00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة التوبة 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التفسير البنائي للقرآن الكريم ـ الجزء الثاني   ||   تأليف : الدكتور محمود البستاني

سورة التوبة

 

______________________________________________________

الصفحة 125

 

سورة التوبة تُعدّ واحدةً من السور الطوال في القرآن الكريم. وإذا كانت السور الطوال تتضمن ـ عادةً ـ موضوعاتٍ مختلفةً يجمعها هدف فكريٌ واحدٌ فإن هذه السورة (أي: التوبة) تتميّز بكونها ذات موضوع واحد يطبع غالبيتها هو: (مفهوم الجهاد) بما يُواكبه من ظواهِرَ متصلةٍ بهذا المفهوم. وهناك بعض الموضوعات التي تبدو وكأنها بمنأىً عن ظاهرة (الجهاد المسلّح)، إلا أنّها تظلّ بنحوٍ أو بآخر ـ كما سنوضح ذلك مفصلاً ـ على صلةٍ أو تجانس مع عملية الجهاد.

طبيعياً، أنّ كلّ نص فنيّ سواء أكان ذا موضوعات مختلفة يجمعها هدفٌ فكريٌ واحد، أم كان ذا موضوعٍ واحدٍ متشعّبِ الظواهِرِ مثل موضوع (الجهاد المسلّح)، لا بدّ أن يتوزّع في مجموعة من (مقاطع) يتضمّن كلٌ منها: جانباً من الهدف الفكري الذي تحوم السورةُ عليه، وتبعاً لذلك، يمكننا ـ في سورة التوبة ـ الحديثُ عنها فنيّاً عبر مقاطع متنوعة يتناول كلُّ مقطع أو قسمٍ منها جانباً من موضوعات الجهاد في سبيل الله مثل الجهاد من خلال التعامل مع العهود والمواثيق بين الإسلاميين والعدو، ومثل العلاقة الاجتماعية القائمة بين الطرفين وتحديد ما ينبغي أن يُسلَك في هذا الميدان...الخ.

مضافاً لما تقدم هناك عنصر فكري يتضخّم بشكل ملحوظ في السورة، متمثلاً في إلقاء الضوء على سلوك أحد الأنماط الاجتماعية التي برزت في ذلك العصر، ونعني به (المنافقين) الذين لعبوا دوراً إنحرافياً فيما تكفّلت السورة بإلقاء الإنارة عليهم، وفضحت أعماقهم، وهو أمر حمل المعنيّين بشؤون التفسير على أن يطلقوا على هذه السورة اسم (الفاضحة) وغيرها من الأسماء التي تتصل بهذا الجانب، وتبعاً لذلك يمكن القول بأن هناك عمارة هندسية

 

______________________________________________________

الصفحة 126

 

ثانوية داخل العمارة العامة في السورة تتداخلان من حيث رسم الهيكل الفكري لها، فضلاً عن عمارات أخرى تتآزر جميعاً في طرح المفهومات المتنوعة وفق عمليات التنامي والتجانس الفنّيين بينها، على النحو الذي نبدأ الحديث عنه الآن.

 

* * *

 

تبدأ سورة التوبة بالبراءة من المشركين، وفق لغةٍ يتطلّبها الموقفُ السياسي والعسكري في ذلك الحين، وهي لغة فيها صرامة وشدة حيال العدو الذي أمعن في ضلالاته.

بيد أن هذه اللغة لم تشأ أن تقف أمام أية فرصة للعدو من الممكن أن يستثمرها ويعود إلى صوابه، لذلك تركت مدةً زمنية محددة هي أربعة أشهر يُسمَح فيها للعدو بحرية التحرك بحيث إذا لم يُسلم: فحينئذٍ سوف تتحدث لغةُ السلاح...

هنا ينبغي أن نقف عند الدلالة الإنسانية في الموقف الإسلامي المذكور، فبالرغم من تمادي العدوّ سنين متعددة في مواقفه العدائية، إلا أن إفساح المجال له أربعة أشهر: يعني أنّ هدف اللغة التي أعلنت البراءة من العدو ليس هو استخدام السلاح مجرداً عن الدلالة الإنسانية بل لغرض إشاعة الخير، ولذلك كانت الأربعة أشهر فرصة كبيرة أمام العدو يستطيع من خلالها أن يعيد حساباته مع نفسه ويتجه للإيمان برسالة الله. يقول النص مخاطباً: (فسيحُوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله) ثم أعاد ذلك قائلاً: (فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله).

ينبغي أن نقف عبر هذين النصّين على الأداء الفنيّ الذي سلكته السورة الكريمة من حيث عمارتها الهندسية، فالسورة استهلت النص بالبراءة من العدو تاركة له أربعة أشهر لدراسة موقفه من الرسالة قائلة له (واعلموا أنكم غير

 

______________________________________________________

الصفحة 127

 

معجزي الله) ثم أعادت الكلام ثانية: عندما رتبت النتائج على الفرصة المذكورة فقالت (فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله). لقد كرر النص التنبيه على أن العدو غير مُعجز الله، مرتين، الأولى: عند الحديث عن الفرصة، والثانية: عند الحديث عن نتائج الفرصة وهي التوبة أو عدمها، كما كرّر النصُ البراءة من العدو مرتين، مرة: قالته بنحو مجمل (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين) وأخرى: قالته مفصلاً (وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر ان الله بريء من المشركين ورسوله). واضحٌ، أن جمالية هذا البناء الهندسي القائم على الموازنة والتوازي بين البراءتين من جانب وكون المشركين غير معجزي الله من جانبٍ آخر. أقول، إنّ جمالية البناء المذكور تقوم ـ في الواقع ـ على طبيعة الدلالة الفكرية لهذا الموقف وصلته بالدلالة الإنسانية التي أشرنا إليها حيث أشار النص أولاً بأن المشركين غير معجزي الله بشكل عام، ثم أشار إلى أنهم غير معجزي الله أيضاً إذا لم ينتهزوا فرصة الأربعة الأشهر للتوبة. إذن: التكرار المتقدم للبراءة من المشركين وعدم كونهم معجزي الله تعالى في الحالتين: التوبة وعدمها، إنما صيغ بنحوٍ فنيّ تتناسب عمارته الهندسية مع طبيعة الدلالة الفكرية التي تضمنها النص.

 

* * *

 

(لحظنا أن البراءة من المشركين، والإذن بمقاتلتهم تمَّ من خلال دلالة إنسانية هي إفساح المجال لهم أربعة أشهر لتعديل مواقفهم العدائية).

ولو تابعنا الآن هذه الدلالة، للحظنا أن جانباً جديداً منها يبرز في الموقف العسكري وهو قوله تعالى: (إلاّ الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم إلى مدّتهم إن الله يحب المتقين).

 

______________________________________________________

الصفحة 128

 

(إن الله يحب المتّقين) هذه العبارة هي المعيار أو القيمة التي تفسّر معنى الدلالة الإنسانية المشار إليها، فالتقوى وليس مجرّد القتال هي البطانة التي تغلّف سلوك الإسلاميين وتفرزهم عن السلوك المنعزل عن السماء.

ومن البين، إن الالتزام بالمواثيق العسكرية يَفْقِدُ دلالته: في حالة نقضِ الطرف الآخر له، كما أنه في حالة الإخلال ببعضها أو في حالة إعانة الطرف المذكور لعدوٍ آخر أو ممارسة مطلق السلوك العدائي. في أمثلة هذه الحالات لا بدّ للطرف الإسلامي من عدم الوقوف صامتاً حيال الحالات المذكورة، بل لا مناص له من مقاتلة العدو: تحقيقاً لإشاعة مبادئ الخير ... ولذلك عندما استثنت الآية الكريمة بعض الفصائل المعادية التي كانت بينها وبين الإسلاميين هدنة أو عهد: إنما ربطت ذلك بمعيارين هما: عدم إنقاصهم شيئاً من شروط العهد وعدم التعاون مع العدوّ الإسلامي.

سرّ ذلك، إن الإخلال بالشروط أو التعاون مع العدوّ سوف يخلّفان آثارهما على الإسلاميين: من حيث السماح لقوى الشرّ بالتحرّك، وهو أمرٌ يتنافى أساساً مع الدلالة الإنسانية التي كرّرنا أنّ الإسلاميين يصدرون عنها في تعاملهم العسكري مع العدوّ.

 

* * *

 

والآن حين نتابع النص القرآني الكريم، نجد أن الدلالة المذكورة: تبرز في نمط جديد من السلوك، ولنقرأ: (فإذا انسلخ الأشهر الحُرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كلّ مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلّوا سبيلهم إن الله غفور رحيم).

من زاوية البناء الهندسي للنص، ينبغي التذكير بأنّ السورة الكريمة بدأت بالإعلان عن براءة الله ورسوله من المشركين والإذن بمقاتلتهم بصرامة وشدة يتطلّبهما الموقف.

 

______________________________________________________

الصفحة 129

 

وها هي الصرامة والشدة تأخذ صفتها بمزيدٍ من الوضوح حينما يبدأ النص بتفصيل الحديث عن طرائق التعامل العسكري مع العدو. فبعد أن كانت اللغة العسكرية تُجمل الكلام عن كيفية البراءة من المشركين، إذا بها: تفصّل ذلك من خلال هذه الفقرات المتتابعة (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) و(خذوهم) و(احصروهم) و(اقعدوا لهم كل مرصد). هذه الفقرات الأربع المتتابعة تكشف لنا جمالية النص من حيث توافقها مع الدلالة العسكرية، فالتتابع اللفظي السريع (فاقتلوهم وخذوهم واحصروهم، واقعدوا لهم): يتساوق مع صرامة الموقف الذي ينبغي أن يسلِكه الإسلاميون مع العدو... كما أنه يمثّل (من زاوية البناء العماري للنص) نموّاً عضوياً لمقدمة السورة التي أجملت ـ كما أشرنا ـ مفهوم (البراءة) من العدو، ثم فصّلت ذلك من خلال توضيحها لطرائق القتال.

ولو اتجهنا إلى مبنىً آخر من عمارة النص المذكور، لوجدنا أن المطالبة بقتل العدو، وأخذِه، وحصرِه، ورصدِه: حيثما كان، قد وازنه النص بطرح مفهوم (التوبة) من جديد، حيث قال: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم).

لنتذكر: أن النص عندما فسح للعدو في مقدمة السورة مجالاً هو: الأربعة أشهر إنّما قَرَن ذلك بمفهوم (التوبة) (فإن تبتم فهو خير لكم) وها هو الآن في القسم الجديد من السورة: يتحدث من جديد عن (التوبة) أيضاً، كما أنه بدأ بتفصيل ما أجمله من مفهومها في مقدمة السورة، حيث أضاف إليها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم).

إذن، مضافاً لما لحظناه من دلالات جمالية تتصل بالبناء الهندسي للسورة، نلحظ أن (الدلالة الإنسانية) في الموقف العسكري: تبرز من جديد:

 

______________________________________________________

الصفحة 130

 

حيث يُسمح للعدو بتعديل موقفه من خلال (التوبة).

أكثر من ذلك أن الدلالة الإنسانية تتصاعد لُغتها في الموقف الإسلامي حينما نواجه بُعداً جديداً منها: عبر متابعة النص حديثه عن التوبة: بهذه الآية الكريمة: (وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه).

إن تحقيق (التوبة) من الممكن أن لا يتحدد من خلال القناعة بمشروعية المبادئ المُعلن عنها بقدر ما يَفرضه الخوف مثلاً، وهو أمرٌ حرصَ المشرّع الإسلامي على أخذه بنظر الاعتبار في تعامله العسكري مع العدوّ، لذلك سمَح للمقاتلين بأن يجيروا الشخص الذي يطلب الأمان منهم: بغية أن يسمع كلام الله، بأن يتفهّم المبادئ التي يحملها المقاتل الإسلامي مثلاً، حينئذٍ ينبغي على المقاتل الإسلامي أن يبلغ المستجير مأمنه: فلا يغدر به، بل يحرص على سلامته تحقيقاً للدلالة الإنسانية التي لحظنا مدى نصاعتها في الموقف الإسلامي.

 

* * *

 

بدأت سورة (التوبة) بالبراءة من المشركين ـ كما لحظنا في صفحات سابقة ـ فمنحت أولاً أربعة أشهر فرصة التوبة للعدو، ثم شدّدت عليه بعد المدة المذكورة: لكنها سمحت أيضاً بالتوبة، وها هي الآن تمنح فرصة جديدة في مرحلة ثالثة من مراحل الجهاد العسكري المتصل بالتعامل مع العدو من خلال العهود والمواثيق، ولنقرأ: (كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلاّ الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين * كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاًّ ولاَ ذمةً يُرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون).

هذا النص ـ كما هو واضح ـ يتحدث عن العدوّ ودأبه على عدم مراعاة

 

______________________________________________________

الصفحة 131

 

العهود وإلى أنه يتحدث بلسانه خلاف ما في أعماقه حيث تستبطن الغدر، ومن ثمّ يقدّم لنا المسوّغ أو الأسباب التي تدفع الإسلاميين إلى البراءة منه ومقاتلته، عدا الفئات التي عاهدهم الإسلاميون حيث طلب النصُ من الإسلاميين أن يستقيموا لهم ما دام العدو مستقيماً، مكرراً القول بأن الله يحبّ المتقين.

ويعنينا من هذا التلخيص للنص: أن نتناوله من زاوية البناء الهندسي ما دام هدفنا منصبّاً على دراسة هذا الجانب الفني في نصوص القرآن الكريم. فالمُلاحَظ هنا، أن النص يتدرّج فنيّاً من مرحلة إلى أخرى من حيث (الأفكار) المطروحة فيه، كما أنه يوازن هندسياً بين مختلف الأجزاء التي تتضمنها (الأفكار) المذكورة. فمن جانبٍ لحظنا تدرّج المراحل التي قطعتها السورة في تعاملها مع العدو: مرحلة الأربعة أشهر، ثم مقاتلته في حالة عدم التوبة، ثم مرحلة التشدد في قتالهم بعد ذلك: في حالة عدم التوبة في هذه المرحلة أيضاً... ثم مرحلة مواصلة القتال: في حالة عدم الاستقامة وتبيين المسوّغات والأسباب في ذلك.

كما لحظنا ـ من جانبٍ آخر ـ كيفية التوازن القائم بين جزئيات هذه المراحل مثل تكرار التوبة، وتكرار التأكيد بأن الله يحبّ المتقين، وتكرار الالتزام بالعهود ما دام العدو ملتزماً بها... كل أولئك نلحظه في هذا القسم من السورة: حيث كان المحور الفكري الذي يحوم هذا القسمُ عليه قائماً على طريقة التعامل مع العدو من خلال المواثيق والعهود القائمة بينه وبين الإسلاميين.

لكن، لا يزال هذا القسم من السورة متصلاً بمحور فكري آخر هو: ربط السلوك العسكري الذي يصدر العدوّ عنه بطبيعة تركيبته الفكرية بشكلٍ عام... وهذا الربط الفني بين السلوك العسكري القائم على نقض العهود والمواثيق، والسلوك العام له، ينطوي على أهميتين: فنية ونفسية. أما الأهمية الفنية

 

______________________________________________________

الصفحة 132

 

فتتمثل في الهيكل العماري الذي يصل بين بداية هذا القسم من السورة ونهايته. وأما الأهمية النفسية فتتمثل في طبيعة الربط بين سلوك جزئي وهو: السلوك العسكري وبين سلوك كلّي هو: التركيبة النفسية للعدو.

ولنستمع إلى الآيات الكريمة في هذا الصدد: (اشتَروا بآيات الله ثمناً قليلاً فصدوا عن سبيله، إنهم ساء ما كانوا يعملون * لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمةً وأولئك هم المعتدون * فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصّل الآيات لقوم يعلمون * وإن نكثوا أَيمانَهُم من بعدِ عهدِهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أَيمان لهم لعلهم ينتهون * ألا تقاتلون قوماً نكثوا أَيمانَهُم وهمّوا بإخراج الرسول وهم بدأوكم أوّلَ مرة أَتخْشَونهم فالله أحقُ أن تخشَوه إن كنتم مؤمنين * قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين * ويُذهبْ غَيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم * أم حسبتم أن تُتركوا ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون).

لقد خُتم القسمُ الأول من سورة التوبة بهذه النصوص التي قدّمناها. أنها ـ كما لحظنا ـ ربطت بين كون العدو لا يرقب إلاًّ ولا ذمة في سلوكه العسكري وبين كونه أساساً لا يرقب في أيّ مؤمنٍ إلاًّ ولا ذمة، خارج الصعيد العسكري أيضاً، حيث قدمت السورة أكثر من شاهد على ذلك، ويُلاحَظ أنها ربطت في النهاية بين مقاتلة العدو للأسباب المتقدمة وبين مفهوم (الجهاد) ذاته: حيث أشارت النصوص إلى أن الجهاد عملية اختبار من قِبَل الله تعالى. وسنجد أن لهذه الإشارة إلى الجهاد إسهاماً فنيّاً في طرح المفهومات المتصلة بهذا الجانب.

 

* * *

 

نواجه الآن، المقطع أو القسم الثاني من سورة (التوبة) التي انتظمتها

 

______________________________________________________

الصفحة 133

 

مقاطعُ مختلفةُ يقوم كلٌ منها بطرحِ مفهوماتٍ مُحدَّدة تصبُّ ـ في نهاية المطاف ـ في الهيكل الفكري العام للسورة. ولنقرأ:

(ما كانَ للمشركين أنْ يَعْمُروا مساجدَ الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطتْ أعمالُهم وفي النار هم خالدون * إنما يَعْمُرُ مساجِدَ الله مَن آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاةَ ولم يخشَ إلا الله فَعَسى أولئك أن يكونوا من المهتدين * أجعلتُم سقاية الحاج وعمارة المسجدِ الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهدَ في سبيل الله....).

كان المقطع الأولُ من سورةِ التوبة يتحدَّثْ عن العلاقة الاجتماعية القائمة بين الإسلاميين والمنحرفين من حيث التعامل العسكري مع المواثيق والعهود...

أمّا هذا القسم، فيتحدثُ عن نمطٍ آخرَ من العلاقةِ الاجتماعية بينَهُما إلاّ أنه يصُبُّ في نفسِ الهدفِ الفكري الذي تضمَّنهُ المقطعُ السابق وهو: عزلُ المنحرفين عن البُنيةِ الإسلامية في مختلف أوجهِ النشاطِ ومنها الوجهُ المُتصلُ بالمساجدِ ومستلزماتها المتنوعة، بصفةِ أنّ المساجدَ كانَت يومئذٍ مؤسسة اجتماعية ذات أهميةٍ ملحوظة... لقد أنكرَ النصُ على المنحرفين أن يعمّروا مساجدَ الله شاهدينَ على أنفسِهم بالكفر، كما أنكرَ أن يُماثلَ بين نشاطينِ أحدُهما يتّسمُ بكونِه شكليّاً أو عادياً مثلُ سقايةِ الحاج وعمارةِ المسجد الحرام بالقياس إلى النمطِ الآخر الذي يكتسِبُ أهميةً حقيقةً وهما: الإيمان بالله واليوم الآخر والجهادُ في سبيل الله.

فالأول، يظلُ نشاطاً يرتبطُ بدوافعَ ذاتية مثل: الرغبة في تحقيق السيطرةِ أو المنزلة الاجتماعية كما لا يتطلبُ تضحيةً ذات قيمةٍ في النفسِ أو المال، بينما نجدُ أن النّمطَ الآخر يرتبطُ بدوافعَ موضوعيةٍ وبتضحيةٍ في الأنفس والأموال، ونعني به: الإيمانَ والجهادَ في سبيلِ الله.

 

______________________________________________________

الصفحة 134

 

المهمُ: أنَّ النصَ القرآنيّ الكريمَ حينما يُحدّدُ أمثلة هذِه العلاقة الاجتماعية بين الإسلاميينَ وبين المنحرفين ممّن شهد على نفسه بالكفرِ (وهم أهلُ الشّرك) أو ممَّن كان أيمانُه في ذلك الوقت أقلَّ درجةً من سواه، عندما يُحدّدُ النصُ القرآنيُ أمثلة هذه العلاقة ينتقلُ بعدها إلى تحديدِ علاقةٍ أخرى بينَ الإسلاميين والمنحرفين، ولكن مَن حيث الولايةُ أو التعاطفُ الوجداني، وهو ما تُوضّحه الآيتان الآتيتان: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءَكُم وإخوانَكم أولياء إن استحبّوا الكفرَ على الإيمان ومَن يتولَّهُم منكُم فأولئك هُم الظالمون * قل إن كان آباؤكم وأبناؤكُم وإخوانكُم وأزواجكُم وعشيرتكُم وأموالٌ اقترفْتموها وتجارةٌ تَخشَون كسادَها ومساكِنُ ترضونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهادٍ في سبيلهِ فتربّصوا حتى يأتي الله بأمره...).

هذا النصُ يتحدث عن قضيةٍ وجدانية أولاً، هي التعاطفْ الذي يَصدُر عادةً عن ضعافِ الإيمان حيالَ أقاربهم أو إخوانِهم غيرَ المؤمنين كما يتحدث ثانياً عن المتاعِ النفسي والمادي اللّذين يطغيان على دوافع الإنسان المتصلةِ بعاطفةِ الأبوة والبنوّة والزوجية والتملّك للمالِ والأرضِ ونحو ذلك بحيث يُؤْثِرُها ضعافُ الإيمانِ على محبةِ الله ورسوِله والجهاد في سبيله.

هنا ينبغي الوقوفُ فكرياً وفنيّاً على هذا المقطعِ القرآني من السورة... فمن حيثُ البُعدِ الفكري نجدُ أن النّص تحدّث عن أهم الدوافِع المُركّبةِ في الإنسان مثل: عاطفَةِ الأبوة والزوجية والسيطرة والتملّك سواء أكانَ ذلك في نطاقِ المنحرفين أساساً مثل (المشركين) أو في نطاقِ ضعافِ الإيمانِ، حيث أوضَح النصُ أنّ أمثلة هذهِ العواطف لا قيمة لها إذا قِيسَتْ بدوافعَ موضوعيةٍ هي التعامُل معَ الله حيث يغيمُ حيالها أيّ تعاملٍ دنيويٍ عابر.

صحيح أنّ العواطفَ الذاتيةَ ذات إلحاحٍ وبريقٍ في تركيبة الآدميين إلاّ أن العواطف الموضوعية كـ(التعامل مع الله) أشد فاعلية من العواطفِ الذاتية إذا

 

______________________________________________________

الصفحة 135

 

قُدّر للشخص أن يُمارسَ عملية تأجيلٍ لها بحيث تتمُ عمليةُ تحويل من (الذات) إلى (الموضوع) خلال التدريب حتى ينتهي الأمرُ إلى أن يتحسّس الشخصُ المدرّب أنّ الامتاعَ الموضوعي (التعامل مع الله) أشدّ من الامتاعِ الدنيوي العابر.

المهم: أن هذا البُعد الفكري الذي طرحتهُ السورة الكريمة في المقطع الذي نتحدثُ عنه: قد تمّ (من الزاوية الجمالية أو الفنيّة) من خلال بناءٍ هندسيٍ تتنامى وتتجانسُ أجزاؤه حيث كان المحورُ العامُ للسورة، ونعني به (الجهاد في سبيل الله) هو: الهدف الفكري الذي حامَ المقطعُ المذكورُ عليه، كما أن الأفكارَ التي طُرِحتْ فيه تمَّ الانتقالُ فنيّاً من أحدِها إلى الآخر بنحوٍ بدأ النصُ فيهِ بالحديثِ عن العلاقة بينَ الإسلاميين وبين سائرِ اشكالِ الانحراف (مُشركين وضعيفي الإيمان)، من علاقةٍ عسكريةٍ تتصلُ بالمواثيق والعهود إلى علاقةٍ عاطفيةٍ تتصلُ بالتعاطفِ مع المنحرفين: كُلُّ ذلك تَمَّ من خلالِ تدرّج فنيّ في الموضوعاتِ التي أشرنا إليها.

 

* * *

 

المقطعُ الجديدُ الذي نواجِههُ الآنَ في سورةِ التوبة هو مخاطبةُ الله تعالى للإسلاميين: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ).

جاء هذا المقطعُ جَواباً على مقطعٍ سابقٍ ذُكِرَ فيه أنّه إنْ كانتْ عاطفةُ الأبوّةِ والبنوّةِ والزوجيةِ والقُربى، وحبّ التملّكِ للأموال والأرض أحبّ من الجهادِ في سبيل الله، فسوفَ يَلْحَقُ أصحابَ هذهِ العواطفِ جزاءٌ ليس في صالحِهم. وهذا يعني أنّ السورةَ الكريمةَ سلكت أداءً فنيّاً خاصاً هو: التلويحُ

 

______________________________________________________

الصفحة 136

 

غيرُ المباشرِ بالمعْطَياتِ التي أفْرَزَها الله للإسلاميينَ في مواطنَ كثيرةٍ ومنها معركة (حنين) بشكلٍ خاص حيثُ أنْزَلَ الله سكينتَهُ عليهم وأيّدهُم بجنودٍ لَم يَروْها. بكلمةٍ أخرى، أنّ النّص وكأنّهُ استَهْدفَ أن يوضّحَ للمجتمع الإسلامي أنّ الجهادَ في سبيلِ الله ينبغي أن يكونَ أحبّ إلى الشخص من ذَويهِ أو دوافعهِ لأنّ شدائدَ الحياةِ لا يمكنُ إزاحتُها إلاّ بدعمٍ من الله.

ولا أدلَّ على ذلك مِنْ شدائدِ القتالِ في سبيلِ الله حيثُ نَصَر الله الإسلاميينَ في مواطنَ كثيرةٍ وفي معركة حنين وذلك من خلالِ الدَعْم غير المرئي (نزول الملائكة) والدعمِ النفسي (السكينة).

إذنْ من خلالِ الأداء الفنيّ غير المباشرِ قدّم النصُ القرآني إيضاحاً حيالَ الصراعَ الذي يحياهُ الضّعافُ نفسيّاً حينما يُؤثِرُونَ عواطِفَهم الذاتية منْ موالاةٍ لذويهم ومنْ لُهاثٍ وراءَ المتاعِ العابرِ من مالٍ أو أرضٍ على الجهاد في سبيل الله،... حيثُ أوْضَحَ بأنّ (الجهادَ) ـ على عكسِ ما خُيّل للضعافِ نفسياً ـ سوفَ يقترنُ بنصر مِنَ الله بدليلِ المواطنِ الكثيرةِ التي تحقق النصْرُ من خلالها ومنها معركةُ حنين كما أَشَرنا.

لكن: خارجاًَ عن الهيكل الفني الذي تمّ الرَبْطُ فيه بين المقطع الأسْبق والمقطعِ الذي نتحدثُ عنه الآن. خارجاً عن ذلك، يعنينا أن نتجهَ إلى دراسةِ الأفكارِ المطروحةِ في هذا القسم من السورةِ طالَما تَظَلُّ ـ من جانبٍ ـ ذاتَ صلةٍ بالبناء الهندسي للسورة، مثلَما تظَلُّ ـ من جانبٍ آخر ـ ذاتَ أهميةٍ بالغةِ المدى في ميدانِ الجهادِ في سبيلِ الله وانعكاساته على المجتمعِ الإسلامي.

 

* * *

 

لقد أشارَ النصُّ إلى معركةِ حُنين مشدّداً على إبرازِ ثلاثِ ظواهِرَ منَ السلوكِ العسكريِ إحداها: ضخامةُ الجيشِ الإسلامي، والثانيةُ ضيقُ الساحةِ عليهم، والثالثةُ فرارُهم من العدوّ. إلاّ أنّهُ بالرغمِ من ذلك: أنزل الله سكينَتَهُ

 

______________________________________________________

الصفحة 137

 

على المسلمينَ وتمّ النصر.

والسؤالُ هو: ما هي انعكاساتُ الظاهرةِ الأولى، ونَعْني بها: الإعجابُ بكثرةِ المقاتلينَ الإسلاميين.

إن الفارقَ بين المقاتلِ الإسلامي وغيره يتمثَّلُ في كونِ الأولِ مرتبطاً بالتعامُلِ معَ الله، فالأسباب الماديةُ من ضخامةِ العدو أو السلاحِ مثلاً لا قيمةَ لها قُبالةَ الدعمِ الحقيقي الذي تقدّمُه السماء للمقاتلِ الإسلامي. لقد غَفِلَ ضِعافُ النفوسِ عن فاعليةِ الله تعالى حينَما وجدوا أن كثرتهم سوف تغلِبُ العدوَّ حيث تحاوَروا فيما بينَهم من أنّهم سوفَ لن يُغلبوا عن قلّة... لكن، سُرعان ما أجابتهم السماءُ على ذلك حيث انهزَموا سريعاً وضاقتِ الأرضُ عليهم وَولّوا مدبرين...

إن التلميحَ بهذهِ الظاهرةِ له أهميةُ فنيةٌ ونفسيةٌ كبيرهٌ كما هو واضحٌ، فمنَ الجانبِ الفنيّ هناكَ معادلةٌ هندسيةٌ بنحوٍ غير مباشرٍ بينَ ضعافِ النفوس الذينَ كانت عواطفُهم حيال الآباء والأولادِ والأموال والمساكن أشدّ منها حيالَ الله والجهاد في سبيله حيثُ يَبْدُو النصُّ القرآنيُ وكأنّهُ يخاطبهُم قائلاً: كما لم تُغْنِ الكثرةُ العسكريةُ أولئك الذين أعجبُوا بعددِهم الكبير حيثُ انهَزَموا أمامَ العدو، كذلك لم تغنكم أموالُكم أو ذَوُوكم حيث ستنهزمونَ أيضاً: مادّياً ونفسيّاً، ما دامَ النمطانِ (أنتم وأولئك) يحيا غائباً عنِ السماءِ وفاعليتِها الحقيقيةِ في رسمْ المصائر.

بالمقابل: نجد أنّ النصّ القرآني الكريم يُعقّبُ على الهزيمة العسكرية التي لَحِقتِ المجتمعَ الإسلامي في بَدءِ المعركة يعقّبُ عَليها بالإشارة ـ في نهايةِ المطافِ ـ إلى تَحقيقِ النَصرِ، أي أنّه في صَددِ تقديمِ واحدٍ من الاختباراتِ العباديةِ متمثلةً في كلٍ منَ الهزيمة والنصر: الهزيمةُ بصفتها جواباً على الإعجابِ الزائفِ بالقدرات الذاتية للإنسان، والنصرُ: بصفته جواباً أيضاً على

 

______________________________________________________

الصفحة 138

 

سُلوكِ المقاتلين الذين عادُوا إلى القتَالِ بعدَما استجابُوا لنداءِ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم...

إذَن: جاءَ كلٌّ منَ النصْرِ والهزيمةِ، أو لنقُل: جاءَتْ الإشارةُ في هذا القسم من سورةِ التوبة إلى معركةِ حُنين، جواباً فنياً لأولئك الذينَ طبَعهم نمطُ خاصٌّ من السلوكِ هو: الضَعْفُ النفسيُّ متمثّلاً في واحدةٍ من الشرائح الاجتماعية التي اضطلعتْ سورةُ التوبة برسمِها في هذا القسم بعدَ أن كانَ القسمُ الأولُ من السورةِ يضطلعُ برسم (المشركين) وطريقةِ التعامُلِ العسكري مع الشريحة المذكورة في حين يتحدَّثُ القسمُ الثالثُ من السورةِ عن نمطِ ثالثٍ.

 

* * *

 

القسم الجديد من السورة يتحدث عن الكتابيين وهم (اليهود والنصارى)، بعد أن تحدثتْ السورةُ عن مُطلقِ المنحرفين في الأقسام السابقة. يقولُ النصُّ: (قاتِلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليومِ الآخر ولا يُحرَّمون ما حرّمَ الله ورسولُهُ ولا يَدينون دينَ الحقِ مِنَ الذين أُوتُوا الكِتابَ حتى يُعطُوا الجِزية عن يَدٍ وهم صاغرون).

فنيّاً: لا نحتاجُ إلى التعقيب على هذا القسمِ الذي يتحدثُ عن المنحرفين الكتابيين: نظراً لوضوحِ العِمارةِ الهندسيةِ للسورة التي تتناولُ في كلِ قسمٍ منها تحديداً لعلاقاتٍ اجتماعيةٍ بين المؤمنين وأعدائِهم بمختلف شرائحهم التي تقدّمَ الحديثُ عنها، وها هي السورةُ تتحدثُ الآن عن (الجهاد) الذي شكّلَ بطانةً فكريةً لكلّ أقسامهِا، فيما يختصُ الآن حديثُها: بالجهادِ حيالَ الكتابيين. لقد أمَرَ النصُ بقتالهم، لكنه: استثنى مِن ذلك، الفئاتِ التي تُعطي (الجزية).

إنّ أهميةَ هذا النمطِ من مقاتلةِ (الكتابيين) تتمثلُ في المسوّغاتِ العامةِ لعمليةِ الجهادِ. فما دام الكتابيون ـ كما يقولُ النصُ ـ لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخرِ ولا يُحرّمون ما حرّمَ الله ورسُولُه ولا يَدينون دينَ الحقِ، حينئذٍ يتعيّنُ قتالُهم بنفسِ المسوّغاتِ التي تدفعُ الإسلاميين إلى قتالِ غيرهم من المنحرفين

 

______________________________________________________

الصفحة 139

 

مِمَّنْ تقدَّمَ الحديثُ عن البراءةِ منهم.

إلا أن مجرّدَ انتسابِهم إلى (الكتاب): أكسبهُ الله نمطاً من الخصوصيةِ بحيث تُميّزهُمْ عن مطلقِ الكافرين، وذلك: من خلالِ تحديد علاقةٍ معيّنةٍ بينهم وبين الإسلاميين، هي: مسالمتهُم من خلالِ دفعهِم ضريبةً ماليةً (الجزية). ويُلاحَظُ أن النصَّ القرآني الكريمَ ربَطَ عمليةِ (الجزية) بمفهومٍ نفسيٍ هو (الذلّ) الذي ترشّحُ به عمليةُ إعطاءِ الضريبة (حتى يُعطوا الجزيةَ عن يدٍ وهم صاغرون) أي: أذِلاّءُ وإلاّ فإن مقاتَلتَهُمْ ـ وهم يُصِرّون على موقفهِم المنحرف ـ يَظَلُ مرتبطاً بنفسِ المسوغاتِ التي تطبعُ قتالَ الكافرين. وهذا ما أوضحهُ النصّ القرآني حينما تابعَ رسمَهُ لهذه الشريحة الإجتماعية من الأعداءِ، قائلاً:

(وقالتِ اليهودُ عُزَيْرٌ ابنُ الله وقالت النصارى المسيحُ ابنُ الله ذلك قولُهم بأفواههم يُضاهِئون قولَ الذين كفروا من قَبْلُ...).

لِيلاحظْ: كيف أنّ النصَّ القرآني الكريمَ ربطَ (من زاويةِ البناءِ الفنّي للسورة) بين سلوكِ الوثنيين الذين تحدثت عنهم المقاطعُ السابقةُ من السورةِ وبين سلوكِ هؤلاء الكتابيين، حيث جعل مقاتلةَ هؤلاء مماثلاً لمقاتلةِ أولئك: نظراً لتماثلِ الموقفين الفكريين لدى الوثنيين والكتابيين. لنستمعْ من جديدٍ إلى هذه الفقرة: (ذلك قولُهم بأفواهِهم يُضاهئون (أي: يشابهون) قولَ الذين كفرُوا من قبل).

إذن، التماثُل الفكري بين عبَدةِ الأصنامِ الذين طَالَبَ النصُ في المقاطع السابقةِ بمقاتلتِهم، وبين الكتابيين الذين يتحدثُ النصُ عنهم في المقطعِ الحالي من حيثُ كونُهم يَصدُرون عن موقفٍ وثنيٍ أيضاً هو إشراكُ (الابنِ) المزعومِ في عملية الخلقِ. هذا التماثُل الفكري بين الوثنيين والكتابيين، يفسرُ لنا ـ كما تحدَّثَ النصُ بذلك صراحةً ـ تماثُلَ الموقفِ العسكري حيالَهما أيضاً، بحيثُ يتعيّنُ على الإسلاميين مقاتلتُهم (في حالةِ عدمِ إعطاءِ الجزية) بنفسِ المسوّغِ

 

______________________________________________________

الصفحة 140

 

الذي يدفعُ الإسلاميين إلى مقاتلةِ عبدةِ الأصنامِ... كما يفسّرُ لنا (من حيثُ البُعدُ الهندسي للسورة) أسرارَ التجانسِ الفني بين أجزائِها التي يتحدَّثُ كلٌ منها عن شريحةٍ اجتماعيةٍ خاصةٍ تتضمنُ المواقفَ المتجانسةَ بينهم أيضاً.

وقد تابع النص إلقاءَ مزيدٍ من الإنارةِ على موقفِ الكتابيين فكرياً، فيما قال عنهم: (اتخذوا أحبارَهم ورُهبانَهُمْ أرباباً من دونِ الله والمسيحَ ابْنَ مريمَ وما أُمِرُوا إلاّ لِيعبُدوا إلهاً واحداً لا إله إلاّ هو سبحانَهُ عمّا يُشرِكُون).

واضح في أن النصَّ شدّدَ على الأحبارِ والرُّهبانِ بصفتهِم يُمثلون التوجيه الضالّ للعامةِ منهم،... وحسَبَ النصوصِ التفسيريةِ فإن هؤلاء كانوا يُحرِّمون ما أحلَّ الله ويُحلّون ما حرّم الله، مما استتبعَ تقليدَ العامةِ لأفكارِهم... كما أنهم (أي الأحبار والرهبان) مارسُوا بالنحوِ الذي تحدثت السورةُ عنه، أنماطاً أخرى من السلوكِ المنحرفِ من أكلٍ لأموالِ الناسِ وكنزٍ للذهبِ والفضةِ، وهو أمرٌ يكشِفُ لنا ـ فنيّاً ـ عن الصلةِ بين الانحرافِ النفسي متمثلاً في أكلِ الأموال بالباطلِ وكنزِها وبين الموقف الفكري المنحرفِ لديهم، بمعنى أننا سوف نكتشفُ بصورةٍ غير مباشرةٍ (وهو ما يطبعُ النصوص الفنيّة) طبيعةَ الصلةِ بين سلوكِ الشخصِ المنحرفِ وانعكاساتِه على السلوكِ الفكري: حيث أن تحريمَ المنحرفين لحلالِ الله أو العكسِ إنما يصدرُ عن موقفٍ شخصي هو اللُّهاثُ وراءَ الحياةِ الدنيا وتحقيق الإشباعِ بطرقٍ غير مشروعةٍ، وليس نابعاً من دراسةٍ عقليةٍ، على النحوِ الذي سردتهُ الآياتُ المتقدمةُ التي وقفْنَا عليها.

 

* * *

 

نتجه الآن إلى قسمٍ جديدٍ من سورةِ التوبة، وهو القسم الذي يتحدَّثُ عن سلوكِ (المنافقين) في صعيد النشاطِ المتصلِ بالجهادِ في سبيلِ الله، فيما قُلنا انه يشكّلُ البطانة الفكرية لسورة التوبة.

لقد تحدثت السورةُ عن جميع الشرائح الاجتماعيةِ في ذلك العَصْرِ:

 

______________________________________________________

الصفحة 141

 

وثنييّنَ وكتابيّينَ ومتأرجحين وضعافِ الإيمان. ولكن: يُلاحَظُ أنّ النصّ قبلَ أن يتّجه إلى الحديث عن (المنافقينَ) أو لنقل: بعدَ أن تحدَّثَ عن الكتابيّينَ ومحاولةِ أحبارِهم ورُهبانِهم تحريمَ ما حلَّلَ تعالى وتحليل ما حرَّمهُ إلى آخرِ ما وَرَد منَ الحديثِ عن سلوكِهم،... أعقَب ذلك بطرحِ عمليةِ تحريمِ القتال في الأشهر الحرم:

(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ).

لو نَظَرْنا إلى هذا المقطعِ من زاويةِ قيمَهِ الفكريةِ لوَجَدْنا أنّهُ واحدٌ من مفهوماتِ الجهادِ في سبيلِ الله من خلالِ التعامُلِ مع المواثيق العسكرية، فالعدوُ بالرغمِ من معرفتهِ بأنّ المجتمعاتِ في ذلك العصرِ كانت تعظّم الأشهُرَ الحُرمَ بحيثُ لا يَقتلُ الشخص حتى قاتَلَ أبيهِ فيها، بالرغمِ من ذلك كانَ يتلاعَبُ بهذه المواثيقَ وَفْقاً لما تفرضهُ المصلحةُ غيرُ المشروعةِ له فيؤخّر التحريمَ إلى (صفر) مثلاً بدلاً من (محرّم) مما يترتبُ على ذلك ـ ليسَ إبطالَ المواثيق العسكرية فحسب ـ بل حتى الأعمالِ العباديةِ الصرفة مثل: الحجّ حيث يتأخرُ إلى محرم أو صفر مثلاً، وهكذا.

حيال ذلك، طالَبَ النصُّ القرآني الكريم بعَدمِ تجاوُزِ حرمةِ الأشهر المذكورةِ، مبيّناً أنّ التلاعُب في ذلك يستتبعُ إضلاَلَ الناسِ وترتيب النتائجِ السلبيةِ التي أَشَرْنا إليها على ذلك.

هذا من الزاويةِ الفكريةِ للنص.

أما من الزاويةِ الفنية وصلةِ هذا المقطعِ الفكري بما سبقه من حيثُ

 

______________________________________________________

الصفحة 142

 

الهيكلُ البنائي للسورة، فيتحدَّدُ في جملةٍ من النِقاطِ، منها: إنَّ النص في حديثهِ عن الكتابييّنَ كان في صددِ التعريفِ بسلوكِهم من حيثُ كونهم (لا يحرّمونَ ما حرَّمَ الله ورسوله ولا يدينونَ دينَ الحقِ) كما تقول الآية الكريمة، ومن حيثُ كونُ أحبارِهم ورهبانِهم أحلُّوا لأتْباعِهم ما حرَّمَ الله وحرَّمُوا ما أحَلَّ الله، كما تقولُ النصوصُ الواردةُ عن أهلِ البيتِ عليهم السلام، وهو أمرٌ يتجانَسُ ويتوازنُ فنيّاً مع نفسِ السُّلوكِ الذي عَرضهُ القرآنُ الكريمُ في هذا المقطع الذي تتحدَّث عنهُ: حيثُ جاءَ التلاعُب بالمواثيق الحربية وبمراسم الحجِ متماثِلاً في تحليله وتحريمه للأحكامِ مع سلوكِ الكتابيين، بخاصة أن النص القرآني الكريم أوضح بأن الكتابيين (اليهود والنصارى) كانوا (يضاهئون قول الذين كفروا من قبل) أي: يشابهون الوثنيين في عبادتهم للأصنام وذلك بإشراكهم (الابن) المزعوم في ظاهرة (التوحيد)... وهذا يعني أن النص القرآني الكريم حينما يشير إلى هذا التماثل بين موقفي الوثنيين والكتابيين، إنما يردفه بعرض سلوك آخر لوثنيين يشابهون به سلوك الكتابيين، وهو أمر له جماليته في هندسة السورة الكريمة حيث يجيء (التقابل) بين السلوكين من جانب وعرض أحدهما على الآخر عكسياً من جانب آخر، بمثابة تنوّعٍ جماليٍ يحقق الإمتاع الذي ترشح به نصوص الفن وافتراقها عن النصوص العادية.

وأياً كان الأمر، فإن النص القرآني الكريم يختتم بهذا المقطع: حديثه عن الوثنيين والكتابيين، ليتجه بعد ذلك إلى الحديث عن شريحة اجتماعية منحرفة أيضاً، وهي: فئة (المنافقين) الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر أو الانحراف.

وإذا كان الحديث عن الوثنيين والكتابيين جاء في سياق (الجهاد في سبيل الله) ـ كما لحظنا، فإن الحديث عن المنافقين يجيء بدوره في سياق عملية (الجهاد) أيضاً: طالما كانت عملية الجهاد في سبيل الله تمثّل الفكرة

 

______________________________________________________

الصفحة 143

 

الرئيسة التي تقوم سورة التوبة عليها. كلّ ما في الأمر، إن كل فئة منحرفة يتم التعامُل الإسلاميُ حيالها: من خلال سلوك خاص يتصل بعضها بالمواثيق والهُدَن العسكرية، وبعضها (بالجزية)، وبعضها: بالقتال مطلقاً، وبعضها بالممارسات الأخلاقية التي يسلكها الإسلاميون: إيجاباً أو سلباً مع المنحرفين، على النحو الذي تقدم الحديث عنه سابقاً.

 

* * *

 

تتضمن سورةُ التوبة في القسمِ الجديدِ الذي نتحدثُ عنه الآن، واحداً من الجوانبِ المتصلةِ بمفهومِ (الجهاد في سبيل الله) فيما قلنا ان (الجهادَ) هو الرافدُ الفكري الذي تصبُ فيه موضوعاتُ السورة. هذا الجانبُ هو: التخاذلُ الذي يصدرُ (المنافقون) عنه في مواجهتهم عمليةَ (الجهاد). وقد مهّدَ هذا القسمُ من السورةِ بحديثِ الجهادِ نفسه من حيثُ المطالبةُ به وحثّ الناسَ عليه، حيثُ قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ما لَكم إذا قِيلَ لكم انفِرُوا في سبيلِ الله اثاقلتُمْ إلى الأرضِ أَرَضيتُمْ بالحياةِ الدنيا من الآخرةِ فما متاعُ الحياةِ الدُّنيا في الآخرةِ إلا قليل * إلاّ تَنفرُِوا يُعَذَّبْكُمْ عذاباً أليماً ويَستَبدِلْ قوماً غيرَكُ:ْ ولا تَضُرُّوهُ شيئاً والله على كلِ شيء قدير * إلاّ تنصُرُوه فقد نصرهُ الله إذْ أخرجهُ الذين كفرُوا ثانِيَ اثنين إذْ هُما في الغارِ إذ يقولُ لصاحبهِ لا تحزَنْ إنْ الله مَعَنا، فانزلَ الله سكينتهُ عليهِ وأيّدَهُ بجنُودٍ لم تَرَوْها وجعَلَ كلمةَ الذين كفرُوا السُّفْلى وكلمةُ الله هي العُليا والله عزيزٌ حكيم).

إن هذا التمهيدَ يتضمّنُ الإشارة إلى مطلق المتخلفين عن الجهاد، مشفوعاً بالتهديد. والسرُّ الفنيُّ وراءَ ذلك هو: أنَّ النصَّ القرآني الكريمَ ما دام يستهدفُ تخصيصَ هذا القسمِ من السورةِ بعْرضِ سلوكِ (المنافقين) الذين يَظَلُ التخلّفُ العسكري أبرزَ مَعالمِه، حينئذٍ فإنّ التمهيدَ له (من زاويةِ البناءِ الهندسي للسورة) بحديثٍ عن التخلفِ بعامةٍ: يشكلُ تنميةً عضويةً لهذا المفهومٍ،

 

______________________________________________________

الصفحة 144

 

بخاصةٍ إذا أخذنا بنظر الاعتبارِ أن عمليةَ التخلّفِ عن الجهادِ لا يصدرُ عنه عادةً إلاّ من كان مريضَ النفسِ أو الفكرِ، لذلك فإن ثمةَ عنصراً مشتركاً بين ضعافِ الشخصيةِ: إسلامياً وبين المنافقين في هذا الميدانِ من السلوك وإن كان التفاوتُ في الدرجةِ بينهما من الوضوحِ بمكانٍ: بصفةِ أنّ المنافقين يجسّدُون أعلى درجاتِ الانحرافِ، بعكسِ ضعاف الإسلاميين الذين لا يبلُغون درجةَ الانحراف عند المنافقين.

المهمُ، أن هذا التمهيدَ بالحديث الموجّه إلى المسلمين، صدّرهُ النصُّ بالتساؤلِ أولاً: لماذا تميلون إلى الدِّعة والإقامةِ في مساكنكم؟ وبالتساؤل ثانياً: أرضيتم بمتاع الحياة الدنيا دون الآخرة، مع أن متاع الدنيا قليل؟ ثم بتهديدهم بأنّ الله بمقدوره أن يستبدل قوماً غيركم، وبتذكيرهم بأن الله قادر على أن يحقق النصر دون الحاجة إليهم: كما حققه بالنسبة لمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ غداة هاجر إلى المدينة حيث انتصر على المنحرفين في جميع مراحل الرسالة، بدءً من عملية الغار التي أشار النص القرآني الكريم إليها، وانتهاءً بما نعرفه جميعاً من الفتوحات في هذا الميدان.

ومن البيّن أن هذا التمهيد سوف تكون له جملة من الانعكاسات على الأجزاء الأخرى من سورة التوبة بحيث يمكن القول: ان طرح مفهومات من نحو (إيثار المتاع الدنيوي) (استبدال قومٍ بآخرين) (تحقيق النصر بدون الحاجة إلى المتخلّفين)... الخ. هذه المفهومات تشكّل مبادئ فنيّة تلقي بإنارتها على الأجزاء اللاحقة من السورة مما يكشف لنا جانباً من الإحكام العماري للسورة كما قلنا، وهو أمرٌ نضطر إلى أن نشدّد عليه ما دام هدفنا منصبّاً في هذه المباحث على دراسة النص القرآني الكريم من خلال بناء النص بأكمله وعلاقة أقسامه جميعاً واحداً بالآخر.

المهم، أن النص القرآني الكريم خَتَم هذا التمهيد بآية: تمثّل الحثّ على

 

______________________________________________________

الصفحة 145

 

الجهاد بعد أن كانت الآيات السابقة تقوم بمهمة التذكير من جانب والتهديد من جانب آخر.

تقول الآية: (انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).

الحثُ على الجهاد في هذه الآية الختامية يشكّل تتويجاً لكل مستويات الطرح لمفهوم (الجهاد) الذي مُهّد له بالمقدمة المشار إليها، حيث أوضحت الآية عملية (النفر) بمستوييه: الخفيف والثقيل، أي ـ وفقاً للنصوص المفسّرة ـ النفر: شبّاناً وشيوخاً أو أغنياء وفقراء أو عزاباً ومتزوجين، الخ، فضلاً عن الجهاد بنمطيه: الأموال والأنفس، وهذا يعني أن النص القرآني الكريم شدّد على الجهاد في سبيل الله بكل مستوياته وأنماطه وهو ما تستهدفه السورة أساساً عبْر طرحها لمختلف الأفكار المتصلة بهذا الجانب، بما في ذلك: رسمها للفئات الاجتماعية المتنوعة التي بدأتها بالوثنيين، فالكتابيين، فالضعاف فكرياً ونفسياً، وأخيراً بفئة (المنافقين) الذين سيتكفل القسمُ الجديد من سورة التوبة بعرض سلوكهم المنحرف حيال عملية (الجهاد).

 

* * *

 

يبدأ النص القرآني الكريم برسم سلوك (المنافقين) في هذا القسم الذي نتحدث عنه، دون أن يعرّفنا هوياتهم، بل احتفظ بذلك ليكشفه في مكانٍ آخر من السورة تحقيقاً لعنصر (التشويق الفني) في رسم الشخصيات، فضلاً عن أنّ الحديث عنهم جاء في سياق الكلام على ظاهر التخلّف عن سوح الجهاد: حيث يشترك ضعاف الإيمان أيضاً في عملية التخلّف المذكورة، مما يتطلّب التدرّج الفني في الكشف عن هوياتهم إلى حين الانتهاء من رسمِ سماتهم.

لقد رسمهم النص بهذه السمة أولاً: (لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتّبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم

 

______________________________________________________

الصفحة 146

 

يهلكون أنفسهم والله يعلم إنّهُم لكاذبون * عَفَا الله عنك لِمَ أذنتَ لهم حتى يتبيّن لك الذين صدقوا وتَعْلَم الكاذبين).

الخطابُ موجّه إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، ودلالاتُه تُشير إلى أنّ فئةً من الناس: لو كان النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ يدعوهم إلى (غنيمة) عسكرية قريبة إليهم: لاستجابوا له، ولكن بما أن ساحة المعركة بعيدة: حينئذٍ لا أمل في إجابتهم... لذلك نجدهم يحلفون بالله بأنهم لو استطاعوا ذلك، لساهموا في المعركة.

النص القرآني، لم يقل لنا مباشرةً: ان النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ كان يدعو هذه الفئة إلى الاشتراك في إحدى المعارك وهي (معركة تبوك) البعيدة عن عاصمة الإسلاميين، بل أن المتلقّي (المستمع أو القارئ) يستخلص ذلك من خلال الحوار الفنيّ الذي صيغ بنحوٍ تتكشف من خلاله طبيعة الأحداث، حيث نجد أن الحوار المذكور ينطوي على خطاب من الله تعالى للنبيّ يقول له (لو كان عَرَضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك) حيث نستنتج واقعةً سابقة قد حذفها الحوار هي أنّ النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ قد حثّ جماعة على القتال. كما أن هذه الجماعة لا تزال غير محدّدة في ذهن المتلقّي، لكن ما أن نتابع الخطاب حتى نستكشف تدريجاً هوية الفئة المذكورة...

هنا سوف نتابع الوقوف على سمات هذه الفئة المنحرفة دون أن نقرن ذلك بالحديث عن الصياغة الفنية للنص: نظراً لانطواء كل آية ـ بما تتضمنه من حوار أو رسم شخصية ـ على مادة غنيّة من سمات الفن فيما يتطلب الوقوف عليها جهداً يصرفنا عن إلقاء الإنارة على الهيكل العام للسورة حيث نحرص على إبراز هذا الجانب العماري منها فحسب.

ومهما كان، فإن أوّل رسمٍ لسمات هذه الجماعة، متمثلاً في كونهم سوف يستجيبون لنداء النبيّ في حالة كون المعركة لا تكلّفهم أدنى جهد بقدر ما يفيدون منها في كسب الغنائم الحربية مثلاً... من هذا الرسم، نستخلص

 

______________________________________________________

الصفحة 147

 

أن هذه الجماعة تنتسب إلى (المنافقين): بصفة أن (النفعية) هي السمة المميّزة للنفاق. صحيح أن ظاهرة (جرّ المنفعة) تطبع غالبية الفئات المنحرفة، إلا أن تكثيف الكلام عليها والبدء بذكرها: ثم متابعة ذلك بمزيد من إلقاء الضوء عليها: يكشف لنا أو لا أقل يجعلنا نتبين فنياً بأن الجماعة المذكورة تنتسب إلى (النفاق) بخاصة أن النص ذكر لنا مباشرة بأنهم (سيحلفون بالله) قائلين (لو استطعنا لخرجنا معكم)، حيث أن (الحلف) بالله يفصح عن كون الشخصية تظهر شيئاً وتستبطن شيئاً آخر وهي سمة (النفاق)، فهؤلاء يظهرون أو يفتعلون سمة الإيمان من خلال حلفهم بالله تعالى، ومن خلال إدعائهم بأنهم لو استطاعوا المساهمة في القتال: لفعلوا، في حين يبطنون الكفر من خلال لهاثهم وراء (جرّ المنفعة، فحسب: تبعاً لأعماقهم التي فضحها الله بقوله تعالى (لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك).

إذن، نستخلص أنّ هذه الفئة التي بدأ النصُ القرآني الكريم بعرض سماتها بهذا النحو أنها فئة (المنافقين). بل أن الآية التي عاتبت النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ على سماحه لهم بعدم المشاركة تكشف بما لا لبس فيه بأن (النفاق) هو الطابع الذي يسم هذه الجماعة. قال الله تعالى (عفا الله عنك لِمَ أذنتَ لهم حتى يتبيّن لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين).

واضح، أن (الكذب) هو المظهر التعبيري الكاشف عن (النفاق) حيث طلب الله تعالى من النبيّ أن يفرز (الكاذب) عن (الصادق) في إدعائه، أي الكاذب عدم استطاعته المشاركة في القتال.

أكثر من ذلك، ما أن نتابع النص حتى تواجهنا آيتان جديدتان تكشفان بنحوٍ لا مجال فيه لأي تردّد من أن (النفاق) هو الطابع العام للجماعة المذكورة، ولنقرأ: (لا يستأذنك الذين يؤمنون باللهِ واليومِ الآخرِ أنْ يُجاهِدوا بأموالهم وأنفسهم والله عَلِيمٌ بالمتّقين * إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله

 

______________________________________________________

الصفحة 148

 

واليومِ الآخِر وارتابت قلوبهم فهم في ريبِهم يتردّدون).

 

إن هذه الفقرة الأخيرة (وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يتردّدون): تشكّل ملاحظةً عيادية في فهمنا لشخصية (المنافق)، بصفة أنّ (الشك) الذي يطبع أعماق المنافق يدفعه إلى أن يتردد أو لنقل: يدفعه إلى مواجهة (الصراع) في الموقف: حيث يتمزق بين إقدام أو إحجام في تجاوز الموقف، إنه ـ من جانب ـ لا يملك يقيناً بالموقف الأخروي (لا يؤمنون بالله واليوم الآخر)، كما أنه ـ من جانب آخر ـ يتطلّع إلى (جرّ المنفعة) الدنيوية (لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصدا لاتبعوك)، وحيال ذلك لا بدّ أن يتمزّق نتيجة (الصراع) حينما يواجه موقفاً جديداً هو: الذهاب إلى ساحة القتال، البعيدة عنه (معركة تبوك) حيث تتناهبه نوازع شتّى: من إمكانية جر المنفعة، وبُعد الشقة (ولكن بعدت عليهم الشقة)، ثم بما يستتبع ذلك من حلفٍ بالله (وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم) ثم بما يقترن به من (خوف) الفضيحة لسلوكه (على نحو ما يحدثنا القرآن الكريم به في مقاطع لاحقة من السورة) بحيث يجعله متردداً في ريبه (وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون) بالشكل الذي تقدم الحديث عنه.

 

* * *

 

قال تعالى في معرض كلامه على المتخلّفين عن التوجه إلى ساحة القتال، ونعني بهم: المنافقين الذين استأذنوا النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ في عدم الخروج: (ولو أرادوا الخروج لأعدّوا له عُدَّةً ولكن كَرِهَ الله انبعاثَهُمْ فَثَبَّطُهم وقيل اقعدوا مع القاعدين).

هذه الآية تشكل إمتداداً لما سبقها من النصوص التي بدأت برسم شخصيات (المنافقين) دون أن تذكرهم بسمة (النفاق): لغرضٍ فنيّ هو التدرّج في ذكر سلوكهم واحداً بعد الآخر تمشياً مع ما يتطلبه البناء العماري للسورة

 

______________________________________________________

الصفحة 149

 

من تنامٍ وترابط عضوي لها، فقد سبق للنص القرآني الكريم إن ذَكَر جانباً من سلوك هؤلاء المتخلفين عن سوح الجهاد مثل: كونهم يحلفون بالله بأنهم لا يستطيعون المشاركة، حيث عاتب الله تعالى نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ بتصديق ادعائهم.

هنا، يقدّم النص القرآني دليلاً فنياً على ذلك هو: كونهم (لو أرادوا الخروج لأعدّوا له عدة)، أما أن يكتفوا بمجرد الكلام فهذا يعني كذب ادعائهم، ولذلك عاتب الله تعالى نبيه قبل ذلك ـ كما قلنا ـ قائلاً (لِمَ أذنتَ لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين): بمعنى أن الجواب الفني على العتاب المتضمن تبيين الصادق من الكاذب، هو: أنهم لو أرادوا الخروج لأعدّوا له عدة.

لكن خارجاً عن هذا الجانب الفني: يبدأ النص القرآني الكريم بمرحلةٍ جديدة من الرسم لهذا النمط المتخلف عن ساحة المعركة، مبيّناً أن مساهمتهم في المعركة ـ إذا قُدّر ذلك ـ لم ينطوِ على أية مصلحة إسلامية، بل على العكس: أنّ مشاركتهم في ساحة القتال تستتبع أضراراً عسكرية. لقد بيّن النص القرآني، أولاً أن الله تعالى كره (انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين)، أي: أن معرفة الله سلفاً بما تنطوي عليه أعماقُهم من مشاعر كاذبة وعدوانية، قد استتبعت أن يجعلهم محرومين عن المساهمة في القتال بحيث لم يوفّقهم لذلك.

هنا ينبغي أن نقف عند الفقرة الحوارية التي تقول: (وقيل: اقعدوا مع القاعدين). فالملاحَظ أن المعنيين بشؤون التفسير احتمل بعضهم أن يكون القائل هو النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ على وجه التهديد لهم، واحتمل البعض أن يكون القائل: أصحابهم الذين منعوهم من المشاركة في القتال. أما في تصورنا، فإن هذا الحوار من المحتمل جداً أن يكون على وجه الحوار الداخلي أو الموجَّه إليهم من الله تعالى. وأهمية مثل هذا النمط من الحوار تتصل بجانبٍ فنيّ هو:

 

______________________________________________________

الصفحة 150

 

إنطواؤه على دلالات تتناسب مع ما قلناه من أن معرفة الله سلفاً بسلوكهم القائم على الكذب والعدوان، استتبعت أن يكرههم الله، حيث تقول الآية الكريمة (ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين). إن كون الله تعالى قد كره انبعاثهم: يظل أمراً غيبياً بدليل العتاب الذي وجهه الله لنبيّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ بتصديق كلامهم، كما أن كون الله قد ثبطهم عن القتال، يظل أمراً غيبياً بحيث مسح من أعماقهم نزعة الخير وطبع على أفئدتهم بحيث حجزها ذلك عن المشاركة في القتال، وإذا كان الأمر كذلك، فإن الفقرة القائلة (وقيل اقعدوا مع القاعدين) لا بدّ أن تكون إمتداداً لعنصرٍ غيبيٍ هو: مخاطبتهم على وجه (المجاز): إذا سُمِحَ لنا باستخدام اللغة البلاغية، وأمّا إذا نقلنا الأمر إلى اللغة القصصية، فيمكن القول بأن الخطاب المذكور هو حوار إنفرادي من نحو (وقيل يا أرض ابلعي ماءك...الخ) أي: أن إرادة الله تعالى شاءت أن يغور الماء كما أن إرادته شاءت أن يقعد هؤلاء مع القاعدين الذين لم يوفّقوا لعمل الخير.

المهم، إن الحوار المذكور يتضمن ـ في تصوّرنا الفني ـ دلالة جمالية بالغة القيمة: من حيث كونها تتناسب فنيّاً مع واحدةٍ من ظواهر التعامل: تعامل الله مع عباده من خلال معرفته سلفاً بما سوف يختارونه من سلوك، وتكييف مختلف ممارساتهم وفق المعرفة المُشار إليها بحيث يوفّق البعضَ ويُضلّ البعض الآخر تبعاً للتكييف المذكور.

وأياً كان الأمر، فإن النص القرآني الكريم: بعد أن أشار إلى أن الله تعالى كره انبعاث هؤلاء المأذون لهم بعدم الخروج إلى ساحة المعركة، إتجه النص حينئذٍ إلى تبيين المصلحة العسكرية في تخلّفهم: حيث أوضح قائلاً: (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلاّ خَبَالاً ولأَوْضَعُوا خِلاَلكم يبغونكم الفِتْنَةَ وفيكم سَمَّاعُونَ لَهُم والله عليمٌ بالظالمين) معنى ذلك: أن هؤلاء المتخلّفين عن ساحة

 

______________________________________________________

الصفحة 151

 

المعركة، لو قُدّر لهم أن يشاركوا فيها لَصَدر منهم مزيدٌ من الشر والفساد والجبن، كما أنهم سوف يمارسون أعمالاً تتصل بتفرقة المقاتلين وتثبيط هممهم: بخاصة، وأنه ـ كما يقول النص ـ (وفيكم سمّاعون لهم) أي: الضعاف نفسياً أو فكرياً ممن يتأثر بكلامهم، فينعكس ذلك سلبياً على سير المعركة ونتائجها.

نستخلص من ذلك، أن تخلّف هؤلاء عن المشاركة في المعركة، ينطوي على مصلحة عسكرية لجانب الإسلاميين. كما أنه (من الزاوية الفنيّة) يشكل جواباً على الفقرة الحوارية (وقيل: اقعدوا مع القاعدين) بصفة أنّ قعودهم يظل في صالح الإسلاميين كما قلنا، فضلاً عن أنه ينعكس على مصائر المتخلفين أنفسهم بالنحو الذي سنتحدث عنه لاحقاً إنشاء الله.

 

* * *

 

(لحظنا أن القرآن الكريم عند رسمه لسلوك المنافقين الذين أُذِن لهم بعدم المشاركة في سوح الجهاد ـ أشار إلى أنهم لو قدّر لهم المشاركة في المعركة لترتب على ذلك ضرر عسكري يتمثل في تفرقتهم للكلمة وفي صدور الفساد والشرِّ والجبن عنهم)...

والآن: يقدم النص القرآني الكريم دليلاً على ذلك، يتمثل في تجربة سابقة للمنافقين، يقول النص مخاطباً النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ: (لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورُ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ)...

خارجاً عن النصوص المفسّرة، يمكننا (من الزاوية الفنية) أن نقول: إن هذه الآية تقدّم دليلاً تجريبياً على أن المنافقين سبق لهم أن مارسوا عمليات شريرة في نطاق المعارك، ولكن الله خذلهم وكان النصر لصالح الإسلاميين. وهذا الدليل التجريبي يشكّل جواباً فنيّاً لآية سابقة تقول (لو خرجوا فيكم ما زادُوكم إلا خبالاً ولأوْضعُوا خِلالَكُمْ يَبغونَكُم الفِتنةَ وفيكم سمّاعون لهم).

 

______________________________________________________

الصفحة 152

 

أما في نطاق النصوص المفسّرة، فإن الأمر يتضح بجلاء حينما تنقل لنا هذه النصوص بأن الدليل الحسي السابق كان في معركة (أُحد) حينما انسحب أحد كبار المنافقين ومعه ثلث الناس قبل أن يصلوا إلى ساحة المعركة حيث استثمر هذا المنافق عدم التزام الإسلاميين باقتراحه العسكري القاضي بأن يبقى الجيش الإسلامي داخل المدينة المنوّرة بدلاً من الخروج إلى ساحة (أُحد)، فحث قسماً كبيراً من الجند على الانسحاب، مستهدفاً بذلك: الفتنة، وفقاً لما وصفته الآية الكريمة بقولها: (لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلّبوا لك الأمور) ولكن ـ رغم ذلك ـ (جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون).

وهذا نموذج واحدٌ من سلوك المنافقين (في حالة مشاركتهم العسكرية)، وهو طلب الفتنة ابتغاء البحث وراء الغنائم (لو كان الأمر عَرَضاً قريباً وسفراً قاصداً). وأمّا خارجاً عن ذلك، فإن تقديم الأعذار والهروب من المشاركة في ميادين القتال يظل هو الوجه الآخر من سلوكهم...

لقد قالوا من قبل (لو استطعنا لخرجنا معكم) إلى ساحة القتال، ولكنّ الله كره انبعاثهم فثبطهم. وها هم الآن، يقدّمون أو يصطنعون مسوّغاً آخر لعدم المشاركة في المعركة. يقول النص:

(ومنهم مَن يقول ائذن لي ولا تفتني إلا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين).

إن هذا الكلام يظل في الذروة من السلوك القائم على مفهوم (النفاق)، حيث نجد أنّ مَن يطلب (الإذن) من النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ بعدم الخروج إلى ساحة القتال، يلتمس عذراً يبدو وكأنه مشروع كل المشروعية، ألا وهو عدم الوقوع في الفتنة، أي عدم الوقوع في مخالفة مبادئ الله...

المهم: أن النص القرآني الكريم حينما يتابع رسمه لشخصيات المنافقين، إنما ينتخب من نماذج السلوك ما يفصح عن أشدّ مستوياته تعبيراً

 

______________________________________________________

الصفحة 153

 

عن النفاق: حيث رسمهم (نفعيين) صرفاً لا يتحركون إلا من خلال الظفر بغنيمة عسكرية، ورسَمَهم (عدوانيين) صرفاً لا يتحركون إلاّ لتفرقة الكلمة، ورسَمَهم (كذّابين) صرفاً: يصطنعون الخوف من وقوعهم في مخالفة أوامر الله وهم اشد أعداء الله...

وها هو النص القرآني الكريم يرسمهم الآن بسمةٍ عامة يختم بها المقطع القرآني الخاص بمعالجة الموقف العسكري الذي يتحرك المنافقون من خلاله، وهو قوله تعالى مخاطباً النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ: (إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ).

واضح، أن هذه الآية الكريمة تمثّل موقعاً فنيّاً له أهميته من حيث البناء الهندسي لهذا القسم من السورة. فبها يُختتم المقطع المتمثل بسلوك المنافقين في صعيد التعامل العسكري، كما أنها تلخص حصيلة البناء النفسي لشخصية المنافق في التعامل العسكري المذكور. أنها توضح لنا أن استجابة الألم والفرح في شخصية المنافق: تقترن بمشاعر (الكراهية) بنحو عام للمبادئ الإسلامية المتمثلة في شخصية النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، فهو ـ أي المنافق ـ يتألم حينما يحقق الإسلاميون نصراً عسكرياً، ويفرح: حينما تنزل الشدّة بالإسلاميين، يفرح أولاً لمجرد مشاهدته نزول الشدة بالإسلاميين، ويفرح أيضاً: لنجاته هو من الشدة المذكورة.

ومن البيّن أن سمة (الكراهية) تبلغ ذروتها عند المرضى، حينما لا يكتفون بتحسس اللذة من خلال مشاهدتهم آلام الآخرين بل يغمرهم الفرح الأشد حينما يسلمون هم من شدّة متوقعة، وهذا ما أوضحه النص القرآني الكريم بجلاء حينما نَقَل لنا حوارهم مع أنفسهم أو جماعتهم: (وإن تصبك مصيبةٌ يقولوا ـ وهذا هو الحوار ـ قد أخذنا أمرنا من قبل)، ثم (يتولّوْا وهم فرحون).

 

______________________________________________________

الصفحة 154

 

وأياً كان، فإن مشاعر (الكراهية) التي تطبع أعماق المنافقين، تظل ـ من حيث الفاعلية ـ في نطاق داخلي لا يتجاوز دائرة شخصياتهم، أما انعكاساتها على الصعيد العسكري، فأمر لا أثر له البتة، بالنحو الذي يوضّحه النص القرآني الكريم.

 

* * *

 

قال تعالى: (قل لن يصيبنا إلاّ ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكّل المؤمنون * قل هل تَرَبَّصون بنا إلاّ إحدى الحُسنيين ونحنُ نتَرَبَّصُ بكم أنْ يُصيبكُم الله بعذابٍ من عندِه أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون).

هذه الملاحظة، أو التعقيب المذكور، أي: قوله تعالى: (قل لن يصيبنا إلاّ ما كتب الله لنا...الخ) تنطوي على حقائق فكرية وفنيّة بالنسبة إلى السياق الذي وردت فيه فضلاً عن إنطوائها مطلقاً على حقائق عبادية بالغة القيمة... أما بالنسبة إلى حقائقها العبادية: فهي تتضمن طرحاً لصياغة المصائر البشرية دنيوياً وأخروياً...، إسلاميين ومنحرفين... فهناك (في اللوح المحفوظ) كتب الله الآجال: من حيث قصرها وطولها... من حيث انتسابها إلى سببٍ من القتل أو حادث آخر أو إفضاء طبيعي إلى الموت... كل أولئك وفقاً لمعرفة الله سلفاً بما سوف يسلكه الآدميون من سلوكٍ قائم على عنصر الاختيار خيراً أو شرّاً، ثم تكييف المصائر وفقاً للسلوك المذكور من جانبٍ ووفقاً لمتطلبات حكمة السماء من جانبٍ آخر.

المهم، في الحالات جميعاً تظل المصائر البشرية ـ تبعاً لما أوضحناه ـ مُصاغة من قِبَل الله تعالى وليس إنعكاساً لرغبات الآدميين بما يواكبها من تمنيات إيجابية أو سلبية، من أطراف نظيفة أو منحرفة...الخ.

وإذا كان الأمر كذلك، حينئذٍ: لو عدنا إلى السياق الذي وردت فيه هذه الحقيقة العبادية العامة للحظنا ـ من الزاوية الفنية ـ أن النص القرآني الكريم

 

______________________________________________________

الصفحة 155

 

طَرَح مفهوماً عاماً أو كلياً من خلال الخاص أو الجزء، وهذا الخاص أو الجزء هو: قضية (المنافقين) عبْر سلوكهم القائم على الاستجابة الشاذة التي صدرت عنهم حيال النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ والإسلاميين متمثلة في فرحهم بالشدّة التي تلحق الإسلاميين وفي استيائهم من النصر الذي يلحق الإسلاميين: حيث أجابهم الله تعالى بأن ما يلحق الإسلاميين: نصراً أو شدة إنما هو وفق إرادة السماء وليس إنعكاساً لرغبات المنافقين الكريهة.

وهذا جانب من القضية.

أما الجانب الآخر فيتضمّن تفصيلاً لما أجمله النص القرآني الكريم في هذه القضية، حيث أمَر محمّداً ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ بأن يقول لهم: ((هل تربّصون بنا: إلاّ إحدى الحسنيين؟؟)) وأن يقول لهم بعد ذلك: (نحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذابٍ من عنده أو بأيدينا) وأن يقول لهم في النهاية: (فتربصوا إنا معكم متربصون). الحقّ: أن المُتلقّي ليدهش (من حيث القيم الفنية والنفسية) لهذا الجانب من الطرح القرآني الكريم... فبغض النظر عن المبنى الهندسي الذي وازَنَ بين جزئيات هذا القسم من السورة من حيث تناميها وترتّب أحدها على الآخر، نجد: أن هذه الإجابة تشكّل (مُثيراً) مؤلماً أشدّ الإيلام بالنسبة إلى المنافقين. فالمنافقون قد تركهم النص القرآني قبل قليل وهم يتولّون (فرحين) بالشدة التي تصيب الإسلاميين: قائلين لأنفسهم أو جماعتهم (قد أخذنا أمرنا من قبل)، أي: كنّا على حذر حيث لم يُصبنا سوء في هذه المعركة أو تلك. لكن، سرعان ما مُسِحَ هذا الفرح من أعماقهم عندما باغتَهم النصُ القرآني الكريم بالحقيقة المذكورة وهي:

أولاً: هل تنتظرون لنا إلاّ واحدة من نعمتين كبيرتين هما: النصر العسكري أو النصر الأخروي؟.

ثانياً: بينا نحن نتربص بكم وننتظر لكم أن تصيبكم واحدة من نقمتين

 

______________________________________________________

الصفحة 156

 

كبيرتين هما: العذاب الأخروي أو العذاب الدنيوي بأيدينا.

ثالثاً: إذن انتظروا أنتم بما سيصيبنا من إحدى النعمتين، ونحن ننتظركم ما يصيبكم من إحدى النقمتين.

للمرة الجديدة، أن المرء ليدهش حيال هذه الصياغة ذات الإثارة فنيّاً ونفسياً، فهو من جانب يُلاحظ أنه إزاء مُلاحظة عبادية يطالب النصُ النبيّ بها من خلالها بالتعامل مع المنافقين وفقاً لإجابة تسدّ كل ما حملوه من فرَح مَرَضي حيال المعارك الإسلامية، كما أنه من جانب آخر يلاحظ أنه إزاء عمارة هندسية تقوم الأفكار المطروحة من خلالها على لغةٍ منطقية تترتب فيها كلّ نتيجةٍ تبعاً لمقدمتها، وتتفرّع تبعاً لسابقتها، حيث لحظنا كيف أن النص القرآني الكريم أوضح بأن إحدى الحُسنيين هو من نصيب الإسلاميين، ثم قابله هندسياً مع أحد العذابين بالنسبة للمنافقين، ثم رتّب على ذلك: نتيجة نهائية هي: ليتربص كل من الإسلاميين والمنافقين واحداً قبالة الآخر: حيث يستخلص المتلقّي أنّ نتيجة التربص ستكون لصالح الإسلاميين... كل ذلك، تمّ ـ كما لحظنا ـ وفق عمارة فنيّة تحقّق إمتاعاً فكرياً وجمالياً، أي: تحقّق إيصال الأفكار المتصلة بمفهوم الجهاد في سبيل الله من خلال لغة الفن.

 

* * *

 

قال تعالى: (قل أنفقوا طوعاً أو كَرهاً لن يُتقبّل منكم انكم كنتم قوماً فاسقين * وما مَنَعهم أن تُقبل منهم نفقاتُهم إلاّ أنَّهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلاّ وهم كُسالى ولا يُنفِقون إلاّ وهم كارهون * فلا تُعْجِبكَ أموالُهم ولا أولادُهم إنما يريد الله ليُِعَذِّبهم بِها في الحياةِ الدنيا وتَزْهَقَ أنفُسُهم وهم كافرون).

نواجه الآن مقطعاً جديداً من سورة التوبة، يتصل بالحديث عن (المنافقين). وقد كان المقطع السابق من السورة يتحدث عن المنافقين من

 

______________________________________________________

الصفحة 157

 

خلال السلوك العسكري الذي صدروا عنه... أما الآن فيتحدث النصُ القرآني الكريم عن المنافقين من خلال التعامل الاقتصادي الذي يصدرون عنه.

من خلال عمارة السورة، ينبغي أن نضع في الاعتبار أنّ الفكرة العامة للسورة هي الجهاد في سبيل الله وأن الحديث عن المنافقين جاء في سياق الفئات الاجتماعية التي تواكب العملية المذكورة، وأن السلوك العسكري للمنافقين يمثل: الوجه البارز منه، وأن الانتقال من السلوك العسكري إلى السلوك الاقتصادي يتمثل في وجود عنصر مشترك في عملية الجهاد هو الإنفاق، وأن السلوك الاقتصادي هو شريحة أخرى من أنماط السلوك العام للمنافقين فيما يظل النّص القرآني الكريم معنياً برسمه في هذا القسم من السورة.

والآن، بعد أن اتضح لنا البناءَ الفني للسورة بكل جزئياته المتجانسة فيما بينها كما لحظنا، نتجه إلى دراسة المقطع نفسه من الزاوية الفكرية...

لقد أوضح النص القرآني الكريم بأن عملية (الإنفاق) التي يصدر المنافقون عنها ليست موضع تقبّل سواء أكان ذلك طوعاً أم كَرهاً، نظراً لاتّسامها بطابع النفاق، أي عدم صدورها عن إيمان واقعي برسالة الإسلام...

ويُلاحظ أن النص استشهد بنمطين من سلوك المنافقين هما: الصلاة التي لا يمارسونها إلا وهم كُسالى، والإنفاق الذي لا يمارسونه إلاّ وهم كارهون بعد أن أوضح بأنهم كفروا بالله ورسوله.

من حيث البُعد الفنيّ لهذه الصياغة القرآنية، ينبغي أن نقف عند جملة من السمات، منها: الإشارة إلى أن الله لا يتقبّل إنفاقهم لا طوعاً ولا كرهاً: مع العلم أن الآية الكريمة أوضحت في نهايتها بأن إنفاقهم يتمّ كَرهاً وليس طوعاً، فما هو السرّ في ذلك؟

يتمثل السرّ الفني في ذلك: أن عملية الانفاق من الممكن أن تتم طوعاً

 

______________________________________________________

الصفحة 158

 

أيضاً وذلك في حالات خاصة تعود على المنافق بالفائدة العابرة، لذلك من المحتمل أن يكون النص القرآني قد استهدف سدّ هذه المنفعة عليهم أيضاً. ومن الممكن أيضاً: إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن المنافقين وغالبية المنحرفين لا يعني أنهم في الحالات جميعاً لا يصدرون عن قناعة وجدانية بمشروعية الإسلام بقدر ما يؤثرون الحياة الدنيا على ما يقف أمام حاجاتهم غير المشروعة، لذلك نجدهم يتخوفون ـ وهذا ما سوف نلحظه في مقاطع لاحقة من السورة الكريمة ـ من إفتضاح سلوكهم من خلال الوحي مما نستخلص منه أنهم قد تستيقن أنفسهم بالحق إلا أنهم ينكرونه جحوداً فحسب كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك في مواقع أخرى بالنسبة إلى مطلق الكافرين.

المهم، أن النص القرآني الكريم، استشهد بنموذجين من سلوك المنافقين ليدلّل ـ فنيّاً ـ على عدم تقبّل نفقاتهم هما: الصلاة التي يمارسونها وهم كسالى، والانفاق الذي يمارسونه وهم كارهون.

وقد يُتساءل: ما هو السرّ الفني في إقحام (الصلاة) ـ وهي ممارسة حركية ـ في سياق الحديث عن الجانب الاقتصادي لسلوك المنافقين؟؟.

سرّ ذلك: أن النص في صدد التدليل على عدم تقبّل نفقاتهم، حينئذٍ فإن الاستشهاد بأهم ركنٍ إسلامي يظل موسوماً بضرورةٍ فنية في هذا الصدد، لذلك ما أن استشهد النص بظاهرة الصلاة حتى أردفها بالحديث عن نفس الجانب الاقتصادي لسلوكهم هو (الانفاق) حيث ذكر بأن عدم تقبّله ناجمٌ من كونه إنفاقاً على كره وليس إنفاقاً تلقائياً تفرضه مبادئ الإسلام.

ويُلاحظ ـ في نهاية المطاف، أن النص القرآني: ختم حديثه عن هذا الجانب بأن أموال المنافقين وأولادهم لا تعني شيئاً بقدر ما تمثّل استدراجاً لهم (إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون).

واضحٌ، إن مثل هذه الإشارة إلى المال والولد (في سياق التقبّل للنفقات

 

______________________________________________________

الصفحة 159

 

 

 

وعدمه) تعني انتفاء قيمتها أساساً بالنسبة إلى المنافقين، فما دامت لم تُستثمَر عبادياً: حينئذٍ فإنها ستعود عليهم بخسارٍ كبير (علماً: بأن سلوكهم المنافق قائم في جزء كبير منه على المعيار الاقتصادي المذكور)، فإذا كان هذا المعيار نفسه سوف يجرّ عليهم العذاب: حينئذٍ فما فائدة صدورهم عن أمثلة هذا السلوك؟ وبهذا أمكننا ـ فنيّاً ـ أن ندرك جانباً آخر من عمارة السورة القرآنية الكريمة.

 

* * *

 

قال تعالى عبْر حديثه عن المنافقين:

(ويلحفون بالله إنَّهُم لَمِنكم وما هم منكم ولكنهم قومٌ يَفْرَقُونَ لو يَجِدُون مَلْجَأ أو مَغَاراتٍ أو مُدَّخَلاً لَوَلَّوا إليه وهم يَجْمَحون).

هذا المقطع يظل امتداداً للحديث عن السلوك الاقتصادي للمنافقين، وهو سلوك بدأ النصُ القرآني الكريمُ في مقطع سابق بالحديث عنه حيث ذكر لنا بأن المنافقين لَن تقبل نفقاتهم لا طوعاً ولا كرهاً؛ نظراً لعدم صدق إيمانهم بمبادئ الإسلام. وها هو ذا النصُّ القرآني يقدّم لنا جواباً فنيّاً على عدم صدق ممارساتهم العبادية من صلاة كُسالى و إنفاق مكره عليه، حيث يوضّح لنا حقيقة سلوكهم. أنهم يحلفون بالله بأنهم من المسلمين، ومن قبل وجدناهم يحلفون بالله بأنهم لا يستطيعون الخروج إلى ساحة القتال. (لا نغفلُ عن التجانس الفنيّ بين حلفهم بالله في أول مقطع من الحديث عن سلوكهم، وبين هذا المقطع الفاضح لأعماقهم)... أقول: انهم يحلفون بالله بأنهم من المسلمين، لكن: ينبغي أن نقف على السرّ النفسي وراء عملية الحلف بالله والإلحاح على ذلك.

من البيّن في لغة علم النفس المَرَضي أن الإلحاح على سمة لا حقيقة لها في أعماق المريض تعني (في لغة التشخيص للأمراض) مظهراً مضاداً لما في الأعماق، أي: بقدر ما يلحّ المريض على تثبيت تلك السمة بقدر ما يُفْصِحُ عن

 

______________________________________________________

الصفحة 160

 

مزيدٍ من نفيها في الواقع، ... وهذا ما نَلحَظُه بوضوح في سلوك المنافقين فمن الممكن ألاّ يكونَ النبيُّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ طَلَبَ منهم أن يحلِفوا على صدق ادعاءاتِهم بعدم استطاعتِهم المشاركةَ في القِتالِ (مع أن الملاحظ أن النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ لم يكن لِيُكْرِهَ أحَدَاً على القِتالِ، بل إنه في حالات كثيرةٍ كان ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ يخيّر الأشخاص بين المشاركةِ وعَدَمِها، وحينئذٍ فما هو المسوّغُ لأنْ تُمارَسَ عمليةُ الحَلْفِ من قِبَل المنافقين؟.

والأمْرُ نفسُه بالنسبة إلى الانتسابِ للإسلام. وحينئذٍ أيضاً: ما هو المُسوّغُ لعملية الحَلفِ بأنَّهم منَ المسلمين؟ لا شك أن الاضطراب النفسيّ الذي يَصْدُرونَ عنه يَحْملُهُم على أن يثبتوا سِمَةً مضادّةً لِمَصالِحهم وأن يلحّوا عليها حتى لو لم يُطْلَبْ إليهم ذلك: بغية إزاحَةِ التوتّرِ الدَّاخِلِي الذِي يَحْيُونَهُ.

والحَقُ، أنه بالرغم من أن مبادئ الإسلام لا تُكْرِهُ أحَدَاً على الانتساب إليهِ، إلاّ أنَّ المنافقينَ ـ في غمرةِ تَطَلُّعِهِمْ إلى أمْتِعَةِ الحَيَاةِ والخَوفِ مِنْ حِرْمانِهِم مِنها ـ يُضْطَرُّونَ إلى (النِّفَاقِ) في سُلوكِهم: بغية الاستمرارِ في تَدَفّقِ حاجاتِهم غيرِ المشروعة،... وهذا ما كَشَفَ عنه النَّصُّ القُرآني الكريم حينما أوضح أولاً بأنهم (قوم يفرقون)، أي: يخافون.

إذن، عُنْصُرُ (الخوف) يقف سبباً رئيساً وراء حَلْفِهم بالله بأنَّهم من المسلمين. ولذلك ـ وهذا ما أوضحه النصُّ القرآني الكريم أيضاً حينما تابع رسْمَ شخصياتِ المنافقينَ قائلاً عنهم (لو يجدون ملجأً أو مغاراتٍ أو مُدَّخَلاً لَوَلَّوا إليهِ وهم يَجْمَحون) أي: يُسرعون ـ لذلك نجِدُهم بسببٍ من هذا الخوفِ لا يألون جهداً في أيةِ فرصةٍ للإنسلال مِنْ مَوَاقِعِهم حيث قَدَّمَ القرآنُ الكريمُ في هذا الصَدَد صورةَ فنيّةً أو لنقل مَوقفاً فنياً يُعَبِّرُ بجلاءٍ عن درجةِ الخوفِ الذي يطبع المنافقين... فقد رسم النصُ القرآني الكريم أربعَة صورٍ أو أربعةَ مواقف تَتَّصِلُ بهذا الجانب: 1 ـ صورة (الملجأ)، 2 ـ صورة المغارة، 3 ـ صورة

 

______________________________________________________

الصفحة 161

 

المُدَّخَل، 4 ـ صورة الإسراع إلى المشاهِد الثلاثة... كان من الممكن أنْ يكتفِيَ القرآنُ الكريمُ برسمِ صورةٍ واحدةٍ من المشاهدِ المتقدمةِ، إلا أنه أمعن في رسم الصورةِ المذكورةِ بحيث تتجانسُ فنيّاً مع تَنوُّعِ مَصادِرِ الخَوْفِ الذي يَطْبَعُ المُنَافِقِينَ.

فصورة (الملجأ) تُفْصِحَ عن موضعٍ يَتحصَّنُ فيهِ الشخصُ، وصورةُ (المغارةِ) تُفْصِحُ عن نقبٍ في الجَبَلٍ يَسْتَخْفي فيه الشخصُ، وصورةُ (المُدَّخَلِ) تُفْصِحُ عن سَرَبٍ في الأرض وفقاً للتفسيرِ الوارد عنِ الإمام الباقِر عليه السلام.

ولو دَقّقْنَا النَظرَ في هذِه الصورة لَوَجَدْنا أنّ كلّ صورةٍ تقترن بعملية خوفٍ أشدَّ من سابِقَتِها تبعاً للتسلسل الفني لصياغةِ هذِهِ الصورِة، فقد رَسَمَ القرآنُ أوّلاًَ صورةَ (الملجأ) وهو أبْسَطُ أنواعِ المكانِ الذِي يُسْتَخفى فيهِ، ثم قَدَّمَ صورةَ (المغارةِ) وهي أكْثَرُ مِنْ سابِقتِها إمكانيةً في الاستخفاءِ حيث أنَّ النَقْبَ في الجبلِ أكْثرُ قابليةً على الاستِخفاءِ، ثُمّ قَدَّم صورة (المُدَّخَلِ) وهو (السَرَبُ) في الأرضِ بحيثُ يتحقق (الاستخفاء) تماماً.

إذن، جاءت الصياغةُ الفنيةُ لهذهِ الصورة ليستْ معبِّرةً عن جانبٍ جماليٍ يُثِيرُ أَشَدَّ الأحاسيس الجماليةِ عندَ المتلقّي فحسبْ، بل جاءت مضافاً إلى البُعدِ الجماليّ المُدْهِش، إفصاحاً عن درجةِ الخوفِ الذي يَطْبَعُ المُدْهِش، إفصاحاً عن درجةِ الخوفِ الذي يَطْبَعُ شخصياتِ المنافقين بحيثُ فَضَحَهم بنحوٍ يَجْعَلُنا نُطيل النَظَر في الصلةِ بين عملية (الحلف بالله) مع أنه لا ضرورة لها وبين درجة الخوف التي تحمل المنافقين على الحلف بالله بأنهم من المسلمين وما هم منهم. وهذا يعني: أننا أمام عمارةٍ فنيّةٍ بالغةِ الدهشة، تُحاوِلُ ـ من خلالِ لُغَةِ الفَنّ المُعْجِز ـ أنْ تَُقَدِّمَ لنا حقائقَ مختلفةً عن شخصيةِ المنافِقِ وطرائِقِ السُلُوكِ التي يَصْدُرُ عنها.

 

______________________________________________________

الصفحة 162

 

قال تعالى في رسمه لسلوك المنافقين: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ * إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)...

هذه الآياتَ امتدادٌ لآياتٍ سابقةٍ تتحدَّثُ عن التعامُلِ الاقتصادي المتصل بسلوكِ المنافقين. وقد كانت الآيات السابقة أو المقطع السابق من السورة يتحدث عن (الإنفاق). أما المقطع الذي نتحدث عنه الآن فيتناول جانب (العطاء)، أي أن هناك توازناً فنيّاً في رسم الجانب الاقتصادي من سلوك المنافقين متمثلاً في: نمط سلوكهم من حيث إنفاقُ المال في سبيل الله مقابِلَ أخْذِ المالِ بعنوانِ العطاءِ. وفي الحالين رسَمَ النصُ القرآني الكريم سلوكَ المنافقين: القائمَ على الالتواءِ في التعاملِ الاقتصادي... فقد لَحَظْناهم من حيثُ الانفاق قَدْ رَسَمَهم النصُ (مُكرهين) عليه، ونلحَظُهم الآنَ من حيث (العطاءُ) يَطْعَنُون ويعيبون على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فإذا أُعطوا رَضُوا وإذا لم يُعطوا غضبوا.

والحق، أن ظاهرة الرضا والغضب تبعاً للإعطاء وعدمهِ، تَظَلُّ سلوكاً يطبع غالبية البشر، وقد عقب الإمامُ الصادقُ ـ عليه السلام ـ على هذه الآية الكريمة قائلاً: ((إنَّ أهْلَ هذهِ الآية أكْثَرُ مِنْ ثُلْثَي الناس))، بيد أن (المنافقين) يظلون في مقدمة مَنْ يَطْبَعُه مثلُ هذا السلوك ما دامَ طابعُ (النفعية) هو السمةَ المميّزةَ لهم كما هو واضح.

المهم، أن نلاحظ الآن: البُعدَ الفنيّ أو لنقل: عمارة النص منْ حيثُ صِلَةُ هذا الجانِبِ بِما يَلْحَقُهُ من أفكار مطروحة في هذا المقطع.

 

______________________________________________________

الصفحة 163

 

لقد عقّب النصُ القرآني الكريمُ على سلوكِ المنافقينَ المذكور بقوله: (ولو أنَّهُم رَضُوا ما آتاهُمُ الله ورسولُه…الخ) كما عَقَّبَ بعد ذلك: راسماً الموارِدَ التي ينبغي أن تَتَّجِهَ الصدقاتُ إليه وهي موارِدُ الزكاةِ المعروفة: للفقراءِ، المساكين، أبناءِ السبيل…الخ. معنى هذا أن النّص: اتَّجَه إلى طرحِ أفْكار تخصُّ الإسلاميينَ وليس المنافقين.

وبكلمةٍ جديدةٍ: بعدما انتهى النَصُّ القرآنيُ الكريمُ من حديثِه عن السلوكِ الاقتصاديِّ للمنافقينَ (وهو حديثُ يخصُ فئةً مِنَ الناس): اتَّجَه من الجُزءِ أو الخاصِّ إلى الكُلِّ أو العامِّ، وهذا ـ كما نَعرِفُ جميعاً ـ سِمَةُ النصوصِ الفنيةِ التي تصِل بين العامَ والخاصَ، حيث يَتِم الانتقالُ من الخاصِّ إلى العام وفق أُسلوبٍ فنيٍّ يستهدِفُ توصيلَ الأفكارِ العامة من خِلالِ سَرْدِهِ لِنَماذجَ خاصَّةٍ مِنَ السُلُوك…

فالمنافِقُونَ: تأريخياً، لا يَحْيَونَ بأعْيانِهم في جَميعِ العُصُورِ، إلاّ أنَّ نِماذجَ سُلُوكِهم تَظَلُّ متكررةً دونَ أدْنَى شكٍ، وهو ما يُسوِّغُ ـ من الناحيةِ الفنيةِ ـ رَسْمَهُم بالنحوِ الذي لَحظناهُ في المقاطِعِ القرآنيةِ السابقة… لكن: ما يُسَوِّغُ ـ من الزاويةِ الفنية أيضاً ـ تَجَاوُزَهم زمنياً والانتقالَ منهم إلى رَسْمِ الأفكارِ الإسلاميةِ العامةِ التي لا تَخُصّ زماناً ومكاناً مُعيَّنينِ، هو: طابَعُ النُصُوصِ الفنيةِ،… وهذا ما تُمْكِنُ ملاحَظَتُهُ بِكل وضوحٍ في هذِه الآياتِ الكريمةِ التي نَتَحدَّثُ عنها الآن.

 

لقد رسم القرآن الكريم طابعاً عاماً لمبادئ الإسلام: من حيث التعامُلُ مع الصدقةِ أو الزكاةِ، فأوضح أولاًَ الجانبَ الأخلاقيّ لهذهِ الظاهرةِ، ثم أوْضَحَ الموارِدَ التي يَنْبغي أن تَتَّجهَ الصدقةُ أو الزكاةُ إليها… فمن حيثُ البُعد الأخلاقيُ: أوضحَ القرآنُ الكريم بأنّ (المنافقين) لو كانوا قد (رَضُوا ما آتاهم الله ورسولُه وقالوا حَسْبُنا الله سيؤتينا الله من فضلِه ورسولُه إنّا إلى الله راغبون)

 

______________________________________________________

الصفحة 164

 

لَكانَ خَيْراً لهم.

لكن، بما أنَّه من المُسْتَبْعَدِ أنْ يَصْدُرَ هؤلاءِ المنافقونَ عن أمثلةِ هذا السُلوكِ الخيِّرِ: حينئذٍ نُدْرِكُ على الفَوْرِ بأن الخطابَ موجّهٌ إلى الإسلاميين بطريقةٍ فنيةٍ، لذلك: طرحَ عليهم هذا المبدأ الأخلاقِي وهو: الرضا بما قُسِمَ لهم من العَطاءِ، أو حتى في حالَةِ المَنْع ينبغي أن يوكلوا ذلك إلى الله وأن تَظَلَّ أفئدتُهُم وألسنتُهُم تُرَدِّدُ (حَسبُنا الله سيؤتينا الله مِنْ فضلِه…).

وأمّا الجانبُ الآخَرُ مِنَ الأفكارِ المتَّصلةِ بالصدقةِ أو الزكاةِ فهو تحديدُ مَوارِدِها التي ذَكرَهَا النصُّ مفصّلاً حيثُ لَحَظْنَا أن النَّص القرآني الكريم، قَدَّمَ حُكْماً إسلامياً عامّاً لموارِد ذلك، وهو ما قلنا عنه: إنه نُقْلَة فنيَّةٌ مِنَ الحدِيثِ من الخاصِّ إلى الحديثِ عن العامّ الذِي تُعْنى بهِ جميعُ العُصورِ بالنسبةِ إلى الظاهرةِ الاقتصادية المذكورةِ.

والآن، بعد أن رسَمَ القرآنُ الكريم في هذا المقطع: الجانِبَ الاقتصاديَ من سلوكِ (المنافقين): يَتَقدَّمُ إلى رَسْمِ جانبٍ آخَرَ منه هو: السلوكُ العدوانيُ العامُّ للمنافقينَ.

هنا ينبغي أن نتذكَّرَ أن القرآن الكريم بدأَ أولاً بالحديثِ عن السلوكِ العسكري للمنافقين أتْبَعَهُ بالحديثِ عنِ السلوكِ الاقتصاديّ لهم، وها هُو الآن يَتَقدَّمُ إلى الحديثِ عن السلوكِ (العدواني) لهم.

 

* * *

 

قال تعالى في رسمه لسلوك المنافقين: (ومنهم الذين يؤذون النبيَّ ويقولون هو أُذُنُ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لكم يؤمِن بالله ويُؤمِنُ لِلمؤمنين ورحمةٌ للذينَ آمنوا منكم والذين يُؤْذُونَ رسولَ الله لهم عذابٌ أليم * ويَحْلِفُونَ بالله لكم لِيُرضُونكم والله ورسولُهُ أحَقُّ أنْ يُرضُوهُ إنْ كانوا مؤمنين * ألَمْ يَعْلَمُوا أنّهُ من

 

______________________________________________________

الصفحة 165

 

يُحَادِدِ الله ورسولَهُ فأنَّ له نارَ جَهنَّمَ خالِداً فيها ذلك الخِزْيُ العظيم).

من الواضح أنَّ النزعةَ العدوانية أو نزعة الكراهية التي تختزنها الأعماق تظل أحطّ النزعات البشرية إيلاماً وتمزيقاً لـ(الذات)، أنها تُشَتِّتُ (الذات) وتَدَعُها نَهْبَاً للتوتُّرِ الداخِلي بحيث لا يُحِسُّ صاحبها بأدنى استقرار حتى لو لم تُتَرْجَمْ إلى سلوكٍ عمليٍ يتَّجهُ إلى الخارج. أما في حالة صدورها إلى الخارج فإن انعكاساتها على الآخرين تظل من الوضوح بمكانٍ كبير، يستوي في ذلك أن تكون في صعيدٍ لفظي أم حركي… وقد اتجه النص القرآني الكريم في الآيات المتقدمة إلى رسم جانبٍ عام من سلوك المنافقين هو: صدورهم عن النزعة العدوانية: بعد أن كانت المقاطع السابقة من سورة التوبة تتحدث عن المنافقين في تشريح جوانب أخرى من سلوكهم.

وبالرغم من أن نزعة العدوان تتخلل جميع أنماط السلوك ومنه: السلوك العسكري والسلوك الاقتصادي اللذين وقفنا عليهما في مقاطع سابقة من سورة التوبة، إلا أنّ إبراز السلوك العدواني في مقطع خاص (وهو المقطع الذي نتحدث عنه الآن) يظل خاضعاً لهدف فنيّ هو لفت الانتباه إلى النزعة المذكورة في غمرة التشريح لسلوك المنافقين.

لقد أبرز النص القرآني هذه النزعة في أحد مظاهرها وهو: المظهر (اللفظي) فحسب، متمثلاً في قول المنافقين عن النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ: انه أذن سامعة لكل ما يُقال له.

ويلاحظ أن النص القرآني أشار بوضوح إلى سمة (العدوان) لأقوال المنافقين حيث صدّر حديثه عن ذلك بقوله تعالى (الذين يؤذون النبيّ) من حيث كون (الأذى) هو عمليةَ تصديرٍ للنزاعات العدوانية نحو الخارج…

والمهم؛ أن النص القرآني الكريم يتكفّل بالرد على المنافقين في هذا الصدد فيقرّر بأن محمداً ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ هو (أُذن خيرٍ للناس) وإلى أنه رحمة للذين آمنوا. هنا،

 

______________________________________________________

الصفحة 166

 

ينبغي أن نقف على هذا الردّ لنلاحظ كيف أن النص القرآني الكريم يقدّم بطريقة فنيّة رداً على كلّ تُهمة أو أي مظهر من مظاهر السلوك المنافق يتناسب وحجم المظهر المذكور. لقد أراد المنافقون أن يسيئوا إلى النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ وإلى الإسلاميين بعامة حينما وجّهوا له التهمة المذكورة، ثم جاء الردّ على ذلك مطبوعا بسمة مضادةٍ تماماً لنزعات المنافقين.

المنافقون ـ كما أشرنا ـ يصدرون عن نزعة عدوانية مثقلة بمشاعر الكراهية للآخرين، لكن: لننظر كيف أن الردّ القرآني الكريم كان معنيّاً بإبراز المشاعر المضادة لأعماقهم وهي مشاعر الخير والرحمة التي صدر عنها النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم. لنقرأ من جديد: الردَّ القرآني، ولنتأمل بدقة: دلالات العبارة القرآنية في الردّ المذكور: (قل: أذن (خيرٍ) لكم) ثم لنقرأ أيضاً (ورحمة للذين آمنوا منكم)… أنّ كلاً من مصطلحي (الخير) و(الرحمة) يعني: النزعة (المُسالمة) أي: النزعة المضادة تماماً لنزعة (العدوان).

إذن، كيف كان الردّ القرآني ـ مصاغاً بطريقة فنية غير مباشرة حينما شدد على نزعة (الخير) و(الرحمة) في سلوك النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ: مقابلاً للنزعة العدوانية التي طبعت سلوك المنافقين. لكن في الآن ذاتِه: لم يترك النصُ القرآني الكريم هؤلاء المنافقين بمنأىً من تحمّل مسؤوليتهم حيال التهمة المذكورة، بل أشار إلى أن محمداً ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ (رحمة للذين آمنوا منكم)، أي: أن كونه رحمةً وأُذُنَ خيرٍ إنما هو لمن آمن من الناس وليس لمن نافق في سلوكه، بل أن أمثلة هؤلاء (الذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم…).

إذن، جاء الرد القرآني الكريم مطبوعاً بسمة فنية مزدوجة هي: إبراز النزعة المسالمة في شخصية محمد ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ مقابل النزعة العدوانية عند المنافقين، ثمّ: سدُّ الأبواب أمام هؤلاء الذين خيّل إليهم أنهم سيحيون بمنأىً من الجزاء الأخروي: حينما يعادون الله ورسوله.

 

______________________________________________________

الصفحة 167

 

أخيراً، ينبغي أن نقف أيضاً عند الظاهرة (الحلف بالله)، حيث جاء في هذا المقطع الذي نتحدث عنه أن المنافقين: (يحلفون بالله ليُرضُوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين) فالملاحظ أن ظاهرة (الحلف بالله) تكررت على السنة المنافقين في مواقف متنوعة، منها: الحلف بالله بأنهم لا يستطيعون الخروج إلى ساحة القتال، ومنها: الحلف بالله بأنهم من المسلمين بعامة، ومنها: الحلف بالله في هذا المقطع بأنهم من المسلمين عبْر موقف خاص حلفوا من خلاله بالله تعالى بأن ما بلغ المسلمين عنهم هو باطل، حيث أشار الله تعالى إلى أن الأجدر بهم أن يرضوا الله ورسوله لا أن يرضوا عامة الناس… وهذا إفصاح آخر عن سمة (النفاق) أو (النفعية) التي تطبع الفئة المذكورة. فهم حيناً يحلفون بالله ليرضوا محمداً ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ في مواقفهم العسكرية، وحيناً آخر يعيبون محمداً ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ يتجهون إلى إرضاء العامة من المسلمين، دون أن يلتفتوا إلى هذا التضاد في مواقفهم، مما يفصح عن بلاهتهم من جانب، وعن كونهم (نفعيين) صرفاً يتخذون من الحلف بالله مجرد دفاعٍ عن رغباتهم غير المشروعة.

وأياً كان، فإن النص القرآني الكريم عبْر رسمة لهذا الجانب العدواني من شخصية المنافقين يكون قد رسم أكثر من سمة لسلوكهم: عسكرياً واقتصادياً وعدوانياً، بالنحو الذي تقدم الحديث عنه.

 

* * *

 

قال تعالى: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ).

الآيات المتقدمة تمثّل امتداداً لآيات سابقة تتحدث عن المنافقين، إلا أن

______________________________________________________

الصفحة 168

 

الملاحَظَ أنَّ الآياتِ السابقةِ لم تذكر اسم (المنافقين) بل تحدثت عن سلوكِ فئةٍ اجتماعية مُبهمةٍ لم تُحَدِّدْ هُوياتِهم بالاسم بل اكتفت بِذِكْرِ نماذجَ من السلوك العسكريِ والاقتصاديِ والعدوانيِ للفئة المذكورةِ. ثم بدأتِ الآن في القسمِ الرابعِ الذِي يَتَحدَّثُ عن نموذجٍ جديدٍ في سلوكِهم، بدأت الآياتُ الكريمةُ في هذا القِسمِ بتشخيصِ هويّاتِ الفئة المذكورةِ، وأطْلَقَتْ عَلَيْهِم سمةَ (النِفاق) بِقَولِها: (يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنزَّلَ عليهم سُورةٌ تُنبئُهم بما في قُلُوبِهم…الخ).

ترى، ما هو السبب الفني وراء ذلك؟؟

من الواضح، أن النص القصصي (في نماذجه البشرية) يتّسم في بعض أشكالِهِ بِخَصيصةٍ فنيةٍ هي: الاحتِفاظُ بأَحَدِ الأَسْرارِ مِثل: الكشف عن الشخصية أو الموقف حيث يتم الكشف عن السرّ المذكور في نهاية القصة أو وسطها: بغية شدّ القارئ إلى متابعة العمل القصصي. هنا في النص القرآني الكريم نجد أن النص المذكور قد احتَفَظَ بعدمِ ذِكْرِ هويةِ المنَافقين ثم كَشَف عَنْ ذلِكَ في هذا المقطعِ الذي نَتَحدَّثُ عنْهُ الآن…

وأهميةُ هذا الكَشْفِ مِنَ الممكِنِ أنْ تَرْتَكِنَ… في جملةِ ما تَرْتكِنُ إليه… إلى عُنْصُرِ التشويقِ الفَنّيِّ، إلا أنّ هُنَاكَ أسراراً أخرى يمكننا أن نَتَبيَّنها في هذا المجال… منها: أنّ هذا القِسْمَ الذي نَتَحدَّثُ عنه يتكفلُ بإبْرازِ العملياتِ النفسيةِ التي يَصْدُرُ المنافقون عَنْها في سلوكِهم: فعندما يتخلَّفُ المنافِقُ عن الالتحاقِ بساحةِ المعركةِ مثلاً، أو عندما يُنْفِقُ بَعْضَ المالِ مُكْرَهَاً، أو عندما يَسْخَطُ في حالةِ عَدَمِ حُصوله على العَطاءِ: هذه الأمثلةُ مِنَ السلوكِ من الممكِن أن يَصْدُرَ عنها سائرُ المنحرفينَ دونَ أنْ تَخُصَّ المُنَافِقِينَ وَحْدَهم وإنْ كانت السّمَةُ الغالبَة تُحَدّدُ هُويّاتِهم في الواقع… لكِنْ ثمةَ خَصَائصُ تُميّزُ المنافق بشكلٍ واضِحٍ هو: إحساسُهُ بِثُنائيّةِ سلوكِه القائم على اسْتِبطانِ شيءٍ

 

______________________________________________________

الصفحة 169

 

وإظهارِ شيءٍ آخر، ومن ثم اقتران ذلك بالخوف من الفضيحة طالما كانت ثنائية سلوكه تقوم أساساً على (جَرِّ المَنْفعَةِ)، وحينئذٍ فإنَّ الخوفَ مِنَ الافتضاحِ يظلُّ له مسوغاتُه ـ في لُغةِ الأمراضِ النفسية ـ عندَ المنافِقِ: نَظراً إلى أنَّ (جَرَّ المَنْفعَةِ) هو السببُ وراءَ تشكّل شَخْصِيّته بسمَةِ الثنائية أو النفاق، فإذا افْتُضِحُ فإنّ (جَرَّ المَنْفَعَةِ) يَنْتَفي أساساًَ، وهذا ما يُفَسِّرُ لنا سَبَبَ الخوفِ الذي يَعْتَمِلُ داخِلُ الشخصيةِ المُنافِقَة. لذلك، نجد أن النص القرآني الكريم ما إنْ يَصِلْ في حديثِهِ عن جانبِ (الخوفِ مِنَ الفضيحةِ) حتى يَذْكُرَ لنَا اسْمَ (المنافقين) بِمُصْطَلَحِهِ الاجتماعي، فيقولَ: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ). وقد حاوَلَ بَعْضُ المُفَسِّرينَ أن يَحْمِلَ عبارَةَ (يَحْذَرُ المنافقون) على فِعلِ الأمْرِ بمعنى (لِيَحْذَرِ) المنافقون مِنْ نُزُولِ سُورةٍ تَفْضَحُهُم. إلاَّ أنَّ ذلِكَ نَسْتَبْعِدُهُ مِنَ الزاويةِ النفسيةِ والفنية، بل نحتملُ بِقُوَّةٍ أنَّ العِبارَةَ المذكورة هي إخبارٌ عنِ العملياتِ النفسية التي تَطْبَعُ سلوكَ المنافقين: بدليلِ الآيات اللاحقةِ التي تَتَضمَّنُ افْتِضَاحَهُم بالفعل مثل قوله تعالى: (إن الله مخرج ما تحذرون) فلو كان أمراًَ بالحذر لما صحّ أن يقال لهم: ان الله يفضح ما تحذرون وكذلك قوله تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) حيثُ نستخلصُ من هذا الحوار أن المنافقين قدِ افتضح بعضُ سلوكِهم بالفِعل، وأنّهُمْ قد أَحاطوا خُبْرَاً بإمكانيةِ المزيد مِنَ الافتضاحِ، وإلاّ لا يُمْكِن أنْ نَتَصَوَّرَ أنّهمْ عندما يُعاتَبون على صُدورِ سلوكٍ مِنْهُم: كما تَنْقُلُه النُصوصُ المُفَسِّرةُ مِنْ أنّهُمْ تآمَرُوا مَرَّةً على قَتْلِ النبيِّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ بعد عودِته من معركةِ تَبُوك أو أنّهُمْ اسْتَهزءُوا بالنبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ عندما بَشَّرَ الإسلاميينَ بِفَتح حصون الشام وقصورها، أو أنهم اتهموا الإسلاميين بالجبن والكذب، أو أنّهم كان يستهزءون بالكتاب الكريم وبمحمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، إلى آخر ما تنقله النصوص المفسرة في هذا الصدد،… لا يمكن أن نتصور أنهم عندما يفتضحون من قِبَل النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ بأنْ ينقل لهم كلامَ الوحي: ثم لا يتيقنون من صحة الإخبار!!

 

______________________________________________________

الصفحة 170

 

إذن: لا بدّ أن نذهب إلى أن المنافقين كانوا يحذرون فعلاًَ أن تفتضح أعماقهم: للأسباب النفسية التي ذكرناها سابقاً، مضافاً إلى أنهم كانوا يطلقون التهم على النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ والإسلاميين بنحوٍ جدي… نفس هذه الإجابة تكشف لنا عن أن النص القرآني الكريم قد صاغ الحقيقة المذكورة بطريقة فنية هي: أنه كشف عن هوية المنافقين بأن ذكرهم بمصطلح (النفاق): مقترناً بعملية الكشف عن العمليات النفسية التي تحياها أعماقهم دوماً وهي الخوف من إفتضاح سلوكهم الثنائي على النحو الذي فصلنا الحديث عنه.

 

* * *

 

قال تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَعَدَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ * كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)…

بعد أن أوضح القرآن الكريم في مقاطع سابقة بأن الله تعالى سوف يفضح ما يحذر المنافقون منه. بدأ في هذا المقطع الذي نتحدثُ عنه الآن: بفضحهم فِعلاً وبتذكيرهِم بالأممِ السالفةِ التي كانت أشدَّ منهم قوةً وأكثرَ أموالاً وأولاداً.

الجديدُ في هذا المقطعِ يتمثّل في جملةٍ من الأفكارِ المطروحةِ التي تتطلَّبُ شيئاً من الدقةِ في تمثُّلِ مضموناتِها…

لقد دخل في هذا المقطع عُنْصُرُ (المنافقات مضافاً إلى المنافقين)، حيث

 

______________________________________________________

الصفحة 171

 

قال تعالى: (المنافِقُون والمنافقاتُ بَعْضُهُم مِنْ بَعْض) كما دخل مضمون جديد من سلوكهم هو كونهم (بَعْضهم مِنْ بعض)، ولعل هذا الكونُ يُفَسِّرُ لَنَا ـ فنيّاً ـ صِلَةَ (المنافقاتِ) بهذِهِ السمَةِ الاجتماعيةِ: مضافاً إلى لفتِ الانتباه إلى فاعليةِ العنصر النسائي في هذا الميدانِ مِنْ حَيْثُ مساهَمَتُه أو تأثيرُهُ في حَقْلِ السُلُوكِ الاجتماعي.

ودَخَل أيضاً في هذا المقطعِ مضمونٌ آخَرُ هو كونُهُم يأمُرونَ بالمنكرِ ويَنْهَونَ عن المعروفِ وهذه السمةُ قَلَّ أنْ يَتكرّرَ ذِكْرُها في رَسْمِ المنحرفينَ، لذلك حينما يُشَدِّدُ النصُ القرآنيُ عليه بالنسبة إلى (المنافقين) لابُدَّ أنْ نستخلِصَ منها أنْ سُلوكَهُم يشكِّلُ ظاهرَةَ مضادَّة تماماً لِعُنْصُرِ الخير… فمن الممكن مثلاً أن يصدر المنحرف عن نزعة شريرة في بعض ممارساته أو غالبها ويحتفظ في الآن ذاته ببعض عناصر الخير،… أمّا أن يُعكس الأمر تماماً بحيث يتحوّل المعروف، إلى منكر والمنكر إلى المعروف فهذا يعني قمة الإلتواء في السلوك الذي يصدر المنافقون عنه.

ثم يواجهنا مضمون آخر هو: أنهم (يَقْبِضُونَ أيْدِيَهُم) عَن الانفاق، وهي سمة تُجَسِّدُ (البُخْلَ) بطبيعة الحال، ومعنى البخل هو إنغلاقُ النفس تماماً على الذاتِ وعدمُ تصديرها أيِّ خيرٍ إلى الخارجِ أي إلى الآخَرِين…

ثم نلحظُ مضموناً آخَرَ هو أنَّ النصًّ القرآنيَّ قَرَنَ المنافقين مع مطلق الكفّار في قوله تعالى (وعد الله المنافقين والمنافقاتِ والكفار نار جهنم) وهذه العمليةُ تُوحي بوضوحٍ أنّ سمةَ (النفاق) لا تَقِلُّ عن سِمَةِ (الكُفْرِ): بالرغم من أن التكيّفَ الاجتماعيَّ الذي يَسْلُكُه المنافِقُ: لا يتحققُ عند الكافِرِ الذي يُعلِنُ انحرافَهُ مُقابِلَ المنافِقِ الذي يَتَستَّرُ بكُفْرِهِ…

أخيراً: يُلاحَظُ أنَّ النَصَّ ذكَّرَ المنافقين بأسلافِهِم الماضين أقوامِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ… الخ. لكِنْ: شَدَّدَ النّصُ على ظاهرةٍ معيّنةٍ في عمليةِ التذكيرِ

 

______________________________________________________

الصفحة 172

 

تَخْتلفُ عن الظواهرِ التي تَقْترِنْ عادةً بسلوكِ المنحرفينَ المعاصرين لرسالةِ الإسلام، هذه الظاهرة تتمثّلُ في (النصيب الدنيوي) أو ما أُطْلِقَ عليهِ عبارةُ (فاستمتعتم بخَلاقِكم كما اسْتَمْتَعَ الذين من قبلكم بخلاقِهِم)، ومن البيّن أن ما يُمَيِّزُ المنافِقَ هو كونُهُ حريصاً أشَدَّ مِنْ غيرِهِ على الاستمتاع بنصيبهِ مِنَ الدنيا، فالمنحرفُ الذي يُعْلِن إنحرافَهُ دُونَ اكْتِراثٍ من الممكن أن يَتنازَلَ عن نصيبِهِ في الحياةِ: عِنْدمَا يُعَرِّضُ نفسَه إلى النّفْي أو السِّجْنِ أوِ القَتْلِ، بينا لا يَتَنازَلُ المنافِقُ عن نصيبِه مِنَ الدُنْيا، لأنَّ التنازُلَ عَنْهُ يَتَنافى أساساً مع ظاهِرةِ النفاقِ: طالما نَعْرِفُ بُوضوحِ أنَّ إظْهارَهُ الإيمانَ إنّما يُعَبِّرُ عن رغبتِهِ المُلّحةِ في الاستمتاعِ بخلاقِه مِنَ الحياة الدنيا.

المهم، أن النص القرآني الكريم حينما يشدد على إبراز هذا الجانب من عملية التذكير بالأمم السالفة: إنما يُجانس فنيّاً بين الأفكار التي يطرحها في هذا المقطع، كما أنه حينما يذكّر المنافقين بالأمم السالفة التي استمتعت بخلاقها: إنما يذكّرهم بأن الحرص على الاستمتاع بمباهج الحياة الدنيا سوف لن يعني شيئاً ما دامت المصائر التي لحقت الأمم السالفة قد طبعتها إبادةٌ شاملة لمجتمعاتهم.

هنا بعد أن انتهى النص من رسم السلوك المنافق من حيث كونُ أصحابِهِ بعضهم مِنْ بعض، وكونهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف… الخ. اتجه بعد ذلك إلى رسم السلوك المضاد لهم وهو سلوك المؤمنين حيث قال تعالى عنهم: (والمؤمنونَ والمؤمناتُ بَعْضُهُم أولياءُ بَعْضٍ يأَمُرونَ بالمعروفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المنكر…الخ). إن التقابل الفنيّ بين الفئة المنافقةِ والفئةِ المؤمنة يحقّق إمتاعاً جمالياً وفكرياً كما هو واضح حيث يضع قبالة المنافقين والمنافقاتِ: المؤمنينَ والمُؤمنات، ويَضَعُ قبالةَ الأمْرِ بالمنكرِ والنهيِ عنِ المعروف عند المنافقين الأمْر بالمعروفِ والنهي عنِ المنكر عِنْد المؤمنين،

 

______________________________________________________

الصفحة 173

 

ويضعُ قبالةَ المنافقينَ مِنْ حيثُ كونُهُم بعضاً أولياء بعض: المؤمنين بعضاً أولياءَ بعضٍ أيضاً، وهكذا.

هذا من حيث الإمتاع الجمالي وأما من حيث الإمتاع الفكري، فيكفي أن يفيد المتلقّي من الموازنة المذكورة في تعديل سلوكه وهو ما يستهدفه النص دون أدنى شك عند عرضه لنماذج من سلوك المنحرفين والمؤمنين.

 

* * *

 

قال تعالى: (يا أيها النبيُّ جاهد الكفارَ والمنافقين واغلُظْ عليهم ومأواهم جهنمُ وبئسَ المصيرُ * يحلِفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمةَ الكفر وكفروا بعد إسلامِهم وهمّوا بما لَم يَنالوا وما نَقموا إلاَّ أنْ أغناهم الله ورسوله من فضلِه فإن يتوبوا يك خيراً لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا والآخرةِ وما لهم في الأرض من وليٍّ ولا نصير).

بدأت سورة التوبة مطالبةً بمجاهدة المشركين. ثم عرضت لنا بعد ذلك شرائح إجتماعية مختلفة يجمعها طابع الإنحراف ومنها: فئة المنافقين حيث ركّزت على هذه الفئة الأخيرة وعرضت لنا جانباً من سلوكهم: عسكرياً واقتصادياً وعدوانياً، ثم قرنت ذلك مع الكفار مطلقاً لتوحي لنا بوحدة الإنحراف التي تطبع كلاً من الكافرين والمنافقين… وها هي الآن (أي: سورة التوبة) تقدم لنا قسماً جديداً من النص يتحدث عن المنافقين أيضاً ولكن من خلال طرحٍ آخر من سلوكهم العسكري والاقتصادي والعدواني. فما هو هذا الجديد، وما هو موقعه من عمارة السورة، ما دمنا نستهدف أساساً توضيح البناء العام للسورة وصلة أجزائها بعضاً مع الآخر؟؟

لقد بدأ المقطع الجديد مطالباً بمجاهدة الكفار والمنافقين، بعد أن كان إستهلال السورة منحصراً بمجاهدة المشركين فحسب.

واضحٌ، أن المنافقين: بعد أن تحدثت السورةُ مفصلاً عن سلوكهم

 

______________________________________________________

الصفحة 174

 

المنحرف، دخلوا عنصراً جديداً في قائمة الانحراف، ولذلك جاء المسوّغُ الفنّي لإشراكهم مع مطلق الكفار في المطالبة بمجاهدتهم (يا أيها النبيّ جاهد الكفار والمنافقين…الخ). ثم جاء المسوّغ الفنيّ أيضاًَ لإعادة الكلام عليهم ما داموا موضع مطالبةٍ بمجاهدتهم، لكن بما أن الفن القرآن الكريم لا يرتكن إلى عنصر (التكرار) إلاّ وفق متطلبات السياق، لذلك لم يجيء (التكرار) بنفس المفردات السابقة من سلوك المنافقين، بل بنمط آخر منها يتناسب فنيّاً مع ظاهرة (الكفر) التي قَرنها النصُ مع (النفاق)، بمعنى أن الجديد في هذا القسم من السورة التي تتحدث عن المنافقين أيضاً هو: أن تبرز أنماطاً من السلوك المنافق الذي يشترك مع سلوك الكفر: بعد أن كان القسم الأول من السورة يركّز على إبراز مفهومات (النفاق) وحده… لذلك، يتعيّن علينا أن نلتفت لهذا الجانب الفنيّ الخطير من عمارة السورة وجمالية بنائها الهندسي القائم على الوحدة والتنوّع والتنامي: من خلال ظاهرة (التكرار).

والآن، لنقف عند المفردات المتكررة من سلوك المنافقين. لقد عرض لنا النص القرآني ظاهرة (الحلف بالله) حيث قال عنهم: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر بعد إسلامهم)… لنلاحظ أن النص ذكر سابقاً ثلاثة أشكال من (الحلف بالله)؛ الحلف بالله بأنهم لا يستطيعون الخروج إلى ساحة الجهاد، ثم بأنهم من المسلمين، ثم: ليرضوهم دون الله ورسوله، أما الآن، فإن ظاهرة الحلف (في هذا المقطع الجديد الذي نتحدث عنه) تتصل بكلماتٍ تلفظوا بها (وقد أبهمها النص) ولكن ذكر النصُ بأنها (كلمة الكفر) (ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم)…

قد تكون هذه الكلمات هي نفس الكلمات التي صدرت عنهم في مواقف سابقة ذكرها النصُ القرآني في حينه، إلا أن إعادتها الآن جاء في سياق اقتران (النفاق) مع (الكفر) وليس في سياق تبيين مجرد السلوك المنافق…

 

______________________________________________________

الصفحة 175

 

ومع ذلك سنجد في الأقسام اللاحقة من السورة سلسلة من نماذج السلوك الصادر عن المنافقين فيما تُعتبر (من زاوية البناء الهندسي للسورة) تفصيلاً لما أجمله النص الآن. لذلك سوف نُعنى بإبراز هذا الجانب الفنيّ تباعاً: لكن، إنّ ما نعتزم لفت النظر إليه في هذه الجزئية من الآية هو: أن نشير إلى أن النص القرآني قد أوضح بجلاء ـ عندما طالبَ بمجاهدة الكفار والمنافقين (في آن واحد) ـ إن المنافقين قد حلفوا بالله (ما قالوا كلمة الكفر ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم). والمطلوب الآن هو: تبيين كلمة (الكفر) التي صدرت عن المنافقين. لكن، لا بدّ أن نتابع رحلةًَ فنيّة طويلة المسافة قطعها النصُ لتوضيح هذا الجانب، وهو ما يتطلبه الأداءُ الفنيّ العظيم.

إذن: لنتابع.

إنّ أوّل ما ذكره النص من سلوك المنافقين هو أنهم: (همّوا بما لم ينالوا) أي: هموا بممارسة السلوك المفصح عن الكفر دون أن يستطيعوا تحقيق ذلك… وقد ذكر المفسّرون احتمالات ثلاثة في ذلك: محاولة قتل النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم، محاولة إخراجه من المدينة، محاولة نشر الفساد وتفرقة الكلمة بين المسلمين. وأياً كان ذلك، فإن محاولة القتل أو الإخراج أو نشر الفساد: تظل واضحة الانتساب إلى (الكفر) مضافاً لكونها منتسبةً إلى (النفاق) أيضاً.

بعد ذلك، ذكر النص مسوغات سلوكهم المذكور بقوله تعالى: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله…).

ومن الزاوية النفسية: يمكن القول بأن النص القرآني الكريم أوضح لنا طبيعة الأعماق المنحرفة التي يصدر المنافقون عنها، فعندما يتفضّل شخص أو جهة على آخر، فإن هذا الآخر ينبغي أن يتعاطف مع الجهة المذكورة، أما أن ينقم من ذلك، فهذا يعني أنه بلغ قمة الاضطراب في بنائه النفسي، وهذا ما طبع سلوك المنافقين من حيث بلوغهم قمّة الاضطراب النفسي المذكور،

 

______________________________________________________

الصفحة 176

 

والمهم ـ بعد ذلك ـ هو أن ظاهرة (النقمة) على رسالة الإسلام تمثّل عملية (كفرٍ) به، وهو ما يستهدف النصُ القرآنيُ الكريمُ توضيحَه في هذا القسم من السورة.

إذن: جاء التكرار الفني في هذا القسم من السورة مطبوعاً بطرح ظاهرة جديدة من سلوك المنافقين، ومن ثمّ: لو تابعنا سائر مفردات السلوك التي يطرحها النص القرآني في هذا القسم الجديد من السورة، لوجدنا نفس السمة الفنية المشار إليها، بالنحو الذي نبدأ الحديث عنه (لاحقاً) إن شاء الله.

 

* * *

 

قال تعالى في رسمه لسلوك المنافقين: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ).

إن سمتي (النفاق) و(الكفر) تظلان هدفاً فكرياً للنص الذي خصص هذا القسم من السورة لإبراز الجانب المذكور، إن سمة (الكفر) تتمثل في: الكفران بنعم الله، وإذا كان المنافقون ينفقون بعض المال ـ كما رسمهم النص في قسم سابق من السورة ـ كارهين، فإن عملية (الكره) تعبّر عن النفاق أو الثنائية التي يتحقق الإنفاق من خلالها دون أن يقترن ذلك بقناعة داخلية.

أما ظاهرة (الكفر) فتتجه وجهة أخرى هي: عدم الالتزام بما عاهدوا عليه، وها هو النص القرآني الكريم يحدثنا بأن من المنافقين مَن عاهد الله بأن يعطي كلّ ذي حق حقه: إذا رزقه من فضله، لكن ما أن آتاه الله من فضله حتى بخل بالانفاق بل تولى معرضاً عن مبادئ الإسلام.

لذلك، رتبت السماء على الموقف نتيجة هي: تثبيت سمة (النفاق) في قلوبهم إلى الأبد.

 

______________________________________________________

الصفحة 177

 

والآن، ما هي الدلالة الفنية والفكرية لهذه الظاهرة التي طرحها النص القرآني الكريم؟ هل أن ذلك يعني أن هذا النمط من الناس لم يكن مطبوعاً بسمة النفاق بقدر ما كان مجرد شخص بخل بماله وكفر بأنعم الله، ولذلك أورثه الله سمة النفاق؟؟ إن عمارة السورة الفنية توحي لنا بما لا غموض فيه بأن هذا القسم من السورة امتدادٌ للسابق منها من حيث تمحضها لرسم سلوك المنافقين... لذلك، لا نتوقع أن تكون سمة (البخل) التي صدرت عن النمط المذكور تنفي سمة (النفاق) عن هذا النمط... بل أن هناك من السمات الشخصية ما ينبغي أن نقف عندها بغية الإفادة منها في تعديل السلوك... ففي حقل التصوّر الإسلامي للسلوك هناك من النصوص ما يشير إلى أنه هناك ثلاثة أنماط من السلوك. إذا صدر الشخص عنها عُدّ (منافقاً): أحدها (إذا وعد أخلف) والآخران: إذا حدّث كذب، وإذا أؤتمن خان.

ويعنينا من ذلك: سمة (خلف الوعد) حيث أشار النص القرآني الكريم إلى النمط المذكور بقوله تعالى (أخلفوا الله ما وعدوه) مما يعني أن هؤلاء الأشخاص كانوا يحملون طابع النفاق قبل أن يعقبهم الله نفاقاً في قلوبهم إلى الأبد. كل ما في الأمر أن سمة (النفاق) كانت ذات شحنة قد تكون ضخمة وقد لا تكون كذلك. والجديد في الأمر هو أن الله تعالى ثبت ذلك في قلوبهم بنحوٍ لا مجال لإدخال عملية (التعديل) عليه، أي: طُبعَ على قلوبهم بحيث لا يُرجى منهم ذات يوم أن يتوبوا إلى الله.

ويمكننا أن نتبيّن ذلك بوضوح أشدّ إذا أدركنا أن غالبية الناس إسلاميين أو غيرهم قد يصدرون عن عمليات (الكذب) و(خلف الوعد) و(خون الأمانة) في لحظات الضعف التي يواجهونها ـ مما يعني وفقاً للتصور الإسلامي للسلوك ـ أنهم يحملون سمة (النفاق) بدرجة معينة تبعاً لحجم الكذب أو الخلف أو الخيانة التي يصدرون عنها. لذلك، نتوقع أن هذه الفئة التي حدثنا

 

______________________________________________________

الصفحة 178

 

القرآن الكريم عنها كانت تحمل من سمات (النفاق) درجته الشديدة، وبما أنها تعرّضت لتجربة حاضرة هي كونها قد عاهدت الله لئن آتاها من فضله فسوف تتصدق بذلك،.. وبما أن درجة (النفاق) التي طبعت شخصيتها كانت شديدة حينئذٍ أخلفت الوعد وهو خلف ليس عادياً بطبيعة الحال نظراً للطرف الآخر من التعامل وهو (الله) تعالى، لذلك أعقبها الله (النفاق) في أعماقها إلى الأبد، بمعنى أن سمة (النفاق) التي كانت تحملها سابقاً قد تبدّلت من كونها (طارئة) إلى سمة (ثابتة)، ومن كونها خاضعة لإمكانات التعديل في السلوك: كما لو تاب الشخص أو مارس تدريباً على التخلص من سمات الكذب والخلف والخيانة، إلى كونها ثابتة يتعذر أو يمتنع إدخال (التعديل) عليها.

 

* * *

 

قال تعالى: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)...

في آيات سابقة من سورة التوبة ذكر النصُ القرآني الكريم جانباً من السلوك الاقتصادي للمنافقين وهو معاهدتهم الله أن يصدّقوا لو رزقهم من فضله، لكنهم أخلفوا الوعد... هنا يتابع النص القرآني رسم سلوكهم من خلال سمة أخرى تجسّد مفهومي (الكفر) و(النفاق)، وهما المفهومان اللذان تكفّل هذا القسمُ من سورة التوبة بتناوله.

المُلاحَظ هنا، أن النص يطرح جملة من الأفكار، منها: الانفاقُ بقدر الطاقة: موقفُ المنافقين من ذلك، فبالرغم من أنهم رُزِقوا أموالاً كثيرة لكنهم يبخلون بذلك كما حدثنا نص سابق... والمفروض أن الشخصية الباخلة عندما تواجه الآخرين الذين يسخون بأموالهم: حينئذٍ تلتزم جانب الصمت

 

______________________________________________________

الصفحة 179

 

خجلاً من موقفها، لكن: نجد أن المنافق الذي يتضخم حجمُ التواءاته واضطراباته لا يسعه الصمت: بقدر ما يحسّ بالحاجة إلى التفريج عن توتّراته فيتجه إلى غمز المتصدقين بأموالهم بخاصة إذا كان تصدّقهم يسيراً بقدر جهدهم.

سرّ ذلك (من زاوية التشخيص العبادي) إن المنافق بحاجة إلى عملية دفاع عن نفسه: بغية إزاحة المشاعر الكريهة التي يتحسسها عن ذاتها البخيلة، حينئذٍ يلتمس أدنى عيبٍ اقتصادي عند الآخرين ليُسقط عيوبه الذاتية عليهم. فمثلاً عندما يجد أن الإسلاميين الضعفاء مادياً، يتبرعون بصاعٍ من تمر يبدأ حينئذٍ بإعابتهم والسخرية منهم منتهزاً قلة المال المتصدّق به لتمرير نزعته المريضة.

أما في حالة مواجهة المنافق للأشخاص الذين يتبرعون بالمال الكثير: حينئذٍ فإن عملية الدفاع اللاواعي الذي يصدر المنافق عنه يتخذ قناعاً مَرَضياً آخر هو: إعابة المتصدق بسمة (الرياء) وهو ما حدثتنا عنه النصوص المفسرة التي ذكرت بأن المنافقين كانوا يعيبون المُكثر بأنه (مراءٍ)، والمقلّ بأنه لا قيمة له.

المهم، أن النص القرآني الكريم رسم لنا في هذا المقطع من السورة جانباً من الفعاليات المضطربة عند المنافقين متمثلاً في ما يُطلق عليه (في التشخيص العبادي) بـ(الإسقاط)، بعد أن كان المقطع السابق يرسم لنا جانباً آخر من السلوك المضطرب عند المنافقين وهو خلف الوعد الذي يرتكن إلى سمة تترتب عليها عملية (الإسقاط) المذكورة، ونعني بها سمة (البخيل) الذي دفع المنافقين إلى أن يحموا أنفسهم منها من خلال عملية الاسقاط المشار إليها.

هنا قبل أن نتجه إلى مقطع جديد من السورة ينبغي لفت النظر إلى البناء

 

______________________________________________________

الصفحة 180

 

العماري لهذا القسم منها متمثلاً في عمليه الربط الفني الذي لحظناه بين مقطع تحدثنا عنه سابقاً والمقطع الذي تحدثنا عنه الآن، فالنص القرآني الكريم بما أنه نص فنيٌ لا يحدثنا مباشرةً عن الحقائق ولا بلغتها التشريحية بل يعتمد (الانتقاء) و(اللغة غير المباشرة) مادةً وتعبيراً... أما الانتقاء فيعني إنتخاب (عيّنة) من السلوك مثل (معاهدة المنافق بأن يتصدّق لو رزقه الله من فضله ومن ثم خلفه للوعد بذلك، (إعابته المتصدقين بالمال القليل أو الكثير). فهاتان العيّنتان من السلوك تمثّلان مقدمة ونتيجة ترتبط إحداهما بالأخرى ـ كما لحظنا، إلا أن النص القرآني الكريم إعتمد (اللغة غير المباشرة) أو لنقل (اللغة الإيحائية) أو (اللغة المفتوحة) التي تعني أن المتلقّي وليس النص هو الذي يتكفّل بالكشف عن الحقائق بعد أن يضع النصُ في يده مفتاح ذلك. فبدلاً من أن يقوم النص بعملية تشريح أو تحليل نفسي لسلوك المنافق: يضع أمام المتلقي عيّنة من سلوكه هي (بخله بما عاهد عليه الله) ثم نتيجة ذلك وهي (تثبيت النفاق في قلبه نتيجة لخلفه الوعد) ثم عينة تبدو وكأنها منفصلة عن سابقتها وهي (اللذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم).

هذه الآية التي تبدو وكأنها منفصلة عن سابقتها، إنما هي ـ في لغة الفن المعجز ـ فرز طبيعي لإبراز السلوك السابق للمنافقين، أي بما أنهم بخلاء حينئذٍ يلمزون المطوعين: مع أن النص القرآني الكريم فَصَلها عن السابق وتحدّث عنها مستقلاً مبيّناً أن هؤلاء الذين سخروا من المتصدقين سوف يسخر الله منهم ولهم عذابٌ اليم، بينا حدثنا في الآية السابقة بقوله: (ومنهم من عاهَدَ الله لئن آتانا من فضله لنصدقّن ولنكوننّ من الصالحين * فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولّوا وهم معرضون * فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون * ألم يعلموا أن الله يعلم سرّهم ونجواهم وان الله علام الغيوب) فهذا المقطع الذي يتحدث عن العهد والبخل

 

______________________________________________________

الصفحة 181

 

والنفاق ثم معرفة الله تعالى بأسرارهم ونجاواهم، قد اتبع بآية (الذين يلمزون المطوعين الخ) وهي آية تبدو ـ كما كررنا ـ مستقلةً عن سابقتها، لكن النص ـ من خلال لغة الفن ـ جعلنا نستكشف نمط العلاقة بينهما ـ ليس بالنحو العابر ـ بل وفق لغة إيحائية تدع كلّ متلقٍّ يستكشف منها دلالة تتناسب مع حجم خبراته العلمية، حيث يستكشف الملاحظ العابر مجرد كون المنافقين يسخرون من المتصدقين وإلى كون السخرية سلوكاً معيباً، بينا يستكشف منه: المُلاحظ العيادي أسراراً نفسية تتصل بعملية التشخيص لمختلف الاضطرابات التي يصدر المنافق عنها.

 

* * *

 

قال تعالى: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ).

في أوائل السورة حدثنا النص عن جانب من سلوك المنافقين، وكان ذلك متصلاً بالكشف عن أعماقهم المنافقة حينما عرفّهم بأنهم استأذنوا الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ في الخروج إلى ساحة القتال على نحو التملّق وأوضح بأنهم لو أرادوا الخروج فعلاً (لأعدّوا له عدّةً ولكن كرِهَ الله انبعاثَهُم فَثَبطهم وقيل اُقعدوا مع القاعدين)... أما الآن، فإن النص القرآني الكريم يتنامى بوقائع المنافقين فنيّاً لينقل لنا واقعة جديدة تتّسبّب عضويّاً عن سابقتها، والواقعة الجديدة هي: فرح المنافقين بتخلّفهم عن الجهاد في سبيل الله، والإعلان عن أعماقهم بصراحة بعد أن كانوا متسترين سابقاً، أنهم يقولون الآن بصراحة: (لا

 

______________________________________________________

الصفحة 182

 

تنفروا في الحرّ)، كما أن النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ يحدثهم بلغة الكاشف لأعماقهم فيقول لهم (لن تخرجوا معي أبداً) إلى معركة أخرى بسبب (أنكم رضيتم بالقعود أوّل مرة فاقعدوا مع الخالفين).

إن الأهمية الفنية لهذا المقطع من حيث صلته بالمقطع الذي لحظناه في أوائل السورة، ينطوي على خصائص في غاية الأهمية من حيث بناء السورة بنحو عام، فهنا لا يتكرر الحديث إلا في طرح جديد لسلوك المنافقين بالرغم من أن السلوك العسكري لهم منصبٌ على قضية واحدة هي تخلفهم عن الجهاد في سبيل الله. فأولاً لا بدّ أن نتذكر بأن النص القرآني الكريم يستهدف الآن أن يحدثنا عن المنافقين بصفتهم (كفاراً) لا بصفتهم مجرّد (منافقين) لأن القسم الأول من السورة الكريمة قد اضطلع بمهمة التعريف بنفاقهم، أما الآن فإن مهمّة التعريف (بكفرهم) هو الهدف الفني للسورة، لذلك بدأ بالكشف عن سلوكهم السافر (وليس السلوك الباطني)، فكشفهم بحقيقتهم السافرة التي تحثّ المقاتلين على عدم الخروج إلى ساحة القتال بحجة الحرارة التي تطبع هذا الموسم...

وإذا كان النص القرآني الكريم يعاتب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ سابقاً بقوله (لِمَ أذنت لهم حتى يتبيّن لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين) فإنه الآن قد كشف كذبهم تماماً، ولذلك لم يأذن لهم بل قال لهم (لن تخرجوا معي أبداً). كما أنّه إذا كان النص القرآني سابقاً قد أوضح بأن الله كره (انبعاثهم فثبّطهم وقيل لهم اقعدوا مع القاعدين) فإنه الآن قد كشف ذلك للنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولم تعد القضية بخافية عليه بحيث كان الله تعالى وحده عالماً بأعماق المنافقين وكارهاً لانبعاثهم وجاعلَهم من القاعدين، أما الآن فإن النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ يقول لهم بصراحة (إنكم رضيتم بالقعود أول مرّة فاقعدوا مع الخالفين). لننظر بدقة وتأمّل إلى هذا المنحى الفنيّ الممتع، متمثلاً في تنامي الوقائع وتطورها، حيث رسَمَ النصُ في

 

______________________________________________________

الصفحة 183

 

أوائل السورة أعماق المنافقين وهي خافية سريّة لا يعلم بها إلاّ الله، رسَمَها منذ البدء بكونها قد طُبعَ عليها بحيث حجزها الله عن أية عملية تعديل في السلوك، وحيث كره الله انبعاثها وحيث جعلها قاعدة مع القاعدين: دون أن تبدو واضحة أمام الآخرين، أنها قضية بين الله تعالى وبينهم: لا يعلمها أحد. لكن: بما أن هذه القضية قد حفلت بتكييفٍ خاص هو: كرهُ الله تعالى لانبعاث المنافقين وجعْلُهم مع القاعدين: حينئذٍ نتوقّع (من الزاوية الفنية) أن ينعكس هذا التكييف: في سلوك لاحق عند المنافقين، وها هو الآن يبدو بجميع منعكساته في سلوك واضح محدد هو: قيام المنافقين بممارسة نشاطٍ عملي هو تثبيط همة المقاتلين الإسلاميين، أي: قعودهم مع القاعدين حيث جسّدوا التكييف المذكور المتمثل في كراهة الله تعالى لانبعاثهم: جسدوه في قعودهم الفعلي وعدم مشاركتهم في القتال، كما تجسّد التكييف المذكور: في عدم السماح لهم في المستقبل أيضاً بالمساهمة في أيّة معركة: يحاولون من خلالها أن يستثمروا الموقف لصالحهم مثل: الظفر بغنيمة مثلاً أو مجرّد استمرارية تعاملهم أو بقائهم في دار الإسلام، وأخيراً تجسّد التكييف المذكور في قعودهم فعلياً عندما خاطبهم النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ قائلاً ((اقعدوا مع الخالفين)) حيث أنه صدًى لقوله تعالى: (اقعدوا مع القاعدين).

ويلاحَظ: أن النكتة الفنية في كون المنافقين (قاعدين) في المرة الأولى هي: كون أعماقهم المتستّرة قد تكيّفت مع سائر القاعدين الممنوعين من الجهاد: نتيجة لكره الله تعالى لانبعاثهم. أما الآن فقد وصفهم النص بقوله (اقعدوا مع الخالفين) وليس (اقعدوا مع القاعدين) والسمة الفنية في هذا الفارق هي: أن (الخالفين) يمثلون واقعاً عمليّاً وليس مجرد (تكييف) لأعماقهم، أي: أنهم يمثلون تخلفاً عن (الجهاد) (بالفعل)، بعد أن كانوا يمثلونه بـ(القوة)، إنهم يمثلون تخلفاً فعلياً بعد أن كانوا يحملون (استعداداً) على أن يتخلفوا ذات يوم.

 

______________________________________________________

الصفحة 184

 

المهمّ، خارجاً عن السمات الفنية المشار إليها، يعنينا أن نشير إلى أن النص القرآني قد أوضح بأن لعبة (النفاق) سوف لن تحقق هدفها الذي تستّرت به حيناً وأعلنت عنه حيناً آخر، بالنحو الذي تحدثنا عنه.

 

* * *

 

قال تعالى في حديثه عن المنافقين: (وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ * رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ * لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

في هذا المقطع من السورة يواصل النص القرآني الكريم حديثه عن (المنافقين)، حيث كانت المقاطع السابقة تتحدث عنهم بشكل عام، أما الآن فيتحدث النصُ عنهم من خلال الإشارة إلى المتمكنين منهم ممّن يمتلك قابليةً على المشاركة في القتال: حيث طالبوا الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ بأن يعفيهم من المساهمة في الجهاد ورضوا بأن يكونوا مع الخوالف، فيما طُبع على أفئدتهم. هنا ينبغي أن نتذكر بأن السمات النفسية والاجتماعية التي ذكرها النص عن المنافقين مثل كونهم (قد طُبع على قلوبهم) وكونهم (خوالف) ومطالبتهم بأن يكونوا من (القاعدين) تظل صدىً لمقاطع سابقة وَصَفَتْهُم بنفس السمة. إلا أن الجديد فيها هو: مجيئهم في سياق المقارنة مع الفئات الاجتماعية التي انتظمها المجتمع الإسلامي آنذاك حيث تتوزّع في أنماط متفاوتة في درجة إيمانها أو انحرافها.

لقد قارن النص القرآني أولاً بين المنافقين الذين وصفَهم بالسمات السابقة وبين الإسلاميين الذين وصفهم بقوله (لكن الرسول والذين آمنوا معه

 

______________________________________________________

الصفحة 185

 

جاهدوا بأموالهم وأنفسهم): وهي سمات تقف على الضد من سلوك المنافقين من حيث اختيارهم الجهاد بالأموال والأنفس مقابل اختيار المنافقين القعود عن الجهاد. ولا حاجة إلى التعقيب على فائدة هذه المقارنة بين المنافقين والإسلاميين ما دمنا نعرف تماماً بأن هدف النص هو: الحثّ على الجهاد في سبيل الله وفق قناعة داخلية خالية من شائبة النفاق أو مطلق السلوك الذي يصطنع العذر للتخلص من مسؤولية الجهاد... لذلك نجد أن النص القرآني الكريم ما أن انتهى من المقارنة بين المنافقين والإسلاميين حتى اتجه إلى شريحة اجتماعية أخرى هي (الأعراب) ليعرضها بنفس المقارنة بين مؤمنين بالجهاد حقاً وبين منحرفين لا إيمان لهم: مركّزاً على ظاهرة محدّدة من السلوك هي: قضية (الاعتذار)، بصفتها (المظهر) الذي يتوسّل به (المنافقون) للتخلص من الجهاد، ولكنها في الآن ذاته تشكّل مظهراً من الممكن أن يرتكن المؤمنون أيضاً إليه في حالة وجود العذر الصحيح لهم بالنسبة إلى تخلفهم عن الجهاد.

لقد أوضح النص القرآني الكريمُ: هذه الحقيقة حينما قارن بين منافقي (الأعراب) ومؤمنيهم، قائلاً: (وجاء المعذّرون من الاعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله)...

إن هذه المقارنة لها أهميتها الكبيرة في حقل دراسة المجتمعات... فمن الواضح أن ثمة فوارق بين مجتمع المدينة أو مجتمع البدو أو الريف أو سائر المجتمعات المنعزلة عن أضواء المدنيات أياً كان مستواها الحضاري... ولسنا الآن في صدد دراسة الفوارق المذكورة بقدر ما نستهدف الإشارة إليها فحسب: من حيث أن سكان البادية يتميزون بصفة عامة بسمة الجفاء والغلظة من جانب وبسمة العزلة الفكرية من جانب آخر، لكن لا يعني ذلك أن هذه السمات محكومة بطابع ثابت بقدر ما يعني ذلك بتغليبها... بمعنى أنه من

 

______________________________________________________

الصفحة 186

 

الممكن أن يشذّ عن المجتمع البدوي أفراد أو رهوط بحيث تعكس التربيةُ الفرديةُ أثَرها على الشخص وتلغي الطابع الاجتماعي لسلوكه... فبالرغم ـ وهذا ما لاحظه جمع من علماء الاجتماع وعلماء الأقوام عبر التجريب الميداني ـ من أن البيئة الجغرافية من جانب والبيئة الثقافية التي تتشكل وفقاً للبيئة الجغرافية من جانب آخر، تفرض سماتها على صياغة الأفراد والمجتمعات، إلا أن ذلك لا يعني ثبات السلوك: إذا أخذنا بنظر الاعتبار إمكانية أن يشذ البعض عن ذلك بسبب من حدّةِ ذكاء أو تجربة فردية أو هجرة إلى الخارج أو دخول ثقافة جديدة مثل: الإسلام الذي دخل إلى المجتمعات ومنها: مجتمع الأعراب الذي تحدّث القرآن الكريم عنه. فهذا المجتمع رسَمَه النصُ القرآني لنا بأنه منشطر، إلى نمطين: إيجابي وسلبي كما سنوضح ذلك لاحقاً. ونقل لنا جانباً من السلوك الإيجابي لهذا المجتمع حينما قرّر قائلاً (وجاء المعذّرون من الأعراب ليؤذن لهم) مقابل المنحرفين الذين وصفهم النص قائلاً (وقعد الذين كذبوا الله ورسوله).

المهم، أن المعذَّرين هنا من الممكن أن يُقصَد بهم مَن هو صادق في اعتذاره (كما ذهب إليه بعض المفسرين) ومن الممكن أن يُقصد بهم مَن هو على الضدّ من ذلك (كما ذهب بعض آخر من المفسرين إلى ذلك)، لكن في الحالين، سنلحظ أن المقاطع اللاحقة من السورة الكريمة تتحدث بوضوح عن إنشطار مجتمع الأعراب إلى نفس الإنشطار الذي يطبع مجتمع المدينة، بيد أن ما نعتزم لفت النظر إليه الآن هو: المُقارنة بين مجتمع البدو (في سلوكه العسكري الذي يُعنى النصُ القرآني برسمهِ في هذا المقطع من السورة) وبين رسم سلوك (المنافقين) في الصعيد المذكور، والانتهاء من ذلك إلى التمييز في ظاهرة (الاعتذار) عن الجهاد في سبيل الله، ـ بين الصادق من الناس بدوهم وحضرِهم، وبين الكاذب منهم، وهو ما أجمله النص الآن في هذا المقطع من السورة، بينا سيفصّل الحديث عنه لاحقاً وفقاً لما يتطلبه البناء الفنيّ للسورة من

 

______________________________________________________

الصفحة 187

 

إيحاء وتطوير عضويين للأفكار المطروحة بالنحو الذي سنتحدث عنه لاحقاً).

 

* * *

 

قال تعالى: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً ألاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ).

في هذا المقطع من سورة التوبة لا يزال الحديث عن المنافقين يتّجه إلى طرح جملة من أنماط السلوك المتصل بعملية الجهاد في سبيل الله، حيث تظل ظاهرة (الاعتذار) أو (طلب العفو) من المشاركة في القتال هو (الفكرة) التي تحوم عليها هذه الأجزاء من سورة التوبة: كما أشرنا سابقاً.

الجديد في هذا المقطع هو: تبيين الموارد التي يتميز فيها سلوك المنافق عن غيره.

لقد أوضح النص القرآني الكريم: جملة من الموارد التي تفرز الصادق من الكاذب في ميدان الجهاد أو التخلّف عنه. (فالضعفاء) ممن لا تسعفهم القوى الجسمية، والمرضى، والفقراء الذين لا يملكون نفقة الخروج إلى ساحة القتال: هؤلاء الأنماط الثلاثة معفوّون ـ أساساً ـ عن المشاركة في القتال...

بمعنى أن هذا المقطع من السورة يستهدف طرح فكرٍ خاص هو (فقه الجهاد) المتصل بعنصر المشاركة وعدمها، حيث أوضح سقوط الجهاد عن الأنماط الثلاثة المذكورة: مع ملاحظة أن المبنى الهندسي للسورة يحوم على فكرة (الجهاد في سبيل الله) كما كررنا الإشارة إلى ذلك، وإلى أنّ طرح الأفكار المتصلة بهذا الجانب قد تركز على سلوك فئات اجتماعية مختلفة، منها:

 

______________________________________________________

الصفحة 188

 

سلوك المنافقين حيث تكفلت المقاطع السابقة من السورة بعرض مواقفهم بخاصة ظاهرة (العذر) عن المشاركة في الجهاد. هنا، استثمر النص القرآني الكريم ـ بطريقة فنية ـ هذا الجانبَ ليطرح لنا ظاهرة (العذر): بالنسبة إلى فئاتٍ، منهم: الضعيف، والمريض، والفقير وليس أولي الطول من المنافقين الذين اعتذروا بدورهم عن المشاركة في الجهاد... ثم تقدّم النص إلى طرح نمطٍ خاص من السلوك المتصل بهذه الظاهرة أيضاً، إلا أنه سلوك يميّز الصادق من الكاذب: ما دام المنافقون ـ كما شرحتهم مقاطع سابقة من السورة ـ يقدمون أعذاراً مختلقَة لا نصيب لها من صدق الأعماق، إن الصادق من المشاعر هو ما يشرحه النصُ الآتي من القرآن الكريم حيث يواصل حديثه عن الفئات الذين سقط الجهاد عنهم بسبب مشروع قائلاً عنهم (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلتَ لا أجد ما أحملكم عليه تولّوا وأعينهم تفيض من الدمع حَزَناً ألاّ يجدوا ما ينفقون).

إن الفارق الكبير بين المؤمنين حقاً وبين المنافقين هو أن المؤمنين يتطلعون بشوق حادٍ إلى المشاركة إلى الجهاد في الدرجة التي تفيض أعيُنهم ـ من خلالها ـ ألماً لأنهم لم يوفقوا إلى المشاركة المذكورة. أنهم يجيئون إلى النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ مطالبين المساهمة في الجهاد، إلا أن النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ لم يُتَح له أن يحملهم ذلك لعدم توفّر المستلزمات العسكرية وغيرها، وحينئذٍ يبكون ألَماً لعدم حصولهم على شرف المساهمة في القتال.

هذا النمط من الناس: رسمهم النص القرآني الكريم في سياق الرسم الذي تناول المنافقين الذين مارسوا سلوكاً مضاداً لسلوك الإسلاميين...

هنا ينبغي لفت النظر إلى الجانب الفني أو العماري أو الهندسي للسورة. فقد جاء الحديث عن الإسلاميين المتطلّعين إلى المشاركة في الجهاد مقابلاً للمنافقين الذين استهلّ النص القرآني الحديثَ عنهم في هذا القسم من سورة

 

______________________________________________________

الصفحة 189

 

التوبة بقوله (فرحَ المخلّفون بمقعدهم خلافَ رسول الله وكرِهوا أن يُجاهدوا بأموالهم وأنفسهم)... فالمنافقون (فرحوا): بسبب من تخلّفهم عن الجهاد حيث كرهوا الجهاد بأموالهم وأنفسهم. لكن، يقابلهم هذا النمط من الإسلاميين الذين (حزنوا) وفاضت الدموع من أعينهم: بسبب من تخلّفهم عن الجهاد.

لننظر من جديد: كم هو الفارق بين مَن (يفرح) لأنه تخلّف عن الجهاد، وبين من (يحزن) للسبب المذكور.

هذه المقابلة بين (الفرح) و(الحزن) ينبغي ألاّ نهملها ونحن نتحدث عن البناء الفني للسورة القرآنية الكريمة من حيث قيامها على هيكل مترابط متجانس متوازن، كلّ جزء منها يرتبط بالجزء السابق واللاحق لها، وكل جزء يتقابل مع الجزء الآخر، فها نحن بعد أن نواجه رسماً للمنافقين يتحدث عن كونهم (يفرحون) بالتخلّف عن الجهاد ويقدّمون أعذاراً مختلفة، نواجه بطريقة غير مباشرة ـ رسماً آخر يتحدث عن الإسلاميين من حيث كونهم (يحزنون) لعدم المشاركة في الجهاد، وكونهم يتقدّمون بأنفسهم لغرض المشاركة ـ لا أنهم يعتذرون ـ أولئك يعتذرون عن المساهمة، وهؤلاء يعتذر النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ إليهم. كم هو الفارق بين هذين النمطين من الناس؟ ومن ثمّ: كم هي جمالية هذا البناء الهندسي الذي يرصد دقائق المشاعر التي تطبع الفريقين: المنافقين والإسلاميين عبر رسمٍ فنيّ غير مباشر يتحسسه كلّ متذوق خبر خصائص الفنّ المعجز الذي يعرض لنا الأفكار المطروحة بمختلف صُعدِها التي وقفنا عليها، ومنها: هذا الجانب المتصل برسم المقارنة بين سلوك المنافقين وسلوك المؤمنين عبر ظاهرة (العذر) وما واكبها من الموضوعات التي تقدم الحديث عنها مفصلاً.

 

* * *

 

______________________________________________________

الصفحة 190

 

قال تعالى: (يعتذرون إليكم إذا رَجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نُؤمِنَ لكم قد نبَّأَنا الله مِنْ أخبارِكم وسيَرى الله عملَكم ورسولُه ثم تُردُّونَ إلى عالم الغيبِ والشهادةِ فينبئُكم بما كنتم تعملون * سَيَحْلِفون بالله لكم إذا انْقلبتُم إليهم لِتُعرضوا عنهم فأعْرِضُوا عنهم إنّهم رجسٌ ومأواهم جهنمُ جزاءً بما كانوا يكسِبُون * يحلِفون لكم لِترْضَوا عنهم فإنْ تَرْضَوا عنهم فإنَّ الله لا يرضى عنِ القومِ الفاسقين).

في هذا المقطع من السورة: يواصل النص القرآني الكريم حديثَه عن المنافقين الذين سبق الحديثُ عن جانب من سلوكهم العسكري وهو: استئذانهم للخروج إلى ساحة القتال بعد أن تخلّفوا عن الخروج إلى معركة سابقة: حيث خاطبهم النص القرآني: بأنكم لن تخرجوا بعد الآن إلى أية معركة ما دمتم رضيتم بالقعود أوّل مرة.

أما الآن، فإن نفس السلوك المنافق يبرز إلى الموقف لكن ليس من خلال طلب المساهمة في القتال بل من خلال الإعتذار عن التخلّف السابق... والفارق بين السلوكين هو أن الاعتذار أشد إلتواءً من الاستئذان وأكثر تعبيراً عن ظلمة الأعماق التي يصدر المنافقون عنها، ولذلك يعقّب النص القرآني على سلوكهم المذكور في هذا المقطع بأنهم (رجسٌ) وهو تعبير يطلقه النصُ على مطلق الكفار الذين لا إيمان لهم البتة،... وبما أن هذا القسم من السورة يختصُ بتناول سلوك المنافقين من حيث كونهم (كفاراً) إلى جانب كونهم (منافقين) أيضاً: لذلك خلص النص إلى رسمهم بأشد الصفات لصوقاً بالكفر وهي سمة (الرجس) بعد أن كانت المقاطع السابقة تتناول جوانب أخرى من الكفر.

هنا، يطرح النص أيضاً شريحة معيّنة من السلوك تتصل بنمط التعامل مع هؤلاء المنافقين من خلال الاعتذار الذي يتمسكون به في سلوكهم... أنهم

 

______________________________________________________

الصفحة 191

 

يحلفون بالله لكي يُرضوا الإسلاميين، ويحلفون بالله تعالى لكي يعرض الإسلاميون عنهم.

لكن، بما أن هذا السلوك المنافق الذي يقوم على جرّ المنفعة وهو عملية المطالبة بالصفح، ومحاولة إرضاء الإسلاميين: من الممكن أن يحقق لهم المنفعة فعلاً مستثمرين في ذلك طيبة الإسلاميين، لذلك حذّر النص هؤلاء الإسلاميين من أن يرضوا عن المنافقين، مطالباً إياهم أن يعرضوا عنهم أبداً، وألاّ يُخدعوا بهم أو لنقل: بألاّ تنتابهم لحظات من الضعف الإنساني، أو لا يتأثروا عاطفياً بهذا النمط من الاعتذار، قائلاً (فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين). إن هذا التحذير الذي خَتَم به النص حديثَه عن المنافقين: يُعدّ ـ من الزاوية النفسية ـ على جانب كبير من الخطورة في ميدان السلوك، طالما نعرف أنه من الممكن أن يقتنع الإنسان ـ نظراً لقصوره عن إدراك النفوس ـ بصدق العواطف المنافقة التي تعتذر إليه، بخاصة أن مثل هذه القناعة تتدعّم عادة بالألفة الاجتماعية التي تجعل الإنسان يندمج عاطفياً مع أمثلة هؤلاء المنافقين... لذلك، جاء هذا التحذير بمثابة حسم لأي تردّد من الممكن أن يقع البعضُ فيه حيال الفئة المذكورة.

 

* * *

 

بعد هذا المقطع الذي لحظناه. يواجهنا مقطع جديد يتحدث عن الأعراب وصلتهم بالمنافقين والكفار من جانب، وبالمؤمنين من جانب آخر. وقد سبق أن طرح النص القرآني الكريم ظاهرة (الأعراب) من حيث تركيبتهم النفسية والاجتماعية، إلا أن ذلك كان مجرد تمهيد جاء في سياق الحديث عن المنافقين الذين قعدوا عن الجهاد مقابل المؤمنين به ممن كان له عذر في التخلف عنه وهم: الأعراب المشار إليهم.

أما الآن، فإن النص يتّجه (من حيث البناء الهندسي للسورة) إلى رسم

 

______________________________________________________

الصفحة 192

 

هؤلاء الأعراب وموقعهم من النفاق أو الإيمان في غمرة حديثه عن كفر المنافقين: مفصلاً الحديث عنهم بعد أن أجمله في مقطع سابق.

ومن الواضح أن ظاهرة التفصيل بعد الإجمال، أو العرض بعد التقديم تظل في الصميم من الإحكام الهندسي للنص، بخاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن النص القرآني الكريم عندما عَرَض لصحة (العذر) عند الأعراب الذين تخلّفوا عن الجهاد، اتجه بعد ذلك لشرح عملية (العذر) التي لحظناها عند المنافقين من حيث عدم مشروعيته عند المنافقين: وكأن النص يريد أن يقول لنا: ان الأعراب على ما هم عليه من الغلظة والجفاء كان اعتذارهم مشروعاً في حين أن المنافقين: كان اعتذارهم مجرد قناع يتسترون به لتحقيق منافعهم الذاتية. لذلك ما أن انتهى النص من الحديث عن هذا الجانب من المقارنة بين السلوكين، حتى اتجه إلى الحديث عن (الأعراب) ليفصّل الحديث عنهم في المقطع الجديد الذي نتناوله الآن:

طبيعياً: لا يعني أن القرآن الكريم عندما يمتدح قسماً من طائفة اجتماعية إنما يسحب هذا الثناء عليهم جميعاً، بل يعني أنه في خضم المقارنة بين سلوكين: (سلوك المنافق وسلوك الأعراب) يستهدف حيناً أن يقول لنا: ان بعض الأعراب (مع أنهم جفاة) أفضل من المنافقين (مع أنهم خبروا حياة المدينة بما يواكبها من تهذيب حضاري) دون أن يعني ذلك أن (الاعراب) بنحو عام هم أكثر مرونة من منافقي المدينة.

المهم، أن عمارة النص القرآني (من حيث جمالية أجزائها التي تتنامى من مقطع إلى آخر) تتجه بعد عملية المقارنة بين سلوك المنافقين والأعراب في جزئية خاصة منهما إلى عملية رسمٍ شامل لسلوك الأعراب، منتقلةً بذلك (بنحوٍ فنيّ) من سلوك طائفة اجتماعية إلى طائفة اجتماعيةً أخرى. من سلوك (المنافقين) مطلقاً إلى سلوك (الأعراب) مطلقاً: وذلك من خلال تعامل

 

______________________________________________________

الصفحة 193

 

الطائفتين مع مبادئ الإسلام، وفي مقدمتها الجهاد في سبيل الله فيما تظل الفكرة العامة التي تحوم عليها موضوعات السورة، ومنها: سلوك الأعراب حيال هذا الجهاد.

 

* * *

 

قال تعالى: (الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ...).

في هذا المقطع ملاحظة إجتماعية على الأعراب وموقعهم من رسالة الإسلام إيجاباً وسلباً... لكن، بما أن السورة الكريمة تتحدث عن المنافقين وكشف مستويات سلوكهم في هذا القسم الذي وردت الملاحظةُ الاجتماعية المذكورة فيه، حينئذٍ نتوقع ـ من زاوية البناء الهندسي لها ـ أن تتركز هذه الملاحظة الاجتماعية على ظاهرة (النفاق) أيضاً.

لقد أوضح النص أن الأعراب أشد كفراً ونفاقاً من طائفة المنافقين الذين تقدم الحديث عنهم في مقاطع سابقة من السورة مبيّناً أنهم أولى من غيرهم بأن لا يعلموا مبادئ الإسلام. ولكي يوضّح النص هذا الحكم على الأعراب، تقدّم ـ بطريقة فنيّة ـ بنموذج عملي من سلوكهم للبرهنة على ذلك، فقال عنهم (ومن الأعراب مَن يتخذ ما ينفق مغرماً). إن التفكير القائم على تصوّر كون

 

______________________________________________________

الصفحة 194

 

الانفاق عملية خسار مالي، يدلنا بوضوح على سقم هذا التفكير وكونه بعيداً عن إدراك مبادئ الإسلام. لكن، بعد أن يدلّل النص ـ فنياً ـ على هذا الجانب من سلوك الأعراب يتجه ـ اجتماعياً ـ إلى عرض بعض الحقائق المتصلة بالمجتمعات البشرية، فبالرغم من كون الأعراب أشد كفراً ونفاقاً من سواهم بسبب تخلّفهم الذهني والحضاري، إلا أن ذلك لا يعني كون الظاهرة المذكورة تشكّل قاعدة اجتماعية بل أن الظاهرة الفكرية أو المبدأ الإسلامي القائل بأن كلّ نفسٍ بشريّة تُلهَمْ فجورها وتقواها تظل أقوى من أية قاعدة اجتماعية، ولذلك فإنّ من هؤلاء الأعراب مَن يكون على عكس المتخلفين ذهنياً، إنّ منهم ـ كما يقول النص ـ (مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللهِ).

لننظر أولاً، إلى التقابل الهندسي بين الأعراب الذين يتخذون ما ينفقونه (مغرماً) وبين الأعراب الذين يتخذون ما ينفقونه (قربةً)... ونحنُ بعد أن ننتقل من هذا الجانب المادي الجميل للمقطع، إلى الجانب الاجتماعي منه، نجد أن تقرير هذه الحقيقة الاجتماعية تشكل وثيقة بالغة الأهمية في حقل التصوّر الإسلامي للمجتمعات، أي أنها تلغي الاتجاه الاجتماعي الأرضي الذي يحاول ربط المجتمعات ببيئاتها فحسب وتتجه إلى تفسير خاص للمجتمعات هي كونها خاضعة لعنصرين: عنصر (بيئي) وعنصر (غيبي) أو (فطري). العنصر الفطري يتمثل في كون الإنسان قد أودع الله فيه قابلية إدراك الخير والشر، والعنصر البيئي يتمثل في كون الإنسان يتأثر بما حوله من البيئات. فإذا كان الأعراب بسبب من تأثرهم بالبيئة الاجتماعية قد طبعوا بسمات الجفاء والغلظة والتخلف الذهني فإن ذلك لا يعني إلغاء العنصر (الفطري) فيهم: أي إدراكهم للخير والشر، بل يعني أنهم قد انصاعوا لمؤثرات البيئة دون أن يمارسوا عملية تأجيل لشهواتهم. والدليل على ذلك أن قسماً آخر من نفس الأعراب آمنوا بمبادئ الإسلام، فلو كانت البيئة الحضارية هي العنصر الوحيد لتخلفهم ذهنياً لما أتيح للقسم الآخر من الأعراب أن يؤمن بمبادئ الإسلام، وهذه الحقيقة تشكل رداً

 

______________________________________________________

الصفحة 195

 

صريحاً على بعض الاتجاهات التي يصدر عنها علم الاجتماع الأرضي في ذهابها إلى حصر السلوك في بُعده الاجتماعي.

المهم، خارجاً عن هذه الحقيقة التي يقدّمها القرآن الكريم في حقل المجتمعات وتفسيرها، يعنينا أن نواصل الحديث عن هذا المقطع من السورة من زاوية بنائها الفنيّ.

 

* * *

 

لقد تقدم النص القرآني الكريم: بعرض فئة المؤمنين السابقين من المهاجرين والأنصار في سياق حديثه عن فئة المؤمنين من الأعراب، ثم عاد إلى الحديث عن المنافقين من جديد: أعراباً ومدنيين.

لنلاحظ جمالية هذا العرض المتقابل بين: المؤمنين والمنافقين، فهناك مؤمنون: مهاجرين وأنصاراً. وهناك منافقون: أعراباً ومدنيين... هناك (السابقون الأولون مِنَ المهاجِرين والأنْصارِ)... وهناك: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ)... لننظر من جديد إلى هذه الثنائية الفنيّة الجميلة في التقابل بين مهاجرين وأنصارٍ آمنوا، وبين أعراب ومدنيين نافقوا... كل واحدة من الفئتين تمثل موقعاً جغرافياً: الفئة المؤمنة تمثل (المكيين) و(المدنيّين). وأما الفئة المنافقة فتمثل (الأعراب) و(المدنيين).

هذا التقابل المدهش فنيّاً بين المنافقين والمؤمنين إنما تمّ وفق الحقائق الاجتماعية التي سبق شرحها قبل قليل. حيث أوضح النص بطريقة فنية بالغة الدهشة، بالغة الإمتاع، حقائق إجتماعية تتصل بعنصري (البيئة) و(الوراثة)، كما قدّم حقائق اجتماعية تتصل بعنصري (الإيمان) و(الكفر) أو (النفاق)، ثم ربط بين هذه العناصر من خلال عملية إنتقال فني من فئةٍ اجتماعية إلى فئةٍ أخرى: على نحو ما لحظنا. ثم تقدم إلى الحديث عن فئة ثالثة قال عنها:

 

______________________________________________________

الصفحة 196

 

(وآخرونَ اعترفوا بذنوبهم خَلَطُوا عَمَلاً صالحاً وآخَرَ سيئاً...) حيث تمثل هذه الفئة نمطاً آخر من الشرائح الاجتماعية التي لم تجسّد (الإيمان) بشموله ولا (الكفر) بشموله، بل تأرجحت بينهما، حيث رسمهما النص وفق سلوك خاص يتكفل مقطعٌ آخر من السورة بتوضيحه.

 

* * *

 

قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).

هذا المقطع من سورة التوبة يتناول فئة من الناس خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيّئاً مقابل فئتين أخريين: المؤمنين والمنافقين، وإذا كان النص القرآني الكريم في مقاطع سابقة من السورة قد اتجه إلى رسم المنافقين بعامة فإنه من خلال عنصر المقارنة بينهم وبين سائر الفئات الاجتماعية التي انتظمها مجتمع المسلمين قد استهدف تحديد مستويات السلوك لفئتين: إحداهما مؤمنة لا شائبة في سلوكها، والأخرى: خلطت عملاً صالحاً وآخر سيئاً، لكن حتى هذه الفئة الأخيرة ما دامت قد وُفقت للعمل الصالح، حينئذٍ تصبح مرشحةً للتوبة من عملها السيّء، وهو ما حدث فعلاً: حيث يذكر المفسرون أن المقطع المذكور نزل في نفر تخلّفوا عن إحدى المعارك الإسلامية، وقد ندموا على ذلك فربطوا أنفسهم بسواري المسجد.

والمهم، خارجاً عن التفسير المتقدم، فإن النص القرآني نفسه تضمّن هذا الجانب من سلوك الأشخاص الذين طالب النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ بأن يأخذ من أموالهم صدقةً تطهّرهم ، وطالبه بالصلاة عليهم لأن صلاته ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ سكن لهم. أقول ان

 

______________________________________________________

الصفحة 197

 

النص القرآني نفسه ذَكَر هذا الجانبِ من التوبة بطريقة فنية حينما قال في الآية اللاحقة (ألم يعلموا أنَّ الله هُوَ يَقْبلُ التوبةَ عَنْ عبادِه) حيث يستنتج المتلقي بأن هؤلاء الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً قد تابوا بالفعل، بل أن نفس مطالبة النص النبيَّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ بأخذ أموالهم والصلاة عليهم: تعبّر ـ فنيّاً ـ عن مفهوم التوبة.

والمهم، أيضاً، أن هذا المقطع يظل من زاوية العمارة الهندسية للسورة، متلاحماً مع مقاطعها السابقة التي ركّزت الحديث على سلوك المنافقين. فقد سبق أن لحظنا أن النص القرآني الكريم طالب النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ عبر رسمه لسلوك المنافقين بأن لا يستغفر لهم وإلى أنهم لو استغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم... أما هؤلاء الذين تخلفوا عن المعركة وندموا على ذلك، فبالرغم من تماثل جانبٍ من سلوكهم مع المنافقين، إلا أن التماثل المذكور كان عابراً ولحظة من الضعف بحيث ندموا عليه، بخلاف المنافقين الذين طبعوا ومردوا على سمة الشر والنفاق.

 

* * *

 

هنا، يتقدم النص القرآني الكريم برسم نمط آخر من الأشخاص الذين تخلفوا عن المشاركة في ميادين القتال حيث قال النص عنهم: (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).

وإذا قارنا بين هذا النمط وبين النمط السابق الذي اعترف بذنبه وخلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً: نجد أن هذا النمط قد توقف الحكم عليه: امّا العقاب وامّا التوبة، وهذا يعني أنه كان أشد مفارقة في سلوكه بحيث لم يُحسم الموقفُ حياله... والمهم: أن قضية التأرجح بين الإيجاب والسلب بغض النظر عن مستوياته التي يتفاوت الأفراد فيها من واحدٍ لآخر، تظل مجسدةً لفئة اجتماعية تنتابها لحظات من الضعف الإنساني بحيث تنم على صدورها عنه:

 

______________________________________________________

الصفحة 198

 

مقابل فئة قد اختارت من أول الأمر سبيل الجهاد من أجل الله، ثم مقابل فئة قد اختارت التخلف عن الجهاد أساساً ونعني بهم المنافقين... والنص القرآني الكريم عندما يعرض لهذه الفئات أنماطها المتقدمة إنما يستهدف لفت الانتباه على مختلف الاستجابات التي يصدر الناس عنها في تعاملهم مع ظاهرة الجهاد في سبيل الله، بصفة أنّ الجهاد يشكل محطاً لفرز الأشخاص والهيئات وكشف درجة الإيمان الذي يغلّف أعماقهم.

وإذا كان الإسلاميون ينشطرون ـ تبعاً للأصناف الثلاثة التي تقدم الإيماء إليهم ـ إلى مؤمنين ومتأرجحين، فإن الفئة المنافقة التي تكفّل قسمٌ كبير من سورة التوبة بالكشف عن مختلف سلوكها، هذه الفئة تظل موضع رصدٍ لا يزال النص القرآني الكريم يتابع تسجيله: وفي هذا القسم من سورة التوبة حيث ينتقل النص إلى رصد آخر من سلوكها الاجتماعي. لقد رسمهم النص ـ أي المنافقين ـ في صعيد السلوك الاقتصادي والعسكري: طائفةً لا تعنى إلاّ بجرّ المنفعة الذاتية فهم يبخلون بأموالهم من جانب كما يتخلفون عن المعارك من جانب آخر: حفاظاً على أموالهم وأنفسهم. لكن، لا يقف الأمر عند هذا النطاق، بل يتجاوزونه إلى مختلف الصُعد الاجتماعية التي تكشف عن كونهم ليسوا مجرد نفعيين بل مجموعة من المضطربين الذين لا يحتفظون بأدنى درجة من التوازن الداخلي، حتى أنهم ـ كما سنرى في المقطع اللاحق من السورة الكريمة ـ يتجهون إلى بناء مسجدٍ مثلاً (وهم أبعد ما يكونون عن المعنيّين بأمثلة هذا الاهتمام) بغية التفريج عن أعماقهم المضطربة، وتمرير نزعاتهم العدوانية حيال الإسلاميين.

 

* * *

 

قال تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاّ الْحُسْنَى وَاللهُ

 

______________________________________________________

الصفحة 199

 

يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).

يتحدث هذا المقطع عن جانبٍ آخَرَ مِنْ سلوكِ المنافقين، حيث اتجهوا إلى بناءِ أحدِ المساجد إضراراً بالإسلاميين وتفريقاً لهم، وقد يُتَساءَلُ ما هي خطورةُ بناءِ مثلِ هذا المسجد وانعكاساتهِ على الإسلاميين، وما هي دلالاتُهُ بالنسبةِ إلى المنافقينَ أنفسِهم؟؟

أما بالنسبة إلى الإسلاميين، فقد استُهدِف منه ـ كما أَوْضَح النصُ ذلك ـ ضِراراً وتفريقاً وإرصاداً لهم. وقد ذكر المفسِّرون أنّ المنافقين قد استَهْدفوا مِنْ ذلك أن يستقلوا بأنفسهِم وألاّ يَحْضِرُوا جماعةَ الرَسُولِ الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ حيثُ طَلَبُوا مِنْهُ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ أنْ يُصَلِّيَ فيهِ: حيث تَتَفرَّقُ جماعَتُه ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ وتقِلُّ خطورتُهم في أعيُنِ النّاسِ، وحيثُ اتخذوهُ ـ من ثَمَّ ـ لأحَدِ المُنْحَرِفينَ الكِبارِ الذي كَرَّسَ حياتَهُ لمحاربةِ الإسلام بعد أن واعَدهُم بالذهابِ إلى الخارج وتحضير الجُندِ مِنْ هناك لإخراج النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ مِنَ المدينة: إلا أنّهُ ماتَ قَبْلَ أنْ يُمارِسَ مهمَتُه المنحرفة المذكورة.

ومن هذا نَفْهَمُ: أنّ عمليةَ بناءِ المَسْجِدِ كانَتْ عملً سياسياً ينطوي على تخطيطٍ خاصٍّ لمحاربةِ الإسلام.

بيّد أن النتيجة كانت لغير صالحهم ـ كما لحظنا، حيث إن النص القرآني الكريمَ يتقدم برسم صورةٍ فنيةٍ للتعبير عَنْ فَشَلِ المهمةِ المذكورة دنيويّاً وأُخْرَوِيّاً قائلاً (أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ).

هذه الصورةُ الفنيةُ (شَفَا جُرُفٍِ هارٍ) فضلاً عَنِ انطوائها على قيمٍ صوتيةٍ

 

______________________________________________________

الصفحة 200

 

تَتَّصِلُ بالتجانس بينها وبين نتيجتها (فانهار به) أي: تجانس الأصوات (ف، ن، هـ، ا، ر) ثم انطواء هذا التجانس الصوتي بين الجملتين (شفا جرف هار) و(فانهار به في نار جهنم) على تجانس (فكري) أيضاً متمثلاً في كون البناء القائم على جانب النهر إنما ينهار على نحو ما ينهار عمل القائمين به في نار جهنم. أقول: فضلاً عن الجمالية الممتعة التي نتحسسها في تجانس الأصوات بين الجملة التي تتحدث عن بناء المسجد وكأنه على شفا جرفٍ هار وبين الجملة التي تتحدث عن النتيجة الأخروية للعمل المذكور حيث ينهار به في نار جهنم، فضلاً عن ذلك، ينبغي ألاّ يغيب عن أذهاننا هذا التوازن العماري في المقطع: بين عمل الدنيا ونتيجته في الدار الآخرة. الدنيا، حيث ينهار المسجد سريعاً فلا يتحقق الهدف المنحرف من بنائه... وبالفعل: أمَرَ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ بعد نزول الوحي عليه بتهديم المسجد المذكور... والأخرى: حيث ينهار ـ وقتئذ ـ هذا العمل بذهاب أصحاب إلى جهنم.

أما دلالات هذا العمل من حيث التعبير عن أعماق المنافقين، فيتحدد وفق ما أشار النص القرآني الكريمُ إليه: حينما أوضح بأنه (لا يزال بُنيانُهم الذي بَنوا رِيبَة في قلوبهم) كما أنه حينما أوضح بأن البناء المذكور كان (ضراراً) و(تفريقاً بين المؤمنين)... حينما أوضح ذلك كله: إنما دلّنا على طبيعة الأعماق المنافقة التي يسمها طابع الاضطراب الشديد لديهم.

إن (الريبة) التي أشار النص القرآني إليها: تظل من الوضوح بمكان بالنسبة إلى أعماق المنافقين، فعنصر (الشك) يمثّل أقوى درجات الاضطراب في النفس كما هو واضح، وسواء أكانت (الريبة) تعني (الحزازة في النفس) كما ذهب إلى ذلك بعض المعنيين بشؤون التفسير أو كانت ريبةً فكرية نابعة من استبطانِ المنافقين غيرَ ما يُظهِرونَهُ: كما ذهب إلى ذلك البعض الآخر: ففي الحالين ثمة عَرضَ نفسيٌ خطير هو تمزق النفس واضطرابها في غمرة الاهتمام

 

______________________________________________________

الصفحة 201

 

بأمثلة هذا النشاط المنحرف الذي واكب بناء المسجد.

مضافاً إلى ذلك: فإن نزعة (العدوان) من حيث كونهم يمارسون عملاً يستهدفون منه أساساًَ (ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله) ثم قسمَهم بالله (وَلَيَحْلِفُنَّ بالله إِنْ أَرَدْنَا إِلاّ الْحُسْنَى) كل أولئك، أي: النزعة العدائية التي تستهدف تفرقة الكلمة، ثم الحلف على عكس ما يستهدفونه: تعبيرٌ عن أشد درجات الاضطراب في النفس، إن مشاعر (الكراهية) وحدها كافية بأن تشطر الشخصية وتحتجزها من تذوّق الأمن والتوازن الداخلي، كما أن عملية الحلف بالله بأنهم لا يستهدفون إلا الخير: مع أنهم يضطربون بلهيب الحقد والشر: إفصاحٌ واضح عن أشد درجات التمزق الداخلي. ولنا أن نتصور مدى التمزق الذي يطبع الشخصية وهي تضطرم حنيناً إلى تحقيق نزعاتها العدائية ثم تمارس من جانبٍ آخر عملية تبرئة لذاتها حيث تحلف بالله بأنها لم ترد إلا الحسنى مستهدفة بذلك تمرير نزعاتها الحاقدة أمام الإسلاميين الذين تخشاهم كل الخشية، متوجسة خيفة من أن يفتضح أمرها فتخسر الرهان: مع أن نشاطها منصبٌ أساساً على جرّ المنفعة... حينئذ كم يبدو تمزّقها شديداً حيال الصراع العنيف الذي أشرنا إلى صدور الشخصية المنافقة عنه، ثم كم كان النص القرآني الكريم قد عبّر عن ذلك بوضوح حينما خَتَم المقطع الذي تحدث به عن المنافقين بقوله (لا يزال بنيانهم الذي بنوا (ريبة) في قلوبهم، إلاّ أن تقطّع قلوبهم) حيث أفصحت عبارة (ريبةً) عن جميع الدلالات النفسية المضطربة التي تقدم الحديث عنها (بالنحو الذي فصّلنا الحديث عنه).

 

* * *

 

قال تعالى: (إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ

 

______________________________________________________

الصفحة 202

 

وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ).

في هذا المقطع من سورة التوبة حديث عن الجهاد في سبيل الله. ومن الواضح أن سورة التوبة ـ كما لحظنا ـ تحوم فكرتها على (الجهاد) حيث تنصب موضوعاتها المختلفة في الرافد الفكري المذكور: كل ما في الأمر أن موضوعاتها التي تتناول عرض مختلف الشرائح الاجتماعية: من مؤمنين ومتأرجحين ومشركين ومنافقين، إنما تُعرض في سياق الجهاد في سبيل الله... هذا إلى أننا لحظنا أن الحديث عن (المنافقين) يظل محتلاً مساحة كبيرة من النص القرآني الكريم: نظراً لأهمية الكشف عن الفئة المذكورة التي أظهرت الإسلام واستبطنت الكفر، ثم امتداد هذه الفئة ومن شاكلها على مرّ العصور ممن يصدرون عن سلوك (النفاق) بشكلٍ أو بآخر، مما يفصح بعامة عن أهمية الطرح للظاهرة المذكورة.

وأيّاً كان الأمر، فالملاحظ أن النص القرآني الكريم يعرض لنا بطريقة فنية ـ يُراعى من خلالها البناء الهندسي للسورة ـ بين مقطع وآخر جانباً من السلوك الاجتماعي: مستقلاً، أو ضمنياً حيث يقارن بين السلوك الإيجابي والسلبي: تثبيتاً لما هو إيجابي والإفادة منه لتعديل السلوك.

والآن، بعد أن عَرَض النصُ القرآني الكريم أنماطاً من السلوك لدى المنافقين: اقتصادياً وعسكرياً واجتماعياً، ثم بعد أن عَرضَ خلال ذلك أنماطاً من السلوك الإيجابي المتأرجح، اتجه بعد الإجمال الذي ذكره عن الإيجابيين إلى تفصيل ذلك، حيث أوضح في هذا المقطع الذي تناوله الآن: ظاهرة الجهاد بأشمل دلالاتها وارتباطها بالإسلاميين بأكمل مستويات السلوك. فمن

 

______________________________________________________

الصفحة 203

 

الممكن مثلاً أن يتجه إلى الجهاد بعض النماذج غير المكتملين وعياً، ومن الممكن أن يتجهوا إليه دون أن يحيطوا بدلالاته الخطيرة. لذلك بدأ النص في هذا المقطع بتوضيح الجوانب المذكورة: استكمالاً للطرح الذي انتظم سورة التوبة ونعني به: ظاهرة الجهاد في سبيل الله.

لقد أوضح النص أولاً هذه الظاهرة، أتبعها بتوضيح المجاهدين أنفسهم، أي: طرح كلاً من دلالة (الجهاد) ودلالة (المجاهدين) لتُستكمل الصورة عن الظاهرة الفكرية المتقدمة.

وقد استخدم النصُ الكريمُ عنصرَ (الصورة الفنية) لتوضيح هذا الجانب، حيث قرّر بأن الأنفس والأموال يجسّد (ثمناً) لعملية (اشتراء): المشتري هو الله تعالى والبائع هم (المجاهدون)، وبعد أن شطر عملية البيع أو الاشتراء إلى (النفس) و(أموال) شَطَر أيضاً عملية الأنفس إلى (قتل الأعداء) و(قتل مِن قِبَل الأعداء). ثم، لكي يمنح عملية (الاشتراء) المذكورة (الضمان) لها، أكّد قائلاً (ومن أوفى بعهده من الله): تثبيتاً للنفوس ويقيناً بممارستها التي تحقق لها ضمان الثمن المذكور، ثم: لمزيدٍ من التأكيد على ذلك بحيث لا يدع أدنى مجال للتردد في عملية الاشتراء المذكورة، طالب المجاهدين بأن يستبشروا بهذه العملية منذ الآن، أي: أن يظفروا بتحقيق الاشباع المترتب على دفع الثمن منذ الآن، قائلاً لهم (فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).

والحق: أن أي قارئ ـ حتى لو كان عابراً ـ ما أن يتأمل هذه الآية الكريمة حتى يتحسس بنمط من البشرى تغمر أعماقه، وحتى يتمنى في الصميم من أعماقه أن يتجه إلى سوح الجهاد في سبيل الله للظفر بغنائم هذا البيع... وهو أمرٌ يفصح عن خطورة الصورة الفنية التي رسمها القرآن الكريم لتجلية مفهوم الجهاد.

 

______________________________________________________

الصفحة 204

 

والآن، يتقدم النص لرسم السمات العبادية التي ينبغي أن تتوفر لدى المتجه إلى ساحة الجهاد في سبيل الله، فيذكر سماتهم على هذا النحو: التائب من ذنوبه، العابد لله وحده، الحامد لنعمه، الصائم أو السائح في طلب العلم، الساجد، الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، الحافظ لحدود الله أي: القائم لطاعته.

إن هذه السمات لا بدّ من توفّرها في شخصية المجاهد بغية أن يستكمل مفهوم الجهاد دلالته الحقة، طالما نعرف بأن الشخصية الإسلامية الناضجة لا تحيا انشطاراً في سلوكها، بل تحيا وحدة السلوك الذي لا ينفصل أيّ جزء منه عن الأجزاء الأخرى، فالجهاد بالرغم من كونه عملاً عسكرياً يتطلّب تفرّغاً زمانياً ومكانياً خاصين، إلا أنّ ذلك لا يتم على حساب الاختزال العبادي لسائر النشاطات الفردية الاجتماعية من صلاة وصوم وأمر بالمعروف الخ بل تتلاحم كل هذه النشاطات في سلوك موحَّد يمتزج فيه ما هو فردي بما هو اجتماعي وما هو تأملي بما هو عمليّ: حسب ما يتطلبه الموقف.

وأياً كان، فإن المقطع الذي لحظناه الآن، يظل ـ كما أشرنا ـ مرسوماً في سياق الكشف عن الشرائح الاجتماعية التي انتظمت المجتمع الإسلامي، ومنها: الفئات المنحرفة منافقين ومطلق الكفار... لذلك، يتجه النص القرآني الكريم بعد هذا المقطع إلى رسم جوانب أخرى من سلوك الفئات المشار إليها.

 

* * *

 

قال تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ).

 

______________________________________________________

الصفحة 205

 

في هذا المَقْطَعِ من سورة التوبة صياغة لإحدى الحقائق العبادية المتصلة بتعامل الإسلاميين مع المنحرفين.

هذه الحقيقة هي: استغفار النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ والمؤمنين للفئات المشركة، حيث أوضح المقطع بأن عملية الاستغفار للمشركين ينبغي ألا تأخذ أي طابع من المشروعية (من بعد ما تبيّن لهم أنهم أصحاب الجحيم).

ثم عرض النصُ لقصة إبراهيم مع أبيه من حيث عملية الاستغفار المذكورة، موضحاً أن إبراهيم ـ عليه السلام ـ كان قد استغفر لأبيه، إلا أن ذلك لم يكن إلاّ (عن موعدة وعدها إيّاه فلما تبيّن له أنه عدّو الله تبرّا منه...).

ويعنينا من هذا المقطع جانبان: الجانب الفكري والجانب الفنيّ المتمثل في علاقة هذا المقطع بهيكل السورة وهندستها.

أما الجٍانب الفكري، فيتمثّل في واحدٍ من أهمّ الموضوعات المتصلة بسلوك الإسلاميين وعلاقاتهم بالفئات الاجتماعية المنحرفة، بما في ذلك التعامل مع الأشخاص المنتسبين إليهم بآصرة القربى... فالمعروف في حقل الحقائق النفسية أن القريب ـ بخاصة إذا كان أباً أو ابناً ـ يظل بموجب (الدافع إلى البنوة أو الأبوة) موضعه تعاطف شديد بين طرفي العلاقة، لذلك نجد أن النص القرآني الكريم قد انتخب قضية إبراهيم مع أبيه لطرح فكرة التعامل مع أقرب الناس نسباً، ليدلّل على ضرورة تعديل الدافع المذكور وتكييفه ـ ليس على أساس فطري ـ بل على أساس فكري هو: علاقة الإنسان بالله تعالى.

صحيح أن الأب أو الابن يرتبط أحدهما بالآخر: فطرياً، إلا أنّ ذلك ينبغي أن يقوم على أساس فكري ـ كما قلنا، بمعنى أن علاقة الحب التي أودعها الله تعالى في الكائن الإنساني إنما تستمد فاعليتها من (الحب في الله) وليس الحب مجرداً عن الله، وهذا الأساس بدوره (فطري)، إلاّ أنه يحتاج إلى دراسة الموقف بجدية لكي تتبين للشخص دلالة علاقته بالآخرين، فالمنحرفون

 

______________________________________________________

الصفحة 206

 

مثلاً قد (يحبّ) أحدُهم الآخر: نظراً لتماثلهم الفكري في ظواهر الإنحراف، وحينئذٍ لا فائدة من هذا الحب ما دام يفضي لغير الصالح العام: كما لو افترضنا أن يتعاطف القتلة والسرّاق والبخلاء والخونة ونحوهم فيما بينهم على أساس من سلوكهم المتقدم، إذ يترتب على ذلك فساد اجتماعي لا يأتلف مع دلالة الحب أساساً. ولا أدلّ على ذلك ما لحظناه في سلوك المنافقين الذين تكفّلت المقاطعُ السابقة من سورة التوبة بعرض سلوكهم المنحرف: وهو سلوك قائم على النفعية، والبخل، وتفرقة الكلمة، مما تفضي بالضرورة إلى الفساد الاجتماعي.

إذن، نحن الآن أمام ظاهرة فكرية تظل في الصميم من السلوك العبادي وهي قضية صياغة علاقات (الحب) وفقاً لأساس عبادي ملتزمٍ بمبادئ الله، ونبذ كل أشكال العلاقة الاجتماعية غير المرتكنة إلى المبادئ المذكورة بما في ذلك أوثق علاقات (الحب) النَسَبية مثل علاقة الأب بابنه و الابن بأبيه. فالملاحظ أن المقطع القرآني الكريم الذي نتحدث عنه، أنه عندما ذكر قصة إبراهيم مع أبيه، لم يكتفِ بأن يرصد العلاقة النسبيّة بينهما فحسب، بل أردفها برسم سمتين من شخصية إبراهيم هما: كونه (أوّاهاً) و(حليماً)، فالاوّاه هو المتضرّع أو المتأوّه شفقاً، و(الحليم) هو الصابر الذي يصفح عن الذنب: فمع كونه حاداً في عاطفته، شديداً في صفحه عمّن يسيء إليه ـ وهما يمثّلان الذروة في مفهوم (الحب) ـ نجده متجهاً إلى الله تعالى في تحديد علاقاته مع الآخرين، أي أنه بالرغم من شدة محبته للآخرين إنما يستمد ذلك من شدة محبته لله تعالى، فإذا كره الله المنحرفين: حينئذٍ سوف يكره إبراهيمُ بالضرورة المنحرفين أيضاً للسبب المذكور.

إذن أمكننا الآن أن ندرك (من الزاوية الفنية) صلة هذه السمات التي خلعها النص على إبراهيم بقصته مع أبيه، وصلة هذه القصة بتعامل الإسلاميين

 

______________________________________________________

الصفحة 207

 

مع المنحرفين الذين طالب الله تعالى ألاّ يُستغفَر لهم حتى لو كانوا أولي قربى. كما ينبغي أن نتذكر بأن المقطع القرآني الكريم إنما يتحدث عن هذه الظاهرة في سياق حديثه عن المنافقين وسائر المنحرفين: حيث ذكر النصُ في مقطع سابق بأن الاستغفار للمنافقين حتى لو كان سبعين مرة فإن الله لا يغفر لهم. وها هو النص القرآني الكريم يصل فنيّاً بين قضية عدم الاستغفار للمنافقين وعدم الاستغفار لمطلق المشركين، أي: أنه قد انتقل من رسم سلوكٍ خاصٍّ بالمنافقين إلى رسم سلوك عام لمطلق الكفار: ليصوغ لنا حقيقة فكريّة عامة: هي تحديد علاقة الشخصية الإسلامية (من حيث التعاطف) مع الفئات المنحرفة مطلقاً، وضرورة أن تتحدد هذه العلاقة من خلال التعامل مع الله فحسب ونبذ كلّ أشكال (الحب) مع المنحرفين حتى لو كانوا أولي قربى، بل حتى لو كانوا في نطاق أشدّ الدوافع إلحاحاً في النفس البشرية مثل عاطفة الأبوّة أو البنوّة (كما لحظناه في قصة إبراهيم مع أبيه).

 

* * *

 

قال تعالى: (لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).

يَتَناوَلُ هذا المقطع من سورة التوبة: ظاهرة (التوبة) من خلال قضية (الجهاد) التي تشكّل عصب السورة: كما كررنا. فالمقطع يعالج قضيّتين منفصلتين من القضايا المرتبطة بالجهاد، هما: قضية تردد بعض المقاتلين في مواصلة الجهاد وقضية تردد البعض الآخر في الالتحاق بالمقاتلين. وبالرغم من أنّ كلاً من الواقعتين يصبّ في موضوعٍ غير الآخر إلا أنهما يصدران عن رافدٍ

 

______________________________________________________

الصفحة 208

 

نفسي واحد هو: التلكؤ أو التردد في المواقف الحاسمة من الجهاد في سبيل الله، فالقضية الأولى ـ وفقاً للنصوص المفسّرة ـ تتناول المقاتلين الذين واجهوا شدائد كبيرة في معركة (تبوك) من حيث شدّة الحرّ وقلّة الزاد والراحلة حتى همّ قسمٌ بالانصراف عن المعركة فعصمهم الله من ذلك وتاب عليهم، وأما القضية الأخرى فتتناول جماعة تخلّفت عن الالتحاق بالمعركة توانياً ثم ندموا على ذلك حتى ضاقت عليهم الأرض وضاقت عليهم أنفسهم والتجأوا صادقين إلى الله فتاب عليهم.

فالملاحظ هنا أن هاتين الجماعتين أو هذين النمطين من الناس لم يصدرا عن نزعة معادية للإسلام بل عن ضعف نفسي ألمّ بالنمط الأول الذي التحق منذ البدء بساحة القتال: إلا أنه كاد يزيغ فؤاده من الشدائد التي واجهها، وأما النمط الآخر فما كاد يتخلّف عن الجهاد (وهو ضعف نفسي أيضاً) حتى ندم على سلوكه المذكور، ففي الحالتين نواجه أنماطاً تحتفظ أعماقها بنزعة الخير، نمطاً يتّبع النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ في ساعة العسرة (وهو خير محض) لكنه يكاد يضعف حيال شدائد المعركة. ونمطاً آخر لم يتبع النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ في ساعة العسرة إلا أنه ندم على عدم إلتحاقه، مما يعني أن الاتباع في ساعة العسرة، والندم على عدم الاتّباع بالرغم من اختلاف مظهرهما لكنهما يفصحان عن توفّر جانب إيجابي فيهما... لذلك جاء التأكيد على مفهوم (التوبة) متجانساً، أو لنقل: نتيجة طبيعية لموقفهما المذكور: وهو: الإحساس بالندم بصفة أن الإحساس بالندم مفصح عن توفّر نزعة الخير في الأعماق، لكن بما أن الندم من الممكن أن يظل في نطاق الأحاسيس، حينئذٍ فإن ترجمته إلى سلوك خارجي يُعدّ تعبيراً حقيقياً عن الندم وليس مجرد أحاسيس عابرة. والنص القرآني الكريم أشار ـ بطريقته الفنيّة ـ إلى هذا الجانب حينما رسَمَ الأشخاص (الثلاثة الذين خلّفوا) بأنهم أولاً (ضاقت عليهم الأرض بما رحبت) وثانياً بأنهم (ضاقت عليهم أنفسهم)، وثالثاً (ظنّوا أن لا ملجأ من الله إلاّ إليه).

 

______________________________________________________

الصفحة 209

 

ونتيجة لهذه المراحل الثلاث من عملية الندم وترجمته إلى سلوك عملي تاب الله عليهم، حيث ذكر المفسّرون أنّ هؤلاء الثلاثة هجرهم النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ والناس وعوائلهم أيضاً، فاتجهوا إلى رؤوس الجبال، حتى أنهم هجر كلُ واحدٍ منهم الآخر: متضرعين إلى الله، معلنين عن ندمهم على التخلف عن ساحة القتال: حتى تاب الله تعالى عليهم. كما أن الفريق الآخر الذي التحق أساساً بالمعركة في ساعة العسرة وتلكأ أو كاد في مواصلة القتال ثم عاد إلى موقعه البدائي، إنّما يشكل عوداً إلى ممارسة القتال وهو سلوك عملي يزيل كلّ آثار التلكّؤ الذي طرأ عابراً على موقفه، مما يستتبع قبول (التوبة) أيضاً.

وهذا كله من حيث البعد الفكري للمقطع القرآني الكريم الذي نتحدث عنه.

أما من حيث البناء الفنيّ وصلته بالمقاطع السابقة من السورة فيتمثّل في كونه جائياً في سياق عرض مختلف الشرائح الاجتماعية التي انتظمت مجتمع الإسلام مسلمين أو منحرفين. فبالنسبة إلى المنحرفين ـ منافقين كانوا أو مشركين ـ طالَبَ النص القرآني الكريم بعدم استغفار الإسلاميين لهم، لأنهم قد طُبعَ على قلوبهم إلى الدرجة التي لا يمكن تصوّر أي عملية تعديل لسلوكهم.

أما بالنسبة إلى الإسلاميين، فهناك نمط سويّ على الضد تماماً من المنحرفين وهم (السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتّبعوهم بإحسان)... وهناك أكثر من نمط تتوزعهم انحرافات عابرة: بعضهم خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وبعضهم ـ كما لحظنا في المقطع الذي نتحدث عنه ـ صدر عن تردّد أو لحظة عابرة من الانحراف ثم عاد إلى السلوك السويّ، هذه الأنماط من الشرائح الاجتماعية جاءت في مقاطع مختلفة من سورة التوبة، كما جاء مفهوم (التوبة) مواكباً للحديث عن هذه الفئات التي تاب الله عليها فعلاً، وأجّل التوبة على بعض منهم، حيث يستخلص الملاحظ ان قضية (التوبة)

 

______________________________________________________

الصفحة 210

 

طُرحت مقترنة بالمحاولات الجدية في تعديل السلوك، كما أنها طُرحت في سياق الحديث عن (الجهاد في سبيل الله) وموقف مختلف الفئات الاجتماعية من عملية الجهاد، ومنها: الفئات المتردّدة التي تلمّ بها حالات الضعف النفسي حيث ختم النصُ الكريم الحديث عنها بالتعقيب الآتي الذي يشير إلى أنه لا ينبغي للإسلاميين (أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ) كما أنهم (ولا ينفقون نفقةً صغيرة ولا كبيرةً ولا يقْطَعُون وادياً إلاّ كُتِبَ لهم).

حيث نلاحظ هنا، أن هذا التعقيب جاء جواباً لأولئك الذين كان الحرّ أو شدة القتال أو البُعد يحتجزهم من المتابعة أو الالتحاق بساحة المعركة، مبيناً لهم ـ بطريقة فنية ـ أن لهذه الشدائد آثارها في ترتيب الجزاء الإيجابي.

 

* * *

 

قال تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ * وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ * أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ * وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ * لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ).

 

______________________________________________________

الصفحة 211

 

بهذا المقطع خُتِمت سورة التوبة، وهو مقطع يربط بين مقدمة السورة ووسطها: حيث قلنا بأن سورة التوبة تحوم فكرتها الرئيسة على موضوع (الجهاد في سبيل الله) كما أن عرضها للفئات الاجتماعية من مؤمنين ومتأرجحين ومنافقين ومشركين، كان منصباً على سلوكهم جميعاً حيال ممارسة الجهاد في سبيل الله، وكان (المنافقون) هم الفئة الرئيسة التي ركّز النص القرآني الكريم عليها: حيث كشف عن كل مستويات سلوكها، وها هو الآن يختم النصُ الحديث عنها أيضاً، إلا أنه يطرح قبل ذلك جملةً من المفهومات المتصلة بفكرة الجهاد نفسه وفق طريقة فنيّة تتناول جانباً جديداً من الموضوعات والأشخاص لتربطها بعد ذلك بالفكرة الرئيسة ونعني بها: الجهاد. فمن جملة الأفكار الجديدة التي طُرحت في هذا القسم من السورة هو: قضية التفقّه في الدين من حيث صلته بممارسات الجهاد، حيث طالب النص بأن يكون الجهاد متناوباً بالنسبة للمقاتلين إذ على المؤمنين ألاّ ينفروا جميعاً لساحة القتال بل ينبغي أن تبقى طائفة منهم لإرشاد الناس، وطائفة تتجه إلى القتال متناوبةً في ذلك... وأهمية هذه الفكرة من الوضوح بمكان طالما نعرف بأنَّ المهم هو التفقه في الممارسات ومنها ممارسة الجهاد نفسه، إذ ما فائدة الجهاد إذا لم يكن قائماً على أسس المبادئ الإسلامية التي يظل الجهادُ واحداً منها كما هو واضح.

بعد ذلك يتجه النص إلى طرح مفهوم آخر من قضايا الجهاد ألا وهو مقاتلة المنحرفين: الأقرب منهم فالأقرب، وهي توصية عسكرية تتصل بالحفاظ على البلاد الإسلامية لأن مقاتلة الأقرب تظل أكثر إمكاناً في عملية التحصين لحدود البلد الإسلامي.

ثم يختم النص حديثه عن جانبٍ جديد من سلوك المنافقين هو: محاولتهم التشكيك بإيمان الإسلاميين قائلين لهم (أيكم زادته هذه ـ أي السورة

 

______________________________________________________

الصفحة 212

 

القرآنية ـ إيماناً؟).

 

ومن الواضح أن سلوك المنافقين لم يكن متسماً بهذا النوع من الصراحة في المقاطع السابقة من النص، أما الآن فقد كشفهم النص وقد تجرّأوا بعض الشيء بحيث صارحوا الإسلاميين بنواياهم المشككة بمبادئ القرآن. ومن الواضح أيضاً أن هذا النوع من الكشف لسلوك المنافقين يتّسق مع ما يسمّى ـ في لغة الفن ـ بالنموّ العضوي للموضوعات، أي أن الموضوعات تتدرج خلال العرض لتصل في نهاية النص إلى ذروة النموّ متمثلةً في تستّر المنافقين ثم: الإعلان بصراحة عن أعماقهم، وهو ما لحظناه في ختام السورة عبْر مخاطبتهم للإسلاميين (أيكم زادته هذه إيماناً؟).

لكن مع ذلك: ما دام المنافقون ينطلقون ـ أساساً ـ في سلوكهم: من سمة (النفاق) التي تعني ثنائية السلوك من جانب، والخوف من الفضيحة من جانب آخر، ما داموا كذلك، فإن النص القرآني الكريم رسَمَ هذه الحقيقة حينما ختم حديثه عن المنافقين بهذه الآية (وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحدٍ ثم انصرفوا) بمعنى أنهم لا يزالون يخشون الفضيحة في تساؤل بعضهم الآخر (هل يراكم من أحد) ثم في انصرافهم بعد ذلك.

إذن، أمكننا أن نلحظ كيف أن سورة التوبة تمّت صياغتها فنياً وفق إحكام هندسي يرتبط بعضه بالآخر، وتتنامى أجزاؤه، وكيف أن فكرة (الجهاد) كانت هي الرافد الفكري الكبير الذي تُصب فيه مختلف الموضوعات، وكيف أن التركيز على المنافقين كان يحتل المساحة الكبيرة من سورة التوبة، ثم كيفيّة إختتام الحديث عنهم: حيث تمّ ذلك من خلال الكشف النهائي عن كل مستويات سلوكهم وفقاً لتدرّج فني أوضحناه في كل أقسام السورة. والمهم بعد ذلك، أن النص القرآني الكريم أوضح ـ من خلال لغة الفن ـ أن سلوك

 

______________________________________________________

الصفحة 213

 

المنافقين بمستوياته التي تقدم عرضها إنما ينتسب أساساً إلى (المرض النفسي) حيث عقّب على تساؤلهم (أيكم زادته هذه إيماناً) قائلاً (وأمّا الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون).

إن إشارة المقطع المتقدم إلى (المرض) في القلوب، إنما هي تشخيص عيادي للحالة المَرَضية التي يصدر عنها المنحرفون، وهي ملاحظة فنية أيضاً حيث يستنتج المُتلقّي بأن كل ما تقدم من الحديث عن سلوك المنافقين بمستوياته المختلفة إنما هو بسببٍ من بنائهم النفسي الشاذ.

أخيراً، اختُتمت السورة المباركة بالإشارة إلى أن النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ جاء رسولاً حريصاً على المؤمنين رحيماً بهم، وإلى أنه في حالة عدم إدراك الناس لهذه الحقيقة: على المؤمنين أن يتوكلوا على الله، وألاّ يهتمّوا بمن أعرض عن إدراك الحقيقة المتقدمة.

ومن البيّن أن الإشارة إلى الحرص والرحمة من جانب، وعدم الاهتمام بالمنحرفين من جانب آخر: تظل ـ من الزاوية الفنية ـ إفصاحاً عن مفهوم عملية (الجهاد في سبيل الله) بما تضمّنه من دلالة إنسانية كما تظل إفصاحاً عن الوظيفة التي ينبغي أن يحددها الإسلاميون حيال مَن أعرض عن تقبل الحقيقة المتقدمة.

 

* * *

 

______________________________________________________

الصفحة 214

 

______________________________________________________

الصفحة 215




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 9718710

  • التاريخ : 16/04/2021 - 20:12

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net