00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة طه 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن ( الجزء السابع)   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

20 - سورة طه

وهي مكية في قول قتادة ومجاهد.

وهي مائة وخمس وثلاثون آية في الكوفى واربع في المدنيين واثنان في البصري.

الآية: 1 - 25

بسم الله الرحمن الرحيم

(طه(1) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى(2) إلا تذكرة لمن يخشى(3) تنزيلا ممن خلق الارض والسموات العلى(4) الرحمن على العرش استوى(5))

خمس آيات في الكوفي، لانهم عدوا (طه) آية وأربع في الباقين.

قرأ ابن عمرو (طه) بفتح الطاء وامالة الهاء.

وقرأ حمزة والكسائي وخلف وابوبكر إلا الاعشى والبرجمي بامالتهما. الباقون بفتحهما.

وقرأ عيسى بن عمر ضد قراء‌ة أبي عمرو - بكسر الطاء وفتح الهاء - وقرأ الحسن باسكان الهاء، وفسره يا رجل.

وقرأ ابوجعفر بتقطيع الحروف، ورواه الاصمعي عن نافع، وروي عن نافع بين

[158]

الكسر والفتح في الحرفين، وروي الفتح فيهما، وهو الاظهر.

فمن فخم فلانها لغة النبي صلى الله عليه وآله وهي لغة اهل الحجاز، ومن أمال، فهو حسن.

قال ابوعمرو: املت الهاء لئلا تلتبس بهاء الكناية. وقد بينا في اول سورة البقرة معنى اوائل السور واختلاف الناس فيه، وأن أقوى ما قيل فيه: إنها اسماء للسور ومفتاح لها.

وقال قوم: هو اختصار من كلام خص بعلمه النبي صلى الله عليه وآله.

وقال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد: معنى (طه) بالسريانية يا رجل.

ومنهم من قال هو بالنبطية.

وقال الحسن: هو جواب المشركين لما قالوا: انه شقي فقال الله تعالى يا رجل ما انزلنا عليك القرآن لتشقى، وقيل: إن طه بمعنى يا رجل في لغة عك وانشد لمتمم بن نويرة:

هتفت بطه في القتال فلم يجب *** فخفت عليه ان يكون موائلا(1)

وقال آخر:

إن السفاهة طه من خلائقكم *** لا بارك الله في القوم الملاعين(2)

ومن قرأ (طه) بتسكين الها تحتمل قراء‌ته امرين: احدهما - ان تكون الهاء بدلا من همزة طاء، كقولهم في أرقب هرقب، والآخر ان يكون على ترك الهمز (ط) يا رجل، وتدخل الهاء للوقف. والشقاء استمرار ما يشق على النفس، يقال: شقي يشقى شقا، وهو شقي ونقيض الشقاء السعادة.

وقيل في قوله " ما انزلنا عليك القرآن لتشقى " قولان: احدهما - قال مجاهد وقتادة: إنه نزل بسبب ما كان يلقى من التعب والسهر في قيام الليل. والثاني - قال الحسن: انه جواب للمشركين لما قالوا: انه شقي.

___________________________________

(1) تفسير الطبري 16 / 90 والقرطبي 11 / 165 والشوكانى 3 / 343.

(2) تفسير الطبري 16 / 90 والقرطبي 11 / 166 والكشاف 3 / 39

[159]

وقوله " إلا تذكرة لمن يخشى " معناه لكن انزلناه تذكرة أي ليتذكر به من يخشى الله ويخاف عقابه، يقال: ذكره تذكيرا وتذكرة، ومثله " وما لاحد عنده من نعمة تجزي إلا ابتعاء وجه ربه الاعلى "(1) اي لكن ابتغاء وجه ربه، وما فعله إلا ابتغاء وجه ربه، ومثله قول القائل: ما جئت لاسوء‌ك إلا إكراما لزيد، يريد ما جئت إلا اكراما لزيد، وكذلك المصادر التي تكون عللا لوقوع الشئ نحو جئتك ابتغاء الخير اي لا بتغاء الخير.

وقوله " تنزيلا ممن " معناه نزل تنزيلا. وقيل تقديره " إلا تذكرة... تنزيلا ممن خلق الارض والسموات العلى " أي أبدعهن وأحدثهن و " العلى " جمع عليا، مثل ظلمة وظلم، وركبة وركب، ومثل الدنيا والدنى. والقصوى والقصى.

وقوله " الرحمن " رفع بأنه خبر مبتدأ، لانه لما قال " تنزيلا ممن خلق " بينه فكأنه قال: هو الرحمن، كقوله " بشرمن ذلكم النار "(2) وقال ابوعبيدة: تقديره " ما انزلنا عليك القرآن... إلا تذكرة لمن يخشى " لا لتشقى. ويحتمل أن يكون المراد (ما انزلنا عليك القرآن لتشقى)(3) وما انزلناه إلا تذكرة لمن يخشى.

" الرحمن على العرش استوى " قيل في معناه قولان: احدهما - انه استولى عليه، وقد ذكرنا فيما مضى شواهد ذلك. الثاني - قال الحسن " استوى " لطفه وتدبيره، وقد ذكرنا ذلك أيضا فيما مضى، وأوردنا شواهده في سورة البقرة(4) فأما الاستواء بمعنى الجلوس على الشئ

___________________________________

(1) سورة 92 الليل آية 19 - 20.

(2) سورة 22 الحج آية 72.

(3) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة.

(4) في تفسير آية 29 من سورة البقرة، المجلد الاول صفحة 124

[160]

فلا يجوز عليه تعالى، لانه من صفة الاجسام، والاجسام كلها محدثة.

ويقال: استوى فلان على مال فلان وعلى جميع ملكه أي احتوى عليه.

وقال الفراء: يقال: كان الامر في بني فلان ثم استوى في بني فلان أي قصد اليهم وينشد:

أقول وقد قطعن بنا شرورى *** ثواني واستوين من النجوع(1)

أي خرجن واقبلن.

قوله تعالى: (له ما في المسوات ومافي الارض وما بينهما وما تحت الثرى(6) وإن تجهر بالقول فانه يعلم السر وأخفى(7) ألله لا إله إلا هو له الاسماء الحسني(8) وهل أتيك حديث موسى(9) إذ رأى نارا فقال لاهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى(10))

خمس آيات بلا خلاف.

يقول الله تعالى إن " له ما في السموات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى " المعنى انه مالك لجيمع الاشياء واجتزى بذكر بعض الاشياء عن ذكر البعض لدلالته عليه، كما قال " الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم "(2) ولم يقل وعلى ظهورهم، لان المفهوم انهم يذكرون الله على كل حال.

ومثله قوله " والله ورسوله أحق أن يرضوه "(3)

___________________________________

(1) لم اجده في مظانه، وهذه رواية المخطوطة. أما المطبوعة فانها اشارت إلى خلاف في روايته كما يلي: (ظعن) بدل (قطعن) و (سرورا) بدل (شرورى) و (سوامد) بدل (ثوانى) و (الضجوع) بدل (النجوع).

(2) سورة 3 آل عمران آية 191.

(3) سورة 9 التوبة آية 63

[161]

لما كان رضا احدهما رضا الآخر، ومثله قوله " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله "(1) ولم يقل ينفقونهما لدلالته على ذلك و " الثرى " التراب الندي، فله تعالى " ما تحت الثرى " إلى حيث انتهى، لانه مالكه وخالقه ومدبره، وكل شئ ملكه يصح، والله تعالى مالكه بمعنى أن له التصرف فيه كيف شاء.

وقوله " وإن تجهر بالقول فانه يعلم السر واخفى " معناه وإن تجهر بالقول لحاجتك لسمعه أي تجهر به، فانه تعالى يعلم السر وأخفى من السر. ولم يقل وأخفى منه، لانه دال عليه، كما يقول القائل: فلان كالفيل أو اعظم، وهذا كالحبة أو اصغر.

والجهر رفع الصوت يقال: جهر يجهر جهرا، فهو جاهر والصوت مجهور، وضده الهمس.

و (السر) ما حدث به الانسان غيره في خفية، وأخفى منه ما أضمره في نفسه ولم يحدث به غيره - هذا قول ابن عباس - وقال قتادة وابن زيد وسعيد بن جبير: السر ما أضمره العبد في نفسه. وأخفى منه ما لم يكن ولا أضمره أحد.

وقال قوم: معناه يعلم السر والخفي. وضعف هذا لانه ترك الظاهر وعدول بلفظه (أفعل) إلى غير معناها من غير ضرورة، ولان حمله على معنى أخفى أبلغ إذا كان بمعنى أخفى من السر، فلما قول الشاعر:

تمنى رجال ان اموات وإن امت *** فتلك سبيل لست فيها بأوحد(2)

انما حمل على ان المراد (بأوحد) احد، لان الوحدة لا يقع فيها تعاظم، فاخرجه الشاعر مخرج ما فيه تعاظم ورد المعنى إلى الواحد.

ثم اخبر تعالى بانه " الله " الذى تحق له العبادة " لا إله " يحق له العبادة " إلا هو له الاسماء الحسنى " وانما ذكر الحسنى بلفظ التوحيد ولم يقل الاحاسن، لان الاسماء مؤنثة يقع عليها (هذه) كما

___________________________________

(1) سورة 9 التوبة آية 35(2) تفسير الطبري 16 / 93

[162]

يقع على الجماعة (هذه) كأنه اسم واحد للجميع قال الشاعر:

وسوف يعتبنيه إن ظفرت به *** رب كريم وبيض ذات اطهار(1)

وفي التنزيل " حدائق ذات بهجة "(3) " ومآرب اخرى "(2) فقد جاز صفة جمع المؤنث بصفة الواحد.

وقوله وهل " اتاك حديث موسى " خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وتسلية له مما ناله من اذى قومه. والتثبيت له بالصبر على امر ربه، كما صبر اخوه موسى (ع) حتى نال الفوز في الدنيا والآخرة.

وقوله " إذ رأى نارا " اي حديث موسى حين رأى نارا " فقال لاهله امكثوا " اي البثوا مكانكم " إني آنست نارا " اي رأيت نارا.

والايناس وجدان الشئ الذي يؤنس به، لانه من الانس ويقال: آنس البازي إذا راى صيدا قال العجاج: آنس خربان فضاء فانكدر وكان في شتاء، وقد امتنع عليه القدح وضل عن الطريق، فلذلك قال " او اجد على النار هدى "

وقوله " لعلي آتيكم منها بقبس فالقبس الشعلة، وهو نار في طرف عود أو قصبة، يقول: القائل لصاحبه: اقبسني نارا فيعطيه إياها في طرف عود او قصبة أي لعلي آتيكم بنار تصطلون به أو اجد من يدلني على الطريق الذي أضللناه او ما استدل به عليه ويقال اقبسته نارا إذا اعطيته قبسا منها، وقبسته للعلم، فرق بين النوعين، والاصل واحد وكلاهما يستضاء به.

___________________________________

(1) تفسير الطبري 16 / 93 ومجمع البيان 4 / 3.

(2) سورة 27 النمل آية 60.

(3) سورة 20 طه آية 18

[163]

قوله تعالى: (فلما أتيها نودي يا موسى(11) إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى(12) وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى(13) إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلوة لذكري(14) إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى(15))

خمس آيات.

قرأ ابن كثير وابوعمور " اني أنا ربك " بفتح الهمزة والياء. الباقون بكسرها وسكون الياء إلا نافعا فانه فتح الياء.

وقرأ ابن كثير وابوعمرو ونافع وعاصم وحمزة والكسائي " طوى " بضم الطاء مصروفا.

وروى بكسر الطاء غير مصروف ابوزيد عن أبي عمرو.

وقال: هي أرض.

وقرأ " وانا اخترناك " بالتشديد بالف حمزة، واصله واننا اخترناك والنون والالف نصب ب‍ (إن) و (ان) مع ما بعدها في موضع نصب بتقدير، نودي " إنا اخترناك ". وقرأ الباقون " وأنا اخترتك " على التوحيد ف‍ (أنا) رفع بأنه ابتداء و " اخترتك " خبره.

وفى قراء‌ة أبي " وإنني اخترتك " فهذه تقوي قراء‌ة حمزة والكسائي.

من لم يصرف " طوى " يجوز أن يكون اعتقد انه معدول عن (طاو) وهو معرفة، ويجوز أن يكون نكرة، لانه اسم البقعة.

يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله إن موسى (ع) لما أتى النار التي آنسها نودي، فقيل له يا موسى، والنداء الدعاء على طريقة يا فلان، وهو مد الصوت بنداء على هذه الطريقة

[164]

يقال: صوت نداء، وذلك أنه بندائه يمتد " إني انا ربك " فيمن فتح الهمزة. فالمعنى نودي بأني أنا، ولما حذف الباء فتح.

ومن كسرها فعلى الاسنئناف أو على تقدير قيل له إني أنا ربك الذي خلقك ودبرك " فاخلع نعليك " وانما علم موسى (ع) أن هذا النداء من قبل الله تعالى بمعجزة أظهرها الله، كما قال في موضع آخر " نودي من شاطئ الواد الايمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى اني أنا الله رب العالمين * وان ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب " حتى قيل له " يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين "(1) وقيل السبب الذي لاجله أمر بخلع النعلين فيه قولان: احدهما - ليباشر بقدميه بركة الوادي المقدس في قول علي (ع) والحسن وابن جريج.

وقال كعب وعكرمة: لانها كانت من جلد حمار ميت.

وحكى البلخي أنه امر بذلك على وجه الخضوع والتواضع، لان التحفي في مثل ذلك أعظم تواضعا وخضوعا.

والخلع نزع الملبوس يقال: خلع ثوبه عن بدنه وخلع نعله عن رجله. وقد ينزع المسمار، فلا يكون خلعا، لانه غير ملبوس ويقال: خلع عليه رداء‌ه كأنه نزعه عن نفسه وألبسه اياه. والوادي سفح الجبل.

ويقال للمجرى العظيم من مجاري الماء واد واصله عظم الامر. ووديته إذا أعطيته ديته، لانها عطية عن الامر العظيم من القتل.

والمقدس المبارك - في قول ابن عباس ومجاهد - وقيل هو المطهر، قال امرؤ القيس: كما شبرق الولدان ثوب المقدس(2) يريد بالمقدس: العابد من النصارى، كالقسيس ونحوه و (شبرق) أي شق.

___________________________________

(1) سورة 28 القصص آية 30 - 31.

(2) شرح ديوانه: 120 وصدره: فأدركنه يأخذن بالساق والنسا

[165]

وقيل في معنى (طوى) قولان: احدهما - قال ابن عباس ومجاهد وابن زيد: هو اسم الوادي.

وقال الحسن: لانه طوي بالبركة مرتين، فعلى هذا يكون مصدر طويته طوى، وقال عدي بن زيد:

آعاذل ان اللوم في غير كنهه *** علي طوى من غيك المتردد(1)

وقوله " وأنا اخترتك " اي اصطفيتك " فاستمع لما يوحى " اليك من كلامي واصغ اليه وتثبت " إني انا الله لا إله إلا انا " أي لا إله يستحق العبادة غيري " فاعبدني " خالصا، ولا تشرك في عبادتي احدا " واقم الصلاة لذكري " أي لتذكرني فيها بالتسبيح والتعظيم - في قول الحسن ومجاهد - وقيل: معناه لان أذكرك بالمدح والثناء.

وقيل المعنى متى ذكرت ان عليك صلاة كنت في وقتها أوفات وقتها، فأقمها.

وقرئ - بفتح الراء - قال أبوعلي: يحتمل أن يكون قلب الكسرة فتحة مع ياء الاضافة.

ثم اخبر الله تعالى بأن الساعة يعني القيامة " آتية " أي جائية " اكاد أخفيها " معناه أكاد لا أظهرها لاحد - في قول ابن عباس والحسن وقتادة - أي لا أذكرها بأنها آتية، كما قال تعالى " لا تأتيكم إلا بغتة "(2) وقيل " اخفيها " بضم الالف بمعنى أظهرها، وانشد بيتا لامرئ القيس بن عابس الكندي:

فان تدفنوا الداء لانخفه *** وإن تبعثوا الحرب لانقعد(3)

فضم النون من نخفه - ذكره ابوعبيدة - قال انشدنيه ابوالخطاب هكذا، وانشده الفراء بفتح النون.

___________________________________

(1) تفسير الطبري 16 / 96 ومجمع البيان 4 / 4.

(2) سورة 7 الاعراف آية 186.

(3) شرح ديوان امرئ القيس: 77 والطبري 16 / 100 والقرطبي 11 / 182 والشوكاني 3 / 347 وغيرها

[166]

وقال ابي بن كعب: المعنى " أكاد اخفيها " من نفسي.

قال ابن الانباري تأويله من نفسي " أكاد اخفيها " أي من قبلي، كما قال " تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك "(1).

وقوله " لتجزي كل نفس بما تسعى " اي تجازي كل نفس بحسب عملها، فمن عمل الطاعات اثيب عليها، ومن عمل المعاصي عوقب بحسبها.

قوله تعالى: (فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هويه فتردى(16) وما تلك بيمينك يا موسى(17) قال هي عصاي أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى(18) قال ألقها يا موسى(19) فألقيها فاذا هي حية تسعى(20))

خمس آيات بلا خلاف.

قوله " فلا يصدنك عنها " نهي متوجه إلى موسى من الله تعالى والمراد به جميع المكلفين، نهاهم الله ان يصدهم عن ذكر الساعة، والمجازاة فيها من لا يصدق بها من الكفار.

و (الصد) الصرف عن الخير يقال: صده عن الايمان وصده عن الحق، ولايقال: صده عن الشر، ولكن يقال: صرفه عن الشر، ومنعه منه.

وقوله " واتبع هواه " يعني من لا يؤمن بالقيامة و (الهوى) ميل النفس إلى الشئ بأريحية تلحق فيه. وهواء الجو ممدود، وهوى النفس مقصور.

وقوله " فتردى " معناه فتهلك، يقال: ردي يردى ردى، فهو رد. إذا هلك، أي ان صددت عن الساعة بترك التأهب لها هلكت، وتردى هلك بالسقوط.

وقوله " وما تلك بيمينك يا موسى " قال الفراء: (تلك) تجري مجرى (هذه) وهي بمعنى الذي و (بيمينك) صلته وتقديره، وما الذي بيمينك يا موسى وأنشد:

___________________________________

(1) سورة 5 المائدة آية 119

[167]

عدس ما لعباد عليك امارة *** أمنت وهذا تحملين طليق(1)

يعني الذي تحملين.

وهو في صورة السؤال لموسى عما في يده اليمنى.

والغرض بذلك تنبيهه له عليها ليقع المعجز بها بعد التثبت فيها، والتأمل لها.

وقوله " قال هي عصاي " جواب من موسى ان الذي في يدي " عصاي اتوكؤ عليها " في مشيي " واهش بها على غنمي " اي اخبط بها ورق الشجر اليابس لترعاه غنمي يقال: هش يهش هشا: قال الراجز:

أهش بالعصا على اغنامي *** من ناعم الاراك والبشام(2)

(ولي فيها مآرب أخرى) اي حوائج أخر من قولهم: لا أرب لي في هذا أي لاحاجة.

وللعرب في واحدها ثلاث لغات: مأربة بضم الراء وفتهحا وكسرها.

وقوله " قال ألقها يا موسى فألقاها فاذا هي حية تسعى " حكاية ما امر الله تعالى موسى بأن يلقى العصا من يده وأن موسى القاها، فلما ألقاها صارت في الحال حية تسعى، خرق الله العادة فيها وجعلها معجزة ظاهرة باهرة.

قوله تعالى: (قال خذها ولاتخف سنعيدها سيرتها الاولى(21) واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى(22) لنريك من آياتنا الكبرى(23) إذهب إلى فرعون إنه طغى(24) قال رب اشرح لي صدري(25))

خمس آيات بلا خلاف.

___________________________________

(1) تفسير الطبري 16 / 102 واكثر كتب النحو يأتون به شاهدا على أن (هذا) أسم موصول بمعنى الذي.

(2) تفسير الشوكاني 3 / 349 والقرطبى 11 / 187 والطبرى 16 / 102

[168]

اخبر الله تعالى أن العصا حين صارت حية تسعى خاف موسى منها فقال الله له " خذها " يا موسى فانا " سنعيدها " إلى ما كانت اول شئ في يدك عصى.

ومعنى " خذها " تناولها بيدك.

و (الخوف) انزعاج النفس بتوقع الضرر، خافه خوفا، فهو خائف وذاك مخوف.

وضد الخوف الامن، ومثل الخوف الفرغ والذعر، والاعادة رد الشئ ثانية إلى ما كان عليه أول مرة.

ومثل الاعادة التكرير والترديد.

والمعنى سنعيدها خلقتها الاولى، وقد يقال: إلى سيرتها.

والسيرة مرور الشئ في جهة، من سار يسير سيرة حسنة او قبيحة. وكان مستمر على حال العصا فاعيدت إلى تلك الحال. ونظير السيرة الطريقة. وقيل المعنى سنعيدها إلى سيرتها، فانتصب باسقاط الخافض.

وقوله " واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء " قيل في معناه قولان: احدهما - إلى جنبك، قال الراجز: اصمه للصدر والجناح(1) الثاني - إلى عضدك واصل الجنوح الميل، ومنه جناح الطائر، لانه يميل به في طيرانه حيث شاء. والجنب فيه جنوح الاضلاع. واصل العضد من جهته تميل اليد حيث شاء صاحبها.

وقال ابوعبيدة: الجناحان الناحيتان.

وقوله " تخرج بيضاء من غير سوء " اي من غير برص - في قول ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي والضحاك - وقوله " آية اخرى " قيل في نصبها قولان: احدهما - على الحال. والاخر على المفعولية، اي نعطيك آية أخرى، فحذف لدلالة الكلام عليه، فالآية الاولى قلب العصاحية والاخرى اليد البيضاء من غير سوء. وقيل انه امره ان يدخل يده في فمها فيقبض عليها، فادخل يده في فمها فصارت يده بين الشعبتين اللتين كانتا في العصا، وصارت الحية في يده عصا كما كانت.

___________________________________

(1) تفسير القرطبى 11 / 191

[169]

وقوله (لنريك من آياتنا الكبرى) معناه قلب العصاحية لنريك من آياتنا وحججنا الكبرى منها، ولو قال الكبر على الجمع كان وصفا لجميع الآيات، وكان جائزا.

ثم قال تعالى له (إذهب إلى فرعون) اي امض اليه وادعه إلى الله، وخوفه من عقابه، فانه طغى، أي تجاوز قدره في عصيان الله، وتجاوز به قدر معاصي الناس، يقال: طغى يطغى طغيانا، فهو طاغ، ونظيره البغي على الناس، وهم الطغاة والبغاة.

فقال عند ذلك موسى يا (رب اشرح لي صدرى) اى وسع صدرى، ومنه شرح المعنى اى بسط القول فيه.

الآية: 26 - 50

قوله تعالى: (ويسر لي أمري(26) واحلل عقدة من لساني(27) يفقهوا قولي(28) واجعل لي وزيرا من أهلي(29) هرون أخي(30))

خمس آيات.

وهذا ايضا اخبار عما سأل الله تعالى موسى، فانه سأل ان ييسر له أمره، أي يسهله عليه ويرفع المشقة عنه ويضع المحنة، يقال: يسره تيسيرا، فهو ميسر ونقيضه التعسير، ومنه اليسر واليسير.

والحل نفي العقد بالفرق، حله يحله حلا، فهو حال والشئ محلول.

وضد الحل العقد، ونظيره الفصل والقطع.

والعقدة جملة مجتمعة يصعب حلها متفلكة، عقد يعقد عقدا وعقدة، فهو عاقد والشئ معقود،

[170]

ويقال: انه كان في لسان موسى (ع) رثة وهي التي لا يفصح معها بالحروف شبه التمتمة وغيرها.

وقيل: إن سبب العقدة في لسانه أنه طرح جمرة في فيه لما اراد فرعون قتله، لانه اخذ لحيته وهو طفل فنتفها، فقالت له آسية: لا تفعل، فانه صي لايعقل، وعلامته انه اخذ جمرة من طست فجعلها في فيه.

ذكره سعيد بن جبير ومجاهد والسدي.

وقوله " يفقهوا قولي " أي يفقهوه إذا حللت العقدة من لساني افصحت بما اريد. وسأله ايضا أن يجعل له وزيرا يؤازره على المضي إلى فرعون ويعاضده عليه. والوزير حامل الثقل عن الرئيس، مشتق من الوزر الذي هو الثقل، واشتقاقه ايضا من الوزر، وهو الذى يلجأ اليه من الجبال والمواضع المنيعة.

وقوله " هارون اخي " قيل في نصب (هارون) وجهان: احدهما - على انه مفعول (اجعل) الاول و (وزيرا) المفعول الثاني على جهة الخبر. والوجه الثاني - ان يكون بدلا من (وزيرا) وبيانا عنه.

فقيل: ان الله حل اكثر ما كان بلسانه إلا بقية منه بدلالة قوله " ولا يكاد يبين "(1) في قول ابي علي.

وقال الحسن: ان الله استجاب دعاء‌ه، فحل العقدة من لسانه.

وهو الصحيح، لقوله تعالى " قد أوتيت سؤلك يا موسى " ويكون قول فرعون " ولا يكاد يبين "(1) انه لا يأتي ببيان يفهم كذبا عليه ليغوي بذلك الناس ويصرف به وجوههم عنه.

___________________________________

(1) سورة 43 الزخرف آية 52

[171]

قوله تعالى: (أشدد به أزري(31) وأشركه في أمري(32) كي نسبحك كثيرا(33) ونذكرك كثيرا(34) إنك كنت بنا بصيرا(35) قال قد أوتيت سؤلك يا موسى(36))

ست آيات.

قرأ ابن عامر وحده " اشدد به ازري " بقطع الهمزة " واشركه " بضم الالف. الباقون بوصل الهمزة الاولى، وفتح الثانية.

فوجه قراء‌ة ابن عامر: أنه جعله جزاء. الباقون جعلوه: دعاء.

وضم الف (اشركه) في قراء‌ة ابن عامر ضعيف، لانه ليس اليه اشراكه في النبوة بل ذلك إلى الله تعالى.

والوجه فتح الهمزة على الدعاء إلا ان يحمل على أنه أراد اشراكه في أمره في غير النبوة وذلك بعيد، لانه جاء بعده ما يعلم به مراد موسى، لانه قال " واخي هارون هو أفصح مني لسانا فارسله معي ردء‌ا يصدقني "(1) فقال الله تعالى " سنشد عضدك باخيك "(2).

قوله " اشدد به أزري " فالشد جمع يستمسك به المجموع يقال: شده يشده شدا، فهو شاد وذاك مشدود، ومثله الربط والعقد. والازر الظهر يقال: آزرني فلان على أمري أي كان لي ظهرا، ومنه المئزر، لانه يشد على الظهر، والازار لانه يشد على الظهر، والتأزير لانه تقوية من جهة الظهر. ويجوز ان يكون ازر لغة في وزر، مثل أرخت وورخت، واكدت ووكدت.

وقوله " واشركه في امري " فالاشراك الجمع بين الشيئين في معنى على انه لهما، بجعل جاعل. وقد أشرك الله بين موسى وهارون في النبوة. وقوى الله به أزره، كما دعاه.

وقوله " كي نسبحك كثيرا " فالتسبيح التنزيه لله عما لايجوز عليه من وصفه بما لا يليق به، فكل شئ عظم به الله بنفي ما لايجوز عليه، فهو تسبيح، مثل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر.

___________________________________

(1، 2) سورة 28 القصص آية 35 - 36

[172]

وقوله " ونذكرك كثيرا " معناه نذكرك بحمدك والثناء عليك بما أوليتنا من نعمك، ومننت به علينا من تحميل رسالتك " انك كنت بما بصيرا " أي عالما بأحوالنا وأمورنا.

فقال الله إجابة له " لقد أوتيت سؤلك يا موسى " أي أعطيت مناك فيما سألته. والسؤل المنى فيما يسأله الانسان، مشتق من السؤال. ويجوز بالهمز وترك الهمز.

قوله تعالى: (ولقد مننا عليك مرة أخرى(37) إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى(38) أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني(39) إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى(40) واصطنعتك لنفسي(41) إذهب أنت وأخوك باياتي ولا تنيا في ذكري(42) إذهبا إلى فرعون إنه طغى(43) فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى(44))

ثمان آيات بلا خلاف.

إلا أن في تفصيلها خلافا لانطول بذكره. لما أخبر الله تعالى موسى بأنه قد آتاه ما طلبه واعطاه سؤله، عدد ما تقدم ذلك من نعمه عليه ومننه لديه.

 

[173]

فقال " ولقد مننا عليك مرة اخرى " والمن نعمة يقطع صاحبها بها عن غيره باختصاصها به.

يقال: من عليه يمن منا إذا انعم عليه نعمة يقطعه إياها. واصله القطع، ومنه قوله " لهم اجر غير ممنون "(1) اي غير مقطوع. وحبل منين: أي منقطع.

والمرة الكرة الواحدة من المر، وذلك ان نعمة الله (عز وجل) عليه مستمرة، فذكره الاجابة مرة وقبلها مرة أخرى.

وقوله (إذ أوحينا إلى امك ما يوحى) أي كانت هذه النعمة عليك حين أوحينا إلى أمك ما يوحى، قال قوم: اراد انه ألهمها ذلك.

وقال الجبائي: رأت في المنام أن اقذفيه في التابوت، ثم اقذفيه في اليم، والقذف هو الطرح، واليم البحر قال الراجز: كنازح اليم سقاه اليم(2) وقيل: المراد به ههنا النيل.

وقوله " فليلقه اليم بالساحل " جزاء وخبر أخرج مخرج الامر ومثله " اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم " والتقدير فاطر حيه في اليم فليلقه اليم بالساحل.

وقوله " ياخذه عدو لي وعدو له " يعني فرعون. وكان عدو الله بكفره وحدانيته وادعائه الربوبية، وكان عدو موسى، لتصوره أن ملكه ينقرض على يده.

وقوله " والقيت عليك محبة مني " معناه إني جعلت من رآك احبك حتى احبك فرعون، فسلمت من شره، واحبتك امرأته آسية بنت مزاحم فتبنتك.

وقوله " ولتصنع على عيني) قال قتادة: معناه لتغذى على محبتي وارادتي، وتقديره وأنا اراك، يجري امرك على ما اريد بك من الرفاهة في غذائك، كما يقول القائل لغيره: أنت مني بمرء‌ا ومستمع أى انا مراع لاحوالك.

وقوله " إذ تمشي اختك فتقول هل أدلكم على من يكفله " قيل ان موسى امتنع أن يقبل ثدي مرضعة

___________________________________

(1) سورة 41 حم السجدة (فصلت) آية 8 وسورة 84 الانشقاق آية 25 وسورة 95 التين آية 6.

(2) مر تخريجه في 4 / 557 من هذا الكتاب

[174]

الاثدي امه لما دلتهم عليهم أخته، فلذلك قال (فرجعناك إلى امك كي تقر عينها ولاتحزن).

وقوله " وقتلت نفسا فنجيناك من الغم " وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أن قتله النفس كان خطأ.

وقال جماعة من المعتزلة: انه كان صغيرة.

وقال اصحابنا: انه كان ترك مندوب اليه، لان الله تعالى قد كان حكم بقتله لكن ندبه إلى تأخير قتله إلى مدة غير ذلك، وانما نجاه من الفكر في قتله، كيف لم يؤخره إلى الوقت الذى ندبه اليه.

وقال قوم: أراد نجيناك من القتل لانهم طلبوه ليقتلوه بالقبطي.

وقوله (وفتناك فتونا) أى اختبرناك اختبارا. والمعنى انا عاملناك معاملة المختبر حتى خلصت للاصطفاء بالرسالة، فكل هذا من اكبر نعمه.

وقيل: الفتون وقوعه في محنة بعد محنة حتى خلصه الله منها: اولها - أن امه حملته في السنة التي كان فرعون بذبح فيها الاطفال، ثم القاؤه في اليم، ثم منعه من الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم جره لحية فرعون حتى هم بقتله، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة، فدرأ الله بذلك عنه قتل فرعون، ثم مجئ رجل من شيعته يسعى ليخبره بما عزموا عليه من قتله. وذلك عن ابن عباس فالمعنى على هذا وخلصناك من المحن تخليصا. وقيل: معناه اخلصناك إخلاصا. ذكره مجاهد.

وقوله " فلبثت سنين في أهل مدين " يعني اقمت سنين عند شعيب، يعني احوالا اجيرا له ترعى غنمه، فمننا عليك وجعلناك نبيا حتى " جئت على قدر " أي في الوقت الذي قدر لا رسالك، قال الشاعر:

نال الخلافة إذ كانت له قدرا *** كما اتى ربه موسى على قدر(1)

وقال الجبائي معنى " وفتناك فتونا " أي شددنا عليك التعب في أمر المعاش

___________________________________

(1) مر تخريجه في 1 / 307 من هذا الكتاب

[175]

حتى رعيت لشعيب عشر سنين، ويؤكده قوله " فلبثت سنين في اهل مدين " وهي مدينة شعيب " ثم جئت على قدر يا موسى " وقوله " واصطنعتك " أي اصطفيتك واخلصتك بالالطاف التي فعلتها بك، اخترت عندها الاخلاص لعبادتي.

وقوله " لنفسي " أي لتنصرف على ارادتي ومحبتي يقال: اصطنعه يصطنعه اصطناعا، وهو (افتعال) من لصنع، والصنع اتخاذ الخير لصاحبه. ووجه قوله " لنفسي " يعني محبتي، لان المحبة لما كانت أخص شئ بالنفس حنس أن يجعل ما اختص بها مختصا بالنفس على هذا الوجه.

وقوله " اذهب انت واخوك بآياتي " أي بعلاماتي وحججي " ولا تنيا " أي لا تفترا، يقال: ونى في الامريني ونيا إذا فتر فيه، فهو وان ومتوان.

وقيل: معناه لاتضعفا قال العجاج:

فما ونى محمد مذ أن غفر *** له إلا له ما مضى وما غبر(1)

وقوله " في ذكري. اذهبا إلى فرعون انه طغى " أي عتا وخرج عن الحد في المعاصي " فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى " معناه ادعواه إلى الله والى الايمان به وبما جئتما به، على الرجاء والطمع، لا على اليأس من فلاحه. فوقع التعبد لهما على هذا الوجه، لانه أبلغ في دعائه إلى الحق، بالحرص الذي يكون من الراجي للامر.

وقال السدي: معنى قوله " فقولا له قولا لينا " أي كنياه.

وقيل: انه كانت كنية فرعون ابا الوليد.

وقيل: أبا مرة. قيل: معناه وقراه وقارباه.

وقوله " لعله يتذكر " معناه ليتذكر " أو يخشى " معناه أو يخاف. والمعنى انه يكون أحدهما إما التذكر أو الخشية. وقيل المعنى على رجائكما او طمعكما، لانهما لايعلمان هل يتذكر أولا.

و (لعل) للترجي إلا أنه يكون لترجي المخاطب تارة ولترجي المخاطب أخرى

___________________________________

(1) مرتخريجه في 6 / 344 من هذا الكتاب

[176]

قوله تعالى: (قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى(45) قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى(46) فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فارسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك باية من ربك والسلام على من اتبع الهدى(47) إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى(48) قال فمن ربكما يا موسى(49) قال ربنا الذي اعطى كل شئ خلقه ثم هدى(50))

ست آيات بلا خلاف.

لما امر الله موسى وهارون (ع) أن يمضيا إلى فرعون ويدعواه إلى الله " قالا اننا نخاف أن يفرط علينا " ومعناه ان يتقدم فينا بعذاب، ويعجل علينا، ومنه الفارط المتقدم امام القوم إلى الماء، قال الشاعر: قد فرط العجل علينا وعجل(1) ومنه الافراط الاسراف، لانه تقدم تين يدي الحق. والتفريط التقصير في الامر، لانه تأخير عما يجب فيه التقدم.

فالاصل فيه التقدم " أو ان يطغي " أو يعتوا علينا ويتجبر، فقال الله تعالى لهما " لاتخافا " ولا تخشيا " انني معكما " أي عالم بأحوالكما، لايخفى علي شئ من ذلك. وإني ناصر لكما، وحافظ لكما " اسمع " ما يقول لكما " وارى " ما يفعل بكما.

___________________________________

(1) تفسير الشوكاني 3 / 355 والقرطبى 11 / 198

[177]

وقال ابن جريج " انني معكما اسمع " ما يحاوركما به " وأرى " ما تجيئان به. فالسامع هو المدرك للصوت. والرائي المدرك للمريئات.

ثم امرهما بأن ياتياه، ويقولا له " انا رسولا ربك " بعثنا الله اليك والى قومك لندعوكم إلى توحيد الله واخلاص عبادته، ويأمرك أن ترسل " معنا بني اسرائيل " اي تخليهم وتفرج عنهم، وتطلقهم من اعتقالك " ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك " اي بمعجزة ظاهرة، ودلالة واضحة من عند ربك " والسلام " يعني السلامة والرحمة " على من اتبع " طريق الحق و (الهدى)، و (على) بمعنى اللام وتقديره السلامة لمن اتبع.

والمعنى ان من اتبع طريق الهدى سلم من عذاب الله.

وقوله (انا قد اوحي الينا) معناه قولا: (انا قد أوحي الينا ان العذاب على من كذب) بآيات الله واعرض عن اتباعها. وفى الكلام محذوف، وتقديره فاتياه فقولا له ذلك.

قال " فمن ربكما يا موسى " وقيل: انه: قال فمن ربكما؟ على تغليب الخطاب، والمعنى فمن ربك وربه يا موسى، فقال موسى مجيبا له " ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى " ومعناه أعطى كل شئ حي صورته التي قدر له ثم هداه إلى مطعمه ومشربه ومسكنه ومنكحه، إلى غير ذلك من ضروب هدايته - في قول مجاهد - وقيل: معناه أعطى كل شئ مثل خلقه من زوجة، ثم هداه لمنكحه من غير أن رأى ذكرا اتى انثى قبل ذلك. وحذف المضاف واقام المضاف اليه مقامه وغير ذلك من هدايته.

وقرأ نصير عن الكسائي " خلقه " بفتح اللام والخاء، على انه فعل ماض. الباقون بسكونها على انه مفعول به. والمعنى إنه خلق كل شئ على الهيئة التي بها ينتفع والتي هي أصلح الخلق له، ثم هداه لمعيشته ومنافعه لدينه ودنياه،

الآية: 51 - 75

قوله تعالى: (قال فما بال القرون الاولى(51) قال علمها عند ربي في كتاب لايضل ربي ولا ينسى(52) ألذي جعل لكم الارض مهدا وسلك لهم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فاخرجنا به أزواجا من نبات شتى(53) كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لايات لاولي النهى(54) منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى(55))

خمس آيات بلا خلاف.

قرأ اهل الكوفة (مهدا) على التوحيد. الباقون " مهادا " على الجمع، وهو مثل فرش وفراش.

ومن قرأ " مهدا " قال ليوافق رؤس الآي.

والمعنى " لايضل ربي ولاينسى الذي جعل لكم الارض " مستقرا يمكنكم من التصرف عليها.

وقال الزجاج: القرن اهل كل عصر فيهم نبي أو إمام او عالم يقتدى به، وإن لم يكن واحد منهم لم يسم قرنا. حكى الله تعالى ما قال فرعون لموسى " ما بال القرون الاولى " وهي الامم الماضية، وكان هذا السؤال منه معاياة لموسى، فأجابه موسى بأن قال " علمها عند ربي " لانه لايخفى عليه شئ من المعلومات.

وقوله " في كتاب " اي اثبت ذلك في الكتاب المحفوظ لتعرفه الملائكة. و (الاولى) تأنيث (الاول) وهو الكائن على صفة قبل غيره. فاذا لم يكن قبله شئ، فهوقبل كل شئ، واراد ذاك على ما في معلوم الله من امرها، وقيل انه اراد من يؤدبهم ويجازيهم. وقيل: ان معنى " لايضل ربي ولاينسى " اي لايذهب

[179]

عليه شئ، والعرب تقول الكل ما ذهب على الانسان مما ليس بحيوان: ضله، كقولهم: ضل منزله إذا اخطأه يضله بغير الف، فاذا ضل منه حيوان فيقولون: أضل - بألف بعيره أو ناقته أو شاته بالالف. والاصل في الاول ضل عنه. وقرأ الحسن " يضل " بضم الياء وكسر الضاد.

وقوله " الذي جعل لكم الارض مهدا " موضع (الذي) رفع بدل عن قوله " ربي. ولاينسى الذي جعل لكم الارض مهدا " أي جعله لكم مستقرا تستقرون عليه " وسلك لكم فيها سبلا " معناه انه جعل لكم في الارض سبلا تسلكوا فيها في حوائجكم من موضع إلى موضع، وانهج لكم الطرق " وأنزل من السماء ماء فاخرجنا به ازواجا من نبات شتى " كل ذلك من صفات قوله " لا يضل ربي ولاينسى الذي جعل " جميع ما ذكر صفاته.

وقوله " كلوا وارعوا انعامكم " لفظه لفظ الامر والمراد الاباحة.

وقوله (إن في ذلك لآيات لاولى النهى) أي أن في جميع ما عددناه دلالات لاولى العقول، والنهى جمع نهية نحو كسية. وكسى، وهو شحم في جوف الضب، وانما خص أولى النهى، لانهم أهل الفكر والاعتبار وأهل التدبير والاتعاظ.

وقيل لهم: اهل النهى، لانهم ينهون النفوس عن القبائح وقيل لانه ينتهى إلى رأيهم.

وقوله (منها خلقناكم وفيها نعيدكم) يعني من الارض خلقناكم وفي الارض نعيدكم إذا امتناكم (ومنها نخرجكم تارة اخرى) دفعة اخرى إذا حشرناكم.

[180]

قوله تعالى: (ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى(56) قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى(57) فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لانخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى(58) قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى(59) فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى(60))

خمس آيات بلا خلاف.

قوله (ولقد اريناه آياتنا كلها) تقديره أريناه آياتنا التي اعطيناها موسى واظهرناها عليه (كلها) لما يقتضيه حال موسى (ع) معه، ولم يرد جميع آيات الله التي يقدر عليها، ولا كل آية خلقها الله، لان المعلوم أنه لم يرد به جميعها.

وقوله (فكذب وأبى) معناه نسب الخبر الذي أتاه إلى الكذب (وابى) امتنع مما دعي اليه من توحيد الله واخلاص عبادته والطاعة لما أمر به.

وقال فرعون لموسى (أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك ياموسى) والسحر حيلة يخفى سببها ويظن بها المعجزة، ولذلك يكفر المصدق بالسحر، لانه لايمكنه العلم بصحة النبوة مع تصديقه بأن الساحر يأتي بسحره بتغيير الثابت.

ثم قال فرعون لموسى (فلنأتينك) يا موسى (بسحر) مثل سحرك (فاجعل بيننا وبينك موعدا لانخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى) اي عدنا مكانا نجتمع فيه ووقتا نأتي فيه (مكانا سوى) أي مكانا عدلا بيننا وبينك - في قول قتادة والسدي - وقيل معناه مستويا يتبين الناس ما بيننا فيه - ذكره ابن زيد - وقيل: معناه يستوي حالنا في الرضا به. وفيه إذا قصر لغتان - كسر السين، وضمها - وإذا فتحت السين مددته نحو قوله (إلى كلمة سواء بيننا وبينكم)(1) ومثله عدى وعدى. وطوى وطوى، وثنى وثنى.

وقال أبوعبيدة: (سوى) النصف والوسط قال الشاعر:

وإن ابانا كان حل ببلدة *** سوى بين قيس غيلان والفزر(2)

___________________________________

(1) سورة 3 آل عمران آية 64.

(2) تفسير الطبري 11 / 198 والطبري 16 / 119

[181]

قيس وفزر قبيلتان هنا. والفزر القطيع من الشاء. والقيس القردة.

والقيس مصدر قاس خطاه قيسا إذا سوى بينها.

ويقال جارية تميس ميسا وتقيس قيسا، فمعنى تميس تتبختر.

وسأل رجل اعرابيا: ما اسمك قال محمد، قال: والكنية، قال: ابو قيس.

قال قبحك الله اتجمع بين اسم النبي والقرد.

وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة (سوى) بضم السين، الباقون بالكسر.

فقال له موسى " موعدكم يوم الزينة " وهو يوم عيد كان لهم - في قول قتادة وابن جريج والسدي وابن زيد وابن اسحاق - وقال الفراء " يوم الزينة " يوم شرف كانوا يتزينون بها.

وقوله " وأن يحشر الناس ضحى " يحتمل أن يكون في موضع رفع، وتقديره موعدكم حشر الناس. ويحتمل ان يكون في موضع جر وتقديره يوم يحشر الناس.

وقوله " فتولى فرعون " أي اعرض عن موسى على هذا الوعد " فجمع كيده " من السحر و " اتى " يوم الموعد. وقرأ هبيرة عن حفص عن عاصم " يوم " بفتح الميم على الظرف. الباقون بضمها على أنه خبر (موعدكم) فجعلوا الموعد هو اليوم بعينه.

[182]

قوله تعالى:(قال لهم موسى ويلكم لاتفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى(61) فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى(62) قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى(63) فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى(64) قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى(65) قال بل ألقوا فاذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى(66))

ست آيات بلا خلاف.

قرأ " فيسحتكم " - بضم الياء وكسر الحاء - أهل الكوفة إلا أبا بكر. الباقون بفتح الياء والحاء. وهما لغتان.

يقال: سحت وأسحت إذا استأصل.

وقرأ ابو عمرو " إن هذين " بتشديد (إن) ونصب (هذين).

وقرأ نافع وحمزة والكسائي وابوبكر عن عاصم - بتشديد (ان) والالف في (هذان).

وقرأ ابن كثير (ان) مخففة (هذان) مشددة النون.

وقرأ ابن عامر بتخفيف نون (إن) وتخفيف نون (هذان).

وقرأ ابوعمرو وحده " فاجمعوا " بهمزة الوصل.

الباقون بقطع الهمزة من اجمعت الامر إذا عزمت عليه، قال الشاعر:

يا ليت شعري والمنى لا تنفع *** هل اغدون يوما وأمري مجمع(1)

وقيل: إن جمعت وأجمعت لغتان في العزم على الامر يقال: جمعت الامر، واجمعت عليه، بمعنى ازمعت عليه وفى الكلام حذف، لان تقديره انهم حضروا واجتمعوا يوم الزينة، فقال لهم حينئذ موسى يعني للسحرة الذين جاؤا بسحرهم " لا تفتروا على الله " اي لا تكذبوا عليه كذبا بتكذيبي، وتقولوا إن ما جئت به السحر. والافتراء اقتطاع الخبر الباطل بادخاله في جملة الحق وأصله القطع من فراه يفريه فريا. وافترى افتراء، والافتراء والافتعال والاختلاق واحد وقوله " فيسحتكم بعذاب " قال قتادة وابن زيد والسدي معناه فيستأصلكم بعذاب. والسحت استقصاء الشعر في الحلق: سحته سحتا واسحته

___________________________________

(1) مر تخريجه في 5 / 468 من هذا الكتاب

[183]

اسحاتا لغتان، قال الفرزدق:

وعض زمان يا ابن مروان لم يدع *** من المال إلا مسحتا أو مجلف(1)

وينشد (مسحت) بالرفع على معنى لم يدع أي لم يبق.

ومن نصب قال أو مجلف، كذلك روي مسحتا ومجلف.

وسئل الفرزدق على ما رفعت إلا مسحتا أو مجلف.

فقال للسائل على ما يسؤك وينؤك.

ويقال: سحت شعره إذا استقصى حلقه.

والمعنى إن العذاب إذا أتى من قبل الله أخذهم واهلكهم عن آخرهم.

وقوله " وقد خاب من افترى " أي انقطع رجاء من افترى الكذب. والخيبة الامتناع على الطالب ما أمل، والخيبة انقطاع الرجاء يقال: رجع بخيبة، وهو إذا رجع بغير قضاء حاجته. واشد ما يكون إذا أمل خيرا من جهة، فانقلب شرا منها.

وقوله " فتنازعوا أمرهم " معناه اختلفوا فيما بينهم. والتنازع محاولة كل واحد من المختلفين نزع المعنى عن صاحبه، تنازعا في الامر تنازعا، ونازعه منازعة.

وقوله " واسروا النجوى " أي اخفوها فيما بينهم.

قال قتادة: انهم قالوا: إن كان هذا ساحرا فسنغلبه، وإن كان من السماء، فله أمره.

وقال: وهب بن منية: لما قال لها " ويلكم لاتفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى " قالوا " ما هذا بقول ساحر.

وقيل: اسرارهم كان أنهم قالوا: ان غلبنا موسى اتبعناه.

وقيل أسروا النجوى دون موسى وهارون بقوله " إن هذين لساحران.... " الآية. وهو قول السدي.

وقوله " ان هذان لساحران " قيل فيه أوجه: اولها - إنه ضعف عمل (إن) لانها تعمل وليست فعلا لشبهها بالفعل، وليست

___________________________________

(1) مر تخريجه في 3 / 523 وفي ديوان الفرزدق طبع (دار صادر، دار بيروت) 2 / 26 (مجرف) بدل (مجلف) وهو خطأ

[184]

باصل في العمل، كما انها لما خففت لم تعمل أصلا.

والثاني - " إن هذان " أشبه (الذين) في البناء، لان أصله الذي فزادوا نونا للجمع، وتركوه على حالة واحدة في النصب والجر والرفع.

فكذلك كان أصله (هذا) فيه ألف مجهولة فزادوا نونا للتثنية وتركوها على حالة واحدة في الاحوال الثلاثة.

والثالث - إن (ان) بمعنى (إنه) إلا انها حذفت الهاء.

والرابع - انه لما حذفت الالف من (هذا) صارت ألف التثنية عوضا منها، فلم تزل على حالها.

وهي لغة بني الحارث بن كعب، وخثعم، وزبيد، وجماعة من قبائل اليمن.

وقال بعض بني الحارث بن كعب:

واطرق اطراق الشجاع ولو يرى *** مساغا لناباه الشجاع لصمما(1)

وقال آخر:

إن اباها وابا اباها *** قد بلغا في المجد غايتاها(2)

وقال آخر:

تزود منا بين اذناه ضربة *** دعته إلى هابي التراب عقيم(3)

الخامس - وقال المبرد واسماعيل بن اسحاق القاضي: أحسن ما قيل في ذلك ان (ان) تكون بمعنى نعم ويكون تقديره نعم هذان لساحران، فيكون ابتداء وخبرا قال الشاعر:

ظل العواذل بالضحى *** يلحينني والومهنه

___________________________________

(1) تفسير القرطبي 11 / 215 وتفسير الطبري 16 / 119.

(2) تفسير القرطبي 11 / 217 والشوكاني 3 / 361.

(3) تفسير القرطبى 11 / 217 ومجمع البيان 4 / 16

[185]

ويقلن شيب قد علاك *** وقد كبرت فقلت انه(1)

ووجه قراء‌ة حفص انه جعل (إن) بمعنى (ما) وتقديره: ما هذان ساحران.

وروي ان ابن مسعود قرأ (ان هذان ساحران) بغير لام.

وقرأ ابي (إن هذان إلا ساحران).

ومن جعل (ان) بمعنى (نعم) جعل حجته في دخول اللام في الخبر قول الشاعر:

خالي لانت ومن جرير خاله *** ينل العلا وتكرم الاخوال(2)

وقال آخر:

ام الحليس لعجوز شهربة *** ترضى من اللحم بعظم الرقبة(3)

هذه الآية حكاية عن قول فرعون أنه قال لهم " إن هذين " يعني موسى وهارون " لساحران يريدان أن يخرجاكم من ارضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى " قال مجاهد: معناه يذهبا بطريقة اولى العقل والاشراف والانساب.

وقال ابو صالح: ويذهبا بسراة الناس.

وقال قتادة: ويذهبا ببني اسرائيل، وكانوا عددا يسيرا.

وقال ابن زيد: معناه ويذهبا بالطريقة التى أنتم عليها في السيرة (وقيل: المعنى يذهبان بأهل طريقتكم المثلى. والامثل الاشبه بالحق الثابت، والصواب الظاهر. وهو الاولى به)(4).

وقال لهم فرعون ايضا " فاجمعوا كيدكم " فمن قطع الهمزة أراد فاعزموا على أمركم وكيدكم وسحركم.

وقيل: جمع وأجمع لغتان في العزم على الشئ يقال: جمعت

___________________________________

(1) تفسير القرطبى 11 / 218 ومجمع البيان 4 / 15.

(2) تفسير الشوكانى 3 / 433 وتفسير القرطبي 11 / 219.

(3) تفسير القرطبى 11 / 219.

(4) ما بين القوسين كان في المطبوعة متأخرا عن موضعه مع اخطاء كثيرة فيه

[186]

الامر وأجمعت عليه.

" ثم ائتوا صفا " ومعناه مصطفين.

وقال الزجاج: هو كقولهم: أتيت الصف أي الجماعة. ولم يجمع (صفا) لانه مصدر.

وقال قوم: إن هذا من قول فرعون للسحرة.

وقال آخرون: بل هو من قول بعض السحرة لبعض.

وقوله " وقد افلح اليوم من استعلى " معناه قد فاز اليوم من علا على صاحبه بالغلبة.

و " قالوا يا موسى اما أن تلقي واما أن نكون أول من القى " حكاية عما قالت السحرة لموسى فانهم خيروه في الالقاء بين أن يلقوا أولا ما معهم أو يلقي موسى عصاه، ثم يلقون ما معهم، فقال لهم " بل القوا " أنتم ما معكم " فاذا حبالهم وعصيتهم " أي القوا ما معهم، فاذا حبالهم وعصيتهم. وحبال جمع حبل، وعصى جمع عصا، ويجع الحبل حبلا والعصى أعصيا ويثنى عصوان. وانما أمرهم بالالقاء، وهو كفر منهم، لانه ليس بأمر، وانما هو تهديد. ومعناه الخبر، بان من كان إلقاؤه منكم حجة عنده ابتدأ بالالقاء، ذكره الجبائي.

وقال قوم: يجوز أن يكون ذلك أمرا على الحقيقة أمرهم بالالقاء على وجه الاعتبار، لاعلى وجه الكفر.

وقيل كان عدة السحرة سبعين ألفا - في قول القاسم بن ابي برة وقال ابن جريج: كانوا تسعمائة.

وقوله " فاذا حبالهم وعصيهم يخيل اليه من سحرهم أنها تسعى " وانما قال يخيل، لانها لم تكن تسعى حقيقة، وانما تحركت، لانه قيل إنه كان جعل داخلها زئبق، فلما حميت بالشمس طلب الزئبق الصعود، فتحركت العصي والحبال، فظن موسى أنها تسعى.

وقوله " يخيل اليه " قيل إلى فرعون. وقيل إلى موسى. وهو الاظهر. لقوله " فاوجس في نفسه خيفة موسى " وانما خاف دخول الشبهة على قومه. وقيل خاف بطبع البشرية.

[187]

قوله تعالى: (فأوجس في نفسه خيفة موسى(67) قلنا لاتخف إنك أنت الاعلى(68) وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى(69) فالقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هرون وموسى(70)

اربع آيات.

قرأ ابن عامر " تلقف " بتشديد القاف ورفع التاء. وقرأ حفص عن عاصم ساكنة الفاء مجزومة خفيفة القاف. الباقون مشددة القاف مجزومة الفاء.

وقرأ حمزة والكسائي " كيد سحر " على (فعل) الباقون " ساحر " على (فاعل) قال ابوعلي: حجة من قال (ساحر) أن الكيد للساحر، لا للسحر إلا أن يريد كيد ذي سحر، فيكون المعنيان واحدا، ولا يمتنع ان يضاف الكيد إلى السحر مجازا.

قوله " فأوجس في نفسه خيفة موسى " قيل في وجه خيفته قولان: احدهما - قال الجبائي والبلخي خاف أن يلتبس على الناس أمرهم، فيتوهموا أنه كان بمنزلة ما كان من أمر عصاه. الثاني - انه خاف بطبع البشرية لما رأى من كثرة ما تخيل من الحيات العظام، فقال الله تعالى له " لاتخف إنك انت الاعلى " أي انك انت الغالب لهم والقاهر لامرهم، ثم أمره تعالى فقال له " ألق ما في يمينك " يعني العصا " تلقف ما صنعوا " أي تأخذها بفيها ابتلاعا و (ما) هاهنا بمعنى الذي، وتقديره تلقف الذي صنعوا فيه، لان فعلهم لا يمكن ابتلاعه، لانها اعراض.

ويقال: لقف يلقف وتلقف يتلقف. ومن قرأ (تلقف) مضمومة الفاء مشددة القاف، أراد تتلقف فاسقط احد التائين، وكذلك

[188]

روى ابن فليح عن البزي عن ابن كثير بتشديد التاء، لانه ادغم احداهما في الاخرى. ومن سكن الفاء جعلها جواب الامر. ومن رفع، فعلى تقدير، فهي تلقف.

وقيل: إنها ابتلعت حمل ثلاث مئة بعير من الحبال والعصي. ثم اخذها موسى فرجعت إلى حالها عصا، كما كانت. ثم اخبر تعالى، بأن الذي صنعوه كيد سحر، او كيد ساحر، على اختلاف القراء‌تين. وانما رفع " كيد ساحر " لانه خبر (ان).

والمعنى إن الذي صنعوه كيد ساحر، ويجوز فيه النصب على أن تكون (ما) كافة لعمل (إن) كقولك إنما ضربت زيدا، ومثله " انما تعبدون من دون الله أوثانا "(1) ثم اخبر تعالى أن الساحر لايفلح أي لايفوز بفلاح أي بنجاة " حيث أتى " أي حيث وجد.

وقال بعضهم، لانه يجب قتله على كل حال، فلما رأت السحرة ما فعله الله من قلب العصا ثعبانا وابطال سحرهم علموا انه من قبل الله، وانه ليس بسحر، فالقوا نفوسهم ساجدين لله، مقرين بنبوة موسى (ع) مصدقين له.

و " قالوا آمنا " أي صدقنا " برب هارون وموسى " وقيل معناه صدقنا بالرب الذي يدعو اليه هارون وموسى، لانه رب الخلائق اجمعين.

___________________________________

(1) سورة 29 العنكبوت آية 17

[189]

قوله تعالى: (قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلا قطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولا صلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى(71) قالوا لن نؤثرك على ما جاء‌نا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحيوة الدنيا(72) إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى(73) إنه من يأت ربه مجرما فان له جهنم لايموت فيها ولايحيى(74) ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فاولئك لهم الدرجات العلى(75))

خمس آيات بلا خلاف.

قرأ ابن كثير وحفص وورش " آمنتم " على لفظ الخبر. وقرأ اهل الكوفة إلا حفصا بهمزتين. الباقون بهمزة واحدة بعدها مدة.

قال ابوعلي: من قرأ على الخبر، فوجهه أنه قرعهم على تقدمهم بين يديه، وعلى استبدارهم بما كان منهم من الايمان بغير اذنه وأمره، والاستفهام يؤل إلى هذا المعنى. ووجه قراء‌ة أبي عمرو انه أتى بهمزة الاستفهام وهمزة الوصل، وقلب الثانية مدة، كراهية اجتماع الهمزتين. وقد مضى شرح ذلك فيما مضى.

حكى الله تعالى ما قال فرعون للسحرة حين آمنوا بموسى وهارون " آمنتم له " أي صدقتموه واتبعتموه " قبل ان آذن لكم " وقال في موضع آخر " آمنتم به "(1) وقيل في الفرق بينهما " ان آمنتم له " يفيد الاتباع، وليس كذلك " آمنتم به " لانه قد يوقن بالخير من غير اتباع له فيما دعا اليه إلا أنه إذا قبل قول الداعي إلى أمر أخذبه.

ومن قرأ " آمنتم على الخبر " كأن فرعون أخبر بذلك. ومن قرأ على لفظ الاستفهام كأنه استفهم عن ايمانهم على وجه التقريع لهم. والفرق بين الاذن والامر، أن في الامر دلالة على إرادة الفعل المأمور به، وليس

___________________________________

(1) سورة 7 الاعراف آية 122

[190]

في الاذن دلالة على إرادة المأذون فيه، كقوله " وإذا حللتم فاصطادوا "(1) فهذا إذن.

ثم قال فرعون " انه " يعني موسى " لكبيركم " اي رئيسكم ومتقدمكم " الذي علمكم السحر " ثم هددهم فقال " لاقطعن ايديكم وارجلكم من خلاف " يعني قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى او اليد اليسرى والرجل اليمنى.

وقيل أول من فعل ذلك فرعون، وأول من صلب في جذوع النخل هو، و (في) بمعنى (على) قال الشاعر:

وهم صلبوا العبدي في جذع نخلة *** فلا عطست شيبان إلا بأجدعا(2)

وقوله " ولتعلمن اينا اشد عذابا وأبقى " قال ابن اسحاق ومحمد بن كعب القرطي معناه: ابقى عقابا ان عصي وثوابا ان اطيع، ورفع " أينا " لانه وقع موقع الاستفهام، ولم يعمل فيه ما قبله من العلم. وقيل انما نسبهم إلى اتباع رئيسهم في السحر ليصرف بذلك الناس عن اتباع موسى (ع) فأجابته السحرة فقالوا " لن نؤثرك " أي لانختارك يا فرعون " على ما جاء‌نا من البينات " يعني الادلة الدالة على صدق موسى وصحة نبوته.

وقوله " والذي فطرنا " يعني وعلى الذي خلقنا فيكون عطفا على " ما جاء‌نا من البينات " فيكون جرا، ويحتمل أن يكون جرا بأنه قسم.

وقوله " فاقض ما انت قاض " معناه فاصنع ما انت صانع على تمام من قولهم: قضى فلان حاجتي إذا صنع ما اريد على اتمام، قال ابوذؤيب:

وعليهما مسرودتان قضاهما *** داود أو صنع السوابغ تبع(3)

وقوله " انما تقضي هذه الحياة الدنيا " يعنى انما تصنع بسلطانك وعذابك في هذه الحياة الدنيا دون الاخرة.

وقيل: معناه ان الذي يفنى وينقضي هذه الحياة الدنيا دون حياة الآخرة.

___________________________________

(1) سورة، 5، المائدة آية 3.

(2) تفسير الشوكاني 3 / 363 والقرطبى 11 / 224 والطبري 16 / 126.

(3) مر هذا البيت في 1 / 429 و 4 / 88 و 165 و 5 / 398

[191]

وقوله " انا آمنا بربنا " اي صدقنا به، نطلب بذلك أن يغفر لنا خطايانا ويغفر لنا ما اكرهتنا عليه من السحر.

قال ابن زيد وابن عباس: إن فرعون رفع غلمانا إلى السحرة يعلمونهم السحر بالغرائم قالوا " والله خير " لنا منكم " وابقى " لنا ثوابا من ثوابك. ثم حكى قول السحرة انهم قالوا " انه من يأت ربه مجرما " وقيل انه خبر من الله تعالى بذلك دون الحكاية عن السحرة " فان له جهنم " جزاء على جرمه وعصيانه " لايموت فيها " يعني جهنم " ولا يحيى " اي لايموت فيها فيستريح من العذاب، ولايحيى حياة فيها راحة، بل هو معاقب بأنواع العقاب.

ثم اخبر تعالى فقال " ومن يأته مؤمنا " أي مصدقا بتوحيده وصدق أنبيائه و " قد عمل " الطاعات التى أمره بها (فاولئك لهم الدرجات العلى) أي العاليه والعلى جمع عليا مثل ظلمة وظلم والكبرى والكبر.

الآية: 76 - 100

قوله تعالى: (جنات عدن تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى(76) ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لاتخاف دركا ولا تخشى(77) فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم(78) وأضل فرعون قومه وما هدى(79) يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الايمن ونزلنا عليكم المن والسلوى(80))

خمس آيات.

قرأ حمزة وحده (لاتخف دركا) على النهي، أو على الجزاء لقوله " فاضرب لهم طريقا " الباقون " لاتخاف " بالرفع " ولا تخشى " بألف بلا خلاف على الاستئناف.

ومثله قوله " يولوكم الادبار ثم لا ينصرون "(1). وقيل انه يحتمل ان يكون " لا تخش " مجزوما، وزيد الالف ليوافق رؤس الآي كما، قال الشاعر:

الم يأتيك والابناء تنمي *** بما لاقت لبون بني زياد(2)

ومن قرأ " لاتخاف " بالرفع، و " لا تخشى " مثله، فهو على الخبر.

وقال ابوعلي: هو في موضع نصب على الحال، وتقديره طريقا في البحر يبسا غير خائف دركا.

وقرأ حمزة والكسائي " انجيتكم، ووعدتكم " بالتاء فيهما بغير الف. الباقون بالالف والنون.

وقرأ ابوعمرو وحده " ووعدناكم " بغير الف. الباقون " وواعدناكم " بالف.

ولم يختلفوا في " نزلنا " انه بالنون. ومعنى التاء والنون قريب بعضه من بعض، لكن النون لعظم حال المتكلم. لما اخبر الله تعالى ان لمن آمن بالله الدرجات العلى، قال ولهم " جنات عدن " اي بساتين إقامة " تجري من تحتها الانهار خالدين فيها " وقد فسرناه في غير موضع. ثم قال " وذلك " الذي وصفه " جزاء من تزكى " فالتزكي طلب الزكا بارادة الطاعة، والعمل بها.

والزكا النماء في الخبر، ومنه الزكاة، لان الميل ينمو بها في العاجل والاجل، لما لصاحبها عليها من ثواب الله تعالى. وقيل: معنى " تزكى " تطهر من الذنوب بالطاعة بدلا من تدنيسها بالمعصية.

والخلود المكث في الشئ إلى غير غاية.

___________________________________

(1) سورة 3 آية آل عمران آية 111.

(2) مر هذا البيت 6 / 190 وهو في تفسير القرطبي 11 / 224 وتفسير الشوكاني 3 / 433

[193]

ثم أخبر تعالى فقال (ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي) أي سربهم ليلا لان الاسراء السير بالليل (فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا) والمعنى: اضرب بعصاك البحر تجعل طريقا، فكأنه قيل: اجعل طريقا بالضرب بالعصا، فعداه إلى الطريق لما دخله هذا العنى فكأنه قد ضرب الطريق، كضربه الدينار.

واليبس اليابس وجمعه ايباس، وجمع اليبس - بسكون الباء - يبوس.

وقال ابوعبيدة: اليبس - بفتح الباء - المكان الجاف.

واذا كان اليبس في نبات الارض فهو اليبس - بسكون الباء - قال علقمة بن عبده:

تخشخش أبدان الحديد عليهم *** كما خشخشت يبس الحصاد جنوب

وقوله (لا تخاف دركا ولا تخشى) معناه لا تخف أن يدركك فرعون، ولاتخش الغرق من البحر - في قول ابن عباس وقتادة - وقيل: معناه لاتخف لحوقا من عدوك، ولا تخش الغرق من البحر الذي انفرج عنك. والمعنيان متقاربان. وكان سبب ذلك أن اصحاب موسى قالوا له: هذا فرعون قد لحقنا، وهذا البحر قد غشينا يعنون اليم، فقال الله تعالى " لاتحف دركا ولا تخش ".

ثم اخبر تعالى فقال (فأتبعهم فرعون بجنوده) أي دخل خلف موسى وبني إسرائيل، وفى الكلام حذف لان تقديره: فدخل موسى وقومه البحر ثم أتبعهم فرعون بجنوده ومن اتبعهم. فمن قطع الهمزة جعل الباء زائدة.

ومن وصلها أراد: تبعهم وسار في أثرهم، والباء للتعدية.

وقوله (فغشيهم من اليم ما غشيهم) يعني الذي غشيهم.

وقيل: معناه تعظيم للامر لان (غشيهم) قد دل على (ما غشيهم) وإنما ذكره تعظيما.

وقيل: ذكره تأكيدا.

وقال قوم: معناه فغشيهم الذي عرفتموه.

[194]

كما قال ابوالنجم: أنا ابوالنجم وشعري شعري(1) وقال الزجاج: فغشيهم من اليم ما غرقهم.

وقال الفراء: معناه " فغشيهم من اليم ما غشيهم " لانه ليس الماء كله غشيهم، وانما غشيهم بعضه.

وقال قوم: معناه " فغشيم " يعني أصحاب فرعون " من اليم " ما غشي قوم موسى إلا أن الله غرق هؤلاء، ونجا أولئك.

ويجوز أن يكون المراد: فغشيهم من قبل اليم الذي غشيهم من الموت والهلاك، فكأنه قال: الذي غشيهم من الموت والهلاك كان من قبل البحر إذ غشيهم، فيكون (غشيهم) الاول للبحر، و (غشيهم) الثاني للهلاك والموت.

وقوله " وأضل فرعون قومه وما هدى " معناه أنه دعاهم إلى الضلال واغواهم، فضلوا عنده، فنسب اليه الضلال.

وقيل: إن معناه أستمر بهم على الضلالة فلذلك قيل " وما هدى ". ثم عدد الله على بني إسرائيل نعمه، بأن قال " يا بني اسرائيل قد أنجيناكم " أي خلصناكم " من عدوكم " فرعون " وواعدناكم جانب الطور الايمن " معناه إن الله واعدكم جانب الجبل الذي هو الطور، لتسمعوا كلام الله لموسى بحضرتكم هناك " ونزلنا عليكم المن والسلوى " يعني في زمان التيه أنزل عليهم المن، وهو الذي يقع على بعض الاشجار، والسلوى طائر أكبر من السمان.

___________________________________

(1) آمالى السيد المرتضى 1 / 350. وبعد: (لله دري ما يجن صدري)

[195]

قوله تعالى: (كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى(81) وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى(82) وما أعجلك عن قومك يا موسى(83) قال هو أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى(84) قال فانا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري(85)

خمس آيات.

قرأ الكسائي وحده " فيحل عليكم " بضم الحاء وكذلك " من يحلل " بضم اللام.

الباقون - بكسرها - ولم يختلفوا في الكسر من قوله " ان يحل عليكم غضب من ربكم "(1) يقال حل بالمكان يحل إذا نزل به، وحل يحل - بالكسر - بمعنى وجب.

قوله " كلوا من طيبات ما رزقناكم " صورته صورة الامر والمراد به الاباحة، لان الله تعالى لايريد المباحات من الاكل والشرب في دار التكليف. والطيبات معناه الحلال. وقيل معناه المستلذات.

وقوله " ولاتطغوا فيه " معناه لاتتعدوا فيه فتأكلوه على وجه حرمه الله عليكم، فتتعدون فيه بمعصية الله، ويمكن ترك الاكل على وجه حرمه الله إلى وجه أباحه الله على الوجه الذي أذن فيه، وعلى وجه الطاعة أيضا، للاستعانة به على غيره من طاعة الله.

وقوله " فيحل عليكم غضبي " معناه متى طغيتم فيه واكلتموه على وجه الحرام، نزل عليكم غضبي، على قراء‌ة من ضم الحاء، ومن كسره: معناه يجب عليكم غضبي الذي هو عقاب الله. ثم اخبر تعالى أن من حل غضب الله عليه " فقد هوى " يعني هلك، لان من هوى من علو إلى سفل، فقد هلك.

وقيل: هو بمعنى تردى وقيل: معناه هوى إلى النار.

___________________________________

(1) سورة 20 طه آية 86

[196]

ثم أخبر تعالى عن نفسه أنه " غفار " أي ستار " لمن تاب من المعاصي " فاسقط عقابه وستر معاصيه إذا أضاف إلى إيمانه الاعمال الصالحات " ثم أهتدى " قال قتادة: معناه ثم لزم الايمان إلى أن يموت، كأنه قال: ثم استمر على الاستقامة.

وانما قال ذلك، لئلا يتكل الانسان على انه قد كان أخلص الطاعة. وفى تفسير أهل البيت (ع) ان معناه " ثم أهتدى " إلى ولاية أوليائه الذين أوجب الله طاعتهم والانقياد لامرهم.

وقال ثابت البنائي: ثم أهتدى إلى ولاية أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله.

ثم خاطب موسى (ع)، فقال " وما أعجلك عن قومك يا موسى " قال ابن اسحاق: كانت المواعدة أن يوافي هو وقومه، فسبق موسى إلى ميقات ربه، فقرره الله على ذلك لم فعله؟ وقال موسى في جوابه " هم أولاء على أثري وعلجت اليك رب لترضى " فقال الله " فانا قد فتنا قومك من بعدك " أي عاملناهم معاملة المختبر بان شددنا عليهم في التعبد بأن ألزمناهم عند اخراج العجل أن يستدلوا على أنه لايجوز أن يكون إلها، ولا أن يحل الاله فيه، فحقيقة الفتنة تتشديد العبادة.

وقوله " واضلهم السامري " معناه أنه دعاهم إلى عبادة العجل، فضلوا عند ذلك، فنسب الله الاضلال اليه لما ضلوا بدعائه.

[197]

قوله تعالى: (فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي(86) قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري(87) فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي(88) أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولايملك لهم ضرا ولانفعا(89) ولقد قال لهم هرون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري(90))

خمس آيات.

قرأ ابن كثير وابوعمرو وابن عامر " بملكنا " بكسر الميم - وقرأ نافع وعاصم - بفتح الميم - وقرأ حمزة والكسائي - بضم الميم - من ضم الميم فمعناه بسلطاننا وقيل إن في ذلك ثلاث لغات: فتح الميم وضمها وكسرها.

وقرأ ابوعمرو، وحمزة وابوبكر " حملنا " - بفتح الحاء والميم - مخففا. الباقون - بضم الحاء وكسر الميم - مشددا. اخبر الله تعالى أن موسى رجع من ميقات ربه " إلى قومه غضبان أسفا " والغضب ضد الرضا، وهو ما يدعو إلى فعل العقاب، والاسف أشد الغضب.

وقال ابن عباس: معنى " أسفا " اي حزينا.

وبه قال قتادة والسدي. والاسف أشد الغضب.

وقال بعضهم: قد يكون بمعنى الغضب، ويكون بمعنى الحزن.

قال الله تعالى " فلما أسفونا انتقمنا منهم "(1) أي أغضبونا، فقال موسى لقومه " يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا " لان الله تعالى كان وعد موسى بالنجاة من عدوهم، ومجيئهم إلى جانب الطور الايمن، ووعده بأنه تعالى " غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم

___________________________________

(1) سورة 43 الزخرف آية 55

[198]

أهتدى " ثم قال " أفطال عليكم العهد " أي عهدي ولقائي فنسيتموه " أم أردتم أن يحل عليكم " اي يجب عليكم " غضب " اي عقاب " من ربكم فاخلفتم موعدي " أي ما وعدتموني من المقام على الطاعات.

وقال الحسن: معنى " ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا " في الآخرة على التمسك بدينه في الدنيا.

وقيل الذي وعدهم الله به التوراة، وفيها النور والهدى ليعملوا بما فيها، ويستحقوا عليه الثواب.

وكانوا وعدوه أن يقيموا على أمرهم، فأخلفوا، وقالوا جوابا لموسى " ما أخلفنا موعدك بملكنا " أي قال المؤمنون: لم نملك أن نرد عن ذلك السفهاء.

قال قتادة والسدي: معنى " بملكنا " بطاقتنا.

وقال ابن زيد: معناه لم نملك أنفسنا للبلية التي وقعت بنا.

فمن فتح الميم: أراد المصدر.

ومن كسرها أراد: ما يتملك.

ومن ضم أراد: السلطان والقوة به.

وقوله " ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم " معناه إنا حملنا أثقالا من حلي آل فرعون، وذلك أن موسى أهرم ان يستعيروا من حليهم - في قول ابن عباس ومجاهد والسدي وابن زيد - وقيل: جعلت حلالا لهم. ومن قرأ بالتشديد أراد ان غيرنا حملنا ذلك بأن أمرنا بحمله.

وقوله " فقذفناها " أي طرحنا تلك الحلي، ومثل ذلك " ألقى السامري " ما كان معه من الحلي. وقيل " أوزارا " أي اثقالا من حلي آل فرعون، لما قذفهم البحر أخذوها منهم.

ثم اخبر تعالى فقال: إن السامري أخرج لقوم موسى عجلا جسدا له خوار، فقيل ان ذلك العجل كان في صورة ثور صاغها من الحلي التي كانت معهم، ثم ألقى عليها من أثر جبرائيل شيئا، فانقلب حيوانا يخور - ذكره الحسن وقتادة والسدي - و (الخور) الصوت الشديد كصوت البقرة.

وقال مجاهد: كان خواره بالريح إذا دخلت في جوفه. وأجاز قوم الاول، وقالوا: إن ذلك معجزة تجوز في زمن الانبياء.

[199]

وقول مجاهد أقوى، لان إظهار المعجزات لايجوز على أيدي المبطلين، وإن كان في زمن الانبياء.

وقال الجبائي: انما صوره على صورة العجل وجعل فيه خروقا إذا دخله الريح أو هم انه يخور.

وقيل: انه خار دفعة واحدة " فقالوا هذا إلهكم وإله موسى " يعني قال ذلك السامري ومن تابعه ان هذا العجل معبودكم ومعبود موسى، " فنسي " أي نسي موسى أنه إلهه، وهو قول السامري - في قول ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي وابن زيد والضحاك - وقال ابن عباس في رواية أخرى: معناه، فنسى السامري ما كان عليه من الايمان، لانه نافق لما عبر البحر. ومعناه ترك ما كان عليه.

وقال قوم: معناه " فنسي " موسى أنه أراد هذا العجل، فنسي وترك الطريق الذي يصل منه اليه، ويكون حكاية قول السامري.

ثم قال تعالى تنبيها لهم على خطئهم " أفلا يرون " أي أفلا يعلمون أنه " لا يرجع اليهم قولا " أي لايجيبهم إذا خاطبوه، ولايقدر لهم على ضر ولانفع.

ثم اخبر ان هارون قال لهم قبل ذلك " يا قوم إنما فتنتم به " أي ابتليتم واختبرتم به " وإن ربكم الرحمن " اي الذين يستحق العبادة عليكم هو الرحمن الذي أنعم عليكم بضروب النعم " فاتبعوني " فيما أقول لكم " واطيعوا أمري " فيما آمركم به.

[200]

 

قوله تعالى: (قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى(91) قال يا هرون ما منعك إذا رأيتهم ضلوا(92) ألا تتبعن أفعصيت أمري(93) قال يبنؤم لاتأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي(94) قال فما خطبك يا سامري(95))

خمس آيات.

قرأ " يا ابن أم " - بفتح الميم - ابن كثير وأبوعمرو، وعاصم في رواية حفص. الباقون - بكسر الميم - من فتح الميم جعل " ابن أم " اسما واحدا وبناهما على الفتح مثل (خمسة عشر) إلا ان (خمسة عشر) تضمن معنى الواو، وتقديره خمسة وعشرة، و " ابن أم " بمعنى اللام وتقديره: لامي، وكلاهما على تقدير الاتصال بالحرف على جهة الحذف، ويجوز " يا ابن أم " على الاضافة، ولم يجئ هذا البناء إلا في يا أبن ام، ويا عم، لانه كثر حتى صار يقال للاجنبي، فلما عدل بمعناه عدل بلفظه، قال الشاعر:

رجال ونسوان يودون أنني *** وإياك يا ابن عم ونفضح

ويحتمل ان يكون (اراد يابن أماه) فرخم.

ويحتمل ان يكون أراد (يابن اما) (فخفف، ومن كسر اراد ياين امي(1) لان العرب تقول: يا ابن اما بمعنى يا ابن امي ويا ربا بمعنى يا ربي.

فمن كسر اراد: يا ابن امي، فحذف الياء وابقى الكسرة تدل عليها.

حكى الله تعالى ما اجاب به قوم موسى لهارون حين نهاهم عن عبادة العجل وأمرهم باتباعه، فانهم " قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع الينا موسى " أي لن نزال لازمين لهذا العجل إلى أن يعود الينا موسى، فننظر ما يقول قال الشاعر:

فما برحت خيل تثوب وتدعي *** ويلحق منها لاحق وتقطع(2)

___________________________________

(1) ما بين القوسين ساقط من الطبوعة.

(2) مرتخريجه في 6 / 182 وروايته هناك - (فتئت) بدل (برحت)

[201]

والعكوف لزوم الشئ مع القصد اليه على مرور الوقت، ومنه الاعتكاف في المسجد.

ثم اخبر تعالى أن موسى لما رجع إلى قومه، قال لهارون " يا هارون ما منعك ألا تتبعني " قال ابن عباس: معناه بمن أقام على إيمانه.

وقال إبن جريج: معناه ألا تتبعني في شدة الزجر لهم عن الكفر.

ومعنى (ألا تتبعني) ما منعك أن تتبعني و (لا) زائدة، كما " قال ما منعك ألا تسجد إد امرتك "(1) وقد بينا القول في ذلك. وإنما جاز ذلك لانه المفهوم أن المراد ما منعك بدعائه لك إلى أن لاتتبعني فدخلت (لا) لتنبئ عن هذا المعنى، وهو منع الداعي دون منع الحائل.

وقوله " أفعصيت أمري " صورته صورة الاستفهام، والمراد به التقرير، لان موسى كان يعلم أن هارون لايعصيه في أمره، فقال له هارون في الجواب " لاتأخذ بلحيتي ولا برأسي " حين اخذ موسى بلحيته ورأسه.

وقيل في وجه ذلك قولان: احدهما - ان عادة ذلك الوقت أن الواحد إذا خاطب غيره قبض على لحيته، كما يقبض على يده في عادتنا، والعادات تختلف ولم يكن ذلك على وجه الاستخفاف. والثاني - انه أجراه مجرى نفسه إذا غضب، في القبض على لحيته، لانه لم يكن يتهم عليه، كما لايتهم على نفسه.

وقوله " إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل " معناه إني خفت أني أن فعلت ذلك على وجه العنف والاكراه أن يتفرقوا وتختلف كلمتهم ويصيروا أحزابا، حزبا يلحقون بموسى وحزبا يقيمون مع السامري على اتباعه، وحزبا يقيمون على الشك في أمره. ثم لايؤمن إذا تركتهم كذلك أن يصيروا بالخلاف إلى سفك الدماء، وشدة التصميم على أمر السامري، فاعتذر بما مثله يقبل، لانه وجه من وجوه الرأي.

___________________________________

(1) سورة 7 الاعراف آية 11

[202]

قوله " ولم ترقب قولي " أي لم تحفظ قولي - في قول ابن عباس - فعدل عن ذلك موسى إلى خطاب السامري، فقال له " ما خطبك يا سامري " أي ما شأنك وما دعاك إلى ما صنعت؟ ! وأصل الخطب: الجليل من الامر، فكأنه قيل: ما هذا العظيم الذي دعاك إلى ما صنعت.

قوله تعالى: (قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي(96) قال فاذهب فان لك في الحيوة أن تقول لامساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا(97) إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شئ علما(98) كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا(99) من أعرض عنه فانه يحمل يوم القيمة وزرا(100))

خمس آيات.

قرأ حمزة والكسائي " ما لم تبصروا " بالتاء. الباقون بالياء المعجمة من اسفل.

من قرأ بالتاء حمله على خطابه لجميعهم.

ومن قرأ بالياء اراد: بصرت بما لم يبصروا بنو إسرائيل.

وقرأ ابن كثير وابوعمرو " لن تخلفه " بكسر اللام. الباقون بفتح اللام.

[203]

والمعنى: لان الله يكافيك على ما فعلت يوم القيامة، لانه بذلك وعد.

يقال: اخلفت موعد فلان إذا لم تف بما وعدته.

ومن قرأ - على ما لم يسم فاعله - جعل الخلف من غير المخاطب، والهاء كناية عن الموعد، وهو المفعول به، والفاعل لم يذكر.

حكى الله تعالى قول موسى للسامري وسؤاله إياه بقوله " ما خطبك يا سامري " وحكى ما أجاب به السامري، فانه قال " بصرت بما لم يبصروا به " والمعنى رأيت ما لم يروه.

فمن قرأ بالياء اراد ما لم يبصروا هؤلاء. ومن قرأ بالتاء حمله على الخطاب وبصرا لا يتعدى، وإن كانت الرؤية متعدية، لان ما كان على وزن (فعل) بضم العين لا يتعدى.

غيرانه وان كان غير متعد، فانه يتعدى بحرف الجر، كما عداه - ههنا - بالباء.

وقيل بصرت - ههنا - بمعنى علمت من البصيرة.

يقال: بصر يبصر اذا علم. وابصر ابصارا اذا رأى.

وقوله " فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها " قرأ الحسن بالصاد غير المعجمة. والقراء على القراء‌ة بالضاد المنقطة، والفرق بينهما ان (القبضة) بالضاد بملئ الكف، وبالصاد غير المعجمة بأطراف الاصابع، وقيل: انه قبض قبضة من اثر جبرائيل (ع) " فنبذتها " في الحلي على ما اطمعتني نفسي من انقلابه حيوانا.

وقال ابن زيد: معنى " سولت لي نفسي " حدثتني. وقيل: معناه زينت لي نفسي.

فان قيل: لم جاز إنقلابه حيوانا - مع انه معجز - لغير نبي؟ ! قلنا: في ذلك خلاف، فمنهم من قال: انه كان معلوما معتادا في ذلك الوقت انه من قبض من اثر الرسول قبضة فألقاها على جماد صار حيوانا - ذكره ابوبكر ابن الاخشاذ - فعلى هذا لايكون خرق عادة بدل بل كان معتادا.

وقال الحسن: صار لحما ودما.

وقال الجبائي: المعنى سولت له نفسه مالا حقيقة له وانما خار بحيلة: جعلت فيه خروق اذا دخلتها الريح سمع له خوار منه.

[204]

فقال له موسى عند ذلك " فاذهب " يا سامري " فان لك في الحياة أن تقول لامساس " واختلفوا في معناه، فقال قوم: معناه تقول لا أمس ولا أمس، وكان موسى امر بني إسرائيل ألا يؤاكلوه ولا يخالطوه ولا يبايعوه، فيما ذكر.

وقال الجبائي: معناه انه لامساس لاحد من الناس، لانه جعل يهيم في البرية مع الوحش والسباع.

وقوله " لامساس " بالكسر والفتح، فان كسرت فمثل لا رجال، واذا فتحت الميم بنيت على الكسر مثل نزال، قال رؤية: حتى تقول الازد لامساسا(1) وقال الشاعر:

تميم كرهط السامري وقوله *** ألا لايريد السامري مساسا(2)

وكله بمعنى المماسة والمخالطة.

ثم قال " وان لك موعدا لن تخلفه " من جهتنا فيمن قرأ بالفتح، ومن قرأ بالكسر معناه لا تخلفه انت، وهما متقاربان، ويريد بالموعد البعث والنشور والجزاء، اما جنة واما نارا.

ثم قال " انظر إلى الهلك " يعني معبودك عند نفسك أبصره " الذي ظلت عليه عاكفا " قال ابن عباس: معناه اقمت عليه عاكفا، واصله ظللت، فحذف اللام المكسورة للتخفيف وكراهية التضعيف، وللعرب فيها مذهبان، فتح الظاء، وكسرها، فمن فتح تركها على حالها، ومن كسر نقل حركة اللام اليها للاشعار باصلها.

ومثله مست ومست في مسست.

وهمت وهمت، في هممت، وهل احست في احسست، قال الشاعر:

___________________________________

(1) تفسير القرطبي 11 / 241 / والشوكاني 3 / 371.

(2) تفسير القرطبي 11 / 240

[205]

خلا ان العتاق من المطايا *** أحس به فهن اليه شوس(1)

وقوله " لنحرقنه " يعني بالنار يقال: انه حرقه ثم ذراه في البحر - في قول ابن عباس - يقال حرقته بتشديد الراء اذا حرقته بالنار وحرقته بتخفيف الراء بمعنى بردته بالمبرد، وذلك لانه يقطع به كما يقطع المحرق بالنار يقال حرقته واحرقته حرقا، كما قال الشاعر:

بذي فرفير يوم بنو حبيب *** بيوتهم علينا يحرقونا(2)

وقال زهير:

ابى الضيم والنعمان يحرق نابه *** عليه فأفضى والسيوف معاقله(3)

وقرأ ابوجعفر المدني " لنحرقنه " بفتح النون وسكون الحاء وضم الراء بمعنى لنبردنه.

وروي ذلك عن علي (ع)، ويقال نسف فلان الطعام بالمنسف اذا ذراه لتطير عنه قشوره.

وقال سعيد بن جبير: كان السامري رجلا من اهل كرمان.

وقال قوم: كان من بني اسرائيل، واليه تنسب (السامرة) من اليهود.

وحكى قوم: ان قبيلته إلى اليوم يقولون في كلامهم: لا مساس.

ثم اقبل على قومه فقال " انما الهكم الله الذي لا اله الا هو " اي ليس لكم معبود الا الله الذي " وسع كل شئ علما " اي يعلم كل شئ، لا يخفى عليه شئ منها، وهي لفظة عجيبة في الفصاحة.

ثم قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله مثل ذلك " نقص عليك من ابناء " يعني اخبار " ما قد سبق " وتقدم " وقد آتيناك من لدنا ذكرا " اي اعطيناك من عندنا علما بأخبار الماضين.

___________________________________

(1) تفسير الطبري 16 / 137 والقرطبى 11 / 242.

(2) تفسير الطبري 16 / 138.

(3) ديوان (دار بيروت) 69 وهذا البيت برمته ساقط من المطبوعة

[206]

وقال الجبائي: اراد آتيناك من عدنا القرآن لانه سماه ذكرا.

ثم قال " من اعرض " عن التصديق بما اخبرناك به وعن توحيد الله، واخلاص عبادته " فانه يحمل يوم القيامة وزرا " اي اثما، واصل الوزر الثقل، في قول مجاهد.

الآية: 101 - 135

قوله تعالى: (خالدين فيه وساء‌لهم يوم القيمة حملا(101) يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا(102) يتخافتون بينهم إن لبثهم إلا عشرا(103) نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما(104) ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا(105) فيذرها قاعا صفصفا(106) لا ترى فيها عوجا ولا أمتا(107))

سبع آيات.

قرأ ابوعمرو وحده " يوم ننفخ " بفتح النون مع قوله " ونحشر ". الباقون " ينفخ " بالياء على ما لم يسم فاعله.

قوله " خالدين " نصب على الحال، والعامل فيه (العذاب) الذي تقدم ذكره من الوزر، والمعنى في عذاب الاثم (وساء لهم يوم القيامة حملا) نصب (حملا) على التمييز.

وفاعل (ساء) مضمر، وتقديره: ساء الحمل حملا، الا انه استغني بالمفسر عن اظهار المضمر، كقولهم بئس رجلا صاحبك. وانما اضمر، ثم فسره، لانه افخم واهول، والمعنى وساء ذلك الحمل الوزر لهم يوم القيامة حملا، فيما ينزل بهم.

وقوله (يوم ينفخ في الصور) فالنفخ اخراج الريح من الجوف بالدفع من

[207]

الفم، فهذا اصله، ثم قد يسمى احداث الريح من الزق او البوق نفخا، لانه كالنفخ المعروف.

و (الصور) قيل في معناه قولان: احدهما - انه جمع صورة، كل حيوان تنفخ فيه الروح، فتجري في جسمه، ويقوم حيا باذن الله. والثاني - انه قرن ينفخ فيه النفخة الثانية ليقوم الناس من قبورهم عند تلك النفخة تصويرا لتلك الحال في النفوس بما هو معلوم، مما عهدوه من بوق الرحيل وبوق النزول.

وقوله (ونحشر المجرمين يومئذ زرقا) قيل: معناه إنه أزرقت عيونهم من شدة العطش.

وقيل: معناه عميا، كما قال (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا)(1) كأنها ترى زرقا وهي عمي.

وقيل: المعني في (زرقا) تشويه الخلق: وجوههم سود وأعينهم زرق.

وقوله (يتخافتون بينهم) معناه يتشاورون بينهم - في قول ابن عباس - ومنه قوله (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) ومعناه لاتعلن صوتك بالقراء‌ة في الصلاة كل الاعلان ولا تخفها كل لاخفاء (وابتغ بين ذلك سبيلا)(2) وقوله (إن لبثتم إلا عشرا) يعني ما أقمتم في قبوركم إلا عشرا.

وانما يقولون ذلك القول لانهم لشدة ما يرونه من هول القيامة ينسون ما لبثوا في الدنيا، فيقولون هذا القول.

وقيل: معناه وتأويله انه يذهب عنهم طول لبثهم في قبورهم لما يرون من أحوالهم التي رجعت اليهم، كأنهم كانوا نياما، فانتبهوا.

وقال الحسن: إن لبثتم إلا عشرا يقللون لبثهم في الدنيا لطول ما هم لا بثون في النار.

ثم قال تعالى (نحن اعلم بما يقولون إذ يقول امثلهم طريقة) أي اصلحهم طريقة وأوفرهم عقلا.

___________________________________

(1) سورة 17 الاسرى آية 97.

(2) سورة 17 الاسرى آية 110

[208]

وقيل: أكثرهم سدادا، يعني عنه نفسه (إن لبثتم إلا يوما) قال ابوعلي الجبائي: معناه (إن لبثتم إلا يوما) بعد انقطاع عذاب القبر عنهم، وذلك ان الله يعذبهم ثم يعيدهم.

ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وآله (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا) قيل: انه يجعلها بمنزلة الرمل، ثم يرسل عليها الرياح فتذريها كتذرية الطعام عن القشور والتراب.

وقيل: ان الجبال تصير كالهباء (فيذرها قاعا صفصفا) قال ابن عباس: الصفصف الموضع المستوي الذي لانبات فيه، وهو قول مجاهد وابن زيد. وقيل هو المكان المستوي كانه على صف واحد في استوائه، والقاع قيل: هو الارض الملساء.

وقيل مستنقع الماء وجمعه اقواع قال الشاعر:

كان أيدهن بالقاع القرق *** أيدي جوار يتعاطين الورق(1)

وقال الكلبي: الصفصف ما لا تراب فيه.

(لاترى فيها عوجا ولا أمتا) يعني واديا ولا رابية - في قول ابن عباس - وقيل (عوجا) معناه صدعا (ولا أمتا) يعني اكمة.

وقيل: معنى (عوجا) ميلا و (أمتا) اثرا.

وقال ابوعبيدة: (صفصفا) اي مستويا املسا.

و (العوج) مصدر ما اعوج من المجاري، والمسايل والاودية والارتفاع يمينا وشمالا و " لا أمتا " اي لاربا ولا وهاد، أي لا ارتفاع فيه ولا هبوط، يقال: مد حبله حتى ماترك فيه امتا، وملا سقاه حتى ما ترك فيه أمتا أي انثناء، قال الشاعر: ما في انحداب سيره من أمت(2)

___________________________________

(1) امالى الشريف المرتضى 1 / 561 واللسان (قرق).

(2) تفسير الطبري 16 / 141 والشوكاني 3 / 372

[209]

قوله تعالى: (يومئذ يتبعون الداعي لاعوج له وخشعت الاصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا(108) يومئذ لاتنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا(109) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما(110))

ثلاث آيات.

يقول الله تعالى إن اليوم الذي ينسف الله فيه الجبال نسفا. ويذرها قاعا صفصفا، حتى لايبقى فيه عوج ولا امت، تتبع الخلائق يومئذ الداعي لهم إلى المحشر (لا عوج له) اي لايميلون عنه، ولا يعدلون عن ندائه، ولايعصونه كما يعصون في دار الدنيا (وخشعت الاصوات للرحمن) اي تخضع له بمعنى انها تسكن، ولا ترتفع - في قول ابن عباس - والخشوع الخضوع قال الشاعر:

لما اتى خبر الزبير تواضعت *** سور المدينة والجبال الخشع(1)

وقوله تعالى " فلا تسمع إلا همسا " فالهمس صوت الاقدام - في قول ابن عباس وابن زيد - وقال مجاهد: الهمس إخفاء الكلام، قال الراجز في الهمس: وهن يمشين بنا هميسا(2) يعني صوت اخفاف الابل في سيرها.

وقوله (يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا) اخبر الله تعالى أن ذلك اليوم لاتنفع شفاعة احد في

___________________________________

(1) قائله جرير ديوانه (دار بيروت) 270 وقد مر في 1 / 204، 312 من هذا الكتاب.

(2) تفسير القرطبي 11 / 249 والشوكاني 3 / 372 والطبري 16 / 114

[210]

غيره، إلا شفاعة من أذن الله له أن يشفع، ورضي قوله فيها: من الانبياء والاولياء والصديقين والمؤمنين.

ثم قال (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) أي يعلم ما بين أيدي الخلائق من أمور القيامة واحوالهم، ويعلم ما سبقهم فيما تقدمهم (ولا يحيطون) هم (به) بالله (علما).

والمعنى انهم لايعلمون كل ما هو تعالى عالم به لنفسه، فلا يعمله أحد علم إحاطة، وهو تعالى يعلم جميع ذلك، وجميع الاشياء علم إحاطة، بمعنى انه يعلمها على كل وجه يصح أن تعلم عليه مفصلا.

وقال الجبائي: معناه ولا يحيطون بما خلفهم علما، ولا بما بين أيديهم.

قوله تعالى: (وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما(111) ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما(112) وكذلك انزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون او يحدث لهم ذكرا(113) فتعالى الله الملك الحق ولاتعجل بالقران من قبل ان يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما(114) ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما(115))

خمس آيات.

قرأ ابن كثير وحده (فلا يخف ظلما) على النهي. الباقون على الخير.

قال ابوعلي النحوي: قوله (وهو مؤمن) جملة في موضع الحال والعامل فيها (يعمل) وذو الحال الذكر الذي في يعمل من (من)، وموضع الفاء، وما بعدها من قوله

[211]

(فلا يخاف) الجزم، لكونه في موضع جواب الشرط. والمبتدأ محذوف مراد بعد الفاء، وتقديره: فهو لايخاف، والامر في ذلك حسن، لان تقديره من عمل صالحا فليأمن، ولا يخف. والمراد الخبر بأن المؤمن الصالح لاخوف عليه.

وقوله (وعنت الوجوه) أي خضعت وذلت خضوع الاسير في يد القاهر له، والعاني الاسير، ويقال: عنا وجهي لربه يعنو عنوا اي ذل وخضع ومنه: أخذت الشئ عنوة أي غلبة بذل المأخوذ منه، وقد يكون العنوة عن تسليم وطاعة، لانه على طاعة الذليل للعزيز قال الشاعر:

هل انت مطيعي ايها القلب عنوة *** ولم تلح نفس لم تلم في اخيتالها(1)

وقال آخر:

فما اخذوها عنوة عن مودة *** ولكن بضرب المشرفي استقالها(2)

و (عنت) ذلت - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة.

و (القيوم) قيل في معناه قولان: احدهما - انه العالم فيما يستقيم به تدبير جميع الخلق، فعلى هذا لم يزل الله قيوما والثاني - انه القائم بتدبير الخلق، وهي مثل صفة حكيم على وجهين.

وقال الجبائي: القيوم القائم بأنه دائم لايبيد ولا يزول.

وقال الحسن: هو القائم على كل نفس بما كست حتى يجزيها.

ووجه (عنت الوجوه للحي القيوم) انها تدل عليه، لان الفعل منه تعالى يدل على انه قادر وكونه قادرا يدل على انه عالم.

وقيل: معنى (وعنت الوجوه) هو وضع الجبهة والانف على الارض في السجود - في قول طلق ابن حبيب

___________________________________

(1) تفسير الطبري 16 / 142.

(2) تفسير الطبري 16 / 142 والقرطبى 11 / 249 واللسان (عنو)

[212]

وقوله (وقد خاب من حمل ظلما) أي خسر الثواب من جاء يوم القيامة كافرا ظلما مستحقا للعقاب.

و (من) في قوله (من الصالحات) زائدة عند قوم والمراد من يعمل الصالحات.

ويحتمل ان تكون للتبعيض، لان جميع الصالحات لايمكن احد فعلها، فأخبر الله تعالى ان من يعمل الاعمال الصالحات، وهو مؤمن عارف بالله تعالى مصدق بأنبيائه (فلا يخاف ظلما ولاهضما) اي لايخاف ظلما بالزيادة في سيآته، ولا زيادة في عقابه الذي يستحقه على معاصيه (ولا هضما) أي ولا نقصانا من حسناته ولا من ثوابه - في قول ابن عباس والحسن وقتادة - وقيل (لايخاف ظلما) بأن لايجزى بعمله (ولا هضما) بالانتقاص من حقه - في قول ابن زيد.

فمن قرأ " فلا يخاف " أراد الاخبار بذلك.

ومن قرأ " فلا يخف " معناه معنى النهي للمؤمن الذي وصفه عن أن يخاف ظلما او هضما.

وأصل الهضم النقص، يقال: هضمني فلان حقى اي نقصني.

وامرأة هضيم الحشا أي ضامرة الكشحين بنقصانه عن حد غيره.

ومنه هضمت المعدة الطعام اي نقصت مع تغييرها له.

وقوله " وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا " أي كما اخبرناك باخبار القيامة أنزلنا عليك يا محمد القرآن " وصرفنا فيه من الوعيد " اي ذكرناه على وجوه مختلفة، وبيناه بألفاظ مختلفة، لكي يتقوا معاصيه ويحذروا عقابه " او يحدث " القرآن " لهم ذكرا " ومعناه ذكرا يعتبرون به. وقيل " ذكرا " اى شرفا بايمانهم به.

ثم قال تعالى " فتعالى الله الملك الحق " اي ذو الحق، ومعناه ارتفع - معنى صفته - فوق كل شئ سواه، لانه اقدر من كل قادر، واعلم من كل عالم سواه لان كل قادر عالم سواه يحتاج اليه، وهو غني عنه.

وقوله (ولاتجعل بالقرآن من قبل ان يقضى اليك وحيه " اى لا تسأل إنزاله قبل ان يأتيك وحيه.

وقيل: معناه لاتلقه إلى الناس قبل ان يأتيك بيان تأويله.

[213]

وقيل: لاتعجل بتلاوته فبل ان يفرغ جبرائيل من ادائه اليك.

وقوله " وقل رب زدني علما " اي استزد من الله علما إلى علمك.

وقال الحسن: كان النبي صلى الله عليه وآله إذا نزل عليه الوحي عجل بقراء‌ته مخافة نسيانه.

وقوله " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما " قال ابن عباس ومجاهد: معناه عهد الله اليه، بأن امره به ووصاه به " فنسي " اي ترك.

وقيل إنما اخذ الانسان من انه عهد اليه فنسي - في قول ابن عباس - وقوله " ولم نجد له عزما " اى عقدا ثابتا.

وقال قتادة: يعني صبرا.

وقال عطية: اى لم تجد له حفظا. والعزم الارادة المتقدمة لتوطين النفس على الفعل.

وقرأ يعقوب " من قبل ان نقضي " بالنون وكسر الضاد وفتح الياء بعدها " وحيه " بنصب الياء.

الباقون " يقضى " بناه لما لم يسم فاعله ورفع الياء في قوله " وحيه ".

قوله تعالى (وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس أبى(116) فقلنا يا ادم ان هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى(117) إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى(118) وأنك لاتظمؤ فيها ولا تضحى(119) فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لايبلى(120))

خمس آيات

قرأ نافع وأبوبكر عن عاصم " وإنك لا تظمؤ " بكسر الهمزة على الاستئناف وقطعه عن الاول. الباقون بالنصب عطفا على اسم (أن).

[214]

يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله يا محمد واذكر حين قال الله تعالى " للملائكة اسجدوا لآدم " أي أمرهم بالسجود له، وانهم سجدوا له بأجمعهم إلا إبليس وقد بينا - فيما تقدم - أن أمر الله تعالى للملائكة بالسجود لآدم يدل على تفضيله عليهم، وإن كان السجود لله تعالى لا لآدم، لان السجود عبادة، لايجوز أن يفعل إلا لله، فأما الخلوقات فلا تستحق شيئا من العبادة بحال، لان العبادة تستحق بأصول النعم وبقدر من النعم لايوازيها نعمة منعم.

وقال قوم: ان سجود الملائكة لآدم كان كما يسجد إلى جهة الكعبة - وهو قول الجبائي - والصحيح الاول، لان التعظيم الذي هو في أعلى المراتب حاصل لله لا لآدم باسجاد الملائكة له. ولو لم يكن الامر على ما قلناه من أن في ذلك تفضيلا لآدم عليهم، لما كان لامتناع إبليس من السجود له وجه، و لماكان لقوله " أنا خيرمنه خلقتني من نار وخلقته من طين "(1) وجه.

فلمااحتج إبليس بأنه أفضل من آدم - وان أخطأ في الاحتجاج - علمنا أن موضوع الامر بالسجود لآدم على جهة التفضيل، وإلا كان يقول الله لابليس: إني ما فضلته على من أمرته بالسجود لآدم وإنما السجود لي، وهو بمنزلة القبلة، فلاينبغي أن تانف من ذلك. وقد بينا أن الظاهر - في روايات أصحابنا - أن ابليس كان من جملة الملائكة وهو المشهور - في قول ابن عباس - وذكره البلخي - فعلى هذا يكون استثناء إبليس من جملة الملائكة استثناء متصلا.

ومن قال: إن ابليس لم يكن من جملة الملائكة قال: هو استثناء منقطع، وانما جاز ذلك، لانه كان مأمورا ايضا بالسجود له، فاستثني على المعنى دون اللفظ، كما يقال: خرج أصحاب الامير إلا الامير، وكما قال عنتر

___________________________________

(1) سورة 7 الاعراف آية 11

[215]

ابن دجاجة:

من كان أشرك في تفرق مالح *** فلبونه جربت معا واغذت

الا كنا شرة الذي ضيعتم *** كالغصن في غلوائه المتثبت

والمعنى لكن هذا كناشرة.

وتقول: قام الاشراف للرئيس، إلا العامي الذي لايلتفت اليه.

قال الرماني: وإذا أمر الملائكة بالسجود اقتضى أمن من دونهم داخل معهم، كما أنه اذا أمر الكبراء بالقيام للامير اقتضى أن الصغار القدر، قد دخلوا معهم.

وقوله " أبى " معناه امتنع " فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك " حكاية عما قال الله تعالى لآدم: إن إبليس عدوك وعدو زوجتك يريد إخراجكما من الجنة، ونسب الاخراج إلى ابليس إذ كان بدعائه واغوائه.

وقوله " فتشقى " قيل: معناه تتعب بأن تأكل من كديدك وما تكتسبه لنفسك.

وقيل: فتشقى على خطاب الواحد، والمعنى فتشقى أنت وزوجك، لان امرهما في السبب واحد، فاستوى حكمهما لاستوائهما في العلة.

وقيل: خص بالشقاء لان الرجل يكد على زوجته.

وقوله " إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى " يعني في الجنة ما دمت على طاعتك لي والامتثال لامري وانك " لاتعرى " فيها من الكسوة " وإنك لاتظمأ فيها " اي لا تعطش فيها " ولا تضحى " أي لايصيبك حرالشمس - وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة - وقال عمر بن ابي ربيعة:

رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت *** فيضحى وأما بالعشي فيخضر(1)

أي يخضر من البرد.

وقيل: ليس في الجنة شمس انما فيها نور وضياء. وانما

___________________________________

(1) ديوانه (دار بيروت) 121 وروايته (يخصر) بدل (يخضر) ومعناها واحد

[216]

الشمس في سماء الدنيا خاصة. وضحى الرجل يضحى إذا برز للشمس.

قال أبوعلي: إنما لم يجز أن يقول انك لاتجوع وإنك لاتظمأ. بغير فصل كراهة اجتماع حرفين متقاربين في المعنى، فاذا فصل بينهما لم يكره ذلك، كما كرهوا: إن لزيدا قائم، ولم يكرهوا " إن في ذلك لآيات " مع الفصل.

وقال الرماني إنما جاز أن تعمل (ان) في (أن) بفصل ولم يجز من غير فصل كراهية التعقيد بمداخلة المعاني المتقاربة، فاما المتباعدة فلا يقع بالاتصال فيها تعقيد، لانها متباينة مع الاتصال لالفاظها، فلذلك جاز " إن لك ان لا تظمؤا فيها " ولم يجز ان انك لا تظمؤ، لانه بغير فصل.

ثم اخبر تعالى أن إبليس وسوس لادم، فقال له " هل أدلك على شجرة الخلد... " أي على شجرة إن تناولت منها بقيت في الجنة مخلدا لا تخرج منها، وحصل لك ملك وسلطان لايبلى على آلابد، ولا يهلك، وهي الشجرة التي نهاه الله تعالى عن تناولها. وقد قدمنا أختلاف المفسرين في ماهية تلك الشجرة فيما مضى فلا وجه لاعادته.

[217]

قوله تعالى: (فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى(121) ثم اجتبيه ربه فتاب عليه وهدى(122) قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فاما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى(123) ومن أعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيمة أعمى(124) قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا(125))

خمس آيات.

اخبر الله تعالى عن آدم وحواء أنهما أكلا من الشجرة التي نهى الله عن أكلها، وعندنا أن النهي كان على وجه التنزيه. والاولى أن يكون على وجه الندب دون نهي الحظر والتحريم، لان الحرام لايكون إلا قبيحا، والانبياء لا يجوز عليهم شئ من القبائح لاكبيرها ولاصغيرها.

وقال الجبائي: لاتقع معاصي الانبياء إلا سهوا، فأما مع العلم بأنها معاصي فلا تقع.

وقال قوم آخرون: إنه وقع من آدم أكل الشجرة خطأ. لانه كان نهي عن جنس الشجرة فظن انه نهي عن شجرة بعينها، فأخطأ في ذلك. وهذا خطأ لانه تنزيه له من وجه المعصية، ونسبة المعصية اليه من وجهين: أحدهما - أنه فعل القبيح. والثاني - أنه أخطأ في الاستدلال.

وقال قوم: انها وقعت منه عمدا، وكانت صغيرة، وقعت محبطة وقد بينا أن ذلك لايجوز عليهم (ع) عندنا بحال.

وقال الرماني: لما حلف ابليس لهما لم يقبلا منه، ولم يصدقاه، ولكن فعلا ذلك لغلبة شهوتهما، كما يقول الغاوي للانسان إزن بهذه المرأة فانك ان أخذت لم تحد، فلا يصدقه، ويزني بها لشهوته.

وقال الحسن: أكلت حواء أولا وابت عليه ان يجامعها حتى يأكل منها، فأكل حينئذ.

وقوله " فبدت لهما سؤاتهما " أي ظهرت لهما عوراتهما، لان ما كان عليهما من اللباس نزع عنهما، ولم يكن ذلك على وجه العقوبة بل لتغيير المصلحة في نزعهما وإخراجهما من الجنة وإهباطهما الارض وتكليفهما فيها. وانما جمع سوآتهما، وهو لاثنين، لان كل شيئين من شيئين، فهو من موضع التثنية جمع، لان الاضافة تثنية

[218]

مع أنه لا إخلال فيه لمناسبة الجمع للتثنية.

وقال السدي: كان لباس سوآتهما الظفر.

وقوله " طفقا " يعني ظلا، وجعلا يفعلان.

وقوله " يخصفان عليهما من ورق الجنة " فالخصف خيط الشئ بقطعة من غيره، يقال: خصفه يخصفه خصفا، فهو خاصف وخصاف. وقيل: انهما كانا يطبقان ورق الجنة بعضه على بعض ويخيطان بعضه إلى بعض ليسترا به سوآتهما.

وقوله " وعصى آدم ربه فغوى " معناه خالف ما أمره الله به فخاب ثوابه. والمعصية مخالفة الامر سواء كان واجبا او ندبا قال الشاعر: أمرتك امرا جازما فعصيتني(1) ويقال ايضا: أشرت عليك بكذا، فعصيتني، ويقال غوى يغوي غواية وغيا إذا خاب، قال الشاعر:

فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره *** ومن يغو لايعدم على الغي لائما(2)

أي من يخب، وفي الكلام حذف، لان تقديره ان آدم تاب إلى الله وندم على ما فعل، فاجتباه الله واصطفاه " وتاب عليه " أي قبل توبته. وهداه إلى معرفته والى الثواب الذي عرضه له.

وقوله " قال اهبطوا منها جميعا بعضكم لبعض عدو " يعني آدم وحواء وابليس وذريته. وقد بينا معنى الهبوط فيما تقدم(3) واختلاف الناس فيه. والمعنى أنه أخرج هؤلاء من الجنة بأن أمرهم بالخروج منها على وجه تغيير المصلحة في أمره، ولابليس على وجه العقوبة.

وقد بينا فيما تقدم ان إخراج ابليس من الجنة، كان قبل ذلك حين أمره الله بالسجود لآدم فامتنع فلعنه وأخرجه، وانما أغوى آدم من

___________________________________

(1) مر هذا البيت كاملا في 6 / 355.

(2) مر هذا البيت في 2 / 302 و 4 / 391 و 5 / 548 و 6 / 336.

(3) انظر 1 / 162 و 4 / 298

[219]

خارج الجنة، لانه قيل: ان آدم كان يخرج إلى باب الجنة. وذكرنا أقوال المفسرين في ذلك فيما مضى(1).

وقوله " فاما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى " معناه ان أتاكم هدى مني بأن أكلفكم، وانصب لكم الادلة على ما آمركم به من معرفتي وتوحيدي والعمل بطاعتي، فمن اتبع أدلتي وعمل بما آمره به، فانه " لايضل " في الدنيا " ولا يشقى " في الآخرة.

وقال ابن عباس: ضمن الله تعالى لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولايشقى في الآخرة.

وقوله " ومن اعرض عن ذكري " (أي من لم ينظر في ذكري الذي هو القرآن والادلة المنصوبة على الحق وصدف عنها)(2) " فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى " فالضنك الضيق الصعب، منزل ضنك أي ضيق، وعيش ضنك، لايثنى ولايجمع ولايؤنث، لان أصله المصدر.

ثم وصف به، قال عنترة:

إن يلحقوا أكرر وان يستلحموا *** أشدد وان يلفوا بضنك أنزل

وقال ايضا:

ان المنية لو تمثل مثلت *** مثلي اذا نزلوا بضنك المنزل(3)

والضنك: الضيق، في قول مجاهد وقتادة: وقال الحسن وابن زيد: المعيشة الضنك هو الضريع، والزقوم في النار.

وقيل: الضريع شوك من نار.

وقال عكرمة والضحاك: هو الحرام في الدنيا الذي يؤدي إلى النار.

وقال ابن عباس: لانه غير موقن بالخلف، فعيشه منغص.

وقال ابوسعيد الخدري وعبدالله بن مسعود وأبو

___________________________________

(1) انظر 1 / 162 و 4 / 298.

(2) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة.

(3) البيت الاول في ديوان (دار بيروت): 57 والثاني في 58

[220]

صالح، والسدي، ورواه ابوهريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه عذاب القبر، ولقوله تعالى " ولعذاب الآخرة أشد وابقى " يقتضي انه عذاب القبر.

وقوله " ونحشره يوم القيامة أعمى " قيل معناه نحشره يوم القيامة أعمى البصر. وقيل أعمى الحجة. وقيل أعمى عن جهات الخير لايهتدي اليها. والاول هو الظاهر اذا اطلق.

فمن قال: أعمى البصرقال: معناه لايبصرفي حال ويبصر العذاب في حال.

ومن قال: بالآخرة قال: هو أعمى عن جهات الخير لايهتدي لشئ منها.

وقوله قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا " حكاية عما يقول الذي يحشره أعمى " لم حشرتني أعمى " ذاهب البصر " وقد كنت بصيرا " أبصر بها. وهذا يقوي أنه أراد عمى البصر دون عمى البصيرة، لان الكافر لم يكن بصيرا في الدنيا الاعلى وجه صحة الحاسة.

وقيل معناه كنت بصيرا بحجتي عند نفسي.

[221]

قوله تعالى: (قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى(126) وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بايات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى(127) أفلم يهدلهم كم أهلكنا قبلم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لايات للاولي النهى(128) ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى(129) فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آنائي الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى(130))

خمس آيات.

قرأ الكسائي وابوعمرو عن عاصم " ترضى " بضم التاء. الباقون بفتحها.

هذا جواب من الله تعالى لمن يقول " لم حشرتني أعمى، وقد كنت بصيرا " فيقول الله له في جواب ذلك كما حشرتك أعمى مثل ذلك " أتتك آياتنا " يعنى أدلتنا وحججنا " فنسيتها " أي تركتها ولم تعتبر بها، وفعلت معها ما يفعله الناسي الذي لم يذكرها اصلا، ومثل ذلك اليوم تترك من ثواب الله ورحمته وتحرم من نعمه، وتصير بمنزلة من قد ترك في المنسى بعذاب لايفنى.

ثم قال ومثل ذلك " نجزي من أسرف " على نفسه بارتكاب المعاصي، وترك الواجبات ولم يصدق بآيات ربه وحججه.

ثم قال " ولعذاب الآخرة " بالنار " أشد وابقى " لانه دائم، وعذاب القبر وعذاب الدنيا يزول. وهذا يقوى قول من قال: إن قوله " معيشة ضنكا " أراد به عذاب القبر. ولايجوز أن يكون المراد بقوله " فنسيتها " النسيان الذي ينافى العلم لان ذلك من فعل الله لايعاقب العبد عليه، اللهم إلا ان يراد ان الوعيد على التعرض لنسيان آيات الله. فأجري في الذكر على نسيان الآيات للتحذير من الوقوع فيه.

ثم قال تعالى " أولم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم " قيل: ان قريشا كانت تتجر إلى الشام فتمر بمساكن عاد وثمود، فترى آثار اهلاك الله اياهم، فنبههم الله بذلك على معرفته وتوحيده. وفاعل " يهد " مضمر يفسره " كم أهلكنا " والمعنى او لم يهد لهم اهلاكنا من قبلهم من القرون. ويجوز أن يكون المضمر المصدر يفسره (كم اهلكنا) وموضع (كم) نصب ب‍ (أهلكنا) في قول الفراء والزجاج.

[222]

وقال بعضهم: انه رفع ب‍ (يهد) وهذا خطأ، لانه خرج مخرج الاستفهام، كما يقول القائل: قد تبين لي أقام زيد أم عمرو؟.

وقوله " ان في ذلك " يعني في اهلاكنا القرون الماضية " لآيات " وحججا لاولي العقول. والنهى العقول، على ما بيناه في غير موضع(1).

وقوله " ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما واجل مسمى " فيه تقديم وتأخير وتقديره: ولو لاكلمة سبقت من ربك واجل مسمى لكان لزاما ومعناه: لولا ما سبق من وعد الله بأن الساعة تقوم في وقت بعينه وان المكلف له اجل مقدر معين، لكان هلاكهم " لزاما " أي لازما ابدا.

وقيل: معناه فيصلا يلزم كل انسان طائره، ان خيرا فخيرا وان شرا، فشرا، فالاول قول الزجاج، والثاني قول أبي عبيدة.

وقال قوم: عذاب اللزام كان يوم بدر، قتل الله فيه الكفار، ولولا ما قدر الله من آجال الباقين ووعدهم من عذاب الآخرة، لكان لازما لهم ابدا في سائر الازمان.

وقال قتادة: الاجل الاول يعني في قيام الساعة والثاني الذى كتبه الله للانسان انه يبقيه اليه.

ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وآله " فاصبر على ما يقولون " من كفرهم بتوحيد الله وجحدهم لنبوتك وأذاهم اياك بكلام يسمعونك يثقل عليك " وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس " يعنى صلاة الفجر " وقبل غروبها " يعني صلاة العصر " ومن آناء الليل " يعني صلاة المغرب والعشاء " وأطراف النهار " صلاة الظهر - في قول قتادة - " وآناء الليل " ساعات الليل.

واحدها إني، قال السعدي:

حلو ومر كعصف القدح مرته *** بكل إني حذاه الليل ينتعل(2)

وقيل في قوله " واطراف النهار " لم جمع؟ ثلاثة اقوال:

___________________________________

(1) انظر 7 / 179.

(2) انظر 2 / 564

[223]

اولها - انه أراد اطراف كل نهار، فالنهار في معنى الجمع. الثاني - انه بمنزلة قوله " فقد صغت قلوبكما "(1) الثالث - انه أراد طرف اول النصف الاول، وآخر النصف الاول، واول النصف الاخير، وآخر النصف الاخير، ولذلك جمع.

وقوله " لعلك ترضى " معناه افعل ما امرتك به لكي ترضى بما يعطيك الله من الثواب على ذلك.

ومن ضم التاء أراد: لكي نفعل معك من الثواب ما ترضى معه. وقيل: لكي ترضى بالشفاعة.

والمعاني متقاربة، لانه اذا أرضى الله النبي صلى الله عليه وآله فانه يرضى.

قوله تعالى: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى(131) وأمر أهلك بالصلوة واصطبر عليها لانسئلك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى(132) وقالوا لولا يأتينا باية من ربه أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الاولى(133) ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى(134) قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى(135))

خمس آيات.

___________________________________

(1) سورة 66 التحريم آية 4

[224]

قرأ " زهرة " - بفتح الهاء - يعقوب. وقرأ الباقون بسكونها، وهما لغتان.

وقرأ نافع وابوجعفر - من طريق إبن العلاف - وأهل البصرة وحفص " أو لم تأتهم " بالتاء. الباقون بالياء. وقد مضى نظائره.

نهى الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وآله والمراد به جميع المكلفين عن ان يمدوا أعينهم، وينظروا إلى ما متع الله الكفار به، من نعيم الدنيا ولذاتها، والامتاع الالذاذ بما يدرك، وذلك بما يرى من المناظر الحسنة ويسمع من الاصوات المطربة، ويشم من الروائح الطيبة، يقال: أمتعه امتاعا، ومتعه تمتيعا، إلا ان في متعه تكثر الامتاع.

وقوله " ازواجا منهم " معناه أشكالا منهم، من المزاوجة بين الاشياء، وهي المشاكلة، وذلك أنهم اشكال في الذهاب عن الصواب وقوله " زهرة الحياة الدنيا " (فالزهرة الانوار التي تروق عند الرؤية، ومن ذلك قيل للكوكب يزهر، لنوره الذي يظهر. والمعاني الحسنة زهرة النفوس.

وقوله " لنفتنهم فيه " معناه لنعاملهم معاملة المختبر، بشدة التعبد في العمل بالحق في هذه الامور التي خلقناها لهم.

وقوله " ورزق ربك " يعني الذي وعدك به في الآخرة من الثواب " خير وأبقى " مما متعنا به هؤلاء في الدنيا. وقبل إن هذه الآية نزلت على سبب، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله استسلف من يهودي طعاما فأبى أن يسلفه إلا برهن، فحزن رسول الله صلى الله عليه وآله، فأنزل الله هذه الآية تسلية له.

وروى ذلك أبورافع مولاه.

وقيل " زهرة الحياة الدنيا " زينة الحياة الدنيا - في قول قتادة -.

ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله " وأمر " يامحمد " أهلك بالصلاة " وقيل: المراد به أهل بيتك، واهل دينك، فدخلوا كلهم في الجملة " واصطبر عليها " بالاستعانة بها على الصبر عن محارم الله.

[225]

ثم قال له " لا نسألك رزقا نحن نرزقك " الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله والمراد به جميع الخلق، فان الله تعالى يرزق خلقه، ولا يسترزقهم، فيكون أبلغ في المنة " والعاقبة للتقوى " يعني العاقبة المحمودة لمن اتقى معاصي الله واجتنب محارمه.

وفى الآية دلالة على وجوب اللطف، لمافي ذلك من الحجة، لمن في المعلوم انه يصلح به، ولولم يكن فيه حجة لجرى مجرى أن تقول: لولا فعلت بنا مالا يحتاج اليه في الدين، ولا الدنيا، من جهة أنه لا حجة فيه، كمالا حجة في هذا.

وقوله " ولو انا أهلكناهم بعذاب من قبله " اخبار منه تعالى أنه لو أهلكهم بعذاب أنزله عليهم جزاء على كفرهم " لقالوا " يوم القيامة " لولا أرسلت " اي هلا ارسلت " الينا رسولا " يدعونا إلى الله ويأمرنا بتوحيده (فنتبع) ادلتك و (آياتك من قبل ان نذل ونخزى) اي قبل أن نهون، يقال: خزي يخزى اذا هان وافتضح وقوله (وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه) حكاية عما قال الكفار للنبي صلى الله عليه وآله هلا ياتينا بآية من ربه يريدون الآية التي يقترحونها، لانه اتى بالآيات.

ومن قرأ - بالتاء - وجه الخطاب اليه.

ومن قرأ - بالياء - حكى بأنهم قالوا فيما بينهم هلا يأتينا بالمعجز.

او دلالة تدل على صدق قوله، فقال الله لهم (ألم تأتهم بينة مافي الصحف الاولى) يعني ألسنا بينا ذلك في الكتب التي انزلناها على موسى وعيسى، فلم لم يؤمنوا بها ويصدقوا بها؟ ومن قرأ - بالتاء - وجه الخطاب اليه، فقال الله تعالى لنبيه (قل) لهم يامحمد (كل متربص) اي كل واحد منا ومنكم متربص، فنحن نتربص بكم وعد الله لنا فيكم وانتم تتربصون بنا ان نموت، فتستريحوا (فستعلمون) اي سوف تعلمون فيما بعد (من اصحاب الصراط السوي) يعني الصراط المستقيم و (من) الذي (اهتدي) إلى طريق الحق.

(من) يحتمل ان تكون نصبا إن كانت بمعنى الذي وان تكون رفعا على طريقة الاستفهام.

 




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (90)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (4)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (6)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 191

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8077658

  • التاريخ : 18/10/2019 - 17:09

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net