00989338131045
 
 
 
 
 
 

 الدرس الثامن والأربعون 

القسم : علوم القرآن   ||   الكتاب : دروس منهجية في علوم القرآن ( الجزء الثاني)   ||   تأليف : السيد رياض الحكيم

"الدرس الثامن والأربعون"

 

شبهات المستشرقين حول المكي والمدني

لقد درس بعض المستشرقين ظاهرة المكي والمدني وفكرة وجود خصائص لكل منهما، فحاولوا استخلاص ميزات وخصائص لكل من المكي والمدني، ومن ثَمّ استنتجوا من ذلك انّ القرآن خضع لظروف بشرية متأثرة بالمحيط والمجتمع، وبالتالي فهو غير مرتبط بالله تعالى المنزّه عن التأثر بهذه المؤثرات.. فهو من تأليف (محمد) لا من وحي السماء.

هذه هي الفكرة التي تدور حولها شبهاتهم هنا، وقبل أن نتطرّق الى هذه الشبهات ومناقشتها بشكل تفصيلي، لا بدّ أن ننبّه الى نقطة هامّة.

وهي أنّا يجب أن نفرّق بين خضوع القرآن للظروف والحالة البشرية، وبين انسجامه مع الواقع الموضوعي وطبيعة التدرج الموضوعي للرسالة الاسلامية.

ويتجلّى الفرق بينهما من خلال آثار وسمات كل من الحالتين، فمن آثار الحالة الأولى:

أ: التذبذب في المستوى الفني.

ب: المناقضة وعدم انسجام المفاهيم والمواقف والتشريعات.

ج: التطوّر التدريجي سواء بالنسبة للأسلوب أم بالنسبة للمضمون بسبب تراكم الخبرات أو نحوها.

د: انعكاس الحالات الإنسانية، مثل الانفعال والغضب والعاطفة ونحوها عليه وتأثره أسلوباً ومضموناً بها.

بينما نلاحظ أنّ آثار الحالة الثانية ـ أي الانسجام مع الواقع الموضوعي ـ تختلف تماماً عن طبيعة تلك الآثار، لأنّها ترجع الى معايشة هذا الواقع واستيعابه، لتوجيهه وتطويره..

وعندما نرجع الى القرآن الكريم لا نلمس أي مؤشر على خضوعه للحالة البشرية، ولا نجد فيه أي أثر من آثار هذا الخضوع، فليس فيه تذبذب في المستوى الفني أو مناقضة في المضمون، كما لا يخضع للتطوّر التدريجي ولا أمثال ذلك مما أشرنا إليه قبل قليل.

بل الملاحظ فيه انسجامه باسلوبه ومضمونه مع متطلّبات المراحل التي كانت تمرّ بها مسيرة الرسالة الإسلامية الطويلة والمعقّدة خلال حياة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلّم)، وهذا يزيد القرآن عظمة وروعة ـ على العكس ممّا رامه هؤلاء المستشرقون ـ، إذ يؤكّد ارتباطه بقوة عليا محيطة بالواقع الموضوعي وقادرة على إدارته بأزمانه وتعقيداته وظروفه المختلفة من دون أن تنفعل وتتأثر هي بالظروف والمؤثرات.

وقد التبس الأمر على هؤلاء المستشرقين ـ عن قصد أو من دون قصد ـ ولم يميّزوا بين الحالتين وطبيعة آثارهما، فجاء حكمهم معكوساً بعيداً عن الصواب، بينما كان حريّاً بهم أن يتأمّلوا في ظاهرة انسجام القرآن ـ رغم تنوّع مواضيعه ـ مع برهتين مختلفتين تماماً ـ قبل الهجرة وبعدها ـ وعدم تذبذب مستواه ولا تناقض مضمونه خلال هذه المسيرة الطويلة والمتشعبة، ويجعلوا هذا برهاناً على عدم كونه من تأليف البشر المتأثّر بمحيطه وظروفه وانفعالاته ومشاعره.

(أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها) (10).

(أفلا يتدبّرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) (11)، (12).

وبعد الانتباه لهذه النقطة الهامّة، سنتناول تلك الشبهات ومناقشتها:

 

الشبهة الأولى:

انّ القسم المكي يمتاز عن القسم المدني بطابع الشدّة والعنف بل السباب أيضاً، وهذا يدلّ على تأثّر محمد بالبيئة التي كان يعيش فيها، لأنّها مطبوعة بالغلظة والجهل، ولذا يزول هذا الطابع عندما ينتقل محمد الى مجتمع المدينة، الذي تأثّر فيه ـ بشكل أو بآخر ـ بحضارة أهل الكتاب وأساليبهم، وقد اسشهد هؤلاء المستشرقون لتثبيت هذه الشبهة بمجموعة من السور المكية المطبوعة بطابع الوعيد والتهديد والتعنيف مثل سور "المسد" و"العصر" و"التكاثر" و"الفجر" وغيرها(13).

والجواب عن هذه الشبهة هو:

أولاً: إنّا نرفض تماماً اشتمال القرآن الكريم على السباب وكل مالا يليق، كما تشهد بذلك مراجعة الآيات القرآنية، رغم أنواع المآسي والتجاوزات التي مارسها أعداء النبي(صلى الله عليه وآله وسلّم) ضدّه وضد أنصاره.

ثانياً: إنّ طابع الوعيد والإنذار لا يختص به القسم المكي، بل نجده كثيراً في القسم المدني حسب ما اقتضته الظروف، فمن ذلك قوله تعالى: (يا أيّها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) (14).

وقوله تعالى: (إنّ الَّذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً وأولئك هم وقود النّار * كدأب آل فرعون والَّذين من قبلهم كذّبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب * قل للَّذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنَّم وبئس المهاد) (15).

وقوله تعالى: (إنّ الذين كفروا وماتوا وهم كفّار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين * خالدين فيها لا يخفّف عنهم العذاب ولا هم ينظرون) (16).

وقوله تعالى: (إنّ الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب إنّ الله كان عزيزاً حكيماً) (17).

وهناك الكثير من الآيات المدنية المتضمّنة للوعيد والتهديد(18). كما نلاحظ الكثير من الآيات المكية التي تفيض سماحة وليناً مثل قوله تعالى: (ومن أحسن قولاً ممّن دعا الى الله وعمل صالحاً وقال انّني من المسلمين * ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنّه ولي حميم * وما يلقّاها إلاّ الذين صبروا وما يلقّاها إلاّ ذو حظ عظيم) (19).

وقوله تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله انّه لا يحب الظالمين) (20).

 

ـــــــــــــــــــ

(10) سورة محمد: 24.

(11) سورة النساء: 82.

(12) تقدّم في مبحث اعجاز القرآن ما يرتبط بهذا الموضوع.

(13) يراجع (علوم القرآن): 82.

(14) سورة البقرة: 278 ـ 279.

(15) سورة آل عمران: 10 ـ 12.

(16) سورة البقرة: 161 ـ 162.

(17) سورة النساء: 56.

(18) راجع تفصيل آيات القرآن الحكيم.

(19) سورة فصّلت: 33 ـ 35.

(20) سورة الشورى: 40.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (90)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (4)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (7)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 192

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8212705

  • التاريخ : 11/12/2019 - 00:45

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net