00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة الاعراف من ( آية 125 ـ 157 ) 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن (الجزء الرابع)   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

قوله تعالى: قالوا إنا إلى ربنا منقلبون(125)

آية إجماعا.

وهذا إخبار عن جواب السحرة حين آمنوا، وتوعد فرعون إياهم بقطع الايدي والارجل والصلب بأنهم " قالوا إنا إلى ربنا منقلبون " أي راجعون وغرضهم بهذا التسلي في الصبر على الشدة، لما عليه من المثوبة، مع مقابلة وعيده بوعيد هو أشد عليه هو عقاب الله.

وأصل (إنا) إننا وحذفت احدى النونين لكثرة النونات، فاذا قيل إننا، فلانه الاصل واذا قيل (إنا) فللاستخفاف مع كراهة التضعيف، والانقلاب إلى الله هو الانقلاب إلى جزائه والمصير اليه، إلا أنه فخم بالاضافة إلى الله لعظم شأنه، والانقلاب مصير الشئ على نقيض ماكان عليه ممايتغير به، واذا صار إلى الاخرة بعدالدنيا فانقلب اليها، واذا كان على خلق فتركه ألى ضده فقد انقلب اليه.

[511]

قوله تعالى: وماتنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين(126)

آية بلاخلاف.

في هذه الاية إخبار عما قالت السحرة حين آمنوا وتوعدهم فرعون بأنواع العذاب بأنهم قالوا له: إنا راجعون إلى الله، وقالوا له أيضا: ليس تنقم منا إلا إيماننا بالله وتصديقنا بآياته التي جاء‌تنا.

والنقمة الاخذ بالعقوبة: نقم ينقم، ونقم ينقم، واللغة الاولى أفصح وانتقم انتقاما ونقمة، فالنقمة ضد النعمة.

والفرق بين النقمة والاساء‌ة ان النقمة قد تكون بحق، جزاء على كفر النعمة، ولذلك يقال انتقم الله من فلان نقمة عاجلة، والاساء‌ة لاتكون الا قبيحة، لانه ليس لاحد أن يسئ في فعله، والمسئ مذموم على اساء‌ته.

وقوله تعالى " ربنا أفرغ علينا صبرا " حكاية عن قول هؤلاء السحرة الذين آمنوا، وأنهم بعد أن قالوا لفرعون ماقالوه، سألوا الله تعالى أن يفرغ عليهم صبرا، ومعناه أن يفعل بهم من اللطف مايصبرون معه على عذاب فرعون ويتشجعوا عليه، ولايفزعوا منه.

والافراغ صب مافي الاناء أجمع، حتى يخلو، مشتقا من الفراغ، والفراغ نقيض الشغل، وقيل: أفرغ عليه الصبر تشبيها بافراغ الاناء، كما يقال صب عليه العذاب صبا، والصبر هو حبس النفس عن إظهار الجزع، صبر يصبر صبرا والصبر على الحق عز، كما أن الصبر على الباطل ذل.

والصبر في الجملة محمود، قال الله تعالى " واصبر على ماأصابك ان ذلك من عزم الامور ".

وقوله تعالى " وتوفنا مسلمين " رغبة منهم إلى الله تعالى وسؤالهم إياه بأن يقبضهم اليه ويميتهم في حال السلامة.

[512]

قوله تعالى: وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الارض ويذرك وآلهتك قال سنقتّل أبناء‌هم ونستحيي نساء‌هم وإنا فوقهم قاهرون(127)

آية بلا خلاف.

قرأ أهل الحجاز " سنقتل أبناء‌هم " بالتخفيف. الباقون بالتثقيل، فمن ثقل ذهب إلى التكثير، ومن خفف، فلاحتماله التكثير والتقليل.

في هذه الاية إخبار عن إنكار قوم فرعون وأشرافهم ورؤسائهم على فرعون تركه موسى وقومه ليفسدوا في الارض على اعتقادهم، وإنما أنكروا على فرعون ذلك مع عبادتهم له، لانه جرى على خلاف عادة الملوك في السطوة بمن خالف عليهم وشق العصا في ملكهم. وكان ذلك بلطف من الله تعالى وحسن دفاعه عن موسى. وعنوا بالافساد في الارض دعاء الخلق إلى مخالفة فرعون في عبادته وتجهيله إياه في ديانته لما يتفق عليه من ذلك ممالاقبل له به مما فيه انتقاض أمره وبطلان ملكه.

وقوله تعالى " ويذرك وآلهتك " معناه قال الحسن: إنه كان يعبد الاصنام، فعلى هذاكان يعبد ويعبد، كما حكى الله تعالى عنه من قوله " أنا ربكم الاعلى " 2) وقال السدي: كان يعبد مايستحسن من البقر، وعلى ذلك أخرج السامري " عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى "(3) وقال الزجاج: إنماكانت له أصنام يعبدها قومه تقربا اليه. وقرأ ابن عباس " ويذرك وإلهتك " بمعنى وعبادتك.

وقال كان فرعون يعبد ولايعبد، وقال بعضهم (إلاهتك) إنما هو تأنيث إله وجمعه آلهتك كما قال الشاعر، وهو عتيبة بن شهاب اليربوعي.

تروحنا من اللعباء قصرا *** فأعجلنا الاهة ان تؤوبا(5)

___________________________________

(2) سورة 79 سورة النازعات آية 24.

(3) سورة 20 طه آية 88.

(5) انظر إلى معجم ما استعجم: 110، ومعجم البلدان .

(اللعباء) ولسان العرب " لعب " " أله " وتفسير الطبري 13 / 40 وغيرها. و " اللعباء " اسم مكان. و " قصرا " أي عشيا. وروي " عصرا " و " إلاهة ": الشمس.

[513]

يعني الشمس، فأدخل التاء في هذا كما أدخلوا في قولهم: ولدتي وكوكبتي وهالتي وهو أهلة ذاك، كما قال الراجز:

يامضر الحمراء أنت اسرتي *** وأنت ملجاتي وأنت ظهرتي(6)

وقوله تعالى " سنقتل أبناء‌هم " إنما تهددهم بقتل أبنائهم مع ان موسى هو الذي دعاهم إلى الله دونهم من حيث أنه لم يطمع فيه، لما رأى من قوة أمره وعلو شأنه فعدل إلى ضعفاء بني اسرائيل بقتل ابنائهم ليوهم انه يتم له ذلك فيهم.

وقوله تعالى " ونستحيي نساء‌هم " معناه نستبقي من تولدمن بناتهم للمهنة والخدمة من غير أن يكون لهم نجدة ولاعندهم منعة.

ونصب قوله " ويذرك " لاحد وجهين: احدهما - الصرف، والاخر العطف.

والصرف على ان يكون تقديره ليفسدوا في الارض إلى ان يذرك وآلهتك، والعطف على ليفسدوا ويذرك.

وقرأالحسن " ويذرك " بالرفع عطفا على أتذر، ويجوز فيه الاستئناف، وهويذرك.

قوله تعالى: قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين(128)

آية بلاخلاف

هذا حكاية من الله تعالى عماقال موسى لقومه حين تهددهم فرعون بقتل ابنائهم واستحياء نسائهم، وانه امرهم ان يستعينوا بالله والاستعانة طلب المعونة، وقد يسأل السائل المعونة لغيره يقول: اللهم أعنه على أمره الا ان الغالب على الاستعانة طلب المعونة لنفس الطالب.

___________________________________

(6) لم أعرف قائله. وهو في تفسير الطبري 13 / 41

[514]

وقوله " واصبروا " أمر من موسى اياهم بالصبر وهو حبس النفس عمايؤدي إلى ترك الحق مع تجرع مرارة ذلك الحبس ونقيضه الجزع قال الشاعر:

فان تصبرا فالصبر خير مغبة *** وان تجزعا فالامر ماتريان(1)

وقوله " ان لارض لله يورثها من يشاء من عباده " اخبار عما قال موسى لقومه من ان الارض كلها ملك لله يورثها من يشاء من عباده، والارث جعل الشئ للخلف بعدالسلف، والاغلب ان يكون ذلك في الاموال، وقد يستعمل في غيرها مجازا كقولهم: العلماء ورثة الانبياء، وقولهم ماورث والد ولدا أجل من ادب حسن.

ومعنى " يورثها من يشاء من عباده " قيل في معناه قولان: أحدهما - التسلية لهم بأنها لاتبقي على أحد لانها تنقل من قوم إلى قوم اما محنة او عقوبة. الثاني - الاطماع في ان يورثهم الله ارض فرعون وقومه.

والمشيئة هي الارادة وهي ماأثرت في وقوع الفعل على وجه دون وجه من حسن أو قبح او غيرهما من الوجوه.

وقوله تعالى " والعاقبة للمتقين " فالعاقبة ماتؤدي اليه التأدية من خير اوشر الاانه اذا قيل: العاقبة له فهو في الخير، فاذا قيل: العاقبة عليه فهو في الشر مثل الدائرة له وعليه وقال ابن عباس: لماآمنت السحرة اتبع موسى ستمائة ألف من بني اسرائيل.

قوله تعالى: قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ماجئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الارض فينظر كيف تعملون(129)

آية بلاخلاف.

___________________________________

(1) مر في 1 / 202.

[515]

هذا اخبار من الله تعالى عن ماقال قوم موسى لموسى بأنا اوذينا من قبل أن تأتينا بالرسالة.

والاذى ضرر لايبلغ بصاحبه ان يأتي على نفسه، تقول: آذاه يؤذيه اذى وتأذى به تأذيا، ومثله آلمه يؤلمه ايلاما وتألم به تألما.

والاذى الذي كان بهم قيل: هو استعباد فرعون اياهم وقتل ابنائهم واستحياء نسائهم للاستخدام. والذي كان بعد مجئ موسى الوعيد لهم بتجديد ذلك العذاب من فرعون والتوعيد عليه، وكان هذا على سبيل الاستبطاء منهم لما وعدهم فجدد الوعدلهم وحققه، وقال الحسن: كان يأخذ منهم الجزية.

قوله " قال عسى ربكم ان يهلك عدوكم " قال سيبويه: لعل وعسى طمع واشفاق، وقال الحسن (عسى) من الله واجبة، وبه قال الزجاج.

وقال ابوعلي الفارسي (عسى) ههنا يقين.

وقوله " ويستخلفكم في الارض " قال أبوعلي: استخلفوا في مصر بعد موت موسى (ع) في التيه. ثم فتح الله لهم بيت المقدس مع يوشع بن نون. ثم فتح الله لهم مصر وغيرها في زمن داود وسليمان، فملكوها في ذلك الزمان على ماوعدوا به من الاستخلاف.

وقوله تعالى " فينظروا كيف تعملون " قيل: ان معنى ينظر - ههنا - يعلم، وقيل يرى وكلامنهما مجاز لان النظر هو الطلب لمايدرك وهذا لايجوز عليه تعالى، ولكنه جاء على قوله " ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين "(1) وفائدة الاية تسلية موسى (ع) لقومه بما وعدهم عن الله من اهلاك فرعون وقومه وجعل قومه بدلا منهم ليعملوا بطاعته.

___________________________________

(1) سورة 47 محمد آية 31.

[516]

قوله تعالى: ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون(130)

آية بلاخلاف.

أخبر الله تعالى في هذه الاية، واقسم عليه بأنه اخذ آل فرعون بالسنين وهي الاعوام المقحطة، واللام في قوله " لقد " لام القسم، (وقد) معناه الاخبار عن متوقع وهي تقرب الماضي من الحال، لانه اذا توقع كون أمر فقيل قد كان، دل على قربه من الحال. والال خاصة الرجل الذين يؤول أمرهم اليه، ولذلك يقال: اهل البلد، ولايقال: آل البلد، لان في الاهل معنى القرب في نسب او مكان، وليس كذلك الال.

ومعنى " أخذناهم بالسنين " أخذناهم بالجدوب، والعرب تقول: أخذتهم السنة اذاكانت قحطة يقال أسنت القوم اذا أجدبوا، وانما قيل للمجدبة: السنة ولم يقل للخصبة، لانها نادرة في الانفراد بالجدب، والنادر أحق بالافراد بالذكر، لانفراده بالمعنى الذي ندر به.

وقال الفراء: معنى بالسنين بالجدوبة تقول العرب (وجدنا البلاد سنين) أي جدوبا، قال الشاعر:

وأموال اللئام بكل أرض *** تجحفها الجوائح والسنون

وقال آخر:

كأن الناس إذ فقدوا عليا *** نعام جال في بلد سنينا

أي في بلد جدوب وأهل الحجاز وعلياء قيس يقولون: هن السنون، فيجعلونها بالواو في الرفع، وبالياء في الخفض والنصب على هجائين، وبعض تميم يقول هي السنين، فاذا ألقوا الالف واللام لم يجروها، فقالوا قد مضت له سنون كثيرة، وكنت عندهم بضع سنين، وبنوعامر، فانهم يجرونها في النصب والجر والرفع فيقولون: أقمت عنده سنينا كثيرة.

وقال الكسائي: على هجائين هي اللغة الغالبة في كلام العرب: السنون، والسنين وينصبون النون على كل حال مثل نون الجمع في الموضعين، وعليه اجماع القراء، قال: وبعض العرب يجعلها على هجاء واحد، ويلزم النون؟ اعراب بجعلها كأنها من

[517]

نفس الكلمة، وأنشد:

سنيني كلها واسيت حربا *** أقاس مع الصلادمة الذكور

وأنشد:

ولقد ولدت بنين صدق سادة *** ولانت بعد الله كنت السيدا

فأثبت النون في بنين وهي مضافة.

وقوله تعالى " ونقص من الثمرات " أي وأخذناهم مع القحط وجدب الارض بنقصان من الثمار.

وقوله تعالى " لعلهم يذكرون " معناه لكي يتفكروا في ذلك ويرجعوا إلى الحق وإنما قال " لعلهم " وهي موضوعة للشك، وهو لايجوز في كلام الله لانهم عوملوا معاملة الشاك مظاهرة في القول كماجاء الابتلاء والاختيار مثل ذلك.

والاية تدل على بطلان مذهب المجبرة من أن الله تعالى يريد الكفر المعاصي، لانه بين أنه فعل بهم ذلك لكي يذكروا،، ويرجعوا فقد أراد منهم الاذكار، فكأنه قال من أجل أن يذكروا، وليس كذلك اذا كلفهم من أجل الثواب، لان إرادة المريد لمايكون من فعله في المستأنف عزم، وذلك لايجوز عليه تعالى، وليس كذلك إرادته لفعل غيره، قال مجاهد: السنين الحاجة، ونقص من الثمرات دون ذلك، وقال قتادة: كان السنين بباديتهم، " ونقص من الثمرات " كان في أمصارهم وقراهم.

وقال كعب: يأتي على الناس زمان لاتحمل النخلة الاتمرة.

قوله تعالى: فاذا جاء‌تهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطّيّروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لايعلمون(131)

آية بلاخلاف.

المراد بالحسنة - ههنا - النعمة من الخصب والسعة في الرزق والعافية والسلامة.

[518]

و (السيئة) النقمة من الجدب وضيق الرزق والمرض والبلاء، وفيه ضرب من المجاز، لان حقيقة الحسنة ماحسن من الفعل في العقل، والسيئة ماقبح من الفعل، وإنما شبه هذا بذلك، لتقبل العقل لهذا كتقبل الطبع لذلك.

وقال قوم: هومشترك لظهور العلم في ذلك في الناس جميعا على منزلة سواء.

أخبرالله تعالى عن قوم فرعون أنه إذا جاء‌هم الخصب والسعة والنعمة من الله " قالوا لنا هذه " والمعنى إنا نستحق ذلك على العادة الجارية لنا من نعمنا وسعة أرزاقنا في بلادنا، ولم يعلموا أنه من الله فيشكروه عليه ويؤدوا حق النعمة، لئلا يسلبهم الله إياها.

وقوله " وإن تصبهم سيئة " يعني جدب وقحط وبلاء " يطيروا بموسى ومن معه " والمعنى إنهم تشاء‌موا بهم، وهو قول الحسن ومجاهد، وابن زيد، لان العرب كانت تزجر الطير، فتتشاء‌م بالبارح وهو الذي يأتي من جهة الشمال، وتتبرك بالسانح، وهوالذي يأتي من جهة اليمين، قال الشاعر:

زجرت لها طير الشمال فإن يكن *** هواك الذي يهوى يصبك اجتنابها(1)

وقال آخر:

فقلت غراب لااغتراب من النوى *** وبان لبين ذي العيافة والزجر

وأصل الطائر النصيب، يقال: طار له من القسم كذا وكذا، وأنشد ابن الاعرابي:

واني لست منك ولست مني *** اذا ماطار من مالي الثمين

أي أخذت الزوجة ثمنها من ميراثه.

وقوله تعالى " ألا إنما طائرهم عندالله " معناه إن الله هو الذي يأتي بطائر البركة وطائر الشؤم، من الخير والشر والنفع والضر، فلو عقلوا طلبوا الخير من جهته، والسلامة من الشر من قبله.

___________________________________

(1) اللسان . (طير) وروايته . (لهم) بدل . (لها).

[519]

وموضع (إذا) نصب بأنها ظرف للقول، ولايجوز أن يعمل فيها الفعل الذي يليها، لانها مضافة اليه، ولو جازيت بها جاز عمله فيها، وقال الازهري والزجاج: معنى " إنما طائرهم عندالله " شؤمهم الذي وعدوا به من العقاب عندالله يفعله بهم يوم القيامة، وقال ابن عباس معناه إن مصائبهم عندالله.

قوله تعالى: وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين(132)

آية بلاخلاف.

" مهما " أي شئ، وقال الخليل: أصلها (ما) إلا أنهم أدخلوا عليها (ما) كما يدخلونها على حروف الجزاء، فيقولون (ماما) و (متى ما) و (اذاما) فغيروا ألفها بأن أبدلوهاهاء، لئلا يتوهم التكرير وصار (ما) فيها مبالغة في معنى العموم، وقال غيره: أصلها (مه) بمعنى أكفف دخلت على (ما) التي للجزاء.

والفرق بين (ما) و (مهما) أن (مهما) خالصة للجزاء وفي (ما) اشتراك، لانها قدتكون استفهاما تارة، وبمعنى الذي أخرى، وتارة بمعنى الجزاء، وإن كان الاصل في (مهما) (ما)، لان (ما) يجازى به من الاسماء ماقد لايستعمل في الجزاء، والتركيب ظاهر فيها لفظا ومعنى.

وقوله تعالى " تأتنا " في موضع جزم، وعلامة الجزم فيه حذف الياء، وإنما حذف الحرف للجزم، لانه من حروف المد واللين، وهي مجانسة لحركات الاعراب، ومن شأن الجازم أن يحذف مايصادفه من الحركة، فإن لم يصادف حركة عمل في نفس الحرف، لئلا يتعطل عن العمل.

في هذه الاية إخبار من الله تعالى، وحكاية ماقال قوم فرعون لموسى (ع) بأنهم قالواله: أي شئ تأتينا به من المعجزات وتسحرنا بها، فانا لانصدقك عليه، ولانؤمن بك.

و (الاية) هي المعجزة الدالة على نبوته، وهوكل مايعجز الخلق عن معارضته ومقاومته، كمالايمكن مقاومة الشبهة للحجة،

[520]

وكما لا يمكن أن يقاوم الجهل للعلم، والسراب للماء، وان توهم ذلك قبل النظر والاعتبار، ويخيل قيل الاستدلال الذي يزول معه الالتباس، وقد بينا حقيقة السحر فيما مضى، وقد يسمى السحر مالايعرف سببه وإن لم يكن محظورا، كماروي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: (إن من البيان لسحرا) وكما قال الشاعر:

وحديثها السحر الحلال لو أنه *** لم يجز قتل المسلم المتحرز

وذلك مجاز وتشبيه دون أن يكون حقيقة.

قوله تعالى: فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمّل والضفادع والدم آيات مفصّلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين(133)

آية

أخبر الله تعالى أنه لما قال فرعون وقومه ماقالوا - من أنهم لايؤمنون، وان أتى بجميع الايات، فانهم لايصدقونه على نبوته - أنه أرسل عليهم الطوفان، وهو السيل الذي يعم بتفريقه الارض، وهو مأخوذ من الطوف فيها، وقيل: هو مصدر كالرجحان والنقصان.

وقال الاخفش: واحده طوفانة، وأما المفسرون فانهم اختلفوا في معناه، فقال ابن عباس في بعض الروايات عنه: إنه الغرق. وقال مجاهد: هو الموت.

وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنه كان أمرا من الله تعالى طاف بهم، وقال تعالي في قصة نوح " فأخذهم الطوفان وهم ظالمون "(1) وقال الحسن بن عرفطة:

غير الجدة من آياتها *** خرق الريح بطوفان المطر(2)

وقال الراعي:

___________________________________

(1) سورة 29 العنكبوت آية 14.

(2) نوادر أبي زيد: 77 واللسان . (طوف) وتفسير الطبري 13 / 53 وغيرها، ويروي: * خرق الريح وطوفان المطرف *

[521]

تضحى إذا العيس أدركنتا نكائثها *** خرقاء يعتادها الطوفان والزؤد(3)

الزؤد الفزع، وقال أبوالنجم:

قد مد طوفان فبث مددا *** شهرا شآبيب وشهرا بردا(4)

وقال أبوعبيدة: الطوفان من السيل البعاق، ومن الموت الذريع.

وقوله تعالى " والقمل " فاختلفوا في معناه، فقال ابن عباس - في رواية عنه - وقتادة ومجاهد: إنه بنات الجراد، وهو الدبا صغار الجراد الذي لاأجنحة له. وفي رواية أخرى عن ابن عباس وسعيد: أنه السوس الذي يقع في الحنطة.

وقال ابن زيد هو البراغيث.

وقال أبوعبيدة: هو الحمنان واحده حمنة.

وقيل: حمنانة وهو كبار القردان.

وقال الحسن وسعيد بن جبير: هو دواب صغار سود واحدته قملة، قال الاعشى:

قوم تعالج قملا أبناؤهم *** وسلاسلا أجدا وبابا مؤصدا(5)

وقوله " والضفادع " فهو جمع ضفدع، فهو ضرب من الحيوان يكون في الماء له نقيق واصطخاب، وهو معروف.

وقيل: إنه كان يوجد في فرشهم وأبنيتهم ويدخل في ثيابهم، وفيشتد أذاهم به.

و (الدم) معروف وقدحده الرماني: بأنه جسم مائع أحمر مسترق عرض له الجمود كهذا الذي يجري في العروق.

وقيل: إن مياههم كانت عذبة طيبة فانقلبت دما، فكان الاسرائيلي اذا أغترف صارماء، واذا اغترف القبطي كان دما، حتى ان المرأة القبطية تقول للمرأة الاسرائيلية مجي من فيك

___________________________________

(3) اللسان . (نكث) .

(زأد) وتفسير الطبري 13 / 53. .

(النكائث) آخر ماعند العيش من قوة على السير، و .

(الزؤد) الفزع. وخرقاء صفة للناقة التي لا تتعهد مواضع قوائمها لحدة فيها.

(4) تفسير الطبري 13 / 54.

(5) ديوانه: 154 واللسان . (قمل) وتفسير الطبري 13 / 56 وهو من قصيدته التي قالها لكسرى.

[522]

في فنمي فاذا فعلت ذلك تحول دما، وقال زيد بن أسلم: الذي سلط الله عليهم، كان الرعاف.

وقوله " آيات مفصلات " نصب على الحال، قال مجاهد: معجزات مبينات ظاهرات وأدلة واضحات.

وقال غيره: لانها كانت تجئ شيئابعد شئ، وقيل: إنها كانت تمكث من السبت إلى السبت، ثم ترفع شهرا - في قول ابن جريج.

قوله " فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين " معناه إنهم مع مشاهدتهم لهذه الايات العظيمة والمعجزات الظاهرة، أنفوا من الحق وتكبروا عن الاذعان والانقياد له، وكانوا قوما عصاة مرتكبين للاجرام والاثام.

قوله تعالى: ولما وقع عليهم الرجز قالوا ياموسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل(134) فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون(135)

آيتان.

(لما) للماضي مثل (لو).

و (إذا) للمستقبل مثل (أن) وإن دخلت على الماضي.

أخبر الله تعالى عن هؤلاء القوم أنه حين وقع عليهم الرجز... وهو العذاب - في قول الحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد وفي قول سعيد بن جبير: هو الطاعون وقال قوم هو الثلج ولم يكن وقع قبل ذلك، وأصل الرجز الميل عن الحق، ومنه قوله تعالى " والرجز فاهجر "(1) يعني عبادة الوثن، والعذاب رجز، لانه عقوبة على الميل عن الحق، ومنه الرجازة مايعدل به الحمل اذا مال، والرجازة أيضا صوف أحمر يزين به الهودج، لانه كالرجازة

___________________________________

(1) سورة 74 المدثر آية 5.

[523]

التي هي تقويم له اذا مال والرجز: رعدة في رجل الناقة لداء يلحقها يعدل بهاعن حق سيرها، والرجز ضرب من الشعر أخذ من رجز الناقة، لانه متحرك وساكن ثم متحرك وساكن في كل أجزائه، فهو كالرعدة في رجل الناقة، يتحرك بها، ثم يسكن، ثم يستمر على ذلك.

وقوله " قالوا ياموسى ادع لناربك بما عهد عندك " حكاية لمسألة قوم فرعون لموسى أن يدعو الله لهم بما عهد عند موسى، والعهد التقدم في الامر فمنه العهد الوصية، والعهود الوثائق والشروط. والعهد مطر بعد مطر قدعهد قبله. المعاهد المعاقد على الذمة، والتعاهد التقدم في تفقد الشئ وكذلك العهد وقيل في معنى " بماعهد عندك " قولان: أحدهما - بما تقدم اليك به وعلمك أن تدعوه به فإنه يجيبك كما أجابك في آياتك. الثاني - بماعهد عندك من العهد على معنى القسم.

وقوله " فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه " فيه إخبار من الله تعالى أنه لما كشف عنهم العذاب عند ذلك وأخرهم إلى أجل هم بالغوه يعني أجل الموت " إذا هم ينكثون " وانهم عند ذلك نكثوا ماقالوه ولم يفوا بشئ منه. والعامل في (إذا) " ينكثون "، وليست (اذا) هذه (إذا) المضافة إلى جملة، بل هي بمنزلة - هناك - وهي المكتفية بالاسم، ولو قال (إذا النكث) صح الكلام، كما تقول: خرجت فاذا زيد.

ومعنى (إذا) المفاجأة وفيه وقوع خلاف المتوقع منهم، لانه أتى منهم نقض العهد بدلا من الوفاء، فكأنه فاجأ الرأي عجب من نكثهم، والبلوغ منتهى المرور، ومثله الوصول، غير أن في الوصول معنى الاتصال، وليس كذلك البلوغ.

والانتهاء نقيض الابتداء في كل شئ، وإن لم يكن فيه معنى المرور.

والنكث نقض العهد الذي يلزم الوفاء به.

ومثله الغدر، إلا أن (الغدر) فيما عقد من الايمان على النفس، ولذلك جاء في نقض الغزل في قوله تعالى " كالتي نقضت غزلها

[524]

من بعد قوة إنكاثا "(1) وأصله النكاثة وهي تشعيب الشئ من حبل أو غيره.

وانتكث الشئ اذا تشعب والنكيثة نقض العهد، وجواب (لما) (إذا) ومثله قوله " وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون "(2) ولايجوز أن يجاب بعد (إذ)، لانها لوقت الماضي والجواب بعد الاول، يقتضي الاستقبال، ولذلك صلحت فيه الفاء ولم يصلح الواو، وحرف الجزاء يقلب الفعل دون الوقت.

قوله تعالى: فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنه غافلين(136)

آية بلاخلاف.

أخبر الله تعالى في هذه الاية أنه بعد أن أظهر الايات التي مضى ذكرها وفزع قوم فرعون إلى موسى ليسأل الله أن يرفع عنهم العذاب، فانهم اذا رفع عنهم ذلك آمنوا، ففعل موسى، ورفع الله عنهم ذلك، ولم يؤمنوا ونكثوا ماعهدوا به من القول وأنه انتقم منهم، ومعناه سلب نعمهم بانزال العذاب عليهم وحلول العقاب بهم.

وقوله " فأغرقناهم في اليم " فالاغراق في الامر أو النزع، فهو مشبه بالاغراق في الماء.

و " اليم " البحر في قول الحسن وجميع أهل العلم - قال ذو الرمة:

دوية ودجى ليل كأنهما *** يم تواطن في حافاته الروم(3)

وقال الراجز: كبازخ اليم سقاه اليم(4)

___________________________________

(1) سورة 16 النحل آية 92.

(2) سورة 30 الروم آية 36.

(3) ديوانه: 576 وتفسير الطبري 13 / 74.

(4) قائله العجاج ديوانه: 63 ومجاز القرآن 1 / 277 وتفسير الطبري 13 / 75.

[525]

وقوله تعالى " بأنهم كذبوا بآياتنا " معناه إنا فعلنا بهم ذلك جزاء بما كذبوا من آيات الله وحججه وبراهينه الدالة على نبوة موسى وصدقه " وكانوا عنها غافلين " معناه أنهم أنزل عليهم العذاب وكانوا غافلين عن نزول ذلك بهم.

والغفلة حال تعتري النفس تنافى الفطنة واليقظة تقول: غفل يغفل غفولا، وغفلا وغفلة، وتغافل تغافلا وأغفل الامر إغفالا، واستغفله استغفالا، واغتفله اغتفالا وتغفل تغفلا، وغفله تغفيلا وهو مغفل.

فإن قيل كيف جاء الوعيد على الغفلة، وليست من فعل البشر؟ ! قلنا عنه ثلاثة أجوبة: أحدها - أنهم تعرضوا لها حتى صاروا، لايفطنون بها.

الثاني - أن الوعيد على الاعراض عن الايات حتى صاروا كالغافلين عنها.

الثالث - أن المعنى وكانوا عن النعمة غافلين ودل عليه (انتقمنا).

قوله تعالى: وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الارض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ماكان يصنع فرعون وقومه وماكانوا يعرشون(137)

آية في الكوفي والبصري، وفي المدنيين آيتان

آخر الاولى " بني اسرائيل " قرأ ابن عامر وأبوبكر عن عاصم " يعرشون " بضم الراء.

الباقون بكسرها، وهما لغتان فصيحتان: الكسر والضم، والكسر أفصح.

أخبر الله تعالى في هذه الاية أنه أورث الارض مشارقها ومغاربها الذين استضعفوا في يدي فرعون وقومه. وإنما أورثهم بأن أهلك من كان فيها ومكن هؤلاء، وحكم بأن لهم أن يتصرفوا فيها على ماأباحه الله تعالى لهم. والاستضعاف طلب الضعف بالاستطالة والقهر. وقد استعمل استضعفته بمعنى

[526]

وجدته ضعيفا بامتحاني إياه، كأنه قال طلبت حال ضعفه بمحنته، فوجدته ضعيفا.

وقوله " باركنا فيها " يعني باخراج الزروع والثمار وسائر صنوف النبات والاشجار إلى غير ذلك من العيون والانهار وضروب المنافع العباد.

وقيل " باركنا فيها " بالخصب الذي حصل فيها.

ومشارق الارض ومغاربها يريد جهات المشرق بها والمغرب.

وقال الحسن هي أرض الشام ومصر.

وقال قتادة هي أرض الشام.

وقال أبوعلي: هي أرض مصر.

وقال الزجاج: كان من بني اسرائيل داود وسليمان ملكا جميع الارض.

وقوله " وتمت كلمة ربك الحسنى على بني اسرائيل " يعني صح كلامه بانجاز الوعد الذي تقدم باهلاك عدوهم، واستخلافهم في الارض، وإنما كان الانجاز تمام للكلام لتمام النعمة به.

وقيل كلمته الحسنى هي قوله تعالى " ونريد أن نمن على الذي استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الارض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ".

وإنما قيل الحسنى، وإن كانت كلمات الله كلها حسنة، لانه وعد بما يحبون.

وانتصب قوله تعالى " مشارق والارض ومغاربها " لاحد أمرين: أحدهما - بأنه مفعول (أورثنا) كقولك: أورثه المال. الثاني - بأنه ظرف كأنه قال: أورثتهم الارض التي باركنا فيها في مشارقها ومغاربها، والاول أظهر.

وقوله " ودمرنا ماكان يصنع فرعون وقومه " معناه أهلكنا ماكان عمله فرعون وقومه مما كانوا يستعبدونهم ويسعون في افساد أمر موسى ويستعينون. به في أمرهم " وماكانوا يعرشون " معناه ماكانوا يبنونه من الابنية والقصور - في قول ابن عباس ومجاهد.

وقال الحسن: هو تعريش الكرم.

وقال أبوعلي: تعريش الشجر والابنية.

وأصل التعريش الرفع، قال أبوعبيدة

[527]

" يعوشون " معناه يبنون، و (العرش) في هذا الموضع البناء، يقال: عروش مكة أي بناؤها، وقال أبوالحسن: هما لغتان، ومثله نبطش ونبطش ونحشر ونحشر، في أمثال ذلك.

قوله تعالى: وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا ياموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون(138)

آية بلاخلاف.

قرأ حمزة والكسائي وخلف يعكفون - بكسر الكاف - الباقون بضمها وهما لغتان، ومثله يفسقون - بكسر السين - والضم، في أمثال ذلك.

المجاوزة الاخراج عن الحد يقال: جاوز الوادي جوازا اذا قطعه وخلفه وراء‌ه وتقول: جاز يجوز جوازا، وأجازه إجازة، وجاوزه مجاوزة، وتجاوز تجاوزا، واجتاز اجتيازا، وتجوز تجوزا، وجوزه تجويزا، واستجاز استجازة.

والبحر الواسع العظيم السعة من مستقر الماء مماهو أعظم من كل نهر، وأصله السعة، ومنه البحيرة التي يبحر أذنها أي توسع شقتها، وتبحر في العلم: اذا اتسع فيه، وقوي تصرفه به.

أخبر الله تعالى في هذه الاية أنه حين أجاز قوم موسى وقطع بهم البحر وأنجاهم من العدو وأغرق عدوهم فرعون وقومه، وأنهم بلغوا إلى قوم عاكفين على أصنام لهم - ومعنى (العكوف) اللزوم للامر بالاقبال عليه والمراعاة له تقول: عكف عكوفا واعتكف اعتكافا، ومنه الاعتكاف لزوم المسجد للعبادة فيه، وعكف عليه أي واظب عليه - وأنه لما رأى قوم موسى أولئك العاكفين على أصنامهم والملازمين لها دعاهم جبلتهم إلى التشبيه بعبادة الاوثان، لما في طبع الانسان من الحكاية - أن قالوا لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة.

[528]

وفي طبع كل حيوان الحكاية، وأقوى الحيوان طبعا في الحكاية القرد، وله حكايات عجيبة، وهذا الطلب منهم يدل على جهل عظيم من بني اسرائيل بعد مارأوا الايات التي توالت على فرعون وقومه حتى غرقهم الله في البحر بكفرهم بعد مانجابني اسرائيل، فلم يردعهم ذلك عن أن قالوا لموسى (ع) " اجعل لنا إلها كما لهم آلهة " وتوهمهم أنه يجوز عبادة غير الله، وإن اعتقدوا أنه لايشبه الاشياء ولاتشبهه، ولايدل طلبهم ذلك على أنهم مشبهة، لما قلنا ه.

وقوله تعالى " إنكم قوم تجهلون " حكاية عما أجابهم به موسى (ع) فقال لهم: إتكم قوم تجهلون من المستحق للعبادة وماالذي يجوز أن يتقرب به إلى الله تعالى، ويحتمل أن يكون أراد تجهلون من صفات الله مايجوز عليه ومالا يجوز.

قوله تعالى: إن هؤلاء متبّر ماهم فيه وباطل ماكانوا يعملون(139)

آية بلاخلاف.

في هذه الاية حكاية عماقال موسى (ع) لقومه حين سألوه أن يجعل لهم إلها بعد أن قال لهم " إنكم قوم تجهلون " مايجوز أن يعبد ومالايجوز وأنه أخبرهم " أن هؤلاء متبرماهم فيه " يشير فيه إلى العابد والمعبود من الاصنام ومعناه مهلك، فالمتبر المهلك المدمر عليه، والتبار الهلاك، ومنه قوله تعالى " ولاتزد الظالمين إلا تبارا "(1) ومنه التبر للذهب سمي بذلك لامرين: أحدهما - أن معدنه مهلكة، وقال الزجاج: يقال لكل أناء متكسر متبر، وكسارته تبره.

وقوله تعالى " وباطل ماكانوا يعملون " فالبطلان انتفاء المعنى بعدمه، وبأنه لايصح في عدم ولا وجود.

___________________________________

(1) سورة 71 نوح آية 28.

[529]

والمعنى في بطلان عملهم أنه لايعود عليهم بنفع ولايدفع ضرر، فكأنه بمنزلة مالم يكن من هذا الوجه، والعمل إحداث مابه يكون الشئ على نقيض ماكان، وهو على ضربين: أحدهما - إحداث المعمول. والاخر - إحداث مايتغير به.

و (هؤلاء) أصله أولاء ادخلت عليه (هاء) التنبيه، وهو مبني لتضمنه معنى الاشارة المعرفة، وهومع ذلك مستبهم استبهام الحروف، إذ هو مفتقر في البيان عن معناه إلى غيره.

الآية: 140 - 157

قوله تعالى: قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين(140)

آية

في هذه الاية إخبار أيضا عما قال موسى لقومه بعد إزرائه على الاصنام وعلى من كان يعبدها وأن مايفعلونه باطل مهلك: أأطلب غير الله لكم إلها؟ ! قاله على وجه الانكار عليهم وإن كان بلفظ الاستفهام، فنصب " أغير الله " على أنه مفعول به، ونصب (إلها) على أحد شيئين: أحدهما - كأنه قال أأطلب لكم غير الله تعالى معبودا؟ !. والثاني - أن يكون نصب إلها على أنه مفعول به، ونصب (غير) على الحال التي لو تأخرت كانت صفة.

و (بغى) يتعدى إلى مفعولين، وطلب يتعدى إلى مفعول واحد، لان معنى بغي أعطى: بغاه الخير أعطاه الخير، وليس كذلك طلب، لانه غير مضمن بالمطلوب، وقد يجوز أن يكون بمعنى أبغي لكم.

وقوله " وهو فضلكم على العالمين " قيل في معناه قولان: أحدهما - قال الحسن وأبوعلي وغيرهما: يريد على عالمي زمانهم. الثاني - معناه خصكم بفضائل من النعم بالايات التي آتاكم، وارسال

[530]

موسى وهارون، وهما رجلان منكم، ومن إهلاك عدوكم بالتغريق في البحر، ونجاتكم. وكل ذلك بمرء‌ى و؟؟ منكم.

والفرق بين التعظيم والتفضيل أن التفضيل يدل على فضل في النفس، وهو زيادة على غيره، وليس كذلك التعظيم، ولذلك جاز وصف الله تعالى بالتعظيم ولم يجز بالتفضيل.

قوله تعالى: وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناء‌كم ويستحيون نساء‌كم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم(141)

آية.

قرأ ابن عامر (نجيناكم) على لفظ الماضي. الباقون " أنجيناكم " وقرأ نافع وحده " يقتلون " بالتخفيف. الباقون بالتشديد. من شدد أراد التكثير. ومن خفف، فلانه يحتمل القلة والكثرة.

وقد مضى تفسير مثل هذه الاية في سورة البقرة(1) فلاوجه المتطويل بتفسيرها، وإنما نذكر جملها، فنقول: هذاخطاب لبقية بني اسرائيل الذين كانوا في زمن النبى صلى الله عليه وآله فقال لهم على وجه الامتنان عليهم بما أنعم على آبائهم وأسلافهم واذكروا " إذ أنجيناكم " من آل فرعون بمعنى خلصناكم لان النجاة الخلاص مما يخاف إلى رفعة من الحال، وأصله الارتفاع، فمنه النجا أي الارتفاع في السير، ومنه قوله " ننجيك ببدنك "(2) أي نلقيك على نجوة من الارض، والنجو كناية عن الحدث، لانه كان يلقى بارتفاع من الارض للابعاد به، وقد كان أيضا يطلب به الانخفاض للابعاد به.

والفرق بين (أنجيناكم) وبين (نجيناكم) أن ألف (أنجيناكم) للتعدية

___________________________________

(1) في تفسير آية 49 - 50 من سورة 2 البقرة، المجلد الاول ص 217 - 231.

(2) سورة 10 يونس آية 92.

[531]

وتشديد (نجيناكم) يحتمل التعدية، ويحتمل التكثير.

وقوله تعالى " يسومونكم " معناه يولونكم اكراها ويحملونكم اذلالا " سوء العذاب، وأصل السوم مجاوزة الحد فمنه السوم في البيع، وهو تجاوز الحد في السعر إلى الزيادة، والسائمة من الابل الراعية، لانها تجاوزت حد الانبات للرعي، ومنه فلان سيم الخسف أي ألزمه إكراها، و (السوء) مأخوذ من أنه يسوء النفس لنافرية لها.

" يقتلون أبناء‌كم ويستحيون نساء‌كم " معناه إن فرعون كان يقتل من تولد من بني اسرائيل ذكرا ويستبقي الانات للاستخدام.

وقوله تعالى " وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم " فالمراد بالبلاء ههنا النعمة وقد يكون بمعنى النقمة، وأصله المحنة، فتارة تكون المحنة بالنعمة، وأخرى بالنقمة، وبالخير تارة وبالشر أخرى.

قوله تعالى: وواعدنا موسى ثلثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هرون اخلفني في قومي وأصلح ولاتتبع سبيل المفسدين(142)

آية بلاخلاف.

قيل في فائدة قوله " وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر " ولم يقل أربعين ليلة أقوال: أحدها - أنه أراد شهرا وعشرة أيام متوالية.

وقيل: إنه ذو العقدة وعشر من ذي الحجة.

ولو قال أربعين ليلة لم يعلم أنه كان الابتداء أول الشهر ، ولا أن الايام كانت متوالية، ولا أن الشهر شهر بعينه، هذا قول الفراء، وهو معنى قول مجاهد وابن جريج ومسروق وابن عباس، وأكثر المفسرين.

الثاني - أن المعنى وعدناه ثلاثين ليلة يصوم فيها ويتفرد للعبادة بها. ثم أتمت بعشر إلى وقت المناجاة. وقيل في العشر نزلت التوراة فلذلك أفردت بالذكر.

[532]

الثالث - قال أبوجعفر (ع) كان أول ماقال لهم: إني أتأخر عنكم ثلاثين يوما، ليسهل عليهم، ثم زاد عليهم عشرا، وليس في ذلك كذب، لانه إذا تأخر عنهم أربعين ليلة، فقد تأخر ثلاثين قبلها.

وقال الحسن كان الموعد أربعين ليلة في أصل الوعد، فقال في البقرة " واعدنا موسى أربعين ليلة "(1) وفصله - ههنا - على وجه التأكيد فقال ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر.

وقوله تعالى " فتم ميقات ربه أربعين ليلة " ومعناه فتم الميقات أربعين ليلة، وإنما قال ذلك مع أن ماتقدم دل على هذا العدد، لانه لو لم يورد الجملة بعد التفصيل وهوالذي يسميه الكتاب الفذلكة، لظن قوله " وأتممناها بعشر " أي كملنا الثلاثين بعشر حتى كملت ثلاثين، كما يقال: تممت العشرة بدرهمين وسلمتها اليه.

وقيل في معنى قوله تعالى " واعدنا موسى ثلاثين ليلة " ينفرد فيها للعبادة في المكان الذي وقت له ثم أتم الاربعين.

والفرق بين الميقات والوقت أن الميقات ماقدر ليعمل فيه عمل من الاعمال والوقت وقت الشئ قدره مقدر أولم يقدره، ولذلك قيل: مواقيت الحج وهي المواضع التي قدرت للاحرام بها.

وقوله تعالى " وقال موسى لاخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين " الذين يفسدون في الارض، وانما أمره بذلك مع أنه نبي مرسل، لان الرياسة كانت لموسى (ع) على هارون وجميع أمته، ولم يكن يجوز أن يقول هارون لموسى مثل ذلك.

وقال أبوعلي: السبعون الذين اختارهم موسى الميقات كانوا معه في هذا الخروج، وسمعوا كلام الله لموسى (ع) وكانوا شهدوا له بذلك.

وقوله " هارون " في موضع جر، لانه بدل من قوله (لاخيه) وإنما فتح لانه لاينصرف، ولو رفع على النداء كان جائزا ولم يقرأ به أحد.

___________________________________

(1) سورة 2 البقرة آية 51.

[533]

قوله تعالى: ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن ترينى ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تريني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وانا اول المؤمنين(143)

آية بلاخلاف.

قرأ أهل الحجاز إلا عاصما " دكاء " بالمد والهمزة من غير تنوين - ههنا وفى الكهف - وافقهم عاصم في الكهف. الباقون " دكا " منونة مقصورة في الموضعين، قال أبوزيد: يقال: دككت على الميت التراب أدكه دكا: اذا دفنته وأهلت عليه، وهما بمعنى واحد، ودككت الركية دكا اذا دفنته، ودك الرجل فهو مدكوك اذا مرض، وقال أبوعبيدة " جعله دكا أي مندكا، والدك والدكة مصدره، وناقة دكاء ذاهبة السنام والدك المستوي، وانشد للاغلب: هل غير عاد دك عادا فانهدم وقال أبوالحسن: لماقال " جعله دكا " فكأنه قال: دكه أي أراد جعله ذا دك، ويقال: دكاء جعلوها مثل الناقة الدكاء التي لاسنام لها.

قال أبو علي الفارسي: المضاف محذوف - على تقدير في قول أبي الحسن، وفي التنزيل " وحملت الارض والجبال فدكتا دكة واحدة "(1) وقال " كلا إذا دكت الارض دكا دكا "(2) وقال الرماني: معنى دكا مستويا بالارض، يقال: دكه يدكه دكا إذا سحقه سحقا، ومنه الدكة. واندك السنام اذا لصق بالظهر.

وقال الزجاج: دكا يعني مدقوفا مع الارض، والدكاء والدكاوات الروابي

___________________________________

(1) سورة 69 الحاقة آية 14.

(2) سورة 89 الفجر آية 21.

[534]

التي مع الارض ناشزة عنها لاتبلغ أن تكون جبلا.

وقيل: إيه سباخ في الارض - في قول الحسن وسفيان وأبي بكر الهذلي.

وقال ابن عباس: صار ترابا، وقال حميد:

يدك أركان الجبال هزمه *** يخطر بالبيض الرقال بهمه(3)

وقيل في معنى قراء‌ة من قرأها ممدودة قولان: احدهما - انه شبه الجبل بالناقة التي لاسنام لها، فيقال لها: دكاء فكأنه قال فجعله مثل دكاء. الثاني - فجعله أرضا دكاء.

أخبر الله تعالى في هذه الاية أن موسى (ع) لما جاء إلى مقات ربه وهو الموضع الذي وقته له، وكلمه الله تعالى فيه سأل الله تعالى أن يريه لينظر اليه. واختلف المفسرون في وجه مسألة موسى (ع) ذلك مع أن الرؤية بالحاسة لاتجوز عليه تعالى على ثلاثة أقوال: أحدها - أنه سأل الرؤية لقومه حين، قالوا له " لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة "(4) بدلالة قوله " أتهلكنا بما فعل السفهاء منا "(5). فإن قيل على هذا ينبغي أن يجوزوا أن يسأل الله تعالى هل هو جسم أم لا أو يسأله الصعود والنزول، وغير ذلك مما لايجوز عليه؟ ! قلنا عنه جوابان: أحدهما - أنه يجوز ذلك إذا علم أن في ورود الجواب من جهة الله مصلحة، وأنه أقرب إلى زوال الشبهة عن القوم بأن ذلك لايجوز عليه تعالى، كماجاز ذلك في مسألة الرؤية.

وقال الجبائي: إنهم سألوا الله تعالى قبل ذلك هل يجوز عليه تعالى النوم أم لا؟ وقالوا له: سل الله أن يبين لنا ذلك، فسأل الله تعالى ذلك، فأمره بأن يأخذ قدحين يملا أحدهما ماء، والاخر دهنا، ففعل

___________________________________

(3) تفسير الطبري 13 / 100.

(4) سورة 2 البقرة آية 55.

(5) سورة 7 الاعراف آية 154.

[535]

وألقى عليه النعاس، فضرب أحدهما على الاخر فانكسرا، فأوحى الله تعالى اليه أن لو جاز عليه تعالى النوم لاضطراب أمر العالم، كما اضطرب القدحان في مدة حتى تكسرا.

الثاني - عن هذا السؤال أنه إنما يجوز أن يسأل الله مايمكن أن يعلم صحته بالسمع، ومايكون الشك فيه لايمنع من العلم بصحة السمع، وإنما يمنع من ذلك سؤال الرؤية التي تقتضي الجسمية والتشبيه، لان الشك في الرؤية التي لاتقتصي التشبيه مثل الشك في رؤية الضمائر والاعتقادات، ومالا يجوز عليه الرؤية، وليس كذلك الشك في كونه جسما أو مايتبع كونه جسما من الصعود والنزول، لان مع الشك في كونه جسما، لايصح العلم بصحة السمع من حيث أن الجسم لايجوز أن يكون غنيا ولاعالما بجميع المعلومات، وكلاهما لابد فيه من العلم بصحة السمع، فلذلك جاز أن يسأل الرؤية التي لاتوجب التشبيه ولم يجز أن يسأل كونه جسما، وماأشبهه.

والجواب الثاني - في أصل المسألة: أنه سأل العلم الضروري الذي يحصل في الاخرة، ولايكون في الدنيا ليزول عنه الخواطر والشبهات، والرؤية تكون بمعنى العلم، كما تكون الادراك بالبصر، كما قال " ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل "(1) وأمثاله. وللانبياء أن يسألوا مايزول عنهم الوساوس والخواطر، كما سأل ابراهيم ربه " فقال رب ارني كيف تحيي الموتى "(2) غير أنه سأل مايطمئن قلبه إلى ذلك وتزول عنه الخواطر والوساوس، فبين الله تعالى له أن ذلك لايكون في الدنيا.

الثالث - أنه سأل آية من آيات الساعة التي يعلم معها العلم الذي لايختلج فيه الشك كما يعلم في الاخرة وهذا قريب من الثاني.

وقال الحسن والربيع والسدي: إنه سأل الرؤية بالبصر على غير وجه التشبيه.

___________________________________

(1) سورة 105 الفيل آية 1.

(2) سورة 2 البقرة آية 260.

[536]

وقوله " لن تراني " جواب من الله تعالى لموسى أنه لايراه على الوجه الذي سأله، وذلك دليل على أنه لايرى لافي الدنيا ولافي الاخرة، لان (لن) تنفي على وجه التأييد، كما قال " ولن يتمنوه أبدا "(1) وهذا إنما يمكن أن يعتمده من قال بالجواب الاول، فأما من قال: انه سأل العلم الضروري أو علما من أعلام الساعة لايمكنه أن يعتمده، لان ذلك يحصل في الاخرة، فيجري ذلك مجرى اختصاص الرؤية بالبصر على مذهب المخالف بحال الدنيا.

وقوله تعالى " فإن استقر مكانه فسوف تراني " معناه إن استقر الجبل في حال ماجعله دكا متقطعا فسوف تراني، فلما كان ذلك محالا لان الشئ لايكون متحركا ساكنا في حال واحدة، كانت الرؤية المتعلقة بذلك محالة، لانه لا يعلق بالمحال إلا المحال.

وقوله " فلما تجلى ربه للجبل " معناه ظهر بآياته التي أحدثها في الجبل لحاضري الجبل بأن " جعله دكا ".

وقيل: إن الله تعالى أبرز من ملكوته ما تدكدك به إذ في حكمه أن الدنيا لا تقوم لما يبرز من الملكوت الذي في السموات، كما قيل: إنه ابرز ألخنصر من العرش، ويجوز أن يكون المراد " فلما تجلى ربه " لاهل الجبل، كما قال " واسأل القرية "(2) والتجلي هو الظهور، ويكون ذلك تارة بالرؤية، وأخرى بالدلالة، قال الشاعر:

تجلى لنا بالمشرفية والقنا *** وقدكان عن وقع الاسنة نائيا

وإنما أراد الشاعر أن تدبيره دل عليه حتى علم أنه المدبر لذلك وأن تدبيره صواب، فقال تجلى أي علم، ولم ير بالابصار، ولا أدرك بالحواس، لانه كان عن وقع الاسنة نائيا، ولكن استدل عليه بحسن تدبيره.

وقال قوم: معناه فلما تجلى بالجبل لموسى قالوا: وحروف الصفات تتعاقب فيكون (اللام) بمعنى (الباء).

وقال قوم: لو أراد موسى الرؤية بالبصر لقال أرينك أو أرني نفسك، ولايجوز غير ذلك في اللغة.

___________________________________

(1) سورة 62 الجمعة آية 6.

(2) سورة 12 يوسف آية 82.

[537]

وقوله " وخر موسى صعقا " قيل في معنى ذلك قولان: أحدهما - قال ابن عباس والحسن وابن زيد وأبوعلي الجبائي: إنه وقع مغشيا عليه من غير أن يكون قد مات بدلالة قوله " فلما أفاق " ولايقال للميت اذا عاش أفاق، وإنما يقال: عاش أو حيي، وقال قتادة: معناه مات.

وقوله " قال سبحانك تبت اليك " قيل في معنى توبته ثلاثة أقوال: أحدها - أنه تاب، لانه سأل قبل أن يؤذن له في المسألة، وليس للانبياء ذلك.

الثاني - أنه تاب من صغيرة ذكرها.

الثالث - أنه قال ذلك على وجه الانقطاع اليه والرجوع إلى طاعته، وإن كان لم يعص، وهذا هو المعتمد عندنا دون الاولين، على أنه يقال لمن جوز الرؤية على الله تعالى اذا كان موسى (ع) إنما سأل مايجوز عليه فمن أي شئ تاب؟ فلابد لهم من مثل ماقلناه من الاجوبة.

فإن قيل: كيف يجوز أن يكون تجويز الرؤية صغيرا مع أنه جهل بالله على مذهب من قال إنه كان ذلك صغيرة؟ ! قيل: لانه إذا لم تكن الرؤية المطلوبة على وجه التشبيه جرى مجرى تجويزه أن تكون هذه الحركة من مقدورات الله في أنه لايخرجه من أن يكون عارفا به تعالى، وإنما شك في الرؤية والحركة.

وقوله " وأنا أول المؤمنين " قيل في معناه قولان: أحدهما - قال الجبائي: أنا أول المؤمنين بأنه لا يراك شئ من خلقك فأنا أول المؤمنين من قومي باستعظام سؤال الرؤية. الثاني - قال مجاهد: وأنا أول المؤمنين من بني اسرائيل.

قوله تعالى: قال ياموسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين(144)

آية بلاخلاف.

[538]

قرأ أهل الحجاز، وروح " برسالتي " على التوحيد. الباقون " برسالاتي " على الجمع.

والرسالة تجري مجرى المصدر فتفرد في موضع الجمع، وإن لم يكن المصدر من (أرسل) يدلك على أنه جار مجراه قول الاعشى:

ففادك بالخيل أرض العدو *** وجذعانها كلقيطة العجم(1)

فاعماله إياها إعمال المصدر بذلك على أنه يجري مجراه، والمصدر قد يقع لفظ الواحد فيه والمراد به الكثرة، وكان المعنى على الجمع لانه مرسل لضروب من الرسالة، والمصادر قد تجمع مثل الحلوم والالباب.

وقال تعالى " إن أنكر الاصوات لصوت الحمير "(2) فجمع الاصوات لما أريد بها أجناس مختلفة صوت الحمار بعضها، فأفرد صوت الحمار، وإن كان المراد به الكثرة، لانه صوت واحد.

أخبر الله تعالى في هذه الاية أنه نادى موسى (ع) وقال له " ياموسى إني اصطفيتك " ومعنى الاصطفاء استخلاص الصفوة لمالها من الفضيلة. والفضائل على وجوه كثيرة: أجلها قبول الاخلاق الكريمة والافعال الجميلة، ولهذا المعنى اصطفي موسى (ع) حتى استحق الرسالة، وأن يكلم بتلقين الحكمة.

وقوله تعالى " برسالاتي وبكلامي " فيه بيان مابه اصطفاه وهو أن جعله نبيا وخصه بكلامه بلاواسطة، وهما نعمتان عظيمتان منه تعالى عليه، فلذلك امتن بهما عليه، وإنما صار في كلام الجليل نعمة على المكلم، لانه كلمه بتعليم الحكمة من غير واسطة بينه وبين موسى، ومن أخذ العلم عن العالم المعظم كان أجل رتبة، ولو كلم إنسانا بالانتهار والاستخفاف، لكان نقمة عليه بالضد من تلك الحال.

وقوله تعالى " فخذ ماآتيتك " معناه تناول ماأعطيتك " وكن من الشاكرين " يعني من المعترفين بنعمتي، والشكر هو الاعتراف بالنعمة مع القيام بحقها على حسب مرتبتها، فاذا كانت من أعظم النعم، وجب أن تقابل

___________________________________

(1) ديوانه: 30 القصيدة 3.

(2) سورة 31 لقمان آية 19.

[539]

بأعظم الشكر، وهو شكر العباد لله وحده على وجه الاخلاص له.

قوله تعالى: وكتبنا له في الالواح من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ فخذها بقوة وأمر قومك ياخذوا بأحسنها سأوريكم دار الفاسقين(145)

آية بلاخلاف.

أخبر الله تعالى في هذه الاية أنه كتب لموسى (ع) في الالواح من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ، وقال الجبائي: المكتوب في الالواح التوراة، فيها اخبار الامم الماضية، وفصل فيها الحرام والحلال.

و (الالواح) جمع لوح، وقال الزجاج: كانا لوحين فجمع، قال: ويجوز أن تكون ألواحا جماعة، واللوح صفيحة مهيأه للكتابة فيها، وقد يقال لوح فضة تشبيها باللوح من الخشب، ومثله لو عمل من حجر، وقال الحسن: وكانت الالواح من خشب نزلت من السماء، ومعنى كتبنا له من كل شئ كتبنا اليه كل مافي شرعه من حلال وحرام، وحسن وقبيح، وواجب وندب، وغير ذلك مما يحتاجون إلى معرفته.

وقيل: كتب له التوراة فيها من كل شئ من الحكم والعبر.

وأصل اللوح اللمع يقال: لاح الامر يلوح، لوحا اذا لمع وتلالا.

والتلويح تضمير، ولوحه السفر والعطش إذا غيره تغييرا تبين عليه أثره، لان حاله يلوح بما نزل به، واللوح الهواء، لانه كاللامع في هبوبه، واللوح مأخوذ من أن المعاني تلوح بالكتابة فيه.

و (الموعظة) التحذير بما يزجر عن القبيح وتبصر مواقع الخوف تقول: وعظه يعظه وعظا وموعظة، واتعظ اتعاظا إذا قيل الوعظ.

وقوله " وتفصيلا لكل شئ " يعني تمييزا لكل مايحتاجون اليه.

وقوله " فخذها بقوة " قيل: معناه بجد واجتهاد.

[540]

وقيل: بصحة عزيمة، ولو أخذه بضعف نية لاداه إلى فتور العمل به.

وقوله " وأمر قومك يأخذوا بأحسنها " معناه يأخذوا بأحسن المحاسن، وهي الفرائض والنوافل، وأدونها في الحسن المباح، لانه لايستحق عليه حمد ولاثواب.

وقال الجبائي: أحسنها الناسخ دون المنسوخ المنهي عنه، لان العمل بهذا المنسوخ قبيح.

وقال الزجاج: يأخذوا بأحسنها معناه بماهو حسن دون ماهو قبيح، وهذا تأويل بعيد، لانه لايقال في الحسن أنه أحسن من القبيح. ويجوز أن يكون المراد بأحسنها حسنها، كماقال تعالى " وهو أهون عليه "(1) ومعناه؟؟.

ويحتمل ان يكون اراد بأحسنها إلى مادونه من الحسن، ألا ترى أن استيفاء الدين حسن وتركه أحسن، وأما القصاص في الجنايات فحسن والعفو أحسن ويكون ذلك على وجه الندب.

وقوله عزوجل " سأوريكم دار الفاسقين " قال الحسن ومجاهد والجبائي: يعني به جهنم، والمراد به فليكن منكم على ذكر لتحذروا أن تكونوا منهم، وقال قتادة: هي منازلهم أي لتعتبروا بها وبما صاروا اليه من النكال فيها.

قوله تعالى: سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق وإن يروا كل آية لايؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لايتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين(146)

آية بلاخلاف.

قرأ حمزة والكسائي وخلف " الرشد " بفتح الراء والشين. الباقون بضم الراء وسكون الشين.

وفرق بينهما أبوعمروبن العلاء، فقال: الرشد - بضم الراء - الصلاح، كقوله " فإن آنستم منهم رشدا "(2) أي صلاحا، لدفعه اليهم، والرشد الاستقامة في الدين، كقوله " على ان تعلمني مما علمت

___________________________________

(1) سورة 30 الروم آية 27.

(2) سورة 4 النساء آية 5.

[541]

رشدا "(3) وقال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، مثل الحزن والحزن، والسقم والسقم، والرشد سلوك طريق الحق تقول: رشد يرشد رشدا، ورشد يرشد رشدا، وارشده ارشادا، واسترشد أسترشادا، وضده الغي: غوي يغوى غيا وغواية، وأغواه إغواء، واستغواه استغواء.

وقال الجبائي والرماني: معنا " سأصرف عن آياتي " أي سأصرف عن أياتي من العز والكرامة بالدلالة التي كسبت الرفعة في الدنيا والاخرة، ويجوز ان يكون معناه أي احكم عليهم بالانصراف واسميهم بأنهم منصرفون عنها، لانهم قد انصرفوا عنها، كما قال " ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم "(4).

ويحتمل أن يكون المراد اني سأصرفهم عن التوراة والقرآن، وماأوحى الله من كتبه بمعنى امنعهم من إفساده وتغييره وإبطاله، لانه قال في أو - ل الاية " وكتبنا له في الالواح " إلى قوله تعالى " سأصرف عن آياتي " ويجوز ان يكون المراد " سأريهم آياتي " فينصرفون عنها وهم الذين يتكبرون في الارض بغير الحق، كما يقول القائل: سأحير فلانا أي اسأله عن شئ فيتحير عند مسألتي، وسأنجل فلانا أي أسأله ماينجل عنده، وكذلك يقال: سأقطع فلانا بكلامي، والمراد انه سينقطع عند كلامي، وكل ذلك واضح بحمد الله.

ويجوز أن يكون المراد انهم لما عاندوا وتمردوا بعد لزوم الحجة عليهم وحضروا للتلبيس والشغب على ماحكاه الله عنهم انهم قالوا " لاتسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه "(5) صرفهم الله بلطفه عن الحضور كما كانوا يحضرونه، ويحتمل أن يكون المراد سأصرف عن جزاء آياتي.

ومن زعم انه بمعنى سأصرف عن الايمان بآياتي فقد أخطأ، لانه تعالى لايأمر بالايمان ثم يمنع منه، لان حكمته تمنع من ذلك.

والصرف نقل الشئ إلى خلاف جهته، يقال: صرفه يصرفه صرفا،

___________________________________

(3) سورة 18 الكهف آية 67.

(4) سورة 9 التوبة آية 128.

(5) سورة 41 حم السجدة آية 26.

[542]

وصرفه تصريفا، وتصرف تصرفا، وصارفه مصارفة، انصرف انصرافا.

وقوله تعالى " الذين يتكبرون في الارض " والتكبر اظهار كبر النفس على غيرها، وصفة متكبر صفة ذم في جميع البشر، وهو مدح في صفات الله تعالى، لانه يستحق اظهار الكبر على كل شئ سواه، لان ذلك حق، وهذا المعنى في صفة غيره باطل، فمعنى الاية الاخبار من الله انه يصرف عن ثواب آياته " الذين يتكبرون في الارض بغير الحق وان يروا كل آية لايؤمنوا بها " يعني الذين اذا شاهدوا الحجج والبراهين لاينقادون لها، ولايصدقون بها " وان يروا سبيل الرشد لايتخذوه سبيلا " ومعناه انهم متى رأوا سبيل الصلاح عدلوا عنه، ولم يتخذوه طريقا لهم بمعنى انهم لايعملون بذلك " وان يروا سبيل الغي.. " يعني وان يروا ضد الرشد من الكفر والضلال سلكوه وارتكبوا معصية الله في ذلك.

وقوله تعالى " ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا " يحتمل ذلك أن يكون في موضع رفع أي امرهم ذلك، ويحتمل ان يكون نصبا أي فعلنا بهم ذلك، لانهم تكبروا وكذبوا، ومعناه: أفعل ذلك بهم، يعني صرفي لهم عن ثواب الايات الجزيل والمنزلة الجليلة.

ومن قال من المجبرة: ان الله تعالى يصرفه عن الايمان قوله باطل، لانه تعالى لايجوز ان يصرف احداعن الايمان، لانه لو صرفه عنه ثم أمره به لكان كلفه مالايطيقه، وذلك لايجوز عليه تعالى.

وأيضا فان الله تعالى بين انه يصرفهم عن ذلك في المستقبل، جزاء لهم على كفرهم الذي كفروا، فكيف يكون ذلك صرفا عن الايمان ! وقيل: إن معنى الاية أي سأصرف عن آياتي، ولاأظهرها لهم كما أظهرتها للمؤمنين، ويريد بذلك المعجزات الباهرات، لعلمي بأن إظهارها مفسدة لهم يزدادون عندها كفرا، تبين ذلك في قوله تعالى " وان يروا سبيل الرشد لايتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ".

[543]

وقيل: معناه سأصرف عن إبطالها والطعن فيها بما أظهره من حججها، كما يقال: سأمنعك من فلان أي من أذاه، ذكره البلخي.

قوله تعالى: والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الاخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ماكانوا يعملون(147)

آية بلاخلاف.

هذا إخبار من الله تعالى أن الذين كذبوا بآياته، جحدوا البعث والنشور في الاخرة. وهي الكرة الثانية، لانه حقيق على من عرف النشأة الاولى ألا ينكر النشأة الاخرى، لان الذي قدر على الاولى، فهو على الثانية أقدر، كما أن من بنى دارا ابتداء، فهو على اعادتها أقدر. وأصل اللقاء إلتقاء الحدين. ثم يحمل على الادراك، فيقال لما أدركه: لقيه، فهؤلاء، كذبوا بادراك الاخرة استبعادا لكونها.

وقوله " حبطت أعمالهم " إخبار من الله تعالى أن من كذب بآياته وجحد البعث والنشور تنحبط أعماله، لانها تقع على خلاف الوجه الذي يستحق بها المدح والثواب فيصير وجودها وعدمها سواء، والحبوط سقوط العمل حتى يصير بمنزلة مالم يعمل. وأصل الاحباط الفساد مشتق من الحبط، وهوداء يأخذ البعير في بطنه من فساد الكلا عليه، يقال: حبطت الابل تحبط: إذا أصابها ذلك، واذا عمل الانسان عملا على خلاف الوجه الذي أمر به يقال: أحبطه، بمنزلة من يعمل شيئا ثم يفسده.

وقوله " هل يجزون إلا ماكانوا يعملون " أي به، وصورته صورة الاستفهام والمراد به الانكار والتوبيخ، والمعنى ليس يجزون إلا ماكانوا يعملون إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا.

[544]

قوله تعالى: واتخذ قوم موسى من بعده من حُليّهم عجلا جسدا له خُوار ألم يروا انه لايكلمهم ولايهديهم سبيلا إتخذوه وكانوا ظالمين(148)

أية بلاخلاف.

قرأ حمزة والكسائي " من حليهم " - بكسر الحاء واللام - الباقون بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء، وقرأ يعقوب بفتح الحاء، وسكون اللام، وتخفيف الياء، فوجه قراء‌ة يعقوب أن (الحلي) اسم جنس يقع على القليل والكثير. ومن قرأ بضم الحاء، فلانه جمع (حلي) نحو ثدي وثدي، وإنما جمعه لانه أضافه إلى جمع. ومن قرأ بكسر الحاء أتبع الكسرة الكسرة، وكره الخروج من الضمة إلى الكسرة، واجراه مجرى (قسي) جمع (قوس).

أخبر الله تعالى عن قوم موسى أنهم اتخذوا من بعد مفارقة موسى لهم ومضيه إلى ميقات ربه من حليهم، ومعنى الاتخاذ الاعداد، وهو (إفتعال) من الاخذ وأصله يتخذ إلا أن الياء تقلب في (إفتعل) وتدغم لانها في موضع ثقيل في كلمة واحدة، ولايجوز في مثل (أحسن نوما) الادغام، والاتخاذ اجتباء الشئ لامر من الامور، فهؤلاء اتخذوا العجل للعبادة، والحلي ماأتخذ للزينة من الذهب والفضة، يقال: حلي بعيني يحلا، وحلا في فمي يحلو حلاوة، وحليت الرجل تحلية اذا وضعته بمايرى منه. وقد تحلى بكذا أي تحسن به، والعجل ولد البقرة القريب العهد بالولادة، وهو العجول أيضا، وإنما أخذ من تعجيل أمره لصغره.

وقيل: إنهم عملوا العجل من الذهب، وقوله " جسدا له خوار " فالجسد جسم الحيوان مثل البدن، وهو روح وجسد، والروح مالطف،

[545]

والجسد ماغلظ، والجسم يقع على جسد الحيوان وغيره من الجمادات، والخوار صوت الثور، وهو صوت غليظ كالجؤار، وبناء (فعال) يدل على الافة نحو الصراخ، والعوار والسكات والعطاش والنباح. وفي كيفية خوار العجل مع أنه مصوغ من الذهب خلاف، فقال الحسن: قبض السامري قبضة من تراب من أثر فرس جبرائيل (ع) يوم قطع البحر فقذف ذلك التراب في فم العجل، فتحول لحما ودما، وكان ذلك معتادا غير خارق للعادة، وجاز أن يفعل الله لمجرى العادة.

وقال الجبائي والبلخي: إنما احتال بادخال الريح فيه حتى سمع له كالخوار، كما قد يحتال قوم اليوم كذلك.

ثم أخبر تعالى فقال " ألم يروا أنه لا يكلمهم ولايهديهم سبيلا " على وجه الانكار عليهم والتعجب من جهلهم وبعد تصورهم، فقال: كيف يعبدون هذا العجل، وهم يشاهدونه، ولايكلمهم ولايتأتى منه ذلك، ولايهديهم إلى سبيل خير.

ثم قال " اتخذوه " إلها " وكانوا ظالمين " في اتخاذهم له إلها واضعين للعبادة في غير موضعها. والحلي الذي صاغ السامري منه العجل كانوا أصابوه من حلي آل فرعون قذفه البحر، فقال السامري ل‍ (هارون): إن هذا حرام كله وينبغي أن نحرقه كله أو نصرفه في وجه المصلحة، فأمر هارون بجمع ذلك كله، وأخذه السامري لانه كان مطاعا فيهم، فصاغه عجلا وكان صائغا، وطرحه في النار وطرح معه التراب الذي معه.

قوله تعالى: ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين(149)

آية.

قرأ أهل الكوفة إلا عاصما " لئن لم ترحمنا " بالتاء " ربنا " بالنصب على النداء. الباقون بالياء " ربنا " بالرفع على الخبر.

[546]

ومعنى قوله " سقط في أيديهم " وقع البلاء في أيديهم أي وجدوه وجدان من يده فيه، يقال: ذلك للنادم عندما يجده مما كان خفي عليه، ويقال أيضا: سقط في يديه أي صار الذي كان يضربه في يديه.

ومعنى قوله " ورأوا " علموا " أنهم قد ضلوا " وتبينوا بطلان ماكانوا عليه من عبادة العجل والكفر والضلال، لان ما تعلق به الرؤية، لايجوز أن يكون مدركا بالبصر، وهو معنى الجملة، وإنما يصح أن يعلم وأن يدخل على الجملة، وهي في تقدير المفرد، ومتى ظهر فساد الاعتقاد، فلابد أن يندم صاحبه عليه، لانه لا معنى للاقامة عليه مع توافر الدواعي إلى خلافه، كما أنه لامعنى أن يكذب على نفسه مع علمه بكذبه، غير أنه مع ظهور الضلالة لهم لم يكونوا ملجئين إلى الندم، لان الالجاء يقع إما بالعلم بالمنع أو تخوف من المضرة العاجلة أو النفع العظيم العاجل الذي مثله يلجئ، ولم يكن القوم على واحد من الامرين، لانهم كانوا مكلفين للندم.

وفي الاية دلالة على بطلان قول من يقول لا محجوج الا عارف، لان الله وصفهم بأنهم سقط في أيديهم عندما رأوا من ضلالهم، فدل على أنهم كانوا محجوجين في ترك الضلال الذي إن لم يغفر لهم هلكوا.

وقوله " لئن لم يرحمنا ربنا ويغفرلنا " أخبار عما قال القوم حين تبينوا ضلالهم وسقط في أيديهم والتجائهم إلى الله واعترافهم بأنه ان لم يغفر لهم ربهم ويتغمدهم بمغفرته يكونوا من جملة الخاسرين الذين خسروا أنفسهم بما يستحقونه من العقاب الدائم.

وقال الحسن: كلهم عبدوا العجل إلا هارون بدلالة قول موسى " رب اغفر لي ولاخي "(1) ولو كان هناك مؤمن غيرهما لدعا له، وقال الجبائي: إنما عبد بعضهم بدلالة ماورد من الاخبار عن النبي صلى الله عليه وآله فيما روي عنه في هذا المعنى.

___________________________________

(1) آية 150 من سورة الاعراف.

[547]

قوله تعالى: ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الالواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أمّ إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الاعداء ولاتجعلني مع القوم الظالمين(150)

آية بلاخلاف.

قرأ حمزة والكسائي وأبوبكر وابن عامر " ابن أم " بكسر الميم. الباقون بالفتح والقراء كلهم على " تشمت " بضم التاء.

وقرأ حميد الاعرج، ومجاهد " لاتشمت " بفتح التاء.

واللغة الفصيحة بضم التاء من (أشمت) وقد ذكر: شمت يشمت، وأشمت يشمت.

أخبر الله تعالى في هذه الاية أن موسى حين رجع من مناجاة ربه رجع غضبان آسفا، لمارأى من عكوف قومه على عبادة العجل. والغضب معنى يدعو إلى الانتقام على ماسلف وهويضاد الرضا، يقال: غضب غضبا وأغضبه إغضابا وغاضبه مغاضبة وتغضب تغضبا، والاسف الغضب الذي فيه تأسف على فوت ماسلف.

وقال ابن عباس: أسفا يعني حزينا، وقال أبوالدرداء: معناه شديد الغضب بدلالة قوله تعالى " فلما آسفونا انتقمنا "(1) ومعناه أغضبونا كغضب المتحسر في الشدة، وهو مجاز في الصفة.

وقوله تعالى " بئس ما خلقتموني من بعدي " معناه بئس ماعملتم خلفي، يقال: خلفه بمايكره وخلفه بمايحب إذا عمل خلفه ذلك العمل يقال: خلف خلفا، وأخلف إخلافا، وخالفه مخالفة، واختلف اختلافا، واستخلف استخلافا وتخلف تخلفا، وخلف تخليفا، وتخالفا تخالفا.

___________________________________

(1) سورة 43 الزخرف آية 55.

[548]

وقوله " أعجلتم أمر ربكم " قال الجبائي معناه أعجلتم منه ما وعدكم من ثوابه ورحمته، فلما لم تروه فعل بكم ذلك كفرتم، واستبدلتم به عبادة العجل، والعجلة التقدم بالشئ، قبل وقته، والسرعة عمله في أول وقته، ولذلك صارت العجلة مذمومة، والسرعة محمودة ويقال: عجلته أي سبقته وأعجلته استحثثته.

وقوله " وأخذ برأس أخيه يجره اليه " قيل في معناه قولان: أحدهما - قال الجبائي: إنما هو كقبض الرجل منا على لحيته وعضه على شفته أو إبهامه، فأجرى موسى هارون مجرى نفسه، فقبض على لحيته، كما يقبض على لحية نفسه اختصاصا.

وقال أبوبكر بن الاخشيد: إن هذا أمر يتغير بالعادة ويجوز أن تكون العادة في ذلك الوقت أنه اذا أراد الانسان أن يعاتب غيره لاعلى وجه الهوان أخذ بلحيته وجره اليه ثم تغيرت العادة الان وقال: انما أخذ برأسه ليسر اليه شيئا أراده. وقال " يابن أم " حكاية عما قال هارون لموسى حين أخذ برأسه خوفا من أن يدخل الشبهة على جهال قومه، فيظنون أن موسى فعل ذلك على وجه الاستخفاف به والانكار عليه " يابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ".

ومن فتح ميم (أم) تحتمل قراء‌ته أمرين: أحدهما - أنه بني لكثرة اصطحاب هذين حتى صار بمنزلة اسم واحد مع قوة النداء على التغيير نحو خمسة عشر. الثاني - أنه على حذف الالف المبدلة من ياء الاضافة، كما قال الشاعر: يابنية عما لاتلومي واهجعي(1) والقياس يابن أمي، ومن كسر الميم اضافة إلى نفسه بعد أن جعله اسما واحدا، ومن العرب من يثبت الياء كما قال الشاعر:

___________________________________

(1) سيأتي في 5: 561 من هذا الكتاب وهوفي اللسان . (عم).

[549]

يابن أمي وياشقيق نفسي *** أنت خليتني لدهر شديد(2)

وقال الاخر:

يابن أمي ولو شهدتك إذ *** تدعو تميما وأنت غير مجاب(3)

وقال الحسن: كان أخاه لابيه وأمه، والعرب تقول ذلك على وجه الاستعطاف بالرحم.

وقوله " فلاتشمت بي الاعداء " فالشماتة سرور العدو بسوء العاقبة تقول: شمت به شماتة وأشمته إشماتا اذا عرضته لتلك الحال.

وقوله " وألقى الالواح " يعني رماها.

وقال مجاهد: كانت من زمرد أخضر.

وقال سعيدبن جبير: كانت من ياقوت أحمر، وقال أبوالعالية: كانت من زبر جد، وقال الحسن: كانت من خشب.

وقوله " ولاتجعلني مع القوم الظالمين " سؤال من هارون لموسى ألا يشمت به عدوه ولايجعله في جملة القوم الظالمين لبراء‌ة ساحته مما فعل قومه، فلما ظهر لموسى براء‌ة ساحة هارون بأن له عذرا، عذره في المقام بينهم من خوفه على نفسه قال عند ذلك " رب اغفرلي ولاخي ".

قوله تعالى: قال رب اغفر لى ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين(151)

آية بلاخلاف.

في هذه الاية حكاية عن دعاء موسى (ع) ربه عزوجل - حين تبين له

___________________________________

(2) قائله أبوزبيد آمالي الزبيدي 9 وجمهر اشعار العرب 139 واللسان .

(شقق) وتفسير الطبري 13 / 129 وقد روي . (كنود) بدل . (شديد).

(3) قائله غلفاء ابن الحارث، وهو معد يكرب بن الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرارة الكندي وهوعم امرئ القيس، وسمي . (غلفاء) لانه كان يغلف رأسه بالمسك.

أنظر الاغاني 12 / 213 وتفسير الطبري 13 / 130.

[550]

مانبهه عليه هارون من خوف التهمة، ودخول الشبهة عليهم بجره رأسه اليه - بأن يغفر له ولاخيه، وأن يدخلهما رحمته، والمقتضي لهذا الدعاء بالمغفرة قيل فيه قولان: أحدهما - ماأظهره من الموجدة على هارون وهو برئ مما يوجب العتب عليه، لانه لم يكن منه تقصير في الانكار على من عبد العجل، لانه بلغ معهم من الانكار إلى أن هموا بقتله لشدة إنكاره، ولذلك قال " إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ". والثاني - قال أبوعلي: إنه بين بذلك لبني اسرائيل أنه لم يأخذ برأسه على جهة الغضب عليه، وإنما فعل ذلك كما يفعله الانسان بنفسه عند شدة غضبه على غيره، ولم يكن منه في تلك الحال معصية.

وكان هذا الدعاء من موسى انقطاعا منه إلى الله تعالى، وتقربا اليه لا أنه كان وقع منه أو من أخيه قبيح صغير أو كبير يحتاج أن يستغفر منه، ومن قال: إنه استغفر من صغيرة كانت منه أو من أخيه، فقد أخطأ.

ويقال له: الصغيرة على مذهبكم تقع مكفرة محبطة، فلا معنى لسؤال المغفرة لها. وقد بينا في غير موضع أن الانبياء (ع) لايجوز عليهم شئ من القبائح لا كبيرها ولا صغيرها لان ذلك يؤدي إلى التنفير عن قبول قولهم، والانبياء منزهون عما ينفر عنهم على كل حال.

وقوله " وأنت أرحم الراحمين " اعتراف من موسى بأن الله تعالى أرحم الراحمين وإعترافه بذلك دليل على قوة طمعه في نجاح طلبته، ولان من هو أرحم الراحمين يؤمل الرحمة من جهته ومن هو أجود الاجودين يؤمل الجود من قبله.

قوله تعالى: إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحيوة الدنيا وكذلك نجزي المفترين(152)

آية بلاخلاف

[551]

في هذه الاية حذف، وتقديره إن الذين اتخذوا العجل إلها ومعبودا دون الله سينالهم غضب، ومعناه فسيلحقهم، والنول اللحوق وأصله مد اليد إلى الشئ الذي يبلغه، ومنه قولهم: نولك أن تفعل كذا أي ينبغي أن تفعله فانه يلحقك خيره ونواله.

وتقول: ناوله مناولة، وتناول تناولا، وأناله إنالة.

وقوله " غضب من ربهم " يعني عقاب من الله تعالى وإنما ذكر الغضب مع الوعيد بالنار لانه ابلغ في الزجر عن القبيح، كما أن ارادة الحسنة في الدعاء اليها والترغيب فيها أبلغ من الاقتصار على الوعد بها.

وقوله " وذلة في الحياة الدنيا " بمعنى صغر النفس والاهانة، يقال: ذل يذل ذلة، اذله إذلالا، وتذلل تذللا، وذلله تذليلا، واستذله استذلالا. وقيل المراد به مايؤخذ منهم من الجزية على وجه الصغار.

وقوله " وكذلك نجزي المفترين " إخبار منه تعالى أنه مثل هذا الوعيد والعذاب والغضب يجزي الكاذبين والمتخرصين عليه، وإنما كان عبادة غير الله كفرا لانه تضييع لحق نعمة الله كتضييعه بالجحد للنعمة في عظم المنزلة، وذلك لما ينطوي عليه من تسوية من أنعم بأجل النعمة بمن لم ينعم، وفى ذلك إبطال لحق النعمة.

قوله تعالى: والذين عملو السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم(153)

آية بلاخلاف.

لما توعد الله تعالى الذين عبدوا مع الله غيره وعطف على وعيدهم توعيد

___________________________________

(1) سورة 20 طه آية 88.

[552]

المفترين عليه والمتخرصين في دينه مالم يأمر الله به، عطف على ذلك، فقال " والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا " وهي جمع سيئة وهي الخصلة التي تسوء صاحبها عاقبتها، وهي نقيض الحسنة، كما أن الاساء‌ة نقيض الاحسان " ثم تابوا من بعدها وآمنوا " يعني رجعوا إلى الله تعالى بعد فعلهم السيئة وندموا عليها وعزموا على أن لايعودوا إلى مثلها في القبح، وآمنوا بما أوجب الله عليهم أجمع " إن ربك " يامحمد " من بعدها " يعني من بعد السيئة " لغفور رحيم " يعني يغفرها لهم ويسترها عليهم، لرحمته بعباده.

وقد بينا فيما مضى أن التوبة التي أجمعوا على سقوط العقاب عندها هي الندم على القبيح، والعزم على أن لايعود إلى مثله في القبح، وفي غيرها خلاف، يقال: تاب يتوب توبة و (تاب الله عليه) بمعنى وفقه المتوبة على الدعاء له، و (تاب عليه) أيضا: بمعنى قبل توبته، والتوبة طاعة يستحق بها الثواب بلاخلاف ويسقط العقاب عندها بلاخلاف، إلا أن عندنا يسقط ذلك تفضلا من الله تعالى بورود السمع بذلك وعند المعتزلة العقل يوجب ذلك.

فإن قيل كيف قال " تابوا من بعدها وآمنوا " والتوبة هي إيمان؟ قلنا عنه ثلاثة أجوبة: أحدها - تابوا من بعد المعصية وآمنوا بتلك التوبة.

الثاني - استأنفوا عمل الايمان.

الثالث - آمنوا بأن الله قابل التوبة.

وقيل: إن الاية نزلت فيمن تاب من الذين كانوا عبدوا العجل، فانهم تابوا وندموا، وأكثرهم تعبدهم الله بأن يقتلوا أنفسهم فقتل بعضهم بعضا، واستسلموا لذلك، فقتل في يوم واحد سبعون ألفا ثم رفع عنهم ذلك وقبل توبتهم.

[553]

قوله تعالى: ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الالواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون(154)

آية بلاخلاف.

معنى قوله " ولماسكت " سكن، وسمي ذلك سكوتا وإن كان الغضب لايتكلم، لانه لماكان بفورته دالا على مافي النفس من المغضوب عليه كان بمنزلة الناطق بذلك، فاذا سكنت تلك الفورة كان بمنزلة الساكت عما كان متكلما به والسكوت في هذا الموضع أحسن من السكون، لتضمنه معنى سكوته عن المعاتبة لاخيه، مع سكون غضبه.

والسكوت هوالامساك عن الكلام بهيئة منافية لسببه، وهو تسكين آلة الكلام.

وإنما قيل: سكت الغضب وسكت الحزن على طريق المجاز إلا أنه في شئ يظهر أثره، فيكون بمنزلة الناطق به، قال أبوالنجم:

وهمت الافعى بأن تسيحا *** وسكت المكاء أن يصيحا(1)

فإن قيل: كيف جاز أن يستفزه غضب الحمية عن غضب الحكمة؟ قلنا: ليس كذلك، ولكن غضب الحكمة صحبه غضب الحمية لما توجبه الحكمة.

وسكون الغضب عن موسى (ع) لايدل على أن قومه كانوا تابوا من عبادة العجل، لانه يحتمل أن تكون زالت فورة الغضب ولم يزل الغضب، لانه لم يخلص توبتهم بعد.

ويحتمل أن يكون زال غضبه لتوبتهم من كفرهم، وإذا احتمل الامران لم يحكم بأحدهما إلا بدليل.

وقوله تعالى " أخذ الالواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون " معناه أنه لماسكن غضبه رجع فأخذ الالواح التي كان ألقاها، وكان الالواح مكتوبا فيها ماهو هدى وحجة وبيان ورحمة للذين هم لربهم يرهبون بمعنى يخافون عقابه، ويجوز أن يقال: لربهم يرهبون، ولايجوز يرهبون لربهم، لانه اذا تقدم المفعول ضعف عمل الفعل فيه فصار بمنزلة مالايتعدى في دخول اللام عليه تقدم أو تأخر، كما قال تعالى " ردف لكم "(2).

___________________________________

(1) تفسير الطبري 13 / 138.

(2) سورة 27 النمل آية 72.

[554]

وفي الاية دلالة على أنه يجوز إلقاء التوراة للغضب الذي يظهر بالقائها ثم أخذها، للحكمة التي فيها من غير أن يكون إلقاؤها رغبة عنها.

قوله تعالى: واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين(155)

آية بلاخلاف.

الاختيار هو إرادة ماهو خير يقال: خيره بين أمرين فاختار أحدهما: والاختيار والايثار بمعنى واحد.

أخبر الله تعالى أن موسى (ع) اختار من قومه سبعين رجلا وحذف (من) لدلالة الفعل عليه مع ايجاز اللفظ قال الشاعر:

ومنا الذي اختير الرجال سماحة *** وجودا إذا هب الرياح والزعازع(3)

وقال غيلان:

وأنت الذي اخترت المذاهب كلها *** بوهبين إذ ردت علي الاباعر

وقال آخر:

فقلت له اخترها قلوصا سمينة *** ونابا عليها مثل نابك في الحيا(4)

يريد أختر منها، وقال العجاج:

___________________________________

(3) قائله الفرزدق.

ديوانه: 516 والنقائض 696 وسيبويه 1 / 18 واللسان .

(خير) وتفسير الطبري 13 / 155 والكامل للمبرد 1 / 21.

(4) قائله الراعي النميري. طبقات فحول الشعراء: 450 ومعاني القرآن 1 / 395 وشرح الحماسة 4 / 37 وتفسير الطبري 13 / 146.

[555]

تحت الذي اختار له الله الشجر(5) وإنما اختار اخراجهم للميقات.

والميقات المذكور - ههنا - هو الميقات المذكور أولا، لانه في سؤال الرؤية، وقد ذكر أولا ودل عليه ثانيا. وقيل هو غيره، لانه كان في التوبة من عبادة العجل.

وقوله " فلما أخذتهم الرجفة " قيل في السبب الذي، لاجله أخذتهم الرجفة قولان: أحدهما - لانهم سألوا الرؤية في قول ابن اسحاق. الثاني - قال ابن عباس: لانهم لم ينهوا عن عبادة العجل. وقد بينا معنى الرجفة فيما مضى، وأنها الزلزلة العظيمة والحركة الشديدة.

وقوله " قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي " حكاية عما قال موسى لله تعالى، وأنه ناداه، وقال يارب لو شئت أهلكتني وإياهم من قبل هذا الموقف.

وقوله " أتهلكنا بمافعل السفهاء منا " معناه النفي، وإن كان بصورة الانكار كما تقول (أتشتمني وأسكت عنك) أي لايكون ذلك، والمعنى إنك لا تهلكنا بما فعل السفهاء منا، فبهذا نسألك رفع المحنة بالاهلاك عنا.

وقوله " إن هي الا فتنتك " معناه إن الرجفة إلا اختبارك وابتلاؤك ومحنتك أي تشديدك تشديد التبعد علينا بالصبر على ماأنزلته بنا من هذه الرجفة والصاعقة اللتين جعلتهما عقابا لمن سأل الرؤية وزجرا لهم ولغيرهم، ومثله قوله " أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين "(1) يعني بذلك الامراض والاسقام التي شدد الله بها التعبد على عباده، فسمى ذلك فتنة من حيث يشدد الصبر عليها، ومثله " ألم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا

___________________________________

(5) ديوانه: 15 ومجاز القرآن 1 / 229 ومعاني القرآن 1 / 395 واللسان . (خير) وتفسير الطبري 13 / 147.

(1) سورة 9 التوبة آية 127.

[556]

آمنا وهم لايفتنون "(2) ومعناه لاينالهم شدائد الدنيا والامراض وغيرها، ويحتمل أن يكون المراد بذلك ان هي الا عذابك وقدسمى الله تعالى العذاب فتنة في قوله " يوم هم على النار يفتنون "(3) أي يعذبون، فكأنه قال ليس هذا الاهلاك إلا عذابك لهم بما فعلوه من الكفر وعبادة العجل، وسؤالهم الرؤية، وغير ذلك.

والسبعون الذين كانوا معه وإن لم يعبدوا العجل، فقد كانوا سألوا موسى أن يسأل الله تعالى ان يريه نفسه، ليخبروا بذلك أمته ويشهدوا له بأن الله كلمه، فإن بني اسرائيل قالوا لموسي: لا نصدقك على قولك إن الله كلمك من الشجرة، فاختار السبعين حتى سمعوا كلام الله، وشهدوا له بذلك عند قومه، فسألوا أن يسأل الله الرؤية أيضا ليشهدوا له، فلذلك استحقوا الاهلاك ولم يثبت أن السبعين كانوا معصومين، ولاأنهم كانوا أنبياء، فينتفى عنهم ذلك.

وقيل المراد بقوله " أتهلكنا بما فعل السفهاء منا " أي أتميتنا بالرجفة التي تميتهم بها، وإن لم يكن ذلك عقوبة لنا.

والهلاك الموت، لقوله " إن أمرؤ هلك "(4) والفتنة الكشف والاختبار، قال المسيب بن علس:

إذ تستبيك بأصلتي ناعم *** قامت لتفتنه بغير قناع

أي لتكشفه وتبرزه.

وقوله " تضل بها من تشاء " معناه تضل بترك الصبر على فتنتك وترك الرضا بها من تشاء عن نيل ثوابك. ودخول جنتك، وتهدي بالرضا بها والصبر عليها من تشاء، وإنما نسب الضلال إلى الله لانهم ضلوا عند أمره وامتحانه، كما أضيفت زيادة الرجس إلى السورة في قوله " فزادتهم رجسا إلى رجسهم "(5) وإن كانوا هم الذين ازدادوا عندها.

والمعنى تختبر بالمحنة من تشاء لينتقل صاحبه عن الضلالة، وتهدي من تشاء

___________________________________

(2) سورة العنكبوت آية 1 - 2.

(3) سورة 51 الذاريات آية 13.

(4) سورة 4 النساء آية 175.

(5) سورة 9 التوبة 126.

[557]

معناه تبصره بدلالة المحنة ليثبت صاحبها على الهداية من تشاء.

وقوله " أنت ولينا ". معناه أنت ناصرنا وأولى بنا " فاغفرلنا " سؤال منه المغفرة له ولقومه.

وقوله " وارحمنا وأنت خير الغافرين " إخبار من موسى بأن الله خير الساترين على عباده والمتجاوزين لهم عن جرمهم.

قوله تعالى: واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الاخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شئ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكوة والذين هم بآياتنا يؤمنون(156)

آية بلاخلاف.

هذا تمام الاخبار عما قال موسى وقومه الذين كانوا معه، وأنهم سألوا الله تعالى المغفرة وأن يكتب لهم في هذه الدنيا حسنة وهي النعمة، وإنما سميت النعمة حسنة وإن كانت الحسنة اسم الطاعة لله لامرين: أحدهما أن النعمة تتقبلها النفس كما يتقبل العقل الحسنة التي هي الطاعة. والاخر - أن النعمة ثمرة الطاعة لله عزوجل، وإنما سألوا أن يكتب لهم، ولم يسألوا أن يجعل لهم، لان ماكتب من النعمة أثبت لا سيما اذا كانت الكتابة خبرا بدوام النعمة، ويقال كتب له الرزق في الديوان، فيدل على ثبوته على مرور الازمان.

" وفي الاخرة " معناه واكتب لنا في الاخرة أيضا النعمة التي هي الثواب " إنا هدنا اليك " قال ابن عباس معناه تبنا اليك، وبه قال سعيد بن جبير وابراهيم وقتادة ومجاهد. وأصله الرجوع من هاد يهود، فهو هايد اذا رجع، فمعناه رجعنا بتوبتنا اليك، والتهويد الترفق في السير والتفريج والتمكث.

وقال أبووجرة: - هدنا - بكسر الهاء من هاد يهيد، وهوشاذ، وثوب مهود أي مرقع ذكره الجبائي، وليس اليهود

[558]

مشتقا منه، بل إنما قيل يهودي، لانه نسب إلى يهوذا، لكن العرب غيرته في النسب.

وقوله " قال عذابي أصيب به من أشاء " حكاية عما أجابهم الله به من أن عذابه يصيب به من يشاؤه ممن استحقه بعصيانه.

وقيل: إنما علقه بالمشيئة ولم يعلقه بالمعصية لامرين: أحدهما - الاشعار بأن وقوعه بالمشيئة له، دون المعصية. الثاني - انه لايشأ ذلك إلا على المعصية، فأيهما ذكر دل على الاخر وعندنا أنه علقه بالمشيئة، لانه كان يجوز الغفران عقلا بلاتوبة.

وقوله " ورحمتي وسعت كل شئ " معناه إني أقدر أن أنعم على كل شئ يصح الانعام عليه، وقيل: المعنى إنها تسع كل شئ إن دخلوها، فلو دخل الجميع فيها لو سمعتهم الا أن فيهم من يمتنع منها بالضلال بأن لايدخل معه فيها، وقال ابن عباس: وهي خاصة في المؤمنين، وقال الحسن وقتادة هي عامة للبر والفاجر - في الدنيا - خاصة. وفي الاخرة للبر.

وقوله " فسأكتبها للذين يتقون " معناه إن الرحمة في الاخرة مكتوبة للذين يتقون معاصيه ويحذرون عقابه " ويؤتون الزكاة " قيل في معناه - ههنا - قولان: أحدهما - يخرجون زكاة أموالهم، فذكره، لانه من أشق فرائضهم. الثاني - يطيعون الله ورسوله في قول ابن عباس والحسن ذهبا إلى ما يزكي النفس ويطهرها من الاعمال، والذين هم بآياتنا يؤمنون يعني أكتبها للذين يصدقون بآيات الله وحججه وبيناته، وليس اذاكتب الرحمة للذين يتقون منع أن يغفر للعصاة والفساق بلاتوبة، لان الذي تفيده الاية القطع على وصول الرحمة إلى المتقين، والفساق ليس ذلك بمقطوع لهم وإن كان مجوزا.

[559]

قوله تعالى: الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التورية والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهيهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون(157)

آية بلاخلاف.

قرأ " إصارهم " ابن عامر وحده على الجميع. الباقون " إصرهم " على التوحيد.

ومن وحد فلان (الاصر) مصدر يقع على الكثير والقليل بدلالة قوله تعالى " أصرهم " فأضافه إلى الكثرة.

وقال " لاتحمل علينا إصرا "(1) ومن جمع أراد ضروبا من الماصر مختلفة، فلذلك جمع.

قوله " الذين " في موضع جر، لانه صفة ل‍ (الذين) في الاية الاولى بعد صفة في قوله " فسأكتبها للذين يتقون " فذكر أن من تمام صفاتهم اتباعهم للرسول " النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل " يعني محمدا (صلى الله عليه واله). و (الامي) الذي لايكتب.

وقيل: إنه منسوب إلى الامة.

والمعنى أنه على جبلة الامة قبل استفادة الكتابة.

وقيل: إنه منسوب إلى الام، ومعناه أنه على ماولدته أمه قبل تعلم الكتابة.

وعن أبي جعفر الباقر (ع) أنه منسوب إلى مكة، وهي أم القرى.

وقيل: إنه نسب إلى العرب، لانها لم تكن تحسن الكتابة.

ومعنى " يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل " أنهم يجدون

___________________________________

(1) سورة 2 البقرة آية 286.

[560]

نعته وصفته، ولانه مكتوب في التوراة (أتانا الله من سينا وأشرف من ساعير، واستعلن من جبال فاران) وفيها سأقيم لهم نبيا من إخوتهم مثلك واجعل كلامي في فمه فيقول لهم كلما أوصيه به) وفيها، (وأما ابن الامة فقد باركت عليه جدا جدا وسيلد اثني عشر عظيما وأؤخره لامه عظيمة).

وفي الانجيل بشارة بالفار قليط في مواضع منها (يعطيكم فار قليط آخر يكون معكم آخر الدهر كله) وفيها أنه (اذا جاء فند أهل العلم) وفيها (أنه يدبركم بجميع الخلق، ويخبركم بالامور المزمعة ويمدحني ويشهدلي).

وقوله تعالى " يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر " صفة للنبي صلى الله عليه وآله الامي، وهو في موضع الحال، وتقديره آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، وسمي الحق (معروفا) والباطل (منكرا) لان الحق يعرف صحته العقل إذ الاعتماد في المعرفة على الصحة، وينكر الباطل بمعنى ينكر صحته.

وقوله " ويحل لهم الطيبات " معناه يبيح لهم المستلذات الحسنة التي كانت حراما عليهم، ويحرم عليهم الخبائث يعني القبائح، وما يعافي الانفس.

وقوله " ويضع عنهم أصرهم " يعني الثقل بأمور محرمة وفي تكليفها مشقة، كتحريم العروق والغدد وتحريم السبت، وكانت كالاغلال في أعناقهم، كما يقولون هذا طوق في عنقك.

وقيل: ماامتحن به بنو اسرائيل من قبل نفوسهم، وقرض مايصيبه البول من أجسادهم وإلتزام للمكاره في كل شئ يخالفون الله فيه.

وقوله " فالذين آمنوا به " يعني صدقوا بهذا النبي " وعزروه " يعني عظموه بمنعهم كل من أراد كيده، وأصله المنع، ومنه تعزير الجاني وهو منعه بتأديبه من العود، وقال قوم: عزرته معناه رددته، وقال آخرون: معناه أعنته.

وقال بعضهم معناه نصرته.

وقال آخرون: منعته ونصرته.

وقوله " واتبعوا النور الذي أنزل معه " يعني القرآن سماه نورا لانه يهتدى به كما يهتدى بالنور. واخبر عنهم بأن من فعل ماقلناه فأولئك هم المفلحون الفائزون بثواب ربهم تم.

 




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (90)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (4)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (7)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 192

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8222532

  • التاريخ : 15/12/2019 - 15:55

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net