00989338131045
 
 
 
 
 
 

  سورة البقرة ( من آية 197 ـ 220) 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن (الجزء الثاني)   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

قوله تعالى: ألحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزو دوا فان خير الزاد التقوى واتقون يأولي الالباب(197)

آية بلا خلاف.

القراء‌ة: قرأ ابن كثير، وأبوعمرو " فلا رفث ولافسوق " بالرفع، " ولا جدال " بالنصب. الباقون بالنصب فيهن تقدير الاية: أشهر الحج أشهر معلومات، فحذف المضاف، وأقام المضاف اليه مقامه. وأشهر الحج - عندنا - شوال، وذو القعدة، وعشر من الحجة، على ما روي عن أبي جعفر (ع) وبه قال ابن عباس، وابن عمر، وابراهيم، والشعبي، ومجاهد، والحسن، واختاره الجبائي.

وقال عطا، والربيع، وابن شهاب، وطاووس: أشهر الحج شوال، وذو العقدة، وذو الحجة.

وروي ذلك في أخبارنا، وإنما هذه أشهر الحج، لان الاحرام بالحج لايصح أن يقع إلا فيها - بلا خلاف - وعندنا - أن الاحرام بالعمرة التي يتمتع بها لا يقع أيضا إلا فيها.

ومن قال: إن جميع ذي الحجة من أشهر الحج، قال: لان جميع ذي الحجة يصح أن يقع فيه شئ من أفعال الحج، مثل صوم الثلاثة أيام، فانه يصح أن يقع في جميع ذي الحجة، وكذلك يصح أن يقع ذبح الهدي فيه.

وقال قوم: إن المعنى واحد في قول الفريقين.

وقال آخرون: هو مختلف من حيث أن الثاني معناه: أن العمرة لا ينبغي أن تكون في الاشهر الثلاثة على الكمال، لانها أشهر الحج، والاول على أنها لا ينبغي أن تكون في شهرين وعشر من الثالث،

[163]

فقد روي عن ابن عمر: ان تفصلوا بين الحج والعمرة، فتجعلوا العمرة في غير أشهر الحج، أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته. وروي ذلك عن القاسم بن محمد عن ابن شهاب عن عبدالله، وابن سيرين.

وقد بينا مذهبنا في ذلك. فان قيل كيف جمع شهرين، وعشرة أيام ثلاثة أشهر؟ قلنا: لانه قد يضاف الفعل إلى الوقت وإن وقع في بعضه. ويجوز أن يضاف الوقت اليه كذلك، كقولك: صليت صلاة يوم الجمعة، وصلاة يوم العيد وإن كانت الصلاة في بعضه.

ويقال أيضا: قدم زيديوم كذا، وخرج يوم كذاوان كان قدومه أوخروجه في بعضه، فكذلك جاز أن يقال: شهر الحج ذو الحجة، وإن كان في بعضه، وإنما يفرض فيهن الحج، بأن يحرم فيهن بالحج - بلا خلاف - أو بالعمرة التي يتمتع بها بالحج - عندنا خاصة - وفي الاحرام بالحج وافقنا فيه ابن عباس، والحسن، وقتادة.

وقال ابن عمر، ومجاهد: إنما يفرض فيهن بالتلبية.

وقال بعض المتأخرين: يفرض بالعزم على أعمال الحج.

الاعراب: ولا يجوز نصب أشهر - في العربية - على ما بيناه من المعنى من أن تقديره أشهر " الحج أشهر معلومات " أو وقت " الحج أشهر معلومات " وقد أجازوا الحج شهر ذي الحجة، لانه معرفة كما تقول العرب: المسلمون جانب، والكفار جانب بالرفع، فاذا أضافوا نصبوا، فقالوا: المسلمون جانب أرضهم، والكفار جانب بلادهم. وانما جاز ذلك، لان النكرة لما جاء‌ت على شرط الخبر: في كونه نكرة من حيث كانت الفائدة فيه، ورفعت بأنها خبر الابتداء فلا صارت معرفة، والخبر يطلب النكرة نصبت ليصح تقدير الاستقرار الذي هو نكرة كأنك قلت: الكفار مستقرون جانب بلادهم، ففائدة الاول من جانب، وفائدة الثاني في مستقر.

المعنى: وقوله تعالى: " فلا رفث " فالرفث هاهنا - عند أصحابنا - كناية عن الجماع وهو قول ابن مسعود، وقتادة. وأصله الافحاش في النطق كما قال العجاج: عن اللغا ورفث التكلم(1) وقيل الرفث بالفرج: الجماع، وباللسان: المواعدة للجماع، وبالعين: الغمز للجماع.

[164]

وقال ابن عباس، وابن عمر وعطا: المراد هاهنا: المواعدة للجماع، والتعريض للنساء به.

وقال الحسن: الجماع، والتعرض له بمواعدة أو مداعبة كله رفث.

وقوله تعالى: " ولا فسوق روى أصحابنا: أنه أراد الكذب. والاولى أن نحمله على جميع المعاصي التي نهي المحرم عنها، وبه قال ابن عمر.

وقال الحسن: المعاصي نحو القذف وشبهه، وقال ابن عباس ومجاهد وعطا: هو جميع المعاصي مثل ما قلناه. وقال بعضهم لا يجوز أن يكون المراد إلا ما نهي عنه المحرم هاهنا، مما هو حلال له في غير الاحرام، لاختصاصه بالنهي عنه وهذا غلط، لانه تخصيص للعموم بلا دليل، وقد يقول القائل: ينبغي أن تقيد لسانك في رمضان لئلايبطل صومك، فيخصه بالذكر لعظم حرمته.

وقوله: " ولا جدال فى الحج " فالذي رواه أصحابنا: أنه قول: لا والله وبلى والله صادقا، وكاذبا. وللمفسرين فيه قولان:

أحدهما - قال ابن عباس، وابن مسعود، والحسن: أنه لامراء بالسباب والاعصاب على جهة المحك، واللجاج.

الثاني - قال مجاهد والسدي: إنه لا جدال في أن الحج قد استدار(2) في ذي الحجة، لانهم كانوا ينسون الشهور فيقدمون ويؤخرون، فربما اتفق في غيره.

اللغة: وأما اشتقاقه في اللغة فالجدال والمجادلة، والمنازعة، والمشاجرة، والمخاصمة

___________________________________

(1) مر تخريجه في 2: 132.

(2) في المطبوعة (اسنداد) ومعنى اسندار: أي؟ معه كيف دار.

[165]

واحد، وتقول: جدلت الحبل أجدله وأجدله جدلا: إذا فتلته، وجادلت الرجل مجادلة وجدالا: إذا خاصمته، وتجادلا تجادلا.

وجدلته تجديلا: إذا ألقيته على الارض.

وتجدل تجدلا وانجدل انجدالا.

والجديل: زمام البعير.

والجدول: نهر صغير.

والمجدل: القصر.

والجدالة: الارض ذات الرمل الرقيق.

والاجدل: الصقر، وكل مفتول: مجدول.

وغلام جادل: إذا ترعرع واشتد.

والجديلة: شريجة الحمام.

ورجل أجدل المنكب: فيه تطأطؤ، بخلاف الاشراف من المناكب.

وأصل الباب: الفتل، والجدال: القتال.

الاعراب: ومن نصب (الثلاثة) أخرج اللفظ مخرج عموم النفي للمبالغة في معنى النفي. ومن رفع بعضا ونصب بعضا، فلاختلاف المعنى، لان الاول على معنى النهي، والثاني بمعنى الاخبار عن زمان الحج: قد استدار في ذي الحجة، فكان أحق بالنصب، لعموم النفي. فأما الاول، فقد يقع من الخاطئ، فلا يصح فيه عموم النفي. هذا قول النحويين. والصحيح أن الكل معناه النهي، وان خرج مخرج النفي، والاخبار. والمراد به النهي بلا خلاف.

المعنى: وقوله تعالى: " وما تفعلوا من خير يعلمه الله " معناه وما تفعلوا من خير يجازكم الله العالم به، لان الله عالم على كل حال، إلا أنه جعل " يعلمه " في موضع يجازيه للمبالغة في صفة العدل، لانه يعاملكم معاملة من يعلمه إذا ظهر منكم، فيجازي به، وذلك تأكيد أن الجزاء لايكون إلا بالفعل دون ما يعلم أنه يكون منهم قبل أن يفعلوه.

وقوله: " وتزودوا فان خير الزاد التقوى " قيل في معناه قولان: أحدهما - قال الحسن، وقتادة، ومجاهد: أن قوما كانوا يرمون بازوادهم، ويتسمون بالمتوكلة، فقيل لهم تزودوا من الطعام، ولا تلقوا كلكم على الناس، وخير الزاد مع ذلك التقوى.

[166]

والثاني - " تزودوا " من الاعمال الصالحات " فان خير الزاد التقوى "، فذكر ذلك في الحج، لانه أحق شئ بالاستكثار من أعمال البر فيه، والزاد: الطعام الذي يتخذ للسفر.

والمزود: وعاء يجعل فيه الزاد. وكل من انتقل بخير من عمل أو كسب، فقد تزود منه تزودا.

وقوله: " واتقون يا أولي الالباب " يعني ياذوي العقول، لان اللب العقل، وإنما سمي لبا لانه أفضل ما في الانسان. وأفضل كل شئ لبه.

قوله تعالى: ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فاذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين(198)

آية واحدة بلا خلاف.

هذه الاية فيها تصريح بالاذن في التجارة، ونحوها في حال الاحرام، لانهم كانوا يتحرجون بذلك في صدر الاسلام على قول ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وعطا، والحسن، وقتادة، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبدالله (ع).

اللغة والاعراب: والجناح هو الجرح في الدين، وهو الميل عن الطريق المستقيم، وأصله الميل - على ما مضى القول فيه -.

وقوله: " فاذا أفضتم من عرفات " يعني دفعتم من عرفه إلى المزدلفة عن اجتماع، كفيض الاناء عن امتلائه، تقول: فاض الماء يفيض فيضا: إذا انصب عن امتلاء، وأفاض إفاضة في الحديث: إذا اندفع فيه.

واستفاض الخبر إذا شاع.

والافاضة الضرب بالقداح.

وفيض الصدر بما فيه: البوح به.

والافاضة: امتلاء الحوض حتى يفيض.

ورجل فياض: جواد.

ودرع مفاضة، وفيوض إذا كانت واسعة(1).

___________________________________

(1) في المطبوعة " سا؟ " والصحيح ما أثبتناه.

[167]

وفيض البصرة: نهرها.

وأصل الباب:؟: الانصباب عن الامنا و " عرفات " صرفت وإن كان فيها التعريف، والتأنيث، لانها على حكاية الجمع، كما يجب أن يحكى المذكر إذا سمي به الجمع، ويجوز فيها ترك الصرف تشبيها بالواحد فيسقط التنوين ويسقط الاعراب كما كان في الجمع كقول امرء القيس:

تنورتها من أذرعات وأهلها *** بيثرب أدنى دارها نظر عالي(1)

والاول اختيار النحويين، وقد أجاز بعضهم فتح التاء بغيرتنوين على قياس طلحة، وأنشدوا البيت على ثلاثة أوجه (أذرعات) - منونا مكسورا - ومجرورا بلا تنوين - ومفتوحا بلا تنوين - وأنكر الزجاج الوجه الثالث.

والمشعر هو معلم المتعبد.

وقال المبرد: المشعر - بفتح الميم والعين - مكان الشعور، كالمدخل لمكان الدخول. والمشعر - بكسر الميم - الحديدة التي يشعر بها أي يعلم بها. فكسرت، لانها آلة كالمخرز، والمقطع، والمخيط.

وقال: الكسائي: لا فرق بين الفتح والكسر.

المعنى: و " المشعر الحرام " هو المزدلفة: وهو جمع بلا خلاف. وسميت عرفات عرفات، لان إبراهيم (ع) عرفها بما تقدم له من النعت لها، والوصف، على ما روي عن علي (ع) وابن عباس.

وقال عطا، والسدي، وقد روي ذلك في أخبارنا: أنها سميت بذلك، لان آدم وحواء اجتمعا فيه، فتعارفا بعد أن كانا افترقا.

وقيل: سميت عرفات لعلوه وارتفاعه، ومنه عرف الديك.

ووجه التشبيه في قوله " واذكروه كما هداكم " أن الذكر بالشكر، والثناء يجب أن يكون بحسب الانعام، والهداية في العظمة لانه يجب أن يكون الشكر

___________________________________

(1) ديوانه 140. وهو من قصيدته الرائعة المشهورة. والضمير في تنورتها عائد للمرأة التي بذكرها، وتنور النار: رآها من بعيد، جعل المرأة تضئ له كما تضي النار المشبوبة.

وأذرعات: بلد في الشام، ويثرب: مدينة الرسول " ص ".

يقول: لاح لي نورها وأنا في أذرعات وهي بيثرب ثم يقول: قرب مكانها مني نظر نظرته نحو جو السماء.

[168]

كالنعمة في عظم المنزلة كما يجب أن يكون على مقدارها لو صغرت النعمة، ولا يجوز التسوية في الشكر بين من عظمت نعمته ومن صغرت.

الاعراب: وقوله: " وإن كنتم من قبله من الضالين " معنى (إن) هاهنا المخففة من الثقيلة بدلالة دخول لام الابتداء معها، وإذا خففت لم تعمل. وجار دخولها على الاسم، والفعل، كقوله تعالى: " وإن كل لما جميع لدينا محضرون "(1). وأما " كنتم " فلا موضع لها من الاعراب، لانها بعد حرف غير عامل. وليس " لان " موضع كما ليس لها موضع في الابتداء. وأنما هذه الواو عطف جملة على جملة.

وروى جابر عن أبي جعفر (ع) قال: " لا جناح عليكم أن تبتغوا فضلا من ربكم " معناه أن تطلبوا المغفرة.

قوله تعالى: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم(199)

آية بلا خلاف.

المعنى: قيل في معنى هذه الاية قولان: أحدهما - قال ابن عباس، وعائشة، وعطا، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والسدي، والربيع، وهو المروي عن أبي جعفر (ع): أنه أمر لقريش وخلفائهم، لانهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفة، ولايفيضون منها، ويقولون: نحن أهل حرم الله لا نخرج عنه، فكانوا يقفون بجمع ويفيضون منه، دون عرفة، فأمرهم الله تعالى أن يفيضوا من عرفة بعد الوقوف بها.

والثاني - قال الضحاك، والجبائي وحكاه المبرد، لكنه اختار الاول، لانه

___________________________________

(1) سورة يس آية 32.

[169]

خطاب لجميع الحاج أن يفيضوا من حيث أفاض إبراهيم (ع) من المزدلفة. والاول إجماع، وهذا شاذ، وليس لاحد أن يقول على الوجه الاخر: كيف يقال لابراهيم وحده الناس، وذلك أن هذا جائر كما قال: " الذين قال لهم الناس "(1) وإنما كان واحدا بلا خلاف: وهو نعيم بن مسعود الاشجعي، وذلك مستعمل. وقيل إن إبراهيم لما كان إماما، كان بمنزلة الامة التي تتبع في سنة.

فان قيل: إذا كانت (ثم) للترتيب، فما معنى الترتيب هاهنا؟ قلنا: الذي رواه أصحابنا أن هاهنا تقديما، وتأخيرا. وتقديره " وليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم " " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس " " فاذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام " " واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ".

وقال قوم: المعنى " ثم أفيضوا " من المزدلفة.

والذي أجاب به المتأولون: أن قالوا: رتبت الافاضة بعد المعنى الذي دل الكلام الاول عليه، كأنه قيل: أحرموا بالحج على ما بين لكم " ثم أفيضوا " يا معشر قريش " من حيث أفاض الناس " بعد الوقوف بعرفة. وهذا قريب مما قلناه. وإنما عدل الذي تأوله على الافاضة من المزدلة، لانه رآه بعد قوله، فاذا أفضتم من عرفات، قال: فأمروا أن يفيضوا من المزدلفة بعد الوقوف بها، كما أمروا في عرفة، وقد بينا ترتيب الكلام في التأويل المختار. والاستغفار هو طلب المغفرة، كما أن الاستخبار: طلب السؤال. والمغفرة: التغطية للذنب بايجاب المثوبة.

وقيل في معنى الاستغفار قولان: أحدهما - الحض عليه في تلك المواطن الشريفة، لانها خليقة بالاجابة.

الثاني - استغفروه لما سلف من مخالفتكم في الوقوف والافاضة، كما سنه الله تعالى للناس عامة.

والفرق بين غفور وغافر أن في غفور مبالغة لكثرة المغفرة، فأما غافر، فيستحق الصفة فيه بوقوع الغفران. والعفو هو المغفرة. وقد فرق بينهما بأن العفو ترك العقاب على الذنب، والمغفرة تغطية الذنب بايجاب المثوبة. ولذلك كثرت المغفرة في صفات الله تعالى: دون صفات العباد، فلا يقال: استغفر السلطان كما يقال: استغفروا الله.

___________________________________

(1) سورة آل عمران آية 172.

[170]

الآية: 200 - 209

قوله تعالى: فاذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباء‌كم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الاخرة من خلاق(200)

آية بلا خلاف

المعنى: قوله تعالى: " فاذا قضيتم " معناه فرغتم منها. وأصل القضاء: فصل الامر على أحكام. وقد يفصل بالفراغ منه كقضاء المناسك وقد يفصل بالعمل له على تمام كقوله " فقضاهن سبع سموات في يومين "(1) وقد يفصل بالاخبار على القطع كقوله تعالى: " وقضينا إلى بني اسرائيل "(2) قد يفصل بالحكم كقضاء القاضي على وجه الالزام بالقهر. والمناسك المأمور بها هاهنا جميع أفعال الحج المتعبد بها في قول الحسن وغيره من أهل العلم - وهو الصحيح - وقال مجاهد: هي الذبائح.

وقوله " فاذكروا الله " فالذكر هو العلم.

وقيل: هو حضور المعنى للنفس بالقول أو غيره مما هو كالعلة، لحضوره بها.

وقيل: المراد به هاهنا التكبير أيام منى لانه الذكر الذي يختصه بالترغيب فيه على غيره من الاوقات.

وقيل أيضا: إنه سائر الدعاء لله تعالى في ذلك المواطن، لانه أفضل من غيره - وهو الاقوى - لانه أعم.

وقوله: " كذكركم آباء‌كم " معناه ما روي عن أبي جعفر " ع " أنهم كانوا يجتمعون، يتفاخرون بالاباء، وبمآثرهم، ويبالغون فيه.

وقوله " أو أشد ذكرا " إنما شبه الاوجب بما هو دونه في الوجوب، لامرين: أحدهما - أنه خرج على حال لاهل الجاهلية كانت معتادة: أن يذكروا آباء‌هم بأبلغ الذكر على وجه التفاخر، فقيل: اذكروا الله كالذكر الذي كنتم تذكرون به آباء‌كم في المبالغة، أو أشد ذكرا بما له عليكم من النعمة. هذا قول أنس، وأبي وائل، والحسن، وقتادة.

___________________________________

(1) سورة حم السجدة آية 12.

(2) سورة الاسراء آية: 4.

[171]

والثاني - قال عطا: أذكروه بالاستعانة به، كذكركم آباء‌كم: الصبي لابيه إذا قال: يا أباه.

والاول هو المعتمد.

الاعراب: وإنما نصب " ذكرا " ولم يخفض كما يخفض في قولهم هذا الذكر أشد ذكر، لانه فيه ضميرا منهم نظير قولك: هم أشد ذكرا، وفي أشد ضميرهم، ولو قلت مررت به أشد ذكرا لكان منصوبا على الحال فأما الذكر، فعلى التمييز.

المعنى: فان قيل الامر بالذكر هاهنا بعد قضاء المناسك أو معه؟ قيل: أجاز أبو على الوجهين، واستشهد بقولهم: إذا وقفت بعرفات فادع الله، وإذا حججت، فطف بالبيت.

والخلاق: النصيب من الخير، وأصله التقدير، فهو النصيب من الخير على وجه الاستحقاق.

قوله تعالى: ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار(201)

آية واحدة.

الاعراب: " ربنا " منصوب، لانه منادى وتقديره: يا ربنا. وإنما حذف حرف النداء، لما كان أصله تنبيه المنادى، ليقبل عليك، وكان الله عزوجل لا يغيب عنه شئ - تعالى عن ذلك -، سقط حرف النداء للاستغناء عنه. فأما يا ألله اغفرلي، فيجوز أن يخرج مخرج التنبيه للتأكيد: أن يقبل عليك برحمته، ولانك تسأله سؤال المحتاج أن ينبه على حالة، لان ذلك أبلغ في الدعاء، وأحسن في المعنى.

[172]

اللغة: والفرق بين القول والكلام: أن القول يدل على الحكاية، وليس كذلك الكلام، نحو قال: الحمد لله، فاذا أخبرت عنه بالكلام قلت تكلم بالحق، والحكاية تكون على ثلاثة أوجه: حكاية على اللفظ والمعنى، وحكاية على اللفظ فقط، وحكاية على المعنى فقط، فالاول نحو " أتوني أفرغ عليه قطرا "(1) إذا حكاه من يعرف لفظه ومعناه.

والثاني - إذا حكاه من يعرف لفظه دون معناه.

الثالث - نحو أن يقول: أتوني أفرغ عليه نحاسا، فيكون حكاه على معناه دون لفظه.

المعنى: وقوله " آتنا " معناه: أعطنا، فالاتيان الاعطاء. وأصله الاتي، والمجئ، فأتي إذا كان منه المجئ، فآتى إذا حمل غيره على المجئ، كما يقال: أتاه ما يحب، وآتاه غيره ما يحب.

والحسنة التي سألوها قيل في معناها قولان: أحدهما - قال قتادة، والجبائي، وأكثر المفسرين: إنه نعم الدنيا، ونعم الاخرة.

الثاني - قال الحسن: العبادة في الدنيا، والجنة في الاخرة، وسميت نعمة الله حسنة، لانها مما تدعو إليه الحكمة.

وقيل: الطاعة والعبادة حسنة، لانها مما يدعوا إليه العقل.

اللغة: وقوله تعالى: " وقنا عذاب النار " فالوقاء: الحاجز الذي يسلم به من الضرر. يقال وقاه يقيه وقاء، ووقاية. وتوقى هو توقية وأصل الوقاء الحجز بين الشيئين.

وأصل قنا: أوقنا مثل احملنا، فذهبت الواو لسقوطها في يقي، لوقوعها بين ياء وكسرة ثم أتبع سائر تصاريف الفعل ما لزمته العلة، وسقط ألف الوصل للاستغناء

___________________________________

(1) سورة الكهف آية: 97.

[173]

عنها بتحرك ما بعدها، وحذفت الياء، للوقف الذي هو نظير الجزم. والفائدة في الاخبار عنهم بهذا الدعاء، الاقتداء بهم فيه، لانه لما حذر من الدعاء الاول رغب في الثاني.

قوله تعالى: أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب(202)

آية بلا خلاف.

الاعراب: " أولئك " رفع بالابتداء وخبره لهم نصيب. ومعناه أولئك لهم نصيب من كسبهم باستحقاقهم الثواب عليه.

اللغة: والنصيب: الحظ، وجمعه أنصباء وأنصبة. وحد النصيب الجزء الذي يختص به البعض من خير أو شر.

والكسب: الفعل الذي يجتلب به نفع أو يدفع به ضرر.

وتقول: نصب ينصب نصبا، ونصب نصبا من التعب، وأنصبنى هذا إنصابا.

وانتصب الشئ انتصابا. وناصبه العداوة مناصبة. والنصب إقامتك الشئ. والنصب: الرفع. ونصب القوم السير: إذا رفعوه. وكل شئ رفعته، فقد نصبته، ومنه نصب الحرف، لان الصوت يرفع فيه إلى الغار الاعلى.

والنصب بتغير الحال من مرض أو تعب.

والنصب: جمع أنصاب وهي حجارة كانت تنصب في الجاهلية، ويطاف بها، ويتقرب عندها وهي التي ذكرها الله تعالى في قوله: " وما ذبح على النصب "(1) وقال: " والانصاب والازلام "(2).

وأنصاب الحرم حدوده، وهى حجارة تنصب، ليعرف بها الحرم.

___________________________________

(1) سورة المائدة آية: 4.

(2) سورة المائدة آية: 63.

[174]

ونصاب السكين، وغيره معروف، وفلان في نصاب صدق: في حسب ثابت.

والنصبة: السارية. والمنصب الذي ينصب عليه القدور. وكل شئ استقبلت به شيئا، فقد نصبته. وأصل الباب القيام.

وقوله تعالى: " والله سريع الحساب " يعني في العدل من غير حاجة إلى خط ولا عقد، لانه (عزوجل) عالم به. وإنما يحاسب العبد مظاهرة في العدل، وإحالة على ما يوجبه الفعل من خير أو شر.

والسرعة هو العمل القصير المدة. وتقول: سرع سرعة، وأسرع في المشي إسراعا، وسارع اليه مسارعة، وتسرع تسرعا، وتسارع تسارعا، وأقبل فلان في سرعان قومه أي في أوائلهم المتسرعين.

واليسروع: دويبة تكون في الرمل. وأصل الباب: السرعة.

وتقول من الحساب: حسب الحساب يحسبه حسبا، وحسب الشئ حسبانا، وحاسبه محاسبة، وحسابا، وتحاسبوا تحاسبا، واحتسب احتسابا، وأحسبني من العطاء إحسابا، وأي كفاني " وعطاء حسابا "(1) أي كافيا.

والحسبان سهام صغار. وقيل منه " ويرسل عليها حبسانا من السماء "(2). وقيل عذابا.

والمحسبة وسادة من أدم. والمحسبة غبرة مثل كدرة. وحسب الرجل مآثر آبائه. وأفعل ذلك بحسب ما أوليتنى.

وحسبي أي يكفيني " ويرزق من يشاء بغير حساب "(3) أي بغير تضييق " والشمس والقمر بحسبان "(4) أي قدر لهما مواقيت معلومة لا يعدونها.

والتحسيب: دفن الميت يجب الحجارة(5) وأصل الباب: الحساب، والحسبان: الظن، لانه كالحساب في الاعتداد به، والعمل به على بعض الوجوه.

وروي عن علي (ع) أنه قال: معناه إنه يحاسب الخلق دفعة كما يرزقهم دفعة.

___________________________________

(1) سورة النبأ آية: 36.

(2) سورة الكهف آية: 41.

(3) سورة البقرة آية: 112.

(4) سورة الرحمن آية: 5.

(5) هكذا في المطبوعة وفي لسان العرب (حسب) التحسيب دفن الميت في الحجارة

[175]

قوله تعالى: واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون(203)

آية بلا خلاف.

المعنى: هذا أمر من الله تعالى للمكفين أن يذكروا الله في الايام المعدودات: وهي أيام التشريق: ثلاثة أيام بعد النحر، وهو قول ابن عباس، والحسن ومالك.

والايام المعلومات: عشر ذي الحجة، وهو قول ابن عباس أيضا، وذكر الفراء: أن المعلومات: هي أيام التشريق، والمعدودات العشر. وفيه خلاف ذكرناه في اختلاف الفقهاء. وسميت معدودات لانها قلائل، كما قال: " وشروه بثمن بخس دراهم معدودة "(1) أي قليلة. والجمع بالالف والتاء يصلح للقليل والكثير، والقليل أغلب عليه.

وأنكر الزجاج ما يروي في قول حسان:

لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى *** وأسيافنا يقطن من نجدة دما(2)

من أنه عيب عليه، وزعم أن الخبر موضوع، وقال الالف والتاء يصلح للكثير قال الله تعالى: " وهم في الغرفات آمنون "(3) وقال: " إن المتقين في جنات وعيون "(4) وإنما احتمل هذا الجمع القليل والكثير، لان جمع السلامة على طريقة واحدة لا يتميز فيه قليل من كثير، وكان القليل أغلب عليه، لشبهه بالتثنية.

والاية تدل على وجوب التكبير في هذه الايام، وهو أن يقولوا: ألله أكبر ألله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ألله أكبر ولله الحمد.

وبه قال الحسن والجبائي، وزاد أصحابنا على هذا القدر: ألله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أولانا ورزقنا من بهيمة الانعام.

___________________________________

(1) سورة يوسف آية: 20.

(2) ديوانه: 69. الجفنات جمع جفنة وهي القصعة الكبيرة، والغر: البيض. وهذا البيت قيل ة ان حسان قد فاز به في بعض السنين بسوق عكاظ وقد أعابته الخنساء في الجفنات لانها جمع قلة وفي الغر لانه لا يدل على أن القصاعي ممتلاة طعاما، وعلى قوله: يقطرن، ولم يقل يجرين.

(3) سورة سبأ آية: 37.

(4) سورة الحجر آية: 45.

[176]

وأول التكبير - عندنا - لمن كان بمنى، عقيب الظهر من يوم النحر إلى الفجر يوم الرابع من النحر: عقيب خمسة عشرة صلاة، وفي الامصار عقيب الظهر من يوم النحر إلى عقيب الفجر يوم الثاني من التشريق: عقيب عشر صلوات، واختار الجبائي من صلاة الغداة من يوم عرفة إلى صلاة العصر آخر يوم التشريق. وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف.

وقوله تعالى: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ".

المعني في ذلك الرخصة في جواز النفر في اليوم الثاني من التشريق وإن أقام إلى النفر الاخير، وهو اليوم الثالث من التشريق، كان أفضل، فان نفر في الاول، نفر بعد الزوال إلى الغروب، فان غربت فليس له أن ينفر.

وقال الحسن إنما له أن ينفر بعد الزوال إلى وقت العصر، فان أدركته صلاة العصر، فليس له أن ينفر إلا يوم الثالث وليس للامام أن ينفر في النفر الاول، وبه قال الحسن.

وقوله تعالى: " فلا إثم عليه " قيل فيه قولان: أحدهما - لاإثم عليه لتكفير سيآته بما كان من حجه المبرور وهو معنى قول ابن مسعود. الثاني - قال الحسن: لا إثم عليه في تعجله ولا تأخره.

وإنما نفى الاثم، لئلا يتوهم ذلك متوهم في التعجل، وجاء في التأخر على مزواجة الكلام كما تقول: إن أظهرت الصدقة ، فجائز. وإن أسررتها، فجائز، والاسرار أفضل.

وقوله تعالى: " لمن اتقى " قيل فيه قولان: أحدهما - لما قال " فلا إثم عليه " دل على وعده بالثواب، فقيد ذلك بالتقوى لله تعالى، لئلا يتوهم أنه بالطاعة في النفر فقط. والثاني - أنه لا إثم عليه في تعجله إذا لم يعمل لضرب من ضروب الفساد، ولكن لاتباع إذن الله فيه.

وقالوا: معنى تجديد الامر بالتقوى هاهنا التحذير من الاتكال على ما سلف من أعمال البر في الحج، فبين أن عليهم مع ذلك ملارمة التقوى، ومجانبة المعاصي.

وروى أصحابنا: أن قوله " لمن اتقى " متعلق بالتعجل في اليومين، وتقديره " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه " " لمن اتقى " الصيد إلى انقضاء النفر الاخير

[177]

وما بقى من إحرامه، ومن لم يتقها، فلا يجوز له النفر في الاول، وهو اختيار الفراء، والمروي عن ابن عباس، وروي عن أبي عبدالله (ع) في قوله تعالى " فمن تعجل في يومين " أي من مات في هذين اليومين، فقد كفر عنه كل ذنب. ومن تأخر أي أنسئ أجله، فلا إثم عليه بعدها إذا اتقى الكبائر.

الاعراب: والعامل في اللام في قوله " لمن اتقى " قيل فيه قولان: أحدهما - ذلك " لمن اتقى " فحذف ذلك لان الكلام الاول دل على وعد للعامل.

والثاني - أن يكون العامل معنى " لا إثم عليه "، لانه قد تضمن معنى جعلناه " لمن اتقى ".

اللغة: وقوله تعالى: " واتقوا الله " معناه اجتنبوا معاصي الله، " واعلموا أنكم إليه تحشرون " أي تحققوا أنكم بعد موتكم تردون إلى الله، فيجازيكم على أعمالكم.

تقول: حشر يحشر حشرا، فالحشر: جمع القوم من كل ناحية إلى مكان.

والمحشر: مجتمعهم: هو المكان الذي يحشرون فيه، وحشرتهم السنة: إذا أجحفت بهم، لانها تضمهم من النواحي إلى المصر.

وسهم حشر: خفيف لطيف، لانه ضامر باجتماعه.

ومنه أذن حشره: لطيفة ضامرة.

وحشرات الارض: دوابها الصغار، والواحدة حشرة، لاجتماعها من كل ناحية.

ودابة حشور: إذا كان ملززة الحلق شديدة.

ورجل حشور: إذا كان عظيم البطن.

وحشرت السنان، فهو محشور: إذا رفقته وألطفته.

وأصل الباب الاجتماع.

قوله تعالى: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام(204)

آية واحدة.

قال الحسن: المعني بهذه الاية المنافق. وقال قوم: المعني: بها المرائي. وقيل: إنها نزلت في الاخنس بن شريق ذكره السدي وغيره.

[178]

اللغة: والاعجاب هو السرور بالشئ سرور العجب بما يستحسن. ومنه العجب بالنفس، والسرور بها سرور العجب من الشئ استحسانا له، وذلك إذا تعجب من شدة حسنه.

وتقول: عجب عجبا، وتعجب تعجبا، وعجبه تعجيبا، وأعجبه إعجابا، واستعجب استعجابا أي اشتد تعجبه.

والعجاب: العجيب، وأعجبني هذا: إذا كان حسنا جدا. والمعجب بنفسه أو بالشئ معروف.

وقال الازهري: العجب كل شي غير مألوف، وعجب الذنب: العظم الذي ينبت عليه شعر الذنب في المعز، ورأيت أعجوبة وأعاجيب. وأصل الباب العجب.

وقوله تعالى: " في الحياة الدنيا " أي وقت الحياة الدنيا فالحي هو من لا يستحيل، وهوعلى ماهو عليه أن يكون عالما قادرا.

وقوله: " ويشهد الله على ما في قلبه " فأصل الاشهاد: هو الاقرار بالشئ ليشهد به المقر عنده. والمراد في الاية: من يقر بالحق، ويقول: أللهم اشهد علي، وضميره على خلافه.

وقوله تعالى: " وهو ألد الخصام " يقال لده يلده لدا: إذا غلبه في الخصومة، ولده يلده: إذا أو جره في أحد خقي فمه. ولدت تلد لدا وهو شدة الخحومة. وجانبا كل شئ لديداه، فمنه لديدي الوادي.

ولديدي العنق: صفحناه.

ولده عن كذا: إذا حبسه.

والتلدد: التلفت عن تحير وأصل الباب اللديد: الجانب.

والخصام: هو المخاصمة.

تقول: خاصمة يخاصمه مخاصمة، وخصاما، وتخاصما، واختصما اختصاما، واستخصمهم استخصاما.

والخصم طرف الرواية الذي بحيال العزلاء(1) من مأخرها، وطرفها الاعلى وهو العصم.

___________________________________

(1) في المطبوعة " الدراية الذي بحبال العولاء " وهو تصحيف.

[179]

والاخصام من كل شئ جوانبه، كجوانب الخوالق الذي فيه العرى، يحمل به.

وأصل الباب الخصومة.

المعنى: ومعنى " ألد " في الاية: هو الشديد الجدل بالخصومة إلى ما يريد، قال الشاعر:

ثم أردي وبهم من تردي *** تلد أقران الخصوم اللد(1)

وقال الزجاج: الخصام جمع خصم. والمعنى هو أشد المخاصمين خصومة.

وقال غيره: هو مصدر.

ومعنى الاية أنه تعالى وصف المنافقين، فقال: " ومن الناس من يعجبك " يا محمد " قوله " في الظاهر، وباطنه بخلافه " ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام " جدل مبطل.

ومن قرأ " ويشهد الله " - بفتح الياء - معناه أنه تعالى يشهد عليه بنفاقه، وإظهاره خلاف ما يبطن.

والقراء‌ة العامة هي الاولى.

قوله تعالى: وإذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد(205)

آية واحدة.

في قوله تعالى: " وإذا تولى " ضمير عمن تقدم ذكره وهو " من يعجبك قوله في الحياة الدنيا " والتولي: هو الانحراف، والزوال عن الشئ إلى خلاف جهته.

والسعي هو الاسراع في المشي وقيل: إنه العمل، وقال الاعشى:

وسعى لكندة غير سعى مواكل *** قيس فضر عدوها وبنى لها(2)

أي عمل لها.

___________________________________

(1) معاني القرآن للفراء 1: 123 قدم البيت الثاني على الاول، واللسان " لدد " ذكر البيت الثاني فقط. ورواية اللسان " ألد " بدل " تلد ".

ورواية معاني القرآن: ألد أقران الرجال اللد وفي تفسير الطبري 4: 235 كالذي ذكره الشيخ سواء.

(2) ديوانه: 31. رقم القصيدة: 3.

[180]

وقوله: " في الارض " دخلت الالف واللام في الارض، لتعريف الجنس، لان الارض وإن كانت واحدة بعينها فلو خلق الله مثلها، لكانت أرضا، كما أن الشمس، والقمر كذلك، وفارق ذلك زيدا وعمرا - في أسماء الاعلام - وامتناع دخول الالف واللام عليهما، لان الله تعالى لو خلق مثل زيد لم يجب أن يكون زيدا، على أن الارضين السبعة كما قال تعالى: " خلق سبع سماوات ومن الارض مثلهن "(1) فعلى هذا لا يتوجه السؤال.

والافساد: هو عمل الضرر بغير استحقاق، ولا وجه من وجوه المصلحة.

والاهلاك: المعمل الذي ينفي الانتفاع.

وقوله: " ليفسد فيها " نصب باضمار (أن) ويجوز إظهارها، فتقول: لان يفسد فيها، ولا يجوز إظهارها في قوله: " ما كان الله ليذر المؤمنين "(2).

وإنما جاز حذفها في " ليفسد " لدلالة الكلام عليها مع كونها في حروف الاضافة حتى حذفت في قولهم: غلام زيد، وما أشبهه مع كثرته في الكلام، وجاز إظهارها، لانه الاصل من غير مانع في الاستعمال، وإنما امتنع في قوله: " ليذر " لما يرجع إلى المعنى، لان معناه كمعنى (ما كان زيد ليفعل) أي ما كان فاعلا، فلما تضمن غير المعنى الذي توجبه صورته لم يتصرف في لفظه، ولانه لما كان محمولا على تأويل معنى لم يذكر، حمل أيضا على تأويل لفظ لم يذكر.

والفرق بين دخول اللام فيها أن اللام دخلت في " ليفسد " على إضافة السعي إلى الفساد، على أصل الاضافة في الكلام. ودخولها في " ليذر " فانما هو لتأكيد النفي بتحقيق تعلقه بالخبر كما دخلت الباء في (ليس زيد بقائم)، لان النفي لما كان للخبر وولي حرف النفي الاسم، دخلت الباء، لتدل على اتصاله في المعنى بحرف النفي.

اللغة: والحرث: الزرع. والنسل: العقب من الولد.

___________________________________

(1) سورة الطلاق آية: 12.

(2) سورة آل عمران آية: 179.

[181]

قال الضحاك: الحرث: كل نبات، والنسل: كل ذات.

ويقال: نسل ينسل نسولا: إذا خرج، فسقط.

ومنه نسل وبر البعير أو شعر الحمار أو ريش الطائر.

النسالة: قطعة من الوبر، قال الله تعالى: " إلى ربهم ينسلون "(1) أي يسرعون، لانه إسراع الخروج بحدة.

والنسل: الولد، ما نسل بعضه من بعض. والناس نسل آدم، لخروجهم من ظهره.

والنسل والنسلان: عدو من عدو الذئب فيه اضطراب.

والنسيلة: فتيلة السراج، وأصل الباب النسول: الخروج.

وحكى الزجاج: أن الحرث: الرجال، والنسل: الاولاد.

وذكر الازهري: أن الحرث: النساء، والنسل الاولاد، لقوله تعالى: " نساؤكم حرث لكم "(2).

المعنى: وقوله تعالى: " والله لايحب الفساد " يدل على فساد قول المجبرة: إن الله تعالى يريد القبائح، لان الله تعالى نفى عن نفسه محبة الفساد. والمحبة هي الااردة، لان كل ما أحب الله أن يكون، فقد أراد أن يكون، وما لايحب أن يكون لايريد أن يكون.

ومعنى الاية: إذا خرج هذا المنافق من عندك يا محمد غضبان، عمل في الارض بما حرم الله عليه وحاول معصيته، وقطع الطريق، وأفسد النسل، والحرث على عباده. " والله لايحب الفساد ".

قوله تعالى: وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد(206)

آية بلا خلاف.

المعنى: قيل في المعني بهذه الاية قولان: أحدهما - قال ابن عباس: إنه كل منافق.

والثاني - قال السدي: إنه الاخنس بن شريق، والاتقاء طلب السلامة بما يحجز

___________________________________

(1) سورة يس آية: 51.

(2) سورة البقرة آية 223.

[182]

من المخافة، واتقاء الله إنما هو اتقاء عذابه.

وقوله: " أخذته العزة " قيل في معناه قولان: أحدهما - قال الحسن أخذته العزة إلى الاثم، كما تقول: أخذت فلانا(1) بأن يفعل: أي دعوته إلى أن يفعل(2).

ومعنى قوله: " وإذا قيل له اتقى الله أخذته العزة بالاثم " هو الاشعار بالدليل على نفاقه، لفضيحته بذلك عند المؤمنين - على ما قاله قتادة -، ويجوز أن يكون الذم له على تلك الحال القبيحة.

وقوله: " ولبئس المهاد " الوطأ. فان قيل: كيف قيل لجهنم مهاد.

قلنا عنه جوابان: أحدهما - قال الحسن: معناه القرار هاهنا، والقرار كالوطأ في الثبوت عليه.

الثاني - لانها بدل من المهاد كما قال تعالى: " فبشرهم بعذاب أليم "(3) لانه موضع البشرى بالنعيم على جهة البدل منه.

اللغة: والمهاد في اللغة: الوطأ من كل شئ تقول: مهدت الفراش تميهدا، وكل شئ وطأته فقد مهدته، وتمهد الشئ: إذا يوطأ، وكذلك امتهدا امتهادا، ومهد الصبي معروف، وجمع المهاد، مهد، وثلاثة أمهدة " والارض مهادا "(4) لاجل التوطأة للنوم، والقيام عليها، وأصل الباب التوطأة. الاخذ: ضد الاعطاء.

والعزة: القوة التي يمتنع بها من الذلة.

المعنى: فمعنى الاية: أن هذا المنافق الذي نعته لك بأنه يعجبك قوله في الحياة الدنيا

___________________________________

(1) في المطبوعة " قد كنا " وهو تصحيف.

(2) ذكر قولا واحدا ولم يذكر الثاني وفي مجمع البيان ذكر القولين ونقل القول الثاني عن الحسن، وأطلق هذا ولم يذكر قائله، راجع صفحة: 301 من مجمع البيان طبع صيدا.

(3) سورة آل عمران آية 21.

(4) سورة النبأ آية: 6.

[183]

" إذا قيل له اتق الله " في سعيك في الارض بالفساد وإهلاك الحرث والنسل، دخلته عزة وحمية، فقال تعالى: فكفاه عقوبة من ضلاله أن يصلى نار جهنم، فانها بئس المهاد لمن يصلاها.

وقوله تعالى: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤف بالعباد(207)

آية بلا خلاف.

النزول: قال قتادة: نزلت هذه الاية في المهاجرين والانصار.

وقال عكرمة: نزلت في أبي ذر الغفاري: جندب بن السكن، وصهيب بن سهان، لان أهل أبي ذر أخذوا أباذر، فانفلت منهم، فقدم على النبي صلى الله عليه وآله، فلما رجع مهاجرا عرضوا له، وكان يمر الظهران، فانفلت أيضا منهم حتى قدم النبي صلى الله عليه وآله، فلما رجع مهاجرا عرضوا له، فانقلت حتى نزل على النبي صلى الله عليه وآله. فأما صهيب، فانه أخذه المشركون من أهله فافتدى منهم بما له ثم خرج مهاجرا، فأدركه منقذ بن ظريف بن خدعان، فخرج له مما بقي من ماله، وخلى سبيله.

وروي عن أبي جعفر (ع) أنه قال: نزلت في علي (ع) حين بات على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله لما أرادت قريش قتله، حتى خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وفات المشركين أغراضهم، وبه قال عمر بن شبه.

المعنى: وروي عن علي (ع)، وابن عباس: أن المراد بالاية: الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

وقال الحسن: هي عامة في كل من يبيع نفسه لله بأن يقيم نفسه في جهاد عدوه، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر وغير ذلك مما أمر الله به، وتوعد على خلافه.

[184]

وقوله تعالى: " يشري نفسه " معناه يبيع نفسه، وقد بينا فيما مضى أن الشراء يكون بمعنى البيع، كما قال: " وشروه بثمن بخس "(1) أي باعوه وقال الشاعر:(2)

وشريت بردا ليتني *** من بعد برد كنت هامه(3)

أي بعت. والشراء استبدال العوض بالثمن. وشرى باع واشترى ابتاع.

وشرا هاهنا مجاز، لان أصله في الاثمان من العين، والورق، لذلك لايقال: باع متاعه إذا تصدق به، لان الاظهر إذا أطلق أنه باعه بالثمن.

وقوله تعالى: " ابتغاء مرضات الله " معناه طلب مرضات الله، ومثله " حذر الموت "(4) قال الشاعر:(5)

وأغفر عوراء الكريم ادخاره *** وأعرض عن شتم اللئيم تكرما(6)

ولا يجوز قياسا على ذلك فعله زيداأي لزيد. ويجوز فعله خوفا، لان في ذكر المصدر دليلا على العرض الداعي إلى الفعل، وليس كذلك ذكر زيد، والمرضاة والرضى واحد وهو ضد السخط.

قوله تعالى: " والله رؤف بالعباد " قد بينا فيما مضى معنى الرؤف. والخلاف فيه، ومعناه ذو رحمة واسعة بعبده الذي شرى نفسه له في جهاد من جاهد في أمره من أهل الشرك، والفسوق. وإنما ذكر الرؤف بالعباد هنا للدلالة على أنه انما رغب العبد في بيع نفسه بالجهاد في نفسه رأفة به، وحسن نظر له، ليبتليه من الثواب المستحق على عمله ما لا يجوز أن يصل إليه في جلالته إلا بتلك المنزلة.

___________________________________

(1) سورة يوسف آية: 20.

(2) هو يزيد بن مفرغ الحميري.

(3) مرتخريجه في 1: 348. وروايته هناك " من قبل " بدل " من بعد " والبيت مروي بالوجهين.

(4) سورة البقرة آية: 19.

(5) هو حاتم.

(6) ديوانه: 24، ونوادر أبي زيد: 11، والخزانة 1: 491. وغيرها وفي البيت اختلاف كثير في الرواية، والشاهد فيه عندهم نصب " ادخاره " على أنه مفعول له.

[185]

قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين(208)

آية واحدة.

القراء‌ة: قرأ أهل الحجاز، والكسائي " السلم " - بفتح السين -. الباقون - بكسرها -.

اللغة: قال الاخفش: السلم - بكسر السين -: الصلح، وبفتحها، وفتح اللام: الاستسلام.

وقال الزجاج: السلم جميع شرائعه.

ويقال: السلم، السلم معناهما الاسلام، والصلح.

وفيه ثلاث لغات: كسر السين، وفتحها مع تسكين اللام، وفتحها.

وقال أبوعبيدة: السلم - بكسر السين - والاسلام واحد، وهو في موضع آخر المسالمة، والصلح.

المعنى: وقال ابن عباس، والسدي، والضحاك، ومجاهد: معنى السلم هاهنا الاسلام، وبه قال قتادة.

وقال الربيع: معناه ادخلوا في الطاعة، وهو اختيار البلخي قال: لان الخطاب للمؤمنين بقوله: " يا أيها الذين آمنوا " واختار الطبري الوجه الاول، والامران جميعا عندنا جائزان محتملان، وحملها على الطاعة أعم، ويدخل فيه ما رواه أصحابنا من أن المراد به الدخول في الولاية، قال أبوعلي: من قرأ بفتح السين، ذهب إلى أن معناه: المسالمة، والصلح، وترك الحرب باعطاء الجزية. ومن كسرها، اختلفوا منم من حمله على الاسلام، ومنهم من حمله على الصلح أيضا.

[186]

اللغة: وقوله تعالى: " كافة " معناه جميعا، وهو نصب على الحال من ضمير المؤمنين. وقيل من حال السلم، واشتقاقه في اللغة مما يكف الشئ في آخره، من ذلك كفة القميص، يقال لحاشية القميص كفة. وكل مستطيل، فحرفه كفة.

ويقال في كل مستدير: كفة، نحو كفة الميزان.

وإنما سميت كفة الثوب، لانها تمنعه أن ينتشر.

وأصل الكف: المنع، ومنه قيل لطرف اليد: كف، لانها يكف بها عن سائر البدن: وهي الراحة مع الاصابع، ومن هذا قيل: رجل مكفوف أي قد كف بصره أن يبصر، وكف من الشئ يكف كفا: اذا انقبض عنه.

وكل شئ جمعته، فقد كففته.

واستكف السائل: إذا بسط كفه يسأل.

واستكف القوم بالشئ: إذا أحدقوا به.

تكفف السائل: اذا مد كفه للسؤال.

ولقيته كفة لكفة: إذا لقيته مفاجأة.

والمكفوف: الاعمى.

والكفف: دارات الوسم.

والكفة: مايصاد به الظباء: كالطوق.

المعنى: فمعنى الاية على هذا: ابلغوا في الاسلام إلى حيث تنتهي شرائعه، فتكفوا من أن تعدوا شرائعه. وادخلوا كلكم حتى يكف عن عدد واحد لم يدخل فيه.

وقيل: معنى الاية: أن قوما من اليهود أسلموا وأقاموا على تحريم السبت، وتحريم لحمم الابل، فأمرهم الله تعالى أن يدخلوا في جميع شرائع الاسلام.

وقال بعض أهل اللغة: جائز أن يكون أمرهم وهم مؤمنون أن يدخلوا في الايمان: أي يقيموا على الايمان كما قال: " ياأيها الذين آمنوا آمنوا بالله " ورسوله "(1) وكلا القولين جائز.

وقوله " ولا تتبعوا خطوات الشيطان " أي لا تتبعوا آثاره، لان ترككم شيئا من شرائع الاسلام اتباع الشيطان.

وخطوات: جمع خطوة وفيها ثلاث لغات: خطوات - بضم الطاء، وفتحها، واسكانها.

___________________________________

(1) سورة النساء آية: 135.

[187]

وقوله تعالى: " إنه لكم عدو مبين " عداواته للمؤمنين. وإبانة عداوته لنا هو أن ينسها لمن يراه من الملائكة، والجن، ونحن وإن لم نشاهده، فقد علمنا معاداته لنا، ودعاء‌ه إيانا إلى المعاصي، فجاز أن يسمى ذلك إبانة.

وقال الجبائي: أبان عداوته لادم والملائكة (ع)، فكان بذلك مبينا لعداوته إيانا.

قوله تعالى: فان زللتم من بعد ما جاء‌تكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم(209)

آية واحدة.

المعنى واللغة: أنزل الله تعالى هذه الاية، وقد علم أنه سيزل الزالون من الناس، فتقدم في ذلك، وأوعد فيه، لكي تكون الحجة على خلقه.

يقال: زل يزل زلا، وزللا، ومزلا، وزلولا.

ومعنى الاية " فان زللتم " بمعنى تنحيتم عن القصد، والشرائع، وتركتم ما أنتم عليه من الدين " من بعد ما جاء‌تكم البينات فاعلموا أن الله عزيز " في نعمته " حكيم " في أمره، لا تعجزونه، وحكيم فميا شرع لكم من دينه، وفطركم عليه، وفيما يفعل بكم من عقوبة على معاصيكم إياه بعد إقامة الحجة عليكم.

وذكر جماعة من أهل التأويل: أن " البينات " هم محمد صلى الله عليه وآله والقرآن، ذهب اليه السدي، وابن جريج، وغيرهما.

وقيل: زل في الاية: مجاز تشبيها بمن زل عن قصد الطريق، وحقيقته: عصيتم الله فيما أمركم به أو نهاكم عنه. والاولى أن يكون ذلك حقيقة بالعرف.

وفي الاية دلالة على بطلان مذهب المجبرة: أن الله يريد القبيح، لانه لو أراده لما صح وصفه بأنه حكيم.

فان قيل: سواء زل العباد أو لم يزلوا، وجب أن يعلم أن الله عزيز حكيم فما معنى الشرط؟ قيل، لان معنى " عزيز " هو القادر الذي لا يجوز عليه المنع من عقابكم " حكيم " في عقوبته إياكم، فكأنه قال: فاعلموا أن العقاب واقع بكم لامحالة، لانه عزيز لايجوز أن يحول بينه وبين عقوبتكم حائل، ولم يمنعه مانع " حكيم " في عقوبته إياكم، وذلك أن حري لهم وصفه بأنه عزيز أنه قدير لايمنع، لانه قادر لنفسه.

[188]

و " حكيم " معناه عليم بتدبير الامور.

ويقال: " حكيم " في أفعاله بمعنى محكم لها وأصل العزة الامتناع، ومنه أرض عزاز: إذا كانت ممتنعة بالشدة وأصل الحكمة المنع من قول الشاعر:

أبني حنيفة أحكموا سفهاء‌كم *** إني أخاف عليكم أن أغضبا(1)

ومنه حكمة الدابة.

الآية: 210 - 219

قوله تعالى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الامر وإلى الله ترجع الامور(210)

آية واحدة.

القراء‌ة: قرأ أبوجعفر " والملائكة " بالخفض. والباقون بضمها. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي " ترجع الامور " بفتح التاء. الباقون بضمها.

المعنى: الظلل: جمع ظلة. ومعنى الاية أن يأتيهم عذاب الله، وما توعدهم به على معصيته، كما قال: " فآتاهم الله من حيث لم يحتسبوا "(2) أي آتاهم خذلانه إياهم. والمختار عند أهل اللغة الرفع في " الملائكة " عطفا على الله، كأنه قال: وتأتيهم الملائكة. ومن كسر عطف على ظلل، وتقديره في ظلل من الغمام، وظلل من الملائكة.

وقوله: " وقضى الامر " أي فزع لهم مما كانوا يوعدون به.

___________________________________

(1) قائله جرير، ديوانه 1: 23، واللسان " حكم ".

(2) سورة الحشر آية: 2.

[189]

وقوله: " والى الله ترجع الامور " لايدل على أن الامور ليست إليه الان وفي كل وقت.

ومعنى الاية الاعلام في أمر الحساب، والثواب، والعقاب أي إليه، فيعذب من يشاء، ويرحم من يشاء، فلا حاكم سواه.

ويحتمل أن يكون المراد: أنه لا أحد ممن يملك في دار الدنيا إلا ويز؟ ل ملكه ذلك اليوم.

وشبهت الاهوال بالظلل من الغمام، كما قال: " موج كالظلل "(1) ومعنى الاية: ما ينظرون - يعني المكذبين بآيات الله - محمدا وما جاء به من القرآن والايات إلا أن يأتيهم أمر الله وعذابه " في ظلل من الغمام والملائكة "، فهل بمعنى (ما)، كما يقول القائل: هل يطالب بمثل هذا إلا متعنت أي ما يطالب.

وينظرون - في الاية - بمعنى ينتظرون.

وقد يقال: أتى وجاء فيما لايجوز عليه المجئ، والذهاب، يقولون أتاني وعيد فلان، وكلام فلان، وكل ذلك لا يراد به الاتيان الحقيقي قال الشاعر:

أتاني كلام من نصيب يقوله *** وما خفت يا سلام أنك عائبي(2)

وقال آخر:

أتاني نصرهم وهم بعيد *** بلادهم بلاد الخيزران(3)

فكأن المعنى في الاية: إن الناس في الدنيا يعتصم بعضهم ببعض، ويفزع بعضهم إلى بعض في الكفر والعصيان، فاذا كان يوم القيامة انكشف الغطاء، وأيقن الشاك، وأقر الجاحد، وعلم الجاهل، فلم يعصم أحد من الله أحدا، ولم يكن له من دون الله ناصر، ولا من عذابه دافع، وعلم الجيمع أن الامر كله لله.

قوله تعالى: سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاء‌ته فان الله شديد العقاب(211)

آية واحدة.

___________________________________

(1) سورة لقمان آية: 32.

(2) البيت في نوادر أبي زيد: 46، ومعانى القرآن للفراء 1: 146.

(3) البيت للنابغة الجعدي اللسان (خزر) في المطبوعة (بارض) بدل (بلاد)

[190]

القراء‌ة: أهل الحجاز يقولون: سل بغير همز. وبعض بني تميم يقولون: اسأل بالهمز، وبعضهم يقولون: اسل بالالف وطرح الهمز - والاولى أحسنها لانها خط المصحف.

المعنى: وفي الاية تنبيه وتقريع للكفار من بني اسرائيل، ونظيره قول الرجل في صاحبه إذا فزعه وربحه وأراد أن يلزمه الحجة، ويبين عن كفرانه للنعمة ليوقع به العقوبة - لمن بحضرته -: سله كم أعددت له وحذرته.

والايات البينات ماذكرها الله تعالى: من قلب عصا موسى حية، ويده البيضاء، وفلقه البحر، وتغريق عدوهم من فرعون وأصحابه، وتظليلة عليهم الغمام، وإنزال المن والسلوى، وذلك من آيات الله التي أتي بها بني اسرائيل، فخالفوا جيمع ذلك، وقتلوا أنبياء‌ه، ورسله، وبدلوا عهده، ووصيته إليهم.

وقوله: " ومن يبدل نعمة الله " معناه: يغير يعني بها الاسلام، وما فرض فيه من شرائع دينه بعد ما عهد إليه وأمره به من الدخول في الاسلام، والعمل بشرائعه، فيكفر به، فانه يعاقبه بما أوعده على الكفر به من العقوبة " والله شديد العقاب ".

وقال الزجاج فيه حذف وتقديره شديد العقاب له، ويجوز أن يكون معناه: شديد العقاب لكل من يستحقه، فيدخل فيه هذا المذكور، فأما أن يكون على معنى شديد العقاب لغيره، فلا يجوز إذا لم يكن للمذكور مدخل فيه.

وفي الاية دلالة على فساد قول المجبرة: من أنه ليس لله على الكافر نعمة، لانه حكم عليهم وبتبديل نعم الله، كما قال: " يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون "(1) وقال: " بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار "(2)

___________________________________

(1) سورة النحل آية: 83.

(2) سورة ابراهيم آية: 28.

[191]

قوله تعالى: زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب(212)

آية واحدة.

المعنى: إنما ترك التأنيث في قوله زين والفعل فيها مسند إلى الحياة وهي المرتفعة به، لانها لم يسم فاعلها لشيئين: أحدهما - أن تأنيث الحياة ليس بحقيقى، وما لا يكون تأنيثه حقيقيا، جاز تذكيره، كقوله تعالى: " فمن جاء‌ه موعظة من ربه "(1) وقوله: " قد جاء‌كم بصائر "(2) " وأخذ الذين ظلموا الصيحة "(3).

والثاني - أنه لما فصل بين الفعل والفاعل بغيره، جاز ترك التأنيث، وقد ورد ذلك في التأنيث الحقيقي، وهو قولهم حضر القاضي اليوم إمرأة، فاذا جاز ذلك في التأنيث الحقيقي، ففيما ليس بحقيقي، أجوز، قد قيل: إنما ترك التأنيث في هذا الموضع، لانه قصد بها المصادر، فترك لذلك التأنيث.

وقيل في معنى تزيين الحياة الدنيا قولان: أحدها - قال الحسن، والجبائي، وغيرهما - أن المزين لهم إبليس وجنوده، لانهم الذين يغوون، ويقوون دواعيه، ويحسنون فعل القبيح، والاخلال بالواجب ويسوفون لهم التوبة، فأما الله تعالى، فلا يجوز أن يكون المزين له، لانه زهد فيها، فأعلم أنها متاع الغرور، وتوعد على ارتكاب القبائح فيها.

والقول الثاني - إن الله تعالى خلق فيها الاشياء المعجبة، فنظر إليها الذين كفروا باكثر من مقدارها، كما قال: " زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين

___________________________________

(1) سورة البقرة آية: 275.

(2) سورة الانعام آية: 104.

(3) سورة هود آية: 67.

[192]

والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث "(1) وإنما أراد بذلك ما جبل الخلق عليه من الميل إلى هذه الاشياء، لا أنه حسن جميعها، ولم يقبح شيئا منها، وكلاهما جائزان حسنان.

والتزيين، والتحسين واحد، والزين: خلاف الشين، والزينة: اسم جامع لكل ما يتزين به، وهذا أمر زاين له أي مزين له.

وقوله: " ويسخرون من الذين آمنوا " معناه: أن قوما من المشركين كانوا يسخرون من قوم من المسلمين، لان حالهم في ذات اليد كانت قليلة، فأعلم الله تعالى: أن الذين اتقوا فوقهم يوم القيامة، لان المسلمين في عليين، والفجار في الجحيم، كما قال تعالى: " إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون "(2) ثم أخبر عن المؤمنين أنهم يضحكون منهم - في الاخرة -، فقال: " فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون "(3).

وقوله: " والله يرزق من يشاء بغير حساب " قيل فيه خمسة أقوال: أحدها - أن معناه: أنه يعطيهم الكثير الواسع الذي لا يدخله الحساب من كثرته.

الثاني - أنه ليس يرزق المؤمن على قدر إيمانه، ولا الكافر على قدر كفره في الدنيا، ولكن الرزق في الاخرة على قدر العمل، وما يتفضل الله به، ويضاعف به عن رجل على المؤمنين ما يشاء من فضله زياده على كفايته.

الثالث - أنه يعطى عطاء لا يآخذه بذلك أحد، ولا يسأله عنه سائل، ولا يطالب عليه بجزاء، ولا مكافاة، ولا يثبت ذكره مخافة الاعدام، والاقلال، لان عطيته ليست من أصل ينقص، بل خزائنه لاتفنى، ولا تنفد (جل الله تعالى).

والرابع - قال قطرب معناه: أنه يعطي العدد من الشى، لامما يضبط بالحساب، ولا يأتي عليه العدد، لان ما يقدر عليه غير متناه، ولامحصور، فهو

___________________________________

(1) سورة آل عمران آية: 14.

(2) سورة المطففين آية: 29.

(3) سورة المطففين آية: 34.

[193]

يعطى الشئ لا من عدد أكثر منه ولا ينقص منه كالمعطى من الادميين الالف من الالفين والعشرة من المأة.

والخامس - قال بعضهم: إنما عنى بذلك إعطاء أهل الجنة، لان الله تعالى يعطيهم ما يتناهى، ولا يأتي عليه الحساب، فكل ذلك حسن جائز، وإنما قال: " والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة " ولا فضل للكفار في الاخرة لامرين: أحدهما - أن أحوالهم في الاخرة فوق حال هؤلاء الكفار في الدنيا. والثاني - أن يكون محمولا على قوله تعالى " أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا "(1) وكما قال حسان يعني رسول الله وأبا جهل.

فشر كما لخير كما الفداء(2) ومعنى " يسخرون من الذين آمنوا " أي يهزؤن بهم في زهدهم في الدنيا، لانهم يوهمهم أنهم على حق، ويفهم عنهم أن اعتقادهم بخلاف ذلك.

قوله تعالى: كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاء‌تهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم(213)

آية واحدة بلا خلاف.

القراء‌ة: قرأ أبوجعفر المدني " ليحكم " - بضم الياء - الباقون بفتحها.

___________________________________

(1) سورة الفرقان آية: 24.

(2) انظر 1: 101 من هذا الكتاب

[194]

المعنى: معنى قوله: " كان الناس أمة واحدة " أهل ملة واحدة كما قال النابغة:

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة *** وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع(1)

أي ذو ملة ودين.

وأصل الامة الام من قولك: أم يؤم أما: إذا قصده. وهي على أربعة أوجه: فالامة: الملة، والامة: الجماعة، والامة: المنفرد بالمقابلة، والامة: القابلة. واختلفوا في الدين الذي كانوا عليه، فقال ابن عباس، والحسن، واختاره الجبائي: إنهم كانوا على الكفر.

وقال قتادة، والضحاك: كانوا على الحق، فاختلفوا.

فان قيل: إذا كان الزمان لا يخلوا من حجة كيف يجوز أن يجتمعوا كلهم على الكفر، قلنا: يجوز أن يقال ذلك على التغليب لان الحجة إذا كان واحدا أو جماعة يسيرة، لا يظهرون خوفا وتقية، فيكون ظاهر الناس كلهم الكفر بالله، فلذلك جاز الاخبار به على الغالب من الحال، ولا يعتد بالعدة القليلة.

وقوله: " وأنزل معهم الكتاب بالحق " قيل في معناه قولان: أحدهما - بما فيه من البيان عن الحق من الباطل. الثاني - أن معناه: بأنه حق للاستصلاح به على ما توجبه الحكمة فيه.

وقوله: " ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه " فحقيقته، ليحكم منزل الكتاب، لان الله هو الحاكم بما أنزل فيه، فهو مجاز - في قول الجبائي - قال، إلا أنه جعل اللفظ على الكتاب تفخيما له، لمافيه من البيان. ويجوز أن يكون في يحكم ضمير اسم الله، فيكون حقيقة. ومن ضم الياء قراء‌ته لاشبهة فيها. والمعنى ليحكم الناس أو العلماء بما فيه من الحق.

وقوله تعالى: " وما اختلف فيه " الهاء عائدة على الحق. وقيل على الكتاب. والاول أصح، لان اختلافهم في الحق قبل إنزال الكتاب.

فان قيل: إذا كانوا مختلفين على إصابة بعضهم له، فكيف يكون الكفر عمهم به؟ قلنا: لا يمتنع

___________________________________

(1) ديوانه: 40، واللسان (أمم) من قصيدته في اعتذاره للنعمان.

[195]

أن يكون الكل كفارا، وبعضهم يكفر من جهة الغلو، وبضهم من جهة التقصير كما كفرت اليهود، والنصارى في عيسى (ع)، فقالت النصارى: هو رب، فغالوا.

وقصرت اليهود، فقالوا: كذاب متخرص.

فان قيل: كيف يكون الكل كفارا مع قوله: " فهدى الله الذين آمنوا "؟ قلنا: لا يمتنع أن يكونوا كلهم كانوا كفارا، فلما بعث الله اليهم بالانبياء مبشرين، ومنذرين اختلفوا، فآمن قوم، ولم يؤمن آخرون.

وروي عن أبي جعفر (ع) أنه قال: كانوا قبل نوح أمة واحدة على فطرة الله، ولا مهتدين، ولا ضلالا، فبعث الله النبيين.

الاعراب: وقوله تعالى: " بغيا بينهم " نصب على المفعول له، كأنه قال للبغي بينهم - على قول الاخفش، والزجاج -.

وقال بعضهم: الاستثناء متعلق بثلاثة أشياء، كأنه قال: " وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه "، وما اختلفوا فيه إلا من بعد ما جاء‌تهم البينات، ما اختلفوا فيه إلا بغيا بينهم. إلا أنه حذف الثاني لدلالة الاول عليه.

قال الرماني: والصحيح الاول، لانه لا يحكم بالحذف مع استقامة الكلام من غير حذف إلا لعذر.

المعنى: وقوله: " فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه " معناه: هداهم للحق، وهو الذي اختلفوا فيه. وقيل في معنى باذنه قولان:

أحدهما - بلطفه، ولا بد من محذوف على هذا التأويل، أي فاهتدوا باذنه، لان الله عزوجل، لايفعل الشئ باذن أحد يأذن له فيه، ولكن قد يجوز أن يكون على جهة التفسير للهدى، كأنه قال: هداهم بأن لطف لهم، وهداهم بأن أذن لهم. وقال الجبائي: لابد من أن يكون على حذف (فاهتدوا) باذنه.

والقول الثاني - هداهم بالحق بعمله، والاذن بمعنى العلم معروف في اللغة قال

[196]

الحارث بن حلزة: آذنتنا ببينها أسماء(1) أي أعلمتنا. وهو قول الزجاج، وغيره من أهل اللغة.

فان قيل: إذا كانوا إنما هدوا للحق من الاختلاف فلم قيل: للاختلاف من الحق؟ قيل: لانه لما كانت العناية بذكر الاختلاف. كان الاولى بالتقديم، ثم تفسيره ب‍ (من).

وقال الفراء هو من المقلوب نحو قول الشاعر:

كانت فريضة ما تقول كما *** كان الزناء فريضة الرجم(2)

وإنما الرجم فريضة الزنا.

وكما قال الاخر:

إن سراجا لكريم مفخرة *** تحلى به العين إذا ما تجره(3)

وإنما يحلى هو بالعين.

وقال غيره إنما يجوز القلب في الشعر للضرورة. ووجه الكلاخ على ما بيناه واضح.

فان قيل: ما الهدى الذي اختص به من يشاء؟ قيل فيه ثلاثة أقوال: قال الجبائي: اختص به المكلفين دون غيرهم ممن لا يحتمل التكليف، وهو البيان، والدلالة والثاني - قال: ويجوز أن يكون هداهم على طريق الجنة، ويكون للمؤمنين خاصة.

وقال ابن الاخشاد، والبلخي: يجوز أن يكون المراد بالهداية هاهنا الارشاد إلى الدين، ونصب الدلالة عليه، لانه تعالى لايخص بذلك قوما دون قوم، بل لا يصلح التكليف من دونه.

وقد بين الله تعالى: أن اختلافهم كان بعد أن جاء‌تهم البينات فعم بذلك جميعهم، فلو أراد الله بقوله " فهدى الله الذين آمنوا " بالبينات، لكان متناقضا - أللهم إلا أن يحمل ذلك على أنه أضاف اليهم الهداية، من حيث كانوا هم المنتفعين بها، والمتبعين لها، فكأنهم كانوا هم المخصوصين بها كما قال: " هدى للمتقين "(4) وقوله تعالى: " إنما تنذر من اتبع الذكر "(5)

___________________________________

(1) انظرا: 380 من هذا الكتاب.

(2) انضر 2: 79.

(3) انظر 2: 79.

(4) سورة البقرة آية: 2.

(5) سورة يس آية: 1.

[197]

" وإنما أنت منذر من يخشاها "(1) وإن كان منذرا لجميعهم،، والذي يقوى ذلك قوله: " وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى "(2) فبين أنه هداهم. وإنما لم يهتدوا، فكيف يجوز أن تحمل الهداية على نصب الدلالة، وإقامة الحجة على قوم دون قوم.

والفرق بين: هدى المؤمنين إلى الايمان، وبين أنعم عليهم بالايمان، قال الجبائي: إن الهدى للايمان غيرالايمان، والانعام بالايمان هو نفس الايمان. والصحيح أنه هداه بالايمان يجري مجرى قوله: أنعم عليه بالايمان لانه يراد بذلك التمكين منه. والاقتدار عليه والدعاء إليه ولايراد به نفس الايمان.

وقوله: " والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم " أي إلى طريق الدين الواضح. واختلفوا في الامة المعنية بهذه الاية، فقال ابن عباس، وقتادة: هم الذين كانوا بين عاد، ونوح، وهم عشر فرق كلهم كانوا على شريعة من الحق، فاختلفوا بعد ذلك. فالتقدير - على قول هؤلاء - كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين.

وقال مجاهد: المراد بالاية آدم، فبعث النبيين إلى ولده، لما اختلفوا.

وقال أبي بن كعب، والربيع: كان الناس أمة حين استخرجوا من ظهر آدم، فأقروا له بالعبودية، واختلفوا فيما بعد، فبعث الله اليهم النبيين.

وقال ابن عباس في رواية أخرى: كانوا أمة واحدة على الكفر، فبعث الله النبيين.

قال السدي: كانوا على دين واحد من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين.

وقال الربيع والطبري: الكتاب الذي اختلفوا فيه التوراة.

وقال آخرون كل كتاب أنزل الله مع النبيين.

___________________________________

(1) سورة النازعات آية: 45.

(2) سورة حم السجدة آية: 17.

[198]

قوله تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب(214)

آية واحدة.

القراء‌ة والنزول: قرأ نافع " حتى يقول الرسول " بضم اللام. الباقون بنصبها.

ذكر السدي، وقتادة، وغيرهما من أهل التفسير: أن هذه الاية نزلت يوم الخندق لما اشتدت المخافة، وحوصر المسلمون في المدينة، واستدعاهم الله إلى الصبر، ووعدهم بالنصر.

الاعراب واللغة: وقال الزجاج: معنى (أم) هاهنا بمعنى (بل).

وقال غيره: هي بمعنى الواو.

وإنما حسن الابتداء ب‍ (أم) لاتصال الكلام بما تقدم، ولو لم يكن قبله كلام، لما حسن.

والفرق بين (أم حسبتم) وبين (أحسبتم) أن (أم) لا تكون إلا متصلد لكلام، معادلة للالف، أو منقطعة، فالمعادلة نحو (أزيد في الدار أم عمرو) فالمراد أيهما في الدار، والمنقطعة نحو قولهم: (إنها لابل أم شاء يافتى)، وأما الالف، فتكون مستأنفة.

وإنما لم يجز في (أم) الاستئناف، لان فيها معنى (بل) كأنه قيل: (بل حسبتم).

وحسبت، وظننت وخلت نظائر.

وقوله تعالى: " ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم " معناه ولما تمتحنوا، وتبتلوا بمثل ما امتحنوا، فتصبروا كما صبروا. وهذا استدعاء إلى الصبر وبعده الوعد بالنصر.

والمثل، والشبه واحد، يقال: مثل ومثل، مثل شبه وشبه.

و " خلوا " معناه مضوا.

وقوله: " مستهم " فالمس، واللمس واحد. والبأساء ضد النعماء، والضراء ضد السراء.

وقوله: " زلزلوا " معناه هاهنا: أزعجوا بالمخافة من العدو. والزلزلة: شدة الحركة.

[199]

والزلزال: البلبلة المزعجة بشدة الحركة، والجمع زلازل، ويقال: زلزل الارض يزلزلها زلزالا، وتزلزل تزلزلا، مثل تدكدك تدكدكا، وأصله زل، وإنما ضوعف، مثل صرصر، وصلصل.

وقوله: " حتى يقول الرسول " من نصب اللام، ذهب إلى تقدير: إلى أن يقول الرسول، فيكون على معنى الاستقبال إذا قدرت معها (أن)، وهو يشبه الحكاية، كأنك تقدر حالا، ثم أستأنف غيره فعلا، كما تستأنف عن حال كلامك. ويوضح ذلك (كان زيد سيقول كذا وكذا).

وانما قدرت بكان زيد وقتا، ثم يستأنف عنه فعلا، فكذلك " زلزلوا " قد دل على وقت، ثم استأنف بعده الفعل.

ومن رفع، فعلى الحال للفعل المذكور، والحال لكلام المتكلم، وذلك القول قد يكون في حال الزلزلة.

فأما الغاية فلا يكون إلا بعد تقضيها وإن كان متصلا بها، والرفع يوجب التأدية بمعنى: أن الزلزلة أدت إلى قول الرسول.

فأما النصب، فيوجب الغاية، فقد حصل الفرق بين الرفع والنصب من ثلاث جهات:

الاول - أن أحدها على الحال، والاخر على الاستقبال.

والثاني - أن أحدها قد انقضى، والاخر لم ينقص.

والثالث - أن أحدها على الغاية، والاخر على التأدية.

ومعنى الغاية في الاية أظهر، لان النص جاء عند قول الرسول، فلذلك كان الاختيار في القراء‌ة النصب.

المعنى: فان قيل: ما معنى قول الرسول والمؤمنين: " متى نصر الله "؟ قلنا: قال قوم: معناه الدعاء لله بالنصر، ولا يجوز أن يكون معناه الاستبطاء لنصر الله على كل حال لان الرسول يعلم: أن الله لا يؤخره عن الوقت الذي توجبه الحكمة.

وقال قوم: معناه الاستبطاء لنصر الله. وذلك خطأ، لا يجوز مثله على الانبياء (ع) إلا أن يكون على الاستبطاء لنصره لما توجبه الحكمة من تأخره. والنصر ضد الخذلان. والقريب ضد البعيد. والقرب والدنو واحد.

ومن قال: إن ذلك على وجه الاستبطاء قواه بما بعده من قوله " ألا إن نصر الله قريب ".

[200]

اللغة: وأصل (لما) (لم) فزيد عليها (ما) فغيرت معناها، كما غيرت في (لو لما زيد عليها (ما) إذا قلت: (لوما) فصارت بمعنى هلا. والفرق. وبين (لم) و (لما) أن (لما) يصح أن يوقف عليها، مثل قولك: أقدم زيد؟ فيقول: لما، ولا يجوز (لم)، وفي (لما) توقع لانها عقيبة (قد)، إذا انتظر قوم ركوب الامير، قلت: قد ركب، فان نفيت هذا قلت: لما يركب، وليس كذلك (لم)، ويجمعهما نفي الماضي.

قوله تعالى: يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والاقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فان الله به عليم(215)

آية واحدة.

المعنى: وجه اتصال هذه الاية بما قبلها: أن الاية الاولى فيها دعاء إلى الصبر على الجهاد في سبيل الله، وفي هذه بيان لوجه النفقة في سبيل الله، وكل ذلك دعاء إلى فعل البر.

والنفقة: إخراج الشئ عن الملك ببيع، أو هبة أو صلة، أو نحوها، وقد غلب في العرف على إخراج ما كان من المال: من عين، أو ورق.

وقوله " يسألونك " خطاب للنبي (ص) بأن القوم يسألونه، والسؤال: طلب الجواب بصيغة مخصوصة في الكلام.

وذكر السدي: أن هذه الاية منسوخة بفرض الزكاة.

وقال الحسن: ليست منسوخة، وهو الاقوى، لانه لا دليل على نسخها.

[201]

والجواب المطابق لقوله: " يسألونك ماذا ينفقون " أن يقول: قل النفقة التي هي خير، وإنما عدل عنه لحاجة السائل إلى البيان الذي يدل عليه، وعلى غيره، وذلك يحسن من الحكماء اذا أرادوا تعليم غيرهم، وتبصيرهم أن يضمنوا الجواب مع الدلالة على المسؤل عنه الدلالة على ما يحتاج إليه السائل في ذلك المعني مما أغفله أو حذف السؤال عنه لبعض الاسباب المحسنة له.

فأما الجدل الذي يضايق فيه الخصم، فالاصل فيه التحقيق، بأن يكون الجواب على قدر السؤال من غير زيادة ولا نقصان، ولاعدول عما يوجبه نفس السؤال، لان كل واحد من الخصمين قد حل محل النظير للاخر. ولايجوز إعطاء الزكاة للوالدين، وكل من تلزمه نفقته - وبه قال الحسن - والاية عامة في الزكاة وفي التطوع - وبه قال الحسن - غير أنها فيمن تلزمه النفقة عليه، خاصة بالنفقة.

الاعراب: وموضع (ما) في قوله: " ماذا ينفقون " من الاعراب يحتمل وجهين: الرفع، والنصب، والرفع على ما الذي ينفقون، فيكون المعني الذي، وينفقون صلة، والنصب بمعنى أي شئ ينفقون، فيكون (ذا) و (ما) بمنزلة شئ واحد. والمساكين جمع مسكين وهو المحتاج.

المعنى: ومعنى قوله: " فان الله به عليم " اي ما تفعلوا من خير فان الله يجازي عليه من غير أن يضيع منه شئ لانه عليم لايخفى عليه شئ.

قال مجاهد: معنى " يسألونك ماذا ينفقون " إنهم سألوا مالهم في ذلك، فقال الله تعالى: " قل ما أنفقتم من خير " الاية.

وقال قتادة: أهمتهم النفقة، فسألوا عنها النبي صلى الله عليه وآله فأنزل الله " قل ما أنفقتم من خير " الاية.

[202]

قوله تعالى: كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لاتعلمون(216)

آية واحدة.

المعنى: معنى قوله تعالى: " كتب عليكم القتال " فرض عليكم القتال، وهذه الاية دالة على وجوب الجهاد، وفرضه، وبه قال مكحول، وسعيد بن المسيب، وأكثر المفسرين، غير أنه فرض على الكفاية.

وحكي عن عطا: أن ذلك كان على الصحابة، والصحيح الاول، لحصول الاجماع عليه اليوم، وقد انقرض خلاف عطا.

اللغة: وقوله: " وهو كره لكم " يقال: كره كراهة، وأكرهه إكراها: إذا أجبره، وتكره تكرها، واستكره استكراها، وكرهه تكريها.

والكراهة: المشقة التي يحمل عليها، والكره: المشقة من غير أن يحمل عليها.

وقيل: هما لغتان، مثل ضعف، وضعف.

وجمل كره: شديد الرأس، لانه لاينقاد إلا على كره، والكريهة: الشديد في الحرب، لانه يدخل فيها على كره.

وكراهية(1) الدهر: نوازله، كرهت الامر كراهة وكراهية ومكرهة، وكره.

إلي هذا الامر تكريها: أي صيره إلي بحال كريهة.

والكرهاء: صفحة الوجه، لان الكره يظهر فيها.

المعنى، واللغة، والاعراب: فان قيل: كيف كره المؤمنون الجهاد، وهو طاعة لله؟ قيل عنه جوابان: أحدهما - أنهم يكرهونه كراهية طباع. والثاني - أنه كره لكم قبل أن يكتب عليكم، وعلى الوجه الاول يكون لفظ الكراهة مجازا، وعلى الثاني حقيقة.

وقوله: " عسى " معناه الطمع، والاشفاق من المخاطب، ولا يكون إلا مع مثلة في الامر.

وقيل: معنا هاهنا قد، وإنما قال: " عسى " وقال في موضع آخر:

___________________________________

(1) في المطبوعة (كراية).

[203]

" فهل عسيتم " فجمع، لانه استغنى في الغائب عن الجمع كما استغني عن علامة الضمير في اللفظ، وليس كذلك المخاطب، فجرى في كل غائب على التوحيد، لا متناعه من من التصريف.

تقول: عسى أن يقوموا، فاذا قلت: عسيتم أن تقوموا جمعت.

وفي قوله " وهوكره لكم " حذف - في قول الزجاج وغيره - لان تقديره وهو ذو كره لكم، ويجوز أن يكون معناه: وهو مكروه لكم، فوقع المصدر موقع إسم المفعول، ومثله قولهم: رجل رضى بمعنى ذو رضى، ويجوز أن يكون بمعنى مرضي.

وقوله: " وهو شر لكم " فالشر السوء، وهو ضد الخير، تقول: شر يشر شرارة. شرار النار، وشررها لهبها، وشررت اللحم والثوت تشريرا: إذا بسطته، ليجف، وكذلك أشررته إشرارا، وأشررت الكتاب: إذا أظهرته، وشرة الشباب: نشاطه، وإنما قال الله تعالى: " والله يعلم "، تنبيها على أنه يعلم مصالحكم، وما فيه منافعكم، فبادروا إلى ما يأمركم به وإن شق عليكم.

والفرق بين الشهوة، والمحبة واضح، لان الصائم في شهر رمضان يشتهي شرب الماء، ولا يكون مآخذا به، ولا يحبه كما لا يريده، ولو أراده وأحبه، لكان مذموما، ويكون مفطرا - عند كثير من الفقهاء -.

وقوله: " والله يعلم وأنتم لا تعلمون " يدل على فساد قول المجبرة، لانه تعالى إنما رغبهم في الجهاد، لما علم من مصالحهم، ومنافعهم، فيدبرهم لذلك، لا لكفرهم وفسادهم يتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

[204]

قوله تعالى: يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والاخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون(217)

آية واحدة بلا خلاف.

اختلفوا في: من السائل عن هذا السؤال: أهم أهل الشرك، أم أهل الاسلام، فقال الحسن، وغيره: هم أهل الشرك على جهة العيب للمسلمين باستحلالهم القتال في الشهر الحرام، وبه قال الجبائي، وأكثر المفسرين.

وقال البلخي: هم أهل الاسلام، سألوا عن ذلك ليعلموا كيف الحكم فيه.

الاعراب: وقوله تعالى: " قتال فيه " مجرور على البدل من الشهر، وهو من بدل الاشتمال، ومثله قوله تعالى: " قتل أصحاب الاخدود النار ذات الوقود "(1) وقال الاعشى:

لقد كان في حول ثواء ثويته *** تقضي لبانات ويسأم سائم(1)

والذي يشتمل عليه المعنى هو أحوال الشئ، وما كان منه بمنزلة أحواله مما يغلب تعلق الفعل به، فلا يجوز رأيت زيدا لونه، لان لونه يجوز أن يرى كما يجوز أن يرى نفسه، ويجوز سرق زيد ثوبه، لان تعلق السرقة إنما هي بالملك دون النفس في غالب الامر، ويجوز أن تقول: رأيت زيدا مجيئه، ولا يجوز رأيت زيدا إياه، لانه يجري مجرى حاله.

وقوله تعالى: " صد عن سبيل الله " رفع بالابتداء، ومابعده معطوف عليه، وخبره " أكبر عند الله " هذا قول الزجاج.

وقال أبوعلي الفارسي: لايخلو

___________________________________

(1) سورة البروج آية: 5.

(2) ديوانه: 77 رقم القصيدة: 9. يهجو بها يزيد بن مسهر الشيباني ومعنى البيت يعلم من البيت قبله الذي هو مطلع القصيدة وهو:

هريرة ودعها وان لام لاثم *** غداة غد أم أنت للبين واجم

وهريرة قد ذكرها في قصيدة قبل هذه.

[205]

أن يكون ارتفاع قوله: " وصد عن سبيل الله وكفر " من أن يكون بالعطف على الخبر الذي هو " كبير " كأنه قال: قتال فيه كبير وصد وكفر: أي القتال، قد جمع أنه كبير، وأنه صد، وكفر. ويكون مرتفعا بالابتداء، وخبره محذوف لدلالة " كبير " المتقدم عليه، كأنه قال: والصد كبير، كقولك: زيد منطلق وعمرو، أو يكون مرتفعا بالابتداء، والخبر المظهر، فيكون الصد ابتداء، وما بعد من قوله: " وكفر به وإخراج أهله " مرتفع بالعطف على الابتداء، والخبر قوله: " أكبر عند الله " قال: ولايجوز الوجهان الاولان - وقد أجازهما الفراء - أما الوجه الاول، فلان المعنى يصير: قل: قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله كبير، والقتال وإن كان كبيرا، ويمكن أن يكون صدا، لانه ينفر الناس عنه، فلا يجوز أن يكون كفرا لان أحدا من المسلمين لم يقل ذلك، ولم يذهب إليه، فلا يجوز أن يكون خبر المبتدء شيئا لايكون المبتدأ.

ويمنع من ذلك أيضا قوله بعد: " وأخراج أهله منه أكبر عندالله " ومحال أن يكون إخراج أهله منه أكبر من الكفر، لانه لا شئ أعظم منه، ويمتنع الوجه الثاني أيضا، لان التقدير: فيه يكون قتال فيه كبير وكبير الصد عن سبيل الله والكفر به، وكذلك مثل الفراء، وقدره، فاذا صار المعنى: وإخراج أهل المسجد الحرام أكبر عند الله من الكفر، فيكون بعض خلال الكفر أعظم منه كله، واذا كان كذلك امتنعع كما امتنع الاول وإذا امتنع هذان ثبت الوجه الثالث، وهو أن يكون قوله " وصد عن سبيل الله " ابتداء " وكفر به وإخراج أهله " معطوفا عليه " وأكبر " خبرا.

المعنى: فيكون المعنى: " وصد عن سبيل الله " أي منعهم لكم أيها المسلمون عن سبيل الله، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه - وأنتم ولاته، والذين هم أحق به منهم - وكفر بالله أكبر من قتاله في الشهر الحرام.

قال الرماني، الفراء: إن التخلص من التأويل الثاني أن تقول: إخراج أهله منه أكبر من القتل فيه، لا من الكفر، لان المعنى في إخراج أهله منه إخراج النبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين عنه.

[206]

قال: وأما التأويل الاول، فلا يجوز إلا أن يجعل " كفر به " يعني بالمسجد الحرام، لنتهاك حرمته. وقال: التأويل الاول أجود. وهذا القتال في الشهر الحرام هو ما عابه المشركون على المسلمين، من قتل عبدالله بن جحش، وأصحابه عمر بن الحضرمي، لما فصل من الطائف، في عير - في آخر جمادى الاخر - وأخذهم العير، وهو أول من قتل من المشركين - فيما روي، وأول فئ أصابه المسلون.

وأما قوله تعالى: " والمسجد الحرام " فقال الفراء: إنه محمول على قوله: يسألونك عن القتال، وعن المسجد الحرام هذا لفظه.

قال أبوعلي الفارسي: وهذا أيضا يمتنع، لانه لم يكن السؤال عن المسجد الحرام، وإنما السؤال عن قتال ابن جحش الحضرمي وأصحابه الذين عابهم المشركون وعيروهم، فقالوا إنكم استحللتم الشهر الحرام، وهو رجب بقتلهم فيه، فكان السؤال عن هذا، لاعن المسجد الحرام وإذا لم يجز هذا الوجه، لم يجز حمله على المضمر المجرور، لان عطف المظهر على المضمر غير جائز، لانه ضعيف جدا، فيكون محمولا على الضمير في به، لان المعنى ليس على كفر بالله أو بالنبي صلى الله عليه وآله، والمسجد، فثبت(1) أنه معطوف على (عن) من قوله: " وصد عن سبيل الله والمسجد الحرام "، لان المشركين صد والمسلمين عنه، كما قال: " إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والسمجد الحرام "،(2) فكما أن المسجد الحرام محمول في هذه الاية على (عن) المتصلة بالصد - بلا إشكال - كذلك في هذه الاية، وهو قول أبي العباس، أيضا.

قال الرماني: ما ذكره الفراء، واختاره الحسن ليس يمتنع، لان القوم لما استعظموا القتال في الشهر الحرام، وكان القتال عند المسجد الحرام يجري مجراه في الاستعظام جمعوها لذلك في السؤال، وإن كان القتال إنما وقع في الشهر الحرام خاصة، كأنهم قالوا: قد استحللت الشهر الحرام، والسمجد الحرام.

وظاهر الاية يدل على أن القتال في الشهر الحرام كان محرما لقوله: " قل قتال فيه كبير " وذلك لا يقال إلا فيما هو محرم، محظور.

___________________________________

(1) في المطبوعة " بيت ".

(2) سورة الحج آية: 25.

[207]

اللغة: والصد، والمنع، والصدف واحد. صد يصد صدودا إذا صدف عن الشئ لعدوله عنه، وصددته عن الشئ، أصده صدا إذا عدلته عنه، ومنه قول تعالى: " اذا قومك منه يصدون "(1) قرئ بالضم، والكسر.

قال أبوعبيدة: يصدون يعرضون، ويصدون: يضجون، وذلك لانهم، يعدلون إلى الصحيح.

والصديد: الدم المختلط بالقيح يسيل من الجرح.

والصدد: ما استقبلك وصار في قبالتك، لانه يعدل(2) إلى مواجهتك.

والصدان: ناحيتا الشعب أو الوادي.

والصداد: ضرب من الجردان يعدل لشدة تحرزه.

والصداد: الوزغ(3)، لانه يعدل عنه استقذارا له، وأصل الباب العدول.

المعنى: وقوله " والفتنة أكبر من القتل " معناه الفتنة في الدين، وهي الكفر أعظم من القتل في الشهر الحرام.

وقال قتادة وغيره، واختاره الجبائي: إن القتال في الشهر الحرام وعند المسجد الحرام منسوخ بقوله: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة "(4) وبقوله: " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم "(5) وقال عطا: هو باق(6) على التحريم.

وروى أصحابنا: أنه على التحريم فيمن يرى لهذه الاشهر حرمة، فانهم لايبتدء‌ون فيه بالقتال، وكذلك في الحرم، وإنما أباح تعالى للنبي صلى الله عليه وآله قتال أهل مكة وقت الفتح، ولذلك قال صلى الله عليه وآله: إن الله أحلها في هذه الساعة، ولا يحلها لاحد بعدي إلى يوم القيامة. ومن لا يرى ذلك، فقد نسخ في جهته وجاز قتاله أي وقت كان.

___________________________________

(1) سورة الزخرف آية: 57.

(2) في المطبوعة " بعدك ".

(3) في المطبوعة " الورع ".

(4) سورة البقرة آية: 193.

(5) سورة التوبة آية: 6.

(6) في المطبوعة " فاق ".

[208]

وقوله: " يردوكم " قال الجبائي: هو مجاز هاهنا، لان حقيقته: حتى ترتدوا بالجاء‌هم إياكم إلى الارتداد، والاولى أن يكون حقيقة ذلك بالعرف.

اللغة: وقوله تعالى: " ولا يزالون " فالزوال: العدول. ولا يزال موجودا، وما زال: أي مادام، وزال الشئ عن مكانه يزول زوالا، وأزلته عنه، وزلته، وزالت الشمس زوالا، وزيالا، وزالت الخيل بركبانها زيالا، ورجل زول، وامرأة زولة، وهو الظريف الركبين(1) وأصل الباب الزوال.

وقوله: " ومن يرتدد منكم عن دينه "، فهو على إظهار التضعيف، لسكون الثاني. ويجوز " يرتد " - بفتح الدال - على التحريك، لالتقاء الساكنين، والفتح أجود.

وقوله: " فأولئك حبطت أعمالهم " معناه: أنها صارت بمنزلة ما لم يكن، لا يقاعهم إياها على خلاف الوجه المأمور به، وليس المراد أنهم استحقوا عليها الثواب ثم انحبطت، لان الاحباط - عندنا - باطل على هذا الوجه.

ويقال: حبط عمل الرجل يحبط حبطا وحبوطا، وأحبطه الله إحباطا، والحبط: فساد، يلحق الماشية في بطونها، لاكل الحباط، وهو ضرب من الكلاء. يقال: حبطت الابل تحبط حبطا اذا أصابها ذلك.

وروي عن عطا عن ابن عباس: أن المسجد الحرام الحرم كله.

قوله تعالى: إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم(218)

آية واحدة بلا خلاف.

___________________________________

(1) الركبين - بفتح الراء والباء - وأصل الفخذين.

[209]

النزول والاعراب: ذكر جندب بن عبدالله، وعروة بن الزبير: أن هذه الاية نزلت في قصة عبدالله بن جحش وأصحابه، لما قاتلوا في رجب، وقتل واقد التميمي بن الحضرمي، ظن قوم أنهم إن سلموا من الاثم فليس لهم أجره، فأنزل الله الاية فيهم - بالوعد -. وخبر " إن الذين آمنوا " الجملة التي هي قوله: " أولئك يرجون رحمة الله " أولئك ابتداء، ويرجون خبره، والجملة خبر (إن).

اللغة: وقوله: " والذين هاجروا " فالهجر ضد الوصل، تقول: هجره يهجره هجرا، وهجرانا: اذا قطع مواصلته.

والهجر: مالا ينبغي من الكلام، تقول: هجر المريض يهجر هجرا، لانه قال مالا ينبغي أن يهجر من الكلام، وما زال ذلك هجيراه أي دأبه(1).

والهاجرة: نصف النهار، وهجر القوم تهجيرا: اذا دخلوا في الهاجرة.

وسمي المهاجرون لهجرتهم قومهم، وأرضهم.

وأهجرت الجارية إهجارا: إذا شبت شبابا حسنا، فهي مهجرة، ويقال ذلك للناقة، والنخلة.

والهجار: حبل يشد به يد الفحل إلى إحدى رجليه لانه يهجر بذلك التصرف وأصل الباب الهجر: قطع المواصلة.

وقوله تعالى: " وجاهدوا " تقول: جهدت الرجل جهدا: إذا حملته على مشقة، وجاهدت العد ومجاهدة إذا حملت نفسك على المشقة قتاله.

واجتهدت رأي: اذا حملت نفسك على المشقة في بلوغ صواب الرأي.

والجهاد: الارض الصلبة، وأصل الباب الجهد: الحمل على المشقة.

وقوله تعالى: " في سبيل الله " يعني قتال العدو، ويدخل في ذلك مجاهدة النفس.

وقوله " أولئك يرجون " فالرجاء الامل، رجا يرجو رجاء، وترجى

___________________________________

(1) هجيراه - بكسر الهاء والجيم مع تشديد الجيم - في المطبوعة (أي داته).

[210]

ترجيا، وارتجى ارتجاء، والرجا - مقصورا - ناحية كل شئ، ويثنى رجوان وجمعه أرجاء، ومنه أرجاء البئر نواحيه، وقوله تعالى " مالكم لا ترجون لله وقارا(1) أي لا تخافون، قال أبوذؤيب:

إذا لسعته النحل لم يرج لسعها *** وخالفها في بيت نوب عواسل(2)

أي لم يخف، وذلك أن الرجاء للشئ الخوف من أن لايكون، فلذلك سمي الخوف باسم الرجاء، وأصل الباب الامل، وهو ضد اليأس.

المعنى: وفي الاية دلالة على أن من مات مصرا على كبيرة لا يرجو رحمة الله لامرين: أحدهما - أن ذلك دليل الخطاب، وذلك غير صحيح عند أكثر المحصلين.

والثاني - أنه قد يجتمع - عندنا - الايمان والهجرة والجهاد مع ارتكاب الكبيرة، فلا يخرج من هذه صورته عن تناول الاية له، وإنما ذكر المؤمنين برجاء الرحمة وإن كانت هي لهم لامحالة، لانهم لايدرون ما يكون منهم من الاقامة على طاعة الله أو الانقلاب عنها إلى معصيته، لانهم لا يدرون كيف تكون أحوالهم في المستقبل.

وقال الجبائي: لانهم لايعلمون أنهم أدوا كما يجب لله عليهم، لان هذا العلم من الواجب، وهم لا يعلمونه إلا بعلم آخر، وكذلك سبيل العلم في أنهم لا يعلمونه إلا بعلم غيره، وهذا يوجب أنهم لا يعلمون إذا كما يجب لله عليهم.

وقال ابن الاخشاد: لانه لا يتفق للعبد التوبة من كل معصية، واستدل على ذلك باجماع الامة على أنه ليس لاحد غير النبي صلى الله عليه وآله. ومن شهد له عليه، فلا.

ويمكن في الاية وجه آخر - على مذهبنا - وهو أن يكون رجاء‌هم لرخصة الله في غفران معاصيهم التي لم يتفق لهم التوبة عنها، واخترموا دونهم، فهم يرجون أن يسقط الله عقابها عنهم تفضلا.

فأما الوجه الاول، فانما يصح على مذهب من

___________________________________

(1) سورة نوح آية: 13.

(2) اللسان (رجا)، (خلف) في المطبوعة (عوامل) بدل (عواسل) أي دخل عليها وأخذ عسلها. ويروى " وحالفها " أي لزمها.

[211]

يجوز أن يكفر المؤمن بعد إيمانه أو يفعل في المستقبل كبيرة يحبط ثواب إيمانه، وهذا لايصح على مذهبنا في الموفات.

وما قاله الجبائي يلزم عليه وجوب مالا نهاية له، لانه إذا وجب عليه أن يعلم أنه فعل ما وجب عليه بعلم آخر، وذلك العلم مما وجب عليه أيضا فيجب ذلك بعلم آخر، وفي ذلك التسلسل. وإنما ضم إلى صفة الايمان غيره في اعتبار الرجاء للرحمة ترغيبا في كل خصلة من تلك الخصال، لانها من علامات الفلاح. فأما الوعد، فعلى كل واحدة منها إذا سلمت مما يبطلها.

وقال الحسن: الرجاء، والطمع هاهنا على الايمان إذا سلم العمل.

وذكر الجبائي: أن هذه الاية تدل على أنه لايجوز لاحد أن يشهد لنفسه بالجنة، لان الرجاء لا يكون إلا مع الشك، وقد بين الله تعالى: أن صفة المؤمن الرجاء للرحمة، لا القطع عليها لامحالة.

ووجه اتصال هذه الاية بما قبلها هو أنه لما ذكر في الاولى العذاب، ذكر بعدها آية الرحمة، ليكون العبد بين الخوف والرجاء إذ ذلك أو كد في الاستدعاء، وأحق بتدبير الحكماء. وكتبت " رحمة الله " بالتاء في المصحف على الوصل، والاقيس بالهاء على الوقف، كما كتب " يدع الداع "(1) و " يقضي بالحق "(2) " واضرب لهم مثلا "(3) كل ذلك على الوقف.

قوله تعالى: يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الايات لعلكم تتفكرون(219)

___________________________________

(1) سورة القمر آية 6.

(2) سورة المؤمن آية: 20.

(3) سورة الكهف آية: 32.

[212]

القراء‌ة: قرأ أهل الكوفة إلا عاصم " إثم كثير " بالثاء.

الباقون بالباء، وقرأ أبو عمرو وحده " قل العفو " بالرفع.

الباقون بالنصب.

اللغة: قال أكثر المفسرين: الخمر عصير العنب إذا اشتد.

وقال جمهور أهل المدينة: ما أسكر كثيره فهو خمر، وهو الظاهر في رواياتنا.

وأما اشتقاقه في اللغة: تقول خمرت لدابة أخمرها خمرا إذا سقيتها الخمر، وخمرت العجين والطين أخمره خمرا: إذا تركتة فلم تستعمله حتى يجود.

وأخمر القوم إخمارا: اذا تواروا في الشجر.

ويقال لما سترك من شجر: خمرى(1)، مقصورا، واختمرت المرأة، وخمرت إذا لبست الخمار: وهي المقنعة.

وخامره الحزن مخامرة إذا خالطه.

وخمر الاناء وغيره تخمرا: إذا غطيته، واستخمرت فلانا: اذا استعبدته.

والخمار بخار يعقبه شرب الخمر.

والمخامرة: المقاربة.

والخمر: ما وارك من الشجر، وغيره.

والخمر: شبيه بالسجادة.

والمخمرة من الغنم: سوداء ورأسها أبيض.

ودخل في خمار الناس: إذا دخل في جماعة، فخفي فيهم، وأصل الباب الستر.

والميسر: قال ابن عباس، وعبدالله بن مسعود، والحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن سيرين: هو القمار كله وهو الظاهر في رواياتنا.

واشتق الميسر من اليسر، وهو وجوب الشئ لصاحبه، من قولهم: يسر لي هذا الشئ: إذا وجب لي، فهو تيسر لي يسرا، وميسرا، والياسر: الواجب بقداح وجب لك أو غير ذلك.

وقيل للمقامر: ياسر، ويسر، قال النابغة:

أو ياسر القداح بوفره *** أسف تآكله الصديق مخلع(2)

يعنى القامر.

___________________________________

(1) في المطبوعة (ضرأ) وهو تصحيف.

(2) لم أجد هذا البيت في شعر النابغة، وهو موجود في تفسير الطبري 4: 322.

الياسر: المقامر.

القداح: تستعمل في لعب القمار الوفر: المال الكثير.

مخلع: قد لعب في القمار مرة بعد مرة.

وكأنه يصف لاعب قمار قد خسر ماله الواسع وقد أسف عليه عندما رأى أصدقاء‌ه الذين يلعبون دائما قد أخذوه منه وتقاسموه.

[213]

وقيل أخذ من التجزء‌ة، لان كل شئ جزأته، فقد يسرته، والياسر: الجازر.

والميسر: الجزور.

وقيل الميسر مأخوذ من اليسر، وهو تسهل الشئ، لانهم - كانوا - مشتركون في الجزور، ليسهل أمرها إلا أنه المعنى الجهة: القمار.

المعنى: وقوله: " قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس " فالنفع التي في الخمر: ما كانوا يأخذونه في أثمانها، وربح تجارتها، وما فيها من اللذة بتناولها: أي فلا تغتروا بالنفع فيها، فالضرر أكثرمنه.

وقال الحسن، وغيره: هذه الاية تدل على تحريم الخمر، لانه ذكر أن فيها إثما، وقد حرم الله الاثم بقوله: " قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم "(1) على أنه قد وصفها بأن فيها إثما كبيرا والكبير يحرم بلا خلاف.

وقال قوم: المعنى وإثمهما بعد تحريمهما أكبر من نفعهما قبل تحريمهما.

وقال آخرون: المعنى إن الاثم بشرب هذه، والقمار بها أكبر وأعظم، لانهم كانوا إذا استكروا وثب بعضهم على بعض، وقاتل بعضهم بعضا.

وقال قتادة: لاتدل الاية على تحريمهما، وإنما تدل الاية التي في المائدة في قوله: " إنما الخمر والميسر "(2) إلى آخرها.

ووجهه قتادة على أنه قد يكثر فيهما " إثم كبير ".

وقوله: " يسألونك ماذا ينفقون " قال السدي: نسخته آية الزكاة.

وقال مجاهد: هو فرض ثابت.

وقال قوم: هو أدب من الله ثابت غير منسوخ، وهو الاقوى، لانه لادليل على نسخها.

و " العفو " هنا قيل في معناه ثلاثة أقوال: قال ابن عباس، وقتادة: هو ما فضل عن الغنى.

وقال الحسن، وعطا: هو الوسط من غير إسراف ولا إقتار.

وقال مجاهد: هو الصدقة المفروضة.

___________________________________

(1) سورة الاعراف آية: 32.

(2) آية: 93.

[214]

وروي عن أبي جعفر (ع) أن العفو: ما فضل عن قوت السنة، فنسخ ذلك بآية الزكاة.

وروي عن أبي عبدالله (ع) أن العفو هاهنا: الوسط.

والعفو مأخوذ من الزيادة ومنه قوله: " حتى عفوا "(1) أي حتى زادوا على ما كانوا عليه من العدد قال الشاعر:

ولكنا نعض السيف منها *** باسبق عافيات الشحم كوم(2)

أي زايدات الشحم.

وقال قوم: هو مأخوذ من الترك من قوله: " فمن عفي له من أخيه شئ "(3) أي ترك له، فيكون العفو المتروك غنى عنه، ومن رفع معناه ما الذي ينفقون، وفي الاول كأنه قال: أي شئ ينفقون، فقالوا: العفو. وإنما وحد الكاف في كذلك، وإن كان الخطاب لجماعة، لاحد أمرين: أحدهما - في تقدير كذلك أيها السائل.

والثاني - أن يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله ويدخل فيه الامة، كما قال: " يا أيها النبي اذا طلقتم النساء "(3) وقوله: " لعلكم تتفكرون " أي لكي تتفكروا، وهي لام الغرض. وفي ذلك دلالة على أن الله تعالى أراد منهم التفكر سواء تفكروا أو لم يتفكروا.

الآية: 220 - 229

قوله تعالى: في الدنيا والاخرة ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فاخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لاعنتكم إن الله عزيز حكيم(220)

آية واحدة.

والاعراب والمعنى: العامل في الضرف من قوله: " في الدنيا والاخرة " يحتمل أمرين:

___________________________________

(1) سورة الاعراف آية: 94.

(2) قائله لبيد بن ربيعة، ديوانه: 19 رقم القصيدة: 3 في المطبوعة " يعض السيف منا " وهو خطأ، لان البيت من قصيدة يفتخر في كرمهم: يقول.

(3) سورة البقرة آية: 187.

(4) سورة الطلاق آية: 1.

[215]

أحدهما - " يبين " على قول الحسن.

والثاني - " يتفكرون " في قول غيره.

وأجاز الزجاج الوجهين معا.

وكيفية فكرهم في الدنيا والاخرة، قال قتادة: يتفكرون في أن الدنيا دار بلاء، وفناء، والاخرة دار جزاء وبقاء.

اللغة: وقوله تعالى: " ويسألونك عن اليتامى "، فهو جمع يتيم، والفعل منه يتم ييتم يتما، كقولك: نكر نكرا.

وحكى الفراء: يتم ييتم يتما، كشغل شغلا.

وقوله: " وإن تخالطوهم " فالمخالطة: مجامعة يتعذر معها التمييز، كمخالطة الخل للماء، والماء للماء وما أشبه ذلك، تقول: خلط يخلط خلطا، وخالطه خلاطا ومخالطة، واختلاطا، وتخالطوا تخالطا، وخلطه تخليطا، وتخلط تخلطا.

وأخلط الفرس: إذا قصر في جريه.

واستخلط الفحل: اذا خالط ثيله حياء الناقة(1) .

والخلاط: الجنون، لاختلاط الامور على صاحبه.

والخليطان: الشريكان، لاختلاط أموالهما.

والخليط: القوم أمرهم واحد والخلاط: داء في الجوف.

ورجل خلط: متحبب إلى الناس، لطلبه الاختلاط بهم.

المعنى: ومعنى الاية الاذن لهم فيما كانوا متحرجون منه من مخالطة الايتام في الاموال: من المأكل، والمشرب والمسكن، ونحو ذلك، فأذن الله لهم في ذلك إذا تحروا(2) الاصلاح بالتوفير على الايتام - في قول الحسن، وغيره - وهو المروي في أخبارنا.

الاعراب: وقوله: " فاخوانكم " رفع على فهم(3) أخوانكم خالطموهم أو لم تخالطوهم،

___________________________________

(1) في المطبوعة " ثيله حال الناقة " وهو تصحيف.

(2) في المطبوعة " اذا انحروا " وهو تصحيف.

(3) في المطبوعة " فهو ".

[216]

وقوله: " فان خفتم فرجالا أو ركبانا "(1) نصب على فصلوا(2) وهو حال الصلاة خاصه لاحال معنى فأنتم رجال أو ركبان، كيف تصرفت الحال.

ويجوز - في العربية - فاخوانكم على النصب على تقدير: فاخوانكم تخالطون، والوجه الرفع، لما بيناه.

اللغة: وقوله: " ولو شاء الله لاعنتكم " معناه: التذكير بالنعمة في التوسعة على ما توجبه الحكمة مع القدرة على التضييق الذي فيه أعظم المشقة، والاعنات: الحمل على مشقة لا تطاق فعلا.

وعنت العظم عنتا اذا أصابه وهن أو كسر، وأعنته إعناتا إذا عسفه(3) بالحمل على مكروه لا يطيقه.

وعنت عنتا إذا اكتسب مأثما، وتعنته تعنتا إذ لبس عليه في سؤاله له.

والاكمة العنوت: هي الطويلة من الاكام، وأصل الباب المشقة.

المعنى: وقال البلخي: في هذه الاية دلالة على فساد قول من قال: إنه تعالى لايقدر على الظلم، لان الاعنات - بتكليف ما لا يجوز في الحكمة - مقدور له، إذ لو يشاء لفعله.

وقال الجبائي:: لوأعنتهم لكان جائزا حسنا، لكنه تعالى وسع على العباد، لما في التوسعة من تعجيل النعمة.

وفي الاية دلالة على بطلان قول المجبرة(4) في البدل، وتكليف ما لا يطاق، أما البدل، فلانهم يذهبون إلى النهي عن الكفر الموجود في حالة بأن يكون الايمان بدلا منه، وهذا أعظم ما يكون من الاعنات، لانه أمر له(5) بالمحال، هو ليكن منك الايمان بدلا من الكفر الموجود في

___________________________________

(1) سورة البقرة آية: 239.

(2) في المطبوعة " فضلوا " بتشد الضاد.

(3) عسفه: ظلمه، والعسف الظلم.

(4) في المطبوعة " بطلان " سافطة.

(5) في المطبوعة " أمر " ساقطة.

[217]

الحال، وكذلك النهي فيما لم يكن منك ما هو كائن من الكفر الموجود في الحال كل ذلك محال، وكذلك الامر بالايمان، من لم يقدر على الايمان، فاذا لم يفعله عذب بأشد العذاب، وإذا لم يكلف من الممكن ما فيه مشقة وشدة، للمظاهرة على عباده بالنعمة، لم يجز أن يكلف ما ليس على قدره، لانه أسوء تناقض المظاهرة بالنعمة.

وقوله: " إن الله عزيز حكيم " أي يفعل بعزته مايحب، لا يدفعه عنه دافع.

" حكيم " ذو حكمة فيما أمركم به من أمر اليتامى وغيره.

 




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8903235

  • التاريخ : 8/08/2020 - 05:36

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net