00989338131045
 
 
 
 
 
 

 من ص ( 280 ـ آخر الكتاب )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الميزان في تفسير القرآن ( الجزء الثالث)   ||   تأليف : السيد الطباطبائي   ||   « تحميل »

( خاتمة فيها فصول )

 1 - ما هي قصة عيسى وامه في القرآن ؟

 كانت أم المسيح مريم بنت عمران حملت بها امها فنذرت أن تجعل ما في بطنها إذا وضعته محررا يخدم المسجد وهي تزعم أن ما في بطنها ذكور فلما وضعتها وبان لها أنها انثى حزنت وتحسرت ثم سمتها مريم أي الخادمة وقد كان توفي أبوها عمران قبل ولادتها فأتت بها المسجد تسلمها للكهنة وفيهم زكريا فتشاجروا في كفالتها ثم اصطلحوا على القرعة وساهموا فخرج لزكريا فكفلها حتى إذا أدركت ضرب لها من دونهم حجابا فكانت تعبد الله سبحانه فيها لا يدخل عليها إلا زكريا وكلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله والله يرزق من يشاء بغير حساب وقد كانت عليها السلام صديقة وكانت معصومة بعصمة الله طاهرة مصطفاة محدثة حدثها الملائكة بأن الله اصطفاها وطهرها وكانت من القانتين ومن آيات الله للعالمين سورة آل عمران آية 35 - 44 سورة مريم آية 16 سورة الانبياء آية 91 سورة التحريم آية 12. ثم إن الله تعالى أرسل إليها الروح وهي محتجبة فتمثل لها بشرا سويا وذكر لها أنه رسول من ربها ليهب لها بإذن الله ولدا من غير أب وبشرها بما سيظهر من ولدها من المعجزات الباهرة وأخبرها أن الله سيؤيده بروح القدس ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل ورسولا إلى بني إسرائيل ذا الآيات البينات وأنبأها

[ 280 ]

بشأنه وقصته ثم نفخ الروح فيها فحملت بها حمل المرأة بولدها الآيات من آل عمران 35 - 44. ثم انتبذت مريم به مكانا قصيا فأجائها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فناداها من تحتها أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهزي اليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن اكلم اليوم إنسيا فأتت به قومها تحمله سورة مريم آية 20 - 27 وكان حمله ووضعه وكلامه وسائر شؤون وجوده من سنخ ما عند سائر الافراد من الانسان. فلما رآها قومها والحال هذه ثاروا عليها بالطعنة واللوم بما يشهد به حال امرأة حملت ووضعت من غير بعل وقالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا اخت هرون ما كان أبوك امرء سوء وما كانت امك بغيا فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا اينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم ابعث حيا: سورة مريم آية - 33 27 فكان هذا الكلام منه عليه السلام كبراعة الاستهلال بالنسبة إلى ما سينهض على البغي والظلم وإحياء شريعة موسى عليه السلام وتقويمه وتجديد ما اندرس من معارفه وبيان ما اختلفوا فيه من آياته. ثم نشأ عيسى عليه السلام وشب وكان هو وامه على العادة الجارية في الحياة البشرية يأكلان ويشربان وفيهما ما في سائر الناس من عوارض الوجود إلى آخر ما عاشا. ثم إن عيسى عليه السلام اوتي الرسالة إلى بني إسرائيل فانبعث يدعوهم إلى دين التوحيد ويقول اني قد جئتكم بآية من ربكم اني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وابرئ الاكمه والابرص واحيي الموتى بإذن الله وانبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه. وكان يدعوهم إلى شريعته الجديدة وهو تصديق شريعة موسى عليه السلام إلا أنه

[ 281 ]

نسخ بعض ما حرم في التوراة تشديدا على اليهود وكان يقول إني جئتكم بالحكمة ولابين لكم بعض الذي تختلفون فيه وكان يقول يا بني إسرائيل إني رسول الله اليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد. وأنجز عليه السلام ما ذكره لهم من المعجزات كخلق الطير وإحياء الموتى وإبراء الاكمه والابرص والاخبار عن المغيبات بإذن الله. ولم يزل يدعوهم إلى توحيد الله وشريعته الجديدة حتى أيس من إيمانهم لما شاهد من عتو القوم وعنادهم واستكبار الكهنة والاحبار عن ذلك فانتخب من الشرذمة التي آمنت به الحواريين أنصارا له إلى الله. ثم إن اليهود ثاروا عليه يريدون قتله فتوفاه الله ورفعه إليه وشبه لليهود فمن زاعم أنهم قتلوه ومن زاعم أنهم صلبوه ولكن شبه لهم آل عمران آية 58 45 الزخرف آية 65 63 الصف آية 6 و 14 المائدة آية 110 و 111 النساء آية 157 و 158 فهذه جمل ما قصه القرآن في عيسى بن مريم وامه.

2- منزلة عيسى عند الله وموقفه في نفسه

 كان عليه السلام عبدا لله وكان نبيا سورة مريم آية 30 وكان رسولا إلى بني إسرائيل آل عمران آية 49 وكان واحدا من الخمسة اولي العزم صاحب شرع وكتاب وهو الانجيل الاحزاب آية 7 الشورى آية 13 المائدة آية 46 وكان سماه الله بالمسيح عيسى آل عمران آية 45 وكان كلمة لله وروحا منه النساء آية 171 وكان إماما الاحزاب آية 7 وكان من شهداء الاعمال النساء آية 159 المائدة آية 117 وكان مبشرا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصف آية 6 وكان وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين آل عمران آية 45 وكان من المصطفين آل عمران آية 33 وكان من المجتبين وكان من الصالحين الانعام آية 87 85 وكان مباركا أينما كان وكان زكيا وكان آية للناس ورحمة من الله وبرا بوالدته وكان مسلما عليه مريم آية 33 19 وكان ممن علمه الله الكتاب والحكمة آل عمران آية 48 فهذه اثنتان وعشرون خصلة من مقامات الولاية هي جمل ما وصف الله به

[ 282 ]

هذا النبي المكرم ورفع بها قدره وهي على قسمين اكتسابية كالعبودية والقرب والصلاح واختصاصية وقد شرحنا كلا منها في الموضع المناسب له من هذا الكتاب بما نطيق فهمه فليرجع فيها إلى مظانها منه. = 3 ما الذي قاله عيسى عليه السلام وما الذي قيل فيه = ذكر القرآن أن عيسى كان عبدا رسولا وأنه لم يدع لنفسه ما نسبوه إليه ولا تكلم معهم إلا بالرسالة كما قال تعالى وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وامي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم: المائدة - 119 116. وهذا الكلام العجيب الذي يشتمل من العبودية على عصارتها ويتضمن من بارع الادب على مجامعه يفصح عما كان يراه عيسى المسيح عليه السلام من موقفه نفسه تلقاء ربوبية ربه وتجاه الناس وأعمالهم فذكر أنه كان يرى نفسه بالنسبة إلى ربه عبدا لا شأن له إلا الامتثال لا يرد إلا عن أمر ولا يصدر إلا عن أمر ولم يؤمر إلا بالدعوة إلى عبادة الله وحده ولم يقل لهم إلا ما امر به أن اعبدوا الله ربي وربكم. ولم يكن له من الناس إلا تحمل الشهادة على أعمالهم فحسب وأما ما يفعله الله فيهم وبهم يوم يرجعون إليه فلا شأن له في ذلك غفر أو عذب. فان قلت فما معنى ما تقدم في الكلام على الشفاعة أن عيسى عليه السلام من الشفعاء يوم القيامة يشفع فيشفع. قلت القرآن صريح أو كالصريح في ذلك قال تعالى ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون: الزخرف - 86 وقد قال تعالى فيه ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا: النساء - 159 وقال تعالى وإذ

[ 283 ]

علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل: المائدة - 110 وقد تقدم إشباع الكلام في معنى الشفاعة وهذا غير التفدية التي يقول بها النصارى وهي إبطال الجزاء بالفدية والعوض فإنها تبطل السلطنة المطلقة الالهية على ما سيجئ من بيانه والآية إنما تنفي ذلك وأما الشفاعة فالآية غير متعرضة لامرها لا إثباتا ولا نفيا فإنها لو كانت بصدد إثباتها على منافاته (1) للمقام لكان حق الكلام أن يقال وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم ولو كانت بصدد نفيها لم يكن لذكر الشهادة على الناس وجه وهذا إجمال ما سيأتي في تفسير الآيات تفصيله إنشاء الله تعالى. وأما ما قاله الناس في عيسى عليه السلام فإنهم وإن تشتتوا في مذاهبهم بعده واختلفوا في مسالكهم بما ربما جاوز السبعين من حيث كليات ما اختلفوا فيه وجزئيات المذاهب والآراء كثيرة جدا. لكن القرآن إنما يهتم بما قالوا به في أمر عيسى نفسه وامه لمساسه بأساس التوحيد الذي هو الغرض الوحيد فيما يدعو إليه القرآن الكريم والدين الفطري القويم وأما بعض الجزئيات كمسألة التحريف ومسألة التفدية فلم يهتم به ذاك الاهتمام والذي حكاه القرآن الكريم عنهم أو نسبة إليهم ما في قوله تعالى وقالت النصارى المسيح ابن الله: التوبة - 30 وما في معناه كقوله تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه: الانبياء - 26 وما في قوله تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم: المائدة - 72 وما في قوله تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلثة: المائدة - 73 وما في قوله تعالى ولا تقولوا ثلثة: النساء - 171. وهذه الآيات وإن اشتملت بظاهرها على كلمات مختلفة ذوات مضامين ومعان متفاوتة ولذلك ربما حملت (2) على اختلاف المذاهب في ذلك كمذهب الملكانية القائلين بالبنوة الحقيقية والنسطورية القائلين بأن النزول والبنوة من قبيل إشراق النور على جسم شفاف كالبلور واليعقوبية القائلين بأنه من الانقلاب وقد انقلب الاله سبحانه لحما ودما.

____________________________

(1) فان المقام مقام التذلل دون الاسترسال.

(2) كما فعله الشهرستاني في الملل والنحل.

[ 284 ]

لكن الظاهر أن القرآن لا يهتم بخصوصيات مذاهبهم المختلفة وإنما يهتم بكلمة واحدة مشتركة بينهم جميعا وهو البنوة وأن المسيح من سنخ الاله سبحانه وما يتفرع عليه من حديث التثليث وإن اختلفوا في تفسيرها اختلافا كثيرا وتعرقوا في المشاجرة والنزاع والدليل على ذلك وحدة الاحتجاج الوارد عليهم في القرآن لسانا. بيان ذلك أن التوراة والاناجيل الحاضرة جميعا تصرح بتوحيد الاله تعالى من جانب والانجيل يصرح بالبنوة من جانب آخر وصرح بأن الابن هو الاب لا غير. ولم يحملوا البنوة الموجودة فيه على التشريف والتبريك مع ما في موارد منه من التصريح بذلك كقوله وأنا أقول لكم أحبوا أعداءكم وباركوا على لاعنيكم وأحسنوا إلى من أبغضكم وصلوا على من يطردكم ويعسفكم كيما تكونوا بني أبيكم الذي في السموات لانه المشرق شمسه على الاخيار والاشرار والممطر على الصديقين والظالمين وإذا أحببتم من يحبكم فأي أجر لكم أليس العشارون يفعلون كذلك وإن سلمتم على إخو تكم فقط فأي فضل لكم أ ليس كذلك يفعل الوثنيون كونوا كاملين مثل أبيكم السماوي فهو كامل آخر الاصحاح الخامس من إنجيل متى. (1) وقوله أيضا فليضئ نوركم قدام الناس ليروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السموات إنجيل متى الاصحاح الخامس. وقوله أيضا لا تصنعوا جميع مراحمكم قدام الناس كي يروكم فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السموات. وقوله أيضا في الصلوة وهكذا تصلون أنتم يا أبانا الذي في السموات يتقدس اسمك إلخ. وقوله أيضا فإن غفرتم للناس خطاياهم غفر لكم أبوكم السمايي خطاياكم كل ذلك في الاصحاح السادس من إنجيل متى. وقوله وكونوا رحماء مثل أبيكم الرحيم إنجيل لوقا الاصحاح السادس.

____________________________

(1) النسخة العربية المطبوعة سنة 1811 ميلادية وعنها ننقل جميع ما ننقله ؟ في هذا البحث عن كتب العهد العربية.

[ 285 ]

وقوله لمريم المجدلية إمضي إلى إخوتي وقولي لهم إني صاعد إلى أبي الذي هو أبوكم وإلهي الذي هو إلهكم إنجيل يوحنا الاصحاح العشرون. فهذه وأمثالها من فقرات الاناجيل تطلق لفظ الاب على الله تعالى وتقدس بالنسبة إلى عيسى وغيره جميعا كما ترى بعناية التشريف ونحوه. وإن كان ما في بعض الموارد منها يعطي أن هذه البنوة والابوة نوع من الاستكمال المؤدي إلى الاتحاد كقوله تكلم اليسوع بهذا ورفع عينيه إلى السماء فقال يا إبة قد حضرت الساعة فمجد ابنك ليمجدك ابنك ثم ذكر دعائه لرسله من تلامذته ثم قال ولست أسأل في هؤلاء فقط بل وفي الذين يؤمنون بي بقولهم ليكونوا بجمعهم واحدا كما أنك يا أبت ثابت في وأنا أيضا فيك ليكونوا أيضا فينا واحدا ليؤمن العالم أنك أرسلتني وأنا أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحدا كما نحن واحد أنا فيهم وأنت في ويكونوا كاملين لواحد لكي يعلم العالم أنك أرسلتني وأنني أحببتهم كما أحببتني إنجيل يوحنا الاصحاح السابع عشر. لكن وقع فيها أقاويل يتأبى ظواهرها عن تأويلها إلى التشريف ونحوه كقوله قال له توما يا سيد ما نعلم أين تذهب وكيف نقدر ان نعرف الطريق قال له يسوع أنا هو الطريق والحق والحياة لا يأتي أحد إلى أبي إلا بي لو كنتم تعرفونني لعرفتم أبي أيضا ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه أيضا قال له فيلبس يا سيد أرنا الاب وحسبنا قال له يسوع أنا معكم كل هذا الزمان ولم تعرفني يا فيلبس من رآني فقد رأى الاب فكيف تقول أنت أرنا الاب أ ما تؤمن أني في أبي وأبي في وهذا الكلام الذي أقوله لكم ليس هو من ذاتي وحدي بل أبي الحال في هو يفعل هذه الافعال آمنوا بي أنا في أبي وأبي في إنجيل يوحنا الاصحاح الرابع عشر. وقوله لكني خرجت من الله وجئت ولم آت من عندي بل هو أرسلني إنجيل يوحنا الاصحاح الثامن. وقوله أنا وأبي واحد نحن إنجيل يوحنا الاصحاح العاشر. وقوله لتلامذته اذهبوا وتلمذوا كل الامم وعمدوهم (1) باسم الاب والابن

____________________________

(1) التعميد نوع من التغسيل عند النصارى يتطهر به المغتسل من الذنوب وهو من فرائض الكنيسة.

[ 286 ]

وروح القدس إنجيل متى الاصحاح الثامن والعشرون. وقوله في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله والله كان الكلمة منذ البدء كان هذا عند الله كل به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان به كانت الحياة والحياة كانت نور الناس إنجيل يوحنا الاصحاح الاول. فهذه الكلمات وما يماثلها مما وقع في الانجيل هي التي دعت النصارى إلى القول بالتثليث في الوحدة. والمراد به حفظ أن المسيح ابن الله مع التحفظ على التوحيد الذي نص عليه المسيح في تعليمه كما في قوله إن أول كل الوصايا اسمع يا إسرائيل الرب إلهك إله واحد هو إنجيل مرقس الاصحاح الثاني عشر. ومحصل ما قالوا به وإن كان لا يرجع إلى محصل معقول أن الذات جوهر واحد له أقانيم ثلاث والمراد بالاقنوم هو الصفة التي هي ظهور الشئ وبروزه وتجليه لغيره وليست الصفة غير الموصوف والاقانيم الثلاث هي اقنوم الوجود واقنوم العلم وهو الكلمة واقنوم الحياة وهو الروح. وهذه الاقانيم الثلاث هي الاب والابن والروح القدس والاول اقنوم الوجود والثاني اقنوم العلم والكلمة والثالث اقنوم الحياة فالابن وهو الكلمة واقنوم العلم نزل من عند أبيه وهو أقنوم الوجود بمصاحبة روح القدس وهو أقنوم الحيوة التي بها يستنير الاشياء. ثم اختلفوا في تفسير هذا الاجمال اختلافا عظيما أوجب تشتتهم وانشعابهم شعبا ومذاهب كثيرة تجاوز السبعين وسيأتيك نبأها على قدر ما يلائم حال هذا الكتاب. إذا تأملت ما قدمناه عرفت أن ما يحكيه القرآن عنهم أو ينسبه إليهم بقوله وقالت النصارى المسيح ابن الله الآية وقوله لقد كفر الذين قالوا أن الله هو المسيح بن مريم الآية وقوله لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة الآية وقوله ولا تقولوا ثلثة انتهوا الآية كل ذلك يرجع إلى معنى واحد وهو تثليث الوحدة هو المشترك بين جميع المذاهب المستحدثة في النصرانية وهو الذي قدمناه في معنى تثليث الوحدة.

[ 287 ]

وإنما اقتصر فيه على هذا المعنى المشترك لان الذي يرد على أقوالهم في خصوص المسيح عليه السلام على كثرتها وتشتتها مما يحتج به القرآن أمر واحد يرد على وتيرة واحدة كما سيتضح.

4- احتجاج القرآن على مذهب التثليث

 يرد القرآن في الاحتجاج ويرد قول المثلثة من طريقين أحدهما الطريق العام وهو بيان استحالة الابن عليه تعالى في نفسه أي سواء كان عيسى هو الابن أو غيره الثاني الطريق الخاص وهو بيان أن عيسى بن مريم ليس ابنا إلها بل عبد مخلوق. أما الطريق الاول فتوضيحه أن حقيقة البنوة والتولد هو أن يجزء واحد من هذه الموجودات الحية المادية كالانسان والحيوان بل النبات أيضا شيئا من مادة نفسه ثم يجعله بالتربية التدريجية فردا آخر من نوعه مماثلا لنفسه يترتب عليه من الخواص والآثار ما كان يترتب على المجزى منه كالحيوان يفصل من نفسه النطفة والنبات يفصل من نفسه اللقاح ثم يأخذ في تربيته تدريجا حتى يصيره حيوانا أو نباتا آخر مماثلا لنفسه ومن المعلوم أن الله سبحانه يمتنع عليه ذلك أما اولا فلاستلزامه الجسمية المادية والله سبحانه منزه من المادة ولوازمها الافتقارية كالحركة والزمان والمكان وغير ذلك وأما ثانيا فلان الله سبحانه لاطلاق ألوهيته وربوبيته له القيومية المطلقة على ما سواه فكل شئ سواه مفتقر الوجود إليه قائم الوجود به فكيف يمكن فرض شئ غيره يماثله في النوعية يستقل عنه بنفسه ويكون له من الذات والاوصاف والاحكام ما له من غير افتقار إليه وأما ثالثا فلان جواز الايلاد والاستيلاد عليه تعالى يستلزم جواز الفعل التدريجي عليه تعالى وهو يستلزم دخوله تحت ناموس المادة والحركة وهو خلف بل ما يقع بإرادته ومشيته تعالى إنما يقع من غير مهلة وتدريج. وهذا البيان هو الذي يفيده قوله تعالى وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السموات والارض كل له قانتون بديع السموات والارض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون: البقرة - 117 وعلى ما قربناه فقوله سبحانه برهان وقوله له ما في السموات والارض كل له قانتون برهان آخر وقوله بديع

[ 288 ]

السموات والارض إذا قضى إلخ برهان ثالث. ويمكن أن يجعل قوله بديع السموات والارض من قبيل إضافة الصفة إلى فاعلها ويستفاد منه أن خلقه تعالى على غير مثال سابق فلا يمكن منه الايلاد لانه خلق على مثال نفسه لان مفروضهم العينية فيكون هذه الفقرة وحدها برهانا آخر. ولو فرض قولهم اتخذ الله ولدا كلاما ملقى لا على وجه الحقيقة بل على وجه التوسع في معنى الابن والولد بأن يراد به انفصال شئ عن شئ يماثله في الحقيقة من غير تجز مادي أو تدريج زماني وهذا هو الذي يرومه النصارى بقولهم المسيح ابن الله بعد تنقيحه ليتخلص بذلك عن إشكال الجسمية والمادية والتدريج بقي إشكال المماثلة. توضيحه أن إثبات الابن والاب إثبات للعدد بالضرورة وهو إثبات للكثرة الحقيقية وإن فرضت الوحدة النوعية بين الاب والابن كالاب والابن من الانسان هما واحد في الحقيقة الانسانيد وكثير من حيث إنهما فردان من الانسان وعلى هذا فلو فرض وحدة الاله كان كل ما سواه ومن جملتها الابن غيرا له مملوكا مفتقرا إليه فلا يكون الابن المفروض إلها مثله ولو فرض ابن مماثل له غير مفتقر إليه بل مستقل مثله بطل التوحيد في الاله عز اسمه. وهذا البيان هو المدلول عليه بقوله تعالى ولا تقولوا ثلثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الارض وكفى بالله وكيلا: النساء - 171. وأما الطريق الثاني وهو بيان أن شخص عيسى بن مريم عليه السلام ليس ابنا لله مشاركا له في الحقيقة الالهية فلما كان فيه من البشرية ولوازمها وتوضيحه أن المسيح عليه السلام حملت به مريم وربته جنينا في رحمها ثم وضعته وضع المرأة ولدها ثم ربته كما يتربى الولد في حضانة امه ثم أخذ في النشوء وقطع مراحل الحيوة والارتقاء في مدارج العمر من الصبا والشباب والكهولة وفي جميع ذلك كان حاله حال إنسان طبيعي في حيوته يعرضه من العوارض والحالات ما يعرض الانسان من جوع وشبع وسرور ومسائة ولذة وألم وأكل وشرب ونوم ويقظة وتعب وراحة وغير ذلك.

[ 289 ]

فهذا ما شوهد من حال المسيح عليه السلام حين مكثه بين الناس ولا يرتاب ذو عقل أن من كان هذا شأنه فهو إنسان كسائر الاناسي من نوعه وإذا كان كذلك فهو مخلوق مصنوع كسائر أفراد نوعه وأما صدور الخوارق وتحقق المعجزات بيده كإحياء الاموات وخلق الطير وإبراء الاكمه والابرص وكذا تحقق الخوارق من الآيات في وجوده كتكونه من غير أب فإنما هي امور خارقة للعادة المألوفة والسنة الجارية في الطبيعة فإنها نادرة الوجود لا مستحيلته فهذا آدم تذكر الكتب السماوية أنه خلق من تراب ولا أب له وهؤلاء أنبياء الله كصالح وإبراهيم وموسى عليهم السلام جرت بأيديهم آيات معجزة كثيرة مذكورة في مسفورات الوحي من غير أن تقتضي فيهم الوهية ولا خروجا عن طور الانسانية. وهذه الطريقة هي المسلوكة في قوله تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد إلى أن قال ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وامه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون: المائدة - 75 وقد خص أكل الطعام من بين جميع الافعال بالذكر لكونه من أحسنها دلالة على المادية واستلزاما للحاجة والفاقة المنافية للالوهية فمن المعلوم أن من يجوع ويظمأ بطبعه ثم يشبع بأكله أو يرتوى بشربه ليس عنده غير الحاجة والفاقة التي لا يرفعها إلا غيره وما معنى الوهية من هذا شأنه فإن الذي قد أحاطت به الحاجة واحتاج في رفعها إلى الخارج من نفسه فهو ناقص في نفسه مدبر بغيره وليس بإله غني بذاته بل هو مخلوق مدبر بربوبية من ينتهي إليه تدبيره. وإلى هذا يمكن أن يرجع قوله تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم وامه ومن في الارض جميعا ولله ملك السموات والارض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شئ قدير: المائدة - 17. وكذا قوله تعالى في ذيل الآية المنقولة سابقا آية 75 خطابا للنصارى قل أ تعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم: المائدة - 76. فإن الملاك في هذا النوع من الاحتجاجات هو أن الذي شوهد من أمر المسيح

[ 290 ]

أنه كان يعيش على الناموس الجاري في حيوة الانسان متصفا بجميع صفاته وأفعاله وأحواله النوعية كالاكل والشرب وسائر الاحتياجات الانسانية والخواص البشرية ولم يكن هذا التلبس والاتصاف بحسب ظاهر الحس أو تسويل الخيال فحسب بل كان على الحقيقة وكان المسيح عليه السلام إنسانا ذا هذه الاوصاف والاحوال والافعال والاناجيل مشحونة بتسميته نفسه إنسانا وابن الانسان مملوئة بالقصص الناطقة بأكله وشربه ونومه ومشيه ومسافرته وتعبه وتكلمه ونحو ذلك بحيث لا يقبل شئ منها صرفا ولا تأويلا ومع تسليم هذه الامور يجري على المسيح ما يجري على غيره فهو لا يملك من غيره شيئا كغيره ويمكن أن يهلك كغيره. وكذا حديث عبادته ودعائه بحيث لا يرتاب في أن ما كان يأتيه من عبادة فإنما للتقرب من الله والخضوع لقدس ساحته لا لتعليم الناس أو لاغراض اخر تشابه ذلك. وإلى حديث العبادة والاحتجاج به يؤمي قوله تعالى لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا: النساء - 172 فعبادة المسيح أول دليل على أنه ليس بإله وأن الالوهية لغيره لا نصيب له فيها فأي معنى لنصب الشئ نفسه في مقام العبودية والمملوكية لنفسه وكون الشئ قائما بنفسه من عين الجهة التي بها يقوم نفسه والامر ظاهر وكذا عبادة الملائكة كاشفة عن أنها ليست ببنات الله سبحانه ولا أن روح القدس إله بعد ما كانوا بأجمعهم عابدين لله طائعين له كما قال تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون: الانبياء - 28. على أن الاناجيل مشحونة بأن الروح طائع لله ورسله مؤتمر للامر محكوم بالحكم ولا معنى لامر الشئ نفسه ولا لطاعته لذاته ولا لانقياده وائتماره لمخلوق نفسه. ونظير عبادة المسيح لله سبحانه في الدلالة على المغايرة دعوته الناس إلى عبادة الله كما يشير إليه قوله تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار: المائدة - 72 وسبيل الآية واحتجاجها ظاهر.

[ 291 ]

والاناجيل أيضا مشحونة في دعوته إلى الله سبحانه وهي وإن لم تشتمل على هذا اللفظ الجامع اعبدوا الله ربي وربكم لكنها مشتملة على الدعوة إلى عبادة الله وعلى اعترافه بأنه ربه الذي بيده زمام أمره وعلى اعترافه بأنه رب الناس ولا تتضمن دعوته إلى عبادة د نفسه صريحا ولا مرة مع ما فيها من قوله أنا وأبي واحد نحن إنجيل يوحنا الاصحاح العاشر فمن الواجب أن يحمل على تقدير صحته على أن المراد أن إطاعتي إطاعة الله كما قال تعالى في كتابه الكريم من يطع الرسول فقد أطاع الله: النساء - 80.

 5- المسيح من الشفعاء عند الله وليس بفاد

 زعمت النصارى ان المسيح فداهم بدمه الكريم ولذلك لقبوه بالفادي قالوا إن آدم لما عصي الله بالاكل من الشجرة المنهية في الجنة أخطأ بذلك ولزمته الخطيئة وكذلك لزمت ذريته من بعده ما توالدوا وتناسلوا وجزاء الخطيئة العقاب في الآخرة والهلاك الابدي الذي لا مخلص منه وقد كان الله سبحانه رحيما عادلا. فبدا إذ ذاك إشكال عويص لا انحلال له وهو أنه لو عاقب آدم وذريته بخطيئتهم كان ذلك منافيا لرحمته التي لها خلقهم ولو غفر لهم كان ذلك منافيا لعدله فإن مقتضى العدل أن يعاقب المجرم الخاطي بجرمه وخطيئته كما أن مقتضاه أن يثاب المحسن المطيع بإحسانه وإسائته (1). ولم تزل هذه العويصة على حالها حتى حلها ببركة المسيح وذلك بأن حل المسيح وهو ابن الله وهو الله نفسه رحم واحدة من ذرية آدم وهو مريم البتول وتولد منها كما يتولد إنسان فكان بذلك إنسانا كاملا لانه ابن إنسان وإلها كاملا لانه ابن الله وابن الله هو الله تعالى معصوما عن جميع الذنوب والخطايا. وبعد أن عاش بين الناس برهة يسيرة من الزمان يعاشرهم ويخالطهم ويأكل ويشرب معهم ويكلمهم ويستأنس بهم ويمشي فيهم تسخر لاعدائه ليقتلوه شر

____________________________

(1) هذا ما عليه معظمهم ويظهر من بعضهم كالقسيس مار اسحق ان التخلف في مجازاة الجريمة والخطيئة وبعبارة اخرى خلف الوعيد جائز دون خلف الوعد.

[ 292 ]

قتلة وهي قتلة الصلب التي لعن صاحبها في الكتاب الالهي فاحتمل اللعن والصلب بما فيه من الزجر والاذى والعذاب ففدى الناس بنفسه ليخلصوا بذلك من عقاب الآخرة وهلاك السرمد وهو كفارة لخطايا المؤمنين به بل لخطايا كل العالم (1) هذا ما قالوه. وقد جعلت النصارى هذه الكلمة أعني مسألة الصلب والفداء أساس دعوتهم فلا يبدئون إلا بها ولا يختمون إلا عليها كما أن القرآن يجعل أساس الدعوة الاسلامية هو التوحيد كما قال الله مخاطبا لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين: يوسف - 108 مع أن المسيح على ما يصرح به الاناجيل وقد تقدم نقله كان يجعل أول الوصايا هو التوحيد ومحبة الله سبحانه. وقد ناقشهم غيرهم من المسلمين وسائر الباحثين فيما يشتمل عليه قولهم هذا من وجوه الفساد والبطلان وألفت فيها كتب ورسائل وملئت بها صحف وطوامير ببيان منافاتها لضرورة العقل ومناقضتها لكتب العهدين والذي يهمنا ويوافق الغرض الموضوع له هذا الكتاب بيان جهات منافاته لاصول تعليم القرآن وختمه ببيان الفرق بين ما يثبته القرآن من الشفاعة وما يثبتونه من الفداء. على أن القرآن يذكر صراحة أنه إنما يخاطب الناس ويكلمهم ببيان ما يقرب من أفق عقولهم ويمكن بياناته من فقههم وفهمهم وهو الامر الذي به يميز الانسان الحق من الباطل فينقاد لهذا ويأبى ذاك ويفرق بين الخير والشر والنافع والضار فيأخذ بهذا ويترك ذاك والذي ذكرناه من اعتبار القرآن في بياناته حكم العقل السليم مما لا غبار عليه عند من راجع الكتاب العزيز. فأما ما ذكروه ففيه اولا أنهم ذكروا معصية آدم عليه السلام بالاكل من الشجرة المنهية والقرآن يدفع ذلك من جهتين الاولى أن النهي هناك كان نهيا إرشاديا يقصد به صلاح المنهي ووجه الرشد

____________________________

(1) في الرسالة الاولى ليوحنا - الفصل الاول " يا اولادي هذه الالفاظ اكتبها إليكم لئلا تخطئوا وإن يخطئ أحدكم فلنا لدى الرب معزى عدل يسوع المسيح وذلك هو اغتفار من أجل خطايانا فقط بل ومن أجل العالم كله

[ 293 ]

في أمره لا إعمال المولوية والامر الذي هو من هذا القبيل لا يترتب على امتثاله ولا تركه ثواب ولا عقاب مولوي كأوامر المشير ونواهيه لمن يستشيره وأوامر الطبيب ونواهيه للمريض بل إنما يترتب على امتثال التكليف الارشادي الرشد المنظور لمصلحة المكلف وعلى مخالفته الوقوع في مفسدة المخالفة وضرر الفعل بما أنه فعل وبالجملة لم يلحق بآدم عليه السلام إلا أنه أخرج من الجنة وفاته راحة القرب وسرور الرضا وأما العقاب الاخروي فلا لانه لم يعص معصية مولوية حتى يستتبع عقابا راجع تفسير الآيات 39 35 من سورة البقرة. والثانية أنه عليه السلام كان نبيا والقرآن ينزه ساحة الانبياء عليهم السلام ويبرء نفوسهم الشريفة عن اقتراف المعاصي والفسق عن أمر الله سبحانه والبرهان العقلي أيضا يؤيد ذلك راجع ما ذكرناه في البحث عن عصمة الانبياء في تفسير الآية 213 من سورة البقرة. وثانيا قولهم إن الخطيئة لزمت آدم فإن القرآن يدفعه بقوله ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى: طه - 122 وقوله فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم: البقرة - 37 والاعتبار العقلي يؤيد ذلك بل يبينه فإن الخطيئة وتبعة الذنب إنما هو أمر محذور مخوف منه يعتبره العقل أو المولى لازما للمخالفة والتمرد ليستحكم بذلك أمر التكليف فلو لا العقاب والثواب لم يستقم أمر المولوية ولم يمتثل أمر ولا نهي وكما أن من شئون المولوية بسط العقاب على المجرمين في جرائمهم كالثواب على المطيعين في طاعاتهم كذلك من شئون المولوية إطلاق التصرف في دائرة مولويته فللمولى أن يغمض عن خطيئة المخطئين ومعصية العاصين بالعفو والمغفرة فإنه نوع تصرف وحكومة كما أن له أن يؤاخذ بها وهي نوع حكومة وحسن العفو والمغفرة عن الموالي واولي القوة والسطوة في الجملة مما لا ريب فيه والعقلاء من الانسان يستعملونه إلى هذا الحين فكون كل خطيئة صادرة من الانسان لازمة للانسان مما لا وجه له البتة وإلا لم يكن لاصل العفو والمغفرة تحقق لان المغفرة والعفو إنما يكون لامحاء الخطيئة وإبطال أثر الذنب ومع فرض أن الخطيئة لازمة غير منفكة لا يبقى موضوع للعفو والمغفرة مع أن الوحي الالهي مملو بحديث العفو والمغفرة وكتب العهدين كذلك حتى أن هذا الكلام

[ 294 ]

المنقول منهم لا يخلو عنه وبالجملة دعوى كون ذنب من الذنوب أو خطيئة من الخطايا لازمة غير قابلة في نفسه للمغفرة والامحاء حتى بالتوبة والانابة والرجوع والندم مما لا يقبله عقل سليم ولا طبع مستقيم. وثالثا أن قولهم أن خطيئة آدم كما لزمته كذلك لزمت ذريته إلى يوم القيامة يستلزم أن يشمل تبعة الذنب الصادر من واحد غيره أيضا ممن لم يذنب في المعاصي المولوية وبعبارة اخرى أن يصدر فعل عن واحد ويعم عصيانه وتبعته غير فاعله كما يشمل فاعله وهذا غير أن يأتي قوم بالمعصية ويرضى به آخرون من أخلافهم فتحسب المعصية على الجميع وبالجملة هو تحمل الوزر من غير صدور الذنب والقرآن يرد ذلك كما في قوله أن لا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للانسان إلا ما سعى: النجم - 39 والعقل يساعده عليه لقبح مؤاخذة من لم يذنب بذنب لم يصدر عنه راجع أبحاث الافعال في تفسير آية 218 216 من سورة البقرة. ورابعا أن كلامهم مبني على كون تبعة جميع الخطايا والذنوب هو الهلاك الابدي من غير فرق بينها ولازمه أن لا يختلف الخطايا والذنوب من حيث الصغر والكبر بل يكون جميعها كبائر موبقات والذي يراه القرآن الكريم في تعليمه أن الخطايا والمعاصي مختلفة فمنها كبائر ومنها صغائر ومنها ما تناله المغفرة ومنها ما لا تناله إلا بالتوبة كالشرك قال تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم: النساء - 31 وقال تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء: النساء - 48 فجعل تعالى من المحرمات المنهي عنها وهي الخطايا والذنوب ما هي كبائر وما هي سيئات أي صغائر بقرينة المقابلة وجعل تعالى من الذنوب ما لا يقبل المغفرة ومنها ما يقبلها فالذنوب على أي حال مختلفة وليس كل ذنب بموجب للخلود في النار والهلاك الابدي. على أن العقل يأبى عن نضد جميع الذنوب ونظمها في سلك واحد فاللطم غير القتل والنظر المريب غير الزنا وهكذا والعقلاء من الانسان في جميع الادوار لم يضعوا كل ذنب وخطأ موضع غيره ويرون للمعاصي المختلفة تبعات ومؤاخذات مختلفة فكيف يصح إجراء الجميع مجرى واحدا مع هذا الاختلاف الفاحش بينها وإذا فرض اختلافها لم يصح إلا جعل العقاب الخالد والهلاك الابدي لبعضها كالشرك بالله

[ 295 ]

كما يقول القرآن الكريم ومن المعلوم أن مخالفة نهي ما في الاكل من الشجرة ليس يحل محل الكفر بالله العظيم وما يشابه ذلك فلا وجه لجعل عقابه وتبعته هو العذاب المؤبد راجع بحث الافعال السابق الذكر. وخامسا ما ذكروه من وقوع الاشكال وحدوث التزاحم بين صفة الرحمة وصفة العدل ثم الاحتيال إلى رفعه بنزول المسيح وصعوده بالوجه الذي ذكروه. والمتأمل في هذا الكلام وما يستتبعه من اللوازم يجد أنهم يرون أن الله تعالى وتقدس موجود خالق ينسب وينتهي إليه هذا العالم المخلوق بجميع أجزائه غير أنه إنما يفعل بإرادة وعلم في نفسه وإرادته في تحققها تتوقف إلى ترجيح علمي كما أن الانسان إنما يريد شيئا إذا رجحه بعلمه فهناك مصالح ومفاسد يطبق الله أفعاله عليها فيفعلها وربما أخطأ في التطبيق فندم (1) على الفعل وربما فكر في أمر ولم يهتد إلى طريق صلاحه وربما جهل أمرا وبالجملة هو تعالى في أوصافه وأفعاله كالانسان إنما يفعل ما يفعل بالتفكر والتروي ويروم فيه تطبيق فعله على المصلحة فهو محكوم بحكم المصالح ومقهور بعملها فيه من الخارج ويمكن له الاهتداء إلى الصلاح ويمكن له الضلال والاشتباه والغفلة فربما يعلم وربما يجهل وربما يغلب وربما يغلب عليه فقدرته محدودة كعلمه وإذا جاز عليه هذا الذي ذكر جاز عليه سائر ما يطرأ الفاعل المتفكر المريد في فعله من سرور وحزن وحمد وندم وابتهاج وانفعال وغير ذلك والذي هذا شأنه يكون موجودا ماديا جسمانيا واقعا تحت ناموس الحركة والتغير والاستكمال والذي هو كذلك ممكن مخلوق بل إنسان مصنوع وليس بالواجب تعالى الخالق لكل شئ. وأنت بالرجوع إلى كتب العهدين تجد صدق جميع ما نسبناه إليهم في الواجب تعالى من جسميته واتصافه بجميع أوصاف الجسمانيات وخاصة الانسان. والقرآن في جميع هذه المعاني المذكورة ينزه الله تعالى عن هذه الاوهام الخرافية كما يقول تعالى سبحان الله عما يصفون: الصافات - 159 والبراهين العقلية القاطعة قائمة على أنه تعالى ذات مستجمع لجميع صفات الكمال فله الوجود من غير شائبة عدم

____________________________

(1) في الاصحاح السادس من صفر ؟ التكوين من التوراة: وكره الله خلقة ولد آدم على الارض (التوراة العربية مطبوعة سنة 1811 الميلادية)

[ 296 ]

والقدرة المطلقة من غير عجز والعلم المطلق من غير طرو جهل والحيوة المطلقة من غير إمكان موت وفناء وإذا كان كذلك لم يجز عليه تغير حال في وجوده أو علمه أو قدرته أو حيوته. وإذا كان كذلك لم يكن جسما ولا جسمانيا لان الاجسام والجسمانيات محاط التغيرات والتحولات ومحال الامكانات والافتقارات والاحتياجات وإذا لم يكن جسما ولا جسمانيا لم يطرء عليه الحالات المختلفة والطواري المتنوعة من غفلة وسهو وغلط وندم وتحير وتأثر وانفعال وهوان وصغر ومغلوبية ونحوها وقد استوفينا البحث البرهاني المتعلق بهذه المعاني في هذا الكتاب في موارد يناسبها يجدها المراجع إذا راجع. وعلى الناقد المتبصر والمتأمل المتدبر أن يقايس بين القولين ما يقول به القرآن الكريم في إله العالم فيثبت له كل صفة كمال وينزهه عن كل صفة نقص وبالاخرة يعده أكبر وأعظم من أن يحكم فيه أفهامنا بما صحبته من عالم الحد والتقدير وبين ما يثبته العهدان في الباري تعالى بما لا يوجد إلا في أساطير يونان وخرافات هند القديم والصين وامور كان الانسان الاولي يتوهمها فيتأثر مما قدمه إليه وهمه. وسادسا قولهم إن الله أرسل ابنه المسيح وأمره أن يحل رحما من الارحام ليتولد إنسانا وهو إله وهذا هو القول غير المعقول الذي انتهض لبيان بطلانه القرآن الكريم على ما أوضحناه في البيان السابق فلا نعيد. ومن المعلوم أن العقل أيضا لا يساعد عليه فإنك إذا تأملت فيما يجب من الصفات أن يقال باتصاف الواجب تعالى بها كالثبات السرمدي وعدم التغير وعدم تحدد الوجود والاحاطة بكل شئ والتنزه عن الزمان والمكان وما يتبعهما وتأملت في تكون إنسان من حين كونه نطفة فجنينا في رحم سواء اعتبرت في معناه تفسير الملكانيين لهذه الكلمة أو تفسير النسطوريين أو تفسير اليعقوبيين أو غيرهم إذ لا نسبة بين ما له الجسمية وجميع أوصاف الجسمية وآثارها وبين ما ليس فيه جسمية ولا شئ مما يتصف به من زمان أو مكان أو حركة أو غير ذلك فكيف يمكن تعقل الاتحاد بينهما بوجه.

[ 297 ]

وعدم انطباق القول المذكور على القضايا الضرورية العقلية هو السر فيما يذكره بولس وغيره من رؤسائهم القديسيين من تقبيح الفلسفة والازراء بالاحكام العقلية يقول بولس قد كتب لاهلكن حكمة الحكماء ولاخالفن فهم الفقهاء أين الحكيم أين الكاتب أين مستفحص هذا الدهر بتعمق أ وليس قد حمق الله حكمة هذا العالم إلى أن قال وإذ اليهود يسألون آية واليونانيون يطلبون حكمة نكرز (1) نحن بالمسيح مصلوب رسالة بولس الاصحاح الاول ونظائر هذه الكلمات كثيرة في كلامه وكلام غيره وليست ألا لسياسة النشر والاذاعة والتبليغ والعظة يوقن بذلك من أرعى نظره في هذه الرسائل والكتب وتعمق في طريق تكليمها الناس وإلقاء بياناتها إليهم. ومن ما مر يظهر ما في قولهم إنه تعالى معصوم من الذنوب والخطايا فإن الاله الذي صوروه غير مصون عن الخطأ أصلا بمعنى الغلط في الادراك والغلط في الفعل من غير أن ينتهي إلى مخالفة من يجب موافقته. وأما الذنب والمعصية بمعنى التمرد فيما يجب فيه الطاعة والانقياد فهو غير متصور في حقه تعالى فالعصمة أيضا غير متصورة في حقه سبحانه. وسابعا قولهم إنه بعد أن صار إنسانا عاشر الناس معاشرة الانسان للانسان حق تسخر لاعدائه فيه تجويز اتصاف الواجب بحقيقة من حقائق الممكنات حتى يكون إلها وإنسانا في عرض واحد فكان من الجائز أن يصير الواجب شيئا من مخلوقاته أي يتصف بحقيقة كل نوع من هذه الانواع الخارجية فتارة يكون إنسانا من الاناسي وتارة فرسا وتارة طائرا وتارة حشرة وتارة غير ذلك وتارة يكون أزيد من نوع واحد من الانواع كالانسان والفرس والحشرة معا. وهكذا يجوز أن يصدر عنه أي فعل فرض من أفعال الموجودات لجواز أن يصير هو ذلك النوع فيفعل فعله المختص به وكذا يجوز أن يصدر عنه أفعال متقابلة معا كالعدل والظلم وأن يتصف بصفات متقابلة كالعلم والجهل والقدرة والعجز والحياة والموت و الغنى والفقر تعالى الملك الحق وهذا غير المحذور المتقدم في الامر السادس

____________________________

(1) كرز كرزا، وعظ ونادى

[ 298 ]

وثامنا قولهم إنه تحمل الصلب واللعن أيضا لان المصلوب ملعون ماذا يريدون بقولهم إنه تحمل اللعن وما ذا يراد بهذا اللعن أهو هذا اللعن الذي يعرفه العرف واللغة وهو الابعاد من الرحمة والكرامة أو غير ذلك فإن كان هو الذي نعرفه وتعرفه اللغة فما معنى إبعاده تعالى نفسه من الرحمة أو إبعاد غيره إياه من الرحمة فهل الرحمة إلا الفيض الوجودي وموهبة النعمة والاختصاص بمزايا الوجود فيرجع هذا الابعاد واللعن بحسب المعنى إلى الفقر في المال أو الجاه أو نحو ذلك في الدنيا أو الآخرة أو كلتيهما وحينئذ فما معنى لحوق اللعن بالله تعالى وتقدس بأي وجه تصوروه مع أنه الغني بالذات الذي هو يسد باب الفقر عن كل شئ. والتعليم القرآني على خلاف هذا التعليم العجيب بتمام معنى الكلمة قال تعالى يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني: الفاطر - 15 والقرآن يسميه تعالى بأسماء ويصفه بصفات يستحيل معها عروض أي فقر وفاقة وحاجة ونقيصة وفقد وعدم وسوء وقبح وذل وهوان إلى ساحة قدسه وكبريائه. فان قيل أن اتصافه بالهوان وحمله اللعن بواسطة اتحاده بالانسان وإلا فهو تعالى في نفسه وحيال ذاته أجل من أن يعرضه ذلك. قيل لهم هل يوجب هذا الاتحاد حمله اللعن واتصافه بهذه الامور الشاقة حقيقة ومن غير مجاز أو لا فإن كان الاول لزم المحذور الذي ذكرناه وإن كان الثاني عاد الاشكال أعني أن تولد المسيح لم يوجب انحلال إشكال تزاحم الرحمة والعدل فإن تحمل غيره تعالى للمصائب وأقسام العذاب واللعن لا يتم أمر الفدية أي صيرورة الله فدية عن أفراد الانسان وهو ظاهر. وتاسعا قولهم إن ذلك كفارة لخطايا المؤمنين بعيسى بل لخطايا كل العالم يدل ذلك على أنهم لم يحصلوا حقيقة معنى الذنوب والخطايا وكيفية استتباعها للعقاب الاخروي وكيف يتحقق هذا العقاب ولم يعرفوا حقيقة الارتباط بين هذه الذنوب والخطايا وبين التشريع وما هو موقف التشريع من ذلك على ما يتكفله البيان القرآني وتعليمه. فقد بينا في المباحث السابقة في هذا الكتاب ومن جملتها ما في تفسير قوله تعالى

[ 299 ]

إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما: البقرة - 26 وفي ذيل قوله تعالى كان الناس امة واحدة: البقرة - 213 أن الاحكام والقوانين التي يقع فيها المخالفة والتمرد ثم الذنب والخطيئة إنما هي امور وضعية اعتبارية اريد بوضعها واعتبارها أن يحفظ مصالح المجتمع الانساني بالعمل بها والرقوب لها وأن العقاب المترتب على المعصية والمخالفة إنما هو تبعة سوء اعتبروه ووضعوه ليكون ذلك صارفا للانسان المكلف عن اقتراف المعصية والتمرد عن الطاعة هذا ما عند العقلاء البانين للمجتمع الانساني. لكن التعليم القرآني يعطي في هذا المعنى ما هو أرقي من ذلك وأرق ويؤيده البحث العقلي على ما مر وهو أن الانسان بانقياده للشرع المنصوب له من جانب الله وعدم انقياده له تتهيأ في نفسه حقائق من الصفات الباطنة الحميدة الفاضلة أو الرذيلة الخسيسة الخبيثة وهذه هي التي تهيئ للانسان نعمة أخروية أو نقمة أخروية اللتين ممثلهما الجنة والنار وحقيقتهما القرب والبعد من الله فالحسنات أو الخطايا تتكي وتنتهي إلى امور حقيقية لها نظام حقيقة غير اعتباري. ومن البين أيضا أن التشريع الالهي إنما هو تتمة للتكميل الالهي في الخلقة وانهاء الهداية التكوينية إلى غايتها وهدفها من الخلقة وبعبارة اخرى شأنه تعالى إيصال كل نوع إلى كمال وجوده وهدف ذاته ومن كمال وجود الانسان النظام النوعى الصالح في الدنيا والحيوة الناعمة السعيدة في الآخرة والطريق إلى ذلك الدين الذي يتكفل قوانين صالحة لاصلاح الاجتماع وجهات من التقرب باسم العبادات يعمل بها الانسان فينتظم بذلك معاشه ويتهيأ في نفسه ويصلح في ذاته وعمله للكرامة الالهية في الدار الآخرة كل ذلك من جهة النور المجعول في قلبه و الطهارة الحاصلة في نفسه هذا حق الامر. فللانسان قرب وبعد من الله سبحانه هما الملاكان في سعادته وشقاوته الدائمتين ولصلاح اجتماعه المدني في الدنيا والدين هو العامل الوحيد في إيجاد هذا القرب والبعد وجميع ذلك امور حقيقية غير مبتنية على اللغو والجزاف. وإذا فرضنا أن اقتراف معصية واحدة كالاكل من الشجرة المنهية ؟ من آدم أوجب له الهلاك الدائم ولا له فحسب بل ولجميع ذريته ثم لم يكن هناك ما يعالج به الداء ويفرج به الهم إلا فداء المسيح فما فائدة تشريع الدين قبل المسيح وما فائدة تشريعه معه وما فائدة تشريعه بعده.

[ 300 ]

وذلك أنه لما فرض أن الهلاك الدائم والعقاب الاخروي محتوم من جهة صدور المعصية لا ينفع في صرفه عن الانسان لا عمل ولا توبة إلا بنحو الفداء لم يكن معنى لتشريع الشرائع وإنزال الكتب وإرسال الرسل من عند الله سبحانه ولم يزل الوعد والوعيد والانذار والتبشير خالية عن وجه الصحة فما ذا كاد يصلحه هذا السعي بعد وجوب العذاب وحتم الفساد. وإذا فرض هناك من تكمل بالعمل بالشرائع السابقة وكم من الانبياء والربانيين من الامم السالفة كذلك كالنبي المكرم إبراهيم وموسى عليهما السلام وغيرهما وقد قضوا وماتوا قبل إدراك زمان الفداء فما ذا ترى أترى أنهم ختموا الحيوة على الشقاء أو السعادة وما الذي استقبلهم به الموت وعالم الآخرة استقبلهم بالعقاب والهلاك أم بالثواب والحيوة السعيدة. مع أن المسيح يصرح بأنه إنما ارسل لتخليص المذنبين والمخطئين وأما الصلحاء والاخيار فلا حاجة لهم إلى ذلك (1). وبالجملة فلا يبقى لتشريع الشرائع الالهية وجعل النواميس الدينيه قبل فداء المسيح غرض صحيح يصونه عن العبث واللغوية ولا لهذا الفعل العجيب من الله تعالى وتقدس محمل حق الا أن يقال إنه تعالى كان يعلم أن لو لم يرفع محذور خطيئة آدم لم ينفعه شئ من هذه التشريعات قط وانما شرع هذه الشرائع على سبيل الاحتياط برجاء أن سيوفق يوما لرفع المحذور ويجني ثمرة تشريعه بعد ذلك ويبلغ غايته ويظفر بامنيته إذ ذاك فشرع ما شرع بكتمان الامر عن الانبياء والناس وإخفاء أن هيهنا محذورا لو لم يرتفع خابت مساعي الانبياء والمؤمنين كافة وذهبت الشرائع سدى وإظهار أن التشريع والدعوة على الجد والحقيقة. فغر الناس وغر نفسه أما غرور الناس فبإظهار أن العمل بالشرائع يضمن مغفرتهم وسعادتهم وأما غرور نفسه فلان التشريع بعد رفع المحذور بالفداء يعود

____________________________

(1) فتقمقم الفريسيون والكتبة على تلاميذه قائلين لما تأكلون وتشربون مع العشارين والخطاة أجابهم يسوع قائلا لا يحتاج الاصحاء إلى الطبيب لكن المرضى لم آت لادعو الصديقين لكن الخطاة إلى التوبة إنجيل لوقا - الاصحاح الخامس. (*)

[ 301 ]

لغوا لا أثر له في سعادة الناس كما أنه من غير رفع المحذور كان لا أثر له فهذا حال تشريع الدين قبل وصول أو ان الفداء وتحققه ! وأما في زمان الفداء وبعده فالامر في صيرورة التشريع والدعوة الدينية والهداية الالهية لغوا أوضح وأبين فما هي الفائدة في الايمان بالمعارف الحقة والاتيان بالاعمال الصالحة بعد ارتفاع محذور الخطيئة واستيجاب نزول المغفرة والرحمة على الناس مؤمنهم وكافرهم برهم وفاجرهم من غير فرق بين أتقى الاتقياء وأشقى الاشقياء في أنهما يشتركان في الهلاك المؤبد مع بقاء الخطيئة وفي الرحمة اللازمة مع ارتفاعها بالفداء والمفروض أنه لا ينفع أي عمل صالح في رفعها لولا الفداء. فان قيل إن الفداء إنما ينفع في حق من آمن بالمسيح فللدعوة ثمرة كما يصرح به المسيح في بشارته (1). قيل مضافا إلى أنه مناقض لما تقدمت الاشارة إليه من كلام يوحنا في رسالته إنه هدم لجميع الاصول الماضية إذ لا يبقى من الناس آدم فمن دونه في حظيرة النجاة والخلاص إلا شرذمة منهم وهم المؤمنون بالمسيح والروح بل واحدة من طوائفهم المختلفة في الاصول وأما غيرهم فهم باقون على الهلاك الدائم فليت شعري إلى ما يؤل أمر الانبياء المكرمين قبل المسيح وأمر المؤمنين من اممهم ؟ وبما ذا يتصف الدعوة التي جاؤوا بها من كتاب وحكم أبالصدق أم بالكذب ؟ والاناجيل تصدق التوراة ودعوتها وليس فيها دعوة إلى قصة الروح والفداء ! وهل هي تصدق ما هو صادق أو تصدق الكاذب ؟ فان قيل إن الكتب السماوية السابقة فيما نعلم تبشر بالمسيح وهذه منهم دعوة إجمالية إلى المسيح وإن لم تفصل القول في كيفية نزوله وفدائه فلم يزل الله يبشر أنبيائه بظهور المسيح ليؤمنوا به ويطيبوا نفسا بما سيصنعه. قيل اولا إن القول به قبل موسى تخرص على الغيب على أن البشارة لو كانت

____________________________

(1) " أقول لكم إن كل من اعترف لي قدام الناس فابن الانسان يعترف به أيضا قدام ملائكة الله، ومن أنكرني قدام الناس أنكره أيضا قدام ملائكة الله، وكل من يقول كلمة في ابن الانسان يغفرر له ومن يجدف روح القدس لا يغفر له " إنجيل لوقا - الاصحاح الثاني عشر. (*)

[ 302 ]

فإنما هي بشارة بالخلاص وليست بدعوة إلى الايمان والتدين به وثانيا إن ذلك لا يدفع محذور لغوية الدعوة في فروع الدين من الاخلاق والافعال حتى من المسيح نفسه، والاناجيل مملوءة بذلك وثالثا إن محذور الخطيئة وانتقاض الغرض الالهي باق على حاله فإن الله تعالى إنما خلقهم ليرحم جميعهم ويبسط النعمة والسعادة على كافتهم وقد آل أمره إلى عقابهم والغضب عليهم وإهلاكهم للابد إلا شرذمة منهم. فهذه نبذة من وجوه فساده عند العقل ويؤيده ويجري عليه القرآن الكريم قال تعالى " الذي أعطى كل شئ آخلقه ثم هدى " طه - 50 فبين أن كل شئ مهدي إلى غايته وما يبتغيه بوجوده والهداية تعم التكوينية والتشريعية فالسنة الالهية جارية على بسط الهداية ومنها هداية الانسان هداية دينية. ثم قال تعالى وهو أول هداية دينية ألقاها إلى آدم ومن معه حين إهباطهم من الجنة " قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداى فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا اولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " البقرة - 39 وما يشتمل عليه بمنزلة التلخيص لتفاصيل الشرائع إلى يوم القيامة ففيه تشريع ووعد ووعيد عليه من غير تردد وارتياب وقد قال تعالى: " الحق أقول " ص - 84 وقال تعالى " ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد " ق - 29 فبين أنه لا يتردد فيما جزم به من الامر ولا ينقض ما أنفذه من الامر فما يقضيه هو الذي يمضيه وإنما يفعل ما قاله فلا ينحرف فعله عن المجرى الذي أراد عليه لا من جهته نفسه بأن يريد شيئا ثم يتردد في فعله أو يريده ثم يبدو له فلا يفعله ولا جهة غيره بأن يريد شيئا ويقطع به ويعزم عليه ثم يمنعه مانع من العقل أو يبدو إشكال يعترض عليه في طريق الفعل فكل ذلك من قهر القاهر وغلبة المانع الخارجي قال تعالى " والله غالب على أمره " يوسف - 21 وقال تعالى " إن الله بالغ أمره " الطلاق - 3 وقال تعالى حكاية عن موسى " قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى " طه - 52 وقال تعالى " اليوم تجزي كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب " المؤمن - 17. تدل هذه الآيات وما يشابهها على أنه تعالى إنما خلق الخلق ولم يغفل عن أمره ولم يجهل شيئا مما سيظهر منه ولم يندم على ما فعله ثم شرع لهم الشرائع تشريعا

[ 303 ]

جديا فاصلا من غير هزل ولا خوف ولا رجاء ثم إنه يجزي كل ذي عمل بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر من غير أن يغلبه تعالى غالب أو يحكم عليه حاكم من شريك أو فدية أو خلة أو شفاعة من دون إذنه فكل ذلك ينافي ملكه المطلق لما سواه من خلقه. وعاشرا ما ذكروه من حديث الفداء وحقيقة الفداء أن يلزم الانسان أو ما يتعلق به من نفس أو مال أثر سيئ من قتل أو فناء فيعوض بغيره أي شئ كان ليصان بذلك من لحوق ذلك الاثر به كما يفدي الانسان الاسير بنفس أو مال وكما تفدي الجرائم والجنايات بالاموال ويسمى البدل فدية وفداء فالتفدية نوع معاملة ينتزع بها حق صاحب الحق وسلطنته عن المفدي عنه إلى الفداء فيستنقذ به المفدي عنه من أن يلحق به الشر. ومن هنا يظهر أن الفداء غير معقول في ما يتعلق بالله سبحانه فإن السلطنة الالهية على خلاف السلطنة الوضعية الاعتبارية الانسانية سلطنة حقيقية واقعية غير جائزة التبديل مستحيلة الصرف فالاشياء بأعيانها وآثارها موجودة قائمة بالله سبحانه وكيف يتصور تغيير الواقع عما هو عليه فليس إلا أمرا لا يمكن تعقله فضلا عن أن يمكن وقوعه وهذا بخلاف الملك والسلطنة والحق وأمثالها الدائرة بيننا معاشر أبناء الاجتماع فإنها وأمثالها امور وضعية اعتبارية زمامها بأيدينا نحن المجتمعين نبطلها مرة ونبدلها اخرى على حسب تغير مصالحنا في الحيوة والمعاش (راجع ما تقدم من البحث في تفسير قوله تعالى " ملك يوم الدين " الحمد - 4 وقوله تعالى " قل اللهم مالك الملك الآية " آل عمران - 26). وقد نفى الله سبحانه الفدية بالخصوص في قوله " فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأويكم النار " الحديد - 15 وقد تقدم فيما مر أن من هذا القبيل قول المسيح فيما يحكيه الله تعالى عنه " وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وامي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إلى أن قال ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " المائدة - 118

[ 304 ]

فإن قوله وكنت عليهم الخ في معنى أنه لم يكن لي شأن فيهم إلا ما أنت وظفته علي وعينته وهو تبليغ الرسالة والشهادة على الاعمال ما دمت فيهم وأما هلاكهم ونجاتهم وعذابهم ومغفرتهم فإنما ذلك اليك من غير أن يرتبط بي شئ من ذلك أو يكون لي شأن فيه فأملك لهم شيئا منك أخرجهم به من عذابك أو تسلطك عليهم وفي ذلك نفى الفداء إذ لو كان هناك فداء لم يصح تبريه من أعمالهم وإرجاع العذاب والمغفرة معا إلى الله سبحانه بنفي ارتباطهما به أصلا. وفي معنى هذه الآيات قوله تعالى " واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون " البقرة - 48 وكذا قوله تعالى " يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة " البقرة - 254 وقوله تعالى " يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم " المؤمن - 33 فإن العدل في الآية الاولى والبيع في الآية الثانية والعصمة من الله في الآية الثالثة مما ينطبق عليه الفداء فنفيها نفي الفداء. نعم أثبت القرآن الشريف في مورد المسيح الشفاعة بدل ما يثبتونه من الفداء والفرق بينهما أن الشفاعة (كما تقدم البحث عنها في قوله تعالى " واتقوا يوما لا تجزي " البقرة - 48 نوع من ظهور قرب الشفيع ومكانته لدى المشفوع عنده من غير أن يملك الشفيع منه شيئا أو يسلب عنه ملك أو سلطنة أو يبطل حكمه الذي خالفه المجرم أو يبطل قانون المجازاة بل إنما هو نوع دعاء واستدعاء من الشفيع لتصرف المشفوع عنده وهو الرب ما يجوز له من التصرف في ملكه وهذا التصرف الجائز مع وجود الحق هو العفو الجائز للمولى مع كونه ذا حق أن يعذبه لمكان المعصية وقانون العقوبة. فالشفيع يحضه ويستدعي منه أن يعمل بالعفو والمغفرة في مورد استحقاق العذاب للمعصية من غير أن يسلب من المولى ملك أو سلطان بخلاف الفداء فإنه كما مر معاملة يتبدل به سلطنة من شئ إلى شئ آخر هو الفداء ويخرج المفدي عنه عن سلطان القابل الآخذ للفداء. ويدل على هذا الذي ذكرناه قوله تعالى " ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون " الزخرف - 86 فإنه صريح في وقوع الشفاعة من المستثنى والمسيح عليه السلام ممن كانوا يدعونهم من دون الله وقد نص القرآن بأن

[ 305 ]

الله علمه الكتاب والحكمة وبأنه من الشهداء يوم القيامة قال تعالى " ويعلمه الكتاب والحكمة " آل عمران - 48 وقال تعالى حكاية عنه " وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم: المائدة - 117 وقال تعالى " ويوم القيمة يكون عليهم شهيدا: النساء - 159 فالآيات كما ترى تدل على كون المسيح عليه السلام من الشفعاء وقد تقدم تفصيل القول في هذا المعني في تفسير قوله تعالى " واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا الآية: البقرة - 48.

 6 - من أين نشأ هذه الآراء ؟

 القرآن ينفي أن يكون المسيح عليه السلام هو الملقي لهذه الآراء والعقائد إليهم والمروج لها فيما بينهم بل انهم تعبدوا لرؤسائهم في الدين وسلموا الامر إليهم وهم نقلوا إليهم عقائد الماضين من الوثنيين كما قال تعالى " وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون الآيات " التوبة - 31. وهؤلاء الكافرون الذين يشير تعالى إليهم بقوله: يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل ليسوا هم عرب الجاهلية في وثنيتهم حيث قالوا إن الملائكة بنات الله فإن قولهم بأن لله ابنا أقدم تاريخا من تماسهم مع العرب واختلاطهم بهم وخاصة قول اليهود بذلك مع أن ظاهر قوله من قبل أنهم سابقون فيه على اليهود والنصارى على أن اتخاذ الاصنام في الجاهلية مما نقل إليهم من غيرهم ولم يكونوا بمبتكرين في ذلك (1).

____________________________

(1) ذكروا أن أول من وضع الاصنام على الكعبة ودعي الناس إليها عمرو بن لحى وكان في زمان سابور ذي الاكتاف ساد قومه بمكة واستولى على سدانة البيت ثم سافر إلى مدينة البلقاء بأرض الشام فرأى قوما يعبدون الاصنام فسألهم عنها فقالوا هذه أرباب اتخذناها على شكل الهياكل العلوية والاشخاص البشرية نستنصر بها فننصر، ونستمطر بها فنمطر بطلب منهم صنما من أصنامهم فدفعوا إليه هبل فرجع إلى مكة ووضعه على الكعبة ودعا الناس إلى عبادتها، وكان معه إساف ونائلة على شكل زوجين فدعا الناس إليهما والتقرب إلى الله بهما - ذكره في الملل والنحل وغيره. ومن عجيب الامر أن القرآن يذكر أسماء من أصنام العرب في قصة نوح وشكواه من قومه قال تعالى حكاية عنه " وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا " نوح - 23. (*)

[ 306 ]

على أن الوثنية من الروم ويونان ومصر وسورية والهند كانوا أقرب إلى أهل الكتاب القاطنين بفلسطين وحواليه وانتقال العقائد والمزاعم الدينية إليهم منهم أسهل والاسباب بذلك أوفق. فليس المراد بالذين كفروا الذين ضاهاهم أهل الكتاب في القول بالبنوة إلا قدماء وثنية الهند والصين ووثنية الغرب من الروم ويونان وشمال إفريقا كما أن التاريخ يحكي عنهم نظائر هذه المزاعم الموجودة في أهل الكتاب من اليهود والنصارى من البنوة والابوة والتثليث وحديث الصلب والفداء وغير ذلك وهذا من الحقائق التاريخية التي ينبه عليها القرآن الشريف. ونظير الآيات السابقة في الدلالة على هذه الحقيقة قوله تعالى " قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل " المائدة - 77 فإن الآية تبين أن غلوهم في الدين بغير الحق إنما طرء عليهم بالتقليد واتباع أهواء قوم ضالين من قبلهم. وليس المراد بهؤلاء القوم أحبارهم ورهبانهم فإن الكلام مطلق غير مقيد ولم يقل قوم منكم وأضلوا كثيرا منكم وليس المراد بهم عرب الجاهلية كما تقدم على أنه وصف هؤلاء القوم بأنهم أضلوا كثيرا أي كانوا أئمة ضلال مقلدين متبعين (بصيغة المفعول فيهما) ولم يكن العرب يومئذ إلا شرذمة مضطهدين اميين ليس عندهم من العلم والحضاره والتقدم ما يتبعهم به وفيه غيرهم من الامم كفارس والروم والهند وغيرهم. فليس المراد بهؤلاء القوم المذكورين إلا وثنية الصين والهند والغرب كما تقدم. 7 - ما هو الكتاب الذي ينتسب إليه أهل الكتاب وكيف هو ؟ الرواية وإن عدت المجوس من أهل الكتاب ولازم ذلك أن يكون لهم كتاب خاص أو ينتموا إلى واحد من الكتب التي يذكرها القرآن ككتاب نوح وصحف إبراهيم وتوراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود لكن القرآن لا يذكر شأنهم ولا يذكر كتابا لهم والذي عندهم من أوستا لا ذكر منه فيه وليس عندهم من سائر الكتب اسم.

[ 307 ]

وإنما يطلق القرآن " أهل الكتاب " فيما يطلق ويريد بهم اليهود والنصارى لمكان الكتاب الذي أنزله الله عليهم. والذي عند اليهود من الكتب المقدسة خمسة وثلثون كتابا منها توراة موسى مشتملة على خمسة أسفار (2) ومنها كتب المؤرخين إثنا عشر كتابا (2) ومنها كتاب أيوب ومنها زبور داود ومنها ثلثة كتب لسليمان (3)، ومنها كتب النبوات سبعة عشر كتابا (4). ولم يذكر القرآن من بينها إلا توراة موسى وزبور داود عليهما السلام. والذى عند النصارى من مقدسات الكتب الاناجيل الاربعة وهي أنجيل متى وإنجيل مرقس وإنجيل لوقا وإنجيل يوحنا ومنها كتاب أعمال الرسل، ومنها عدة من الرسائل (5) ومنها رؤيا يوحنا. ولم يذكر القرآن شيئا من هذه الكتب المقدسة المختصة بالنصارى إلا أنه ذكر أن هناك كتابا سماويا أنزله الله على عيسى بن مريم يسمى بالانجيل وهو إنجيل واحد ليس بالاناجيل والنصارى وإن كانوا لا يعرفونه ولا يعترفون به إلا أن في كلمات

____________________________

(1) وهي سفر الخليقة وسفر الخروج وسفر الاحبار وسفر العدد وسفر الاستثناء. (2) وهي كتاب يوشع وكتاب قضاة بني إسرائيل وكتاب راعوث والسفر الاول من أسفار صموئيل والثاني منها والسفر الاول من أسفار الملوك والثاني منها والسفر الاول من أخبار الايام والسفر الثاني منها والسفر الاول لعزرا والثاني له وسفر إستير. (3) وهي كتاب الامثال وكتاب الجامعة وكتاب تسبيح التسابيح. (4) وهي كتاب نبوة أشعيا وكتاب نبوة أرميا ومراثي أرميا وكتاب حزقيال وكتاب نبوة دانيال وكتاب نبوة هوشع وكتاب نبوة يوييل وكتاب نبوة عاموص وكتاب نبوة عويذيا وكتاب نبوة يونان وكتاب نبوة ميخا وكتاب نبوة ناحوم وكتاب نبوة حيقوق وكتاب نبوة صفونيا وكتاب نبوة حجى وكتاب نبوة زكريا وكتاب نبوه ملاخيا. (5) وهي أربع عشرة رسالة لبولس ورسالة ليعقوب ورسالتان لبطرس وثلاث رسائل ليوحنا ورسالة ليهوذا. (*)

[ 308 ]

رؤسائهم لقيطات تتضمن الاعتراف بأنه كان للمسيح كتاب اسمه إنجيل (1). والقرآن مع ذلك لا يخلو من إشعار بأن بعضا من التوراة الحقة موجود فيما عند اليهود وكذا بعض من الانجيل الحق موجود في أيدي النصارى قال تعالى " وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله: المائدة - 43 وقال تعالى " ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به: المائدة - 14 والدلالة ظاهرة

(بحث تاريخي)

1 - قصة التوراة الحاضرة بنو إسرائيل هم الاسباط من آل يعقوب كانوا يعيشون أولا عيشة القبائل البدويين ثم أشخصهم الفراعنة إلى مصر وكانوا يعامل معهم معاملة الاسراء المملوكين حتى نجاهم الله بموسى من فرعون وعمله. وكانوا في زمن موسى يسيرون مسير الحيوة بالامام وهو موسى وبعده يوشع عليهما السلام ثم كانوا برهة من الزمان يدبر أمرهم القضاة مثل إيهود وجدعون وغيرهما. وبعد ذلك يشرع فيهم عصر الملك وأول الملوك فيهم شاؤل وهو الذي يسميه القرآن الشريف بطالوت ثم داود ثم سليمان. ثم انقسمت المملكة وانشعبت القدرة ومع ذلك ملك فيهم ملوك كثيرون كرحبعام وإبيام ويربعام ويهوشافاط ويهورام وغيرهم بضعة وثلثون ملكا. ولم تزل تضعف القدرة بعد الانقسام حتى تغلبت عليهم ملوك بابل وتصرفوا في اورشليم وهو بيت المقدس وذلك في حدود سنة ستمأة قبل المسيح وملك بابل يومئذ بخت نصر (بنو كد نصر) ثم تمردت اليهود عن طاعته فأرسل إليهم عساكره

____________________________

(1) في رسالة بولس إلى أهل غلاطية - الاصحاح الاول: " إني أتعجب أنكم تنتقلون هكذا سريعا عن الذي دعاكم بنعمة المسيح إلى إنجيل آخر ليس هو آخر غير أنه يوجد قوم يزعجونكم ويريدون أن يحولوه أي يغيروه. وقد استشهد النجار في قصص الانبياء بما مر وبموارد اخر من كلمات بولس في رسائله على أنه كان هناك إنجيل غير الاربعة يسمى إنجيل المسيح. (*)

[ 309 ]

فحاصروهم ثم فتحوا البلدة ونهبوا خزائن الملك وخزائن الهيكل (المسجد الاقصى) وجمعوا من أغنيائهم وأقويائهم وصناعهم ما يقرب من عشره آلاف نفسا وساروا بهم إلى بابل وما أبقوا في المحل إلا الضعفاء والصعاليك ونصب بخت نصر " صدقيا " وهو آخر ملوك بنى إسرائيل ملكا عليهم وعليه الطاعة لبخت نصر. وكان الامر على ذلك قريبا من عشر سنين حتى وجد صدقيا بعض القوة والشدة واتصل بعض الاتصال بواحد من فراعنة مصر فاستكبر وتمرد عن طاعة بخت نصر. فأغضب ذلك بخت نصر غضبا شديدا فساق إليهم الجيوش وحاصر بلادهم فتحصنوا عنه بالحصون وتمادى بهم التحصن قريبا من سنة ونصف حتى ظهر فيهم القحط والوباء. وأصر بخت نصر على المحاصرة حتى فتح الحصون وذلك في سنة خمسمأة وست وثمانين قبل المسيح وقتل نفوسهم وخرب ديارهم وخربوا بيت الله وأفنوا كل آية وعلامة دينية وبدلوا هيكلهم تلا من تراب وفقدت عند ذلك التوراة والتابوت الذي كانت تجعل فيه. وبقى الامر على هذا الحال خمسين سنة تقريبا وهم قاطنون ببابل وليس من كتابهم عين ولا أثر ولا من مسجدهم وديارهم إلا تلال ورياع. ثم لما جلس كورش من ملوك فارس على سرير الملك وكان من أمره مع البابليين ما كان وفتح بابل ودخله أطلق اسراء بابل من بني اسرائيل وكان عزرا المعروف من المقربين عنده فأمره عليهم وأجاز له أن يكتب لهم كتابهم التوراة ويبني لهم الهيكل ويعيدهم إلى سيرتهم الاولى وكان رجوع عزرا بهم إلى بيت المقدس سنة أربعمأة وسبعة وخمسين قبل المسيح وبعد ذلك جمع عزرا كتب العهد العتيق وصححها وهي التوراة الدائرة اليوم (1). وأنت ترى بعد التدبر في القصة أن سند التوراة الدائرة اليوم مقطوعة غير

____________________________

(1) مأخوذ من قاموس الكتاب المقدس تأليف مستر هاكس الامريكاني الهمداني ومآخذ اخرى من التواريخ. (*)

[ 310 ]

متصلة بموسى عليه السلام إلا بواحد (وهو عزرا) لا نعرفه أولا ولا نعرف كيفية اطلاعه وتعمقه ثانيا ولا نعرف مقدار أمانته ثالثا ولا نعرف من أين أخذ ما جمعه من أسفار التوراة رابعا ولا ندري بالاستناد إلى أي مستند صحح الاغلاط الواقعة أو الدائرة خامسا. وقد أعقبت هذه الحادثة المشئومة أثرا مشئوما آخر وهو إنكار عدة من باحثي المؤرخين من الغربيين وجود موسى وما يتبعه وقولهم إنه شخص خيالي كما قيل نظيره في المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام لكن ذلك لا يسع لمسلم فإن القرآن الشريف يصرح بوجوده عليه السلام وينص عليه. 2 - قصة المسيح والانجيل اليهود مهتمون بتاريخ قوميتهم وضبط الحوادث الظاهرة في الاعصار التي مرت بهم ومع ذلك فانك لو تتبعت كتبهم ومسفوراتهم لم تعثر فيها على ذكر المسيح عيسى بن مريم عليه السلام لا على كيفية ولادته ولا على ظهوره ودعوته ولا على سيرته والآيات التي أظهرها الله على يديه ولا على خاتمة حيوته من موت أو قتل أو صلب أو غير ذلك فما هو السبب في ذلك وما هو الذي أوجب خفاء أمره عليهم أو إخفائهم أمره. والقرآن يذكر عنهم أنهم قذفوا مريم ورموها بالبهتان في ولادة عيسى وأنهم ادعوا قتل عيسى قال تعالى وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا: النساء - 157. فهل كانت دعويهم تلك مستندة إلى حديث دائر بينهم كانوا يذكرونه بين قصصهم القومية من غير أن يكون مودعا في كتاب وعند كل أمة أحاديث دائرة من واقعيات وأساطير لا اعتبار بها ما لم تنته إلى مآخذ صحيحة قويمة. أو أنهم سمعوا من النصارى الذكر المكرر من المسيح وولادته وظهوره ودعوته فأخذوا ذلك من أفواههم وباهتوا مريم وادعوا قتل المسيح لا طريق إلى استبانة شئ

[ 311 ]

من ذلك غير أن القرآن كما يظهر بالتدبر في الآية السابقة لا ينسب إليهم صريحا إلا دعوى القتل دون الصلب ويذكر أنهم على ريب من الامر وأن هناك اختلافا. وأما حقيقة ما عند النصارى من قصة المسيح وأمر الانجيل والبشارة فهي أن قصته عليه السلام وما يتعلق بها تنتهي عندهم إلى الكتب المقدسة عندهم وهي الاناجيل الاربعة التي هي أناجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا وكتاب أعمال الرسل للوقا وعدة رسائل لبولس وبطرس ويعقوب ويوحنا ويهوذا واعتبار الجميع ينتهي إلى اعتبار الاناجيل فلنشتغل بها أما إنجيل متى فهو أقدم الاناجيل في تصنيفه وانتشاره ذكر بعضهم أنه صنف سنة 38 الميلادية وذكر آخرون أنه كتب ما بين سنة 50 إلى سنة 60 (1) فهو مؤلف بعد المسيح. والمحققون من قدمائهم ومتأخريهم على أنه كان أصله مكتوبا بالعبرانية ثم ترجم إلى اليونانية وغيرها أما النسخة الاصلية العبرانية فمفقودة وأما الترجمة فلا يدري حالها ولا يعرف مترجمها (2). وأما إنجيل مرقس فمرقس هذا كان تلميذا لبطرس ولم يكن من الحواريين وربما ذكروا إنه أنما كتب إنجيله باشارة بطرس وأمره وكان لا يرى إلهية المسيح (3) ولذلك ذكر بعضهم أنه إنما كتب إنجيله للعشائر وأهل القرى فعرف المسيح تعريف رسول إلهي مبلغ لشرائع الله (4) وكيف كان فقد كتب إنجيله سنة 61 ميلادية. وأما إنجيل لوقا فلوقا هذا لم يكن حواريا ولا رأى المسيح وإنما تلقن النصرانية من بولس وبولس كان يهوديا متعصبا على النصرانية يؤذي المؤمنين بالمسيح ويقلب

____________________________

(1) قاموس الكتاب المقدس للمستر هاكس مادة - متى. (2) كتاب ميزان الحق واعتراف به على تردد في قاموس الكتاب المقدس. (3) نقل ذلك عبد الوهاب النجار في قصص الانبياء عن كتاب مروج الاخبار في تراجم الاخبار لبطرس قرماج. (4) ذكره في قاموس الكتاب المقدس يقول فيه إن نص تواتر السلف على أن مرقس كتب إنجيله برومية وانتشر بعد وفاة بطرس وبولس لكنه ليس له كثير اعتبار لان ظاهر إنجيله أنه كتبه لاهل القبائل والقرويين لا لاهل البلاد وخاصة الرومية فتدبر في كلامه !

[ 312 ]

الامور عليهم ثم اتفق مفاجأة أن ادعى أنه صرع وفي حال الصرع لمسه المسيح ولامه وزجره عن الاساءة إلى متبعيه وأنه آمن بالمسيح وأرسله المسيح ليبشر بانجيله. وبولس هذا هو الذي شيد أركان النصرانية الحاضرة على ما هي عليها (1) فبني التعليم على أن الايمان بالمسيح كاف في النجاة من دون عمل وأباح لهم أكل الميتة ولحم الخنزير ونهى عن الختنة وكثير مما في التوراة مع أن الانجيل لم يأت إلا مصدقا لما بين يديه من التوراة ولم يحلل إلا أشياء معدودة وبالجملة إنما جاء عيسى ليقوم شريعة التوراة ويرد إليها المنحرفين والفاسقين لا ليبطل العمل ويقصر السعادة على الايمان الخالي. وقد كتب لوقا إنجيله بعد إنجيل مرقس وذلك بعد موت بطرس وبولس وقد صرح جمع بأن إنجيله ليس كتابا إلهاميا كسائر الاناجيل (3) كما يدل عليه ما وقع في مبتدء إنجيله. وأما إنجيل يوحنا فقد ذكر كثير من النصارى أن يوحنا هذا هو يوحنا بن زبدي الصياد أحد التلاميذ الاثنى عشر الحواريين الذي كان يحبه المسيح حبا شديدا (4). وذكروا أن شيرينطوس وأبيسون وجماعتهما لما كانوا يرون أن المسيح ليس إلا إنسانا مخلوقا لا يسبق وجوده وجود أمه اجتمعت أساقفة آسيا وغيرهم في

____________________________

(1) راجع مادة بولس من قاموس الكتاب المقدس. (2) راجع كتاب أعمال الرسل ورسائل بولس. (3) قال في أول إنجيل لوقا: " لاجل أن كثيرين راموا كتب قصص الامور التي نحن بها عارفون كما عهد الينا اولئك الاولون الذين كانوا من قبل معاينين وكانوا خداما للكلمة رأيت أنا أيضا إذ كنت تابعا لكل شئ بتحقيق أن أكتب اليك أيها العزيز ثاوفيلا " ودلالته على كون الكتاب نظريا غير إلهامي ظاهرة وقد نقل ذلك أيضا عن مستر كدل في رسالة الالهام وصرح جيروم أن بعض القدماء كانوا يشكون في البابين الاولين من إنجيل لوقا وأنهما ما كانا في نسخة فرقة مارسيوني وجزم إكهارن في كتابه ص 95 أن من ف 43 إلى 47 من الباب 22 من إنجيل لوقا الحاقية وذكر إكهارن أيضا في ص 61 من كتابه: قد اختلط الكذب الروائي ببيان المعجزات التي نقلها لوقا والكاتب ضمه على طريق المبالغة الشاعرية لكن تمييز الصدق عن الكذب في هذا الزمان عسير وقول " كلي مي شيس أن متى ومرقس يتخالفان في التحرير وإذا اتفقا ترجح قولهما على قول لوقا " نقل عن قصص الانبياء للنجار - ص 477. (4) راجع قاموس الكتاب المقدس مادة يوحنا.

[ 313 ]

سنة 96 ميلادية عند يوحنا والتمسوا منه أن يكتب ما لم يكتبه الآخرون في أناجيلهم ويبين بنوع خصوصي لاهوت المسيح فلم يسعه أن ينكر إجابة طلبهم (1). وقد اختلفت كلماتهم في السنة التي الف فيها هذا الانجيل فمن قائل أنها سنة 65 وقائل أنها سنة 96 وقائل أنها سند 98. وقال جمع منهم أنه ليس تأليف يوحنا التلميذ فبعضهم على أنه تأليف طالب من طلبة المدرسة الاسكندرية (2) وبعضهم على أن هذا الانجيل كله وكذا رسائل يوحنا ليست من تصنيفه بل إنما صنفه بعضهم في ابتداء القرن الثاني ونسبه إلى يوحنا ليعتبره الناس (3) وبعضهم على أن إنجيل يوحنا كان في الاصل عشرين بابا فألحقت كنيسة أفاس الباب الحادي والعشرين بعد موت يوحنا (4) فهذه حال هذه الاناجيل الاربعة وإذا أخذنا بالقدر المتيقن من هذه الطرق انتهت إلى سبعة رجال هم متى مرقس لوقا يوحنا بطرس بولس يهوذا ينتهي ركونهم كله إلى هذه الاناجيل الاربعة وينتهي الاربعة إلى واحد هو أقدمها وأسبقها وهو إنجيل متى وقد مر أنه ترجمة مفقود الاصل لا يدري من الذي ترجمه وكيف كان أصله وعلى ما ذا كان يبني تعليمه أ برسالة المسيح أم بالوهيته. وهذا الانجيل الموجود يترجم أنه ظهر في بني إسرائيل رجل يدعى عيسى بن يوسف النجار وأقام الدعوة إلى الله وكان يدعي أنه ابن الله مولود من غير أب بشري وأن أباه أرسله ليفدي به الناس عن ذنوبهم بالصلب والقتل وأنه أحيى الميت وابرء الاكمه والابرص وشفى المجانين بإخراج الجن من أبدانهم وأنه كان له إثنا عشر تلميذا أحدهم متى صاحب الانجيل بارك لهم وأرسلهم للدعوة وتبليغ الدين المسيحي إلخ.

____________________________

(1) نقله في قصص الانبياء عند جرجس زوين الفتوحي اللبناني في كتابه. (2) نقل ذلك من كتاب " كاتلك هر الد " في المجلد السابع المطبوع سنة 1844 ص 205 نقله عن استادلن (عن القصص) وأشار إليه في القاموس في مادة يوحنا. (3) قال ذلك " بر طشنيدر " على ما نقل عن كتاب الفاروق المجلد الاول (عن القصص). (4) المدرك السابق.

[ 314 ]

فهذا ملخص ما تنتهى إليه الدعوة المسيحية على انبساطها على شرق الارض وغربها وهو لا يزيد على خبر واحد مجهول الاسم والرسم مبهم العين والوصف. وهذا الوهن العجيب في مبدء القصة هو الذي أوجب لبعض أحرار الباحثين من اروبا أن أدعى أن المسيح عيسى بن مريم شخص خيالي صوره بعض النزعات الدينية على حكومات الوقت أو لها وتأيد ذلك بموضوع خرافي آخر يشبهه كل الشبه في جميع شئون القصة وهو موضوع كرشنا الذي تدعي وثنية الهند القديمة أنه ابن الله نزل عن لاهوته وفدى الناس بنفسه صلبا ليخلصهم من الاوزار والخطايا كما يدعى في عيسى المسيح حذو النعل بالنعل كما سيجئ ذكره. وأوجب لآخرين من منتقدي الباحثين أن يذهبوا إلى أن هناك شخصين مسميين بالمسيح المسيح غير المصلوب والمسيح المصلوب وبينهما من الزمان ما يزيد على خمسة قرون. وأن التاريخ الميلادي الذي سنتنا هذه سنة الف وتسعمأة وستة وخمسين منه لا ينطبق على واحد منهما بل المسيح الاول غير المصلوب يتقدم عليه بما يزيد على مأتين وخمسين سنة وقد عاش نحوا من ستين سنة والمسيح الثاني المصلوب يتأخر عنه بما يزيد على مأتين وتسعين سنة وقد عاش نحو من ثلث وثلثين سنة (1) على أن عدم انطباق التاريخ الميلادي على ميلاد المسيح في الجملة مما لم يسع للنصارى إنكاره (2) وهو سكتة تاريخية. على أن هيهنا امورا مريبة موهمة اخرى فقد ذكروا أنه كتب في القرنين الاولين من الميلاد أناجيل كثيرة اخرى ربما أنهوها إلى نيف ومأة من الاناجيل والاناجيل الاربعة منها ثم حرمت الكنيسة جميع تلك الاناجيل إلا الاناجيل الاربعة التي عرفت

____________________________

(1) وقد فصل القول في ذلك الزعيم الفاضل " بهروز " في كتاب ألفه جديدا في البشارات النبوية وأرجو أن أوفق لايداع شذرة منه في تفسير آخر سورة النساء من هذا الكتاب والقدر المتيقن (الذي يهمنا منه) اختلال التاريخ المسيحي. (2) راجع مادة مسيح من قاموس الكتاب المقدس.

[ 315 ]

قانونية لموافقة متونها تعليم الكنيسة (1). ومن جملة الاناجيل المتروكة إنجيل برنابا الذي ظهرت نسخة منها منذ سنين فترجمت إلى العربية والفارسية وهو يوافق في عامة قصصه ما قصه القرآن في المسيح عيسى بن مريم (2). ومن العجيب أن المواد التاريخية المأثورة عن غير اليهود أيضا ساكتة عن تفاصيل ما ينسبه الانجيل إلى الدعوة المسيحية من حديث البنوة والفداء وغيرهما ذكر المؤرخ الامريكي الشهير هندريك ويلم وان لون في تأليفه في تاريخ البشر كتابا كتبه الطبيب إسكولابيوس كولتلوس الرومي سنة 62 الميلادية إلى ابن أخيه جلاديوس أنسا وكان جنديا في عسكر الروم بفلسطين يذكر فيه أنه عاد مريضا برومية يسمى بولس فأعجبه كلامه وقد كان بولس كلمه بالدعوة المسيحية وذكر له طرفا من أخبار المسيح ودعوته. ثم يذكر أنه ترك بولس ولم يره حتى سمع بعد حين أنه قتل في طريق أوستى ثم يسأل ابن أخيه أن يبحث عن أخبار هذا النبي الاسرائيلي الذي كان يذكره بولس وعن أخبار بولس نفسه ويكتب إليه ما بلغه من ذلك. فكتب إليه جلاديوس أنسا بعد ستة أسابيع من معسكر الروم باورشليم

____________________________

(1) ولقد لام " شيلسون " الفيلسوف في القرن الثاني النصارى في كتابه " الخطاب الحقيقي " على تلاعبهم بالاناجيل، ومحوهم بالغد ما أدرجوه بالامس، وفي سنة 384 م أمر البابا داماسيوس أن تحرر ترجمة لاتينية جديدة من العهدين القديم والحديث تعتبر قانونية في الكنائس وكان تيودوسيس الملك قد ضجر من المخاصمات الجدلية بين الاساقفة، وتمت تلك الترجمة التي تسمى (فولكانا) وكان ذلك خاصا بالاناجيل الاربعة: متى ومرقس ولوقا ويوحنا وقد قال مرتب تلك الاناجيل: (بعد أن قابلنا عددا من النسخ اليونانية القديمة رتبناها بمعنى أننا نقحنا ماكان فيها مغايرا للمعنى، وأبقينا الباقي على ماكان عليه) ثم إن هذه الترجمة قد ثبتها المجمع " التريدنتيني " سنة 1546 أي بعدها بأحد عشر قرنا، ثم خطأها سيستوس الخامس سنة 1590 وأمر بطبع نسخ جديدة ثم خطأ كليمنضوس الثامن هذه النسخة الثانية أيضا، وأمر بطبعة جديدة منقحة هي الدارجة اليوم عند الكاثوليكيين (تفسير الجواهر - الجزء الثاني - ص 121 الطبعة الثانية). (2) وقد وجد هذا الانجيل بالخط الايطالي منذ سنين وترجمه إلى العربية الدكتور خليل سعاده بمصر وترجمه إلى الفارسية الحبر الفاضل " سردار كابلي " بإيران.

[ 316 ]

أني سألت عدة من شيوخ البلد ومعمريهم عن عيسى المسيح يحسنون مجاوبتي فيما أسألهم هذا والسنة سنة 62 ميلادية وهم شيوخ. حتى لقيت بياع زيتون فسألته هل يعرفه فأنعم لي في الجواب ثم دلني على رجل اسمه يوسف و ذكر أنه كان من أتباعه ومحبيه وأنه خبير بقصصه بصير بأخباره يستطيع أن يجيبك فيما تسأله عنه. فلقيت يوسف اليوم بعد ما تفحصت أياما فوجدته شيخا هرما وقد كان قديما يصطاد السمك في بعض البحيرات من هذه الناحية. كان الرجل على كبر سنه صحيح المشاعر جيد الحافظة وقص لي جميع الاخبار والقضايا الحادثة في ذلك الاوان أوان الاغتشاش والفتنة. ذكر أن فونتيوس فيلاطوس كان حاكما على سامرا ويهوديه في عهد القيصر تي بريوس. فاتفق أن وقع أيام حكومته فتنة في اورشليم فسافر فونتيوس فيلاطوس إليه لاخماد ما فيه من نار الفتنة وكانت الفتنة هي ما شاع يومئذ أن ابن نجار من أهل الناصرة يدعو الناس ويستنهضهم على الحكومة. فلما تحققوا أمره تبين أن ابن النجار المتهم شاب عاقل متين لم يرتكب ما يوجب عليه سياسة غير أن رؤساء المذهب من اليهود كانوا يخالفونه ويباغضونه بأشد ما يكون وقد قالوا لفيلاطوس أن هذا الشاب الناصري يقول لو أن يونانيا أو روميا أو فلسطينيا عامل الناس وعاشرهم بالعدالة والشفقة كان عند الله كمن صرف عمره في مطالعة كتاب الله وتلاوة آياته. وكأن هذه التعرضات والاقتراحات لم تؤثر في فيلاطوس أثرها لكنه لما سمع ازدحام الناس قبال المعبد وهم يريدون أن يقبضوا على عيسى وأصحابه ويقطعوهم إربا إربا رأى أن الاصلح أن يقبض هو على هذا الشاب النجار ويسجنه حتى لا يقتل بأيدي الناس في غوغائهم. وكان فيلاطوس لم يتضح له سبب ما ينقمه الناس من عيسى كل الاتضاح وكلما

[ 317 ]

كلم الناس في أمره وسألهم واستوضحهم علت أصواتهم وتنادوا (هو كافر) (هو ملحد) (هو خائن) فلم ينته الامر إلى طائل. حتى استقر رأي فيلاطوس أن يكلم عيسى بنفسه فأشخصه وكلمه وسأله عما يقصده بما يبلغه من الدين فأجابه عيسى أنه لا يهتم بأمر الحكومة والسياسة ولا له في ذلك غرض وأنه يهتم بالحياة الروحانية أكثر مما يهتم بأمر الحياة الجسمانية وأنه يعتقد أن الانسان يجب أن يحسن إلى الناس ويعبد الله الفرد الواحد وحده الذي هو في حكم الاب لجميع أرباب الحياة من المخلوقات. وكان فيلاطوس ذا خبرة في مذاهب الرواقيين وسائر فلاسفة يونان فكأنه لم ير في ما كلمه به عيسى موضع غمضة ولا محل مؤاخذة ولذلك عزم ثانيا أن يخلص هذا النبي السليم المتين من شر اليهود وسوف في حكم قتله وإنجازه. لكن اليهود لم يرضوا بذلك ولم يتركوه على حاله بل أشاعوا عليه أنه فتن بأكاذيب عيسى وأقاويله وأن فيلاطوس يريد الخيانة على قيصر وأخذوا يستشهدون عليه ويسجلون الطوامير على ذلك يريدون به عزله من الحكومة وقد كان برز قبل ذلك فتن وانقلابات في فلسطين والقوى المؤمنة القيصرية قليلة العدة لا تقوى على إسكات الناس فيها كل القوة. وكان على الحكام وسائر المأمورين من ناحية قيصر أن لا يعاملوا الناس بما يجلب شكواهم وعدم رضايتهم. فلهذه الاسباب لم ير فيلاطوس بدا من أن يفدي هذا الشاب المسجون للامن العام ويجيب الناس فيما سألوه من قتله. وأما عيسى فإنه لم يجزع من الموت بل استقبله على شهامة من نفسه وقد عفى قبل موته عمن تسبب إلى قتله من اليهود ثم قضى به على الصليب و الناس يسخرون منه ويشتمونه ويسبونه. قال (جلاديوس أنسا) هذا ما قص لي يوسف من قصة عيسى ودموعه تجري على خديه وحين ودعني للمفارقة قدمت إليه شيئا من المسكوك الذهبي لكنه أبى أن يأخذه وقال لي يوجد هيهنا من هو أفقر مني فأعطه إياه.

[ 318 ]

وسألته عن بولس رفيقك المعهود فما كان يعرفه معرفة تامة والقدر الذي تبين من أمره أنه كان رجلا خياما ثم ترك شغله واشتغل بالتبليغ لهذا المذهب الجديد مذهب الرب الرؤوف الرحيم الاله الذي بينه وبين يهوه إله يهود الذي لا نزال نسمعه من علماء اليهود من الفرق ما هو أبعد مما بين السماء والارض. والظاهر أن بولس سافر أولا إلى آسيا الصغرى ثم إلى يونان وأنه كان يقول للعبيد والارقاء إنهم جميعا أبناء لاب يحبهم ويرأف بهم وأن السعادة ليست تخص بعض الناس دون بعض بل تعم جميع الناس من فقير وغني بشرط أن يعاشروا على المؤاخاة ويعيشوا على الطهارة والصداقة انتهى ملخصا. هذه عامة فقرات هذا الكتاب مما يرتبط بما نحن فيه من البحث. وبالتأمل في جمل مضامين هذا الكتاب يتحصل للمتأمل أن ظهور الدعوة المسيحية كيف كان في بني إسرائيل بعيد عيسى عليه السلام وأنه لم يكن إلا ظهور دعوة نبوية بالرسالة من عند الله لا ظهور دعوة إلهية بظهور اللاهوت ونزولها إليهم وتخليصهم بالفداء ثم إن عدة من تلامذة عيسى أو المنتسبين إليه كبولس وتلامذة تلامذتهم سافروا بعد وقعة الصلب إلى مختلف أقطار الارض من الهند وإفريقية ورومية وغيرها وبسطوا الدعوة المسيحية لكنهم لم يلبثوا دون أن اختلفوا في مسائل أصلية من التعليم كلاهوت المسيح وكفاية الايمان بالمسيح عن العمل بشريعة موسى وكون دين الانجيل دينا أصيلا ناسخا لدين موسى أو كونه تابعا لشريعة التوراة مكملا إياها (1) فافترقوا عند ذلك فرقا. والذي يجب الامعان فيه أن الامم التي بسطت الدعوة المسيحية وظهرت فيها أول ظهورها كالروم والهند وغيرهما كانوا قبلها منتحلين بالوثنية الصابئة أو البرهمنية أو البوذائية وفيها اصول من مذاق التصوف من جهة والفلسفة البرهمنية من جهة وفيها جميعا شطر وافر من ظهور اللاهوت في مظهر الناسوت على أن القول بتثليث

____________________________

(1) يشير إليه كتاب الرسل ووسائل بولس، وقد اعترضت به النصارى

[ 319 ]

الوحدة ونزول اللاهوت في لباس الناسوت وتحملها الصلب (1) والعذاب فدائا كان دائرا بين القدماء من وثنية الهند والصين ومصر وكلدان والآشور والفرس وكذا قدماء وثنية الغرب كالرومان والاسكندناويين وغيرهم على ما يوجد في الكتب المؤلفة في الاديان والمذاهب القديمة. ذكر دوان في كتابه خرافات التوراة وما يماثلها في الاديان الاخرى إذا رجعنا البصر إلى الهند نرى أن أعظم وأشهر عبادتهم اللاهوتية هو التثليث ويسمون هذا التعليم بلغتهم ترى مورتى وهي عبارة مركبة من كلمتين بلغتهم السنسكريتية ترى ومعناها الثلاثة ومورتى ومعناها هيآت أو أقانيم وهي برهما وفشنو وسيفا ثلثة أقانيم متحدة لا ينفك عن الوحدة فهي إله واحد بزعمهم. ثم ذكر أن برهما عندهم هو الاب وفشنو هو الابن وسيفا هو روح القدس ثم ذكر أنهم يدعون سيفا كرشنا (2) الرب المخلص والروح العظيم الذي ولد منه فشنو الاله الذي ظهر بالناسوت على الارض ليخلص الناس فهو أحد الاقانيم الثلاثة التي هي الاله الواحد. وذكر أيضا أنهم يرمزون للاقنوم الثالث بصورة حمامة كما يقوله النصارى. وقال مستر فابر في كتابه أصل الوثنية كما نجد عند الهنود ثالوثا مؤلفا من برهما وفشنو وسيفا نجد عند البوذيين ثالوثا فإنهم يقولون إن بوذ إله له ثلاثة أقانيم وكذلك بوذيو جينست يقولون إن جيفا مثلث الاقانيم.

____________________________

(1) القتل بالصلب على الصليب من القواعد القديمة جدا فقد كانوا يقتلون من اشتد جرمه وفظع دنبه بالصلب الذي هو من أشد أسباب القتل عدابا وأسوئها ذكرا، وكانت الطريقة فيه أن يصنع من خشبتين تقاطع إحديهما الاخرى ما هو على شكل الصليب المعروف بحيث ينطبق عليه إنسان لو حمل عليه ثم يوضع المجرم عليه مبسوط اليدين ويدق من باطن راحتيه على طرفي الخشبة المعترضة بالمسامير، وكذا تدق قدماه على الخشبة وربما شدتا من غير دق ثم تقام الخشبة بنصب طرفها على الارض بحيث يكون ما بين قدمه إلى الارض ما يقرب من ذراعين فيبقى الصليب على ذلك يوما أو أياما ثم تكسر قدماه من الساقين ويقتل على الصليب أو ينزل فيقتل بعد الانزال، وكان المصلوب يعذب قبل الصلب بالجلد أو المثلة وكان من العار الشنيع على قوم أن يقتل واحد منهم بالصلب. (2) وهو المعبر عنه ابلانكليزية " كرس " وهو المسيح المخلص.

[ 320 ]

قال والصينيون يعبدون بوذه ويسمونه فو ويقولون إنه ثلاثة أقانيم كما تقول الهنود. وقال دوان في كتابه المتقدم ذكره وكان قسيسوا هيكل منفيس بمصر يعبرون عن الثالوث المقدس للمبتدئين بتعلم الدين بقولهم إن الاول خلق الثاني والثاني خلق الثالث وبذلك تم الثالوث المقدس. وسأل توليسو ملك مصر الكاهن تنيشوكي أن يخبره هل كان قبله أحد أعظم منه وهل يكون بعده أحد أعظم منه فأجابه الكاهن نعم يوجد من هو أعظم وهو الله قبل كل شئ ثم الكلمة ومعهما روح القدس ولهذه الثلاثة طبيعة واحدة وهم واحد بالذات وعنهم صدرت القوة الابدية فاذهب يا فاني يا صاحب الحياه القصيرة. وقال بونويك في كتابه عقائد قدماء المصريين أغرب كلمة عم انتشارها في ديانة المصريين هي قولهم بلاهوت الكلمة وأن كل شئ حصل بواسطتها وأنها منبثقة من الله وأنها هي الله انتهى وهذا عين العبارة التي يبتدي بها انجيل يوحنا. وقال هيجين في كتاب الانكلوساكسون كان الفرس يدعون متروسا الكلمة والوسيط ومخلص الفرس. ونقل عن كتاب سكان اوروبة الاولين أنه كان الوثنيون القدماء يقولون إن الاله مثلث الاقانيم. ونقل عن اليونان والرومان والفنلنديين والاسكندناويين قضية الثالوث السابق الذكر وكذا القول بالكلمة عن الكلدانيين والآشوريين والفينيقيين. وقال دوان في كتابه خرافات التوراة وما يقابلها من الديانات الاخرى ص 181 - 182 ما ترجمته بالتلخيص إن تصور الخلاص بواسطة تقديم أحد الآلهة ذبيحة فدائا عن الخطيئة قديم العهد جدا عند الهنود الوثنيين وغيرهم وذكر شواهد على ذلك منها قوله يعتقد الهنود أن كرشنا المولود البكر الذي هو نفس الآلهة فشنو الذى لا ابتداء له ولا انتهاء على رأيهم تحرك حنوا كي يخلص الارض من ثقل حملها

[ 321 ]

فأتاها وخلص الانسان بتقديم ذبيحة عنه. وذكر أن مسترمور قد صور كرشنا مصلوبا كما هو مصور في كتب الهنود مثقوب اليدين والرجلين وعلى قميصه صورة قلب الانسان معلقا ووجدت له صورة مصلوبا وعلى رأسه إكليل من الذهب والنصارى تقول إن يسوع صلب وعلى رأسه إكليل من الشوك. وقال هوك في ص 326 من المجلد الاول من رحلته ويعتقد الهنود الوثنيون بتجسد بعض الآلهة وتقديم ذبيحة فداء للناس من الخطيئة. وقال موريفور ليمس في ص 26 من كتابه الهنود ويعتقد الهنود الوثنيون بالخطيئة الاصلية ومما يدل على ذلك ما جاء في مناجاتهم وتوسلاتهم التي يتوسلون بها بعد الكياتري وهو إني مذنب ومرتكب الخطيئة وطبيعتي شريرة وحملتني امي بالاثم فخلصني يا ذا العين الحندقوقية يا مخلص الخاطئين من الآثام والذنوب. وقال القس جورج كوكس في كتابه الديانات القديمة في سياق الكلام عن الهنود ويصفون كرشنا بالبطل الوديع المملوء لاهوتا لانه قدم شخصه ذبيحة. ونقل هيجين عن اندارا دا الكروزوبوس وهو أول اوروبي دخل بلاد التيبال والتبت أنه قال في الاله اندرا الذي يعبدونه أنه سفك دمه بالصلب وثقب المسامير لكي يخلص البشر من ذنوبهم وأن صورة الصلب موجودة في كتبهم. وفي كتاب جورجيوس الراهب صورة الاله اندرا هذا مصلوبا وهو بشكل صليب أضلاعه متساوية العرض متفاوتة الطول فالرأسي اقصرها وفيه صورة وجهه والسفلى اطولها ولو لا صورة الوجه لما خطر لمن يرى الصورة أنها تمثل شخصا هذا. وأما ما يروى عن البوذيين في بوذا فهو أكثر انطباقا على ما يرويه النصارى عن المسيح من جميع الوجوه حتى أنهم يسمونه المسيح والمولود الوحيد ومخلص العالم ويقولون إنه إنسان كامل وإله كامل تجسد بالناسوت وأنه قدم نفسه ذبيحة ليكفر ذنوب البشر ويخلصهم من ذنوبهم فلا يعاقبوا عليها ويجعلهم وارثين لملكوت السموات

[ 322 ]

بين ذلك كثير من علماء الغرب منهم بيل في كتابه وهوك في رحلته وموالر في كتابه تاريخ الآداب السنسكريتية وغيرهم. (1) فهذه نبذة أو أنموذجة من عقيدة تلبس اللاهوت بالناسوت وحديث الصلب والفداء في الديانات القديمة التي كانت الامم متمسكين بها منكبين عليها يوم شرعت الديانة النصرانية تنبسط على الارض وأخذت الدعوة المسيحية تأخذ بمجامع القلوب في المناطق التي جال الدعاة المسيحيون فيها فهل هذا إلا أن الدعاة المسيحيين أخذوا أصول المسيحية وأفرغوها في قالب الوثنية واستمالوا بذلك قلوب الناس في تقبل دعوتهم وهضم تعليمهم. ويؤيد ذلك ما ترى في كلمات بولس وغيره من الطعن في حكمة الحكماء وفلسفتهم والازراء بطرق الاستدلالات العقلية وأن الاله الرب يرجح بلاهة الابله على عقل العاقل. وليس ذلك إلا لانهم قابلوا بتعليمهم مكاتب التعقل والاستدلال فرده أهله بأنه لا طريق إلى قبوله بل إلى تعقله الصحيح من جهة الاستدلال فوضعوا الاساس على المكاشفة والامتلاء بالروح المقدس فشاكلوا بذلك ما يصر به جهلة المتصوفة أن طريقتهم طور وراء طور العقل. ثم إن الدعاة منهم ترهبوا وجالوا في البلاد على ما يحكيه كتاب أعمال الرسل والتواريخ وبسطوا الدعوة المسيحية واستقبلتهم في ذلك العامة في شتات البلاد كان من سر موفقيتهم وخاصة في إمبراطورية الروم هي الضغطة الروحية التي عمت البلاد من فشو الظلم والتعدي وشمول أحكام الاسترقاق والاستعباد والبون البعيد في حيوة الطبقة الحاكمة والمحكومة والآمرة والمأمورة والفصل الشاسع بين عيشة الاغنياء وأهل الاتراف والفقراء والمساكين والارقاء وقد كانت الدعاة تدعو إلى المؤاخاة والمحابة و التساوي والمعاشرة الجميلة بين الناس ورفض الدنيا وعيشتها الكدرة الفانية والاقبال على الحيوة الصافية السعيدة التي في ملكوت السماء ولهذا بعينه ما كان يعني بحالهم الطبقة الحاكمة من الملوك

____________________________

(1) يجد القارئ هذه المنقولات في تفسير المنار - الجزء السادس في تفسير النساء وفي دوائر المعارف وفي كتاب العقائد الوثنية في الديانة النصرانية وغيرها.

[ 323 ]

والقياصرة كل العناية ولا يقصدونهم بالاذى والسياسة والطرد. فلم يزالوا يزيدون عددا من غير تظاهر وتنافس وينمون قوة وشدة حتى حصل لهم جم غفير في إمبراطورية الروم وإفريقية والهند وغيرها من البلاد ولم يزالوا كلما بنوا كنيسة وفتحوا بابها على وجوه الناس هدموا بذلك واحدا من بيوت الاوثان وأغلقوا بابه. وكانوا لا يعتنون بمزاحمة رؤساء الوثنية في هدم أساسهم ولا بملوك الوقت وحكامه في التعالي عن خضوعهم وفي مخالفة أحكامهم ودساتيرهم وربما كان ذلك يؤديهم إلى الهلاك والقتل والحبس والعذاب فكان لا تزال تقتل طائفة وتسجن اخرى وتشرد ثالثة. وكان الامر على هذه الصفة إلى أوان ملك القيصر كنستانتين فآمن بالملة المسيحية وأعلن بها فأخذ التنصر بالرسمية وبنيت الكنائس في الروم وما يتبع إمبراطوريته من الممالك وذلك في النصف الاخير من القرن الرابع الميلادي. تمركزت النصرانية يومئذ في كنيسة الروم وأخذت تبعث القسيسين إلى أكناف الارض من البلاد التابعة يبنون الكنائس والديرات ومدارس يدرسون بها التعليم الانجيلي. والذي يجب إلتفات النظر إليه أنهم وضعوا البحث على اصول مسلمة إنجيلية فأخذوا التعاليم الانجيلية كمسألة الاب والابن والروح ومسألة الصلب والفداء وغير ذلك اصولا مسلمة وبنوا البحث والتنقير عليها. وهذا أول ما ورد على أبحاثهم الدينية من الوهن والوهاء فإن استحكام البناء المبني وإن بلغ ما بلغ واستقامته لا يغني عن وهن الاساس المبني عليه شيئا وما بنوا عليه من مسألة تثليث الوحدة والصلب والفداء أمر غير معقول. وقد اعترف عدة من باحثيهم في التثليث بأنه أمر غير معقول لكنهم اعتذروا عنه بأنه من المسائل الدينية التي يجب أن تقبل تعبدا فكم في الاديان من مسألة تعبدية تحيلها العقول. وهو من الظنون الفاسدة المتفرعة على أصلهم الفاسد وكيف يتصور وقوع مسألة مستحيلة في دين حق ونحن إنما نقبل الدين ونميز كونه دين حق بالعقل وكيف يمكن

[ 324 ]

عند العقل أن تشتمل العقيدة الحقة على أمر يبطله العقل ويحيله وهل هذا إلا تناقض صريح. نعم يمكن أن يشتمل الدين على ممكن يخرق العادة الجارية والسنة الطبيعية القائمة وأما المحال الذاتي فلا البتة. وهذا الطريق المذكور من البحث هو الذي أوجب وقوع الخلاف والمشاجرة بين الباحثين المتفكرين منهم في أوائل انتشار صيت النصرانية وانكباب المحصلين على الابحاث المذهبية في مدارس الروم والاسكندرية وغيرهما. فكانت الكنيسة تزيد كل يوم في مراقبتها لوحدة الكلمة وتهيئ مجمعا مشكلا عند ظهور كل قول حديث وبدعة جديدة من البطارقة والاساقفة لاقناعهم بالمذهب العام وتكفيرهم ونفيهم وطردهم وقتلهم إذا لم يقنعوا. وأول مجمع عقدوه مجمع نيقيه لما قال أريوس إن اقنوم الابن غير مساو لاقنوم الاب وان القديم هو الله والمسيح مخلوق. اجتمعت البطارقة والمطارفة ؟ والاساقفة في قسطنطينية بمحضر من القيصر كنستانتين وكانوا ثلاث مأة وثلاثة عشر رجلا واتفقوا على هذه الكلمة نؤمن بالله الواحد الاب مالك كل شئ وصانع ما يرى وما لا يرى وبالابن الواحد يسوع المسيح ابن الله الواحد بكر الخلائق كلها وليس بمصنوع إله حق من إله حق من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم وكل شئ الذي من أجلنا ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من روح القدس وولد من مريم البتول وصلب أيام فيلاطوس ودفن ثم قام في اليوم الثالث وصعد إلى السماء وجلس عن يمين أبيه وهو مستعد للمجئ تارة اخرى للقضاء بين الاموات والاحياء ونؤمن بروح القدس الواحد روح الحق الذي يخرج من أبيه وبمعمودية (1) واحدة لغفران الخطايا وبجماعة واحدة قدسية

____________________________

(1) المراد بالمعمودية طهارة الباطن وقداسته.

[ 325 ]

مسيحية جاثليقية وبقيام أبداننا (1) والحيوة أبد الآبدين (2). هذا هو المجمع الاول وكم من مجمع بعد ذلك عقدوه للتبري عن المذاهب المستحدثة كمذهب النسطورية واليعقوبية والاليانية واليليارسية و المقدانوسية والسباليوسية والنوئتوسية والبولسية وغيرها. ومع هذا كانت الكنيسة تقوم بالواجب من مراقبتها ولا تتوانى ولا تهن في دعوتها وتزيد كل يوم في قوتها وسيطرتها حتى وفقت لجلب سائر دول اوروبا إلى التنصر كفرنسا و الانجليز والنمسا والبروس والاسبانيا والبرتغال والبلجيك وهولندا وغيرهم إلا الروسيا أواخر القرن الخامس الميلادي سنة 496. ولم تزل تتقدم وترتقي الكنيسة من جانب ومن جانب آخر كانت تهاجم الامم الشمالية والعشائر البدوية على الروم والحروب والفتن تضعف سلطنة القياصرة وآل الامر إلى أن أجمعت أهل الروم والامم المتغلبة على إلقاء زمام امور المملكة إلى الكنيسة كما كانت زمام امور الدين بيدها فاجتمعت السلطنة الروحانية والجسمانية لرئيس الكنيسة اليوم وهو البابا جريجوار وكان ذلك سنة 590 الميلادية. وصارت كنيسة الروم لها الرئاسة المطلقة للعالم المسيحي غير أن الروم لما كانت انشعبت إمبراطوريته إلى الروم الغربي الذي عاصمتها روما والروم الشرقي الذي عاصمتها قسطنطينية كانت قياصرة الروم الشرقي يعدون أنفسهم رؤساء دينيين لمملكتهم من غير أن يتبعوا كنيسة روما وهذا مبدأ انشعاب المسيحية إلى الكاثوليك أتباع كنيسة روما والاورثوذكس وهم غيرهم. وكان الامر على ذلك حتى إذا فتحت قسطنطينية بيد آل عثمان وقتل القيصر بالي اولوكوس وهو آخر قياصرة الروم الشرقي وقسيس الكنيسة اليوم قتل في

____________________________

(1) أورد عليه أنه يستلزم القول بالمعاد الجسماني والنصارى تقول بالمعاد الروحاني كما يدل عليه الانجيل وأظن أن الانجيل انما يدل على عدم وجود اللذائذ الجسمانية الدنيوية في القيامة وأما كون الانسان روحا مجردا من غير جسم فلا دلالة فيه عليه بل يدل على أن الانسان يصير في المعاد كالملائكة لا ازدواج بينهم وظاهر العهدين أن الله سبحانه وملائكته جميعا أجسام فضلا عن الانسان يوم القيامة. (2) الملل والنجل للشهرستاني.

[ 326 ]

كنيسة أياصوفيا. وادعى وراثة هذا المنصب الديني أعني رئاسة الكنيسة قياصرة روسيا لقرابة سببية كانت بينهم وبين قياصرة الروم وكانت الروس تنصرت في القرن العاشر الميلادي فصارت ملوك روسيا قسيسي كنيسة أرضهم غير تابعة لكنيسة روما وكان ذلك سنة 1454 الميلادية. وبقي الامر على هذا الحال نحوا من خمسة قرون حتى قتل تزار نيكولا وهو آخر قياصرة الروسيا قتل هو وجميع أهل بيته سنة 1918 الميلادية بيد الشيوعيين فعادت كنيسة روما تقريبا إلى حالها قبل الانشعاب. لكن الكنيسة في أثر ما كانت تحاول رؤسائها السلطة على جميع جهات حيوة الناس في القرون الوسطى التي كانت الكنيسة فيها في أوج ارتقائها وإرتفاعها ثار عليها جماهير من المتدينين تخلصا من القيود التي كانت تحملها عليهم الكنيسة. فخرجت طائفة عن تبعية أحكام رؤساء الكنيسة والباباوات وطاعتهم مع البقاء على طاعة التعليم الانجيلي على ما يفهمه مجامعهم ويقرره اتفاق علمائهم وقسيسهم وهؤلاء هم الاورثوذكس. وطائفة خرجت عن متابعة كنيسة روما أصلا فليسوا بتابعين في التعليم الانجيلي لكنيسة روما ولا معتنين للاوامر الصادرة منها وهؤلاء هم البروتستانت. فأنشعب العالم المسيحي اليوم إلى ثلاث فرق الكاثوليك وهي التابعة لكنيسة روما وتعليمها والاورثوذكس وهي التابعة لتعليم الكنيسة دون نفسها وقد حدثت شعبتهم بحدوث الانشعاب في الكنيسة وخاصة بعد انتقال كنيسة قسطنطينية إلى مسكو بروسيا كما تقدم والبروتستانت وهي الخارجة عن تبعية الكنيسة وتعليمها جميعا وقد استقلت طريقتهم وتظاهرت في القرن الخامس عشر الميلادي. هذا إجمال ما جرى عليه امر الدعوة المسيحية في زمان يقرب من عشرين قرنا والبصير بالغرض الموضوع له هذا الكتاب يعلم أن القصد من ذكر جمل تاريخهم أولا أن يكون الباحث على بصيرة من التحولات التاريخية في مذهبهم والمعاني التي يمكن أن تنتقل إلى عقائدهم الدينية بنحو التوارث أو السراية أو الانفعال بالامتزاج

[ 327 ]

أو الالف والعادة من عقائد الوثنية والافكار الموروثة منهم أو المأخوذة عنهم. وثانيا أن اقتدار الكنيسة وخاصة كنيسة روما بلغ بالتدريج في القرون الوسطى الميلادية إلى نهاية أوجه حتى كانت لهم سيطرة الدين والدنيا وانقادت لهم كراسي الملك بأوربا فكان لهم عزل من شاءوا ونصب من شاءوا (1). يروى أن البابا مرة أمر إمبراطور ألمانيا أن يقف ثلاثة أيام حافيا على باب قصره في فصل الشتاء لزلة صدرت منه يريد ان يغفرها له (2). ورفس البابا مرة تاج الملك برجله حيث جائه جاثيا يطلب المغفرد (3). وقد كانوا وصفوا المسلمين لاتباعهم وصفا لم يدعهم إلا أن يروا دين الاسلام دين الوثنية يستفاد ذلك من الشعارات والاشعار التي نظموها في استنهاض النصارى وتهييجهم على المسلمين في الحروب الصليبية التي نشبت بينهم وبين المسلمين سنين متطاولة. فإنهم كانوا (4) يرون أن المسلمين يعبدون الاصنام وأن لهم آلهة ثلاثة أسمائها على الترتيب ماهوم ويسمى بافوميد وماهومند وهو أول الآلهة وهو محمد وبعده ايلين وهو الثاني وبعده ترفاجان وهو الثالث وربما يظهر من بعض كلماتهم أن للمسلمين إلهين آخرين وهما مارتوان وجوبين ولكنهما بعد الثلاثة المتقدمة رتبة وكانوا يقولون إن محمدا بنى دعوته على دعوى الالوهية وربما قالوا إنه كان اتخذ لنفسه صنما من ذهب. وفي أشعار ريشار التي قالها لاستنهاض الافرنج على المسلمين قوموا وقلبوا ماهومند وترفاجان وألقوهما في النار تقربا من إلهكم. وفي أشعار رولان في وصف ماهوم إله المسلمين إنه مصنوع تاما من الذهب والفضة ولو رأيته أيقنت أنه لا يمكن لصانع أن يصور في خياله أجمل منه ثم

____________________________

(1) الفتوحات الاسلامية. (2) المدرك السابق. (3) المدرك السابق. (4) هذا وما بعده إلى آخر الفصل منقول عن ترجمة كتاب (هنري دوكاستري) في الديانة الاسلامية الفصل الاول منه.

[ 328 ]

يصنعه عظيمة جثته جيدة صنعته وفي سيمائه آثار الجلالة ظاهرة ماهوم مصنوع من الذهب والفضة يكاد سنا برقه يذهب بالبصر وقد أقعد على فيل هو من أحسن المصنوعات وأجودها بطنه خال وربما أحس الناظر من بطنه ضوءا هو مرصعة بالاحجار الثمينة المتلالئة يرى باطنه من ظاهره ولا يوجد له في جودة الصنعة نظير. ولما كانت آلهة المسلمين يوحون إليهم في مواقع الشدة وقد انهزم المسلمون في بعض حروبهم بعث قائد القوم واحدا في طلب إلههم الذي كان بمكة يعني محمدا صلى الله عليه وآله وسلم يروي بعض من شاهد الواقعة أن الاله يعني محمدا جائهم وقد أحاط به جم غفير من أتباعه وهم يضربون الطبول والعيدان والمزامير والبوقات المعمولة من فضة ويتغنون ويرقصون حتى أتوا به إلى المعسكر بسرور وترح ومرح وقد كان خليفته منتظرا لقدومه فلما رآه قام على ساقه واشتغل بعبادته بخضوع وخشوع ويذكر ريشار أيضا في وصف وحي الاله ماهوم الذي سمعت وصفه فيقول إن السحرة سخروا واحدا من الجن وجعلوه في بطن ذلك الصنم وكان ذلك الجني يرعد ويعربد أولا ثم يأخذ في تكليم المسلمين وهم ينصتون له. وأمثال هذه الطرف توجد كثيرا في كتبهم المؤلفة في سني الحروب الصليبية أو المتعرضة لشؤونها وإن كان ربما أبهتت القاري وأدهشته تعجبا وحيرة وكاد أن لا يصدق صحة النقل حين يحدث له أمور لم يشاهدها مسلم في يقظة ولا رآها في نومة أو نعسة. وثالثا أن يتحقق الباحث المتدبر كيفية طرق التطور على الدعوة المسيحية في مسيرها خلال القرون الماضية حتى اليوم فإن العقائد الوثنية وردت فيها بخفي دبيبها أولا بالغلو في حق المسيح عليه السلام ثم تمكنت فأفرغت الدعوة في قالب التثليث الاب والابن والروح والقول بالصلب والفداء واستلزم ذلك القول برفض العمل والاكتفاء بالاعتقاد. وكان ذلك أولا في صورة الدين وكان يعقد أزمتهم بالكنيسة بإتيان أشياء من صوم وصلوة وتعميد لكن لم يزل الالحاد ينمو جسمه ويقوي روحه ويبرز الانشعابات حتى ظهرت البروتستانت وقامت القوانين الرسمية مقام الهرج والمرج في السياسات مدونة على أساس الحرية في ما وراء القانون الاحكام العملية المضمونة الاجراء فلم يزل

[ 329 ]

التعليم الديني يضعف أثرا ويخيب سعيا حتى انثلمت تدريجا أركان الاخلاق والفضائل الانسانية عقيب شيوع المادية التي استتبعتها الحرية التامة. وظهرت الشيوعية والاشتراك بالبناء على فلسفة ماترياليسم ديالكتيك ورفض القول باللاهوت والاخلاق الفاضلة الثابتة والاعمال الدينية فانهدمت الانسانية المعنوية وورثتها الحيوانية المادية مؤلفة من سبعية وبهيمية وانتهضت الدنيا تسير إليها سيرا حثيثا. وأما النهضات الدينية التي عمت الدنيا أخيرا فليست إلا ملاعب سياسية يلعب بها رجال السياسة للتوسل بها إلى غاياتهم وأمانيهم فالسياسة الفنية اليوم تدق كل باب وتدب كل جحر وثقب. ذكر الدكتور جوزف شيتلر استاذ العلوم الدينية في كلية لوتران في شيكاغو أن النهضة الدينية الجديدة في أمريكا ليست إلا تطبيق الدين على المجموعة من شؤون الحيوة في المدنية الحديثة وتثبيت أن المدنية الحاضرة لا تضاد الدين. وإن فيه خطر أن يعتقد عامة الناس أنهم متدينون بالدين الحق بما في أيديهم من نتايج المدنية الحاضرة حتى يستغنوا عن الالتحاق إلى النهضة الحقيقية الدينية لو ظهرت يوما بينهم فلا يلتفتوا إليها (1). وذكر الدكتور جرج فلوروفسكي أكبر مدافع أرثوذكس روسيا بامريكا أن التعليمات الدينية بامريكا ليست إلا سلوة كاذبة للقلوب لانها لو كانت نهضة حية حقيقية دينية لكان من الواجب أن تتكئ على تعليمات عميقة واقعية (2). فانظر من أين خرج وفد الدين وفي أين نزل بدأت الدعوة باسم إحياء الدين العقيدة والاخلاق الملكات الحسنة والشريعة الاعمال واختتمت بالغاء الجميع ووضع التمتع الحيواني موضعها. وليس ذلك كله إلا تطور الانحراف الاولى الواقع من بولس المدعو بالقديس

____________________________

(1) المجلة الامريكية " لايف " الجزء المؤرخ 6 فوريه 1956. (2) كسابقه.

[ 330 ]

بولس الحواري وأعضاده فلو أنهم سموا هذه المدنية الحاضرة التي تعترف الدنيا بأنها تهدد الانسانية بالفناء مدنية بولسية كان أحق بالتصديق من قولهم إن المسيح هو قائد الحضارة والمدنية الحاضرة وحامل لوائها.

( بحث روائي )

 في تفسير القمي ": في قوله تعالى ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب الآية - إن عيسى لم يقل للناس - إني خلقتكم فكونوا عبادا لي من دون الله ولكن قال لهم كونوا ربانيين أي علماء. أقول وقد مر في البيان السابق ما يؤيده من القرائن وقوله لم يقل للناس إني خلقتكم بمنزلة الاحتجاج على عدم قوله ذلك أي لو كان قال لهم ذلك لوجب أن يخبرهم بأنه خلقهم ولم يخبر ولم يفعل. وفيه أيضا ": في قوله تعالى - ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا الآية - قال كان قوم يعبدون الملائكة - وقوم من النصارى زعموا أن عيسى رب - واليهود قالوا عزير ابن الله فقال الله - ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أقول وقد تقدم بيانه. وفي الدر المنثور أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الاحبار من اليهود - والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - ودعاهم إلى الاسلام أ تريد يا محمد أن نعبدك - كما تعبد النصارى عيسى بن مريم - فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرئيس - أو ذاك تريد منا يا محمد -. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - معاذ الله أن نعبد غير الله - أو نأمر بعبادة غيره ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني - فأنزل الله من قولهما - ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب - إلى قوله بعد إذ أنتم مسلمون وفيه أيضا وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: بلغني أن رجلا قال يا رسول الله - نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك - قال لا ولكن أكرموا

[ 331 ]

نبيكم واعرفوا الحق لاهله - فإنه لا ينبغي أن يسجد لاحد من دون الله فأنزل الله - ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب - إلى قوله بعد إذ أنتم مسلمون. أقول وقد روى في سبب النزول غير هذين السببين والظاهر أن ذلك من الاستنباط النظري وقد تقدم تفصيل الكلام في ذلك ومن الممكن أن تجتمع عدة أسباب في نزول آية والله أعلم = وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جائكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين (81) - فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (82) أ فغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والارض طوعا وكرها وإليه يرجعون (83) - قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والاسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (84) - ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين (85))

( بيان )

 الآيات غير خالية عن الارتباط بما قبلها والسياق سياق واحد مستمر جار على وحدته وكأنه تعالى لما بين أن أهل الكتاب لم يزالوا يبغون فيما حملوه من علم الكتاب

[ 332 ]

والدين يحرفون الكلم عن مواضعه ويستغشون بتلبيس الامر على الناس والتفرقة بين النبيين وإنكار آيات نبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونفى أن يكون نبي من الانبياء كموسى وعيسى عليهما السلام يأمرهم باتخاذ نفسه أو غيره من النبيين والملائكة أربابا على ما هو صريح قول النصارى وظاهر قول اليهود. شدد النكير عليهم في ذلك بأنه كيف يتأتى ذلك وقد أخذ الله الميثاق من النبيين أن يؤمنوا بكل نبي يأتيهم ممن تقدمهم أو تأخر عنهم وينصروه وذلك بتصديق كل منهم لمن تقدم عليه من الانبياء وتبشيره بمن تأخر عنه كتصديق عيسى عليه السلام لموسى وشريعته وتبشيره بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وكذا أخذه تعالى الميثاق منهم أن يأخذوا العهد على ذلك من أممهم وأشهدهم عليهم وبين أن هذا هو الاسلام الذي شمل حكمه من في السموات والارض. ثم أمر نبيه أن يجري على هذا الميثاق جري قبول وطاعة فيؤمن بالله وبجميع ما أنزله على أنبيائه من غير تفرقة بينهم وأن يسلم لله سبحانه وأن يأتي بذلك عن نفسه وعن أمته وهو معنى أخذ الميثاق منه بلا واسطة ومن امته بواسطته كما سيجئ بيانه. قوله تعالى وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه الآية تنبئ عن ميثاق مأخوذ وقد أخذ الله هذا الميثاق للنبيين كما يدل عليه قوله تعالى ثم جاءكم رسول الخ كما أنه تعالى أخذه من النبيين على ما يدل عليه قوله أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري الخ وقوله بعد قل آمنا بالله إلى آخر الآية فالميثاق ميثاق مأخوذ للنبيين ومأخوذ منهم وإن كان مأخوذا من غيرهم أيضا بواسطتهم. وعلى هذا فمن الجائز أن يراد بقوله تعالى ميثاق النبيين الميثاق المأخوذ منهم أو المأخوذ لهم والميثاق واحد وبعبارة اخرى يجوز أن يراد بالنبيين المأخوذ لهم الميثاق والمأخوذ منهم الميثاق إلا أن سياق قوله تعالى ما كان لبشر أن يؤتيه الله إلى آخر الآيتين في اتصاله بهذه الآية يؤيد كون المراد بالنبيين هم الذين أخذ منهم الميثاق فإن وحدة السياق تعطي أن المراد أن النبيين بعد ما آتاهم الله الكتاب والحكم والنبوة لا يتأتى لهم أن يدعوا إلى الشريك وكيف يتأتى لهم ذلك وقد أخذ منهم الميثاق

[ 333 ]

على الايمان والنصرة لغيرهم من النبيين الذين يدعون إلى توحيد الله سبحانه فالانسب أن يبدأ بذكر الميثاق من حيث أخذه من النبيين. وقوله لما آتيتكم من كتاب وحكمة القراءة المشهورة وهي قراءة غير حمزة بفتح اللام والتخفيف في لما وعليها فما موصولة وآتيتكم وقرأ آتيناكم صلته والضمير محذوف يدل عليه قوله من كتاب وحكمة والموصول مبتدأ حبره قوله لتؤمنن به الخ واللام في لما ابتدائية وفي لتؤمنن به لام القسم والمجموع بيان للميثاق المأخوذ والمعنى للذي آتيتكموه من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم آمنتم به ونصرتموه البتة. ويمكن أن يكون ماشرطية وجزاؤها قوله لتؤمنن به والمعنى مهما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه وهذا أحسن لان دخول اللام المحذوف قسمها في الجزاء أشهر والمعنى عليه أسلس وأوضح والشرط في موارد المواثيق أعرف وأما قراءة كسر اللام في لما فاللام فيها للتعليل وما موصولة والترجيح لقراءة الفتح. والخطاب في قوله آتيتكم وقوله جاءكم وإن كان بحسب النظر البدؤي للنبيين لكن قوله بعد أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قرينة على أن الخطاب للنبيين واممهم جميعا أي ان الخطاب مختص بهم وحكمه شامل لهم ولاممهم جميعا فعلى الامم أن يؤمنوا وينصروا كما على النبيين أن يؤمنوا وينصروا. وظاهر قوله ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم التراخي الزماني أي أن على النبي السابق أن يؤمن وينصر النبي اللاحق وأما ما يظهر من قوله قل آمنا بالله إلخ أن الميثاق مأخوذ من كل من السابق واللاحق للاخر وأن على اللاحق أن يؤمن وينصر السابق كالعكس فإنما هو أمر يشعر به فحوى الخطاب دون لفظ الآية كما سيجئ إن شاء الله العزيز. وقوله لتؤمن به ولتنصرنه الضمير الاول وإن كان من الجائز أن يرجع إلى الرسول كالضمير الثاني إذ لا ضير في إيمان نبي لنبي آخر قال تعالى آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله الآية: البقرة - 285

[ 334 ]

لكن الظاهر من قوله قل آمنا بالله وبما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم إلخ رجوعه إلى ما أوتوا من كتاب وحكمة ورجوع الضمير الثاني إلى الرسول والمعنى لتؤمنن بما آتيتكم من كتاب وحكمة ولتنصرن الرسول الذي جاءكم مصدقا لما معكم قوله تعالى قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا الاستفهام للتقرير والاقرار معروف والاصر هو العهد وهو مفعول أخذتم وأخذ العهد يستلزم مأخوذا منه غير الآخذ وليس إلا أمم الانبياء فالمعنى أأقررتم أنتم بالميثاق وأخذتم على ذلكم عهدي من اممكم قالوا أقررنا. وقيل المراد بأخذ العهد قبول الانبياء ذلك لانفسهم فيكون قوله وأخذتم على ذلكم إصري عطف بيان لقوله أقررتم ويؤيده قوله قالوا أقررنا من غير أن يذكر الاخذ في الجواب وعلى هذا يكون الميثاق لا يتعدى الانبياء إلى غيرهم من الامم ويبعده قوله قال فاشهدوا لظهور الشهادة في أنها على الغير وكذا قوله بعد قل آمنا بالله الخ من غير أن يقول قل آمنت فإن ظاهره أنه إيمان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قبل نفسه وامته إلا أن يقال إن اشتراك الامم مع الانبياء إنما يستفاد من هاتين الجملتين أعني قوله فاشهدوا وقوله قل آمنا بالله من غير أن يفيد قوله وأخذتم في ذلك شيئا. قوله تعالى قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ظاهر الشهادة كما مر أن يكون على الغير فهي شهادة من الانبياء واممهم جميعا ويشهد لذلك كما مر قوله قل آمنا بالله ويشهد لذلك السياق أيضا فإن الآيات مسوقة للاحتجاج على أهل الكتاب في تركهم إجابة دعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما أنها تحتج عليهم في ما نسبوه إلى عيسى وموسى عليهما السلام وغيرهما كما يدل عليه قوله تعالى أ فغير دين الله يبغون وغيره. وربما يقال إن المراد بقوله فأشهدوا شهادة بعض الانبياء على بعض كما ربما يقال إن المخاطبين بقوله فاشهدوا هم الملائكة دون الانبياء. والمعنيان وإن كانا جائزين في نفسهما غير أن اللفظ غير ظاهر في شئ منهما بغير قرينة وقد عرفت أن القرينة على الخلاف. ومن اللطائف الواقعة في الآية أن الميثاق مأخوذ من النبيين للرسل على ما يعطيه

[ 335 ]

قوله وإذ أخذنا من النبيين إلى قوله ثم جاءكم رسول وقد مر في ذيل قوله تعالى كان الناس امة واحدة الآية: البقرة - 213 الفرق بين النبوة والرسالة وأن الرسول أخص مصداقا من النبي. فعلى ظاهر ما يفيده اللفظ يكون الميثاق مأخوذا من مقام النبوة لمقام الرسالة من غير دلالة على العكس. وبذلك يمكن المناقشة فيما ذكر بعضهم أن المحصل من معنى الآية أن الميثاق مأخوذ من عامة النبيين أن يصدق بعضهم بعضا ويأمر بعضهم بالايمان ببعض أي إن الدين واحد يدعو إليه جميع الانبياء وهو ظاهر. فمحصل معنى الآية على ما مر أن الله أخذ الميثاق من الانبياء واممهم أن لو آتاهم الله الكتاب والحكمة وجاءهم رسول مصدق لما معهم ليؤمنن بما آتاهم وينصرن الرسول وذلك من الانبياء تصديق من المتأخر للمتقدم والمعاصر وبشارة من المتقدم بالمتأخر وتوصية الامة ومن الامة الايمان والتصديق والنصرة ولازم ذلك وحدة الدين الالهي. وما ذكره بعض المفسرين أن المراد بالآية أن الله أخذ الميثاق من النبيين أن يصدقوا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ويبشروا أممهم بمبعثه فهو وإن كان صحيحا إلا أنه أمر يدل عليه سياق الآيات كما مرت الاشارة إليه دون الآية في نفسها لعموم اللفظ بل من حيث وقوع الآية ضمن الاحتجاج على أهل الكتاب ولومهم وعتابهم على انكبابهم على تحريف كتبهم وكتمان آيات النبوة والعناد والعتو مع صريح الحق. قوله تعالى فمن تولى بعد ذلك الخ تأكيد للميثاق المأخوذ المذكور والمعنى واضح. قوله تعالى أ فغير دين الله يبغون وله أسلم تفريع على الآية السابقة المتضمنة لاخذ ميثاق النبيين والمعنى فإذا كان دين الله واحدا وهو الذي أخذ عليه الميثاق من عامة النبيين واممهم وكان على المتقدم من الانبياء والامم أن يبشروا بالرسول المتأخر ويؤمنوا بما عنده ويصدقوه فماذا يقصده هؤلاء معاشر أهل الكتاب وقد كفروا بك وظاهر حالهم أنهم يبغون الدين فهل يبغون غير الاسلام الذي هو دين الله الوحيد

[ 336 ]

ولذلك لا يصدقونك ولا يتمسكون بدين الاسلام مع أنه كان يجب عليهم الاعتصام بالاسلام لانه الدين الذي يبتني على الفطرة وكذلك يجب أن يكون الدين والدليل عليه أن من في السموات والارض من اولي العقل والشعور مسلمون لله في مقام التكوين فيجب أن يسلموا عليه في مقام التشريع. قوله تعالى وله أسلم من في السموات والارض طوعا وكرها هذا الاسلام الذي يعم من في السموات والارض ومنهم أهل الكتاب الذين يذكر أنهم غير مسلمين ولفظ أسلم صيغة ماض ظاهره المضي والتحقق لا محالة وهو التسليم التكويني لامر الله دون الاسلام بمعنى الخضوع العبودي ويؤيده أو يدل عليه قوله طوعا وكرها. وعلى هذا فقوله وله أسلم من قبيل الاكتفاء بذكر الدليل والسبب عن ذكر المدلول والمسبب وتقدير الكلام أفغير الاسلام يبغون وهو دين الله لان من في السموات والارض مسلمون له منقادون لامره فإن رضوا به كان انقيادهم طوعا من أنفسهم وإن كرهوا ما شائه وأرادوا غيره كان الامر أمره وجرى عليهم كرها من غير طوع. ومن هنا يظهر أن الواو في قوله طوعا وكرها للتقسيم وأن المراد بالطوع والكره رضاهم بما أراد الله فيهم مما يحبونه وكراهتهم لما أراده فيهم مما لا يحبونه كالموت والفقر والمرض ونحوها. قوله تعالى وإليه يرجعون هذا سبب آخر لوجوب ابتغاء الاسلام دينا فإن مرجعهم إلى الله موليهم الحق لا إلى ما يهديهم إليه كفرهم و شركهم. قوله تعالى قل آمنا بالله وما أنزل علينا أمر النبي أن يجري على الميثاق الذي أخذ منه ومن غيره فيقول عن نفسه وعن المؤمنين من امته آمنا بالله وما أنزل علينا الخ. وهذا من الشواهد على أن الميثاق مأخوذ من الانبياء واممهم جميعا كما مرت الاشارة إليه آنفا. قوله تعالى وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل إلى آخر الآية هؤلاء المذكورون بأسمائهم هم الانبياء من آل إبراهيم ولا تخلو الآية من إشعار بأن المراد بالاسباط

[ 337 ]

هم الانبياء من ذرية يعقوب أو من أسباط بني إسرائيل كداود وسليمان ويونس وأيوب وغيرهم. وقوله والنبيون من ربهم تعميم للكلام ليشمل آدم ونوحا ومن دونهما ثم جمع الجميع بقوله لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. قوله تعالى ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه الخ نفي لغير مورد الاثبات من الميثاق المأخوذ وفيه تأكيد لوجوب الجري على الميثاق.

( بحث روائي )

 في المجمع عن أمير المؤمنين عليه السلام: إن الله أخذ الميثاق على الانبياء قبل نبينا - أن يخبروا اممهم بمبعثه ونعته - ويبشروهم به ويأمروهم بتصديقه وفي الدر المنثور أخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال لم يبعث الله نبيا آدم فمن بعده - إلا أخذ عليه العهد في محمد - لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه - ويأمره فيأخذ العهد على قومه ثم تلا - وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة الآية. اقول والروايتان تفسران الآية بمجموع ما يدل عليه اللفظ والسياق كما مر. وفي المجمع والجوامع عن الصادق عليه السلام: في الآية معناه وإذ أخذ الله ميثاق امم النبيين كل أمة بتصديق نبيها والعمل بما جائهم به - فما وفوا به وتركوا كثيرا من شرائعهم وحرفوا كثيرا. أ قول وما ذكر في الرواية من قبيل ذكر المصداق المنطبقة عليه الآية فلا ينافي شمول المراد بالآية الانبياء وأممهم جميعا. وفي المجمع أيضا عن أمير المؤمنين عليه السلام: في قوله تعالى أأقررتم وأخذتم الآية - قال أأقررتم وأخذتم العهد بذلك على اممكم - قالوا أي قال الانبياء واممهم - أقررنا بما أمرتنا

[ 338 ]

بالاقرار به قال الله - فاشهدوا بذلك على اممكم - وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعلى اممكم وفي الدر المنثور أخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب: في قوله قال فاشهدوا يقول فاشهدوا على أممكم بذلك - وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعليهم - فمن تولى عنك يا محمد بعد هذا العهد من جميع الامم - فاولئك هم الفاسقون هم العاصون في الكفر. أقول وقد مر توجيه معنى الرواية. وفي تفسير القمي عن الصادق عليه السلام: قال لهم في الذر - أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري أي عهدي - قالوا أقررنا قال الله للملائكة فاشهدوا. أقول لفظ الآية لا يأباه وإن كان لا يستفاد من ظاهره كما تقدم. وفي الدر المنثور: في قوله تعالى ومن يبتغ غير الاسلام دينا الآية: أخرج أحمد والطبراني في الاوسط عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تجئ الاعمال يوم القيامة فتجئ الصلوة فتقول - يا رب أنا الصلوة فيقول إنك على خير - وتجئ الصدقة فتقول يا رب أنا الصدقة - فيقول إنك على خير - ثم يجئ الصيام فيقول أنا الصيام فيقول إنك على خير - ثم تجئ الاعمال كل ذلك يقول الله - إنك على خير بك اليوم آخذ وبك أعطي - قال الله في كتابه ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه - وهو في الآخرة من الخاسرين وفي التوحيد وتفسير العياشي: في الآية عن الصادق عليه السلام هو توحيدهم لله عز وجل. أقول التوحيد المذكور يلازم التسليم في جميع ما يريده الله تعالى من عباده فيرجع إلى المعنى الذي قدمناه في البيان. ولو اريد به مجرد نفي الشريك كان الطوع والكره هما الدلالة الاختيارية والاضطرارية. واعلم أن هيهنا عدة روايات أخر رواها العياشي والقمي في تفسيريهما وغيرهما

[ 339 ]

في معنى قوله وإذ أخذ الله ميثاق النبيين الآية وفيها لتؤمنن برسول الله ولتنصرن أمير المؤمنين عليهما الصلوة والسلام وظاهرها تفسير الآية بإرجاع ضمير لتؤمنن به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وضمير ولتنصرنه إلى أمير المؤمنين عليه السلام من غير دليل يدل عليه من اللفظ. لكن في ما رواه العياشي ما رواه عن سلام بن المستنير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لقد تسموا باسم ما سمي الله به أحدا - إلا علي بن أبي طالب وما جاء تأويله - قلت جعلت فداك متى يجئ تأويله قال - إذا جاء جمع الله أمامه النبيين والمؤمنين - حتى ينصروه وهو قول الله - وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة إلى قوله - وأنا معكم من الشاهدين. وبذلك يهون أمر الاشكال فإنه إنما يرد لو كانت الروايات واردة مورد التفسير وأما التأويل فقد عرفت أنه ليس من قبيل المعنى ولا مرتبطا باللفظ في ما تقدم من تفسير قوله هو الذي أنزل عليك الكتاب الآية: آل عمران - 7 = كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجائهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين (86) - أولئك جزائهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (87) - خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (88) - إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (89) - إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون (90) - إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من

[ 340 ]

أحدهم مل ء الارض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين (91))

( بيان )

 الآيات ممكنة الارتباط بما تقدمها من الكلام على أهل الكتاب وإن كان يمكن أن تستقل بنفسها وتنفصل عما تقدمها وهو ظاهر. قوله تعالى كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم الاستفهام يفيد الاستبعاد والانكار والمراد به استحالة الهداية وقد ختم الآية بقوله والله لا يهدي القوم الظالمين وقد مر في نظير هذه الجملة أن الوصف مشعر بالعلية أي لا يهديهم مع وجود هذا الوصف فيهم وذلك لا ينافي هدايته لهم على تقدير رجوعهم وتوبتهم منه. وأما قوله وشهدوا أن الرسول حق فإن كان المراد بهم أهل الكتاب فشهادتهم هو مشاهدتهم أن آيات النبوة التي عندهم منطبقة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما يفيده قوله وجائهم البينات وإن كان المراد بهم أهل الردة من المسلمين فشهادتهم هي إقرارهم بالرسالة لا إقرارا صوريا مبنيا على الجهالة والحمية ونحوهما بل إقرارا مستندا إلى ظهور الامر كما يفيده قوله وجائهم البينات. وكيف كان الامر فانضمام قوله وشهدوا الخ إلى أول الكلام يفيد أن المراد بالكفر هو الكفر بعد ظهور الحق وتمام الحجة فيكون كفرا عن عناد مع الحق ولجاج مع أهله وهو البغي بغير الحق والظلم الذي لا يهتدي صاحبه إلى النجاة والفلاح. وقد قيل في قوله وشهدوا الخ إنه معطوف على قوله إيمانهم لما فيه من معنى الفعل والتقدير كفروا بعد أن آمنوا وشهدوا الخ أو أن الواو للحال والجملة حالية بتقدير قد. قوله تعالى اولئك جزائهم أن عليهم لعنة الله إلى قوله ولا هم ينظرون قد مر الكلام في معنى عود جميع اللعنة عليهم في تفسير قوله تعالى اولئك يلعنم الله ويلعنهم اللاعنون: البقرة - 159. قوله تعالى إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا الخ أي دخلوا في الصلاح والمراد به كون توبتهم نصوحا تغسل عنهم درن الكفر وتطهر باطنهم بالايمان وأما

[ 341 ]

الاتيان بالاعمال الصالحة فهو وإن كان مما يتفرع على ذلك ويلزمه غير أنه ليس بمقوم لهذه التوبة ولا ركنا منها ولا في الآية دلالة عليه. وفي قوله فإن الله غفور رحيم وضع العلة موضع المعلول والتقدير فيغفر الله له ويرحمه فإن الله غفور رحيم. قوله تعالى إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا إلى آخر الآيتين تعليل لما يشتمل عليه قوله أولا كيف يهدي الله قوما كفروا الخ وهو من قبيل التعليل بتطبيق الكلي العام على الفرد الخاص والمعنى أن الذي يكفر بعد ظهور الحق وتمام الحجة عليه ولا يتوب بعده توبة مصلحة إنما هو أحد رجلين إما كافر يكفر ثم يزيد كفرا فيطغي ولا سبيل للصلاح إليه فهذا لا يهديه الله ولا يقبل توبته لانه لا يرجع بالحقيقة بل هو منغمر في الضلال ولا مطمع في اهتدائه. وإما كافر يموت على كفره وعناده من غير توبة يتوبها فلا يهديه الله في الآخرة بأن يدخله الجنة إذ لم يرجع إلى ربه ولا بدل لذلك حتى يفتدي به ولا شفيع ولا ناصر حتى يشفع له أو ينصره. ومن هنا يظهر أن قوله واولئك هم الضالون باشتماله على اسمية الجملة والاشارة البعيدة في اولئك وضمير الفصل والاسمية واللام في الخبر يدل على تأكد الضلال فيهم بحيث لا ترجى هدايتهم. وكذا يظهر أن المراد بقوله وما لهم من ناصرين نفي انتفاعهم بالشفعاء الذين هم الناصرون يوم القيامة فإن الاتيان بصيغة الجمع يدل على تحقق ناصرين يوم القيامة كما مر نظيره في الاستدلال على الشفاعة بقوله تعالى فما لنا من شافعين الآية في مبحث الشفاعة آية 48 من سورة البقرة فارجع إليه. وقد اشتملت الآية الثانية على ذكر نفي الفداء والناصرين لكونهما كالبدل والبدل إنما يكون من فائت يفوت الانسان وقد فاتتهم التوبة في الدنيا ولا بدل لها يحل محلها في الآخرة. ومن هنا يظهر أن قوله وماتوا وهم كفار في معنى وفاتتهم التوبة فلا ينتقض هذا البيان الظاهر في الحصر بما ذكره الله تعالى في قوله وليست التوبة للذين يعملون

[ 342 ]

السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار اولئك أعتدنا لهم عذابا أليما: النساء - 18 فإن المراد بحضور الموت ظهور آثار الآخرة وانقطاع الدنيا وتفوت عند ذلك التوبة. والمل ء في قوله مل ء الارض ذهبا مقدار ما يسعه الاناء من شئ فاعتبر الارض إناء يملاه الذهب فالجملة من قبيل الاستعارة التخييلية والاستعارة بالكناية.

( بحث روائي )

 في المجمع: في قوله تعالى كيف يهدي الله قوما الآية - قيل نزلت الآيات في رجل من الانصار - يقال له حارث بن سويد بن الصامت - وكان قتل المجدر بن زياد البلوي غدرا - وهرب وارتد عن الاسلام ولحق بمكة - ثم ندم فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - هل لي من توبة فسألوا فنزلت الآية إلى قوله - إلا الذين تابوا فحملها إليه رجل من قومه فقال - إني لاعلم أنك لصدوق ورسول الله أصدق منك - وان الله أصدق الثلاثة ورجع إلى المدينة وتاب وحسن إسلامه: عن مجاهد والسدي وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام وفي الدر المنثور أخرج ابن إسحق وابن المنذر عن ابن عباس ": أن الحارث بن سويد قتل المجدر بن زياد - وقيس بن زيد أحد بني ضبيعة يوم أحد - ثم لحق بقريش فكان بمكة ثم بعث إلى أخيه الجلاس - يطلب التوبة ليرجع إلى قومه فأنزل الله فيه - كيف يهدى الله قوما إلى آخر القصة. اقول وروى القصة بطرق اخرى وفيها اختلافات ومن جملتها ما رواه عن عكرمة ": أنها نزلت في أبي عامر الراهب - والحارث بن سويد بن الصامت ووحوح بن الاسلت - في اثني عشر رجلا رجعوا عن الاسلام ولحقوا بقريش - ثم كتبوا إلى أهلهم هل لنا من توبة - فنزلت إلا الذين تابوا من بعد ذلك الآيات ومنها ما في المجمع ": في قوله تعالى - إن الذين كفروا بعد ايمانهم ثم أزدادوا الآية - أنها نزلت في أحد عشر من أصحاب الحارث بن سويد - لما رجع الحارث قالوا نقيم بمكة على الكفر ما بدا لنا - فمتى ما أردنا الرجعة رجعنا فينزل فينا - ما نزل في الحارث فلما

[ 343 ]

افتتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة دخل في الاسلام - من دخل منهم فقبلت توبته فنزل فيمن مات منهم كافرا - إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار الآية - نسبها إلى بعضهم. وقيل إنها نزلت في أهل الكتاب وقيل إن قوله تعالى إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا الآية نزلت في اليهود خاصة حيث آمنوا ثم كفروا بعيسى ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وآله وعليهما وقيل غير ذلك. والتأمل في هذه الاقوال والروايات يعطي أن جميعها من الانظار الاجتهادية من سلف المفسرين كما تنبه له بعضهم. وأما الرواية عن الصادق عليه السلام فمرسلة ضعيفة على أن من الممكن أن يتعدد أسباب النزول في آية أو آيات والله أعلم = لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شئ فإن الله به عليم (92) - كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين (93) - فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون (94) - قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (95))

( بيان )

 ارتباط الآية الاولى بما قبلها غير واضح ومن الممكن أن لا تكون نازلة في ضمن بقية الآيات التي لا غبار على ارتباط بعضها ببعض وقد عرفت نظير هذا الاشكال في قوله تعالى قل يا أهل الكتاب تعالوا الآية: آل عمران - 64 من حيث تاريخ النزول.

[ 344 ]

وربما يقال إن الخطاب في الآية موجه إلى بني إسرائيل ولا يزال موجها إليهم ومحصل المعنى بعد ما مر من توبيخهم ولومهم على حب الدنيا وإيثار المال والمنال على دين الله أنكم كاذبون في دعويكم أنكم منسوبون إلى الله سبحانه وأنبيائه وأنكم أهل البر والتقوى فإنكم تحبون كرائم أموالكم وتبخلون في بذلها ولا تنفقون منها إلا الردي الذي لا تتعلق به النفوس مما لا يعبأ بزواله وفقده مع أنه لا ينال البر إلا بإنفاق الانسان ما يحبه من كرائم ماله ولا يفوت الله سبحانه حفظه هذا محصل ما قيل وفيه تمحل ظاهر. وأما بقية الآيات فارتباطها بالبيانات السابقة ظاهر لا غبار عليه. قوله تعالى لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون النيل هو الوصول والبر هو التوسع في فعل الخير قال الراغب البر خلاف البحر وتصور منه التوسع فاشتق منه البر أي التوسع في فعل الخير انتهى. ومراده من فعل الخير أعم مما هو فعل القلب كالاعتقاد الحق والنية الطاهرة أو فعل الجوارح كالعبادة لله والانفاق في سبيل الله تعالى وقد اشتمل على القسمين جميعا قوله تعالى ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلوة وآتي الزكوة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس الآية: البقرة - 177. ومن انضمام الآية إلى قوله لن تنالوا البر الآية يتبين أن المراد بها أن إنفاق المال على حبه أحد أركان البر التي لا يتم إلا باجتماعها نعم جعل الانفاق غاية لنيل البر لا يخلو عن العناية والاهتمام بأمر هذا الجزء بخصوصه لما في غريزة الانسان من التعلق القلبي بما جمعه من المال وعده كأنه جزء من نفسه إذا فقده فكأنه فقد جزء من حيوة نفسه بخلاف سائر العبادات والاعمال التي لا يظهر معها فوت ولا زوال منه. ومن هنا يظهر ما في قول بعضهم إن البر هو الانفاق مما تحبون وكأن هذا القائل جعلها من قبيل قول القائل لا تنجو من ألم الجوع حتى تأكل ونحو ذلك لكنه محجوج بما مر من الآية.

[ 345 ]

ويتبين من آية البقرة المذكورة أيضا أن المراد بالبر هو ظاهر معناه اللغوي أعني التوسع في الخير فإنها بينته بمجامع الخيرات الاعتقادية والعملية ومنه يظهر ما في قول بعضهم أن المراد بالبر هو إحسان الله وإنعامه وما في قول آخرين أن المراد به الجنة. قوله تعالى وما تنفقوا من شئ فإن الله به عليم تطبيب لنفوس المنفقين أن ما ينفقونه من المال المحبوب عندهم لا يذهب مهدورا من غير أجر فإن الله الذي يأمرهم به عليم بإنفاقهم وما ينفقونه. قوله تعالى كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة الطعام كل ما يطعم ويتغذى به وكان يطلق عند أهل الحجاز على البر خاصة وينصرف إليه عندهم لدى الاطلاق والحل مقابل الحرمة وكأنه مأخوذ من الحل مقابل العقد والعقل فيفيد معنى الاطلاق وإسرائيل هو يعقوب النبي عليه السلام سمي به لانه كان مجاهدا في الله مظفرا به ويقول أهل الكتاب إن معناه المظفر الغالب على الله سبحانه لانه صارع الله في موضع يسمى فنيئيل فغلبه على ما في التوراة وهو مما يكذبه القرآن ويحيله العقل. وقوله إلا ما حرم إسرائيل على نفسه استثناء من الطعام المذكور آنفا وقوله من قبل أن تنزل التوراة متعلق بكان في الجملة الاولى والمعنى لم يحرم الله قبل نزول التوراة شيئا من الطعام على بني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه. وفي قوله تعالى قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين دلالة على أنهم كانوا ينكرون ذلك أعني حلية كل الطعام عليهم قبل التوراة ويدل عليه أنهم كانوا ينكرون النسخ في الشرائع ويحيلون ذلك كما مر ذكره في ذيل قوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها الآية: البقرة - 106 فهم كانوا ينكرون بالطبع قوله تعالى فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات احلت لهم: النساء - 160. وكذا يدل قوله تعالى بعد قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا أهم كانوا يجعلون ما ينكرونه من حلية كل الطعام عليهم قبل التوراة وكون التحريم إنما نزل عليهم لظلمهم بنسخ الحل بالحرمة وسيلة إلى إلقاء الشبهة على المسلمين والاعتراض على ما كان يخبر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ربه أن دينه هو ملة إبراهيم الحنيف وهي ملة فطرية لا إفراط فيها ولا تفريط كيف وهم كانوا يقولون إن إبراهيم كان

[ 346 ]

يهوديا على شريعة التوراة فكيف يمكن أن تشتمل ملته على حلية ما حرمتها التوراة والنسخ غير جائز. فقد تبين أن الآية إنما تتعرض لدفع شبهة أوردتها اليهود ويظهر من عدم تعرض الآية لنقل الشبهة عنهم كما يجري عليه القرآن في غالب الموارد كقوله تعالى وقالت اليهود يد الله مغلولة: المائدة - 64 وقوله وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة: البقرة - 80 وقوله وقالوا قلوبنا غلف: البقرة - 88 إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. وكذا قوله تعالى بعد عدة آيات قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن إلى أن قال يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين اوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين الآيات: آل عمران - 100 وبالجملة يظهر من ذلك أنها كانت شبهة تلقيه اليهود لا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بل على المؤمنين في ضمن ما كانوا يتلاقون ويتحاورون. وحاصلها أنه كيف يكون النبي صادقا وهو يخبر بالنسخ وأن الله إنما حرم الطيبات على بني إسرائيل لظلمهم وهذا نسخ لحل سابق لا يجوز على الله سبحانه بل المحرمات محرمة دائما من غير إمكان تغيير لحكم الله وحاصل الجواب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتعليم من الله تعالى أن التوراة ناطقة بكون كل الطعام حلا قبل نزولها فأتوا بالتوراة واتلوها إن كنتم صادقين في قولكم وهو قوله تعالى كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلى قوله إن كنتم صادقين فإن أبيتم الاتيان بالتوراة وتلاوتها فاعترفوا بأنكم المفترون على الله الكذب وأنكم الظالمون وذلك قوله تعالى فمن افترى إلى قوله ظالمون. وقد تبين بذلك أني صادق في دعوتي فاتبعوا ملتي وهي ملة إبراهيم حنيفا وذلك قوله تعالى قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم إلى آخر الآية. وللمفسرين في توضيح معنى الآية بيانات مختلفة لكنهم على أي حال ذكروا أن الآية متعرضة لبيان شبهة أوردتها اليهود مرتبطة بالنسخ كما مر. وأعجب ما قيل في المقام ما ذكره بعضهم أن الآية متعرضة لجواب شبهة

[ 347 ]

أوردتها اليهود في النسخ وتقريرها أن اليهود كأنها قالت إذا كنت يا محمد على ملة إبراهيم والنبيين بعده كما تدعي فكيف تستحل ما كان محرما عليه وعليهم كلحم الابل أما وقد استبحت ما كان محرما عليهم فلا ينبغي لك أن تدعي أنك مصدق لهم وموافق في الدين ولا أن تخص إبراهيم بالذكر فتقول إني أولى به. ومحصل الجواب أن كل الطعام كان حلا لعامة الناس ومنهم بنو إسرائيل لكن بني إسرائيل حرموا أشياء على أنفسهم بما ارتكبوا من المعاصي والسيئات كما قال تعالى فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات احلت لهم الآية: النساء - 160 فالمراد بإسرائيل شعب إسرائيل كما هو مستعمل عندهم لا يعقوب وحده ومعنى تحريمهم ذلك على أنفسهم أنهم ارتكبوا الظلم واجترحوا السيئات فكانت سببا للتحريم وقوله من قبل أن تنزل التوراة متعلق بقوله حرم إسرائيل ولو كان المراد بقوله إسرائيل هو يعقوب نفسه لكان قوله من قبل أن تنزل التوراة لغوا زائدا من الكلام لبداهة أن يعقوب كان قبل التوراة زمانا فلا وجه لذكره. هذا محصل ما ذكره وذكر بعض آخر نظير ما ذكره إلا أنه قال إن المراد من تحريم بني إسرائيل على أنفسهم تحريمهم ذلك تشريعا من عند أنفسهم من غير أن يستند إلى وحي من الله سبحانه إلى بعض أنبيائهم كما كانت عرب الجاهلية تفعل ذلك على ما قصه الله تعالى في كتابه. وقد ارتكبا جميعا من التكلف ما لا يرتضيه ذو خبرة فأخرجا الكلام من مجراه وعمدة ما حملهما على ذلك حملهما قوله تعالى من قبل أن تنزل التوراة على أنه متعلق بقوله حرم إسرائيل مع كونه متعلقا بقوله كان حلا في صدر الكلام وقوله إلا ما حرم استثناء معترض. ومن ذلك يظهر أن لا حاجة إلى أخذ إسرائيل بمعنى بني إسرائيل كما توهما مستندين إلى عدم استقامة المعنى دونه. على أن إطلاق إسرائيل وإرادة بني إسرائيل وإن كان جائزا على حد قولهم بكر وتغلب ونزار وعدنان يريدون بني بكر وبني تغلب و بني نزار وبني عدنان لكنه في بني إسرائيل من حيث الوقوع استعمال غير معهود عند العرب في عهد النزول ولا

[ 348 ]

أن القرآن سلك هذا المسلك في هذه الكلمة في غير هذا المورد الذي يدعيانه مع أن بني إسرائيل مذكور فيه فيما يقرب من أربعين موضعا ومن جملتها نفس هذه الآية كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه فما هو الفرق على قولهما بين الموضعين في الآية حيث عبر عنهم أولا ببني إسرائيل ثم أردف ذلك بقوله إسرائيل مع أن المقام من أوضح مقامات الالتباس وناهيك في ذلك أن الجم الغفير من المفسرين فهموا منه أن المراد به يعقوب لا بنوه. ومن أحسن الشواهد على أن المراد به يعقوب قوله تعالى على نفسه بإرجاع ضمير المفرد المذكر إلى إسرائيل ولو كان المراد به بني إسرائيل لكان من اللازم أن يقال على نفسها أو على أنفسهم. قوله تعالى قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين أي حتى يتبين أن أي الفريقين على الحق أنا أم أنتم وهذا إلقاء جواب منه تعالى على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم. قوله تعالى فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فاولئك هم الظالمون ظاهره أنه كلام لله سبحانه يخاطب به نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وعلى هذا ففيه تطييب لنفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن أعدائه من اليهود هم الظالمون بعد هذا البيان لافترائهم الكذب على الله وتعريض لليهود والكلام يجري مجري الكناية. وأما احتمال كون الكلام من تتمة كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا يلائمه ظاهر إفراد خطاب الاشارة في قوله من بعد ذلك وعلى هذا أيضا يجري الكلام مجري الكناية والستر على الخصم المغلوب ليقع الكلام موقعه من القبول كما في قوله تعالى وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين: سبأ - 24 والمشار إليه بذلك هو البيان والحجة. وإنما قال من بعد ذلك مع أن المفتري ظالم على أي حال لان الظلم لا يتحقق قبل التبين كما قيل والقصر في قوله فاولئك هم الظالمون قصر قلب على أي حال. قوله تعالى قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا الخ أي فإذا كان الحق معي فيما أخبرتكم به ودعوتكم إليه فاتبعوا ديني واعترفوا بحليه لحم الابل وغيره من الطيبات التي أحلها الله وإنما كان حرمها عليكم عقوبة لاعتدائكم وظلمكم كما أخبر تعالى به.

[ 349 ]

فقوله فاتبعوا الخ كالكناية عن اتباع دينه وإنما لم يذكره بعينه لانهم كانوا معترفين بملة إبراهيم ليكون إشارة إلى كون ما يدعو إليه من الدين حنيفا فطريا لان الفطرة لا تمنع الانسان من أكل الطيبات من اللحوم وسائر الرزق.

( بحث روائي )

 في الكافي وتفسير العياشي عن الصادق عليه السلام: أن إسرائيل كان إذا أكل لحم الابل - هيج عليه وجع الخاصرة فحرم على نفسه لحم الابل - وذلك قبل أن تنزل التوراة - فلما نزلت التوراة لم يحرمه ولم يأكله. أقول وما يقرب منه مروي من طرق أهل السنة والجماعة. وقوله في الرواية لم يحرمه ولم يأكله ضميرا الفاعل راجعان إلى موسى لدلالة المقام عليه والمعنى لم يحرمه موسى ولم يأكله ويحتمل أن يكون لم يأكله من التأكيل بمعنى التمكين من الاكل ويظهر من التاج أن التفعيل والمفاعلة فيه بمعنى واحد = إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعالمين (96) - فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (97))

( بيان )

 الآيتان جواب عن شبهة اخرى كانت اليهود توردها على المؤمنين من جهة النسخ وهي ما حدث في أمر القبلة بتحويلها من بيت المقدس إلى الكعبة وقد مر في تفسير قوله تعالى فول وجهك شطر المسجد الحرام الآية: البقرة - 144 أن تحويل

[ 350 ]

القبلة كان من الامور الهامة التي كانت له تأثيرات عميقة مادية ومعنوية في حيوة أهل الكتاب وخاصة اليهود مضافا إلى كونه مخالفا لمذهبهم من النسخ ولذلك طالت المشاجرات والمشاغبات بينهم وبين المسلمين بعد نزول حكم القبلة إلى أمد بعيد. والمستفاد من الآية إن أول بيت الخ أنهم جمعوا في شبهتهم بين شبهة النسخ وبين انتساب الحكم إلى ملة إبراهيم فيكون محصل الشبهة أن الكعبة كيف يمكن أن يكون قبلة في ملة إبراهيم مع أن الله جعل بيت المقدس قبلة وهل هذا إلا القول بحكم نسخي في ملة إبراهيم الحقة مع كون النسخ محالا باطلا. والجواب أن الكعبة موضوعة للعبادة قبل غيرها كبيت المقدس فلقد بناها إبراهيم من غير شك ووضعها للعبادة وفيها آيات بينات تدل على ذلك كمقام إبراهيم وأما بيت المقدس فبانيه سليمان وهو بعد إبراهيم بقرون. قوله تعالى إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة إلى آخر الآية البيت معروف والمراد بوضع البيت للناس وضعه لعبادتهم وهو أن يجعلوه ذريعة يتوسل به إلى عبادة الله سبحانه ويستعان به فيها بأن يعبد الله فيه وبقصده والمسير إليه وغير ذلك والدليل على ذلك ما يشتمل عليه الكلام من كونه مباركا وهدى للعالمين وغير ذلك ويشعر به التعبير عن الكعبة بالذي ببكة فإن فيه تلويحا إلى ازدحام الناس عنده في الطواف والصلوة وغيرهما من العبادات والمناسك وأما كونه أول بيت بني على الارض ووضع لينتفع به الناس فلا دلالة على ذلك من جهة اللفظ. والمراد ببكة أرض البيت سميت بكة لازدحام الناس فيها وربما قيل إن بكة هي مكة وإنه من تبديل الميم باء كما في قولهم لازم ولازب وراتم وراتب ونحو ذلك وقيل هو اسم للحرم وقيل المسجد وقيل المطاف. والمباركة مفاعلة من البركة وهي الخير الكثير فالمباركة إفاضة الخير الكثير عليه وجعله فيه وهي وإن كانت تشمل البركات الدنيوية والاخروية إلا أن ظاهر مقابلتها مع قوله هدى للعالمين أن المراد بها إفاضة البركات الدنيوية وعمدتها وفور الارزاق وتوفر الهمم والدواعي إلى عمرانه بالحج إليه والحضور عنده والاحترام له وإكرامه فيؤول المعنى إلى ما يتضمنه قوله تعالى في دعوة إبراهيم ربنا إني أسكنت من ذريتي

[ 351 ]

بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلوة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وأرزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون: إبراهيم - 37. وكونه هدى هو إرائته للناس سعادة آخرتهم وإيصاله إياهم إلى الكرامة والقرب والزلفى بما وضعه الله للعبادة وبما شرع عنده من أقسام الطاعات والنسك ولم يزل منذ بناه إبراهيم مقصدا للقاصدين ومعبدا للعابدين. وقد دل القرآن على أن الحج شرع أول ما شرع في زمن إبراهيم عليه السلام بعد الفراغ من بنائه قال تعالى وعهدنا إلى إبراهيم وإسمعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود: البقرة - 125 وقال خطابا لابراهيم وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق: الحج - 27 والآية كما ترى تدل على أن هذا الاذان والدعوة سيقابل بتلبية عامة من الناس الاقربين والابعدين من العشائر والقبائل. ودل أيضا على أن هذا الشعار الالهي كان على استقراره ومعروفيته في زمن شعيب عند الناس كما حكاه الله عنه في قوله لموسى عليهما السلام إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك: القصص - 27 فقد أراد بالحج السنة وليس إلا لكون السنين تعد بالحج لتكررها بتكرره. وكذا في دعوة إبراهيم عليه السلام شئ كثير يدل على كون البيت لم يزل معمورا بالعبادة آية في الهداية راجع سورة إبراهيم. وكان عرب الجاهلية يعظمونه ويأتون بالحج بعنوان أنه من شرع إبراهيم وقد ذكر التاريخ أن سائر الناس أيضا كانوا يعظمونه وهذا في نفسه نوع من الهداية لما فيه من التوجه إلى الله سبحانه وذكره وأما بعد ظهور الاسلام فالامر أوضح وقد ملا ذكره مشارق الارض ومغاربها وهو يعرض نفسه لافهام الناس وقلوبهم بنفسه وبذكره وفي عبادات المسلمين وطاعاتهم وقيامهم وقعودهم ومذابحهم وسائر شؤونهم. فهو هدى بجميع مراتب الهداية آخذة من الخطور الذهني إلى الانقطاع التام الذي لا يمسه إلا المطهرون من عباد الله المخلصين

[ 352 ]

على أنه يهدي عالم المسلمين إلى سعادتهم الدنيوية التي هي وحدة الكلمة وائتلاف الامة وشهادة منافعهم ويهدي عالم غيرهم بإيقاظهم وتنبيههم إلى ثمرات هذه الوحدة وائتلاف القوى المختلفة المتشتتة. ومن هنا يظهر أولا أنه هدى إلى سعادة الدنيا والآخرة كما أنه هدى بجميع مراتب الهداية فالهداية مطلقة. وثانيا أنه هدى للعالمين لا لعالم خاص وجماعة مخصوصة كآل إبراهيم أو العرب أو المسلمين وذلك لما فيه من سعة الهداية. قوله تعالى فيه آيات بينات مقام إبراهيم الآيات وإن وصفت بالبينات وأفاد ذلك تخصصا ما في الموصوف إلا أنها مع ذلك لا تخرج عن الابهام والمقام مقام بيان مزايا البيت ومفاخره التي بها يتقدم على غيره في الشرف ولا يناسب ذلك إلا الاتيان ببيان واضح والوصف بما لا غبار عليه بالابهام والاجمال وهذا من الشواهد على كون قوله مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس إلى آخر الآية بيانا لقوله آيات بينات فالآيات هي مقام إبراهيم وتقرير الامن فيه وإيجاب حجه على الناس المستطيعين. لكن لا كما يترائى من بعض التفاسير من كون الجمل الثلاث بدلا أو عطف بيان من قوله آيات لوضوح أن ذلك يحتاج إلى رجوع الكلام بحسب التقدير إلى مثل قولنا هي مقام إبراهيم والامن لمن دخله وحجه لمن استطاع إليه سبيلا وفي ذلك إرجاع قوله ومن دخله سواء كان إنشاءا أو إخبارا إلى المفرد بتقدير أن وإرجاع قوله ولله على الناس وهي جملة إنشائية إلى الخبرية ثم عطفه على الجملة السابقة وتأويلها إلى المفرد بذلك أو بتقدير أن فيها أيضا وكل ذلك مما لا يساعد عليه الكلام البتة. وإنما سيقت هذه الجمل الثلاث أعني قوله مقام إبراهيم الخ كل لغرض خاص من إخبار أو إنشاء حكم ثم تتبين بها الآيات فتعطي فائدة البيان كما يقال فلان رجل شريف هو ابن فلان ويقري الضيف ويجب علينا أن نتبعه. قوله تعالى مقام إبراهيم مبتدأ لخبر محذوف والتقدير فيه مقام إبراهيم وهو الحجر الذي عليه أثر قدمي إبراهيم الخليل عليه السلام وقد استفاض النقل بأن الحجر مدفون

[ 353 ]

في المكان الذي يدعى اليوم بمقام إبراهيم على حافة المطاف حيال الملتزم وقد أشار إليه أبو طالب عم النبي في قصيدته اللامية

وموطئ ابراهيم في الصخر رطبة * على قدميه حافيا غير ناعل.

 وربما يفهم من قوله مقام إبراهيم أن البيت أو في البيت موضع قيام إبراهيم بعبادة الله سبحانه. ويمكن أن يكون تقدير الكلام هي مقام إبراهيم والامن والحج ثم وضع قوله ومن دخله وقوله ولله على الناس وهما جملتان مشتملتان على حكم إنشائي موضع الخبرين وهذا من أعاجيب اسلوب القرآن حيث يستخدم الكلام المسوق لغرض في سبيل غرض آخر فيضعه موضعه لينتقل منه إليه فيفيد فائدتين ويحفظ الجهتين كحكايه الكلام في موضع الاخبار كقوله كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله البقرة - 285 وكما مر في قوله تعالى ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه الآية: البقرة - 258 وقوله أو كالذي مر على قرية الآية: البقرة - 259 وقد بينا النكتة في ذلك في تفسير الثانية وكما في قوله تعالى يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم: الشعراء - 89 وكما في قوله تعالى ولكن البر من آمن بالله الآية: البقرة - 177 حيث وضع صاحب البر مكان البر وكما في قوله تعالى ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع الآية: البقرة - 171 ومثله غالب الامثال الواردة في القرآن الكريم. وعلى هذا فوزان قوله فيه آيات بينات مقام إبراهيم إلى قوله عن العالمين في التردد بين الانشاء والاخبار وزان قوله واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لاولي الالباب وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أو اب: ص - 44. و هذا الذي ذكرناه غير ما ذكره بعضهم من حديث البدلية وإن كان بدلا ولا بد فالاولى جعل قوله مقام إبراهيم بدلا وجعل الجملتين التاليتين مستأنفتين

[ 354 ]

دالتين على بدلين محذوفين والتقدير فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن الداخل وحج المستطيع للبيت. ولا ريب في كون كل واحد من هذه الامور آية بينة دالة بوقوعها على الله سبحانه مذكرة لمقامه إذ ليست الآية إلا العلامة الدالة على الشئ بوجه وأي علامة دالة عليه تعالى مذكرة لمقامه أعظم وأجلى في نظر أهل الدنيا من موقف إبراهيم ومن حرم آمن يأمن من دخله ومن مناسك وعبادات يأتي بها الالوف بعد الالوف من الناس تتكرر بتكرر السنين ولا تنسخ بانتساخ الليالي والايام وأما كون كل آية أمرا خارقا للعادة ناقضا للسنة الطبيعة فليس من الواجب ولا لفظ الآية بمفهومه يدل عليه ولا استعماله في القرآن ينحصر فيه قال تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها الآية: البقرة - 106 وهي تشمل الاحكام المنسوخة في الشرع قطعا وقال تعالى أتبنون بكل ريع آية تعبثون: الشعراء - 128 إلى غير ذلك من الآيات. ومن هنا يظهر ما في إصرار بعض المفسرين على توجيه كون المقام آية خارقة وكون الامن والحج مذكورين لغير غرض بيان الآية. وكذا إصرار آخرين على أن المراد بالآيات البينات امور اخر من خواص الكعبة وقد أغمضنا عن ذكرها ومن أرادها فليراجع بعض مطولات التفاسير فإن ذلك مبني على كون المراد من الآيات الآيات المعجزة وخوارق العادة ولا دليل على ذلك كما مر. فالحق أن قوله ومن دخله كان آمنا مسوق لبيان حكم تشريعي لا خاصة تكوينية غير أن الظاهر أن يكون الجملة إخبارية يخبر بها عن تشريع سابق للامن كما ربما استفيد ذلك من دعوة إبراهيم المذكورة في سورتي إبراهيم والبقرة وقد كان هذا الحق محفوظا للبيت قبل البعثة بين عرب الجاهلية ويتصل بزمن إبراهيم عليه السلام. وأما كون المراد من حديث الامن هو الاخبار بأن الفتن والحوادث العظام لا تقع ولا ينسحب ذيلها إلى الحرم فيدفعه وقوع ما وقع من الحروب والمقاتلات واختلال الامن فيه وخاصة ما وقع منها قبل نزول هذه الآية وقوله تعالى أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم: العنكبوت - 67 لا يدل على أزيد من استقرار الامن واستمراره في الحرم وليس ذلك إلا لما يراه الناس من

[ 355 ]

حرمة هذا البيت ووجوب تعظيمه الثابت في شريعة إبراهيم عليه السلام وينتهي بالاخرة إلى جعله سبحانه وتشريعه. وكذا ما وقع في دعاء إبراهيم المحكي في قوله تعالى رب اجعل هذا البلد آمنا: إبراهيم - 35 وقوله رب اجعل هذا بلدا آمنا: البقرة - 126 حيث سأل الامن لبلد مكة فأجابه الله بتشريع الامن وسوق الناس سوقا قلبيا إلى تسليم ذلك وقبوله زمانا بعد زمان. قوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا الحج بالكسر وقرئ بالفتح هو القصد ثم اختص استعماله بقصد البيت على نهج مخصوص بينه الشرع وقوله سبيلا تمييز من قوله استطاع. والآية تتضمن تشريع الحج إمضائا لما شرع لابراهيم عليه السلام كما يدل عليه قوله تعالى حكاية لما خوطب به إبراهيم وأذن في الناس بالحج الآية: الحج - 27 ومن هنا يظهر أن وزان قوله ولله على الناس إلخ وزان قوله تعالى ومن دخله كان آمنا في كونه إخبارا عن تشريع سابق وإن كان من الممكن أن يكون إنشاء على نحو الامضاء لكن الاظهر من السياق هو الاول كما لا يخفى. قوله تعالى ومن كفر فإن الله غني عن العالمين الكفر هيهنا من الكفر بالفروع نظير الكفر بترك الصلوة والزكوة فالمراد بالكفر الترك والكلام من قبيل وضع المسبب أو الاثر مقام السبب أو المنشأ كما أن قوله فإن الله غني إلخ من قبيل وضع العلة موضع المعلول والتقدير ومن ترك الحج فلا يضر الله شيئا فإن الله غني عن العالمين.

( بحث روائي )

 عن ابن شهرآشوب عن أمير المؤمنين عليه السلام: في قوله تعالى إن أول بيت وضع للناس الآية - فقال له رجل أهو أول بيت قال لا قد كان قبله بيوت - ولكنه أول بيت وضع للناس مباركا - فيه الهدى والرحمة والبركة - وأول من بناه إبراهيم ثم بناه قوم من العرب من جرهم - ثم هدم فبنته العمالقة ثم هدم فبناه قريش

[ 356 ]

وفي الدر المنثور أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق الشعبي عن علي بن أبي طالب: في قوله إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة قال كانت البيوت قبله ولكنه كان أول بيت وضع لعبادة الله. أقول ورواه أيضا عن ابن جرير عن مطر مثله والروايات في هذه المعاني كثيرة. وفي العلل عن الصادق عليه السلام: موضع البيت بكة والقرية مكة وفيه أيضا عنه عليه السلام: إنما سميت بكة بكة لان الناس يبكون فيها أقول يعني يزدحمون. وفيه عن الباقر عليه السلام: إنما سميت مكة بكة لانه يبك بها الرجال والنساء - المرأة تصلي بين يديك وعن يمينك وعن شمالك ومعك - ولا بأس بذلك إنما يكره ذلك في سائر البلدان وفيه عن الباقر عليه السلام قال: لما أراد الله أن يخلق الارض أمر الرياح - فضربن متن الماء حتى صار موجا ثم أزبد فصار زبدا واحدا - فجمعه في موضع البيت ثم جعله جبلا من زبد - ثم دحى الارض من تحته وهو قول الله - إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا - فأول بقعه خلقت من الارض الكعبة - ثم مدت الارض منها. اقول والاخبار في دحو الارض من تحت الكعبة كثيرة وليست مخالفة للكتاب ولا أن هناك برهانا يدفع ذلك غير ما كانت تزعمه القدماء من علماء الطبيعة أن الارض عنصر بسيط قديم وقد بان بطلان هذا القول بما لا يحتاج إلى بيان. وهذا تفسير ما ورد من الروايات في أن الكعبة أول بيت أي بقعة في الارض وإن كان الظاهر من الآية ما تشتمل عليه الروايتان الاوليان. وفي الكافي وتفسير العياشي عن الصادق عليه السلام: في قوله تعالى فيه آيات بينات أنه سئل ما هذه الآيات البينات قال - مقام إبراهيم حيث قام على الحجر فأثرت فيه قدماه - والحجر الاسود ومنزل إسماعيل. أقول وفي هذا المعنى روايات أخر ولعل ذكره هذه الامور من باب العد وإن لم تشتمل على بعضها الآية

[ 357 ]

وفي تفسير العياشي عن عبد الصمد قال: طلب أبو جعفر أن يشتري من أهل مكة بيوتهم - أن يزيد في المسجد فأبوا فأرغبهم فامتنعوا - فضاق بذلك فأتى أبا عبد الله عليه السلام فقال له - أني سألت هؤلاء شيئا من منازلهم وأفنيتهم - لنزيد في المسجد وقد منعوا في ذلك فقد غمني غما شديدا - فقال أبو عبد الله عليه السلام - لم يغمك ذلك وحجتك عليهم فيه ظاهرة فقال وبما أحتج عليهم - فقال بكتاب الله فقال في أي موضع فقال قول الله - إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة وقد أخبرك الله أن أول بيت وضع للناس هو الذي ببكة - فإن كانوا هم تولوا قبل البيت فلهم أفنيتهم - وإن كان البيت قديما فيهم فله فنائه - فدعاهم أبو جعفر فاحتج عليهم بهذا فقالوا له - اصنع ما أحببت وفيه عن الحسن بن علي بن النعمان قال: لما بنى المهدي في المسجد الحرام - بقيت دار في تربيع المسجد فطلبها من أربابها فامتنعوا - فسأل عن ذلك الفقهاء فكل قال له - إنه لا ينبغي أن تدخل شيئا في المسجد الحرام غصبا - فقال له علي بن يقطين يا أمير المؤمنين - إني أكتب إلى موسى بن جعفر عليهما السلام لاخبرك بوجه الامر في ذلك - فكتب إلى والي المدينة أن يسأل موسى بن جعفر عليهما السلام - عن دار أردنا أن ندخلها في المسجد الحرام - فامتنع عليها صاحبها فكيف المخرج من ذلك -. فقال ذلك لابي الحسن عليه السلام فقال ابو الحسن عليه السلام - فلا بد من الجواب في هذا فقال له - الامر لا بد منه فقال له اكتب - بسم الله الرحمن الرحيم - إن كانت الكعبة هي النازلة بالناس فالناس أولى بفنائها - وإن كان الناس هم النازلون بفناء الكعبة - فالكعبة أولى بفنائها -. فلما أتي الكتاب إلى المهدي أخذ الكتاب فقبله - ثم أمر بهدم الدار فأتى أهل الدار أبا الحسن عليه السلام فسألوه أن يكتب إلى المهدي كتابا في ثمن دارهم - فكتب إليه أن اوضح (1) لهم شيئا فأرضاهم. أقول و الروايتان مشتملتان على استدلال لطيف وكأن أبا جعفر المنصور كان هو البادئ بتوسعة المسجد الحرام ثم تم الامر للمهدي.

____________________________

(1) ارضخ (خ).

[ 358 ]

وفي الكافي عن الصادق عليه السلام: في قوله تعالى ولله على الناس حج البيت إلخ - يعني به الحج والعمرة جميعا لانهما مفروضان. أقول ورواه العياشي في تفسيره وقد فسر الحج فيه بمعناه اللغوي وهو القصد. وفي تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام: ومن كفر قال ترك. أقول ورواه الشيخ في التهذيب وقد عرفت أن الكفر ذو مراتب كالايمان وأن المراد منه الكفر بالفروع. وفي الكافي عن علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام في حديث قال: قلت فمن لم يحج منا فقد كفر قال لا - ولكن من قال ليس هذا هكذا فقد كفر. أقول والروايات في هذه المعاني كثيرة والكفر في الرواية بمعنى الرد والآية تحتمله فالكفر فيها بمعناه اللغوي وهو الستر على الحق وعلى حسب الموارد تتعين له مصاديق.

 ( بحث تاريخي )

 من المتواتر المقطوع به أن الذي بنى الكعبة إبراهيم الخليل عليه السلام وكان القاطنون حولها يومئذ ابنه إسماعيل وجرهم من قبائل اليمن وهي بناء مربع تقريبا وزواياها الاربع إلى الجهات الاربع تتكسر عليها الرياح ولا تضرها مهما اشتدت. ما زالت الكعبة على بناء إبراهيم حتى جددها العمالقة ثم بنو جرهم أو بالعكس كما مر في الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام. ثم لما آل أمر الكعبة إلى قصى بن كلاب أحد أجداد النبي صلى الله عليه وآله وسلم القرن الثاني قبل الهجرة هدمها وبناها فأحكم بنائها وسقفها بخشب الدوم وجذوع النخل وبنى إلى جانبها دار الندوة وكان في هذه الدار حكومته وشوراه مع أصحابه ثم قسم جهات الكعبة بين طوائف قريش فبنوا دورهم على المطاف حول الكعبة وفتحوا عليه أبواب دورهم. وقبل البعثة بخمس سنين هدم السيل الكعبة فاقتسمت الطوائف العمل لبنائها

[ 359 ]

وكان الذي يبنيها يا قوم الرومي ويساعده عليه نجار مصري ولما انتهوا إلى وضع الحجر الاسود تنازعوا بينهم في أن أيها يختص بشرف وضعه فرأوا أن يحكموا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وسنه إذ ذاك خمس وثلثون سنة لما عرفوا من وفور عقله وسداد رأيه فطلب رداء ووضع عليه الحجر وأمر القبائل فأمسكوا بأطرافه ورفعوه حتى إذا وصل إلى مكانه من البناء في الركن الشرقي أخذه هو فوضعه بيده في موضعه. وكانت النفقة قد بهظتهم فقصروا بنائها على ما هي عليه الآن وقد بقي بعض ساحته خارج البناء من طرف الحجر حجر إسماعيل لاستصغارهم البناء. وكان البناء على هذا الحال حتى تسلط عبد الله بن الزبير على الحجاز في عهد يزيد ابن معاوية فحاربه الحصين قائد يزيد بمكة وأصاب الكعبة بالمنجنيق فانهدمت وأحرقت كسوتها وبعض أخشابها ثم انكشف عنها لموت يزيد فرأى ابن الزبير أن يهدم الكعبة ويعيد بنائها فأتى لها بالجص النقي من اليمن وبناها به وأدخل الحجر في البيت وألصق الباب بالارض وجعل قبالته بابا آخر ليدخل الناس من باب ويخرجوا من آخر وجعل ارتفاع البيت سبعة وعشرين ذراعا ولما فرغ من بنائها ضمخها بالمسك والعبير داخلا وخارجا وكساها بالديباج وكان فراغه من بنائها 17 رجب سنه 64 هجرية. ثم لما تولى عبد الملك بن مروان الخلافة بعث الحجاج بن يوسف قائده فحارب ابن الزبير حتى غلبه فقتله ودخل البيت فأخبر عبد الملك بما أحدثه ابن الزبير في الكعبة فأمره بإرجاعها إلى شكلها الاول فهدم الحجاج من جانبها الشمالي ستة أذرع وشبرا وبنى ذلك الجدار على أساس قريش ورفع الباب الشرقي وسد الغربي ثم كبس أرضها بالحجارة التي فضلت منها. ولما تولى السلطان سليمان العثماني الملك سنة ستين وتسعمأة غير سقفها ولما تولى السلطان أحمد العثماني سنة إحدى وعشرين بعد الالف أحدث فيها ترميما ولما حدث السيل العظيم سنة تسع وثلثين بعد الالف هدم بعض حوائطها الشمالية والشرقية والغربية فأمر السلطان مراد الرابع من ملوك آل عثمان بترميمها ولم يزل على ذلك حتى اليوم وهو سنة ألف وثلاث مأة وخمس وسبعين هجرية قمرية وسنة ألف وثلاثمأه وثمانية وثلاثين هجرية شمسية.

[ 360 ]

شكل الكعبة شكل الكعبة مربع تقريبا وهي مبنية بالحجارة الزرقاء الصلبة ويبلغ ارتفاعها ستة عشر مترا وقد كانت في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخفض منه بكثير على ما يستفاد من حديث رفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليا عليه السلام على عاتقه يوم الفتح لاخذ الاصنام التي كانت على الكعبة وكسرها. وطول الضلع الذي فيه الميزاب والذي قبالته عشرة أمتار وعشرة سانتي مترات وطول الضلع الذي فيه الباب والذي قبالته اثنا عشر مترا والباب على ارتفاع مترين من الارض وفي الركن الذي على يسار الباب للداخل الحجر الاسود على ارتفاع متر ونصف من أرض المطاف والحجر الاسود حجر ثقيل بيضي الشكل غير منتظم لونه أسود ضارب إلى الحمرة وفيه نقط حمراء وتعاريج صفراء وهي أثر لحام القطع التي كانت تكسرت منه قطره نحو ثلثين سانتي مترا. وتسمى زوايا الكعبة من قديم أيامها بالاركان فيسمى الشمالي بالركن العراقي والغربي بالشامي والجنوبي باليماني والشرقي إلذي فيه الحجر الاسود بالاسود وتسمى المسافة التي بين الباب وركن الحجر بالملتزم لالتزام الطائف إياه في دعائه واستغاثته وأما الميزاب على الحائط الشمالي ويسمى ميزاب الرحمة فمما أحدثه الحجاج بن يوسف ثم غيره السلطان سليمان سنة 954 إلى ميزاب من الفضة ثم أبدله السلطان أحمد سنة 1021 بآخر من فضة منقوشة بالميناء الزرقاء يتخللها نقوش ذهبية ثم أرسل السلطان عبد المجيد من آل عثمان سنة 1273 ميزابا من الذهب فنصب مكانه وهو الموجود الآن. وقبالة الميزاب حائط قوسي يسمى بالحطيم وهو قوس من البناء طرفاه إلى زاويتي البيت الشمالية والغربية ويبعدان عنهما مقدار مترين وثلاثة سانتيمترات ويبلغ ارتفاعه مترا وسمكه مترا ونصف متر وهو مبطن بالرخام المنقوش والمسافة بين منتصف هذا القوس من داخله إلى منتصف ضلع الكعبة ثمانية أمتار وأربعة وأربعون سانتيمترا. والفضاء الواقع بين الحطيم وبين حائط البيت هو المسمى بحجر إسماعيل وقد كان يدخل منه ثلاثة أمتار تقريبا في الكعبة في بناء إبراهيم والباقي كان زريبة لغنم هاجر وولدها ويقال إن هاجر وإسماعيل مدفونان في الحجر. وأما تفصيل ما وقع في داخل البيت من تغيير وترميم وما للبيت من السنن

[ 361 ]

والتشريفات فلا يهمنا التعرض له. كسوة الكعبة قد تقدم في ما نقلناه من الروايات في سورة البقرة في قصة هاجر وإسماعيل ونزولهما أرض مكة أن هاجر علق كسائها على باب الكعبة بعد تمام بنائها. وأما كسوة البيت نفسه فيقال إن أول من كساها تبع أبو بكر أسعد كساها بالبرود المطرزة بأسلاك الفضة وتبعه خلفائه ثم أخذ الناس يكسونها بأردية مختلفة فيضعونها بعضها على بعض وكلما بلى منها ثوب وضع عليها آخر إلى زمن قصى ووضع قصى على العرب رفادة لكسوتها سنويا واستمر ذلك في بنيه وكان أبو ربيعة ابن المغيرة يكسوها سنة وقبائل قريش سنة. وقد كساها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالثياب اليمانية وكان على ذلك حتى إذا حج الخليفة العباسي المهدي شكى إليه سدنة الكعبة من تراكم الاكسية على سطح الكعبة وذكروا أنه يخشى سقوطه فأمر برفع تلك الاكسية وإبدالها بكسوة واحدة كل سنة وجرى العمل على ذلك حتى اليوم وللكعبة كسوة من داخل وأول من كساها من داخل ام العباس بن عبد المطلب لنذر نذرته في ابنها العباس. منزلة الكعبة كانت الكعبة مقدسة معظمة عند الامم المختلفة فكانت الهنود يعظمونها ويقولون إن روح سيفا وهو الاقنوم الثالث عندهم حلت في الحجر الاسود حين زار مع زوجته بلاد الحجاز. وكانت الصابئة من الفرس والكلدانيين يعدونها أحد البيوت السبعة المعظمة (1) وربما قيل إنه بيت زحل لقدم عهده وطول بقائه. وكانت الفرس يحترمون الكعبة أيضا زاعمين أن روح هرمز حلت فيها وربما حجوا إليها زائرين. وكانت اليهود يعظمونها ويعبدون الله فيها على دين إبراهيم وكان بها صور

____________________________

(1) البيت المعظمة هي: 1 - الكعبة 2 - مارس على رأس جبل باصفهان 3 - مندوسان ببلاد الهند 4 - نوبهار بمدينة بلخ 5 - بيت غمدان بمدينة صنعاء 6 - كلوسان بمدينة فرغانة من خراسان 7 - بيت بأعالي بلاد الصين.

[ 362 ]

وتماثيل منها تمثال إبراهيم وإسماعيل وبأيديهما الازلام ومنها صورتا العذراء والمسيح ويشهد ذلك على تعظيم النصارى لامرها أيضا كاليهود وكانت العرب أيضا تعظمها كل التعظيم وتعدها بيتا لله تعالى وكانوا يحجون إليها من كل جهة وهم يعدون البيت بناء لابراهيم والحج من دينه الباقي بينهم بالتوارث. ولاية الكعبة كانت الولاية على الكعبة لاسماعيل ثم لولده من بعده حتى تغلبت عليهم جرهم فقبضوا بولايتها ثم ملكتها العماليق وهم طائفة من بني كركر بعد حروب وقعت بينهم وقد كانوا ينزلون أسفل مكة كما أن جرهم كانت تنزل أعلى مكة وفيهم ملوكهم. ثم كانت الدائرة لجرهم على العماليق فعادت الولاية إليهم فتولوها نحوا من ثلاثمأة سنة وزادوا في بناء البيت ورفعته على ما كان في بناء إبراهيم. ثم لما نشأت ولد إسماعيل وكثروا وصاروا ذوي قوة ومنعة وضاقت بهم الدار حاربوا جرهم فغلبوهم وأخرجوهم من مكة ومقدم الاسماعيليين يومئذ عمرو بن لحى وهو كبير خزاعة فاستولى على مكة وتولى أمر البيت وهو الذي وضع الاصنام على الكعبة ودعى الناس إلى عبادتها وأول صنم وضعه عليها هو هبل حمله معه من الشام إلى مكة ووضعه عليها ثم أتبعه بغيره حتى كثرت وشاعت عبادتها بين العرب وهجرت الحنيفية. وفي ذلك يقول شحنة بن خلف الجرهمي يخاطب عمرو بن لحى.

يا عمرو إنك قد أحدثت آلهة * شتى بمكة حول البيت أنصابا.

وكان للبيت رب واحد أبدا * فقد جعلت له في الناس أربابا.

لتعرفن بأن الله في مهل * سيصطفي دونكم للبيت حجابا.

 وكانت الولاية في خزاعة إلى زمن حليل الخزاعي فجعلها حليل من بعده لابنته وكانت تحت قصي بن كلاب وجعل فتح الباب وغلقها لرجل من خزاعة يسمى أبا غبشان الخزاعي فباعه أبو غبشان من قصي بن كلاب ببعير وزق خمر وفي ذلك يضرب المثل السائر أخسر من صفقة أبي غبشان. فانتقلت الولاية إلى قريش وجدد قصي بناء البيت كما قدمناه وكان الامر على

[ 363 ]

ذلك حتى فتح النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكة ودخل الكعبة وأمر بالصور والتماثيل فمحيت وأمر بالاصنام فهدمت وكسرت وقد كان مقام إبراهيم وهو الحجر الذي عليه أثر قدمي إبراهيم موضوعا بمعجن في جوار الكعبة ثم دفن في محله الذي يعرف به الآن وهو قبة قائمة على أربعة أعمدة يقصدها الطائفون للصلاة. وأخبار الكعبة وما يتعلق بها من المعاهد الدينية كثيرد طويلة الذيل اقتصرنا منها على ما تمسه حاجة الباحث المتدبر في آيات الحج والكعبة. ومن خواص هذا البيت الذي بارك الله فيه وجعله هدى أنه لم يختلف في شأنه أحد من طوائف الاسلام = قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون (98) - قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون (99) - يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين (100) - وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم (101))

( بيان )

 الآيات كما ترى باتصال السياق تدل على أن أهل الكتاب فريق منهم وهم اليهود أو فريق من اليهود كانوا يكفرون بآيات الله ويصدون المؤمنين عن سبيل الله بارائته إياهم عوجا غير مستقيم وتمثيل سبيل الضلال المعوج المنحرف سبيلا لله

[ 364 ]

وذلك بإلقاء شبهات إلى المؤمنين يرون بها الحق باطلا والباطل الذي يدعونهم إليه حقا والآيات السابقة تدل على ماانحرفوا فيه من إنكار حلية كل الطعام قبل التوراة وإنكار نسخ استقبال بيت المقدس فهذه الآيات متممات للآيات السابقة المتعرضة لحل الطعام قبل التوراة وكون الكعبة أول بيت وضع للناس فهي تشتمل على الانكار والتوبيخ لليهود في إلقائهم الشبهات وتفتينهم المؤمنين في دينهم وتحذير للمؤمنين أن يطيعوهم فيما يدعون إليه فيكفروا بالدين وترغيب وتحريص لهم أن يعتصموا بالله فيهتدوا إلى صراط الايمان وتدوم هدايتهم. وقد ورد عن زيد بن أسلم كما رواه السيوطي في لباب النقول على ما قيل (1): أن شاش بن قيس وكان يهوديا - مر على نفر من الاوس والخزرج يتحدثون - فغاظه ما رأى من تألفهم بعد العداوة - فأمر شابا معه من اليهود أن يجلس بينهم - فيذكرهم يوم بعاث ففعل فتنازعوا وتفاخروا - حتى وثب رجلان أوس بن قرظي من الاوس - وجبار بن صخر من الخزرج فتقاولا وغضب الفريقان - وتواثبوا للقتال فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجاء - حتى وعظهم وأصلح بينهم فسمعوا وأطاعوا - فأنزل الله في أوس وجبار - يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا - من الذين اوتوا الكتاب الآية وفي شاش بن قيس - يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله الآية. والرواية مختصرة مستخرجة مما رواه في الدر المنثور عن زيد بن أسلم مفصلا وروي ما يقرب منها عن ابن عباس وغيره. وكيف كان الآيات أقرب انطباقا على ما ذكرنا منها على الرواية كما هو ظاهر على أن الآيات يذكر الكفر والايمان وشهادة اليهود وتلاوة آيات الله على المؤمنين ونحو ذلك وكل ذلك لما ذكرناه أنسب ويؤيد ذلك قوله تعالى ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم الآية: البقرة - 109 فالحق كما ذكرنا أن الآيات متممة لسابقتها. قوله تعالى قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله إلخ المراد بالآيات بقرينة وحدة السياق حلية الطعام قبل نزول التوراة وكون القبلة هي الكعبة في الاسلام.

____________________________

(1) المجلد الرابع من تفسير المنار: سورة آل عمران - تفسير الاية.

[ 365 ]

قوله تعالى قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله إلى قوله عوجا الصد الصرف وقوله تبغونها أي تطلبون السبيل وقوله عوجا العوج المعطوف المحرف والمراد طلب سبيل الله معوجا من غير استقامة. قوله تعالى وأنتم شهداء أي تعلمون أن الطعام كان حلا قبل نزول التوراة وأن من خصائص النبوة تحويل القبلة إلى الكعبة وقد حاذى في عدهم شهداء في هذه الآية ما في الآية السابقة من عد نفسه تعالى شهيدا على فعلهم وكفرهم وفيه من اللطف ما لا يخفى فهم شهداء على حقية ما ينكرونه والله شهيد علي إنكارهم وكفرهم ولما نسب الشهادة إليهم في هذه الآية أبدل ما ذيل به الآية السابقة أعني قوله والله شهيد على ما تعملون من قوله في ذيل هذه الآية وما الله بغافل عما تعملون فأفاد ذلك أنهم شهداء على الحقية والله سبحانه شهيد على الجميع. قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إلى قوله وفيكم رسوله المراد بالفريق كما تقدم هم اليهود أو فريق منهم وقوله تعالى وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله أي يمكنكم أن تعتصموا بالحق الذي يظهر لكم بالانصات إلى آيات الله والتدبر فيها ثم الرجوع فيما خفي عليكم منها لقلة التدبر أو الرجوع ابتداء إلى رسوله الذي هو فيكم غير محتجب عنكم ولا بعيد منكم واستظهار الحق بالرجوع إليه ثم إبطال شبه القتها اليهود إليكم والتمسك بآيات الله وبرسوله والاعتصام بهما اعتصام بالله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم. فالمراد بالكفر في قوله وكيف تكفرون الكفر بعد الايمان وقوله وأنتم تتلى عليكم كناية من إمكان الاعتصام في الاجتناب عن الكفر بآيات الله وبرسوله وقوله ويعتصم بالله بمنزلة الكبرى الكلية لذلك والمراد بالهداية إلى صراط مستقيم الاهتداء إلى إيمان ثابت وهو الصراط الذي لا يختلف ولا يتخلف أمره ويجمع سالكيه في مستواه ولا يدعهم يخرجون عن الطريق فيضلوا. وفي تحقيق الماضي في قوله فقد هدى مع حذف الفاعل دلالة على تحقق الفعل من غير شعور بفاعله. ويتبين من الآية أن الكتاب والسنة كافيان في الدلالة على كل حق يمكن أن يضل فيه

[ 366 ]

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (102) - واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون (103) - ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون (104) - ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم (105) - يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أ كفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (106) - وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون (107) - تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين (108) - ولله ما في السموات وما في الارض وإلى الله ترجع الامور (109) - كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون (110))

[ 367 ]

( بيان )

 الآيات من تتمة ما خاطب به المؤمنين بالتحذير من أهل الكتاب وتفتينهم وأن عندهم ما يمكنهم أن يعتصموا به فلا يضلوا ولا يسقطوا في حفر المهالك وهي مع ذلك كلام اعتقبه كلام ولا تغير السياق السابق أعني أن التعرض لحال أهل الكتاب لم يختتم بعد والدليل على ذلك قوله تعالى بعد هذه الآيات لن يضروكم إلا أذى الخ. قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته قد مر فيما مر أن التقوى وهو نوع من الاحتراز إذا كان تقوى الله سبحانه كان تجنبا وتحرزا من عذابه كما قال تعالى فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة: البقرة - 24 وذلك إنما يتحقق بالجري على ما يريده ويرتضيه فهو امتثال أوامره تعالى والانتهاء عن نواهيه والشكر لنعمه والصبر عند بلائه ويرجع الاخيران جميعا إلى الشكر بمعنى وضع الشئ موضعه وبالجملة تقوى الله سبحانه أن يطاع ولا يعصى ويخضع له فيما أعطى أو منع. لكنه إذا أخذ التقوى حق التقوى الذي لا يشوبه باطل فاسد من سنخه كان محض العبودية التي لا تشوبها إنية وغفلة وهي الطاعة من غير معصية والشكر من غير كفر والذكر من غير نسيان وهو الاسلام الحق أعني الدرجة العليا من درجاته وعلى هذا يرجع معنى قوله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون إلى نحو قولنا ودوموا على هذه الحال حق التقوى حتى تموتوا. وهذا المعنى غير ما يستفاد من قوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم: التغابن - 16 فإن هذه الآية في معنى أن لا تذروا التقوى في شئ مما تستطيعونه غير أن الاستطاعة تختلف باختلاف قوى الاشخاص وأفهامهم وهممهم ولا ريب أن حق التقوى بالمعنى الذي ذكرناه ليس في وسع كثير من الناس فإن في هذا المسير الباطني مواقف ومعاهد ومخاطر لا يعقلها إلا العالمون ودقائق ولطائف لا يتنبه لها إلا المخلصون فرب مرحلة من مراحل التقوى لا يصدق الفهم العامي بكونها مما تستطيعه النفس الانسانية فيجزم بكونها غير مستطاعة وإن كان أهل التقوى الحقة خلفوها وراء ظهورهم وأقبلوا بهممهم على ما هو أشق وأصعب. فقوله فاتقوا الله ما استطعتم الآية كلام يتلقاه الافهام المختلفة بمعان مختلفة على

[ 368 ]

حسب ما يطبقه كل فهم على ما يستطيعه صاحبه ثم يكون ذلك وسيلة ليفهم من هذه الآية أعني قوله اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون أن المراد أن يقعوا في صراط حق التقوى ويقصدوا نيل هذا المقام والشخوص والمثول فيه وذلك نظير الاهتداء إلى الصراط المستقيم الذي لا يتمكن منه إلا الاوحديون ومع ذلك يدعى إليه جميع الناس فيكون محصل الآيتين اتقوا الله حق تقاته فاتقوا الله ما استطعتم أن يندب جميع الناس ويدعوا إلى حق التقوى ثم يؤمروا بالسير إلى هذا المقصد ما قدروا واستطاعوا وينتج ذلك أن يقع الجميع في صراط التقوى إلا أنهم في مراحل مختلفة وعلى درجات مختلفة على طبق ما عندهم من الافهام والهمم وعلى ما يفاض عليهم من توفيق الله وتأييده وتسديده فهذا ما يعطيه التدبر في معنى الآيتين. ومنه يظهر أن الآيتين غير مختلفتين بحسب المضمون ولا أن الآية الاولى أعني قوله اتقوا الله حق تقاته الآية اريد بها عين ما اريد من قوله فاتقوا الله ما استطعتم الآية بل الآية الاولى تدعو إلى المقصد والثانية تبين كيفية السلوك. قوله تعالى ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون الموت من الامور التكوينية التي هي خارجة عن حومة اختيارنا ولذلك يكون الامر والنهي المتعلقان به وبأمثاله أمرا ونهيا تكوينيين كقوله فقال لهم الله موتوا: البقرة - 243 وقوله أن يقول له كن فيكون: يس - 82 إلا أنه ربما يجعل الامر غير الاختياري مضافا إلى أمر اختياري فيتركبان بنحو وينسب المركب إلى الاختيار فيتأتى الامر والنهي الاعتباري حينئذ كقوله تعالى فلا تكونن من الممترين: البقرة - 147 وقوله ولا تكن مع الكافرين: هود - 42 وقوله وكونوا مع الصادقين: التوبة - 119 وغير ذلك فإن أصل الكون لازم تكويني للانسان لا أثر لاختياره فيه لكنه بارتباطه بأمر اختياري كالامتراء والكفر والتزام الصدق مثلا يعد أمرا اختياريا فيؤمر به وينهى عنه أمرا ونهيا مولويين. وبالجملة النهى عن الموت إلا مع الاسلام إنما هو لمكان عده اختياريا ويرجع بالآخرة إلى الكناية عن لزوم التزام الاسلام في جميع الحالات حتى يقع الموت في واحدة من هذه الحالات فيكون الميت مات في حال الاسلام. قوله تعالى واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ذكر سبحانه فيما مر

[ 369 ]

من قوله وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله الآية أن التمسك بآيات الله وبرسوله الكتاب والسنة اعتصام بالله مأمون معه المتمسك المعتصم مضمون له الهدى والتمسك بذيل الرسول تمسك بذيل الكتاب فإن الكتاب هو الذي يأمر بذلك في مثل قوله وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا: الحشر - 7. وقد بدل في هذه الآية الاعتصام المندوب إليه في تلك الآية بالاعتصام بحبل الله فأنتج ذلك أن حبل الله هو الكتاب المنزل من عند الله وهو الذي يصل ما بين العبد والرب ويربط السماء بالارض وإن شئت قلت إن حبل الله هو القرآن والنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد عرفت أن مآل الجميع واحد. والقرآن وإن لم يدع إلا إلى حق التقوى والاسلام الثابت لكن غرض هذه الآية غير غرض الآية السابقة الآمرة بحق التقوى والموت على الاسلام فإن الآية السابقة تتعرض لحكم الفرد وهذه الآية تتعرض لحكم الجماعة المجتمعة والدليل عليه قوله جميعا وقوله ولا تتفرقوا فالآيات تأمر المجتمع الاسلامي بالاعتصام بالكتاب والسنة كما تأمر الفرد بذلك قوله تعالى واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا جملة إذ كنتم بيان لما ذكر من النعمة وعليه يعطف قوله وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها. والامر بذكر هذه النعمة مبني على ما عليه دأب القرآن أن يضع تعليمه على بيان العلل والاسباب ويدعو إلى الخير والهدى من وجهه من غير أن يأمر بالتقليد العامي المعمى وحاشا التعليم الالهي أن يهدي الناس إلى السعادة وهي العلم النافع والعمل الصالح ثم يأمر بالوقوع في تيه التقليد وظلمة الجهل. لكن يجب أن لا يشتبه الامر ولا يختلط الحال على المتدبر الباحث فالله سبحانه يعلم الناس حقيقة سعادتهم ويعلم الوجه فيها ليتبصروا بارتباط الحقائق بعضها ببعض وأن الجميع فائضة من منبع التوحيد مع وجوب إسلامهم لله لانه الله رب العالمين

[ 370 ]

واعتصامهم بحبله لانه حبل الله رب العالمين كما يومي إليه ما في آخر الآيات من قوله تلك آيات الله نتلوها عليك الآيتان. وبالجملة هو أمرهم أن لا يقبلوا قولا ولا يطيعوا أمرا إلا عن علم بوجهه ثم أمرهم بالتسليم المطلق لنفسه وبين وجهه أنه هو الله الذي يملكهم على الاطلاق فليس لهم إلا ما أراده فيهم وتصرف فيه منهم وأمرهم بالطاعة المطلقة لما يبلغه رسوله وبين وجهه بأنه رسول لا شأن له إلا البلاغ ثم يكلمهم بحقائق المعارف وبيان طرق السعادة وبين الوجه العام في جميع ذلك ليهتدوا إلى روابط المعارف وطرق السعادة فيتحققوا أصل التوحيد وليتأدبوا بهذا الادب الالهي فيتسلطوا على سبيل التفكر الصحيح ويعرفوا طريق التكلم الحق فيكونوا أحياء بالعلم أحرارا من التقليد ونتيجة ذلك أنهم لو عرفوا وجه الامر في شئ من المعارف الثابتة الدينية أو ما يلحق بها أخذوا به ولو لم يعرفوا وقفوا عن الرد ورجعوا نيله بالبحث والتدبر من غير رد أو اعتراض بعد ثبوته. وهذا غير أن يقال إن الدين موضوع على أن لا يقبل شئ حتى من الله ورسوله إلا عن دليل فأن ذلك من أسفه الرأي وأردأ القول ومرجعه إلى أن الله يريد من عباده أن يطالبوا الدليل بعد وجوده فإن ربوبيته وملكه أصل كل دليل على وجوب التسليم ونفوذ الحكم ورسالة رسوله هو الدليل على أن ما يؤديه عن الله سبحانه فافهم ذلك أو مرجعه إلى إلغاء ربوبيته فيما يتصرف فيه بربوبيته وليس إلا التناقض والحاصل أن المسلك الاسلامي والطريق النبوي ليس إلا الدعوة إلى العلم دون التقليد على ما يزعمه هؤلاء المقلدة المتسمون بالناقدين. ولعل الوجه في ذكر أن هذا المذكور نعمة نعمة الله عليكم هو الاشارة إلى ما ذكرناه أي إن الدليل على ما ندبناكم إليه من الاتحاد والاجتماع هو ما شاهدتموه من مرارة العداوة وحلاوة المحبة والالفة والاخوة والاشراف على حفرة النار والتخلص منها وإنما نذكركم بهذا الدليل لا لان علينا أن نؤيد قولنا بما لولاه لم يكن حقا فإنما قولنا حق سواء دللنا عليه أو لا بل لان تعلموا أن ذلك نعمة منا عليكم فتعرفوا أن في هذا الاجتماع كسائر ما نندبكم إليه سعادتكم وراحتكم ومفازتكم. وما ذكره تعالى من الدليلين أحدهما وهو قوله إذ كنتم أعداء مبتن على أصل

[ 371 ]

التجربة والثاني وهو قوله وكنتم على شفا حفرة على طريقة البيان العقلي كما هو ظاهر. وفي قوله فأصبحتم بنعمته إخوانا تكرار للامتنان الذي يدل عليه قوله واذكروا نعمة الله عليكم والمراد بالنعمة هو التأليف فالمراد بالاخوة التي توجده وتحققه هذه النعمة أيضا تألف القلوب فالاخوة هاهنا حقيقة ادعائية. ويمكن أن يكون إشارة إلى ما يشتمل عليه قوله إنما المؤمنون إخوة الآية: الحجرات - 10 من تشريع الاخوة بينهم فإن بين المؤمنين أخوة مشرعة تتعلق بها حقوق هامة. قوله تعالى وكنتم على شفا حفرة من النار فإنقذكم منها شفا الحفرة طرفها الذي يشرف على السقوط فيها من كان به. والمراد من النار إن كان نار الآخرة فالمراد بكونهم على شفا حفرتها أنهم كانوا كافرين ليس بينهم وبين الوقوع فيها إلا الموت الذي هو أقرب إلى الانسان من سواد العين إلى بياضها فأنقذهم الله منها بالايمان. وإن كان المراد بيان حالهم في مجتمعهم الفاسد الذي كانوا فيه قبل إيمانهم وتألف قلوبهم وكان المراد بالنار هي الحروب والمنازعات وهو من الاستعمالات الشائعة بطريق الاستعارة فالمقصود أن المجتمع الذي بني على تشتت القلوب واختلاف المقاصد والاهواء ولا محالة لا يسير مثل هذا المجتمع بدليل واحد يهديهم إلى غاية واحدة بل بأدلة شتى تختلف باختلاف الميول الشخصية والتحكمات الفردية اللاغية التي تهديهم إلى أشد الخلاف والاختلاف يشرفهم إلى أردأ التنازع ويهددهم دائما بالقتال والنزال ويعدهم الفناء والزوال وهي النار التي لا تبقى ولا تذر على حفرة الجهالة التي لا منجا ولا مخلص للساقط فيها. فهؤلاء وهم طائفة من المسلمين كانوا آمنوا قبل نزول الآية بعد كفرهم وهم المخاطبون الاقربون بهذه الآيات لم يكونوا يعيشون مدى حيوتهم قبل الاسلام إلا في حال تهددهم الحروب والمقاتلات آنا بعد آن فلا أمن ولا راحة ولا فراغ ولم يكونوا يفقهون ما حقيقة الامن العام الذي يعم المجتمع بجميع جهاتها من جاه ومال وعرض ونفس وغير ذلك.

[ 372 ]

ثم لما اجتمعوا على الاعتصام بحبل الله ولاحت لهم آيات السعادة و ذاقوا شيئا من حلاوة النعم وجدوا صدق ما يذكرهم به الله من هنئ النعمة ولذيذ السعادة فكان الخطاب أوقع في نفوسهم ونفوس غيرهم. ولذلك بني الكلام ووضعت الدعوة على أساس المشاهدة والوجدان دون مجرد التقدير والفرض فليس العيان كالبيان ولا التجارب كالفرض والتقدير ولذلك بعينه أشار في التحذير الآتي في قوله ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا الخ إلى حال من قبلهم فإن مآل حالهم بمرأى ومسمع من المؤمنين فعليهم أن يعتبروا بهم وبما آل إليه أمرهم فلا يجروا مجراهم ولا يسلكوا مسلكهم. ثم نبههم الله على خصوصية هذا البيان فقال كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون. قوله تعالى ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر الخ التجربة القطعية تدل على أن المعلومات التي يهيئها الانسان لنفسه في حياته ولا يهيئ ولا يدخر لنفسه إلا ما ينتفع به من أي طريق هيأها وبأي وجه ادخرها تزول عنه إذا لم يذكرها ولم يدم على تكرارها بالعمل ولا نشك أن العمل في جميع شؤونه يدور مدار العلم يقوي بقوته ويضعف بضعفه ويصلح بصلاحه ويفسد بفساده وقد مثل الله سبحانه حالهما في قوله البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا الآية: الاعراف - 58. ولا نشك أن العلم والعمل متعاكسان في التأثير فالعلم أقوى داع إلى العمل والعمل الواقع المشهود أقوى معلم يعلم الانسان. وهذا الذي ذكر هو الذي يدعو المجتمع الصالح الذي عندهم العلم النافع والعمل الصالح أن يتحفظوا على معرفتهم وثقافتهم وأن يردوا المتخلف عن طريق الخير المعروف عندهم إليه وأن لا يدعوا المائل عن طريق الخير المعروف وهو الواقع في مهبط الشر المنكر عندهم أن يقع في مهلكة الشر وينهوه عنه. وهذه هي الدعوة بالتعليم والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي التي يذكرها الله في هذه الآية بقوله يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

[ 373 ]

ومن هنا يظهر السر في تعبيره تعالى عن الخير والشر بالمعروف والمنكر فإن الكلام مبني على ما في الآية السابقة من قوله واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا إلخ ومن المعلوم أن المجتمع الذي هذا شأنه يكون المعروف فيه هو الخير والمنكر فيه هو الشر ولو لا العبرة بهذه النكتة لكان الوجه في تسمية الخير والشر بالمعروف والمنكر كون الخير والشر معروفا ومنكرا بحسب نظر الدين لا بحسب العمل الخارجي. وأما قوله ولتكن منكم امة فقد قيل إن من للتبعيض بناء على أن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وكذا الدعوة من الواجبات الكفائية. وربما قيل إن من بيانية والمراد منه ولتكونوا بهذا الاجتماع الصالح امة يدعون إلى الخير فيجري الكلام على هذا مجرى قولنا ليكن لي منك صديق أي كن صديقا لي والظاهر أن المراد بكون من بيانية كونها نشوئية ابتدائية. والذي ينبغي أن يقال أن البحث في كون من تبعيضية أو بيانية لا يرجع إلى ثمرة محصلة فإن الدعوة والامر بالمعروف والنه عن المنكر امور لو وجبت لكانت بحسب طبعها واجبات كفائية إذ لا معنى للدعوة والامر والنهي المذكورات بعد حصول الغرض فلو فرضت الامة بأجمعهم داعية إلى الخير آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر كان معناه أن فيهم من يقوم بهذه الوظائف فالامر قائم بالبعض على أي حال والخطاب إن كان للبعض فهو ذاك وإن كان للكل كان أيضا باعتبار البعض وبعبارة اخرى المسؤول بها الكل والمثاب بها البعض ولذلك عقبه بقوله وأولئك هم المفلحون فالظاهر أن من تبعيضية وهو الظاهر من مثل هذا التركيب في لسان المحاورين ولا يصار إلى غيره إلا بدليل. واعلم أن هذه الموضوعات الثلاثة أعني الدعوة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ذوات أبحاث تفسيرية طويلة عميقة سنتعرض لها في موضع آخر يناسبها إنشاء الله تعالى وكذا ما يتعلق بها من الابحاث العلمية والنفسية والاجتماعية. قوله تعالى ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جائهم البينات لا يبعد أن يكون قوله من بعد ما جائهم البينات متعلقا بقوله واختلفوا فقط وحينئذ كان المراد بالاختلاف التفرق من حيث الاعتقاد بالتفرق الاختلاف والتشتت

[ 374 ]

من حيث الابدان وقدم التفرق على الاختلاف لانه كالمقدمة المؤدية إليه لان القوم مهما كانوا مجتمعين متواصلين اتصلت عقائد بعضهم ببعض واتحدت بالتماس والتفاعل وحفظهم ذلك من الاختلاف فإذا تفرقوا وانقطع بعضهم عن بعض أداهم ذلك إلى اختلاف المشارب والمسالك ولم يلبثوا دون أن يستقل أفكارهم وآرائهم بعضها عن بعض وبرز فيهم الفرقة وانشق عصا الوحدة فكأنه تعالى يقول ولا تكونوا كالذين تفرقوا بالابدان أولا وخرجوا من الجماعة وأفضاهم ذلك إلى اختلاف العقائد و الآراء أخيرا وقد نسب تعالى هذا الاختلاف في موارد من كلامه إلى البغي قال تعالى وما اختلف فيه إلا الذين اوتوه من بعد ما جائتهم البينات بغيا بينهم: البقرة - 213 مع أن ظهور الاختلاف في العقائد والآراء ضروري بين الافراد لاختلاف الافهام لكن كما أن ظهور هذا الاختلاف ضروري كذلك دفع الاجتماع لذلك ورده المختلفين إلى ساحة الاتحاد أيضا ضروري فرفع الاختلاف ممكن مقدور بالواسطة وإعراض الامة عن ذلك بغي منهم وإلقاء لانفسهم في تهلكة الاختلاف. وقد أكد القرآن الدعوة إلى الاتحاد وبالغ في النهي عن الاختلاف وليس ذلك إلا لما كان يتفرس من أمر هذه الامة أنهم سيختلفون كالذين من قبلهم بل يزيدون عليهم في ذلك وقد تقدم مرارا أن من دأب القرآن أنه إذا بالغ في التحذير عن شئ والنهي عن اقترافه كان ذلك آية وقوعه وارتكابه وهذا أمر أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضا كما أخبر به القرآن وأن الاختلاف سيدب في أمته ثم يظهر في صورة الفرق المتنوعة وأن امته ستختلف كما اختلفت اليهود والنصارى من قبل وسيجئ الرواية في البحث الروائي. وقد صدق جريان الحوادث هذه الملحمة القرآنية فلم تلبث الامة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دون أن تفرقوا شذر مدر واختلفوا في مذاهب شتى بعضهم يكفر بعضا من لدن عصر الصحابة إلى يومنا هذا وكلما رام أحد أن يوفق بين مختلفين منها أولد ذلك مذهبا ثالثا. والذي يهدينا إليه البحث بالتحليل والتجزية أن أصل هذا الاختلاف ينتهي إلى المنافقين الذين يغلظ القرآن القول فيهم وعليهم ويستعظم مكرهم وكيدهم فإنك لو

[ 375 ]

تدبرت ما يذكره الله تعالى في حقهم في سور البقرة والتوبة والاحزاب والمنافقين وغيرها لرأيت عجبا وكان هذا حالهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولما ينقطع الوحي ثم لما توفاه الله غاب ذكرهم وسكنت أجراسهم دفعة.

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر.

 ولم يلبث الناس دؤن أن وجدوا أنفسهم وقد تفرقوا أيادي سبا وباعدت بينهم شتى المذاهب واستعبدتهم حكومات التحكم والاستبداد وأبدلوا سعادة الحيوة بشقاء الضلال والغي والله المستعان والمرجو من فضل الله أن يوفقنا لاستيفاء هذا البحث في تفسير سورة البرائة إنشاء الله. قوله تعالى يوم تبيض وجوه وتسود وجوه إلى آخر الآيتين لما كان المقام مقام الكفر بالنعمة وهو نظير الخيانة مما يوجب خسة الانفعال والخجل ذكر سبحانه من بين أنواع عذاب الآخرة ما يناسبها بحسب التمثيل وهو سواد الوجه الذي يكنى به في الدنيا عن الانفعال والخجل ونحوهما كما يشعر أو يدل على ذلك قوله تعالى فأما الذين اسودت وجوههم أ كفرتم بعد إيمانكم. وكذا ذكر من ثواب الشاكرين لهذه النعمة ما يناسب الشكر وهو بياض الوجه المكنى به في الدنيا عن الارتضاء والرضا. قوله تعالى تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق الظرف متعلق بقوله نتلوها والمراد كون التلاوة تلاوة حق من غير أن يكون باطلا شيطانيا أو متعلق بالآيات باستشمام معنى الوصف فيه أو مستقر متعلق بمقدر والمعنى أن هذه الآيات الكاشفة عن ما يصنع الله بالطائفتين الكافرين والشاكرين مصاحبة للحق من غير أن تجري على نحو الباطل والظلم وهذا الوجه أوفق لما يتعقبه من قوله وما الله يريد ظلما. قوله تعالى وما الله يريد ظلما للعالمين تنكير الظلم وهو في سياق النفي يفيد الاستغراق وظاهر قوله للعالمين وهو جمع محلى باللام أن يفيد الاستغراق والمعنى على هذا أن الله لا يريد ظلما أي ظلم فرض لجميع العالمين وكافة الجماعات وهو كذلك فإنما التفرق بين الناس أمر يعود أثره المشؤوم إلى جميع العالمين وكافة الناس. قوله تعالى ولله ما في السموات والارض وإلى الله ترجع الامور لما ذكر أن

[ 376 ]

الله لا يريد الظلم علل ذلك بما يزول معه توهم صدور الظلم فذكر أن الله تعالى يملك جميع الاشياء من جميع الجهات فله أن يتصرف فيها كيف يشاء فلا يتصور في حقه التصرف فيما لا يملكه حتى يكون ظلما وتعديا. على أن الشخص إنما ينحو الظلم إذا كان له حاجة لا يتمكن من رفعها إلا بالتعدي على ما لا يملكه والله الغني الذي له ما في السموات والارض هذا ما قرره بعضهم لكنه لا يلائم ظاهر الآية فإن هذا الجواب يبتني بالحقيقة على غناه تعالى دون ملكه والمذكور في الآية هو الملك دون الغنى وكيف كان فملكه دليل أنه تعالى ليس بظالم. وهناك دليل آخر وهو أن مرجع جميع الامور أيا ما كانت إليه تعالى فليس لغيره تعالى من الامر شئ حتى يسلبه الله عنه وينتزعه من يده ويجري فيه إرادة نفسه فيكون بذلك ظالما وهذا هو الذي يشير إليه قوله وإلى الله ترجع الامور. والوجهان كما ترى متلازمان أحدهما مبني على أن كل شئ له تعالى والثاني مبني على أن شيئا من الامور ليس لغيره تعالى. قوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس المراد بإخراج الامة للناس والله أعلم إظهارها لهم ومزية هذه اللفظة الاخراج أن فيها إشعارا بالحدوث والتكون قال تعالى الذي أخرج المرعى: الاعلى - 4 والخطاب للمؤمنين فيكون قرينة على أن المراد بالناس عامة البشر والفعل أعني قوله كنتم منسلخ عن الزمان على ما قيل والامة إنما تطلق على الجماعة والفرد لكونهم ذوي هدف ومقصد يؤمرونه ويقصدونه وذكر الايمان بالله بعد الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من قبيل ذكر الكل بعد الجزء أو الاصل بعد الفرع. فمعنى الآية أنكم معاشر المسلمين خير امة أظهرها الله للناس بهدايتها لانكم على الجماعة تؤمنون بالله وتأتون بفريضتي الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن المعلوم أن انبساط هذا التشريف على جميع الامة لكون البعض متصفين بحقيقة الايمان والقيام بحق الامر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا محصل ما ذكروه في المقام. والظاهر والله أعلم أن قوله كنتم غير منسلخ عن الزمان والآية تمدح حال

[ 377 ]

المؤمنين في أول ظهور الاسلام من السابقين الاولين من المهاجرين والانصار والمراد الايمان هو الايمان بدعوة الاجتماع على الاعتصام بحبل الله وعدم التفرق فيه في مقابل الكفر به على ما يدل عليه قوله قبل أكفرتم بعد إيمانكم الآية وكذا المراد بإيمان أهل الكتاب ذلك أيضا فيؤل المعنى إلى أنكم معاشر امة الاسلام كنتم في أول ما تكونتم وظهرتم للناس خير امة ظهرت لكونكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتعتصمون بحبل الله متفقين متحدين كنفس واحدة ولو كان أهل الكتاب على هذا الوصف أيضا لكان خيرا لهم لكنهم اختلفوا منهم امة مؤمنون وأكثرهم فاسقون. وأعلم أن في الآيات موارد من الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ومن خطاب الجمع إلى خطاب المفرد وبالعكس وفيها موارد من وضع الظاهر موضع الضمير كتكرر لفظ الجلالة في عدة مواضع والنكتة في الجميع ظاهرة للمتأمل.

( بحث روائي )

 في المعاني وتفسير العياشي عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل اتقوا الله حق تقاته - قال يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر وفي الدر المنثور أخرج الحاكم وابن مردويه من وجه آخر عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اتقوا الله حق تقاته - أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى وفيه أخرج الخطيب عن انس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يتقي الله عبد حق تقاته - حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه - وما أخطأه لم يكن ليصيبه. أقول قد مر في البيان المتقدم كيفية استفادة معنى الحديثين الاولين من الآية وأما الحديث الثالث فإنما هو تفسير بلازم المعنى وهو ظاهر. وفي تفسير البرهان عن ابن شهرآشوب عن تفسير وكيع عن عبد خير قال: سألت علي بن أبي طالب عن قوله - يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته قال - والله ما عمل بها غير بيت رسول الله - نحن ذكرناه فلا ننساه ونحن شكرناه فلن نكفره - ونحن أطعناه فلم نعصه - فلما نزلت هذه الآية قال الصحابة - لا نطيق ذلك فأنزل الله -

[ 378 ]

فاتقوا الله ما استطعتم - قال وكيع ما أطقتم الحديث. وفي تفسير العياشي عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله - اتقوا الله حق تقاته قال منسوخة - قلت وما نسختها قال قول الله فاتقوا الله ما استطعتم. اقول ويستفاد من رواية وكيع أن المراد بالنسخ في رواية العياشي بيان مراتب التقوى وأما النسخ بمعناه المصطلح كما نقل عن بعض المفسرين فهو معنى يرده ظاهر الكتاب. وفي المجمع عن الصادق عليه السلام: في الآية وأنتم مسلمون بالتشديد وفي الدر المنثور: في قوله تعالى واعتصموا بحبل الله جميعا الآية: أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الارض وفيه أخرج ابن أبي شيبة عن أبي شريح الخزاعي قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله - وطرفه بأيديكم فتمسكوا به - فإنكم لن تزالوا ولن تضلوا بعده أبدا وفي المعاني عن السجاد عليه السلام في حديث: وحبل الله هو القرآن. أقول وفي هذا المعنى روايات اخرى من طرق الفريقين. وفي تفسير العياشي عن الباقر عليه السلام: آل محمد هم حبل الله الذي أمر بالاعتصام به فقال - واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا. اقول وفي هذا المعنى روايات اخر وقد تقدم في البيان ما يتأيد به معناها ويؤيدها أيضا ما يأتي من الروايات. وفي الدر المنثور أخرج الطبراني عن زيد بن أرقم قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني لكم فرط وإنكم واردون علي الحوض - فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين - قيل وما الثقلان يا رسول الله قال - الاكبر كتاب الله عز وجل سبب طرفه بيد الله - وطرفه بأيديكم فتمسكوا به لن تزالوا ولن تضلوا - والاصغر عترتي وإنهما لن يفترقا

[ 379 ]

حتى يردا علي الحوض - وسألت لهما ذاك ربي فلا تقدموهما فتهلكوا - ولا تعلموهما فإنهما أعلم منكم. أقول وحديث الثقلين من المتواترات التي أجمع على روايتها الفريقان وقد تقدم في أول السورة أن بعض علماء الحديث أنهى رواته من الصحابة إلى خمس وثلثين راويا من الرجال والنساء وقد رواه عنهم جم غفير من الرواة وأهل الحديث. وفي الدر المنثور أيضا أخرج ابن ماجه وابن جرير وابن أبي حاتم عن انس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة - وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة - كلهم في النار إلا واحدة - قالوا يا رسول الله ومن هذه الواحدة قال الجماعة ثم قال - اعتصموا بحبل الله جميعا: أقول والرواية أيضا من المشهورات وقد روتها الشيعة بنحو آخر كما في الخصال والمعاني والاحتجاج والامالي وكتاب سليم بن قيس وتفسير العياشي واللفظ لما في الخصال بإسناده إلى سليمان بن مهران عن جعفر بن محمد عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن امة موسى افترقت بعده على إحدى وسبعين فرقة - فرقة منها ناجية وسبعون في النار - وافترقت امة عيسى بعده على اثنتين وسبعين فرقة - فرقة منها ناجية وإحدى وسبعون في النار - وإن امتي ستفترق بعدي على ثلاث و سبعين فرقة - فرقة منها ناجية واثنتان وسبعون في النار. أقول وهي الموافقة لما يأتي وفي الدر المنثور أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال قال رسول الله عليه السلام: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة - وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة - وتفترق امتي على ثلاث وسبعين فرقة. أقول وهذا المعنى مروي بطرق اخرى عن معاوية وغيره. وفيه أخرج الحاكم عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يأتي على امتي ما أتى على بني إسرائيل - حذو النعل بالنعل - حتى لو كان فيهم من نكح امه علانية كان في امتي مثله - إن بني إسرائيل افترقوا على اإدى وسبعين ملة - وتفترق امتي على

[ 380 ]

ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا ملة واحدة فقيل له - ما الواحدة قال ما أنا عليه اليوم وأصحابي. اقول وعن جامع الاصول لابن الاثير عن الترمذي عن ابن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: مثله وفي كمال الدين بإسناده عن غياث بن إبراهيم عن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كل ما كان في الامم السالفة فإنه يكون في هذه الامة - مثله حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة وفي تفسير القمي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لتركبن سنة من كان قبلكم حذو النعل بالنعل - والقذة بالقذة لا تخطؤون طريقهم - ولا يخطى شبر بشبر وذراع بذراع وباع بباع - حتى أن لو كان من قبلكم دخل جحر ضب لدخلتموه قالوا اليهود والنصارى تعني يا رسول الله قال - فمن أعني لتنقضن عرى الاسلام عروة عروة - فيكون أول ما تنقضون من دينكم الامانة وآخره الصلوة وعن جامع الاصول فيما استخرجه من الصحاح وعن صحيح الترمذي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم - وزاد رزين حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة ة - حتى إن كان فيهم من أتى امه يكون فيكم - فلا أدري أتعبدون العجل أم لا. اقول وهذه الرواية أيضا من المشهورات رواها أهل السنة في صحاحهم وغيرها وروتها الشيعة في جوامعهم. وفي الصحيحين عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ليردن علي الحوض رجال ممن صاحبني - حتى إذا رفعوا اختلجوا دوني فلاقولن أي رب أصحابي - فليقالن إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك وفي الصحيحين أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي أو قال من امتي - فيحلؤون عن الحوض فأقول يا رب أصحابي فيقول - لا علم لك بما أحدثوا بعدك - ارتدوا على أعقابهم القهقرى فيحلؤون. اقول وهذا الحديث أيضا من المشهورات رواها الفريقان في صحاحهم

[ 381 ]

وجوامعهم عن عدة من الصحابة كابن مسعود وأنس وسهل بن ساعد وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وعائشة وام سلمة وأسماء بنت أبي بكر وغيرهم وعن بعض أئمة أهل البيت عليهم السلام. والروايات على كثرتها وتفننها تصدق ما استفدناه من ظاهر الآيات الكريمة وتوالي الحوادث والفتن يصدق الروايات. وفي الدر المنثور أخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من خرج من الجماعة قيد شبر - فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه حتى يراجعه - ومن مات وليس عليه إمام جماعة فإن موتته ميتة جاهلية. أقول والرواية أيضا من المشهورات مضمونا وقد روى الفريقان عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية وعن جامع الاصول من الترمذي وسنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا تزال طائفة من امتي على الحق وفي المجمع: في قوله تعالى - أكفرتم بعد إيمانكم الآية: عن أمير المؤمنين عليه السلام: هم أهل البدع والاهواء والآراء الباطلة من هذه الامة وفيه وفي تفسير العياشي: في قوله تعالى - كنتم خير امة اخرجت للناس الآية: عن أبي عمرو الزبيري عن الصادق عليه السلام قال: يعني الامة التي وجبت لها دعوة إبراهيم - وهم الامة التي بعث الله فيها ومنها واليها - وهم الامة الوسطى وهم خير امة أخرجت للناس. أقول وقد مر الكلام في توضيح معنى الرواية في تفسير قوله تعالى ومن ذريتنا امة مسلمة لك: البقرة - 128. وفي الدر المنثور أخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر: كنتم خير امة اخرجت للناس - قال أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفيه أخرج أحمد بسند حسن عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اعطيت ما لم

[ 382 ]

يعط أحد من الانبياء نصرت بالرعب - واعطيت مفاتيح الارض وسميت أحمد - وجعل التراب لي طهورا وجعلت امتي خير الامم = لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الادبار ثم لا ينصرون (111) - ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الانبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (112). ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون (113) - يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين (114) - وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين (115) - إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (116) - مثل ما ينفقون في هذه الحيوة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون (117) - يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي

[ 383 ]

صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون (118) - ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الانامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور (119) - إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط (120))

( بيان )

 الآيات الكريمة كما ترى تنعطف إلى ما كان الكلام فيه قبل من التعرض لحال أهل الكتاب وخاصة اليهود في كفرهم بآيات الله وإغوائهم أنفسهم وصدهم المؤمنين عن سبيل الله وإنما كانت الآيات العشر المتقدمة من قبيل الكلام في طي الكلام فاتصال الآيات على حاله. قوله تعالى لن يضروكم إلا أذى إلخ الاذى ما يصل إلى الحيوان من الضرر إما في نفسه أو جسمه أو تبعاته دنيويا كان أو أخرويا على ما ذكره الراغب مفردات القرآن. قوله تعالى ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس الذلة بناء نوع من الذل والذل بالضم ما كان عن قهر وبالكسر ما كان عن تصعب وشماس على ما ذكره الراغب ومعناه العام حال الانكسار والمطاوعة ويقابله العز وهو الامتناع. وقوله ثقفوا أي وجدوا والحبل السبب الذي يوجب التمسك به العصمة وقد استعير لكل ما يوجب نوعا من الامن والعصمة والوقاية كالعهد والذمة والامان والمراد والله أعلم أن الذلة مضروبة عليهم كضرب السكة على الفاز أو كضرب

[ 384 ]

الخيمة على الانسان فهم مكتوب عليهم أو مسلط عليهم الذلة إلا بحبل وسبب من الله وحبل وسبب من الناس. وقد كرر لفظ الحبل بإضافته إلى الله وإلى الناس لاختلاف المعنى بالاضافة فانه من الله القضاء والحكم تكوينا أو تشريعا ومن الناس البناء والعمل. والمراد بضرب الذلة عليهم القضاء التشريعي بذلتهم والدليل على ذلك قوله أينما ثقفوا فإن ظاهر معناه أينما وجدهم المؤمنون أي تسلطوا عليهم وهو إنما يناسب الذلة التشريعية التي من آثارها الجزية فيؤول معنى الآية إلى أنهم أذلاء بحسب حكم الشرع الاسلامي إلا أن يدخلوا تحت الذمة أو أمان من الناس بنحو من الانحاء. وظاهر بعض المفسرين أن قوله ضربت عليهم الذلة ليس في مقام تشريع الحكم بل إخبار عن ما جرى عليه أمرهم بقضاء من الله وقدر فإن الاسلام أدرك اليهود وهم يؤدون الجزية إلى المجوس وبعض شعبهم كانوا تحت سلطة النصارى. وهذا المعنى لا بأس به وربما أيده ذيل الكلام إلى آخر الآية فإنه ظاهر في أن السبب في ضرب الذلة والمسكنة عليهم ما كسبته أيديهم من الكفر بآيات الله وقتل الانبياء والاعتداء المستمر إلا أن لازم هذا المعنى اختصاص الكلام في الآية باليهود ولا مخصص ظاهرا وسيجئ في ذلك كلام في تفسير قوله تعالى وألقينا بينهم العداوة والبغضاء: المائدة - 64. قوله تعالى وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة باءوا أي اتخذوا مبائة ومكانا أو رجعوا والمسكنة أشد الفقر والظاهر أن المسكنة أن لا يجد الانسان سبيلا إلى النجاة والخلاص عما يهدده من فقر أو أي عدم وعلى هذا فيتلائم معنى الآية صدرا وذيلا. قوله تعالى ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون والمعنى أنهم عصوا وكانوا قبل ذلك يستمرون على الاعتداء. قوله تعالى ليسوا سواء إلى قوله بالمتقين السواء مصدر اريد به معنى

[ 385 ]

الوصف أي ليسوا مستوين في الوصف والحكم فإن منهم امة قائمة يتلون آيات الله الخ ومن هنا يظهر أن قوله من أهل الكتاب الخ في مقام التعليل يبين به وجه عدم استواء أهل الكتاب. وقد اختلف في قوله قائمة فقى أي ثابتة على أمر الله وقيل أي عادلة وقيل أي ذو امة قائمة أي ذو طريقة مستقيمة والحق أن اللفظ مطلق يحتمل الجميع غير أن ذكر الكتاب وذكر أعمالهم الصالحة يعين أن المراد هو القيام على الايمان والطاعة. والآناء جمع إنى بكسر الهمزة أاو فتحها وقيل إنو وهو الوقت والمسارعة المبادرة وهي مفاعلة من السرعة قال في المجمع والفرق بين السرعة والعجلة أن السرعة هي التقدم فيما يجوز أن يتقدم فيه وهي محمودة وضدها الابطاء وهو مذموم والعجلة هي التقدم فيما لا ينبغي أن يتقدم فيه وهي مذمومة وضدها الاناة وهي محمودة انتهى والظاهر أن السرعة في الاصل وصف للحركة والعجلة وصف للمتحرك. والخيرات مطلق الاعمال الصالحة من عبادة أو إنفاق أو عدل أو قضاء حاجة وهو جمع محلى باللام ومعناه الاستغراق ويكثر إطلاقه على الخيرات المالية كما أن الخير يكثر إطلاقه على المال. وقد عد الله سبحانه لهم جمل مهمات الصالحات وهي الايمان والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والمسارعة في كل خير ثم وصفهم بأنهم صالحون فهم أهل الصراط المستقيم وزملاء النبيين والصديقين والشهداء لقوله تعالى اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين: الحمد - 7 وقوله تعالى فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين الآية: النساء - 69 قيل المراد بهؤلاء الممدوحين عبد الله بن سلام وأصحابه. قوله تعالى وما يفعلوا من خير فلن يكفروه من الكفران مقابل الشكر أي يشكر الله لهم فيرده إليهم من غير ضيعة كما قال تعالى ومن تطوع خيرا فإن الله

[ 386 ]

شاكر عليم: البقرة - 158 وقال وما تنفقوا من خير فلانفسكم إلى أن قال وما تنفقوا من خير يوف اليكم وأنتم لا تظلمون: البقرة - 272. قوله تعالى إن الذين كفروا لن تغني عنهم ظاهر وحدة السياق أن المراد بهؤلاء الذين كفروا هم الطائفة الاخرى من أهل الكتاب الذين لم يستجيبوا دعوة النبوة وكانوا يوطؤون على الاسلام ولا يألون جهدا في إطفاء نوره. وربما قيل إن الآية ناظرة إلى حال المشركين فتكون التوطئة لما سيشير إليه من قصة أحد لكن لا يلائمه ما سيأتي من قوله وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا الخ فإن ذلك بيان لحال اليهود مع المسلمين دون حال المشركين ومن هناك يظهر أن اتصال السياق لم ينقطع بعد. وربما جمع بعض المفسرين بين حمل هذه الآية على المشركين وحمل تلك على اليهود وهو خطأ. قوله تعالى مثل ما ينفقون في هذه الحيوة الدنيا الآية الصرالبرد الشديد وإنما قيد الممثل بقوله في هذه الحيوة الدنيا ليدل على أنهم منقطعون عن الدار الآخرة فلا يتعلق إنفاقهم إلا بهذه الحيوة وقيد حرث القوم بقوله ظلموا أنفسهم ليحسن ارتباطه بقوله بعده وما ظلمهم الله. ومحصل الكلام أن إنفاقهم في هذه الحيوة وهم يريدون به إصلاح شأنهم ونيل مقاصدهم الفاسدة لا يثمر لهم إلا الشقاء وفساد ما يريدونه ويحسبونه سعادة لانفسهم كالريح التي فيها صر تهلك حرث الظالمين وليس ذلك إلا ظلما منهم لانفسهم فإن العمل الفاسد لا يأتي إلا بالاثر الفاسد. قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم الآية سميت الوليجة بطانة وهي ما يلي البدن من الثوب وهي خلاف الظهارة لكونها تطلع على باطن الانسان وما يضمره ويستسره وقوله لا يألونكم أي لا يقصرون فيكم وقوله خبالا أي شرا وفسادا ومنه الخبل للجنون لانه فساد العقل وقوله ودوا ما عنتم ما مصدرية أي ودوا وأحبوا عنتكم وشدة ضرركم وقوله قد بدت البغضاء من أفواههم أريد به ظهور البغضاء والعداوة من لحن قولهم وفلتات لسانهم ففيه استعارة

[ 387 ]

لطيفة وكناية ولم يبين ما في صدورهم بل أبهم قوله وما تخفي صدورهم أكبر للايماء إلى أنه لا يوصف لتنوعه وعظمته وبه يتأكد قوله أكبر.

 قوله تعالى ها أنتم اولاء تحبونهم الآية الظاهر أن اولاء اسم إشارة ولفظة ها للتنبيه وقد تخلل لفظة أنتم بين ها واولاء والمعنى أنتم هؤلاء على حد قولهم زيد هذا وهند هذه كذا وكذا.

 وقوله وتؤمنون بالكتاب كله اللام للجنس أي وأنتم تؤمنون بجميع الكتب السماوية النازلة من عند الله كتابهم وكتابكم وهم لا يؤمنون بكتابكم وقوله وإذا لقوكم قالوا آمنا أي إنهم منافقون وقوله وإذا خلوا عصوا عليكم الانامل من الغيظ العض هو الاخذ بالاسنان مع ضغط والانامل جمع أنملة وهي طرف الاصبع والغيظ هو الحنق وعض الانامل على شئ مثل يضرب للتحسر والتأسف غضبا وحنقا.

 وقوله قل موتوا بغيظكم دعاء عليهم في صورة الامر وبذلك تتصل الجملة بقوله إن الله عليم بذات الصدور أي اللهم امتهم بغيظهم إنك عليم بذات الصدور أي القلوب أي النفوس.

 قوله تعالى إن تمسسكم حسنة تسؤهم المسائة خلاف السرور وفي الآية دلالة على أن الامن من كيدهم مشروط بالصبر والتقوى

 




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (90)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (4)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (6)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 191

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8015449

  • التاريخ : 20/09/2019 - 19:04

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net