00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة يس 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن ( الجزء الثامن )   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

36 - سورة يس

في قول مجاهد وقتادة والحسن: ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.

وقال ابن عباس: آية منها مدنية وهي قوله * (وإذا قيل لهم انفقوا مما رزقكم الله) * وهي ثلاث وثمانون آية كوفي. واثنان وثمانون آية في ما عداه.

الآية: 1 - 40

بسم الله الرحمن الرحيم

(يس(1) والقرآن الحكيم(2) إنك لمن المرسلين(3) على صراط مستقيم(4) تنزيل العزيز الرحيم(5) لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون(6) لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون(7) إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الاذقان فهم مقمحون(8) وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون(9) وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون(10))

عشر آيات كوفي وتسع في ما عداه عد الكوفي (يس) ولم يعده الباقون.

[441]

قرأ الكسائي بامالة الالف من (ياسين) وكذلك حمزة إلا انه أقل إمالة الباقون بغير امالة. وقرأ ابن كثير ونافع وابوعمرو وابوبكر عن عاصم * (تنزيل العزيز الرحيم) * بالرفع الباقون بالنصب.

فمن رفع، فعلى تقدير (ذلك) تنزيل العزيز، ومن نصب، فعلى تقدير (نزل) تنزيل العزيز الرحيم.

وقرأ اهل الكوفة إلا ابا بكر * (سدا) * بفتح السين في الموضعين. الباقون بضمها، وهما لغتان، وقال ابوعمرو: وما كان من فعل الله، فهو بالفتح.

وعد أهل الكوفة (يس) آية ولم يعدوا (طس) لان (طاسين) أشبه قابيل وهابيل في الوزن، والحروف الصحاح، ولم يشبهها (ياسين) لان أوله حرف من حروف العلة وليس مثل ذلك في الاسماء المفردة، فاشبه الجملة والكلام التام وشاكل ما بعده من رؤس الآي. وقد مضى في ما تقدم أن افتتاح أوائل السور بأمثال هذه الحروف الاقوى فيها أنها اسماء للسور.

وقيل: إنها اسماء القرآن، وقيل إنها حروف إذا جمعت انبأت عن اسم الله الاعظم، وغير ذلك من الاقاويل لا نطول بذكره.

وقال الحسن: معناه يا رجل.

وقال محمد بن الحنفية (يس) معناه يا إنسان يا محمد، وروي عن علي عليه السلام أنه قال سمى الله تعالى النبي صلى الله عليه واله في القرآن بسبعة اسماء: محمد، وأحمد، وطه، ويس، والمزمل، والمدثبر، وعبدالله، وقيل: معناه بالسريانية يا إنسان. وقيل: معناه يا سيد الاولين والآخرين.

وأخفى النون من (ياسين) الكسائي وابوبكر عن عاصم. الباقون ببيان النون، وهو الاجود لان حروف الهجاء ينوى بها السكت والانقطاع عما بعدها. ومن قال بالاول قال لان النون والتنوين إنما يظهران عند حروف الحلق وليس ههنا شئ منها.

[442]

وقوله * (والقرآن الحكيم) * قسم من الله تعالى بهذا القرآن وصفه بأنه حكيم من حيث أن فيه الحكمة، فصار ذلك بمنزلة الناطق به للبيان عن الحق الذي يعمل به. والحكمة قد تكون المعرفة، وقد تكون ما يدعو إلى المعرفة، وأصله المنع من الخلل والفساد، فالمعرفة تدعو إلى ما أدى إلى الحق من برهان أو بيان قال الشاعر:

أبني حنفية احكموا سفهاء‌كم * إني اخاف عليكم أن اغضبا(1)

أي امنعوهم.

وقال قوم: إنما أقسم الله بالقرآن الحكيم لعظم شأنه وموضع العبرة به والفائدة فيه، والمقسم عليه قوله * (إنك لمن المرسلين) * أقسم تعالى أن النبي صلى الله عليه واله ممن أرسله الله بالنبوة والرسالة، وأنه * (على صراط مستقيم) * وهو طريق الحق المستقيم الذي يؤدي إلى الجنة * (تنزيل العزيز الرحيم) * من رفع فعلى تقدير ذلك تنزيل، ومن نصب فعلى تقدير نزل تنزيل.

وموضع * (على صراط مستقيم) * يجوز ان يكون رفعا على انه خبر، كأنه قال إنك على صراط مستقيم، ويجوز أن يكون نصبا على الحال للارسال، كأنه قال: أرسلوا مستقيما طريقتهم.

وقوله * (لتنذر قوما) * معناه إنه أنزل القرآن لتخوف به من معاصي الله قوما * (ما أنذر آباؤهم) * من قبل اراد به قريشا أنذروا بنبوة محمد، وقيل: في معناه قولان: احدهما - قال عكرمة: معناه لتنذر قوما مثل الذي أنذر آباؤهم. الثاني - قال قتادة: معناه لتنذر قوما لم ينذر آباؤهم قبلهم - يعني في

___________________________________

(1) مر في 1 / 142 و 2 / 188 و 4 / 496 و 5 / 512 و 6 / 440

[443]

زمان الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام * (فهم غافلون) * عما تضمنه القرآن وعما أنذر الله من نزول العذاب. ومثل الغفلة السهو، وهو ذهاب المعنى عن النفس ومثله النسيان وهو ذهاب الشئ عن النفس بعد حضوره فيها.

ثم اخبر تعالى مقسما انه * (لقد حق القول على اكثرهم) * اي وجب باستحقاق العقاب بادخالهم النار * (فهم لا يؤمنون) * لذلك، وقد سبق في علم الله.

ثم اخبر تعالى فقال * (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا) * أي جعل الغل في اعناقهم وهو جمع عنق * (فهي إلى الاذقان) * والاذقان جمع ذقن وهو مجمع اللحيين. وقيل بأيمانهم إلى اذقانهم، فكنى عنها، لانها معلومة.

وقيل: التقدير بالاغلال بالايمان إلى الاذقان فهو محذوف، قال الشاعر:

وما أدري إذا يممت أرضا * أريد الخير أيهما يليني

أألخير الذي أنا ابتغيه * أم الشر الذي لا يأتليني(1)

* (فهم مقمحون) * فالمقمح الغاض بصره بعد رفع رأسه، وقيل هو المقنع وهو الذي يجذب ذقنه حتى تصير في صدره ثم يرفع. والقمح من هذا وهو رفع الشئ إلى الفم، والبعير القامح الذي إذا أورده الماء في الشتاء رفع رأسه وشال به نصبا لشدة البرد، قال الشاعر:

ونحن على جانبها قعود * نغض الطرف كالابل القماح(2)

وقيل: قد رفعوا رؤسهم وشخصوا بأبصارهم - ذكره مجاهد - ثم قال * (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا) * ومعناه سدا عن الحق - في قول مجاهد وقتادة - اي على جهة الذم لهم، وصفهم بذلك لا أنهم منعوا منه وكذلك ذكر الاغلال كما قال الافوه الازدي:

___________________________________

(1) مر في 2 / 113 و 5 / 529 و 6 / 391.

(2) اللسان (قح)

[444]

كيف الرشاد إذا ما كنت في نفر * لهم عن الرشد اغلال واقياد

وفي تأويل الآيات قولان: احدهما - انه جعل جهلهم وذهابهم عن معرفة الحق غلا وسدا إذ كان المغلول الممنوع من التصرف امامه ووراء‌ه ذاهب عما قد منع منه وحيل بينه وبين الدليل عليه إن الله تعالى لم يجعل الكافر مغلولا في الحقيقة ولا مسدودا بين يديه ومن خلفه ولا في عينه غشاوة، كقوله تعالى * (وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في اذنيه وقرا) *(1) شبهه بمن في اذنيه وقر، فعلمنا بهذا التشبيه أنه إنما يريد بوصف الكفار بالوقر والكن والغل والسد التشبيه الذي عناه - ههنا - ولو كان في إذن الكافر وقر على الحقيقة لم يجز تشبيهه بمن في اذنيه وقر، وهو كقولهم للجاهل: حمار وثور، وإنما يريدون المبالغة في وصفه بالجهل، ومعنى (جعلنا) يحتمل وجهين احدهما - انه كما شبههم بمن جعله مغلولا مقيدا أجرى عليه صفة الجعل بأنه مشبه للمجعول مغلولا مقيدا. والثاني - انه اراد البيان عن الحالة التي شبه بها المغلول المقيد، كما يقول القائل: جعلني فلان حمارا وجعلني ميتا إذا وصفه بالحمارية والموت وشبهه بالحمار والميت وهذا واضح.

والوجه الثاني - في تأويل الآيات انه أراد وصف حالهم في الآخرة، لانه تعالى يوثقهم في الاغلال والسلاسل، ما قال تعالى * (خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه) *(2) وقال * (إذ الاغلال في اعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون) *(3) وقال في السد الذي جعله لهم: فلا يبصرون كما قال * (يوم

___________________________________

(1) سورة 31 لقمان آية 7.

(2) سورة 69 الحاقة آية 30 - 31.

(3) سورة 40 المؤمن آية 71 - 72

[445]

يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل: ارجعوا وراء‌كم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهرة من قبله العذاب) *(1) وقال * (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصماما مأواهم جهنم) *(2) فلما كانت هذه حال الكفار في الآخرة، وصف حالهم في الدنيا.

وقوله * (فهم مقمحون) * فقد فسرناه في آية اخرى وهي قوله * (مهطعين مقنعي رؤسهم) *(3) والاقناع هو رفع الرأس واشخاصه فقد صح بما بيناه كلا الوجهين في الآية وزالت الشبهة بحمد الله.

وقال السدي: إن ناسا من قريش ائتمروا على قتل النبي صلى الله عليه واله فلما جاء‌وه جعلت ايديهم إلى اعناقهم فلم يستطيعوا ان يبسطوا اليه يدا.

وقال قوم: حال الله بينهم وبين ما أرادوا فعبر عن ذلك بأنه غلت ايديهم.

وقال البلخي: يجوز ان يكون المراد * (جعلنا في اعناقهم اغلالا) * من الآيات والبينات * (وجعلنا من بين ايديهم سدا ومن خلفهم سدا) * منها * (فاغشيناهم) * بها * (فهم) * مع ذلك * (لا يبصرون) * بدليل قوله * (أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والارض) *(4) وقرأ ابن مسعود وابن عباس * (انا جعلنا في ايمانهم اغلالا) * لان الغل لا يكون في العنق دون اليد، ولا في اليد دون العنق، والمعنى إنا جعلنا في اعناقهم وفي أيمانهم اغلالا وقوله * (فهي) * كناية عن الايدي لا عن الاعناق، لان الغل يجعل اليد تلي الذقن، والعنق والعنق هو مقارب الذقن، لان الغ يجعل العنق إلى الذقن.

___________________________________

(1) سورة 57 الحديد آية 13.

(2) سورة 17 الاسرى آية 97.

(3) سورة 14 ابراهيم آية 43.

(4) سورة 34 سبأ آية 9

[446]

وقرأ الحسن * (فأغشيناهم) * بالعين المهملة، وهو ما يلحق من ضعف البصر وقيل: الآية نزلت في ابي جهل، لانه هم بقتل النبي صلى الله عليه واله فكان إذا خرج بالليل لا يراه، ويحول الله بينه وبينه.

وقيل: السد فعل الانسان، والسد بالضم خلقه تعالى * (فاغشيناهم فهم لا يبصرون) * أي حكمنا عليهم بأنهم كمن غشي بصره فهم لا يبصرون لذلك.

وقيل: اغشيناهم بظلمة الكفر فهم لا يبصرون الهدى.

وقيل: بظلمة الليل فهم لا يبصرون النبي صلى الله عليه واله.

ثم قال * (سواء عليهم أأنذرتهم) * يا محمد وخوفتهم * (أم لم تنذرهم) * وتخوفهم بالعقاب * (فهم لا يؤمنون) * للعناد وترك الالتفات والفكر في ما يخوفهم منه، فاستوى علمه تعالى في تركهم الايمان وعدولهم عنه إلى الكفر بسوء اختيارهم.

قوله تعالى: (إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم(11) إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شئ أحصيناه في إمام مبين(12) واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاء‌ها المرسلون(13) إذا أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون(14) قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شئ إن أنتم إلا تكذبون(15))

خمس آيات.

[447]

قرأ ابوبكر عن عاصم * (فعززنا) * مخففا بمعنى فقهرنا من قولهم: من عزيز الباقون بالتشديد يعني قوينا الاثنين بثالث معينا، لما قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واله إن هؤلاء الكفار لا يؤمنون أبدا واخبره بأنه سواء عليهم الانذار وترك الانذار بين ههنا حال من ينتفع بالانذار فقال * (إنما تنذر من اتبع الذكر) * ومعناه إنما ينتفع بانذارك وتخويفك من اتبع الذكر، لان نفس الانذار قد حصل للجميع وأضافه - ههنا - إلى من اتبع الذكر لما كانوا المنتفعين به، كما قال * (هدى للمتقين) *.

والذكر المذكور - ههنا - القرآن - في قول قتادة - * (وخشي الرحمن بالغيب) * قيل في معناه قولان: احدهما - وخشى الرحمن وخاف ارتكاب معاصيه في غيبه عن الناس. والثاني - وخشي الرحمن في ما غاب عنه من الآخرة وأمرها.

ثم قال لنبيه من هذه صفته * (فبشره بمغفرة) * من الله لذنوبه * (واجر) * أي ثواب * (كريم) * وهو ما يفعله الله على وجه الاجلال والاكرام. وقيل: الاجر الكريم الجنة.

ثم اخبر تعالى عن نفسه فقال * (إنا نحن نحي الموتي) * بعد أن افنيناهم * (ونكتب ما قدموا) * من طاعاتهم ومعاصيهم في دار الدنيا، وهو قول مجاهد وقتادة * (وآثارهم) * قال مجاهد: يعني خطاهم إلى المساجد، لان نبي سلمة من الانصار شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه واله بعد منازلهم من المسجد والصلاة مع رسول الله، فنزلت فيهم الآية وقيل: معناه وآثارهم التي تبقى بعدهم ويقتدى بهم فيها.

ثم قال * (وكل شئ أحصيناه في إمام مبين) * ومعناه أحصيناه في كتاب ظاهر، وهو اللوح المحفوظ. والوجه في احصاء ذلك في إمام مبين اعتبار الملائكة به إذا قابلوا به ما يحدث من الامور، وكان فيه دليل على معلومات الله على التفصيل.

[448]

ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله * (واضرب لهم مثلا) * معناه اذكر لهم مثلا.

وقيل: معناه مثل لهم مثلا، من قولهم: هؤلاء اضراب أي امثال.

وقوله * (اصحاب القرية) * قال عكرمة والفراء: هي انطاكية * (إذ جاء‌ها المرسلون) * اي حيث بعث الله اليهم بالرسل * (إذ ارسلنا اليهم اثنين) * يعني رسولين.

وقال قوم: كانا رسولي عيسى من حواريه.

وقال آخرون: كانا رسولين من رسل الله وهو الظاهر * (فكذبوهما) * أي جحدوا نبوتهما * (فعززنا بثالث) * أي فعززهما الله بثالث فيمن قرأ بالتشديد وشد ظهرهما به - في قول مجاهد وابن زيد - ومن خفف أراد فغلب الله بثالث أرسله اليهم * (فقالوا) * لهم يا اهل القرية * (إنا اليكم مرسلون) * ارسلنا الله اليكم * (قالوا) * لهم * (ما أنتم إلا بشر مثلنا) * أي ليس أنتم إلا بشر أمثالنا، فدخلت عليهم الشبهة فاعتقدوا أنه من حيث انهم امثالهم في البشرية لا يصلح ان يكونوا رسلا كمالا يصلحون هم لذلك * (وما انزل الرحمن من شئ) * مما تذكرونه وتدعونا اليه * (ان انتم إلا تكذبون) * أي ليس انتم إلا كاذبون على الله ومتخرصون عليه في ادعائكم الرسالة، وذهب عنهم معنى * (اخترناهم على علم على العالمين) *(1) وأنه تعالى علم من حال هؤلاء صلاحهم للرسالة وتحملهم لاعبائها ولم يعلم ذلك من حالهم بل على خلاف ذلك.

___________________________________

(1) سورة 44 الدخان آية 32

[449]

قوله تعالى: (قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون(16) وما علينا إلا البلاغ المبين(17) قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم(18) قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون(19) وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين(20))

خمس آيات

لما حكى الله تعالى عن اهل القرية انهم قالوا للرسل * (إن انتم إلا تكذبون) * في ادعائكم الرسالة على الله حكى ما اجابهم به الرسل فانهم * (قالوا ربنا يعلم إنا اليكم لمرسلون) * ووجه الاحتجاج بذلك انه يلزمهم بقولهم الحذر من مخالفتهم والنظر في معجزاتهم ليعلموا انهم صادقون على الله، ففي ذلك تحذير شديد.

ثم قال الرسل لهم أيضا * (وما علينا إلا البلاغ المبين) * أي ليس يلزمنا اكثر من البلاغ المبين، والمعنى انه لو جاء‌كم رسول غيرنا هل كان عليه إلا البلاغ؟ على حد ما بلغنا. والبلاغ مجئ الشئ إلى حد يقف عنده، بلغ الشئ يبلغ بلوغا وبلاغا، فهو بالغ. ومنه البلاغة، ومثل الابلاغ الافهام والايصال. والمبين صفة للبلاغ، وهو الظاهر الذي لا شبهة فيه، فقالوا لهم في الجواب عن ذلك حين عجزوا عن إيراد شبهتم، وعدلوا عن النظر في معجزهم * (انا تطيرنا بكم) * أي تشاء‌منا بكم، والتطير التشاؤم.

[450]

ثم هددوهم فقالوا * (لئن لم تنتهوا) * عن ما تدعونه من النبوة والرسالة * (لنرجمنكم) * بالحجارة - في قول قتادة - وقال مجاهد: معناه لنشتمنكم: فالرجم الرمي بالحجارة، يقال: رجم يرجم رجما، ورجم بالغيب ترجيما * (وليمسنكم منا عذاب اليم) * عند ذلك، فقال لهم الرسل * (طائركم معكم) * أي الشؤم كله معكم باقامتكم على الكفر بالله.

وقال الفراء: معنى * (طائركم معكم) * أي اعمالكم في رقابكم تجازون عليها.

وقال المبرد: معنى (طائركم) حظكم ونصيبكم من الخير والشر.

وهو قول ابي عبيدة. والطيرة الشؤم.

ومنه قوله صلى الله عليه واله * (لا عدوى ولا هامه ولا صقر ولا غلول) * وفلان لا يطير غرابه، وهو ساكن الطائر، إذا كان ساكنا وقورا، وفلان لا يطور بنا أي لا يقربنا، وما في الدار طوري ولا طوراني أي لا أحد. وعدا فلان طوره إذا جاوز قدره.

وقوله * (ائن ذكرتم) * قرأه ابن كثير ونافع وابوعمرو والمفضل عن عاصم - بهمزة بعدها ياء - وهي همزة بين بين. والباقون بهمزتين مخففتين: احداهما همزة الاستفهام، والاخرى - همزة (إن) وجواب (ائن ذكرتم) محذوف وتقديره أئن ذكرتم هذا القول.

وقال قوم: معناه أئن ذكرتم طائركم معكم وقال قوم: جعله جزاء قدم خبره عليه لما كان غير مجزوم اللفظ.

وقيل: أئن ذكرتم تطيركم قلتم ما قلتم، * (بل انتم قوم مسرفون) * على نفوسكم، لانكم تجاوزتم حد العصيان حين كفرتم بالله وبوحدانيته.

وقيل: كان اسم صاحب (يس) الذي قتله قومه حبيب بن مرى.

حكى الله تعالى انه * (جاء من اقصى المدينة رجل يسعى) * أي رجل من أبعد المدينة جاء يعدوا ويشتد * (فقال يا قوم اتبعوا المرسلين) * الذين أرسلهم الله اليكم واقروا بنبوتهم وبرسالتهم.

[451]

وقرأ ابوجعفر (أئن) بفتح الهمزة الثانية. وبه قال زوين بن حبيش. ومعناه لان ذكرتم. الباقون بكسرها. وقرأ ابوجعفر (ذكرتم) بالتخفيف. الباقون بتشديدها.

قوله تعالى: (إتبعوا من لا يسئلكم أجرا وهم مهتدون(21) ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون(22) أتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون(23) إني إذا لفي ضلال مبين(24) إني آمنت بربكم فاسمعون(25) قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون(26) بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين(27) وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين(28) إن كانت إلا صيحة واحدة فاذا هم خامدون(29) يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن(30))

عشر آيات.

قرأ ابوا جعفر * (ان كانت إلا صيحة) * بالرفع في الموضعين جعلها اسم (كان). الباقون بالنصب على انها خبر كان.

لما حكى الله تعالى ما قال لهؤلاء الكفار الرجل الذي جاء‌هم من اقصى المدينة وأمرهم بأن يتبعوا الرسل قال لهم ايضا * (اتبعوا) * معاشر الكفار * (من

[452]

لا يسألكم أجرا) * أي لا يطلب الاجر والجزاء والمكافأة على ما يدعوكم اليه ويحثكم عليه، وإنما يدعوكم نصيحة لكم * (وهم) * مع ذلك * (مهتدون) * إلى طريق الحق سالكون سبيله.

ثم قال لهم الذي وعظهم وحثهم على طاعة الله واتباع رسله * (ومالي لا أعبد الذي فطرني) * ومعناه ولم لا أ عبدالله واتبع رسله، ومالي لا أعبد الذي فطرني، ومعناه ولم لا أ عبدالله الذي خلقني وابتداني وهداني * (واليه ترجعون) * أي الذي تردون اليه يوم القيامة حيث لا يملك الامر والنهي غيره.

ثم قال لهم منكرا على قومه عبادتهم غير الله * (أأتخذ) * أنا على قولكم * (من دون الله) * الذي فطرني وأنعم علي * (آلهة) * اعبدهم؟ ! فهذه همزة الاستفهام والمراد بها الانكار، لانه لا جواب لها على اصلهم إلا ما هو منكر في العقول ثم قال * (إن يردني الرحمن بضر) * معناه ان أراد الله إهلاكي والاضرار بي لا ينفعني شفاعة هذه الآلهة شيئا، ولا يقدرون على انقاذي من ذلك الضرر. ولا يغنون عني شيئا في هذا الباب.

وإذا كانوا بهذه الصفة كيف يستحقون العبادة؟ ! ثم قال * (إني إذا لفي ضلال مبين) * أي إذا لو فعلت ما تفعلونه وتدعون اليه من عبادة غير الله أكن في عدول عن الحق.

والوجه في هذا الاحتجاج أن العبادة لا يستحقها إلا من أنعم بأصول النعم ويفعل من التفضل مالا يوازيه نعم منعم، فاذا كانت هذه الاصنام لا يصح فيها ذلك كيف تستحق العبادة؟ ! ثم قال مخبرا عن نفسه مخاطبا لقومه * (إني آمنت) * أي صدقت * (بربكم) * الذي خلقكم وأخرجكم من العدم إلى الوجود * (فاسمعون) * مني هذا القول. وقيل: انه خاطب الرسل بهذا القول ليشهدوا له بذلك عند الله.

وقال ابن مسعود: إن قومه لما سمعوا منه هذا القول وطؤه بأرجلهم حتى مات.

وقال قتادة: رجموه حتى قتلوه.

[453]

وقال الحسن: لما أراد القوم أن يقتلوه رفعه الله اليه فهو في الجنة، ولا يموت إلا بفناء السماء وهلاك الجنة.

قال مجاهد: مثل ذلك.

وقالا الجنة التي دخلها يجوز هلاكها.

وقال قوم: إنهم قتلوه إلا أن الله أحياه وادخله الجنة وقال الحسن * (من بعده) * يعني من بعد رفعه.

وقال غيره: من بعد قتله.

ثم حكى الله تعالى ما يقول الملائكة لهذا الداعي من البشارة له بعد موته فانهم يقولون له * (ادخل الجنة) * مثابا مستحقا للثواب الجزيل على إيمانك بالله فيقول حينئذ * (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي) * من الذنوب * (وجعلني من المكرمين) * عنده. فهذا المؤمن تمنى أن يعلم قومه بما أعطاه الله تعالى فيرغبوا فيه ويؤمنوا به لينالوا مثله. والاكرام هو اعطاء المنزلة الرفيعة على وجه التعظيم والتبجيل. وقد فاز من أكرمه الله بالرضوان، كما قال تعالى * (ورضوان من الله اكبر) * () لانه سبب يؤدي إلى الجنة.

ثم حكى ما قال وانزل بهؤلاء الكفار من العذاب والاستئصال، فقال * (وما انزلنا على قومه من بعده من جند من السماء) * أي كان إهلاكهم عن آخرهم بأيسر أمر: صيحة واحدة حتى صاروا خامدين ذكره ابن مسعود ومعنى " خامدين " هالكين بتلف أنفسهم، والمعنى إنا لم نستعن على إهلاكهم بانزال الجند من السماء " وما كنا منزلين " لهم ليهلكوهم، وما كان إهلاكهم " إلا صيحة واحدة " عظيمة فحين سمعوها هلكوا من عظمها، وماتوا من فزعها.

وقوله " يا حسرة على العباد " قيل: هو قول الذي جاء من أقصى المدينة

___________________________________

(1) سورة 9 التوبة آية 73

[454]

- ذكره البلخي - وقال غيره: معناه يحتمل شيئين: احدهما - يا حسرة من العباد على أنفسهم - ذكره قتادة ومجاهد -. الثاني - انهم قد حلوا محل من يتحسر عليه.

وقال ابن عباس: معناه يا ويلا للعباد " ما يأتيهم من رسول " أي ليس يأتيهم من رسول من عند الله " إلا كاوا به يستهزؤن " أي يسخرون منه ويهزؤن به، والذي حكى الله تعالى عنه مخاطبا قومه هو ما قدمنا ذكره: حبيب بن مري - في اقوال المفسرين.

قوله تعالى: (ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون(31) وإن كل لما جميع لدينا محضرون(32) وآية لهم الارض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون(33) وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون(34) ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون(35))

خمس آيات بلا خلاف.

قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة " لما " بتشديد الميم، الباقون بتخفيفها. وقرأ اهل المدينة " الميتة " بالتشديد، لانه يقال: لما كان حيا ومات ميت بالتشديد، ولما لم يكن حيا بالتخفيف - ذكره الفراء - وقرأ اهل الكوفة إلا حفصا " وما عملت " بغير هاء. الباقون بالهاء.

من قرأ (لما) بالتخفيف فانه يكون (ما) في قوله (لما) صلة مؤكدة، وتكون (ان) هي المخففة من الثقيلة

[455]

وتقديره، وإن كل لجميع لدينا محضرون، ومن قرأ بالتشديد يحتمل شيئين: احدهما - ان يكون بمعنى (إلا) وتقديره وان كل إلا لجميع لدينا محضرون وتكون (إن) بمعنى الجحد، وكأنه جحد دخل على جحد، فخرج إلى معنى الاثبات. ومثله في الاستعمال سألتك لما فعلت، بمعنى الا فعلت.

والوجه الثاني - أن يكون معنى (لما) بمعنى (لمن ما) فحذفت احدى الميمات، لاجل التضعيف كما قال الشاعر:

غداة طفت علماء بكر بن وائل * وعجنا صدور الخيل نحو تميم

اراد على الماء، فحذف لالتقاء المضاعف، وأما (ما) في قوله " وما عملت أيديهم " يحتمل ثلاثة اوجه:

احدها - ان يكون بمعنى الجحد. وتقديره ليأكلوا من ثمره، ولم تعمله أيديهم، ويقوى ذلك قوله " أفرايتم ما تحرثون أانتم تزرعونه أم نحن الزارعون "(1).

والثاني - ان يكون بمعنى الذي.

والثالث - ان يكون مع ما بعده بمعنى المصدر، فعلى هذا يكون في موضع جر، وتقديره ليأكلوا من ثمره ومن الذي عملته او من عمل ايديهم من انواع الطعوم الذي أنبتوه، والذى غرسوه، ومن الذي يطحنونه ويخبزونه، فمن أثبت الهاء او حذفها تبع المصاحف، لان المصاحف مختلفة.

والهاء عائدة على (ما) و (عملت) صلتها. ومن حذف اختصر، لانها للمفعول به، وكل مفعول يجوز حذفه، كقوله " ما ودعك ربك وما قلي "(2) يريد وما قلاك

___________________________________

(1) سورة 56 المواقعة آية 63 - 64.

(2) سورة 93 الضحى آية 3

[456]

ومثله " منهم من كلم الله "(1) يريد كلمه الله، وكقوله " أهذا الذى بعث الله رسولا "(2) يريد بعثه الله.

يقول الله تعالى منبها للكفار على وجه الاستدلال على وحدانيته بأن يقول " ألم يروا " ومعناه ألم يعلم هؤلاء الكفار " كم اهلكنا قبلهم من القرون " فمعنى (كم) ههنا للتكثير، ويفسرها (من القرون) وتقديره ألم يروا كم قرنا أهلكنا قبلهم من القرون، وموضع (كم) نصب ب‍ (يروا) - في قول الكوفيين، وعند البصريين ب‍ (أهلكنا) على تقدير القرون اهلكنا او اكثر " انهم اليهم لا يرجعون " ونصب (انهم) لانه مفعول (الم يروا) وكسره الحسن على وجه الاستئناف، ووجه الاحتجاج بذلك هو انه قيل لهم: انظروا لم لا يرجعون فانكم تجدون ذلك في قبضة مالكهم يردهم في الآخرة إذا شاء ردهم، لانه لا يخلو اهلاكهم اما بالاتفاق من غير اضافة او بالطبيعة او بحي قادر، ولو كان بالاتفاق او بالطبيعة لم يمتنع ان يرجعوا إلى الدنيا، فاذا بطل ذلك، ثبت أن إهلاكهم بحي قادر إذا شاء ردهم وإذا شاء لم يردهم. ووجه التذكر بكثرة المهلكين أى انكم ستصيرون إلى مثل حالهم، فانظروا لانفسكم واحذروا أن يأتيكم الا هلاك، وانتم في غفلة عما يراد بكم.

والقرون جمع (قرن) وأهل كل عصر يسمى قرنا، لاقترانهم في الوجود والقرن - بكسر القاف - هو المقاوم في الحرب، ومنه قرن الشاة لمقارنته القرن الآخر، وكذلك كل ذى قرنين.

وقال قتادة " انهم اليهم لا يرجعون " عاد وثمود، وقرون بين ذلك كثيرة.

ثم قال وهؤلاء الذين لا يرجعون كلهم " لدينا محضرون " يوم القيامة يحضرهم الله ويبعثهم ليجازيهم على اعمالهم.

___________________________________

(1) سورة 2 البقرة آية 253.

(2) سورة 25 الفرقان آية 41

[457]

وقوله * (وآية لهم) * على ذلك أي دلالة وحجة قاطعة * (الارض) * يعني هي الارض * (الميتة) * القحطة المجدبة وهي التي لا تنبت * (احييناها) * بالنبات * (واخرجنا منها حبا فمنه يأكلون) * من انواع ما يأكلون * (وجعلنا فيها) * أي وخلقنا في الارض * (جنات) * يعني بساتين * (من نخيل) * جمع نخل * (واعناب) * جمع عنب * (وفجرنا فيها) * في تلك الجنات * (من العيون) * وهي عيون الماء تنبع فيها وتجري ثم بين انه إنما خلق ذلك * (ليأكلوا من ثمره) * أي غرضنا نفعهم بذلك وانتفاعهم بأكل ثمار تلك الجنات * (وما عملته ايديهم) * أي ولم تعمل تلك الثمار ايديهم إذا (ما) كانت بمعنى النفي، وإذا كانت معناها معنى الذي يكون تقديره، والذي عملته ايديهم من انواع الاشياء المتخذة من النخل والعنب وكثرة منافعه.

وقوله * (من ثمره) * رد الكناية إلى احدهما كما قال * (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) *(1) كما قال الشاعر:

نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف(2)

وقوله * (افلا تشكرون) * معناه هلا تشكرونه على هذه النعم التي عددتها.

___________________________________

(1) سورة 9 التوبة آية 35.

(2) مر في 1 / 117، 220، 263 و 5 / 246، 289

[458]

قوله تعالى: (سبحان الذي خلق الازواج كلها مما تنبت الارض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون(36) وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فاذا هم مظلمون(37) والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم(38) والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم(39) لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون(40))

خمس آيات بلا خلاف.

قرأ ابن كثير ونافع وابوعمرو وروح " والقمر قدرناه " رفعا على الاستئناف لان الفعل مشغول بالضمير العائد إلى القمر.

وقال ابوعلي: الاجود أن يكون رفعا على تقدير وآية لهم القمر قدرناه، لانه اشبه بالجمل قبلها.

ومن رفعه بالابتداء جعل (لهم) صفة للنكرة والخبر مضمر، وتقديره " وآية لهم " في المشاهدة او الوجود، ويكون قوله " الليل نسلخ منه النهار " تفسير للآية. الباقون بالنصب بتقدير فعل مضمر، ما بعده تفسيره، وتقديره: وقدرنا القمر قدرناه.

يقول الله تعالى منزها نفسه ومعظما لها ودالا بأنه هو الذي يستحق الحمد بما نبه بقوله " سبحان الذي " أي تنزيها للذي " خلق الازواج كلها " أي تعظيما وتبجيلا له بجميع ما خلق من الازواج، وهي الاشكال، والحيوان على مشاكلة الذكر للانثى، وكذلك النخل والحبوب اشكال، والتين والكرم ونحوه اشكال، فلذلك قال " مما تنبت الارض " يعني من سائر النبات " ومن انفسهم " من الذكر والانثى " ومما لا يعلمون " مما لم يشاهدوه ولم يصل خبره اليهم.

ثم قال " وآية لهم " يعني دلالة وحجة على صحة ذلك " الليل نسلخ منه النار " أي نخرج منه النهار " فاذا هم مظلمون " أي داخلون في الظلمة لا ضياء

[459]

لهم فيه بالشمس، فالسلخ إخراج الشئ من لباسه، ومنه إخراج الحيوان من جلده، يقال سلخ يسلخ سلخا فهو سالخ، ومنه قوله * (فانسلخ منها) *(1) أي فخرج منها خروج الشئ مما لابسه، ثم قال * (والشمس تجري لمستقر لها) * آية اخرى.

وقيل في معنى المستقر ثلاثة اقوال: احدها - لانتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا.

الثاني - قال قتادة: لوقت واحد لها لا تعدوه ولا تختلف.

الثالث - إلى ابعد منازلها في الغروب.

وقال المبرد معنى * (لمستقر لها) * أي إلى.

ومن قال الشمس لا تستقر بل تتحرك أبدا قال معنى * (لمستقر لها) * أنها كلما انتهت إلى منقلب الصيف عادت في الرجوع وإذا بلغت منقلب الشتاء عادت إلى الصعود.

ثم قال * (ذلك تقدير العزيز العليم) * أي من قدر الشمس على ذلك إلا القادر الذي لا يضام، العالم بما يفعله؟، ثم قال * (والقمر قدرناه) * فمن رفع عطف على قوله * (والشمس تجري) * ومن نصب قدر له فعلا يفسره وقوله * (قدرناه منازل) * كل يوم ينزل منزلا غير المنزل الاول لا يختلف حاله إلى ان يقطع الفلك * (حتى عاد كالعرجون القديم) * فالعرجون العذق الذي فيه الشماريخ، فاذا تقادم عهده يبس وتقوس، فشبه به.

وقال الفراء: العرجون ما بين الشماريخ إلى المنابت في النخلة من العذق، والقديم الذي اشرف على حول.

وقوله * (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر) * حتى يكون نقصان ضوئها كنقصان القمر، وقال ابوصالح: معناه لا يدرك احدهما ضوء الآخر، وقيل معناه: * (لا الشمس ينبغي لها ان تدرك القمر) * في سرعة سيره * (ولا الليل سابق النهار) * اي ولا يسبق الليل النهار.

وقيل: إن احدهما لا يذهب إلى معنى الآخر وكل له مقادير قدرها الله عليه.

___________________________________

(1) سورة 7 الاعراف آية 174

[460]

ثم قال * (وكل في فلك يسبحون) * يعني الشمس والقمر والكواكب يسبحون في الفلك. وإنما جمعها بالواو والنون لها أضاف اليها افعال الآدميين. وقيل: الفلك مواضع النجوم من الهواء الذي يجري فيه. ومعنى يسبحون يسيرون فيه بانبساط، وكل ما انبسط في شئ فقد سبح فيه، ومنه السباحة في الماء.

الآية: 41 - 83

قوله تعالى: (وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون(41) وخلقنا لهم من مثله ما يركبون(42) وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون(43) إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين(44) وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون(45))

خمس آيات بلا خلاف.

قرأ اهل المدينة وابن عامر ويعقوب * (ذرياتهم) * على الجمع. الباقون * (ذريتهم) * على التوحيد.

يقول الله تعالى ممتنا على خلقه بضروب نعمه، ودالا لهم على وحدانيته بأن حمل ذريتهم في الفلك المشحون.

وقيل: معنى * (حملنا ذريتهم) * أي قويناهم وهديناهم، كما يقول القائل: حملني فلان إذا اعطاه ما يحمل عليه او هداه إلى ما يحمل عليه. ومن جمع (ذرياتهم) فلان كل واحد له ذرية. ومن وحد فلانه لفظ جنس يدل على القليل والكثير، فالحمل منع الشئ أن يذهب إلي

[461]

جهة السفل، يقال: حمله حملا، فهو حامل والشئ محمول. و (الذرية) فعلية من الذر.

وقيل: هو مشتق من (الذرء) الذي هو الخلق.

وقد بيناه في ما مضى(1) والفلك السفن، لانها تدور في الماء، ومنه الفلكة لانها تدور بالمغزل والفلك لانه يدور بالنجوم، وفلك ثدي المرأة إذا استدار و (المشحون) المملؤ يقال: شحنت الثغر بالرجال أشحنه شحنا إذا ملاته، ومنه الشحنة، لانه يملا بهم البلد، وإنما خص الذرية - وهم الصبيان والنساء - باللفظ، لانهم لا قوة لهم على السفر كما يقوى الرجال، فسخر الله لهم السفن بما جعلها على الماء وعدل الريح ليمكن الحمل في البحر، وجعل الابل في البر.

وقال قتادة والضحاك: المعني بقوله " حملنا ذريتهم في الفلك المشحون " سفينة نوح.

و " خلقنا لهم من مثله ما يركبون " قال ابن عباس، وهو قول مجاهد: ان المراد به الابل وهي سفن البر.

وقوله " وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم " معناه إنا لو شئنا إذا حملناهم في السفن أن نغرقهم فعلنا " فلا صريخ لهم " أي لا مغيث لهم ولا صارخ بالاستغاثة قال الشاعر:

كنا إذا ما اتانا صارخ فزع * كان الصراخ له قرع الطنابيب

أي لا شئ اعانته إلا الجد في نصرته، والطنبوب عظم الساق.

وقيل: معنى الصريخ المعين عند الصراخ بالاستغاثة، وكأنه قال: لا معين لهم يعينهم عند ذلك " ولا هم ينقذون " أي ولا يخلصون ايضا من الغرق إذا اردناه.

وقوله " إلا رحمة منا " معناه إلا أن نرحمهم رحمة منا ونمتعهم " متاعا " ويحتمل إلا لرحمة منا، فيكون مفعولا له، و " إلى حين " أي إلى وقت ما قدرناه

___________________________________

(1) انظر 2 / 441 و 3 / 124 و 4 / 303 و 5 / 32، 48

[462]

لاهلاكهم وتقضي آجالهم، ونخلصهم في الحال من اهوال البحر.

وقوله " وإذا قيل لهم اتقوا ما بين ايديكم " قال قتادة: معناه ما بين أيديكم من عذاب الله لمن خلا قبلكم اتقوا مثله باجتناب معاصيه " وما خلفكم " من أمر الساعة " لعلكم ترحمون " لكي ترحموا عند ذلك وحذف الجواب، كأنه إذا قيل: لهم هذا اعرضوا.

وقال مجاهد: معنى " ما بين ايديكم " هو ما يأتي من الذنوب اجتنبوه في المستقبل " وما خلفكم " يعني ما مضى من ذنوبكم تلافوه بالتوة لترحموا.

قوله تعالى: (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين(46) وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين(47) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين(48) ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون(49) فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون(50))

خممس آيات بلا خلاف.

قرأ ابن كثير وابوعمرو " يخصمون " بفتح الخاء وتشديد الصاد إلا أن أبا عمرو يختلس حركة الخاء.

وقرأ نافع - بفتح الياء وتسكين الخاء مشدد الصاد - يجمع بين ساكنين.

وقرأ ابن عامر وعاصم والكسائي - بفتح الياء وكسر الخاء وتشديد الصاد - وقرأ حمزة - بفتح الياء وتسكين الخاء وتخفيف الصاد -

[463]

فمعنى هذه القراء‌ة: وهم يخصمون عند انفسهم في دفع النشأة الثانية والقراء‌تان الاوليتان بمعنى يختصمون، فأدغمت الياء في الصاد بعد أن اسكنت.

فمن أسكن الخاء، فلانها في الاصل ساكنة، ومن فتحها نقل حركة الياء اليها. ومن كسر الخاء اتبع كسرتها كسرة الصاد. وفي القراء من كسر الياء اتباعا لكسرة الخاء، كما قالوا يهدي، وهو يجئ عن أبي بكر.

يقول: الله تعالى مخبرا عن عناد هؤلاء الكفار وشدة جهلهم بأنه * (ما تأتيهم من آية) * أى دلالة وحجة من حجج الله و (من) تزاد في النفي إذا أريد بها الاستغراق، كقولهم: ما جاء‌ني من احد ومعناه ما جاء‌ني احد. و (من) الثانية للتبعيض، لانه ليس كل آيات الله جاء‌تهم، غير انه تعالى قال ليس تأتيهم من آية أى أي آية كانت * (من آيات ربهم إلا كانوا) * هؤلاء الكفار * (عنها معرضين) * أى ذاهبين عنها وتاركين لها ومعرضين عن النظر فيها، وكل من اعرض عن الداعي إلى كتاب الله وآياته التي نصبها لعباده ليعرفوه بها فقد ضل عن الهدى وخسر الدنيا والآخرة.

ثم اخبر تعالى انه إذا قيل لهم: ايضا * (انفقوا مما رزقكم الله) * في طاعته واخرجوا ما اوجب الله عليكم في أموالكم - من الزكوات وغيرها وضعوها في مواضعها * (قال الذين كفروا) * بوحدانية الله وجحدوا ربوبيته وكذبوا بنبوة نبيه * (انطعم من لو يشاء الله أطعمه) * احتجاجا منهم في منع الحقوق، بأن يقولوا كيف نطعم من الله قادر على أطعامه؟ ! ولو شاء إطعامه أطعمه، فاذا لم يطعمه دل على انه لم يشأ إطعامه فنحن إذا أحق بذلك. وذهب عليهم أن الله تعبدهم بذلك، لما فيه من المصلحة واللطف في فعل الواجبات وترك المقبحات، فلذلك كلفهم إطعام غيرهم.

[464]

و (الرزق) هو ما خلق الله لخلقه لينتفعوا به على وجه لا يكون لاحد منعه منه فعلى هذا الوجه لا يكون الحرام رزقا، فان الله تعالى قد منع منه بالنهي وقد سمي رزقا ما يصلح للانتفاع به مجازا، فعلى هذا ليس كل ما رزقه الله العبد جعل له الانفاق منه والتصرف فيه، وعلى الاول - وهو الاصح - جعل له ذلك.

ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله قل لهم يا محمد * (إن انتم إلا في ضلال مبين) * أي ليس لكم هداية وما انتم إلا في ذهاب عن الحق وعدول عنه بين، فعلى هذا قول من قال: هو من قول الله تعالى صحيح.

وقال قوم: هو من قول المشركين كأنهم لما قالوا: انطعم من لو يشاء الله اطعمه؟ قالوا لرسله ليس انتم إلا في ضلال مبين في ما تدعونا اليه. ثم اخبر تعالى عن الكفار انهم * (يقولون متى هذا الوعد) * الذي تعدنا به من نزول العذاب بنا استهزاء بخبره صلى الله عليه واله وخبر المؤمنين وتجريا على الله * (إن كنتم صادقين) * في ما تدعونا اليه وتخوفونا منه.

فقال الله تعالى في جوابهم * (ما ينظرون) * أي لا ينتظرون * (إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون) * في هل ينزل العذاب بهم أم لا؟ وإنما جعلهم منتظرين لما قالوا: متى هذا الوعد، لان من يلتمس الوعد يكون متنظرا لما وعد به * (تأخذهم) * في حال خصامهم * (فلا يستطيعون توصية) * أي لا يقدر بعضهم على ان يوصي إلى بعض * (ولا إلى اهلهم يرجعون) * أى لا يردون إلى اهلهم فيوصون اليهم.

والصيحة التي تأخذهم هي الصيحة الاولى في الدنيا عند قيام الساعة * (تأتيهم بغتة) * والرجل يسقي أبله وآخر يبيع سلعته على عادتهم في تصرفاتهم، فاذا اخذتهم ونزلت بهم لم يستطيعوا توصية ولم يرجعوا إلى أهلهم للمعاجلة، وروي عن النبي صلى الله عليه واله انه قال (هي ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة القيام لرب العالمين).

[465]

قوله تعالى: (ونفخ في الصور فاذهم من الاجداث إلى ربهم ينسلون(51) قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون(52) إن كانت إلا صيحة واحدة فاذا هم جميع لدينا محضرون(53) فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون(54) إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون(55) هم وأزواجهم في ظلال على الارائك متكؤن(56) لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون(57) سلام قولا من رب رحيم(58) وامتازوا اليوم أيها المجرمون(59) ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين(60))

عشر آيات بلا خلاف

قرأ ابن كثير ونافع وأبوعمرو " في شغل " خفيفة. الباقون بضم الغين مثقلة " وهما لغتان.

وقرأ ابوجعفر " فكهون " بغير ألف حيث وقع، وافقه حفص والداحوني عن ابن ذكوان في (المطففين).

وقرأ اهل الكوفة إلا عاصما " في ضلل " على انه جمع ظلة مثل ظلمة وظلم وتحفة وتحف، الباقون " في ظلال " مثل برمة وبرام، وقلة وقلال.

وقيل: هو جمع ظل وضلال، وهو الكن، كما

[466]

قال * (يتفيؤ ظلاله) *(1) وقال ابوعبيدة: هو جمع الظل أظلال.

يقول الله تعالى مخبرا * (ونفخ في الصور) * وقيل: إن الصور قرن ينفخ فيه إسرافيل فيخرج من جوفه صوت عظيم يميل العباد اليه، لانه كالداعي لهم إلى نفسه.

وقال أبوعبيدة: الصور جمع صورة مثل بسرة وبسر، ولو جعلوه مثل (ظلمة، وظلم) لقالوا: صور بفتح الواو، وهو مشتق من الميل، صاره يصوره صورا إذا أماله ومنه قوله * (فصرهن اليك) *(2) أي أملهن اليك ومنه الصورة، لانها تميل إلى مثلها بالمشاكلة.

وقوله * (فاذا هم من الاجداث) * وهو جمع جدث، وهو القبر، فلغة اهل العالية بالثاء، ولغة أهل السافلة بالفاء يقولون: جدف إلى ربهم ينسلون أي يسرعون والنسول الاسراع في الخروج كما قال الشاعر:

عسلان الذئب أمسى قاربا * برد الليل عليه فنسل(3)

يقال: نسل ينسل وينسل نسولا، قال امرؤ القيس:

وإن تك قد ساء‌تك مني خليقة * فسلي ثيابي من ثيابك تنسل(4)

وقال قتادة: الموتة بين النفختين.

ثم حكى ما يقول الخلائق إذا حشروا، فانهم * (يقولون يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا) * أي من حشرنا من منامنا الذي كنا فيه نياما، ثم يقولون * (هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون) * في ما أخبرونا عن هذا المقام وعن هذا البعث.

فان قيل: هذا ينافي قول المسلمين الذين يقولون: الكافر يعذب في قبره، لانه لو كان معذبا لما كان في المنام !.

قيل: يحتمل ان يكون العذاب في القبر ولا يتصل إلى يوم البعث، فتكون النومة

___________________________________

(1) سورة 16 النحل آية 48.

(2) سورة 2 البقرة آية 260.

(3 و 4) مر في 7 / 279

[467]

بين الحالين. يحتمل لو كان متصلا أن يكون ذلك عبارة عن عظم ما يشاهدونه ويحضرون فيه يوم القيامة، فكأنهم كانوا قبل ذلك في مرقد، وإن كانوا في عذاب لما كان قليلا بالاضافة إلى الحاضر.

وقال قتادة: قوله * (هذا ما وعد الرحمن) * حكاية قول المؤمن.

وقال ابن زيد والجبائي: هو قول الكفار، وهو أشبه بالظاهر، لانه تعالى حكى عنهم انهم يقولون: يا ويلنا، والمؤمن لا يدعو بالويل لعلمه بماله من نعيم الجنة.

وقال الفراء: هو من قول الملائكة.

وقال تعالى مخبرا عن سرعة بعثهم وسرعة اجتماعهم * (إن كانت إلا صيحة واحدة) * والمعنى ليست المدة إلا مدة صيحة واحدة * (فاذا هم جميع لدينا محضرون) * ثم حكى تعالى ما يقوله - عزل وجل - يومئذ للخلائق فانه يقول لهم * (فاليوم لا تظلم نفس شيئا) * أي لا ينقص من له حق من حقه شيئا من ثواب او عوض او غير ذلك، ولا يفعل به مالا يستحقه من العقاب بل الامور جارية على العدل * (ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون) * ومعناه لا يجازى الانسان إلا على قدر عمله، إن كان عاملا بالطاعة جوزي بالثواب. وإن كان عاصيا جوزي بالعقاب على قدر عمله من غير زيادة عليه ولا نقصان، إلا أن يتفضل الله باسقاط عقابه.

ثم قال تعالى * (إن اصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون) * يعني يشغلهم النعيم الذي يغمرهم بسرورهم به عن غيره. وقال ابن مسعود وابن عباس: الشغل كناية عن افتضاض الابكار. وقيل استماع الالحان * (فاكهون) * قال ابن عباس: معناه فرحون.

وقال مجاهد: عجبون، وقيل: ذو فاكهة، كما يقال لاحم شاحم أي ذو لحم وشحم، وعاسل ذو عسل، قال الحطيئة:

[468]

وعززتني وزعمت انك لابن في الصيف تامر(1) أي ذو لبن وتمر. وقيل: فاكه وفكه مثل حاذر وحذر. والفكه الذي يتمرى بالشئ.

ثم اخبر عن حال أهل الجنة فقال * (هم وأزواجهم في ظلال على الارائك) * فالازواج جمع زوجة وهي حرة الرجل الذي يحل له وطؤها. ويقال للمرأة زوج ايضا بغير هاء في الموضع الذي لا يلتبس بالذكر، والظلال الستار عن وهج الشمس وسمومها، فاهل الجنة في مثل ذلك الحال في الطيبة من الظلال الذي لا حر فيه ولا برد. وقيل: الظل الكن وجمعه ظلال. وقيل هو جمع ظلة وظلال، مثل قلة وقلال، ومن قرأ ظلل، فعلى وزن ظلمة وظلم، وقلة وقلل. والارائك جمع أريكة وهي الوسادة، وجمعها وسائد، ويجمع أيضا أرك كقولهم سفينة وسفن وسفائن، وهذه جلسة الملوك العظماء من الناس.

وقيل الارائك الفرش، قال ذو الرمة:

خدودا جفت في السير حتى كأنما * يباشرن بالمعزاء مس الارائك(2)

وقال عكرمة وقتادة: الارائك الحجال على السرر * (متكئون) * فمتكئ مفتعل من توكأت، إلا أن الواو أبدلت تاء.

ثم قال * (لهم فيها) * في الجنة * (فاكهة، ولهم ما يدعون) * أي ما يتمنون، وقال ابوعبيدة: يقول العرب: ادع على ما شئت أي تمن ما شئت، وقيل: معناه إن من ادعى شيئا فهو له بحكم الله تعالى، لانه قد هذبت طباعهم، فلا يدعون إلا ما يحسن منهم.

وقوله * (سلام قولا من رب رحيم) * معناه ولهم سلام قولا من رب رحيم

___________________________________

(1) مجاز القرآن 2 / 164.

(2) مجاز القرآن 1 / 401 و 2 / 164

[469]

يسمعونه من الله تعالى ويؤذنهم بدوام الامن والسلامة ودوامهما مع سبوغ النعمة والكرامة.

ثم يقول للعصاة * (أمتازوا اليوم أيها المجرمون) * ومعناه انفصلوا معاشر العصاة وامتازوا، الذين اجترموا وارتكبوا من المعاصي من جملة المؤمنين، وقال قتادة: معناه اعتزلوا معاشر العصاة عن كل خير، يقال تميز الشئ تميزا، وميزته تمييزا، وأنماز انميازا.

ثم حكى ما يقول تعالى لهم فانه يقول لهم * (ألم اعهد اليكم يا بني آدم) * يعني على لسان أنبيائه * (ان لا تعبدوا الشيطان) * فجعل عبادتهم للاوثان بأمر الشيطان عبادة له * (إنه لكم عدو مبين) * أي، وقلت لكم أن الشيطان لكم عدو مبين أي ظاهرة عداوته لكم.

قوله تعالى: (وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم(61) ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون(62) هذه جهنم التي كنتم توعدون(63) اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون(64) أليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون(65))

خمس آيات بلا خلاف.

قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف ورويس * (جبلا) * بضم الجيم والباء خفيفة اللام. وقرأ نافع وابوجعفر وعاصم بكسر الجيم والباء مشددة. وقرأ ابوعمرو وابن عامر بضم الجيم ساكنة الباء خفيفة. هذه كلها لغات والمعنى واحد.

[470]

قال النوري يقال: جبلا وجبلا وجبلا وجبلا. وحكى غيره التشديد.

لما حكى الله تعالى ما يقوله الكفار يوم القيامة ويواقفهم عليه من انه عهد اليهم أن لا تعبدوا الشيطان وانه عدوهم، حكى انه كان أمرهم أيضا بأن يعبدوا الله وأن عبادته صراط مستقيم، فوضف عبادته تعالى بأنه طريق مستقيم من حيث كان طريقا مستقيما إلى الجنة. وانه لا تخليط فيه ولا تعريج.

ثم قال * (ولقد أضل منكم) * يعني أضل عن الدين الشيطان منكم * (جبلا كثيرا) * أي خلقا كثيرا وإضلاله إياهم هو إغواؤه لهم، كما أضل السامري قوم موسى لما دعاهم إلى عبادة العجل، فكان الاضلال على هذا الوجه قبيحا، فأما إضلال الله تعالى للكفار عن طريق الجنة إلى طريق النار او إضلالهم بمعنى الحكم عليهم بالضلال، فهو حسن. وأمر الشيطان بالضلال الذي يقع معه القبول إضلال كما يسمى الامر بالاهتداء الذي يقع عنده القبول هدى.

وفي الآية دلالة على بطلان مذهب المجبرة في إرادة الله اضلالهم، لان ذلك اضر عليهم من إرادة الشيطان واشد عليهم في إيجاد العداوة قبل أن يكفروا.

و (الجبل) الجمع الذين جبلوا على خليقة، وجبلوا أى طبعوا. وأصل الجبل الطبع ومنه جبلت التراب بالماء إذا صيرته طينا يصلح أن يطبع فيه، ومنه الجبل لانه مطبوع على الثبات * (افلم تكونوا تعقلون) * أنه يغويكم ويصدكم عن دين الحق فتنتبهون عليه، فهو بصورة الاستفهام ومعناه الانكار عليهم والتبكيت لهم.

ثم يقول الله لهم * (هذه جهنم التي كنتم توعدون) * بها في دار التكليف حاضرة تشاهدونها * (اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون) * معناه الزموا العذاب

[471]

بها، وأصل الصلو اللزوم فمنه المصلي الذي يجئ في أثر السابق للزومه أثره والصلوان مكتنفا ذنب الفرس للزومها وموضعها.

وقولهم: صلى على عادتها للزومه الدعاء، وسميت الصلاة صلاة للزوم الدعاء فيها.

وقوله * (بما كنتم تكفرون) * أي جزاء على كفركم بالله وجحدكم لوحدانيته وتكذيبكم انبياء‌ه. ثم اخبر تعالى بأنه يختم على افواه الكفار يوم القيامة فلا يقدرون على الكلام والنطق " وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون " قيل: في معنى شهادة الايدى قولان: احدهما - إن الله تعالى يخلقها خلقة يمكنها أن تتكلم وتنطق وتعترف بذنوبها والثاني - انه يجعل الله فيها كلاما ونسبه اليها لما ظهر من جهتها، وقال قوم: انه يظهر فيها من الامارات ما تدل على ان اصحابها عصوا وجنوا بها أقبح الجنايات فسمى ذلك شهادة، كما يقال: عيناك تشهد لسهرك، وقال الشاعر:

امتلا الحوض وقال قطني * مهلا رويدا قد ملات بطني(1)

وغير ذلك مما قد بيناه في ما تقدم، وكل ذلك جائز، وقال آخر:

وقالت له العينان سمعا وطاعة * وحدرتا كالدر لما يثقب(2)

___________________________________

(1) مر في 1 / 431.

(2) مر في 1 / 43 و 6 / 45

[472]

قوله تعالى: (ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستقبوا الصراط فأنى يبصرون(66) ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون(67) ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون(68) وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين(69) لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين(70))

خمس آيات بلا خلاف.

قرأ ابوبكر عن عاصم * (مكاناتهم) * على الجمع. الباقون على التوحيد، لانه يدل على القليل والكثير.

وقرأ عاصم وحمزة * (ننكسه) * بضم النون الاولى وفتح الثانية وتشديد الكاف. الباقون بفتح النون الاولى وتخفيف الثانية وتخفيف الكاف، وهما لغتان تقول: نكست ونكست مثل رددت ورددت غير ان التشديد للتكثير، والتخفيف يحتمل القليل والكثير، وقال ابوعمرو بالتشديد إن ترك الرجل من دأبه، وبالتخفيف ان يرده إلى ارذل العمر، ففرق بينهما.

وقرأ نافع وابوا جعفر والداحوني عن هشام والنقار ويعقوب * (أفلا تعقلون) * بالتاء. الباقون بالياء، والاول على الخطاب، والثاني على الخبر عن الغائب.

وقرأ اهل المدينة وابن عامر " لتنذر " بالتاء. الباقون بالياء.

يقول الله تعالى مخبرا عن قدرته على إهلاك هؤلاء الكفار الذين جحدوا وحدانيته وعبدوا سواه وجحدوا رسله إنا * (لو نشاء لطمسنا على أعينهم) * قال ابن عباس: معناه إنا لو شئنا أعميناهم عن الهدى.

وقال الحسن وقتادة: معناه لتركناهم عميا يترددون والطمس محو الشئ حتى يذهب أثره، فالطمس على العين كالطمس على الكتاب، ومثله الطمس على المال: إذهابه حتى لا يقع على إدراكه * (فاستبقوا الصراط) * ومعناه طلبوا النجاة. والسبق اليها ولا بصر

[473]

لهم * (فانى تبصرون) وقيل: معناه فاستبقوا الطريق إلى منازلهم فلم يهتدوا اليها.

وقال ابن عباس: معناه طلبوا طريق الحق وقد عموا عنها. والطمس على العين إذهاب الشق الذي بين الجفنتين، كما تطمس الريح الاثر يقال أعمى مطموس، وطمس أي عمي * (فاستبقوا) * معناه فابتدروا، وهذا بيان من الله أنهم في قبضته، وهو قادر على ما يريد بهم، فليحذروا تنكيله بهم.

ثم قال زيادة في التحذير والارهاب * (ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم) * والمسخ قلب الصورة إلى خلقة مشوهة كما مسخ قوما قردة وخنازير، والمسخ نهاية التنكيل.

وقال الحسن وقتادة: معناه لمسخناهم على مقعدهم على أرجلهم والمكانة والمكان واحد، ولو فعلنا بهم ذلك * (فما استطاعوا مضيا) * أي لما قدروا أن يذهبوا أصلا ولا أن يجيئوا ثم قال * (ومن نعمره ننكسه في الخلق) * معناه إن من طولنا عمره نصيره بعد القوة إلى الضعف وبعد زيادة الجسم إلى النقصان وبعد الجدة والطراوة إلى البلى والخلاقة.

وقيل معناه: نصيره ونرده إلى حال الهرم التي تشبه حال الصبي وغروب العلم وضعف القوى ذكره قتادة.

وقوله * (افلا تعقلون) * يعني ما ذكرناه بأن تفكروا فيه فتعرفوا صحة ما قلناه. ثم اخبر تعالى عن نبيه صلى الله عليه واله فقال * (وما علمناه الشعر وما ينبغي له) * ومعناه ما علمناه الشعر لانا لو علمناه ذلك لدخلت به الشبهة على قوم في ما اتي به من القرآن وأنه قدر على ذلك لما في طبعه من الفطنة للشعر.

وقيل: لما لم يعط الله نبيه العلم بالشعر وإنشائه لم يكن قد علمه الشعر، لانه الذي يعطي فطنة ذلك من يشاء من عباده.

[474]

ثم قال * (إن هو إلا ذكر وقرآن مبين) * يعنى ليس الذي أنزلناه عليه شعرا بل ليس إلا ذكر من الله * (وقرآن مبين لتنذر به) * يعني واضح، وفعلنا ذلك وغرضنا أن تنذر به أي تخوف به من معاصي الله * (من كان حيا) * قيل: معناه من كان مؤمنا، لان الكافر شبهه ومثله بالاموات في قوله * (أموات غير أحياء) *(1) ويقويه قوله * (ويحق القول على الكافرين) * ويجوز أن يكون أراد من كان حيا عاقلا دون من كل جمادا لا يعقل، ويحق القول على الكافرين إذا لم يقبلوه وخالفوا فيه.

ومن قرأ بالتاء وجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه واله لانه الذي يخوف. ومن قرأ بالياء معناه إن الله الذي يخوفهم ويرهبهم بالقرآن، لانه الذي أنشأه، ويجوز أن يكون القرآن هو الذي ينذر من حيث تضمن الانذار.

قوله تعالى: (أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون(71) وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون(72) ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون(73) واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون(74) لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون(76))

خمس آيات بلا خلاف.

يقول الله تعالى منبها لخلقه على الاستدلال على معرفته * (اولم يروا) *

___________________________________

(1) سورة 16 النحل آية 21

[475]

ومعناه او لم يعلموا * (أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا انعاما) * ومعناه إنا عملناه من غير أن نكله إلى غيرنا، فهو بمنزلة ما يعمله العباد بأيديهم في انهم تولوا فعله ولم يكلوه إلى غيرهم، وتقديره انا تولينا خلق الانعام لهم بأنفسنا. والانعام جمع النعم، وهي الابل والبقر والغنم * (فهم لها مالكون) * معناه. لو لم يخلق ذلك لما صح ملكهم لها، وكذلك سائر أملاك العباد بهذه الصفة فهو المنعم على عباده بكل ما ملكوه، وبحسب ما ينتفعون به يكون حاله حال المنعم.

واليد في اللغة على أربعة أقسام: احدهما - الجارحة. والثاني - النعمة. والثالث - القوة. والرابع - بمعنى تحقيق الاضافة.

تقول: له عندي يد بيضاء أي نعمة، وتلقى قولي باليدين أي بالقوة والتقبل، وقول الشاعر:

دعوت لما نابني مسورا * فلبى فلبى يدي مسور

فهذا بمعنى تحقيق الاضافة.

وتقول هذا ما جنت يدك، وما كسبت يدك أي ما كسبت أنت.

وقوله * (وذللناها لهم) فتذليل الانعام تسخيرها بالانقياد ورفع النفور لان الوحشي من الحيوان نفور، والانسي مذلل بما جعله الله فيه من الانس والسكون، ورفع عنه من الاستيحاش والنفور.

وقوله * (فمنها ركوبهم ومنها يأكلون) * قسمة الانعام، فان الله تعالى جعل منها ما يركب ومنها ما يذبح وينتفع بلحمه ويؤكل، فالركوب - بفتح الراء - صفة.

يقال: دابة ركوب أي تصلح للركوب، والركوب - بضم الراء - مصدر ركبت. وقرأت عائشة * (فمنها ركوبتهم) * مثل الحلوبة.

وقوله * (ولهم فيها منافع ومشارب) * فمن منافعها لبس اصوافها وشرب ألبانها واكل لحومها وركوب ظهورها إلى غير ذلك من انواع المنافع الكثيرة فيها.

[476]

ثم قال * (أفلا تشكرون) * الله على هذه النعم المختلفة المتقنة.

ثم اخبر عن حال الكفار فقال * (واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون) * يعبدونها لكي ينصروهم.

ثم قال تعالى * (فلا يستطيعون نصرهم) * يعني هذه الآلهة التي اتخذوها وعبدوها لا تقدر على نصرهم والدفع عنهم ما ينزل بهم من عذاب الله * (وهم لهم جند محضرون) * ومعناه إن هذه الآلهة معهم في النار محضرون، لان كل حزب مع ما عبد من الاوثان في النار، كما قال * (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) * إلا من استثناه بقوله * (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون) *(1) فاما الاصنام فان الله تعالى يجعلها مع من عبدها في النار، فلا الجند يدفعون عنها الاحراق بالنار ولا هم يدفع عنهم العذاب.

وقال قتادة: يعني وهم لهم جند محضرون أي وهم يغضبون للاوثان في الدنيا.

___________________________________

(1) سورة 21 الانبياء آية 98 - 101 - 102

[477]

قوله تعالى: (فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون(76) أو لم ير الانسان أنا خلقناه من نطفة فاذا هو خصيم مبين(77) وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم(78) قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم(79) الذي جعل لكم من الشجر الاخضر نارا فاذا أنتم منه توقدون(80) أوليس الذي خلق السموات والارض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم(81) إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون(82) فسبحان الذي بيده ملكوت كل شئ وإليه ترجعون(83))

ثمان آيات بلا خلاف.

قرأ رويس * (يقدر) * بالياء وجعله فعلا مستقبلا. وقرأ الكسائي وابن عباس * (فيكون) * نصبا عطفا على * (أن نقول.... فيكون) * الباقون بالرفع بتقدير، فهو يكون.

هذا خطاب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واله على وجه التسلية له عن تكذيب قومه إياه، فقال * (فلا يحزنك قولهم) * وضم الياء نافع، وحزن وأحزن لغتان.

والحزن ألم القلب بما يرد عليه مما ينافي الطبع، ومثله الغم، وضده السرور والفرح والمعني في صرف الحزن عن النبي صلى الله عليه واله في كفر قومه هو أن ضرر كفرهم عائد عليهم، لانهم يعاقبون به دون غيرهم.

ثم قال * (انا نعلم ما يسرون وما يعلنون) * أي ما يظهرونه وما يبطنونه فنجازي كلا منهم على قدره لا يخفى علينا شئ منها.

ثم قال منبها لخلقه على الاستدلال على صحة الاعادة والنشأة الثانية، فقال * (أولم ير الانسان) * ومعناه أولم يعلم * (أنا خلقناه من نطفة فاذا هو خصيم مبين) * ومعناه إنا نقلناه من النطفة إلى العلقة ومن العلقة إلى المضغة ومن المضغة إلى العظم ومن العظم إلى أن جعلناه خلقا سويا وجعلنا فيه الروح وأخرجناه من بطن أمه وربيناه ونقلناه من حال إلى حال إلى أن كمل عقله وصار متكلما خصيما عليما،

[478]

فمن قدر على جميع ذلك كيف لا يقدر على الاعادة، وهي أسهل من جميع ذلك؟ ! ولا يجوز أن يكون خلق الانسان ولا خالق له، ولا أن يكون واقعا بالطبيعة، لانها في حكم الموات في أنها ليست حية قادرة، ومن كان كذلك لا يصح منه الفعل ولا أن يكون كذلك بالاتفاق لان المحدث لابد له من محدث قادر وإذا كان محكما فلابد من كونه عالما.

وفي الآية دلالة على صحة استعمال النظر، لان الله تعالى أقام الحجة على المشركين بقياس النشأة الثانية على النشأة الاولى، وأنه يلزم من أقر بالاولى أن يقر بالثانية.

ثم حكى تعالى عن بعض الكفار انه * (ضرب لنا) * أي ضرب لله * (مثلا ونسي خلقه) * كيف كان في الابتداء * (فقال من يحيي العظام وهي رميم) * فقال قتادة، ومجاهد: كان القائل ابي بن خلف.

وقال سعيد بن جبير: هو العاص بن وابل السهمي.

وقال ابن عباس: هو عبدالله بن أبي ابن سلول.

وقال الحسن: جاء أمية إلى النبي صلى الله عليه واله بعظم بال قد بلي، فقال يا محمد أتزعم ان الله يبعث هذا بعدما بلي !. قال: نعم، فنزلت الآية.

والرميم هو البالي، فقال الله تعالى في الرد عليه * (قل) * يا محمد لهذا المتعجب من الاعادة * (يحييها الذي انشأها أول مرة) * لان من قدر على الاختراع لما يبقى من غير تغيير عن صفة القادر، فهو على اعادته قادر لا محالة * (وهو بكل خلق عليم) * أي عالم بكل جنس من أجناس الخلق.

ثم وصف نفسه فقال * (الذي جعل لكم من الشجر الاخضر نارا فاذا انتم منه توقدون) * فبين أن من قدر على ان يجعل في الشجر الاحضر الذي هو في غاية الرطوبة نارا حامية مع تضاد النار للرطوبة حتى إذا احتاج الانسان حك بعضه ببعض وهو

[479]

المزح والعفار وغير ذلك من انواع الشجر فيجرج منه النار وينقدح، فمن قدر على ذلك لا يقدر الاعادة؟ ! ثم نبههم على دليل آخر فقال * (او ليس الذي خلق السموات والارض بقادر على ان يخلق مثلهم) * ومعناه من قدر على اختراع السموات والارض كيف لا يقدر على أمثاله؟ ! وقد ثبت أن من شأن القادر على الشئ أن يكون قادرا على جنس مثله وجنس ضده. ودخول الباء في خبر (ليس) لتأكيد النفي.

ثم قال تعالى مجيبا عن هذا النفي فقال * (بلى وهو الخلاق العليم) * أي هو خالق لذلك عالم بكيفية الاعادة.

ثم قال تعالى * (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) * والمعنى بذلك الاخبار عن سهولة الفعل عليه وانه إذا اراد فعل شئ فعله بمنزلة ما يقول للشئ كن فيكون في الحال، وهو مثل قول الشاعر:

وقالت له العينان سمعا وطاعة * وحدرتا كالدر لما يثقب(1)

وإنما اخبر عن سرعة دمعه دون ان يكون قبولا على الحقيقة.

* (فسبحان الذي بيده ملكوت كل شئ) * ومعناه تنزيها له عن نفي القدرة على الاعادة وغير ذلك مما لا يليق به الذي يقدر على الملك، وفيه مبالغة * (واليه ترجعون) * يوم القيامة الذي لا يملك فيه الامر والنهي سواه، فيجازيكم على قدر اعمالكم من الطاعات والمعاصي بالثواب والعقاب.

___________________________________

(1) مر في 1 / 431 و 6 / 45 و 8 / 471




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (90)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (4)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (7)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 192

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8682602

  • التاريخ : 1/06/2020 - 11:27

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net