخر آية في هذه السورة تتحدث حول حياة بني إسرائيل، وهي تتضمّن تذكير قصّة أُخرى ليهود عصر النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، قصّة فيها عبرة، كما أنّها دليل على إعطاء ميثاق وعهد، إذ يقول: واذكروا إذ قلعنا الجبل من مكانه وجعلناه فوق رؤوسهم كأنّه مظلّة (وإذ نتقنا الجيل فوقهم كأنّه ظلّة).

وقد ظنوا أنّه سيسقط على رؤوسهم، فإنتابهم اضطراب شديد وفزع: (وظنّوا أنّه واقع بهم).

وفي تلك الحالة قلنا لهم: خذوا ما أعطيناكم من الأحكام بقوة وجديّة (خُذوا

[283]

ما آتيناكم بقوّة)

واذكروا ما جاء فيه حتى تتقوا، وخافوا من العقاب الإِلهي واعملوا بما أخذناه فيه منكم من المواثيق (واذكروا ما فيه لعلكم تتقون).

إنّ هذه الآية نفسها جاءت ـ بفارق بسيط في الآية (63) من سورة البقرة، وكما قلنا هناك فإنّ هذه القصة وقعت ـ حسب ما قال المفسّر المعروف العلاّمة الطبرسي في مجمع البيان عن ابن زيد ـ عندما عاد موسى(عليه السلام) من جبل الطور، واصطحب معه أحكام التوراة ... فعندما عرض على قومه الواجبات والوظائف وأحكام الحلال والحرام تصوروا أنّ العمل بكل هذه الوظائف أمر مشكل، ولهذا بنوا على المخالفة والعصيان... في هذا الوقت نفسه، رفعت قطعة عظيمة من الجبل فوق رؤوسهم، بحيث وقعوا في اضطراب عظيم، فالتجأوا إلى موسى(عليه السلام)وطلبوا منه رفع هذا الخطر والخوف عنهم، فقال لهم موسى(عليه السلام) في تلك الحالة: لوتعهدّتم بأن تكونوا أوفياء لهذه الأحكام لزال عنكم هذا الخطر... فسلَّموا وتعهَّدوا وسجدوا لله تعالى فزال عنهم الخطر، وأُزيحت الصخرة من فوق رؤوسهم.

أسئلة وأجوبة:

وهنا سؤالان أشرنا إليهما في سورة البقرة وإلى جوابيهما، ونذكر مختصراً عنهما هنا بالمناسبة.

السّؤال الأوّل: ألم يكن لأخذ الميثاق في هذه الحالة صفة الإجبار؟

والجواب: لا شك أنّه كانت تحكم في ذلك الظرف حالة من الإِجبار والإضطرار، ولكن من المسلَّم أنّه لمّا ارتفع وزال الخطر فيما بعد كان بإمكانهم مواصلة هذا السلوك باختيارهم.

هذا مضافاً إلى أنّه لا معنى للإِجبار في مجال الإِعتقاد، أمّا في مجال العمل

[284]

فلا مانع من أن يجبر الناس على اُمور تربوية تضمن خيرهم وسعادتهم وصلاحهم. فهل من العيب لو أنّنا أجبرنا شخصاً على ترك عادة شريرة، أو سلوك طريق آمن من الخطر، وعدم سلوك طريق محفوف بالأخطار؟

السّؤال الثّاني: كيف رفع الجبل فوق رؤوسهم:

الجواب: ذهب بعض المفسّرين إلى أن الجبل قُلِعَ من مكانه بأمر الله، واستقر فو رؤوسهم كمظلّة.

وذهب آخرون إلى أنّه اهتز الجبل اهترازاً شديداً بفعل زلزال شديد بحيث شاهد الناس الذين كانوا يسكنون في سفح الجبل ظلَّ قسمُ منه فوق رؤوسهم.

ويحتمل أيضاً أن قطعة من الجبل انتزعت من مكانها واستقرت فوق رؤوسهم لحظة واحدة، ثمّ مرّت وسقطت في جانب آخر.

ولا شك في أنّ هذا الأمر كان أمراً خارقاً للعادة وليس حدثاً طبيعياً عادياً.

والموضوع الآخر الذي يجب الإِنتباه إليه هو أنّ القرآن لا يقول: إنّ الجبل صار مظلّة فوق رؤوسهم بل قال: (كأنّه ظلّة).

وهذا التعبير إنّما هو لأجل أنّ المظلّة تنصب على رؤوس الأشخاص لإظهار الحب، والحال أنّ هذه العملية ـ المذكورة في الآية الحاضرة ـ كانت من باب التهديد، أو لأجل أنّ المظلة شيء مستقر وثابت، ولكن رفع الجبل فوق رؤوسهم كان يتسم بعدم الثبات والدوام.

قلنا: مع هذه الآية تختم الآيات المتعلقة بقصة بني إسرائيل والحوادث المختلفة، والذكريات الحلوة والمرّة التي وقعت في حياتهم.

وهذه القصّة هي آخر قصص الأنبياء التي جاءت في هذه السورة. وذكر هذه القصّة في نهاية قصصهم ـ مع أنّها ليست آخر حدث من الحوادث المرتبطة بهذه الجماعة ـ لعله لأجل أنّ الهدف من جميع هذه القصص هو التمسك بآيات الله

[285]

والعمل بالمواثيق، ولأجل الوصول إلى التقوى الذي جاء بيانه في هذه الآية والآية السابقة.

يعني أنّ رسالة موسى(عليه السلام) وسائر الأنبياء وأعمالهم مواجهاتهم المستمرة والصعبة وما لقوا من صعاب ومتاعب وشدائد مضنية كانت لأجل تطبيق أوامر الله، وتنفيذ مبادىء الحق والعدالة والطهر والتقوى في المجتمعات البشرية بشكل كامل.

* * *

[286]

الآيات

وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَـمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـذَا غَـفِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الاَْيَـتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(174)

التّفسير

العهدِ الأوّل وعالم الذّر:

الآيات المذكورة أعلاه، تشير إلى «التوحيد الفطري» ووجود الإِيمان في أعماق روح الإِنسان ... ولذلك فإنّ هذه الآيات تُكمل الأبحاث الواردة في الآيات المتقدمة من هذه السورة في شأن «التوحيد الإِستدلالي»!

وبالرغم من كثرة الأقوال والكلام بين المفسّرين في شأن عالم الذّر، إلاّ أنّنا نحاول أن نبيّن التّفسير الإجمالي لهذه الآيات الكريمة، ثمّ نختار الأهم من أبحاث المفسّرين، ونبيّن وجهة نظرنا بصورة استدلالية موجزة!

يقول الله سبحانه مخاطباً نبيّه في هذه الآية (وإذْ أخذ ربُّك من بني آدم من

[287]

ظهورهم ذريّتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا!...).

«الذريّة» كما يقول أهل اللغة وعلماؤها، معناها في الأصل الأبناء الصغار اليافعون، إلاّ أنّها تطلق في الغالب على عموم الأبناء، وقد تستعمل هذه الكلمة في معنى المفرد، كما قد تستعمل في معنى الجمع، إلاّ أنّها في الأصل تحمل معنى الجمع!

والجذر اللغوي لهذه الكلمة مُختَلفٌ فيه، إذ احتملوا له أوجهاً متعددة..

فقال بعضهم: إنّ جذر هذه الكلمة مأخوذ من «ذَرَأَ» على زنة «زَرَعَ» ومعناه الخلق، فعلى هذا الوجه يكون معنى الذرية مساوياً «للمخلوق».

وقال بعضهم: بل الجذر مأخوذ من «ذَرَّ» على وزن «شَرَّ» ويعني الموجودات الصغيرة جدّاً كذرّات الغبار مثلا والنمل الصغير، ومن هنا فإنّ أبناء الإِنسان تبدأ حياتهم من نطفة صغيرة جداً.

والإِحتمال الثّالث أنّه مأخوذ من مادة ذَرْو ومعناه النثر والتفريق والتنقية [ومنه ذَرْوُ الحنطة(1)[ وإنما سمي أبناء الإِنسان بالذرية لأنّهم يتفرقون في أنحاء الأرض بعد التكاثر!

ثمّ يشير الله سبحانه إلى الهدف النهائي من هذا السؤال والجواب، وأخذ العهد من ذرية آدم في مسألة التوحيد، فيقول: (أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين).

الآية التّالية تشير إلى هدف آخر من أخذ هذا العهد، وهو أنّه إنّما أخذ ربّك هذا العهد من ذرية بني آدم لئلا تعتذروا (أوتقولوا إنّما أشرك آباؤنا من قبل وكنّا ذريّة من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون).

أجَلْ ... (وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون).

_____________________________

1 ـ يقال ذرأ فلان الحنطة ذروأ أو ذرّاها تذرية، أي نقّاها من الشوائب.

[288]

إيضاح لما ورد عن عَالَم الذَّرِ.

رأينا أنّ الآيات محل البحث تتحدث عن أخذ العهد من ذريّة آدم، لكن كيف أُخِذَ هذا العهدُ؟!

لم يرد في النص إيضاح في جزئيات هذا الموضوع، إلاّ أنّ للمفسّرين آراء متعددة تعويلا منهم على الرّوايات الإِسلامية «الواردة عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام)» ومن أهم هذه الآراء رأيان.

1 ـ حين خُلق آدم ظهر أبناؤه على صورة الذّر إلى آخر نسلِ له من البشر «وطبقاً لبعض الرّوايات ظَهرَ هذا الذّر أو الذرّات من طينة آدم نفسه» وكان لهذا الذرّ عقلٌ وشعور كافً للإِستماع والخطاب والجواب، فخاطب الله سبحانه الذرّ قائلا (الستُ بربّكم)؟!...

فَأجاب الذرّ جميعاً: (بلى شهدنا).

ثمّ عاد هذا الذرّ «أو هذه الذرات» جميعاً إلى صُلب آدم «أو إلى طينته» ومن هنا فقد سُميَ بهذا العالم بعالم الذرّ ... وهذا العهدُ بعهد «ألست»؟

فبناءً على ذلك، فإنّ هذا العهد المشار إليه آنفاً هو عهد تشريعي، ويقوم على أساس «الوعي الذاتي» بين الله والناس.

2 ـ إنّ المراد من هذا العالم وهذا العهد هو عالم الإِستعداد «والكفاءات»، و«عهد الفطرة» والتكوين والخلق. فعند خروج أبناء آدم من أصلاب آبائهم إلى أرحام الأُمهات، وهم نطف لا تعدو الذرات الصغار، وهبهم الله الإستعداد لتقبل الحقيقة التوحيدية، وأودع ذلك السرّ الإِلهي في ذاتهم وفطرتهم بصورة إحساس داخلي... كما أودعه في عقولهم وأفكارهم بشكل حقيقة واعية بنفسها.

فبناءً على هذا، فإنّ جميع أبناء البشر يحملون روح التوحيد، وما أخذه الله من عهد منهم أو سؤاله إيّاهم: ألست بربكم؟ كان بلسان التكوين والخلق، وما أجابوه كان باللسان ذاته!

[289]

ومثل هذه التعابير غير قليلة في أحاديثنا اليوميّة، إذ نقول مثلا: لون الوجه يُخبر عن سره الباطني «سيماهم في وجوهم»، أو نقول: إنّ عيني فلان المجهدتين تنبئان أنّه لم ينم الليلة الماضية.

وقد رُوي عن بعض أُدباء العرب وخطبائهم أنّه قال في بعض كلامِهِ: سَل الأرض من شق أنهارَكِ وغرس أشجارَكِ وأينع ثمارَكِ؟ فإنّ لم تُجبكَ حواراً أجابتك اعتباراً!...

كما ورد في القرآن الكريم التعبير على لسان الحال، كالآية (11) من سورة فصلت، إذ جاءَ فيها (فقال لها وللأرض إتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين).

هذا باختصار هو خلاصة الرأيين أو النظرتين المعروفتين في تفسير الآيات آنفة الذكر...

إلاّ أنّ التّفسير الأوّل فيه بعض الإشكالات، ونعرضها في ما يلي:

1 ـ ورد التعبير في نصّ الآيات المتقدمة عن خروج الذريّة من بني آدم من ظهورهم، إذ قال تعالى... (من بني آدم من ظهورهم ذريتهم) مع أنّ التّفسير الأوّل يتكلم عن آدم نفسه أو عن طينة آدم.

2 ـ إذا كان هذا العهد قد أُخذ عن وعي ذاتي وعن عقل وشعور، فكيف نسيه الجميعُ؟! ولا يتذكر أحد مع أنّ الفاصلة الزمانية بين زماننا ليست بأبعدَ مدىً من الفاصلة بين هذا العالم والعالم الآخر «أو القيامة»؟ ونحن نقرأ في آيات عديدة من القرآن الكريم أنّ الناس سواءً كانوا من أهل الجنّة أو من أهل النّار لا ينسون أعمالهم الدنيوية في يوم القيامة، ويتذكرون ما اكتسبوه بصورة جيدة، فلا يمكن أن يُوجَّه هذا النسيان العمومي في شأن عالم الذر أبداً «ولا مجال لتأويله!».

3 ـ أيّ هدف كان من وراء مثل هذا العهد؟! فإذا كان الهدف أن يسير المعاهدون، في طريق الحق عند تذكرهم مثل هذا العهد، وألاّ يسلكوا إلاّ طريق معرفة الله، فينبغي القول بأنّ مثل هذا الهدف لا يتحقق أبداً وبأي وجه كان، لأنّ

[290]

الجميع نسوه!!...

وبدون هذا الهدف يعدّ هذا العهد لغواً ولا فائدة فيه.

4 ـ إنّ الإِعتقاد بمثل هذا العالم يستلزم ـ في الواقع ـ القبول بنوع من التناسخ، لأنّه ينبغي ـ طبقاً لهذا التّفسير ـ أن تكون روح الإِنسان قد خلقت في هذا العالم قبل ولادته الفعلية، وبعد فترة طويلة أو قصيرة جاء إلى هذا العالم ثانيةً، وعلى هذا فسوف تحوم حوله كثيراً من الإِشكالات في شأن التناسخ!

غير أنّنا إذا أخذنا بالتّفسير الثّاني، فلا يرد عليه أيُّ إشكال ممّا سبق، لأنّ السؤال والجواب، أو العهد المذكور ـ عهد فطري، وما يزال كلّ منّا يحس بآثاره في أعماق روحه، وكما يعبر عنه علماء النفس بـ «الشعور الديني» الذي هو من الإِحساسات الأصيلة في العقل الباطني للإِنسان. وهذا الإِحساس يقود الإنسان على امتداد التأريخ البشري إلى «طريق» معرفة الله... ومع وجود هذا الإِحساس أو الفطرة لا يمكن التذرّع بأنّ أباءنا كانوا عبدةً للأصنام ونحن على آثارهم مقتدون!!....

(فطرةَ الله التي فطرَ الناسَ عليها)(1).

والإِشكال الوحيد الذى يَرِدُ على التّفسير الثّاني هو أنّ هذا السؤال والجواب يتخذ شكلا «كنائيّاً» ويتسم بلغة الحوار. إلاّ أنّه مع الإِلتفات إلى ما بيّناه آنفاً بأن مثل هذه التعابير كثير في لُغَةِ العرب وجميع اللغات، فلا يبقي أيّ إشكال في هذا المجال.

ويبدو أن هذا التّفسير أقرب من سواه!

_____________________________

1 ـ الروم، 30.

[291]

عالم الذر في الرّوايات الإِسلاميّة:

وردت روايات كثيرة في مختلف المصادر الإِسلاميّة من كتب الشيعة وأهل السنة حول عالم الذّر... بحيث تتصور لأوّل وهلة وكأنّها رواية متواترة... فمثلا في تفسير البرهان وردت 37 روايةً، وفي تفسير نور الثقلين وردت ذيل الآيات الآنفة 30 رواية بعضها مشترك والآخر مختلف، وبملاحظة الإِختلاف فيها فقد يصل مجموع ما ورد من الرّوايات إلى أربعين روايةً....

إلاّ أنّنا سنجد ـ بعد التدقيق في مضامينها ومحتواها وتقسيمها إلى مجاميع، وفحصها ـ أنّه لا يمكن أن نعثر رواية واحدة معتبرة منها، فكيف يمكن الإِعتقاد بتواترها؟!

إنّ أكثر تلك الرّوايات منقول عن زرارة، وبعضها عن صالح بن سَهْل، وبعضها عن أبي بصير، وبعضها عن جابر، وبعضها عن عبدالله بن سنان، ومن ذلك يظهر لنا أنّه لو روى شخص واحد روايات كثيرة لكنّها متحدة المضمون فهي تعد بحكم الرواية الواحدة، وبناءً على ذلك فسيقلّ عدد تلك الرّوايات الكثيرة وتتضاءل نسبتها وتبلغ ما بين 10 إلى 20 رواية، هذا من ناحية السند.

أمّا من ناحية المضمومن والدليل فإنّ مضامينها تختلف بعضها عن بعض، فمنها ما يوافق التّفسير الأوّل، ومنها ما يوافق التّفسير الثّاني، وبعضها لا يوافق التّفسيرين...

فالرّوايات المرقمة (3) و(4) و(8) و(11) و(28) و(29) والمروية عن زرارة في تفسير البرهان ـ ذيل الآيات محل البحث ـ تتفق والتّفسير الأوّل. وما روى عن عبدالله بن سنان في الروايتين (7) و(12) في تفسير البرهان نفسه، يتفق والتّفسير الثاني...

أي أنّ بعض هذه الرّوايات مبهم، وبعضها يمثّلُ رموزاً وعبارات مجازية، كما في الروايتين (18) و(23) المرويتين عن أبي سعيد الخدري وعبدالله الكلبي،

[292]

الواردتين في التّفسير آنف الذكر.

وبعض الرّوايات يذكر «أرواح بني آدم» كما في الرواية (20) المرويّة عن المفضّل!...

ثمّ إن الرّوايات ـ المذكورة آنفاً ـ بعضها ذو سند معتبر، وبعضها فاقد للسند أو مرسل.

فبناءً على ذلك ـ وبملاحظة التعارض بين الرّوايات ـ لا يمكننا التعويل عليها على أنّها وثيقة معتبرة... وكما عبّر أكابر علمائنا في مثل هذه الموارد فإنّه ينبغي أن نتجنّب الحكم على مثل هذه الرّوايات، وأن نكلها إلى أصحابها ورواتها.

وفي هذه الصورة نبقى متمسّكين بالنص القرآني، وكما ذكرنا أنفاً فإن التّفسير الثّاني أكثر انسجاماً مع الآيات.

ولو كان أسلوبُنا في البحث التفسري يسمح لنا أن نذكر جميع طوائف الرّوايات، والتحقيق فيها ـ كنا أشرنا آنفاً ـ لفعلنا ذلك ليكون البحث أكثر وضوحاً.

إلاّ أنّ الراغبين يمكنهم الرجوع إلى التّفسير «نور الثقلين، وتفسير البرهان، وبحار الأنوار»، وليبحثوا في مجاميعها ويصنفوها، وينظروا في أسانيدها ومضامينها.

* * *

[293]

الآيات

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِى ءَاتَيْنَـهُ ءَايَـتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَـنُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الاَْرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَيهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَومِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِايَـتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَآءَ مَثَلا الْقَومُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِايَـتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ(177)مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِى وَمَن يُضْلِلْ فَأُولَـئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ(178)

التّفسير

في هذه الآيات إشارة لقصّة أُخرى من قصص بني إسرائيل، وهي تعد مثلا وأنموذجاً لجميع أُولئك الذين يتصفون بمثل هذه الصفات.

وكما سنلاحظ خلال تفسير الآيات ـ محل البحث ـ فإنّ للمفسّرين احتمالات متعددة في الذي تتحدث عنه أو (عليه) الآيات ... إلاّ أنّه ممّا لا ريب

[294]

فيه أن مفهوم الآيات ـ كسائر الآيات النازلة في ظروف خاصّة ـ عامٌ وشامل.

والآية الأُولى من هذه الآيات يُخاطَبُ بها النّبيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث يقول القرآن الكريم(واتلُ عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين).

فهذه الآية واضحة أنّها تحكي قصّة رجل كان في البداية في صف المؤمنين، وحاملا للعلوم الإِلهية والآيات، إلاّ أنّه إنحرف عن هذا النهج، فوسوس له الشيطان، فكانت عاقبة أمره أن انجرّ إلى الضلال والشقاء!...

والتعبير بـ «إنسلخ» وهو من مادة «الإنسلاخ» معناه في الأصل الخروج من الجلد... يدلّ على أن الآيات والعلوم الإِلهية كانت تحيط به إحاطة الجلد بالبدن، إلاّ أنّه خرج منها على حين غرّة واستدار إلى الوراء وغيّر مسيره بسرعة!

كما أنّ التعبير القرآني «فأتبعه الشيطان» يستفاد منه أنّ الشيطان كان أوّل الأمر آيساً منه تقريباً، لأنّه كان يسلك سبيل الحق تماماً، وبعد أن انحرف لحقه الشيطان وتربص له وأخذ يوسوس له حتى انتهى أمره إلى أن يكون من الضالين المنحرفين الأشقياء(1).

والآية التّالية تكمل هذا الموضوع على النحو التّالي (ولو شئنا لرفعناه بها).

إلاّ أن من المسلّم أنّ إكراه الناس وإجبارهم على أن يسلكوا سبيل الحق لا ينسجم والسنن الإلهية وحرية الإِدارة، ولا يكون ذلك دليلا على عظمة الشخص، لهذا فإنّ الآية تضيف مباشرة. إنّنا تركناه وهواه، وبدلا من أن ينتفع من معارفه فإنّه هوى وانحطّ (ولكنّه أخلد إلى الأرض واتبع هواه).

وكلمة (أخلد) من (الإِخلاد) وهي تعني السكن الدائم في مكان واحد مع حرية الإِرادة، فجملة (أخلد إلى الأرض) تعني اللصوق الدائم بالأرض، وهي

_____________________________

1 ـ تبع واتبع بمعنى لحق أو أدرك.

[295]

كناية عن عالم المادة وبهارجها، واللذائذ غير المشروعة للحياة المادية.

ثمّ تشبّه الآية هذا الفرد بالكلب الذي يُخرج لسانه لاهثاً دائماً كالحيوانات العطاشى فتقول (فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث).

فهو لفرط اتّباعه الهوى وتعلقه بعالم المادة انتابته حالة من التعطش الشديد غير المحدود وراء لذائذ الدنيا، وكل ذلك لم يكن لحاجة، بل لحالة مرضيّة، فهو كالكلب المسعور الذي يظهر بحالة عطش كاذب لا يمكن إرواؤها وهي حالة عبيد الذين لا يهمهم غير جمع المال واكتناز الثروة فلا يحسون معه بشبع أبداً.

ثمّ تضيف الآية: إنّ هذا المثال الخاص لا يتعلق بفرد معين، بل: (ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون).

العالِم المنحرف «بلعم بن باعوراء»:

كما لاحظنا أنّ الآيات السالِفة لم تذكر اسم أحد بعينه، بل تحدثت عن عالم كان يسير في طريق الحق ابتداءً وبشكل لا يفكر معه أحد بأنّه سينحرف يوماً، إلاّ أنّه نتيجةً لإتّباعه لهوى النفس وبهارج الدنيا انتهى إلى السقوط في جماعة الضالين وأتباع الشياطين.

غير أنّنا نستفيد من أغلب الرّوايات وأحاديث المفسّرين أن هذا الشخص يسمّى (بعلم بن باعوراء) الذي عاصر النّبي موسى(عليه السلام) وكان من مشاهير علماء بني إسرائيل، حتى أن موسى(عليه السلام) كان يعوّل عليه على أنّه داعية مقتدر، وبلغ أمره أن دعاءه كان مستجاباً لدى الباري جل وعلا، لكنّه مال نحو فرعون وإغراءاته فانحرف عن الصواب، وفقد مناصبه المعنوية تلك حتى صار بعدئذ في جبهة أعداء موسى(عليه السلام)(1).

_____________________________

1 ـ في التوراة الحالية نجد ورود قضية «بلعم بن باعوراء» أيضاً، إلاّ أنّ التوراة تبرئه في النهاية من الإِنحراف، يراجع بذلك سفر الأعداد الباب 22.

[296]

إلاّ أننا نستبعد ما يحتمله بعضهم من أن المقصود هو (أمية بن الصلت) الشاعر المعروف في زمان الجاهلية، الذي كان باديء أمره ونتيجة لإطلاعه على الكتب السماوية ينتظر نبي آخر الزمان، ثمّ حصل له هاجس أن النّبي قد يكون هو نفسه، ولذلك بعد أن بُعث النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أصابه الحسد له وعاداه.

وبعيد كذلك ما إحتمله بعضهم من أنّه كان (أبا عامر) الراهب المعروف في الجاهلية، الذي كان يبشر الناس بظهور رسول الإِسلام(صلى الله عليه وآله وسلم) لكنّه بعد ظهوره صار من أعدائه. لأنّ جملة (واتل) وكلمة (نبأ) وجملة (فاقصص القصص) تدل على أنّ تلك الأُمور لا تتعلق بأشخاص عاصروا الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم). بل بأقوام سابقين، مضافاً إلى تلك فإنّ سورة الأعراف من السور المكية وقضيتا [أبي عامر الراهب[ و[أمية بن الصلت[ تتعلقان بحواث المدينة.

ولكن بما أن أشخاصاً على غرار «بلعم» كانوا موجودين في عصر النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كـ (أبي عامر) و(أمية بن الصلت) فإنّ الآيات محل البحث تنطبق على هذه الموارد في كل عصر وزمان، وإلاّ فإنّ مورد القصّة هو «بلعم بن باعوراء» لاغير.

وقد نقل تفسير (المنار) عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن مثل بلعم بن باعوراء في بني إسرائيل كأُمية بن أبي الصلت في هذه الأُمّة.

وورد عن الإِمام الباقر(عليه السلام) أنّه قال: «الأصل من ذلك بلعم، ثمّ ضربه الله مثلا لكل مؤثر هواه على هوى الله من أهل القبلة».

ومن هذا يتبيّن أن الخطر الاكيد الذي يهدد المجتمعات الإِنسانية هو خطر المثقفين والعلماء الذين يسخّرون معارفهم للفراعنة والجبارين لأجل أهوائهم وميولهم الدنيوية (والإِخلاد إلى الأرض) ويضعون كل طاقاتهم الفكرية في سبيل الطاغوت الذي يعمل ما في وسعه لإِستغلال مثل هذه الشخصيات لإغفال وإضلال عامّة الناس.

ولا يختص الأمر بزمن النّبي موسى(عليه السلام) أو غيره من الأنبياء، بل حتى بعد

[297]

عصرالنّبي الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يومنا هذا نجد أمثال بلعم بن باعوراء وأبي عامر الراهب وأمية بن الصلت، يضعون علومهم ومعارفهم ونفوذهم الإِجتماعي من أجل الدرهم والدينار، أو المقام، أو لأجل الحسد، تحت إختيار المنافقين وأعداء الحق والفراعنة أمثال بني أمية وبني العباس وسائر الطواغيت.

ويمكن معرفة أُولئك العلماء من خلال أوصاف أشارت إليها الآيات محل البحث، فإنّهم ممن نسي ربّه واتبع هواه، وهم ذوو نزوات سخروها للرذيلة بدل التوجه نحو الله وخدمة خلقه، وبسبب هذا التسافل فقدوا كل شيء ووقعوا تحت سلطة الشيطان ووساوسِه، فسهل بيعهم وشراؤهم، وهم كالكلاب المسعورة التي لا ترتوي أبداً، ولهذه الأُمور ترك هؤلاء سبيل الحقيقة وضلوا عن الطريق حتى غدوا أئمّة الضلال.

ويجب على المؤمنين معرفة مثل هؤلاء الأشخاص والحذر منهم وإجتنابهم.

والآيتان التاليتان ـ كنتيجة عامّة وشاملة لقضية ـ (بلعم) والعلماء الدنيويين فتقول أُولاهما (ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون).

فما أفحش ظلم الإنسان لنفسه وهو يسخّر ملكاته المعنوية وعلومه النافعة التي بإمكانها أن تعود عليه وعلى مجتمعه بالخير ـ ويضعها تحت إختيار المستكبرين وأصحاب القدرة الدنيوية ويبيعها بثمن بخس فيؤدي ذلك إلى سقوطه وسقوط المجتمع والآية الاخيرة تحذّر الإنسان وتؤكّد له أن الخلاص من مثل هذا الإِنحراف وما يكيده الشياطين لا يمكن إلاّ بتوفيق وتسديد من الله عزوجل (من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأُولئك هم الخاسرون).

وتقدم كرّات بأنّ (الهداية) و(الإِضلال) الإِلهيين لا يعدان إجباراً ولا بدون حساب أو دليل، ويقصد بهما إعداد الأرضية للهداية وفتح سبلها أو إيصادها، وذلك بسبب الأعمال الصالحة أو الطالِحة التي صدرت من الإِنسان من قبْل، وعلى أية حال فالتصميم النهائي بيد الإِنسان نفسه...

[298]

فبناءً على هذا فإنّ الآية محل البحث تنسجم مع الآيات المتقدمة التي تذهب إلى أصل حرية الإِرادة... ولا منافاة بين هذه الآية وتلكم الآيات بتاتاً...

* * *

[299]

الآيات

وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرَاً مِّنَ الجِنِّ وَالاِْنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ  لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءاَذانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُولَئِكَ كَالاْنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَـئِكَ هُمُ الْغَـفِلُونَ (179) وَللهِ الاَْسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أسْمَـئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون (180)وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُون(181)

التّفسير

علائم أهل النّار:

هذه الآيات تكمل الموضوع الذي تناولته الآيات المتقدمة حول العلماء الذين ركنوا إلى الدنيا، وعوامل الهداية والضلال. والآيات ـ محل البحث ـ تقسم الناس إلى مجموعتين... وتحكي عن صفاتهما وهما أهل النّار، وأهل الجنّة.

فتتحدث عن المجموعة الأُولى ـ أهل النّار أوّلا، فتأتي بالقسم والتوكيد فتقول (ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإِنس).

وكلمة «ذرأنا» مشتقّة من «ذَرَأَ»، وتعني هنا الإِيجاد والخلق، غير أنّها في

[300]

أصل اللغة تعني نشر الشيء وتفريقه، وقد وردت بهذا المعنى «الثّاني» في القرآن أيضاً، كما في عبارة (تذروه الرّياح)(1).

ولأنّ خلق الكائنات يستلزم تفريقها وتوزيعها وانتشارها على وجه الأرض، فقد جاءت هذه الكلمة بمعنى خلق «المخلوق» أيضاً:

وعلى كل حال، فإنّ الإشكال المهم في هذا التعبير هو كيف قال الله سبحانه (ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس)؟ في حين قال في مكان آخر (وما خلقت الجن والإِنس إلاّ ليعبدون)(2) وطبقاً لمعنى هذه الآية فإنّ الجن والإنس لم يخلقوا لغير عبادة الله والرقي والتكامل والسعادة، أضف إلى ذلك أنّ هذا التعبير تُشمّ منه رائحة الجبر في الخلق، ومن هنا فقد استدل بعض مؤيدي مدرسة الجبر من أمثال الفخر الرازي بهذه الآية لإثبات مذهبه.

لكنّنا لو ضممنا آيات القرآن بعضها إلى بعض وبحثناها موضوعيّاً دون أن نُبتلى بالسطحيّة، لوجدنا الجواب على هذا السؤال كامناً في الآية محل البحث ذاتها، كما هو بيّن في آيات أُخرى من القرآن الكريم أيضاً ... بحيث لا يدع مجالا لأنّ تُستغل الآية ليُساء فهمها لدى بعض الأفراد. مثلُ هذا التعبير كمثل قول النجار إذ يقول مثلا: إنّ قسماً كبيراً من هذا الخشب وقد هيأته لكي أصنع منه أبواباً جميلة، والقسم الآخر هو للإحراق والإضرام... فالخشب الرائق الجيّد المناسب سأستعمله للقسم الأوّل، وأمّا الخشب الرديء غير المناسب فسأدعه للقسم الثّاني.

ففي الحقيقة أنّ للنجار هدفين: هدفاً «أصيلا» وهدفاً (تبعيّاً).

فالهدف الأصيل هو صنع الأبواب والأُطر الخشبيّة الجيّدة وما إلى ذلك، وهو يبذل قصارى جهده وسعيه في هذا المضمار...

إلاّ أنّه حين يجد أنّ بعض الخشب لا ينفعه شيئاً، فسيكون مضطراً إلى نبذه

_____________________________

1 ـ الكهف، 45.

2 ـ سورة الذاريات: 56.

[301]

ليكون حَطباً للحرق والإشعال، فهذا الهدف «تبعيّ» لا أصلي.

والفرق الوحيد بين هذا المثال وما نحن فيه، أنّ الإختلاف بين أجزاء الخشب ليس اختياراً، واختلاف الناس له صلة وثيقة بأعمالهم أنفسهم، وهم مختارون وإرادتهم حرّة بإزاء أعمالهم.

وخير شاهد على هذا الكلام ما جاء من صفات لأهل النّار وصفات لأهل الجنّة في الآيات محل البحث، التي تدل على أنّ الأعمال هي نفسها أساس هذا التقسيم، إذ كان فريق منهم في الجنّة، وفريق في السعير.

وتعبير آخر فإنّ الله سبحانه ـ ووفقاً لصريح آيات القرآن المختلفة ـ خلق الناس جميعهم على نسق واحد طاهرين، ووفّر لهم أسباب السعادة والتكامل، إلاّ أنّ قسماً منهم إختاروا بأعمالهم جهنم فكانوا من أهلها فكان عاقبة أمرهم خُسراً ... وأن قسماً منهم إختاروا بأعمالهم الجنّة وكان عاقبة أمرهم السعادة....

ثمّ يلخّص القرآن صفات أهل النّار في ثلاث جمل، إذ تقول الآية: (لهم قلوب لا يفقهون بها)...

وقد قلنا مراراً: إنّ التعبير بـ «القلب» في مصطلح القرآن يعني الفكر والروح وقوّة العقل، أي أنّهم بالرّغم ممّا لديهم من استعداد للتفكير، وأنّهم ليسوا كالبهائم فاقدي الشعور والإِدراك، إلاّ أنّهم في الوقت ذاته لا يفكرون في عاقبتهم ولا يستغلون تفكيرهم ليبلغوا السعادة.

والصفة الثّانية التي ذكرتها الآية لأهل النّار (ولهم أعين لا يبصرون بها).

والصفة الثّالثة الواردة في حقهم (ولهم آذان لا يسمعون بها أُولئك كالأنعام بل هم أضل).

لأنّ البهائم والأنعام لا تملك هذه الإِستعدادات والإِمكانات، إلاّ أنّهم بما لديهم من عقل سالم وعين باصرة وأذن سامعة، بإمكانهم أن يبلغوا كل مراتب الرقي والتكامل، إلاّ أنّهم نتيجةً لإتباعهم هواهم ورغبتهم ـ بكل هذه التوافه من

[302]

الأُمور تركوا هذه الإِستعدادات جانباً ... وكان شقاؤهم كبيراً لهذا السبب: (أُولئك هم الغافلون).

فالمعين الذي يحييهم ويروي ظمأهم موجود إلى جانبهم وهم على مقربة منه، إلاّ أنّهم يتصارخون من الظمأ. وأبواب السعادة مفتحة أمامهم لكنّهم لا يلتفتون إليها.

ويتّضح ممّا ذكرناه أنفاً أنّهم إختاروا بأنفسهم سُبلَ شقائهم وهدروا النعم الكبرى «العقل والعين والأذن ...» لا أنّ الله أجبرهم على أن يكونوا من أهل النّار.

لماذا هم كالأنعام؟

لقد شبّه القرآن الكريم الجاهلين الغافلين عديمي الشعور بالأنعام والبهائم مراراً، إلاّ أن تشبيه القرآن هؤلاء بالأنعام لعلّه بسبب إنهماكهم باللذائذ والشهوات الجنسية والنوم فحسب، فهم كالأُمم التي تحلم في الوصول إلى حياة مادية مرفهة تحت شعارات برّاقة تخدع الإِنسان بأنّ آخر هدف للعدالة الإِجتماعية والقوانين البشرية هو الحصول على الخبز والماء...

وكما يشبهها الإِمام علي(عليه السلام) في نهج البلاغة قائلا: «كالبهيمة المربوطة همّها علفها، أو المرسلة شغلها تقممها»(1).

وبتعبير آخر: إنّ جماعة منهم تنعم بالرفاه كالأغنام المربوطة التي تُدجن لتسمن، وجماعة آخرين كالغنم السائمة الباحثة عن العلف والماء في الصحراء، إلاّ أن هدف كل منهما هو ما يشبع البطن ليس إلاّ!.

وهذا الذي ذكرناه أنفاً قد يصدق على شخص معين كما قد يصدق أُمّة كاملة برمّتها، فالأُمم التي لا تفكر بنفسها وتتلّهى بالأُمور التافهة غير الصائبة، ولا تعالج

_____________________________

1 ـ نهج البلاغة، من كتاب له و 24 رقم 45.

[303]

جذور شقائها ولا تطمح لأسباب الرقّي، ليس لها آذان سامعة ولا أعين باصرة، فهي من أهل النّار أيضاً، لا نار القيامة فحسب، بل هي مبتلاة بنار الدنيا وشقائها كذلك.

وفي الآية التّالية إشارة إلى حال أهل الجنّة وبيان لصفاتهم، فتبدأ الآية بدعوة الناس إلى التدبّر والتوجّه إلى أسماء الله الحسنى كمقدمة للخروج من صف أهل النّار، فتقول: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها).

والمرد من «أسماء الله الحسنى» هي صفات الله المختلفة التي هي حُسنى جميعاً، فنحن نعرف أنّ الله عالم قادر رازق عادل جواد كريم رحيم، كما أنّ له صفات أُخرى حسنى من هذا القبيل أيضاً.

فالمراد من دعاء الله بأسمائه الحسنى، ليس هو ذكر هذه الألفاظ وجريانها على اللسان فحسب، كأن نقول مثلا: يا عالم يا قادر يا أرحم الراحمين. بل ينبغي أن نتمثّلَ هذه الصفات في وجودنا ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، وأن يشع إشراق من علمه وشعاع من قدرته وجانب من رحمته الواسعة فينا وفي مجتمعنا.

وبتعبير آخر: ينبغي أن نتّصف بصفاته ونتخلّق بأخلاقه، لنستطيع بهذا الشعاع، شعاع العلم والقدرة والرحمة والعدل أن نخرج أنفسنا ومجتمعنا الذي نعيش فيه من سلك أهل النّار...

ثمّ تحذر الآية من هذا الأمر، وهو أن لا تُحرّف أسماؤه فتقول: (وذروا الذين يُلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون).

والإلحاد ـ في الأصل ـ مأخوذ من مادة «اللَّحْد» على زنة «المَهْد» التي تعني الحفرة التي تقع في طرف واحد، وعلى هذا الأساس فقد سمّيت الحفرة التي تكون في جانب القبر «لحداً».

ثمّ أُطلق هذا الإِستعمال «الإِلحاد» على كل عمل ينحرف عن الحدّ الوسط نحو الإِفراط أو التفريط، ولذلك فقد سمّي الشرك وعبادة الأوثان إلحاداً أيضاً.

[304]

والمقصود من الإِلحاد في أسماء الله هو أن نحرف ألفاظها أو مفاهيمها. بحيث نصفه بصفات لا تليق بساحته المقدسة، كما يصفه المسيحيون بالتثليث «الله والابن وروح القدس» أو أن نطبّق صفاته على المخلوقين كما فعل ذلك المشركون وعبدة الأوثان إذ اشتقوا لأصنامهم أسماءً من أسماء الله فسمّوها... اللات والعزّى ومناة ..(وغيرها) فهذه الأسماء مشتقّة من الله والعزيز والمنان «على التوالي».

أو أنّهم حرفوا صفاته حتى شبّهوه بالمخلوقات، أو عطلوا صفاته، وما إلى ذلك.

أو أنّهم اكتفوا بذكر الإسم فحسب دون أن يتمثلوه ويعرفوا آثاره في أنفسهم وفي مجتمعاتهم.

وفي آخر آية من الآيات محل البحث إشارة إلى صفتين من أبرز صفات أهل الجنّة، إذ تقول الآية: (وممن خلقنا أُمّة يهدون بالحقّ وبه يعدلون).

وفي الواقع، إنّ لأهل الجنّة منهجين ممتازين فأفكارهم وأهدافهم ودعواتهم وثقافاتهم حقّة، وهي في اتجاه الحق أيضاً، كما أنّ أعمالهم وخططهم وحكوماتهم قائمة على أساس الحق والحقيقة.

* * *

بحوث

1 ـ ما هي الأسماء الحسنى؟

في كتب الأحاديث «لأهل السنة والشيعة» أبحاث كثيرة عن أسماء الله الحسنى، نورد خلاصتها في هذا المجال مضافاً إليها ما نعتقده نحن في هذا الصدد.

لا شك أنّ الأسماء الحسنى تعني الأسماء الكريمة، ونحن نعرف أن أسماء الله كلّها تحمل مفاهيم حُسنى، ولذلك فجميع أسمائه أسماءُ حسنى، سواءً كانت صفات لذاته المقدّسة الثبوتية كالعلم والقادر، أم كانت صفات سلبية كالقُدّوس

[305]

مثلا، أو صفات تحكي فعلا من أفعاله كالخالق أو الغفور أو الرحمان أو الرحيم الخ...

ومن ناحية أُخرى، لا شك أنّ صفات الله لا يمكن إحصاؤها، لأنّ كمالاته غير متناهية، ويمكن أن يذكر لكل صفة من صفاته أو كمال من كمالاته اسم...

إلاّ أن ما نستفيده من الأحاديث أنّ لبعض صفاته أهمية أكثر من سواها، ولعل «الأسماء الحسنى» الواردة من الآية في الآية محل البحث إشارة إلى هذه الطائفة من الأسماء المتميّزة، إذ ورد عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة(عليهم السلام) من أهل بيته روايات كثيرة بهذا المعنى كالرواية الواردة في كتاب التوحيد «للصّدوق» عن أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق، عن آبائه(عليهم السلام)، عن أمير المؤمنين علي(عليه السلام) أنّه قال: «قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ لله تبارك وتعالى تسعةً وتسعين إسماً ـ مئة إلاّ واحدة ـ من أحصاها دخل الجنّة »(1).

كما ورد في كتاب التوحيد عن الإِمام علي بن موسى الرّضا(عليه السلام) عن آبائه عن علي(عليه السلام) أنّه قال: «إنّ لله عزوجل تسعة وتسعين إسماً من دعا الله بها استجاب له ومن أحصاها دخل الجنّة»(2).

وقد جاء في كتب أحاديث (أهل السنَّة) «كما في كتاب صحيح البخاري وصحيح مسلم ... والترمذي وكتب أُخرى» هذا المضمون ذاته: إنّ لله تسعة وتسعين إسماً فمن دعاء بها استجاب دعاءَه، ومن أحصاها فهو من أهل الجنّة(3).

ويستفاد من بعض الأحاديث أن هذه الأسماء التسعة والتسعين كلها في القرآن، كالرّواية الواردة عن ابن عباس أنّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لله تسعة وتسعون

_____________________________

1 ـ تفسير الميزان، ومجمع البيان، ونور الثقلين، ذيل الآية.

2 ـ تفسير الميزان، ومجمع البيان، ونور الثقلين.

3 ـ المصدر السابق.

[306]

إسماً من أحصاها دخل الجنّة، وهي في القرآن»(1).

ولذلك فقد سعى جماعة من العلماء إلى أن يستخرجوا أسماء الله الحسنى من القرآن، إلاّ أن ما جاء في القرآن من أسماء وصفات لله سبحانه تزيد على تسعة وتسعين إسماً، فبناءً على ذلك لعل الأسماء الحسنى من بين تلك الأسماء، لا أنّه لا يوجد في القرآن غير تسعة وتسعين اسماً لله المشار إليها آنفاً (في بعض الأحاديث)...

وقد صّرحت بعض هذه الرّوايات بالأسماء الحسنى «التسعة والتسعين»... ونحن نوردها هنا، إلاّ أنّه ينبغي الإِلتفات إلى أن بعض هذه الأسماء الواردة في هذه الرواية لم ترد في القرآن بالصيغة الواردة في الرواية ذاتها وإنّما ورد مضمونها أو مفهومها في القرآن.

فقد جاء في الرّواية المنقولة في كتاب «التوحيد» للصّدوق عن الإمام الصادق عن آبائه عن علي عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فبعد أن أشار(عليه السلام) إلى أنّ لله تسعة وتسعين إسماً قال وهي: «الله، الإله، الواحد، الأحد، الصمد، الأول، الآخر، السميع، البصير، القدير، القادر، العلي، الأعلى، الباقي، البديع، الباري، الأكرم، الباطن، الحي، الحكيم، العليم، الحليم، الحفيظ، الحق، الحسيب، الحميد، الحفي، الرب، الرحمن، الرحيم، الذاريء، الرازق، الرقيب، الرؤوف، الرائي، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، السيد، السبّوح، الشهيد، الصادق، الصانع، الظاهر، العدل، العفو، الغفور، الغني، الغياث، الفاطر، الفرد، الفتاح، الفالق، القديم، الملك، القدوس، القوي، القريب، القيّوم، القابض، الباسط، قاضي الحاجات، المجيد، المولى، المنان، المحيط، المبين، المغيث، المصوّر، الكريم، الكبير، الكافي، كاشف الضر، الوتر، النور، الوهّاب، الناصر، الواسع، الودود، الهادي،

_____________________________

1 ـ المصدر السابق.

[307]

الوفي، الوكيل، الوارث، البرّ، الباعث، التواب، الجليل، الجواد، الخبير، الخالق، خير الناصرين، الديان، الشكور، العظيم، اللطيف، الشافي»(1)

لكن الأهم ـ هنا ـ وينبغي ملاحظته والإِلتفات إليه، هو أنّ المراد من دعاء الله بأسمائه الحسنى هل يعني أن نعدّ هذه الأسماء أو أن نجريها على الألسنة فحسب، بحيث أن من ذكر هذه التسعة والتسعين إسماً دون أن يتمثل محتواها ويفهمها كان من السعداء، أو أنّه ستجاب دعوته. بل الهدف هو أن يؤمن الإِنسان بهذه الأسماء والصفات، ثمّ يسعى ـ ما استطاع إلى ذلك سبيلا ـ لأنّ يعكس في وجوده إشراقاً من مفاهيم تلك الأسماء، أي للعالم، القادر، الرحمان، الرحيم، الغفور، القوي، الغني، الرازق، وأمثالها. فإنّ كان كذلك كان من أهل الجنّة، وكان دعاؤه مستجاباً ونال كل خير قطعاً.

ويستفاد ضمناً ممّا ذكرناه آنفاً أنّه لو وردت في بعض الرّوايات الأُخرى والأدعية أسماء غير هذه الأسماء لله سبحانه، حتى لو وصلت إلى الألف ـ مثلا ـ فلا منافاة بينها وبين ما نقلناه هنا أبداً، لأنّ أسماء الله لا حد لها ولا حصر، وهي ـ كذاته وكمالاته ـ لا نهاية لها. وإن كان لبعض هذه الأسماء أو الصفات ميزات خاصّة.

من ذلك الرواية الواردة في أُصول الكافي عن الإِمام الصادق(عليه السلام) في تفسير هذه الآية، إذ يقول: «نحن والله الأسماء الحسنى»(2) فهي إشار إلى أن إشعاعاً من صفاته قد انعكس فينا، فمن عرفنا فقد عرف ذاته المقدسة...

أو أنّه لو ورد مثلا في بعض الأحايث أنّ جميع الأسماء الحسنى تتلخص في التوحيد الخالص، فإنّما هو لأن جميع صفاته ترجع إلى ذاته المقدسة.

ويشير الفخر الرازي في تفسيره إلى أمر قابل للملاحظة، وهو أنّ جميع

_____________________________

1 ـ الميزان، ج8، ص 376، نقلا عن التوحيد للصدوق.

2 ـ نور الثقلين، ج2، ص 103.

[308]

صفات الله تعالى يعود إلى إحدى حقيقتين «إستغناء ذاته عن كل شيء» أو «احتياج الآخرين إلى ذاته المقدسة...»(1).

2 ـ الأُمّةُ الهُداة!

قرأنا في الآيات محل البحث أنّ طائفة من عباد الله يدعون نحو الحق ويحكمون به (وممن خلقنا أُمّة يهدون بالحق وبه يعدلون).

هناك تعبيرات مختلفة في الرّوايات الواردة في كتب الأحاديث الإِسلامية، في المراد من هذه الأمّة. ومن جملة هذه الرّوايات ما ورد عن أميرالمؤمنين أنّه قال(عليه السلام). المراد من الآية هو «أمّة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)»(2).

ويعني الإِمام بهم أتباع النّبي الصادقين المنزّهين عن كل بدعة وانحراف و تغيير أو حياد من تعاليمه الكريمة...

ولهذا فقد ورد في حديث آخر عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «والذي نفسي بيده لتَفرقنَ هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النّار إلاّ فرقة (وممن خلقنا أُمّة يهدون بالحق وبه يعدلون)، وهذه التي تنجو من هذه الأُمّة».

ولعل العدد ـ 73 ـ للكثرة، وهو إشارة إلى الطوائف المختلفة التي ظهرت في طول تاريخ الإسلام في عقائد عجيبة غريبة، ولحسن الحظ قد انقرض أغلبها فلم يبق منها إلاّ أسماؤها في كتب «تاريخ العقائد».

وفي حديث آخر ورد في كتب أهل السنة عن الإِمام علي(عليه السلام) ضمن إشارته لإختلاف الأُمم التي تظهر بعدئذ في الأُمّة الإِسلامية، أن قال(عليه السلام) «الفرقة الناجية أنا وشيعتي وأتباع مذهبي»(3).

_____________________________

1 ـ تفسير الفخر الرازي، ج 15، ص 66.

2 ـ نورالثقلين، ج2، ص 105.

3 ـ تفسير البرهان، ج2، ص 53.

[309]

وجاء في بعض الرّوايات الأُخرى أنّ المراد من قول تعالى: (وممن خلقنا أُمّة يهدون بالحق)، هم الأئمّة من أهل البيت(عليهم السلام)»(1).

وواضح أنّ الرّوايات المذكورة أنفاً كلّها تعالج حقيقةً واحدة، وهي بيان للمصاديق المختلفة لهذه الحقيقة، وهي أن الآية تشير إلى أُمّة تدعو إلى الحق وتعمل بالحق وتحكم به، وتسير في مسير الإِسلام الصحيح. غاية ما في الأمر أنّ بعضهم في قمة هذه الأُمّة ورأسها وبعضهم في مراحل أُخر...

وممّا يسترعي النظر أنّ هؤلاء الذين عبّرت عنهم الآية بقولها (وممن خلقنا أُمّة يهدون) على اختلاف لغاتهم وقوميّاتهم ومراحلهم العلمية وأمثالها، هم أُمّة واحدة لا غير، ولذلك فإنّ القرآن قال عنهم: (أُمّة يهدون بالحق وبه يعدلون)ولم يعبر عنهم بـ «أُمم يهدون إلخ ...».

3 ـ اسم الله الأعظم

جاء في بعض الرّوايات عن قصة بلعم بن باعورا الذي ورد ذكره ـ آنفاً ـ أنّه كان يعرف الإسم الأعظم، ولا بأس أن نشير إلى هذا الموضوع لمناسبة وُرود الأسماء الحُسنَى في الآيات محل البحث...

فقد وردت روايات مختلفة في شأن الإِسم الأعظم، ويستفاد منها أن من يعرف الإِسم الأعظم لا يكون مستجاب الدعاء فحسب، بل تكون له القدرة على أن يتصرف في عالم الطبيعة وأن يقوم بأعمال مهمّة...

والإسم الأعظم، أيُّ اسم هو من أسماء الله؟!

بحث علماء الإسلام كثيراً في هذا الشأن، وأغلب أبحاثهم تدور في أن يعثروا على اسم من بين أسماء الله له هذه الخصوصيّة العجيبة والأثر الكبير.

_____________________________

1 ـ نور الثقلين، ج2، ص 104 ـ 105.

[310]

إلاّ أن الأهم في البحث أن نعثر على اسم أو صفة من صفاته تعالى بتطبيقها على وجودنا نحصل على تكامل روحي تترتب عليه تلك الآثار.

وبتعبير آخر: إنّ المسألة المهمّة هي التخلق بصفات الله والإِتصاف بها ووجودها في الإِنسان، وإلاّ كيف يمكن أن يكون الشخص الرديء الوضيع مستجاب الدعوة بمجرّد معرفته الإِسم الأعظم؟!

وإذا ما سمعنا أنّ بلعمَ بن باعوراء كان لديه هذا الإِسم الأعظم إلاّ أنّه فقده، فمفهوم هذا الكلام أنّه كان قد بلغ ـ بسبب بناء شخصيته وإيمانه وعلمه وتقواه ـ إلى مثل هذه المرحلة من التكامل المعنوي، بحيث كان مستجاب الدعوة عند الله، إلاّ أنّه سقط أخيراً في الوحل، فقد تلك الروحية بسبب اتباعه لهوى النفس وإنقياده لفراعنة زمانه، ولعل المراد من نسيان الإِسم الأعظم هو هذه الحالة أو هذا المعنى.

كما أنّنا لو قرأنا ـ أيضاً ـ أن الأنبياء والأئمّة الكرام كانوا يعرفون الإِسم الأعظم، فمهفوم هذا الكلام هو أنّهم جسّدوا اسم الله الأعظم في وجودهم، واستضاءوا بشعاعه، فأولاهم الله ـ بهذه الحال ـ مثل هذا المقامِ العظيمِ.

* * *




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8895804

  • التاريخ : 5/08/2020 - 04:40

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net