00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة الانعام من ( آية 106 ـ 129) 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن (الجزء الرابع)   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

قوله تعالى: إتبع ما أوحي إليك من ربك لاإله إلا هو وأعرض عن المشركين(106)

آية بلاخلاف.

أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يتبع ماأوحي اليه من ربه، والاتباع هو أن يتصرف الثاني بتصريف الاول، والنبي صلى الله عليه وآله كان يتصرف في الدين بتصريف الوحي فلذلك كان متبعا، وكذلك كل متدبر بتدبير غيره فهو متبع له والايحاء هوالقاء المعنى إلى النفس من جهة يخفى، وانما أعاد قول " لاإله إلا هو " لان المعنى ادعهم إلى انه لاإله إلا هو، فعلى هذا ليس بتكرار، هذا قول الحسن.

وقال الجبائي: لانه بمعنى الزمه وحده.

وقال غيره: لان معناه اتبع ماأوحي اليك من أنه لااله الا هو.

وقوله " واعرض عن المشركين " أمر للنبي صلى الله عليه وآله بالاعراض عن المشركين، ولا ينافي ذلك أمره اياه بدعائهم إلى الحق وقتالهم على مخالفتهم لامرين: أحدهما - أنه أمره بالاعراض عنهم على وجه الاستجهال لهم فيما اعتقدوه من الاشراك بربهم. الثاني - قال ابن عباس: نسخ ذلك بقوله " اقتلوا المشركين "(1) وأصل الاعراض هو الانصراف بالوجه إلى جهة العرض.

والعرض خلاف الطول، ومنه (واعرضت اليمامة). أي ظهرت كالظهور بالعرض ومنه العارضة لظهور المساواة بها كالظهور بالعرض، والاعتراض المنع من الشئ بحاجز عنه عرضا ومنه العرض الذي يظهر كالظهور بالعرض ثم لايلبث. وحد أيضا بانه ما يظهر في الوجود ولايكون له لبث كلبث الجواهر.

___________________________________

(1) سورة 9 التوبة آية 6

[231]

قوله تعالى: ولو شاء الله ماأشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل(107)

آية.

ان قيل: كيف قال تعالى " ولوشاء الله ماأشركوا " والمشيئة لاتتعلق الا بفعل يصح حدوثه، ولاتتعلق بأن لايكون الشئ؟ ! قلنا: التقدير لوشاء الله ان يكونوا على غير الشرك قسرا ماأشركوا فمتعلق المشيئة محذوف، فمراد هذه المشيئة حالهم التي تنافى الشرك قسرا بالاقتطاع عن الشرك عجزا اومنعا أو الجاء. وانما لايشاء الله هذه الحال لانها تنافي التكليف. وانما لم يمنع العاصي من المعصية لانه انما اتى بها من قبل نفسه، والله تعالى فعل به جميع مافعل بالمطيع من ازاحة العلة، فاذا لم يطع وعصى كانت الحجة عليه.

وربما كان في بقائه لطف للمؤمن فيجب تبقيته وليس لاحد ان يقول الاية دالة على انه تعالى لم يرد هدايتهم لانه لو أراد ذلك لاهتدوا، وذلك أنه لولم يرد أن يهتدوا لم يكونوا عصاة بمخالفة الاهتداء، لان المعاصي هوالذي خالف ماأريد منه ولما صح أمرهم أيضا بالاهتداء.

والفرق بين الحفيظ والوكيل هو أن الحفيظ يحفظهم من أن يزلوا بمنعه لهم، والوكيل القيم بأمورهم في مصالحهم لدينهم أو دنياهم حتى يلطف لهم في تناول مايجب عليهم، فليس بحفيظ في ذاك ولاوكيل في هذا، فذلك قال تعالى: انه لم يجعل نبيه حفيظا ولاجعله وكيلا عليهم، بل الله تعالى هو الرقيب الحافظ عليهم والمتكفل بأرزاقهم. وانما النبي صلى الله عليه وآله مبلغ منذر ومخوف.

وقيل: ان ذلك كان بمكة قبل أن يؤمر بالقتال.

[232]

قوله تعالى: ولاتسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون(108)

آية بلاخلاف.

قرأ الحسن ويعقوب " عدوا " بضم العين والدال وتشديد الواو. والباقون بفتح العين وبسكون الدال.

وأصل ذلك من العدوان.

و " عدوا " مخففا و " عدوا " لغتان، يقال عدا علي عدوا وعدوانا وعداء‌ا اذا ظلم مثل ضرب ضربا.

وعدا فلان على فلان أي ظلمه. والاعتداء افتعال من عدا.

فهى الله تعالى المؤمنين أن يسبوا الذين يدعون من دون الله.

والسب الذكر بالقبيح ومثله الشتم والذم وهوالطعن فيه بمعنى قبيح، كما يطعن فيه بالسنان، وأصله السبب، فهو تسبب إلى ذكره بالعيب.

والمعنى في الاية لاتخرجوا في مجادلتهم ودعائهم إلى الايمان ومحاجتهم إلى ان تسبوا مايعبدونه من دون الله، فان ذلك ليس من الحجاج في شئ، وهو أيضا يدعوهم إلى أن يعارضوكم ويسبوا الله بجهلهم وحميتهم، فأنتم اليوم غير قادرين على معاقبتهم بما يستحقون، وهم أيضا لايتقونكم، لان الدار دارهم ولم يؤذن لكم في القتال.

وكان سبب نزول الاية - في قول الحسن - أن المسلمين كانوا يسبون آلهة المشركين من الاوثان، فاذا سبوها يسب المشركون الله تعالى، فأنزل الله تعالى الاية.

وقال أبوجهل: والله يامحمد لتتركوا سب آلهتنا أو لنسبن الهك الذي بعثك، فنزلت الاية.

وفي ذلك دلالة على ان المحق يلزمه الكف عن سب السفهاء الذين يسرعون إلى سبه مقابلة له، لانه بمنزلة البعث على المعصية والمفسدة فيها.

[233]

وانما قال " يدعون من دون الله " بمعنى يعبدون، لان معناه يدعونه إلها فلما قال " من دون الله " وهو من صفة الكفار دل على هذا المعنى فحذف اختصارا.

وانما قال " من دون الله " مع انهم كانوا يشركون في العبادة بين الله وبين الاصنام لامرين: أحدهما - ان ما وجهوه من العبادة إلى الاوثان انما هو عبادة لها لا لله، وليس كالتوجه إلى القبلة عبادة لله. والثاني - أن ذلك غير معتد به، لانهم أوقعوا العبادة على خلاف الوجه المأمور به فما أطاعوا الله بحال.

وقوله " كذلك زينا لكل أمة عملهم " قيل في معناه أربعة أقوال: أحدها - قال الحسن والجبائي والطبري والرماني: انا كما أمرناكم بحسن الدعاء إلى الله تعالى وتزيين الحق في قلوب المدعوين كذلك زينا للامم المتقدمين أعمالهم التي أمرناهم بها ودعوناهم اليها بأن رغبناهم في الثواب، وحذرناهم من العقاب ويسمى مايجب على الانسان أن يعمله بأنه عمله كما يقول القائل لولده أو غلامه: اعمل عملك يريد به ماينبغي له أن يفعله، لان ماوجد وتقضى لايصح الامر بأن يفعله.

الثاني - زينا الحجة الداعية اليها والشبهة التي من كمال العقل ان يكون المكلف عليها، لانه متى لم يفعل منى الشبهة لم يكن عاقلا.

الثالث - التزيين المراد به ميل الطبع إلى الشئ فهو إلى الحسن ليفعل والى القبيح ليجتنب.

والرابع - ذكره البلخي أيضا، وهوأن المعنى ان الله زين لكل امة عملهم من تعظيم من خلقهم ورزقهم وانعم عليهم، والمحامات عنه وعداوة من عاداه طاعة له، فلما كان المشركون يظنون شركاء‌هم هم الذين يفعلون ذلك أو أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، حاموا عنهم وتعصبوا لهم وعارضوا من شتمهم بشتم من يعز عليهم، فهم لم يعدوا فيما صنعوا مازينه الله لهم في الحملة، لكن غلطوا فقصدوا بذلك من لم يجب ان يقصدوه فكفروا وضلوا.

[234]

وقوله " عدوا " نصب على المصدر، وقرئ " عدوا " والمعنى جماعة يعني أعداء وعلى هذا يكون نصبا على الحال.

قوله تعالى: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاء‌تهم آية ليومننّ بها قل إنما الآيات عند الله ومايشعركم أنها إذا جاء‌ت لايؤمنون(109)

آية.

قرأ ابن كثير وأبوعمرو ويعقوب وأبوبكر الايحيى ونصير وخلف " وما يشعركم انها " بكسر الهمزة. الباقون بفتحها.

وقرأ ابن عامر وحمزة " لاتؤمنون " بالتاء. الباقون بالياء.

و (ما) في قوله " ومايشعركم " استفهام وفاعل (يشعركم) ضمير (ما) ولا يجوز ان يكون نفيا، لان الفعل فيه يبقى بلافاعل، ولايجوز ان يكون نصبا ويكون الفاعل ضمير اسم الله، لان التقدير يصير، ومايشعركم الله انتفاء ايمانهم، وهذا ليس بصحيح، لان الله قد أعلمنا أنهم لايؤمنون بقوله " ولواننا نزلنا اليهم الملائكة. " آية(111) فالمعنى ومايدريكم ايمانهم اذاجاء‌ت الايات، فحذف المفعول، وتقديره ومايدريكم ايمانهم اذاجاء‌ت أي هم لا يؤمنون مع مجئ الاية.

ومن كسر الالف فلانه استئناف على القطع بأنهم لا يؤمنون، ولو فتحت ب‍ " يشعركم " كان عدوا لهم، ويجوز فتحها على وجهين: الاول قال الخليل: بمعنى لعلها اذا جاء‌ت لايؤمنون، كما يقول القائل: ائت السوق انك تشتري لنا شيئا معناه لعلك، قال عدي بن زيد:

أعاذل مايدريك ان منيتي *** إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد(1)

وقال درى بن الصمة:

___________________________________

(1) جمهرة اشعار العرب 103 واللسان (أنن) وتفسير الطبري 12 / 41

[235]

ذريتي أطوف في البلاد لانني *** أرى ماترين أوبخيلا مخلد(2)

وقال آخر:

هل أنتم عائجون بنالانا *** نرى العرصات أو أثر الخيام(3)

وقال الفراء: انهم يقولون: لعلك، ولعنك، ورعنك، وعلك، ورأنك، ولانك بمعنى واحد.

وقال ابوالنجم:

قلت لشيبان ادن من لقائه *** انا نغدى اليوم من شوائه(4)

الثاني - قال الفراء (لا) - ههنا - صلة كقوله " مامنعك أن لاتسجداذ أمرتك "(5) والتقدير ومايشعركم انها اذا جاء‌ت يؤمنون، والمعنى على هذا لو جاء‌ت لم يؤمنوا ومثل زيادة (لا) قول الشاعر:

أباجوده لاالنجل واستعجلت به *** نعم من فتى لايمنع الجود فاعله

بنصب النجل وجره، فمن نصب جعلها زيادة، وتقديره أبا جوده النجل ومن جره أضاف (لا) إلى (النجل) ومثله قوله تعالى " وحرام على قرية أهلكناها أنهم لايرجعون "(6) وهويحتمل أمرين: احدهما - ان تكون (لا) زائدة و (ان) في موضع رفع بأنه خبر المبتداء الذي هو (حرام) وتقديره وحرام على قرية مهلكة رجوعهم، كماقال " فلا يستطيعون توصية ولاالى أهلهم يرجعون "(7).

والثاني - أن تكون (لا) غير زائدة بل تكون متصلة بأهلكنا، والتقدير بأنهم لايرجعون أي أهلكناهم بالاستئصال، لانهم لايرجعون إلى أهليهم للاستئصال الواقع بهم.

___________________________________

(2) تفسير الطبري 3 / 78 و 12 / 42 والشعر والشعراء 210، 211 ومجاز القرآن 6 / 55 واللسان (أنن).

(3) قائلة جرير، ومجمع البيان (صيدا) 2: 348 واللسان (أنن).

(4) المعاني الكبير لابن قتيبة 393 وخزانة الاداب 3 / 951 والطبري 12 / 43.

(5) سورة 7 الاعراف آية 11.

(6) سورة 21 الانبياء آية 95.

(7) سورة 36 يس آية 50

[236]

وخبر الابتداء محذوف وتقديره حرام على قرية أهلكناها بالاستئصال بقاؤهم أو حياتهم ونحو ذلك.

من قرأ (يؤمنون) بالياء فلان قوله " وأقسموا " انمايراد به قوم مخصوصون بدلالة " ولو أننا انزلنا اليهم الملائكة. " الاية(111)، وليس كل الناس بهذا الوصف، فالمعنى ومايشعركم ايها المؤمنون لعلهم اذاجات الايات التي اقترحوها لم يؤمنوا.

ومن قرأ بالتاء فانه انصرف من الغيبة إلى الخطاب، ويكون المراد بالمخاطبين في " يؤمنون " هم القوم المقسمون الذين أخبر الله عنهم أنهم لايؤمنون، ومثله قوله " الحمدلله " ثم قال " اياك نعبد " ونحو ذلك مما ينصرف فيه إلى خطاب بعد الغيبة.

وقوله " جهد أيمانهم " أي اجتهدوا في اليمين وبالغوا فيه. والاية التي سألوا النبي صلى الله عليه وآله اظهارها قيل فيها قولان: أحدهما - انهم سألوا تحول الصفا ذهبا. الثاني - ماذكره في موضع آخر من قوله " لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا " إلى قوله " كتابا نقرؤه "(1) والمعنى ان هؤلاء الكفار أقسموا متحكمين على النبي صلى الله عليه وآله وبالغوا في أيمانهم أنهم اذا جاء‌تهم الاية التي اقترحوها ليؤمنن بها أي عندها، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول لهم: إنما الايات عند الله.

فان قيل: كيف قال " الايات عند الله " وذلك معلوم؟ ! قيل: معناه من أجل أن الايات عند الله، ليس لكم أن تتحكموا في طلبها، لانه لايجوز أن يتخلف عنكم ولاعن غيركم مافيه المصلحة في الدين لانه تعالى لايخل بذلك.

___________________________________

(1) سورة 17 الاسرى آية 90 - 94.

[237]

قوله " ومايشعركم " فيه تنبيه على موضع الحجة عليهم من أنه ليس لهم ان يدعوا مالا سبيل لهم إلى علمه.

وقال مجاهد وابن زيد: الخطاب متوجه إلى المشركين وقال الفراء وغيره: هومتوجه إلى المؤمنين، لانهم قالوا ظنا منهم أنهم لو اجيبوا إلى الايات لامنوا.

قوله تعالى: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعملون(110)

آية بلاخلاف.

أخبر الله تعالى أنه يقلب الله أفئدة هؤلاء الكفار، وأبصارهم عقوبة لهم وفي كيفية تقليبها قيل قولان: قال ابوعلي الجبائي: انه يقلبها في جهنم على لهب النار وحر الجمر، وجمع بين صفتهم في الدنيا وصفتهم في الاخرة، كما قال " هل أتاك حديث الغاشية وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية "(1) لان قوله " وجوه يومئذ خاشعة " يعني في الاخرة، و " عاملة ناصبة " في الدنيا.

الثاني - انه يقلبها بالحسرة التي تغم وتزعج النفس.

وقوله " كمالم يؤمنوا به أول مرة " قيل فيه قولان: أحدهما - أول مرة أنزلت الايات، فهم لايؤمنون ثاني مرة بما طلبوا من الايات كما لم يؤمنوا أول مرة بما أنزل من الايات، وهو قول ابن عباس وابن زيد ومجاهد. الثاني - روي أيضا عن ابن عباس يعني أول مرة في الدنيا وكذلك لو اعيدوا ثانية، كما قال تعالى " ولو ردوا لعادوا لما نهوعنه "(2) والكاف في قوله " كمالم يؤمنوا به أول مرة " قيل فيه قولان: أحدهما - انها دخلت على محذوف كأنه قيل: فلا يؤمنون به ثاني مرة كمالو يؤمنوابه أول مرة.

___________________________________

(1) سورة 88 الغاشية آية 1 - 4.

(2) سورة 6 الانعام آية 28

[238]

والثاني - انها دخلت على معنى الجزاء كما قال " وجزاء سيئة سيئة مثلها "(3).

والهاء في قوله " به " يحتمل ان تكون عائدة على القرآن وماأنزل من الايات. ويحتمل أن تكون عائدة على النبي صلى الله عليه وآله.

وقال بعضهم: انها عائدة على التقليب، لانه الحائل بينهم وبين الايمان. وهذا خطأ لانه لو حيل بينهم وبين الايمان لما كانوا مأمورين به، ولان تقليب الابصار لايمنع من الايمان كما لايمنع الاعمى عماه من الايمان.

وقوله " ونذرهم في طغيانهم يعمهون " لايدل على أنه تركهم فيه ليطغوا لانه انما أراد انه خلى بينهم وبين اختيارهم وان لم يرد منهم الطغيان، كما ان الائمة والصالحين اذا خلوا بين اليهود والنصارى في دخولهم كنائسهم لا يدل على انهم خلوهم ليكفروا.

وقال الحسين بن علي المغربي قوله " ونقلب أفئدتهم وابصارهم " معناه إنا نحيط علما بذات الصدور، وخائنة الاعين - وهو حشو بين الجملتين - وهو ان يختبر قلوبهم فيجد باطنها بخلاف الظاهر.

قوله تعالى: ولو أننا نزلنا إليهم الملئكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ماكانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون(111)

آية بلاخلاف.

قرأ ابن عامر ونافع وابوجعفر " قبلا " بكسر القاف وفتح الباء. الباقون بضمها، قال أبوزيد: يقال لقيت فلا ناقبلا وقبلا وقبلا وقبيلا ومقابلة كله بمعنى المواجهة فعلى هذا المعنى واحد في اختلاف القراء‌ات.

___________________________________

(3) سورة 42 الشورى آية 40

[239]

وقال أبوعبيدة " قبلا " أي معاينة، فعلى هذا من كسر القاف وفتح الباء أراد معناه عيانا، ومن قرأ بالضم فيهما قيل في معناه ثلاثة أقوال: احدها - قال ابن عباس وقتادة وابن زيد: معناه مقابلة.

الثاني - قال مجاهد وعبدالله بن زيد: معناه قبيلا قبيلا أي جماعة جماعة فيكون جمع قبيل، وقبيل جمع قبيلة نحو سفين وسفينة ويجمع أيضا سفنا.

الثالث - قال الفراء انه جمع قبيل بمعنى كفيل نحو رغيف ورغف لقوله " أوتأتي بالله والملائكة قبيلا(1) " أي يضمنون ذلك.

قال أبوعلى الفارسي: وهذا الوجه ضعيف لانهم اذالم يؤمنوا مع انزال الملائكة عليهم وكلام الموتي لهم مع ظهوره وبهوره ومشاهدته والضرورة اليه، فألا يؤمنوا بالمقالة التي هي قول لايبهر ولايضطر أجدر، اللهم الا ان يقال موضع الاية الباهرة انه جمع القبيل الذى هو الكفيل هوحشر كل شئ، وفي الاشياء المحشورة ماينطق ومالاينطق، فاذا نطق بالكفالة من لاينطق كان ذلك موضع بهر الاية وكان ذلك قويا.

فاما اذا حملت قوله " قبلا " على جمع القبيل الذي هو الصنف، فان موضع الايات هوحشر جميع الاشياء جنسا جنسا، وليس في العادة ان يحشر جميع الاشياء إلى موضع واحد، فاذا اجتمعت كذلك كان ذلك باهرا واذا حملت " قبلا " بمعنى مواجهة فانه يكون حالا من المفعول به، والمعنى حشرناه معاينة ومواجهة، فيكون في معنى قراء‌ة نافع " قبلا " أي معاينة.

فأما قوله " العذاب قبلا " فمعناه مواجهة أو جمع قبيل. والمعنى يأتيهم العذاب صنفا صنفا.

وقيل فيمن نزلت هذه الاية قولان: احدهما - قال ابن عباس: نزلت في الكفار أهل الشقاء الذين علم الله انهم لايؤمنون على حال. الثاني - قال ابن جريج: نزلت في المستهزئين الذين سألوا الايات.

___________________________________

(1) سورة 17 الاسرى 92

[240]

أخبر الله تعالى بهذه الاية عن هؤلاء الكفار الذين سألوا الايات وعلم من حالهم أنهم لايؤمنون ولو فعل بهم مافعل حتى لو أنزل عليهم الملائكة وكلمهم الموتى بأن يحييهم الله حتى يكلموهم، وحشر عليهم كل شئ قبلا، على المعنى الذي فسرناه من ظهور خرق العادة فيه والمعجزة الباهرة فيه لم يؤمنوا لشدة عنادهم وعتوهم في كفرهم.

ثم قال " الاان يشاء الله " ومعناه احد أمرين: أحدهما - قال الحسن: إلاأن يشاء الله أن يجبرهم على الايمان بأن يمنعهم من اضداد الايمان كلها منهم الايمان. الثاني - قال أبوعلي الجبائي: الا ان يشاء الله ان يلجئهم بأن يخلق فيهم العلم الضروري بانهم ان راموا خلافه منعوا منه كما ان الانسان ملجأالى ترك قتل بعض الملوك بمثل هذاالعلم.

وانما قلنا: ذلك، لان الله تعالى قد شاء منهم الايمان على وجه الاختيار، لانه أمرهم به وكلفهم اياه، وذلك لا يتم إلا بأن يشاء منهم الايمان، ولو أراد الله من الكفار الكفر للزم أن يكونوا مطيعين اذا كفروا، لان الطاعة هي فعل ماأريد من المكلف. وللزم أيضا أن يصح أن يأمرهم. ولجاز ان يأمرنا بأن نريد منهم الكفر كما أراد هو تعالى وفي الاية دلالة على ان ارادة الله محدثة، لان الاستثناء يدل على ذلك لانها لوكانت قديمة لم يجز هذا الاستثناء، كمالايجوز ان يقول القائل: لايدخل زيد الدار الا أن يقدر الله أو الا ان يعلم الله لحصول هذه الصفات فيمالم يزل.

وقوله " ولكن اكثرهم يجهلون " انما وصف أكثرهم بالجهل مع أن الجهل يعمهم لان المعنى يجهلون انه لو أوتوا بكل آية ماآمنوا طوعا. وفي الاية دلالة على انه لو علم الله انه لو فعل بهم من الايات ما اقترحوها لامنوا أنه كان يفعل ذلك بهم وأنه يجب في حكمته ذلك، لانه لو لم يجب ذلك لما كان لهذا الاحتجاج معنى. وتعليله بأنه انما لم يظهر هذه الايات لعلمه بأنه لو

[241]

فعلها لم يؤمنوا، وذلك يبين ايضا فساد قول من يقول: يجوز ان يكون في معلوم الله مااذا فعله بالكافر آمن، لانه لوكان ذلك معلوما لفعله ولامنوا والامر بخلافه.

قوله تعالى: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك مافعلوه فذرهم ومايفترون(112)

آية.

التشبيه في قوله " وكذلك " يحتمل أن يرجع إلى أحد أمرين: أحدهما - أن يكون تقديره جعلنا لك عدوا كما جعلنا لمن قبلك من الانبياء. الثاني - جعلنا تمكين من يعادي الانبياء وتخليتنا بينهم وبين اختيارهم كتمكين غيرهم من السفهاء. وانما جعلهم اعداء على أحد معنيين: أحدهما - بأن حكم بأنهم أعداء، وهو قول ابي علي. الثاني - بأن خلى بينهم وبين اختيارهم ولم يمنعهم من العداوة.

ويجوز ان يكون المراد بذلك أن الله تعالى لما أنعم على انبيائه بضروب النعم وبعثهم إلى خلقه وشرفهم بذلك، حسدهم على ذلك خلق، وعادوهم عليه، فجاز أن يقال على مجاز القول بأن الله جعل لهم اعداء كما يقول القائل اذا أنعم على غيره بنعم جزيلة فحسده عليها قوم وعادوه لاجلها: جعلت لك أعداء. وقيل المعنى أمرنا الانبياء بمعاداتهم فكأنما جعلناهم أعداء الانبياء. وهذا القول من الله تعالى تسلية للنبي صلى الله عليه وآله في أنه أجراه مجرى غيره من الانبياء، ولايجوز على قياس ذلك أن يقول: جعلنا للكافر كفرا، لان فيه ايهاما.

وقوله " شياطين الانس والجن " قيل في معناه قولان:

[242]

أحدهما - انه أراد مردة الكفار من الفريقين الانس والجن، وهو قول الحسن وقتادة ومجاهد.

الثاني - قال السدي وعكرمة: شياطين الانس الذين يغوونهم، وشياطين الجن الذين هم من ولد ابليس.

ويحتمل نصب (عدوا) وجهين: أحدهما - على انه مفعول (جعلنا) وشياطين الانس بدل منه. الثاني - على أنه خبر (جعلنا) في الاصل ويكون هنا مفعول (جعلنا) كأنه قال جعلنا شياطين الانس والجن عدوا.

وقوله " يوحي بعضهم إلى بعض " معناه يلقي اليه بكلام خفي، وهو الدعاء والوسوسة.

وقوله " زخرف القول " معناه هو المزين يقال زخرفه زخرفة اذا زينه و " غرورا " نصب على المصدر. ثم أخبر الله تعالى أنه لو شاء ربك أن يمنعهم من ذلك ويحول بينهم وبينه لقدر على ذلك، لكن ذلك ينافي التكليف، ولوحال بينهم وبين لما فعلوه. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله أن يتركهم ومايفترون أي ومايكذبون بأن يخلي بينهم وبين ما يختارونه ولايمنعهم منه بالقهر، فان الله تعالى سيجازيهم على ذلك. وهوتهديد لهم كقوله " اعملوا ماشئتم "(1) " دون أن يكون ذلك أمرا واجبا أوندبا أو اباحة كما يقول القائل لصاحبه: دعني واياه، ويريد بذلك التهديد لاغير.

وروي عن أبي جعفر عليه السلام في معنى قوله " يوحي بعضهم إلى بعض " ان الشياطين يلقى بعضهم بعضا فيلقي اليه مايغوي به الخلق، حتى يتعلم بعضهم من بعض.

قوله تعالى: ولتصغى إليه أفئدة الذين لايؤمنون بالاخرة وليرضوه وليقترفوا ماهم مقترفون(113)

آية بلاخلاف.

___________________________________

(1) سورة 41 حم السجد (فصلت) آية 40

[243]

العامل في قوله " ولتصغى " قوله " يوحي " وهي لام الغرض وتقديره يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغرونهم ولتصغى اليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالاخرة، وتكون الهاء في قوله " اليه " عائدة إلى القول المزخرف، ولايجوز أن يكون العامل فيها جعلنا، لان الله تعالى لايجوز أن يريد منهم أن تصغى قلوبهم إلى الكفر ووحي الشياطين، اللهم الا ان يجعلها لام العاقبة كما قال " فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا "(2) غير ان هذا غير معلوم أن كل من أرادوا منه الصغو صغى، ولم يصح ذلك أيضا في قوله " وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون " لانه غير معلوم حصول جميع ذلك. وعلى ماقلناه يكون جميع ذلك معطوفا بعضه على بعض ويكون مرادا كله للشياطين.

وقال الجبائي: ان هذه لام الامر، والمراد بها التهديد، كما قال " واستفزز "(3) وقال " اعملوا ماشئتم "(4) قال لان علامة النصب والجزم تتفق في سقوط النون في قوله " وليرضوه وليقترفوا " وهذا غير صحيح، لانها لو كانت لام الامر لقال " ولتصغ بحذف الالف وماقاله انما يمكن ان يقال في قوله " وليرضوه وليقترفوا " فأما في قوله " ولتصغى " فلا يمكن، فبان بذلك أنها لام كي.

وقال الزجاج والبلخي: اللام في " ولتصغى " لام العاقبة ومابعده لام الامر الذي يراد به التهديد، وهذا جائز غير أن فيه تعسفا. ومعنى (صغا) مال و " لتصغى " أي لتميل، وهو قول ابن عباس وابن زيد، تقول: صغوت اليه أصغى صغوا وصغوا وصغيت أصغي بالياء أيضا وأصغيت اليه اصغاء بمعنى قول الشاعر:

ترى السفيه به عن كل محكمة *** زيغ وفيه إلى التشبيه اصغاء(5)

ويقال أصغيت الاناء اذا أملته لتجمع مافيه فاصله الميل لغرض من الاغراض.

___________________________________

(2) سورة 28 القصص آية 8.

(3) سورة 17 الاسرى آية 64.

(4) سورة 41 حم السجدة (فصلت) آية 40.

(5) اللسان (صغا) وتفسير القرطبي 7 / 69 وتفسير الطبري 12 / 58

[244]

وقوله " وليقترفوا " عطف على " ولتصغى " والاقتراف اكتساب الاثم، ومعناه وليكتسبوا الاثم - في قول ابن عباس وابن زيد والسدي - ويقال: خرج يقترف لاهله أي يكتسب لهم. وقارف فلان هذا الامر اذا واقعه وعمله وقرفتني بماادعيت علي أي رميتني بالريبة، وقرف القرحة أي أقشر منها، واقترف كذبا قال رؤبة:

أعيا أقتراف الكذب المقروف *** يقوي البغي وعفة العفيف(6)

وأصله اقتطاع قطعة من الشئ ولام كي تنصب باضمار (أن) مثل (حتى) غير أنها قد تظهر مع اللام، ولاتظهر مع (حتى) لان (حتى) محمولة على التأويل، ومعناها (إلى أن لمافى (حتى) من الاشتراك. وليس في اللام حمل على تأويل حرف آخر.

وقال البلخي: الاقتراف الادعاء والتهمة، يقول الرجل لغيره: أنت قرفتني أي نسبتني إلى التهم.

قوله تعالى: أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلاتكونن من الممترين(114)

آية بلاخلاف.

قرأ ابن عامر وحفص " منزل " بتشديد الزاي. الباقون بالتخفيف من شدد حمله على التكرير بدلالة قوله " تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم "(7). ومن خفف فلقوله " انا انزلناه في ليلة مباركة "(8) وماأشبهها.

امر الله تعالى نبيه أن يقول لهؤلاء الكفار الذين مضى ذكرهم " أفغير

___________________________________

(6) مجاز القرآن 1 / 205 وتفسير الطبري 12 / 59.

(7) سورة 39 الزمر آية 1، وسورة 45 الجاثية آية 1 وسورة 46 الاحقاف آية 2.

(8) سورة 44 الدخان آية 3

[245]

الله ابتغي حكما " أي أطلب سوى الله حاكما، ونصب أفغير الله بفعل مقدر يفسره (أبتغي) تقديره أأبتغي غير الله أبتغي حكما، والحكم والحاكم بمعنى واحد، الا ان الحكم هو من كان أهلا أن يتحاكم اليه فهو أمدح من الحاكم، والحاكم جار على الفعل، وقد يحكم الحاكم بغير الحق، والحكم لايقضي الا بالحق لانها صفة مدح وتعظيم.

والمعنى هل يجوز لاحد ان يعدل عن حكم الله رغبة عنه، لانه لايرضى به؟ ! أو هل يجوز مع حكم الله حكم يساويه في حكمه؟ ! وقوله " وهوالذي " يعني الله الذي " أنزل اليكم الكتاب مفصلا " وانما مدح الكتاب بأنه مفصل، لان التفصيل تبيين المعاني بما ينفي التخليط المعمي للمعنى، وينفى ايضا التداخل الذي يوجب نقصان البيان عن المراد. وانما فصل القرآن بالايات التي تفصل المعاني بعضها من بعض وتخليص الدلائل في كل فن.

وقيل: معنى (مفصلا) أي بما يفصل بين الصادق والكاذب من أمور الدين.

وقيل: فصل فيه الحرام من الحلال، والكفر من الايمان، والهدى من الضلال - في قول الحسن -.

وقوله " والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق " لا يجوز ان يكون على عمومه، لان كثيرا من أهل الكتاب، بل أكثرهم جهال لايعرفون.

وقوله: أهل الكتاب، قد يستعمل تارة بمعنى العلم، وبمعنى الاقرار أخرى، كما يقال للعلماء بالقرآن: أهل القرآن. ويقال لجميع المسلمين أهل القرآن بمعنى أنهم مقرون به.

وقوله " يعلمون أنه منزل من ربك بالحق " قيل في معناه قولان: احدهما - يعلمون ان كل مافيه بيان عن الشئ على ماهو به، فترغيبه، وترهيبه، ووعده، ووعيده، وقصصه، وأمثاله، وغير ذلك مما فيه كله بهذه الصفة والثاني - أن معنى " بالحق " البرهان الذي تقدم لهم حتى علموه به.

[246]

فان قيل كيف يصح على أصلكم في الموافاة ونفي الاحباط وصف الكفار بأنهم يعلمون الحق وذلك مما يستحق به الثواب ولاخلاف أن الكافر لا ثواب معه؟ !.

قلنا عنه جوابان: أحدهما - أن تكون الاية مخصوصة بمن آمن منهم في المستقبل، فانا نجوز أن يكونوا في الحال عالمين بالله وبأن القرآن حق ثم يظهرون الاسلام فيما بعد فيتكامل الايمان، لان الايمان لايحصل دفعة واحدة بل يحصل جزء‌ا فجزء‌ا، لان أوله العلم بحدوث الاجسام، ثم ان لها محدثا، ثم العلم بصفاته، ومايجوز عليه ومالايجوز، ثم العلم بالثواب والعقاب وما يتبعهما، وذلك يحصل في أوقات كثيرة.

والثاني - أن يكونوا علموه على وجه لايستحقون به الثواب لانهم يكونون نظروافي الادلة لا لوجه وجوب ذلك عليهم، بل لغير ذلك فحصل لهم العلم وان لم يستحقوا به ثوابا.

ويحتمل أن يكون المراد بذلك أنهم يعلمون عند أنفسهم، لانهم اذاكانوا معتقدين بصحة التوراة وأنها من عندالله، وفيها دلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وآله وهم يدعون أن اعتقادهم علم، فهم اذا على قولهم عالمون بأن القرآن منزل من ربك بالحق. ويحتمل أن يكون المراد بقوله " الذين آتيناهم الكتاب " المؤمنين المسلمين دون أهل الكتاب، ويكون المراد بالكتاب القرآن لانا قد بينا أن الله سماه كتابا بقوله " الركتاب احكمت "(1) وبقوله " هوالذي انزل عليك الكتاب "(2) فعلى هذا سقط السؤال، لان هذه صفة المؤمنين المستحقين للثواب.

وقوله " فلاتكونن من الممترين " معناه لاتكونن من الشاكين. والامتراء الشك وكذلك المرية ويكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله والمرادبه الامة. وقيل المراد بذلك " فلاتكونن من الممترين " يامحمد في أنهم يعلمون أن ذلك من ربك بالحق.

___________________________________

(1) سورة 11 هود آية 1.

(2) سورة 3 آل عمران آية 7

[247]

قوله تعالى: وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لامبدل لكلماته وهو السميع العليم(115)

آية بلاخلاف.

قرأ أهل الكوفة ويعقوب " كلمة " على التوحيد. الباقون " كلمات " جمع كلمة، والكلمة والكلمات ماذكره الله من وعده ووعيده وثوابه وعقابه، فلا تبديل فيه، ولاتغيير له كما قال " مايبدل القول لدي "(3)، وقال " لاتبديل لكلمات الله "(4) وكان التقدير، وتمت ذوات الكلمات، ولايجوز أن يعني بالكلمات الشرائع ههنا كما عنى بقوله " واذا ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهن "(5) وقوله " وصدقت بكلمات ربها "(6) لانه قال لامبدل لكلماته. والشرائع يدخلها النسخ.

وقوله " صدقا وعدلا " مصدران ينتصبان في موضع الحال من الكلمة وتقديره صادقة عادلة، وقال قوم: هما نصبا على التمييز. فمن قرأ (كلمات) فلانه لماكان جمعا في المعنى جمعه. ومن أفرد فلان الكلمة قد يعنى بها الكثرة، كما قالوا: قال زهير في كلمته، يعني في قصيدته وقال قس في كلمته، يعني خطبته، فالمفرد يفع على الكثرة فاغنى عن الجمع ومثله " وتمت كلمة ربك الحسنى على بني اسرائيل "(7).

وقيل انه أراد به بقوله " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا "(8) إلى آخر الاية فسمى هذا القصص كلمة.

وقال مجاهد في قوله " كلمة التقوى "(9) قول لاإله إلا الله. ومعنى

___________________________________

(3) سورة 50 ق آية 29.

(4) سورة 10 يونس آية 64.

(5) سورة 2 البقرة آية 124.

(6) سورة 66 التحريم آية 12.

(7) سورة 7 الاعراف آية 136.

(8) سورة 28 القصص آية 5.

(9) سورة 48 الفتح آية 26

[248]

" وتمت كلمات ربك " انها بتمامها موافقة لماتوجبه المصلحة من غير زيادة ولا نقصان. والتمام والكمال والاستيفاء نظائر. وان جميعه صدق ولاكذب فيه كما يقال: كمل فلان اذاتمت محاسنه.

وفي الاية دلالة على ان كلام الله محدث، لانه وصفه بالتمام والعدل وذلك لايكون الاحادثا. والتبديل وضع شئ مكان شئ، فلاأحد يقدر ان يضع مكان كلمة الله يناقضها به.

وقال قتادة: لامبدل لها فيما حكم به لانه وان أمكن التغيير والتبديل في اللفظ كما بدل أهل الكتاب التوراة والانجيل، فانه لايعتد بذلك، لانه لايقلبه بحق ينقضه. ويجوز أن يكون المراد بقوله " وتمت كلمات ربك " أنها أتتك شيئا بعد شئ حتى كملت.

وقوله " وهوالسميع العليم " معناه أنه على صفة يجب ان يسمع المسموعات اذا وجدت عالم بمايكون ظاهرا وباطنا، فلايظن ظان أن شيئا من ذلك يخفي عليه تعالى.

قوله تعالى: وإن تطع أكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون(116)

آية بلاخلاف.

هذا خطاب من الله لنبيه ولجميع المؤمنين انه من يطع أكثر من في الارض من الكفار ويتبع مايريدونه يضلوه عن سبيل الله، لانه كان في ذلك الوقت أكثر أهل الارض كفارا. والطاعة هي امتثال الامر واجابة ماأريد منه اذا كان المريد فوقه، والفرق بينه وبين الاجابة أن الاجابة عامة في موافقة الارادة الواقعة موقع المسألة، ولاتكون اجابة الا بأن يفعل لموافقة الدعاء بالامر، ومن أجله لايراعي فيها الرتبة.

[249]

والفرق بين الاكثر والاعظم أن الاعظم قد يوصف به واحد، ولايوصف بالاكثر واحد بحال، ولهذا يقال في الله تعالى انه عظيم وأعظم من كل شئ، ولايقال أكثر وانما يقال أكبر بمعنى أعظم.

وانما قال: ان تطعهم يضلوك، وان كانت البدأة بالاغواء منهم لامرين: احدهما - ان المطيع يبتدأ باستشعار الطاعة، فاذا كان من الداعي أمر بشئ من الاشياء كان اطاعة وصدق بأنه مطيع. والثاني - ان دعاء‌هم لايوصف بأنه اضلال لمن دعوه الا بعد الاجابة فكأنه قال: ن تجبهم تستحق الصفة بأنهم قد أضلوك، ثم أخبر تعالى عن هؤلاء الكفار انهم لايتبعون الا الظن الذي يخطئ ويصيب " وان هم الا يخرصون " ومعناه وماهم الاكاذبين.

والخرص الكذب يقال ا: خرص يخرص خرصا وخروصا وتخرص تخرصا واخترص اختراصا وأصله القطع قال الشاعر: ترى قصد المران تلقى كأنها تذرع خرصان بأيدي الشواطب(1) يعني جريدا يقطع طويلا ويتخذ منه الحصر، وهو جمع الخرص. ومنه خرص النخل يخرصه خرصا اذا جزره، والخريص الخليج ينقطع اليه الماء، والخريص حبة القرط اذا كانت منفردة، والخرص العود، لانقطاعه عن نظائره بطيب ريحه.

وقيل معنى " وان تطع أكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله " يعني في أكل الميتة، لانهم قالوا للمسلمين: أتاكلون ماقتلتم ولاتأكلون ماقتل ربكم؟ ! فهذا إضلالهم.

وقال بعضهم قوله " ان يتبعون الا الظن وان هم الا يخرصون " مثل قوله " يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا "(2) يعني المتعمدين المتردين. وفى الاية دلالة على بطلان قول أصحاب المعارف، وبطلان قولهم ان الله تعالى لايتوعد من لايعلم الحق، لان الله بين في هذه الاية أنهم يتبعون الظن ولايعرفونه، وتوعدهم على ذلك. وذلك بخلاف مذهبهم.

___________________________________

(1) قائلة قيس بن الخطيم اللسان (شطب).

(2) سورة 6 الانعام آية 112

[250]

قوله تعالى: إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين(117)

آية بلاخلاف.

خاطب الله تعالى بهذه الاية نبيه صلى الله عليه وآله وان عنى به جميع الامة انه تعالى " أعلم من يضل عن سبيله " بمعنى أعرف، والمعنى انه أعلم به ممن يعلمه، لانه يعلمه من وجوه تخفى على غيره، لانه تعالى يعلم ما كان ومايكون، وما هو كائن إلى يوم القيامة، وعلى جميع الوجوه التي يصح ان تعلم الاشياء عليها وليس كذلك غيره، لان غيره لايعلم جميع الاشياء، ومايعلمه لايعلمه من جميع وجوهه.

وأما من هو غير عالم أصلا، فلا يقال الله أعلم منه، لان لفظة أعلم تقتضي الاشتراك في العلم وزيادة لمن وصف بأنه أعلم، وهذا لا يصلح في من ليس بعالم أصلا الا مجازا، ولايصح أن يقال: هو تعالى أعلم بأن الجسم حادث من كل من يعلم كونه حادثا، لان هذا قد ذكر الوجه الذي يعلم منه وهو انه حادث، فان أريد بذلك المبالغة في الصفة، وأن هذه الصفة فيه أثبت من غيره فجاز أن يقال ذلك.

وذكروا في موضع (من) وجهين من الاعراب: قال بعضهم: موضعه نصب على حذف الباء وتقديره أعلم بمن يضل ليكون مقابلا لقوله " وهو أعلم بالمهتدين " وقال الفراء والزجاج: موضعها الرفع لانها بمعنى (أي) كقوله " لنعلم أي الحزبين "(1) وصفة (أفعل) من كذا لاتتعدى لانها غير جارية على الفعل، ولا معدولة عن الجارية كعدل ضروب عن ضارب ومنحار عن ناحر.

وقال قوم: ان (اعلم) ههنا بمعنى يعلم كما قال حاتم الطائي:

___________________________________

(1) سورة 18 الكهف آية 12

[251]

فخالفت طي من دوننا خلفا *** والله أعلم ماكنا لهم خولا(2)

وقالت الخنساء:

القوم أعلم ان جفنته *** تغدو غداة الريح أو تسري(3)

قال الرماني: هذا لايجوز لانه لا يطابق قوله " وهو أعلم بالمهتدين " فمعنى الاية ان الله تعالى أعلم بمن يملك سبيل الضلال المؤدي إلى الهلاك بالعقاب، ومن سلك سبيل الهدى المفضي به إلى النجاة والثواب.

قوله تعالى: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين(118)

آية بلا خلاف.

قيل في دخول الفاء في قوله " فكلوا " قولان: أحدهما - انه جواب لقول المشركين لماقالوا للمسلمين: أتأكلون ماقتلتم ولاتأكلون ماقتل ربكم؟ فكأنه قيل: اعرضواعن جهلكم فكلوا. والثاني - ان يكون عطفا على مادل عليه أول الكلام، كأنه قال: كونوا على الهدى فكلوا مماذكر اسم الله عليه.

وقوله " فكلوا "، وان كان لفظه لفظ الامر، فالمراد به الاباحة، لان الاكل ليس بواجب ولامندوب، اللهم الا ان يكون في الاكل استعانة على طاعة الله، فانه يكون الاكل مرغبا فيه، وربماكان واجبا، فأما مايمسك الرمق فخارج عن ذلك، لانه عند ذلك يكون الانسان ملجأ إلى تناوله. ومثل هذه الاية في لفظ الامر والمراد به الاباحة قوله " واذا حللتم فاصطادوا "(4) وقوله " فاذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض "(5) والاصطياد والانتشار مباحان بلاخلاف.

___________________________________

(2) تفسير القرطبي 7 / 72 وتفسير الطبري 12 / 66.

(3) ديوانها: 104 وتفسير الطبري 2 / 66.

(4) سورة 5 المائدة آية 3.

(5) سورة 63 الجمعة آية 10

[252]

وقوله " ماذكر اسم الله عليه " فالذكر المسنون هو قول بسم الله. وقيل كل اسم يختص الله تعالى به أو صفة مختصة كقوله بسم الله الرحمن الرحيم أو بسم القدير أو بسم القادر لنفسه أو العالم لنفسه، ومايجري مجرى ذلك. والاول مجمع على جوازه والظاهر يقتضي جوازه غيره، ولقوله " قل ادعو لله أو ادعو الرحمن أياما تدعوا فله الاسماء الحسنى ".(6)

وقوله " فكلوا مماذكراسم الله عليه " خطاب للمؤمنين وفيه دلالة على وجوب التسمية على الذبيحة، لان الظاهر يقتضي أن مالايسمى عليه لايجوز أكله بدلالة قوله " ان كنتم بآياته مؤمنين " لان هذا يقتضي مخالفة المشركين في أكلهم مالم يذكر اسم الله عليه، فأما مالم يذكر اسم الله عليه سهوا أونسيانا فانه يجوز أكله على كل حال.

والاية تدل على أن ذبائح الكفار لايجوز أكلها، لانهم لايسمون الله عليها. ومن سمى منهم لانه لايعتقد وجوب ذلك بل يعتقد ان الذي يسميه هو الذي أبدى شرع موسى أو عيسى وكذب محمد بن عبدالله، وذلك لايكون الله، فاذا هم ذاكرون اسم شيطان والاسم انما يكون المسمى مخصوص بالقصد. وذلك مفتقر إلى معرفته واعتقاده، والكفار على مذهبنا لايعرفون الله تعالى، فكيف يصح منهم تسميته تعالى؟ ! وفي ذلك دلالة واضحة على ماقلناه.

ومعنى قوله " ان كنتم بآياته مؤمنين " ان كنتم عرفتم الله وعرفتم رسوله وصحة ماأتاكم به من عندالله، وهذا التحليل عام لجميع الخلق وان خص به المؤمنين بقوله " ان كنتم بآياته مؤمنين " لان ماحلل الله للمؤمنين، فهوحلال لجميع المكلفين وماحرم عليهم حرام على الجميع.

___________________________________

(6) سورة 17 الاسرى آية 110

[253]

قوله تعالى: ومالكم ألاّ تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ماحرم عليكم إلا مااضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين(119)

آية بلا بلا خلاف.

قرأ نافع وحفص عن عاصم " وقد فصل لكم ماحرم " بفتح الفاء والصاد والحاء والراء.

وقرأ ابن كثير، وابوعمرو، وابن عامر (فصل) و (حرم) بضم الفاء والحاء.

وقرأ حمزة والكسائي وابوبكر (فصل) بفتح الفاء و (حرم) بضم الحاء.

وقرأ أهل الكوفة (ليضلون) بضم الياء وكسر الضاد.

الباقون بفتح الياء.

من ضم الفاء والحاء، فلقوله " حرمت عليكم الميتة والدم. " الاية(1) فهنا تفصيل هذا العام بقوله (حرم) وكذلك (فصل) لان هذا المفصل هو ذلك المحرم الذي حل في هذه الاية.

ومن فتحهما فلقوله " اتل ماحرم ربكم "(2) وقوله " فصلنا الايات "(3) وكذلك قوله " الذين يشهدون أن الله حرم هذا "(4) ولانه قال " ومالكم أن لاتأكلوا مماذكر أسم الله عليه وقد فصل " فينبغي أن يكون الفعل مبنيا للفاعل لتقدم ذكر اسم الله.

ومن فتح الفاء وضم الحاء، فلقوله " فصلنا الايات " وقوله " حرمت عليكم الميتة والدم " وقوله " ومالكم " خطاب للمؤمنين الذين ذكرهم في الاية الاولى ومعناه لم لاتأكلوا، وقيل بينهما فرق، لان (لم لاتفعل) أعم من حيث انه قديكون لحال يرجع، اليه وقد يكون لحال يرجع إلى غيره، فأما (مالك أن لاتفعل) فلحال يرجع اليه.

___________________________________

(1) سورة 5 المائدة آية 4.

(2) سورة 6 الانعام آية 153.

(3) سورة 6 الانعام آية 97، 98، 126.

(4) سورة 6 الانعام آية 150

[254]

وقيل في معنى (لا) في قوله (أن لاتأكلوا) قولان: احدهما - انها للجحد، وتقديره أي شئ لكم في أن لاتأكلوا، اختاره الزجاج وغيره من البصريين. والثاني - أن يكون صلة، والمعنى مامنعكم ان تأكلوا، لان (مالك ان لاتفعل) (ومالك لاتفعل) بمعنى واحد.

وقال قوم: معناه ليس لكم ان لا تأكلوا مما أمرناكم بأكله على الوصف الذي امرناكم بفعله، ويجوز حذف (في) من " مالكم الاتأكلوا " ولايجوز حذفها من مالكم في ترك الاكل لان (ان) تلزمها الصلة فهي أحق بالاستحقاق من المصدر، لان المصد - رلا تلزمه الصلد، كما حسن حذف الهاء من صلد (الذي) ولم يحسن من الصفة.

وقوله " وقد فصل لكم ماحرم عليكم " يعني ماذكره في مواضع من قوله " حرمت عليكم الميتة "(1) الاية وغيرها.

وقوله " الا ما اضطررتم اليه " معناه الا اذا خفتم على أنفسكم الهلاك من الجوع وترك التناول، فحينئذ يجوز لكم تناول ماحرمه الله في قوله " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير "(2) وماحرمه في هذه الاية. واختلفوا في مقدار ما يسوغ له حينئذ تناوله، فعندنا لايجوز له ان يتناول الامايمسك الرمق. وفي الناس من قال: يجوز له أن يشبع منه اذا اضطر اليه وان يحمل منها معه حتى يجد مايأكله.

وقال الجبائي: في الاية دلالة على أن مايكره عليه من أكل هذه الاجناس أنه يجوز له أكله، لان المكره يخاف على نفسه مثل المضطر.

ومن قرأ " ليضلون " بفتح الياء ذهب إلى ان المعنى ليضلون بأهوائهم أي يضلون باتباع أهوائهم، كماقال " واتبع هواه "(3) أي يضلون في انفسهم من غير أن يضلوا غيرهم من أتباعهم بامتناعهم من أكل ماذكر اسم الله عليه وغيرذلك.

___________________________________

(1، 2) سورة 5 المائدة آية 4.

(3) سورة 7 الاعراف آية 175، وسورة 18 الكهف آية 28 وسورة 20 طه آية 16 وسورة 28 القصص آية 50

[255]

ومن قرأ بضم الياء اراد انهم يضلون أشياعهم، فحذف المفعول به، وحذف المفعول كثير، ويقوي ذلك قوله " وماأضلنا الا المجرمون "(4) وقوله " ربنا هؤلاء أضلونا "(5).

وقوله " وان كثيرا " أوقع (ان) على النكرة، لان الكلام اذا طال احتمل ودل بعضه على بعض.

___________________________________

(4) سورة 26 الشعراء آية 99.

(5) سورة الاعراف آية 37

الآية: 120 - 139

قوله تعالى: وذروا ظاهر الاثم وباطنه إن الذين يكسبون الاثم سيجزون بما كانوا يقترفون(120)

آية بلاخلاف.

الواو في قوله " وذروا "، واو العطف ولايستعمل " وذر " لمامضى ولا " واذر " لاسم الفاعل واستغني عنه ب‍ (ترك) وانما يستعمل منه يذر و (ذر) وامثاله ومثله (يدع) لم يستعمل منه (فعل) ولا (فاعل) استغنوا أيضا ب‍ (ترك) و (تارك) وأشعروا بذلك كراهية الواو في الابتداء حتى لم يزيدوها هناك أصلا مع زيادتهم أخواتها.

والظاهر هو الكائن على وجه يمكن ادراكه.

الباطن هو الكائن على وجه يتعذر ادراكه.

أمر الله تعالى في هذه الاية بترك الاثم مع قيام الدلالة على كونه اثما، ونهى عن ارتكابه سرا وعلانية، وهو قول قتادة والربيع بن أنس ومجاهد، لان الجاهلية كانت ترى ان الزنا اذا أظهر واعلن كان فيه اثم، فاذا استسر به صاحبه لم يكن اثما - ذكره الضحاك - وقال الجبائي الظاهر أفعال الجوارح، والباطن أفعال القلوب.

وقال غيره: الظاهر الطواف بالبيت عريانا والباطن الزنا.

والاول أعم على ماقلناه - ذكره ابن زيد - وقال قوم: ظاهر الاثم الزنا، وباطنه اتخاذ الاخدان - ذكره السدي والضحاك - وقال سعيد بن جبير ظاهر الاثم امرأة الاب وباطنه الزنا.

 [256]

أمر الله تعالى باجتناب الاثم على كل حال، ثم أخبر أن الذين يكسبون الاثم يعني المعاصي والقبائح وسيجازيهم الله يوم القيامة بماكانوا يرتكبونه. وقد بينا أن معنى الاقتراف هو معنى الاكتساب. والكسب هو فعل مايجتلب به نفع إلى نفسه أو يدفع به ضرر، ولذلك يوصف الواحد منا بأنه مكتسب ولايوصف الله تعالى به، والكواسب الجوارح من الطير، لانها تكسب ما ينتفع به.

قوله تعالى: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم، وإن أطعتموهم إنكم لمشركون(121)

آية بلاخلاف.

نهى الله تعالى في هذه الاية عن أكل مالم يذكر اسم الله عليه، وذلك صريح في وجوب التسمية على الذبيحة، لانها لولم تكن واجبة، لكان ترك التسمية غير محرم لها. فأما من ترك التسمية ناسيا، فمذهبنا أنه يجوز أن تؤكل ذبيحته بعد أن يكون معتقدا لوجوبها.

وكان الحسن يقول: يجوز أن أن يأكل منها.

وقال ابن سيرين: لا يجوز أن يأكل منها. وبه قال الجبائي.

فأما اذا تركها متعمدا فعندنا لايجوز اكله بحال. وفيه خلاف بين الفقهاء فقال قوم: اذا كان تارك التسمية متعمدا من المسلمين جاز أكل ذبيحته. وقال آخرون لايجوز أكلها كما قلنا. وذلك يدل على ان مايذبحه؟؟ الكتاب لايجوز أكله، لانهم لا يعتقدون وجوب التسمية ولا يذكرونها، ومن ذكر اسم الله منهم فانما يقصد

[257]

به اسم من أبدى شرعهم، ولم يبعث محمدا صلى الله عليه وآله، بل كذبه، وذلك ليس هوالله، فلايجوز اكل ذبيحتهم. ولانهم لايعرفون الله، فلا يصح منهم القصد إلى ذكر اسمه. فأما من عدا أهل الكتابين فلا خلاف في تحريم ما يذبحونه. وليست الاية منسوخة ولاشئ منها، ومن ادعى نسخ شئ منها فعليه الدلالة.

وقال الحسن وعكرمة: نسخ منها ذبائح الذين أوتوا الكتاب بقوله " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم "(1) وعندنا ان ذلك مخصوص بالحبوب دون الذبائح.

وقال قوم: ليس أهل الكتاب داخلين في جملة من يذكر اسم الله على ذبيحته، وليس واحد من هؤلاء معنيا بالاية، فلا يحتاج إلى النسخ.

وقوله " وانه لفسق " يعني مالم يذكر اسم الله عليه أي أكله فسق. وحذف لدلالة الكلام عليه.

وقوله " وان الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم " يعني بالشياطين علماء‌هم ورؤساء‌هم المتمردين في كفرهم يوحون ويشيرون إلى أوليائهم الذين اتبعوهم من الكفار بأن يجادلوا المسلمين في استحلال الميتة.

وقال الحسن يجادلونهم بقولهم: ان ماقتل الله أولى بأن يؤكل مما قتله الناس وقال عكرمة: المراد بالشياطين مردة الكفار من مجوس فارس " إلى أوليائهم " من مشركي قريش.

وقال ابن عباس: المراد بالشياطين ههنا ابليس وجنوده بأن يوسوسوا اليهم ويوحون إلى أهل الشرك بذلك، وبه قال قتادة.

وقال قوم: الذين جادلوا بذلك كانوا قوما من اليهود جادلوا رسول الله صلى الله عليه وآله بأن ما قتله الله أولى بالاكل مما قتله الناس.

ثم قال تعالى " وان أطعتموهم " ايها المؤمنون فيما يقولونه من استحلال أكل الميتة وغيره " انكم لمشركون " لان من استحل الميتة كافر بالاجماع. ومن اكلها محرما لها مختارا، فهو فاسق

___________________________________

(1) سورة 5 المائدة آية 6

[258]

وهوقو الحسن وجماعة من المفسرين. والتقدير في قوله " انكم " فانكم، لان جواب الشرط لايكون ب‍ (أن بلافاء. وانما يكون ذلك جواب القسم. واختلفوا في ماعناه الله تعالى بقوله " ولاتأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه " فقال عطاء: ذلك يختص بذبائح كانت في الجاهلية على الا وثان كانت العرب تذبحها وقريش.

وقال ابن عباس ذلك الميتة.

وقال قوم: عنى بذلك كل ذبيحة لم يذكر اسم الله عليها. وهذا الوجه أقوى على مابيناه.

ومن حمل الاية على الميتة فقد أبعد، لان احدا من العرب ماكان يستحل الميتة. وانما ذلك مذهب قوم من المجوس، فالاية اما أن تكون مختصة بماكانت تذبح للاصنام على ما قاله عطاء، أو عامة في كل ما لم يذكر اسم الله عليه الا ماأخرجه الدليل. وقد بينا ان ذلك أعم وأولى بحمل الاية عليه.

قوله تعالى: أو من كان ميتا فاحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ماكانوا يعملون(122)

آية بلاخلاف.

قرأ أهل المدينة ويعقوب (ميتا) بالتشديد. الباقون بالتخفيف.

قال أبو عبيدة الميتة مخففة ومثقلة معناهما واحد، وانما خفف إستثقالا، قال ابن الرعلاء الغساني:

ليس من مات فاستراح بميت *** انما الميت ميت الاحياء

انما الميت من يعيش كئيبا *** كاسفا باله قليل الرجاء(1)

وقد وصف الله الكفار بأنهم أموات بقوله " أموات غير أحياء ومايشعرون أيان يبعثون "(2) وكذلك " أومن كان ميتا فاحييناه " والمعنى من كان ميتا

___________________________________

(1) مرتخريجه في 2 / 432، 84 و 3 / 428.

(2) سورة 16 النحل آية 21

[259]

بالكفر فصارحيا بالاسلام بعد الكفر، كالمصر على كفره؟ ! وقوله " وجعلنا له نورا يمشي به في الناس " يحتمل امرين: أحدهما - أن يراد به النور المذكور في قوله يسعى " نورهم بين أيديهم "(3) وقوله " يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم "(4) الثاني - أن يراد بالنور الاحكام التي يؤتاها المسلم باسلامه، لانه اذا جعل الكافر بكفره في الظلمات فالمؤمن بخلافه. ومن خفف حذف الياء الثانية المنقلبة عن الواو، أعلت بالحذف كما أعلت بالقلب اختلفوا في من نزلت هذه الاية، فقال ابن عباس والحسن وغيرهما من المفسرين: نزلت في كل مؤمن وكافر.

وقال عكرمة: نزلت في عماربن ياسر وابي جهل، وهو قوله ابي جعفر (ع).

وقال الضحاك: نزلت في عمربن الخطاب وقال الزجاج: نزلت في النبي صلى الله عليه وآله وأبي جهل.

والاول أعم فائدة، لانه يدخل فيه جميع ماقالوه.

بين الله تعالى أن " من كان ميتا " يعني كافرا " فأحييناه " يعني وفقناه للايمان، فآمن أو صادفناه مؤمنا بأن آمن، لان الاحياء بعد الاماتة - ههنا - هو الاخراج من الكفر إلى الايمان عند جميع أهل العلم: كابن عباس والحسن ومجاهد والبلخي والجبائي وغيرهم.

وقوله " وجعلنا له نورا يمشي به في الناس " يعني جعلنا له علماء، فسمى العلم نورا وحياة، والجهل ظلمة وموتا، لان العلم يهتدى به إلى الرشاد، كما يهتدى بالنور في الظلمات، وتدرك به الامور كما تدرك بالحياة. والظلمة كالجهل لانه يؤدي إلى الحيرة والهلكة، والموت كالجهل في أنه لاتدرك به حقيقة. وانما قال " كمن مثله في الظلمات " ولم يقل كمن هو في الظلمات، لان التقدير كمن مثله مثل من في الظلمات ويجوز أن يدل بأن مثله في الظلمات على أنه في الظلمات الا انه يزيد فائدة أنه ممن يضرب به المثل في ذلك.

___________________________________

(3، 4) سورة 57 الحديد آية 12 - 13

[260]

وقيل في المراد بالنور الذي يمشي به في الناس قولان: أحدهما - قال الحسن: وهو القرآنا.

وقال غيره: هوالايمان الذي لطف له به.

ووجه التشبيه في قوله " كذلك زين للكافرين " أي زين لهؤلاء الكفر، فعملوه كما زين لاولئك الايمان فعملوه، فشبهت حال هؤلاء في التزيين بحال أولئك فيه، كما قال " كل حزب بمالديهم فرحون "(1) وانما زين الله تعالى الايمان عند المؤمنين، وزين الغواة من الشياطين وغيرهم الكفر عند الكافرين وهو قول الحسن وأبي علي والرماني والبلخي وغيرهم.

وفي الاية دلالة على وجوب طلب العلم، لانه تعالى رغب فيه بأن جعله كالحياة في الادراك بها والنور في الاهتداء به.

قوله تعالى: وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها ومايمكرون إلا بأنفسهم ومايشعرن(123)

آية بلاخلاف

معنى قوله " كذلك جعلنا " أي جعلنا ذا المكرمن المجرمين، كما جعلنا ذا النور من المؤمنين، فكلما فعلنا بهؤلاء فعلنا بأولئك الا أن أولئك اهتدوا بحسن اختيارهم وهؤلاء ضلوا بسوء اختيارهم، لان كل واحدمنهما جعل بمعنى صار به كذا الا أن الاول باللطف، والثاني بالتمكين من المكر، فصار كأنه جعل كذا.

وموضع الكاف في " وكذلك " نصب بالعطف على قوله " كذلك زين للكافرين ماكانوا يعملون " والمعنى مثل ذلك الذي قصصنا عليك زين للكافرين عملهم. ومثل ذلك " جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها " وانما خص أكابر المجرمين بهذا المعنى دون الاصاغر، لانه أحسن في الاقتدار على الجميع، لان الاكابر اذا كانوا في قبضة القادر فالاصاغر بذلك أجدر.

___________________________________

(1) سورة 23 المؤمنون آية 54 وسورة 30 الروم آية 32

[261]

والاكابر جمع الاسماء، والكبر جمع الصفات تقول: كبير وأكابر ويجوز أن يكون جمع أكبر على أكابر.

وقد قالوا: الاكابرة والاصاغرة، كما قالوا: الاساورة والاحامرة قال الشاعر:

ان الاحامرة الثلاثة أهلكت *** مالي وكنت بهن قدما مولعا

الخمر واللحم السمين أحبه *** والزعفران فقد أبيت مودعا(1)

وقوله " ليمكروا فيها " اللام لام العاقبة ويسمى لام الصيرورة، كما قال " فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وجزنا "(2) وقال الشاعر:

فاقسم لو قتلوا مالكا *** لكنت لهم حية راصدة

وام سماك فلاتجزعي *** فللموت ماتلد الوالدة(3)

وليس المراد بها لام الغرض، لانه تعالى لايريد أن يمكروا، وقد قال وماخلقت الجن والانس الا ليعبدون "(4) وإرادة القبيح قبيحة. والتقدير وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليطيعوني ويمتثلوا أمري، وكان عاقبتهم أن مكروا بالمؤمنين وخدعوهم، فقال الله تعالى " ومايمكرون الا بأنفسهم " لان عقاب ذلك يحل بهم.

والمكر هو فتل الشئ إلى خلاف الرشد على وجه الحيلة في الامر.

والمكر والختل والغدر نظائر. وأصل المكر القتل.

ومنه جارية ممكورة أي مفتولة البدن.

ووجه مكر الانسان بنفسه أن وبال مكره يعود عليه، كأنه قال ومايضرون بذلك المكر الا أنفسهم، ومايشعرون انهم يمكرون بها، ولايصح أن يمكر الانسان بنفسه على الحقيقة، لانه لايصح أن يخفي عن نفسه معنى مايحتال به عليها ويصح أن يخفي ذلك عن غيره.

وفائدة الاية ان أكابر المجرمين لم يمكروا بالمؤمنين على وجه المغالبة لله، اذكأنه جعلهم ليمكروا مبالغة في انتفاء صفة المغالبة.

___________________________________

(1) قائلة الاعشى. ديوان الاعشيين: 247 واللسان " حمر " وتفسير الطبري 12 / 94 وفيه اختلاف كثير في الرواية، وقد اثبتنا مافي مخطوطة التبيان.

(2) سورة 28 القصص آية 8.

(3) مرتخريجه في 3 / 60 وسيأتي في 5 / 43.

(4) سورة 51 الذاريات آية 56.

[262]

قوله تعالى: وإذا جاء‌تهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ماأوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عندالله وعذاب شديد بماكانوا يمكرون(124)

قرأ ابن كثير وحفص رسالته على التوحيد ونصب التاء. الباقون على الجمع.

ومن وحد، فلان الرسالة تدل على القلة والكثرة لكونها مصدرا.

ومن جمع، فلما تكرر من رسل الله وتحميله اياهم رسالة بعد أخرى فاتى بلفظ الجمع.

أخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار أنه اذا جاء‌تهم آية ودلالة من عندالله تدل على توحيد الله وصدق انبيائه ورسله " قالوا لن نؤمن " اي لانصدق بها " حتى نؤتي " أي نعطى آية مثل ماأعطي رسل الله حسدا منهم للانبياء (عليهم السلام).

ثم أخبر تعالى على وجه الانكار عليهم بأنه تعالى أعلم منهم ومن جميع الخلق حيث يجعل رسالاته، لان الرسالة تابعة للمصلحة، ولايبعث الله تعالى الا من يعلم ان مصلحة الخلق تتعلق ببعثه دون من لايتعلق ذلك به. ومن يعلم انه يقوم بأعباء الرسالة دون من لايقوم بها. وتوعدهم فقال: " سيصيب الذين أجرموا " أي سينال الذين انقطعوا إلى القبيح وأقدموا عليه " صغار عندالله " والصغار الذل الذي يصغر إلى الانسان نفسه يقال: صغر يصغر صغارا وصغرا، وقيل في معنى الصغار عند الله ثلاثة اقوال: اولها - صغار أي ذلة من عندالله، ولايجوز على هذا أن يقال: زيد عند عمر بمعنى من عنده، لان حذف (من) تلبيس - ههنا -.

الثاني - قال الفراء اكتسب من ترك اتباع الحق صغارا عندالله.

الثالث - قال الزجاج يعني صغار في الاخرة، وهو أقواها، لقوله " وعذاب شديد بماكانوا يمكرون " في دار الدنيا، و " عندالله " يتعلق بقوله

[263]

" سيصيب الذين أجرموا صغار " ويجوز أن يكون متعلقا ب‍ " صغار "، وتقديره سيصيب الذين أجرموا صغار ثابت لهم عندالله.

ومعنى الاية الانكار لما طلبوا الاحتجاج عليهم فيما جهلوا، والوعيد على مافعلوا.

وقوله " رسل الله " اللام مفخمة في (الله) ولاتفخم من قوله " الله أعلم " لان ماوقع بعد فتح وضم صح تفخيمه، كقولك من الله، لانه بمنزلة تفخيم الالف مع هاتين الحركتين في نحوكامل وعالم وترك التفخيم في الثاني كماترك في الالف مع الكسرة في نحو عائد، وانما فخمت اللام في تلك المواضع تعظيم الاسم من غير اخلال بالخروج عن نظيره.

قوله تعالى: فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لايؤمنون(125)

آية بلاخلاف.

قرأ ابن كثير " ضيقا " بتخفيف الياء وسكونها - ههنا - وفي الفرقان. الباقون بتشديدها وكسرها.

وقرأ أهل المدينة وأبوبكر " حرجا " بكسر الراء. الباقون بفتحها.

وقرأ ابن كثير " يصعد " بتخفيف الصاد والعين وسكون الصاد من غير الف، ورواه أبوبكر بتشديد الصاد وألف بعدها وتخفيف العين. الباقون بتشديد الصاد والعين وفتح الصاد من غير الف.

قال ابوعلي النحوي: الضيق والضيق مثل الميت والميت في أن معناهما واحد. والياء والواو يشتركان في الحذف، وان لم تعل الياء بالقلب كما أعلت الواو به فاتبعت الياء الواو في هذا، كما اتبعتها في قولهم أيسر، قالوا في أيسار الجزور اتسر، فجعلت بمنزلة اتعد.

[264]

وقال غيره: يجوز أن يكون من ضاق الامر يضيق ضيقا.

وقد قرأه من قرأ " ولاتك في ضيق ".

ومن فتح الراء من (حرج) جعلها وصفا للمصدر، لان المصادر قدتوصف بمثل ذلك، كقولهم رجل دنف أي ذو دنف ولايكون كبطل لان اسم الفاعل في الاكثر من (فعل) انما يجئ على (فعل).

ومن كسر الراء فهو مثل دنف، وفرق.

قال ابو زيد وحرج عليه السحور والسحر: اذا أصبح قبل أن يتسحر وحرج عليه حرجا وهماواحد، وحرجت على المرأة الصلاة تحرج حرجا، وحرمت عليها الصلاة تحرم حرما بمعنى واحد، ويقال حرج فلان يحرج اذا هاب ان يتقدم على الامر أو قاتل فصبر وهوكاره.

وقال غيره: هما بمعنى واحد كالدنف والدنف، والوحد والوحد، والفرد والفرد وقيل: الحرج الاثم والحرج الضيق الشديد.

ومن قرأ " يصعد " من الصعود، فالمعنى أنه في نفوره عن الاسلام، وثقله عليه بمنزلة من تكلف مالا يطيقه، كما أن صعود السماء لايستطاع.

ومن قرأ " يصعد " بتشديد الصاد والعين بلا الف أراد يتصعد فادغم.

والمعنى كأنه يتكلف مايثقل عليه. وكأنه تكلف شيئا بعد شئ كقولك يتصرف ويتحرج وغير ذلك مما يتعاطى فيه الفعل شيئا بعد شئ ويصاعد مثل يصعد ومثل ضاعف وضعف وناعم ونعم.

والضمير في قوله " يشرح صدره للاسلام " يحتمل ان يكون راجعا إلى (من) وتقديره ان المهدي يشرح صدر نفسه، وهو جيد ويكون تقديره: من أراد الله أن يثيبه ويهديه إلى طريق الجنة فليطعه.

ومن أراد ان يعاقبه فليعصه فالارادة واقعة على فعل العبد بقلبه بالاحراج والضيق. ويقوي ذلك قوله " من كفر بالله من بعد ايمانه الامن اكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله "(1) فان الطمأنينة إلى الايمان فعلهم لامحالة، لانه ايمان. ثم نسب تعالى شرح صدورهم بالكفر اليهم.

___________________________________

(1) سورة 16 النحل آية 106

[265]

والثاني - أن يكون الضمير فيه عائدا أبدا إلى اسم الله تعالى وهو الاقوى لقوله " أفمن شرح الله صدره للاسلام " وقوله " ألم نشرح لك صدرك "(2) وكذلك يكون الضمير في قوله " يشرح صدره للاسلام " عائدا لاسم الله تعالى.

والمعنى ان الفعل مستند إلى اسم الله في اللفظ وفي المعنى للمشروح صدره، وانما نسبه إلى ضمير اسم الله لانه بقدرته كان وتوفيقه، كما قال " ومارميت اذ رميت ولكن الله رمى "(3) ويدل على ان المعنى لفاعل الايمان اسناد هذا الفعل إلى الكافر في قوله " ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله " فكما اسند الفعل إلى فاعل الكفر كذلك يكون اسناده في المعنى إلى فاعل الايمان، ومعنى شرح الصدر اتساعه للايمان أو الكفر وأنقياده له وسهولته عليه، بدلالة وصف خلاف المؤمن بخلاف الشرح الذي هواتساع.

وقوله " ومن يرد أن يصله " يعني يعاقبه أو يعدل به عن طريق الجنة يجعل صدره ضيقا حرجا كانما يفعل ما يعجز عنه ولايستطيعه لثقله عليه وتكاؤده عليه.

وقوله " يصعد " ويصاعد من المشقة وصعوبة الشئ. ومن ذلك قوله " يسلكه " عذابا صعدا "(4) وقوله " سأرهقه صعودا "(5) اي سأغشيه عذابا صعودا أي شاقا.

ومن ذلك قول عمر: مايصعدني شئ كما يصعدني خطبة النكاح أي مايشق علي مشقتها، فكان معنى يصعد يتكلف مشقة في ارتقاء صعودا.

وعلى هذا قالوا: عقبة عنوت وعنتوت، وعقبة كؤد، ولايكون السماء في هذا الموضع - على هذا القول - هي المظلة للارض لكن كما قال سيبويه: القيدود الطويل في غير سمائه يريد في غير ارتفاع صعدا، ومثله " قد نرى تقلب وجهك في السماء "(6) واما قوله " يجعل صدره ضيقا " حرجا "

___________________________________

(2) سورة 94 الانشراح آية 1.

(3) سورة 8 الانفال آية 17.

(4) سورة 72 الجن آية 17.

(5) سورة 74 المدثر آية 17.

(6) سورة 2 البقرة آية 144

[266]

فانه يحتمل امرين: احدهما - التسمية كقوله " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن اناثا "(7) اي سموهم بذلك فلذلك يسمى القلب ضيقا لمحاولته الايمان وحرجا عنه والاخر - الحكم كقولهم اجعل البصرة بغداد، وجعلت حسني قبيحا أي حكمت بذلك ولايكون هذا من الجعل الذي يراد به الخلق ولاالذي يراد به الالقاء كقولك جعلت متاعك بعضه على بعض.

وقوله " ويجعل الخبيث بعضه على بعض "(8) وقيل في معنى الهداية والاضلال في الاية قولان: احدهما أنه يريد بالهدى تسهيل السبيل إلى الاسلام بالدلائل التي يشرح بها الصدر، والاضلال تصعيب السبيل اليه بالدلائل التي يضيق بها الصدر، لان حاله أوجبت تغليظ المحنة عليه من غير أن يكون هناك مانع له ولاتدبير غيره أولى منه، وانما هو حض على الاجتهاد في طلب الحق حتى ينشرح بالدلائل الصدر، ولايضيق بدعائها إلى خلاف ماسبق من العقد، والهدى إلى ماطلبه طالب الحق، والاضلال عما طلبه طالب تاكيد الكفر.

والثاني - ان يراد بالهداية الهداية إلى الثواب وبالاضلال الاضلال عن الثواب والسلوك به إلى العقاب، ويكون التقدير من يرد الله أن يهديه للثواب في الاخرة فيشرح صدره للاسلام في الدنيا بأن يفعل له اللطف الذي يختار عنده الاسلام، ومن يرد أن يعاقبه ويعدل به عن الثواب إلى النار يجعل صدره ضيقا حرجا بما سبق من سوء اختياره الكفر جزاء على فعله ويخذله ويخلي بينه وبين مايريده من الكفر أو يحكم على قلبه بالضيق والحرج، أو يسميه بذلك على مافسرناه.

___________________________________

(7) سورة 43 الزخرف آية 19(8) سورة 8 الانفال آية 38

[267]

وهذا الاضلال لايكون الامستحقا كما أن تلك الهداية لاتكون الا مستحقة، وقد سمى الله تعالى الثواب هداية في قوله " الحمدلله الذي هدانا لهذا وماكنا لنهتدي لول أن هدانا الله "(1) وقال " والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم، سيهديهم ويصلح بالهم "(2) والهداية بعد القتل انما هي الثواب في الجنة، وقال تعالى " والذين اهتدوا زادهم هدى "(3) وقال " ومن يؤمن بالله يهدقلبه "(4) وقال يهدي به الله من اتبع رضوانه "(5) وقال " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا "(6) وكل ذلك يراد به الثواب وقد سمى العقاب ضلال في قوله " ويضل الله الظالمين "(7) وقوله " ومايضل به الا الفاسقين "(8) وهذه الجملة معنى قول أبي علي الجبائي والبلخي، والاول قول الرماني وقيل أيضا: انمايشرح قلب المؤمن بالايات والدلائل لكونه طالب للحق، ولم يفعل ذلك بالكافر لكونه طالبا لتأكيد الكفر وفي هذا الوجه حض على طلب الحق.

والحرج الضيق الشديد، وقال ابن عباس: أصله الحرجة، وهي الشجرة الملتفة بالشجر حولها، فلايصل اليها الراعي، فكذلك قلب هذا لايصل اليه خير - في قول عمر - وقال ابن عباس لايصل اليه حكمة.

وقوله " كأنما يصعد في السماء " قيل في معناه قولان: أحدهما - كأنما كلف الصعود إلى السماء بالدليل الذي يدعوه إلى خلاف مذهبه. وقال سعيدبن جبير: كأنه لايجد مسلكا الاصعدا.

والثاني - كأنما ينزع قلبه إلى السماء نبوا عن الحق بأن يتباعد في الهرب.

وفى معنى الرجس قولان: احدهما - قال مجاهد: كلما لاخير فيه.

وقال ابن زيد وغيره من أهل اللغة: هوالعذاب.

ويقال الرجس والنجس لماكان رجسا، ولقد رجس رجاسة ونجس نجاسة.

ووجه التشبيه في قوله " كذلك يجعل الله الرجس على

___________________________________

(1) سورة 7 الاعراف آية 42.

(2) سورة 47 محمد آية 4 - 5.

(3) سورة 47 محمد آية 17.

(4) سورة 64 التغاين آية 11.

(5) سورة 5 المائدة آية 18.

(6) سورة 29 العنكبوت آية 69.

(7) سورة 14 ابراهيم آية 27.

(8) سورة 2 البقرة آية 26

[268]

الذين لايؤمنون " أنه يجعل الرجس على هؤلاء كما يجعل ضيق الصدر في قلوب أولئك وان كل ذلك على وجه الاستحقاق.

ولايجوز أن يكون المراد بالاية ان الله تعالى يجعل سبب الايمان الذي يكون به الايمان، وسبب الكفر الذي يكون به الكفر، وانهما جميعا من فعل الله على مايقوله المجبرة، وذلك أن الله تعالى أنزل القرآن حجة له على عباده، لا حجة للعباد عليه، فلوكان كما قالوه لكانت الحجة عليه لاله على انه لايجوز أن يكون في كلام الله تعالى مناقضة، وقد ذكره الله تعالى في مواضع أنه هدى للكفار نحوقوله " وأما ثمود فهديناهم فاستحقوا العمى على الهدى "(1) وقال " وهديناه النجدين فلا اقتحم العقبة "(2) وقال " ومامنع الناس أن يؤمنوا اذ جاء‌هم الهدى "(3) وقال " قدجاء‌كم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها "(4) فبين بجميع ذلك انه تعالى هدى الكفار كماهدى المؤمنين، فكيف ينفي ذلك في موضع آخر، وهل ذلك الا مناقضة وكلام الله منزه عنها؟ ! ومتى حملنا الايات على ماقلناه ووفقنا بينها لم يؤد إلى المناقضة ولاالتضاد، ويقوي ذلك ان الله اخبر انه يجعل قلب الكافر ضيقا حرجا ونحن نجد كثيرا من الكفار غير ضيقي الصدر بماهم فيه من الكفر بل هم في غاية السرور والفرح بذلك، فكيف يقال ان الله تعالى ضيق صدورهم بالكفر؟ !

ولايلزمنا ذلك اذا قلنا ان الله يفعل ذلك بهم على وجه العقوبة لانه تعالى اذاكان يفعل بهم ذلك عقوبة يجوز أن يفعل بهم ذلك اذا أراد عقابهم لافي جميع الاحوال، ولايلزم ان يجدوا نفوسهم على ذلك في كل وقت. وأيضا فان سبب القبيح لايكون الا قبيحا فعلى هذا سبب الكفر يجب ان يكون قبيحا، لانه موجب له لايصلح لضده من الايمان، لانه لوصلح لذلك لم يكن سببا، والله تعالى لايفعل القبيح.

___________________________________

(1) سورة 41 حم السجدة آية 17.

(2) سورة 90 البلد آية 10 - 11.

(3) سورة 17 الاسرى آية 94 وسورة 18 الكهف آية 56.

(4) سورة 6 الانعام آية 104

[269]

وانما ذكر الله ضيق صدر الكافر، وهومما يصح ان يدعا به إلى الايمان في بعض الاحوال، كمايصح ان يدعا بانشراحه في غير تلك الحال.

ويقوي ماقلناه قوله " كذلك يجعل الله الرجس على الذين لايؤمنون " وانما أريد بذلك مايفعله بهم من العقاب والبراء‌ة واللعنة والشتم والاسماء القبيحة مع ما أعد لهم من العقاب.

وقال الحسن: معناه انه يكون مقبول الايمان منشرح الصدر، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا، ومعناه انه يثقل عليه مايدعا اليه من الايمان كانما يصعد إلى السماء، فبذلك صار ضيق الصدر عن الايمان.

" ويجعل الله الرجس " يعني رجاسة الكفر على الذين لايؤمنون.

ووجه آخر في الاية، وهو أن نحملها على التقديم والتأخير كأنه قال: من يشرح الله صدره للاسلام يرد الله أن يهديه، ومن يجعل صدره ضيقا حرجا يرد الله أن يضله.

ووجه آخروهو أن يكون الله تعالى لمادعاهم إلى الايمان وأمرهم ففعلوه انشرحت صدورهم، فنسب شرح ذلك إلى الله تعالى، ولماضاقت صدور الكفار عنددعاء الله واقامة الحجج عليهم وامره اياهم بذلك فضلوا عند ذلك، صح ان ينسب اضلالهم اليه، كما يقولون: أضل فلان بعيره اذا ضل عنه، وهو لم يرد ذلك.

واللام في قوله " للاسلام " يحتمل أمرين: احدهما - أن يكون الله تعالى هداه بالالطاف التي ينشرح بها صدره للتمسك بالاسلام والاستبصار فيه، ولايكون فعل ذلك بالكفار وان لم يخل بينهم وبين الايمان ولا منعهم منه، لانه تعالى قداعطى الكافر الصحة والسلامة والقوة، وجميع مايتمكن به من فعل ماأمره به، وانما لم يفعل بهم اللطف الذي يؤمنون عنده، لانهم لماعدلوا عن النظر في آيات الله وحججه خرجوا من أن يكون لهم لطف يختارون عنده الايمان وصاروا مخذولين، فخلى الله تعالى بينهم وبين اختيارهم، فعبر عن ذلك بأنه جعل صدر الكافر ضيقا حرجا.

[270]

والثاني - ان يكون اللام بمعنى لاجل الشئ وبسببه كما يقول القائل: انما قلت هذا الكلام لزيد ولمراعات عمرو، المعنى من أجله وبسببه، فيكون المعنى انه شرح صدره من أجل الاسلام، لانه فعل اسلاما استحق به شرح الصدر.

قوله تعالى: وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الايات لقوم يذكرون(126) لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بماكانوا يعملون(127)

آيتان بلا خلاف.

الاشارة بقوله " وهذا صراط ربك مستقيما " يمكن ان تكون إلى أحد شيئين: احدهما - ماقال ابن عباس: انه راجع إلى الاسلام. والثاني - أن تكون اشارة إلى البيان الذي في القرآن، وأضيف الصراط إلى الله في قوله " صرط ربك مستقيما " لانه لماكانت الاضافة فيه انماهي على أنه الذي نصبه ودل به، وغلب عليه الاستعمال.

ولم يجز قياسا على ذلك ان يقال: هذا طريق ربك، لانه لم تجر العادة باستعماله كما انهم استعملوا قولهم: هذا في سبيل الله، ولم يقولوا في طريق الله، لماقلناه.

وقوله " مستقيما " نصب على الحال ومعناه الذي لااعوجاج فيه.

فان قيل كيف يقال: انه مستقيم مع اختلاف وجوه الادلة؟ ! قلنا: لانها مع اختلافها يؤدي كل واحد منها إلى الحق، وكأنها طريق واحد لسلامة جميعهامن التناقض والفساد، وكلها تؤدي من تمسك بها إلى الثواب وقوله " قد فصلنا الايات " أي بيناها " لقوم يذكرون " وانما أعيد ذكر تفصيل الايات للاشعار بأن هذا الذي تقدم من الايات التي فصلها الله عز وجل للعباد.

[271]

وقوله " يذكرون " أصله يتذكرون فقلبت التاء ذالا وأدغمت الاولى في الثانية، ولم يجز قلب الذال إلى الدال كما جازفي " فهل من مدكر "(1) لانهم لما لم يجيزوا ادغام التاء في الدال، لانها أفضل منها بالجهر، قلبت إلى الدال لتعديل الحروف وليس كذلك ادغام التاء في الذال. وانماخص الايات بقوم يتذكرون لانهم المنتفعون بها وان كانت آيات لغيرهم، كما قال " هدى للمتقين " وفي الاية دلالة على بطلان قول من قال: المعارف ضرورية لانها لو كانت ضرورية لم يكن لتفصيل الايات ليتذكر بها فائدة.

وقوله " لهم دار السلام " هذه لام الاضافة وانما فتحت مع المضمر وكسرت مع الظاهر لامرين: احدهما - طلبا للتخفيف، لان الاضمار موضع تخفيف، وفتحت في الاستغاثة في (يالبكر) تشبيها بالكناية، ولانه موضع تخفيف بالترخيم وحذف التنوين. والثاني - أن اصلها الفتح، وانما كسرت مع الظاهر للفرق بينها وبين لام الابتداء.

وقيل في معنا " السلام " ههنا قولان: احدهما - قال الحسن والسدي: انه الله وداره الجنة. والثاني - قال الزجاج والجبائي: انها دار السلامة الدائمة من كل آفة وبلية.

وقوله " عند ربهم " قيل في معناه قولان: أحدهما - مضمون عند ربهم حتى يوصله اليهم. الثاني - في الاخرة يعطيهم اياه.

وقوله " وهووليهم " يعني الله. وفي معنى (الولي) قولان: احدهما - انه يتولى ايصال المنافع اليهم ودفع المضار عنهم. الثاني - ناصرهم على اعدائهم.

___________________________________

(1) سورة 54 القمر آية 15، 17، 22، 32، 40، 51

[272]

وقوله " بماكانوا يعملون " يعني جزاء باعمالهم، وهو وان كان مطلقا فالمراد بماكانوا يعملونه من الطاعات، لان من المعلوم ان مالم يكن طاعة فلا ثواب عليه. ويجوز ايضا ان يكون مقيدا لدلالة قوله " يذكرون " عليه. والموعود بهذا الوعد المتذكر لايات الله بحقها، وهو العامل بها.

قوله تعالى: ويوم يحشرهم جميعا يامعشر الجن قد استكثرتم من الانس وقال أولياؤهم من الانس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثويكم خالدين فيها إلا ماشاء الله إن ربك حكيم عليم(128)

آية بلاخلاف.

قرأ حفص وروح " ويوم يحشرهم " بالياء. الباقون بالنون.

من قرأ بالياء فلقوله " لهم دار السلام عند ربهم. ويوم يشحرهم " والنون كالياء في المعنى، ويقوي النون قوله " وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا "(1) وقوله " ونحشره يوم القيامة أعمى "(2) والذي يتعلق به (اليوم) هذا القول المضمر. والمعنى ويوم نحشرهم جميعا نقول " يامعشر الجن قد أستكثرتم من الانس " أي قد استكثرتم ممن أضللتموه من الانس بالاغواء والاضلال.

قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: معناه استكثرتم من اغوائهم واضلالهم " وقال أولياؤهم من الانس ربنا استمتع بعضنا ببعض ". وقيل في وجه الاستمتاع من بعضهم؟؟ قولان:

___________________________________

(1) سورة 18 الكهف آية 48.

(2) سورة 20 طه آية 124

[273]

احدهما - بتزيين الامورالتي يهوونها حتى يسهل عليهم فعلها. والثاني - قال الحسن وابن جريج والزجاج والفراء وغيرهم: انه اذا كان الرجل أراد ان يسافر فيخاف سلوك طريق من الجن فيقول: اعوذ بسيد هذا الوادي، ثم يسلك فلا يخاف، كما قال تعالى " وانه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا "(3) ووجه استمتاع الجن بالانس أنهم اذا اعتقدوا ان الانس يتعوذون بهم، ويعتقدون انهم ينفعونهم ويضرونهم أو أنهم يقبلون منهم إذا أغووهم كان في ذلك تعظيم لهم وسرور ونفع، ذكر ذلك الزجاج والبلخي والرماني.

وقال البلخي: ويحتمل ان يكون قوله " استمتع بعضنا ببعض " مقصورا على الانس، فكأن الانس استمتع بعضهم ببعض دون الجن.

وقوله " بلغنا أجلنا الذي أجلت لنا " قيل في معناه قولان: احدهما - قال الحسن والسدي: انه الموت. الثاني - الحشر، لان كل واحد منهما اجل في الحكم، فالموت اجل استدراك مامضى، والحشر أجل الجزاء.

وقال ابوعلي: في الاية دلالة على انه لااجل الا واحد، قال لانه لوكان له اجلان فكان اذا اقتطع دونه بأنه قتل ظلما لم يكن بلغ اجله، والاية تتضمن انهم اجمع يقولون: بلغنا اجلنا الذي اجلت لنا.

وقال الرماني وغيره من البغداديين: لاتدل على ذلك، بل لايمتنع ان يكون له أجلان: احدهما مايقع فيه الموت، والاخر ما يقع فيه الحشر، وماكان يجوز أن يعيش اليه.

وقوله " قال النار مثواكم " جواب من الله تعالى لهم بأن النار مثواهم، وهو المقام، يقال: ثوى يثوي ثواء، قال الشاعر:

لقد كان في حول ثواء ثويته *** تقضي ليانات ويسأم سائم(4)

ومعنى الاية التقريع للغواة من الجن والانس مع إعترافهم بالخطيئة في

___________________________________

(3) سورة 72 الجن آية 6.

(4) قائله الاعشى ديوانه: 56 وسيبويه 1 / 123، وتأويل مشكل القرآن: 59.

[274]

وقت لاينفعهم الندم على ماسلف، وخاصة اذا كان الجواب لهم بأن مثواهم النار " خالدين فيها " أي مؤبدين فيها، وهونصب على الحال.

وقوله " الاماشاء الله " قيل في معنى هذا الاستثناء ثلاثة اقوال: احدها - " الاماشاء الله " من الفائت قبل ذلك من الاستحقاق من وقت الحشر إلى زمان المعاقبة، وتقديره: خالدين فيها على مقادير الاستحقاق الا ماشاء الله من الفائت قبل ذلك، لان مافات يجوز اسقاطه بالعفو عنه. والفائت من الثواب لايجوز تركه، لانه بخس لحقه، ذكره الرماني والبلخي والطبري والزجاج والجبائي.

الثاني - " الاماشاء الله " من تجديد الخلود بعد احتراقهم وتصريفهم في انواع العذاب فيها، والتقدير خالدين فيها على صفة واحدة الاماشاء الله من هذه الامور.

الثالث - ماحكي عن ابن عباس، حكاه الرماني والطبري عنه أنه قال: هذه الاية توجب الوقف في جميع الكفار، فانه ذهب إلى ان وعيدهم بالقطع يدل عليه فيما بعد، وهوقوله " ان الله لايغفر ان يشرك به "(1) وقال قوم: معنى (ما) (من) وتقديره الامن شاء الله اخراجه من النار من المؤمنين الذين لهم ثواب بعد استيفاء عقابهم.

وقوله " ان ربك حكيم عليم " أي هو حكيم فيما يفعله من جزائهم. وعالم بذلك وبغيره من المعلومات لايخفى عليه شئ منها.

قوله تعالى: وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بماكانوا يكسبون(129)

آية بلاخلاف.

___________________________________

(1) سورة 4 النساء آية 47، 115.

[275]

قيل في معنى قوله " نولي بعض الظالمين بعضا " قولان: احدهما - انا نكل بعضهم إلى بعض في النصرة والمعونة في الحاجة، ولا نحول بينهم. الثاني - نجعل بعضهم يتولى القيام بأمر بعض.

وقيل في كيفية تولية الله الظالمين بعضهم بعضا أقوال:

أحدها - بأن حكم ان بعضهم يتولى بعضا فيما يعود عليه بالوبال من الاعمال التي يتفقون عليها.

الثاني - بأن يخلي بينهم وبين ما يختارونه من غير نصرة لهم.

وثالثها - ماقال قتادة: انه من الموالات والتتابع في النار، أي يدخل بعضهم عقيب بعض.

ووجه التشبيه في قوله " وكذلك " قال الرماني: اي كذلك المهل بتخلية بعضهم مع بعض للامتحان الذي معه يصح الجزاء على الاعمال، بجعل بعضهم يتولى أمر بعض للعقاب الذي يجري على الاستحقاق.

وقال الجبائي: المعنى إنا كما وكلنا هؤلاء الظالمين من الجن والانس بعضهم إلى بعض يوم القيامة وتبرأنا منهم كذلك نكل الظالمين بعضهم إلى بعض يوم القيامة ونكل الاتباع إلى المتبوعين، ونقول للاتباع قولوا للمتبوعين حتى يخلصوكم من العذاب. والغرض بذلك اعلامهم انه ليس لهم يوم القيامة ولي يدفع عنهم شيئا من العذاب.

وقال غيره: لما حكى الله تعالى مايجري بين الجن والانس من الخصام والجدال في الاخرة، قال الله لهم: النار مثواكم. ثم قال " وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا " أي كما فعلنا بهؤلاء من الجمع بينهم في النار وتولية بعضهم بعضا وجعل بعضهم أولى ببعض، نفعل مثله بالظالمين جزاء على أعمالهم.

والفرق بين (ذلك) و (ذاك) أن زيادة اللام في (ذلك) قامت مقام هاء التنبيه التي تدخل في ذاك فتقول هذاك ولاتقول هذلك. ولايجوز إمالة (ذلك) لان (ذا) بمنزلة الحرف، والاصل في الحروف ألا تمال، لان التصريف انما هو للافعال والاسماء.

[276]

وقوله " بماكانوا يكسبون " معناه بماكانوا يكسبونه من المعاصي وان مايفعله بهم من العقاب جزاء على أعمالهم القبيحة.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (90)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (4)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (7)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 192

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8213042

  • التاريخ : 11/12/2019 - 05:44

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net