00989338131045
 
 
 
 
 
 

  سورة البقرة ( من آية 142 ـ 164) 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن (الجزء الثاني)   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

[1]

التبيان في تفسير القرآن

تأليف

شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

385 - 460 ه‍.

تحقيق وتصحيح أحمد حبيب قصير العاملي

المجلد الثاني

الآية: 142 - 149

[3]

سيقول السفهاء من الناس ماولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم(142)

آية واحدة بلا خلاف.

أخبر الله (تعالى) نبيه عليه السلام أنه سيقول لك فيما بعد السفهاء، وهو جمع سفيه، وهو والجاهل والغبي نظائر.

" ما ولاهم " معناه، أي شئ ولاهم ومعنى ولاهم صرفهم عنه، ومثله: قلبه عنه وفتله.

" عن قبلتهم التي كانوا عليها ".

والقبلة: الجهة التي تستقبل في الصلاة، وقبلة المسلمين: الكعبه.

والسفيه الخفيف إلى ما لا يجوز له أن نخف إليه، وهي صفة ذم في الدين. وضد السفه الحكمة واشتقاق. لاهم من الولي، وهو حصول الثاني بعد الاول من غيرفصل. فالثاني يلي الاول، والثالث يلي الثاني، والرابع يلي الثالث ثم هكذا أبدا.

وولى عنه خلاف ولى إليه: مثل قولك: عدل عنه، وعدل إليه، وانصرف، عنه وانصرف إليه. فاذا كان الذي يليه متوجها إليه فهو متول إليه واذا كان متوجها إلى خلاف جهته إلى خلاف جهته، فهو متول عنه.

والقبلة مثل الجلسة للحال التي يقابل الشئ غيره عليها. كما أن الجلسة للتي يجلس عليها. فكان يقال: فيما حكي هو لي قبلة، وأنا له قبلة، ثم صار علما على الجهة التي تستقبل في الصلاة.

واختلفوا في الذين عابوا المسلمين بالانصراف عن قبلة بيت المقدس إلى الكعبة على ثلاثة أقوال: (الاول) فقال ابن عباس، والبراء بن عازب: هم اليهود. و (الثاني) قال الحسن: هم مشركوا العرب، وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله الما حول الكعبة من بيت المقدس، قالوا: يامحمد صلى الله عليه وآله رغبت عن قبلة آبائك، ثم رجعت إليها ايضا، والله لترجعن إلى دينهم. والثالث قال السدي: انهم المنافقون، قالوا ذلك استهزاء بالاسلام.

[4]

واختلفوا في سبب عيبهم الصرف عن القبلة: فقال قوم: انهم قالوا ذلك على وجه الانكار للنسخ.

و (الثاني) قال ابن عباس: إن قوما من اليهود قالوا: يا محمد ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها، ارجع اليها نتبعك ونؤمن. وأرادوا بذلك فتنته.

الثالث - انه قال ذلك مشركوا العرب ليوهموا ان الحق ماهم عليه. وإنما صرفهم الله عن القبلة الاولى لما علم الله تعالى من تغير المصلحة في ذلك.

وقيل انما فعل ذلك لما قال تعالى " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه "، لانهم كانوا بمكة، أمروا أن يتوجهوا إلى بيت المقدس ليتميزوا من المشركين الذين كانوا بحضرتهم يتوجهون إلى الكعبة، فلما انتقل رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة كان اليهود المجاورون للمدينة يتوجهون إلى بيت المقدس فنقلوا إلى الكعبة ليتميزوا من هؤلاء كما اريد في الاول ان يتميزوا من أولئك.

واختار ذلك البلخي والجبائي والرماني.

وقوله تعالى: " قل لله المشرق والمغرب " أمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله ان يقول لهؤلاء الذين عابوا انتقالهم عن بيت المقدس إلى الكعبة: المشرق والمغرب ملك لله يتصرف فيهما كيف شاء على ما تقتضيه حكمته. والمشرق والمطلع نظائر، وكذلك المغرب والمغيب نظائر. وفي الآية دلالة على جواز النسخ لانه تعالى نقلهم - عن عبادة كانوا عليها - إلى ايقاعها على وجه آخر وهذا هو النسخ.

وقوله: " لله المشرق والمغرب " فيه دلالة على أن من له المشرق والمغرب، فله التدبير فيهما، وفي ذلك اسقاط قول من زعم: أن الارض المقدسة أولى بالتوجه اليها. لانها مواطن الانبياء - وقد شرفها الله وعظمها - فلا وجه للتولية عنها - فرد الله عليهم بأن المواطن كلها لله يشرف منها ما يشاء في كل زمان على ما يعلمه من مصالح العباد.

وقال ابن عباس، والبراء بن عازب: انه كانت الصلاة إلى بيت المقدس إلى بعد مقدم النبي صلى الله عليه وآله بسبعة عشر شهرا.

وقال انس بن مالك: انما كان ذلك تسعة اشهرأو عشرة اشهر.

وقال معاذ بن جبل كان ثلاثة عشر شهرا.

[5]

وقال قتادة صلت الانصار نحو بيت المقدس حولين قبل قدوم النبي صلى الله عليه وآله وصلى النبي صلى الله عليه وآله بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا ثم وجهه الله إلى الكعبة. ولاخلاف ان التوجه إلى بيت المقدس قبل النسخ كان فرضا واجبا.

ثم اختلفوا فقال الربيع: كان ذلك على وجه التخيير، خير الله نبيه بين ان يتوجه إلى بيت المقدس وبين غيرها.

وقال ابن عباس وأكثر المفسرين كان ذلك فرضا معنيا - وهو الاقوى -، لقوله: " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها " فبين انه جعلها قبلة، وظاهر ذلك انه معين، لانه لادليل على التخيير، على انه لو ثبت انه كان مخيرا لما خرج من ان يكون فرضا، كما ان الغرض ان يصلى الصلاة في الوقت ثم هو مخير بين أوله وأوسطه وآخر.

وقوله: " والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " معنا: يهديهم إلى الدين المستقيم الذي يؤديهم إلى الجنة، فلذلك سماه صراطا كما يؤدي الطريق إلى المقصد.

قوله تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها الا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وان كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع ايمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم(143)

آية بلا خلاف.

القراء‌ة: قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم " لرؤوف " على وزن لرعوف. الباقون " لرؤف " على وزن (فعل).

[6]

المعنى: اخبر الله تعالى أنه جعل أمة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسطا: أي سماها بذلك وحكم لها به. والوسط: العدل. وقيل الخيار، ومعناهما واحد: وقيل: انه مأخوذ من المكان الذي تعدل المسافة منه إلى اطرافه. وقيل: بل أخذ الوسط من التوسط بين المقصر والمغالي، فالحق معه(1).

وقال مؤرج: اي وسط بين الناس وبين انبيائهم وقال زهير:

هم وسط يرضى الانام بحكمهم *** اذا نزلت احدى الليالي بمعظم(2)

وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: أمة وسطا: عدلا.

وهو قول مجاهد، وقتادة، والربيع، وابن عباس، واكثر المفسرين.

وقال صاحب العين: الوسط من الناس وغيرهم، ومن كل شئ أعدله، وافضله وقيل الواسط والوسط بمعنى واحد، كما قيل يابس ويبس بمعنى واحد.

قال تعالى " في البحر يبسا "(3) والوسط - بتسكين السين - الموضع. والوسط - بالتحريك - لما بين طرفي كل شئ، ويسمى واسط الرحل بين القادمة والاخرة، وكذلك واسطة القلادة. واصل الباب الوسط: العدل وقولهم فلان من اوسطهم نسبا: اي تكلله الشرف من نواحيه.

الاعراب: واللام الاولى في قوله: " لتكونوا شهداء على الناس " لام كي، كأنه قال كي تكونوا، واصلها لام الاضافة.

واللام في قوله: " وان كانت لكبيرة " لام تأكيد، وهي تلزم أن المخففة من الثقيلة، لئلا تلبس بأن التي بمعنى ما، كقوله تعالى:

___________________________________

(1) الضمير راجع إلى الوسط اي الحق مع الوسط لانه ليس بالمقصر ولا بالمغالي.

(2) ديوانه 2: 27 وروايته.

لحي حلال يعصم الناس أمرهم *** اذا طرقت احدى الليالي بمعظم

وفي تفسير الطبري وبعض المصادر الاخرى كما هو مثبت في المتن.

(3) سورة طه: آية 77.

[7]

" إن الكافرون إلا في غرور "(1) وهي لام الابتداء أخرت إلى الخبر في باب (ان) خاصة.

واما اللام الثالثة في قوله: " وما كان الله ليضيع إيمانكم " فلام الجحد، واصلها الام الاضافة، والفعل نصب باضمار (أن)، ولا يظهر بعدها (ان)، لان التأويل: ما كان الله مضيعا ايمانكم، فلما حمل معناه على التأويل، حمل، لفظه ايضا على التأويل من غير تصريح باظهار (ان).

المعنى: فان قيل: باي شئ يشهدون على الناس، قلنا فيه ثلاثة اقوال:

احدها - ليشهدوا على الناس باعمالهم التي خالفوا فيها الحق في الدنيا وفي الآخرة كما قال: " وجيئ بالنبيين والشهداء "(2) وقال " يوم يقوم الاشهاد "(3) قال ابن زيد: الاشهاد أربعة الملائكة، والانبياء، وامة محمد صلى الله عليه وآله والجواح. كما قال: " يوم تشهد عليهم ألسنتهم وايديهم وارجلهم بما كانوا يعملون "(4).

الثاني - يشهدون الانبياء على اممهم المكذبين بانهم بلغوا. وجاز ذلك لاعلام النبي صلى الله عليه وآله اياهم بذلك.

الثالث - " لتكونوا شهداء على الناس " أي حجة عليهم فيما يشهدون، كما أن النبي صلى الله عليه وآله شهيد بمعنى حجة في كلما اخبر به. والنبي صلى الله عليه وآله وحده كذلك. فأما الامة فجماعتها حجة دون كل واحد منها.

واستدل البلخي، والجبائي، والرماني، وابن الاخشاد، وكثير من الفقهاء، وغيرهم بهذه الآية على أن الاجماع حجة من حيث ان الله وصفهم بانهم عدول، فاذا عدلهم الله تعالى، لم يجز أن تكون شهادتهم مردودة - وقد بينا في اصول الفقه أنه لا دلالة فيها على ان الاجماع حجة - وجملته ان الله تعالى وصفهم بانهم عدول، وبانهم شهداء وذلك يقتضي ان يكون كل واحد عدلا،

___________________________________

(1) سورة الملك: آية 20.

(2) سورة الزمر: آية 69.

(3) سؤرة المؤمن: آية 51.

(4) سورة النور: آية 24.

[8]

وشاهدا، لان شهداء جمع شهيد، وقد علمنا أن كل واحد من هذه الامة ليس بهذه الصفة، فلم يجز أن يكون المراد ما قالوه، على أن الامة إن أريد بها جميع الامة، فقد بينا ان فيها كثيرا ممن يحكم بفسقه بل بكفره، فلا يجوز حملها على الجميع.

وان خصوها بالمؤمنين العدول، لنا أن نخصها بجماعة، كل واحد منهم موصوف بما وصفنا به جماعتهم: وهم الائمة المعصومون من آل الرسول صلى الله عليه وآله على أنالوه سلمنا ما قالوه من كونهم عدولا، ينبغي أن نجنبهم ما يقدح في عدالتهم وهي الكبائر، فأما الصغائر التي تقع مكفرة، فلا تقدح في العدالة، فلا ينبغي أن نمنع منها، ومتى جوزنا عليهم الصغائر لم يمكنا أن نحتج باجماعهم، لانه لاشئ أجمعوا عليه إلا ويجوز أن يكون صغيرا فلا يقدح في عدالتهم، ولا يجب الاقتداء بهم فيه لكونه قبيحا.

وفي ذلك بطلان الاحتجاج باجماعهم. وكيف يجنبون الصغائر، وحال شهادتهم ليس بأعظم من شهادة النبي صلى الله عليه وآله ومع هذا يجوزون عليه الصغائر فهلا جاز مثل ذلك عليهم، ولا تقدح في عدالتهم - كما لم تقدح في عدالة النبي صلى الله عليه وآله؟ قوله: " ويكون الرسول عليكم شهيدا ".

قيل في معناه قولان: أحدهما - عليكم شهيدا بما يكون من اعمالكم. وقيل: يكون حجة عليكم.

والثاني - يكون لكم شهيدا بأنكم قد صدقتم - يوم القيامة - فيما تشهدون به.

وجعلوا (على) بمعتى اللام كما قال: " وما ذبح على النصب "(2) اي للنصب.

والتشبيه في قوله " وكذلك " وقع بما دل عليه الكلام في الآية التي قبلها: وهي قوله " يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " فتقديره انعمنا عليكم بالعدالة كما انعمنا عليكم بالهداية والعامل في الكاف جعلنا، كانه قيل: " من يشاء إلى صراط مستقيم " فقد انعمنا عليكم بذلك وجعلناكم أمة وسطا فأنعمنا كذلك الانعام.

إلا أن (جعلنا) يدل على انعمنا في هذا الكلام، فلم نحتج إلى حذفه معه في قوله تعالى: " وما جعلنا القبلة التي التي كنت عليها " اي ما صرفناك عن القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم، وحذف لدلالة الكلام عليه.

___________________________________

(1) سورة المائدة: آية 4

[9]

وقوله " إلا لنعلم " قيل في معناه ثلاثة اقوال: اولها " إلا لنعلم " اي لنعلم حزبنا من النبي والمؤمنين، كم يقول الملك فعلنا وفتحنا بمعنى فعل أولياؤنا ومن ذلك قيل: فتح عمر السواد وجبا الخراج وإن لم يتول ذلك بنفسه.

الثاني - إلا ليحصل المعلوم موجودا، فقيل على هذا: إلا لنعلم، لانه قبل وجود المعلوم لا يصح وصفه بانه عالم بوجوده.

والثالث - إلا لنعاملكم معاملة المختبر الممتحن الذي كأنه لا يعلم أن العدل يوجب ذلك، من حيث لو عاملهم بما يعلم انه يكون منهم كان ظلما لهم.

ويظهر ذلك قول القائل لمن انكر أن تكون النار تحرق الحطب: فاليحضر النار والحطب لنعلم أتحرقه أم لا، على جهة الانصاف في الخطاب، لاعلى جهة الشك في الاحراق.

وهذا الوجه اختاره ابن الاخشاد، والرماني.

وكان علي بن الحسين المرتضى الموسوي يقول في مثل ذلك وجها مليحا: وهو ان قال: قوله لنعلم يقتضي حقيقة ان يعلم هو وغيره ولا يحصل علمه مع علم غيره إلا بعد حصول الاتباع، فاما قبل حصوله فانما يكون هو تعالى العالم وحده، فصح حينئذ ظاهر الاية وهذا وجه رابع، وفيه قول خامس - وهو ان يعلموا انا نعلم، لانه كان منهم من يعتقد ان الله لا يعلم الشئ حتى يكون على ان قوله: " لنعلم من يتبع الرسول " لا يدل على حدوث العلم، لانه كان قبل ذلك عالما بان الاتباع سيوجد، او لا يوجد، فان وجد كان عالما بوجوده وان لم يتجدد له صفة. وانما يتجدد المعلوم، لان العلم بان الشئ سيوجد علم بوجوده إذا وجد. وانما يتغير عليه الاسم، ويجري ذلك مجرى تغير الاسم على زمان بعينه، بان يوصف بانه غد قبل حصوله، فاذا حصل قيل انه اليوم، فاذا تقضى وصف بانه امس، فتغير عليه الاسم والمعلوم لم يتغير.

وقوله تعالى: " ممن ينقلب على عقبيه " قيل في معناه قولان: احدهما ان قوما ارتدوا عن الاسلام لما حولت القبلة جهلا منهم بما فيها من وجه الحكمة.

[10]

والآخر ان المراد به كل مقيم على كفره، لان جهة الاستقامة إقبال، وخلافها ادبار، لذلك وصف الكافر بانه ادبر واستكبر.

وقال " لا يصلاها إلا الاشقى ألذي كذب وتولى "(1) اي عن الحق.

اللغة: والعقب مؤخر القدم قال ثعلب: ونرد على اعقابنا: أي نعقب بالشر بعد الخير وكذلك رجع على عقبيه. وسميت العقوبة عقوبة لانها تتلو الذنب. والعقبة كرة بعد كرة في الركوب والمشي. المعقباب: ملائكة الليل تعاقب ملائكة النهار. وعقب الانسان نسله. والعقاب معروف والعقب أصلب من العصاب وامتن، يعقب به الرماح. والنعقيب: الرجوع إلى امر تريده. ومنه قوله تعالى: " ولم يعقب "(2) ومنه يقال عقب الليل النهار يعقبه. واعقب الرأي خبرا، وأعقب عزه ذلا أي ابدل به.

والعقبة طريق في الجبل. وعرو العقاب: الراية لشبهها بعقاب الطائر. واليعقوب ذكر القبسج تشبه به الخيل في السرعة. لا معقب لحكمه أي لا راد لقضائه. والمعقب: الذي يتبع الانسان في طلب حق. واصل الباب التلو.

المعنى: والضمير في قوله " وان كانت لكبيرة " يحتمل رجوعه إلى ثلاثة أشياء: القبلة على قول ابن عامر. والتحويلة على قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. وهو الاقوى، لان القوم ثقل عليهم التحويل لا نفس القبلة. وعلى قول ابن زيد الصلاة.

وقوله: " لكبيرة " قال الحسن: معناه ثقليه يعني التحويلة إلى بيت المقدس، لان العرب لم تكن قبلة احب اليهم من الكعبة. وقيل معناه عظيمة على من لم يعرف ما فيها من وجوه الحكمة. فاما الذين هدى الله، لان المعرفة بما فيها من المصلحة تسهل المشقة فيصير بمنزلة مالا يعتد بها ولذلك حسن الاستثناء بما يخرجهم منها.

___________________________________

(1) سورة الليل: آية 15 - 6 1.

(2) سورة النمل آية 10 وسورة القصص آية 31

[11]

وقوله: " وما كان الله ليضيع ايمانكم " قيل في معناه اقوال:

اولها - قال ابن عباس وقتادة والربيع: لما حولت القبلة قال ناس: كيف باعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الاولى. وقيل: كيف من مات من اخواننا قبل ذلك، فانزل الله (وما كان الله ليضيع ايمانكم).

الثاني - معناه قال الحسن: وانه لما ذكر ما عليهم من المشقة في التحويلة اتبعه بذكر مالهم عنده من المثوبة وانه لا يضيع ما عملوه من الكلفة فيه لان التذكير به يبعث على ملازمه الحق والرضا به.

الثالث - قال البلخي: انه لما ذكر انعامه عليهم بالتولية إلى الكعبة ذكر سبب ذلك الذي استحقوه به وهو ايمانهم بما عملوه اولا فقال: " وما كان الله ليضيع ايمانكم " الذي استحققتم به تبليغ محبتكم في التوجه إلى الكعبة.

اللغة: والاضاعة مصدر اضاع يضيع. وضاع الشئ يضيع ضاعة، وضعة تضيعا.

قال صاحب العين: ضبعة الرجل حرفته. يقال: ما ضيعتك اي ما حرفتك، هذا في الضياع وضاع عمل فلان ضيعة، وضياعا. وتركهم بضيعة ومضيعة. والضيعة والضياع معروف واصل الضياع الهلاك.

وقوله: (ان الله بالناس لرؤف رحيم) ان قيل: ما الذي اقتضى ذكر هذه الصفة، قلنا الرؤوف بعباده الرحيم بهم لا يضيع عنده عمل عامل منهم، فدل بالرأفة والرحمة على التوفير عليهم فيما استحقوه دون التضيع لشئ منه. وانما قدمت الرأفة على الرحمة، لان الرأفة أشد مبالغة من الرحمة ليجري على طريقه التقديم - بما هو اعرف - مجرى اسماء الاعلام ثم إتباعه بما هو دون منه ليكون مجموع ذلك تعريفا أبلغ منه، لو انفرد كل واحد عن الاخر كما هو في الرحمن الرحيم فرؤف على ورن فعول، لغه اهل الحجا على ورن فعل، لغة غيرهم قال الانصاري(1):

___________________________________

(1) هو كعب بن مالك الانصاري.

[12]

نطيع نبينا لنطيع ربا *** هو الرحمن كان بنا رؤفا(1)

وقال حريز: يعني منعمين حقا، كفعل الوالد الرؤوف الرحيم.

والرأفة: الرحمة تقول رأف يرأف رأفة.

المعنى: واستدل من قال الصلاة: الايمان بهذه الآية، فقالوا: سمى الله الصلوة ايمانا - على تاويل ابن عباس، وقتادة، والسدي والربيع وداود بن ابي عاصم وابن زيد وسعيد بن المنذر وعمرو بن عبيد وواصل وجميع المعتزلة. ومن خالفهم من المرجئة لايسلم هذا التأويل ويقول: الايمان على ظاهره وهو التصديق ولا ينزل ذلك بقول من ليس قوله حجة، لانهم ليسوا جميع المفسرين بل بعضهم ولا يكون ذلك حجة.

واستدل الجبائي بهذه الآية على ان الشاهد هو الحاضر دون من مات، بان قال: لو كان الرسول شاهدا على من مضى قبله أو من يأتي بعده ومن هو حاضر معه لم يكن لقوله (ويكون الرسول عليكم شهيدا) معنى.

ويؤكد ذلك قوله (وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم)(2)

وقال غيره: قد يجوز ان يشهد العالم بما علم وان لم يحضره - وهو الاقوى - وهذه الآية فيها دلالة على جواز النسخ في الشريعة بل على وقوعه، لانه قال (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها) فاخبر ان الجاعل لتلك القبلة كان هو تعالى، وانه هو الذي نقله عنها وذلك هو النسخ، فان قيل: كيف أضاف الايمان إلى الاحياء وهم كانوا قالوا: كيف بمن مضى من اخواننا قلنا يجوز ذلك على التغليب، لان من عادتهم ان يغلبوا المخاطب على الغائب كما يغلبون المذكر على المؤنث تنبيها على الاكمل، فيقولون: فعلنا بكما وبلغنا كما، وان كان احدهما حاضرا والاخر غائبا، فان قيل كيف جاز على اصحاب النبي صلى الله وآله الشك فيمن مضى من اخوانهم فلم يدروا انهم كانوا على حق في صلاتهم إلى بيت المقدس؟ قيل في ذلك: كيف اخواننا لو ادركوا الفضل بالتوجه، وانهم أحبوا لهم ما احبوا لانفسهم. ويكون قال ذلك منافق بما فيه الرد على المخالفين المنافقين.

___________________________________

(1) اللسان " رأف " وروايته " ونطيع " بدل " لنطيع " في المطبوعة " رؤف " بدل " رؤوفا ".

(2) سورة المائدة: آية 120.

[13]

قوله تعالى: قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما تعملون(144)

آية بلا خلاف.

القراء‌ة: قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وابوجعفر، وروح " عما تعملون " بالتاء. الباقون بالياء.

النزول: وقال قوم ان هذه الآية نزلت قبل التي تقدمتها: وهي قوله: (سيقول السفهاء) المعنى: إن قبل لم قلب النبي صلى الله عليه وآله وجهه في السماء، قلنا عنه جوابان: احدهما - انه كان وعد بالتحويل عن بيت المقدس، وكان يفعل ذلك انتظارا وتوقعا لما وعد به. والثاني - انه كان يحبه محبة الطباع، ولم يكن يدعو به حتى ادركه فيه، لان الانبياء لايدعون إلا بما أذن لهم فيه لئلا تكون المصلحة في خلاف ما سألوه فيكون في ردهم تنفر عن قبول قولهم.

وهذا الجواب يروى عن ابن عباس، وقتادة.

وقيل في سبب محبة التوجه إلى الكعبة ثلاثة اقول:

أولها - قال مجاهد: انه أحب ذلك، لانها كانت قبلة ابراهيم - حكاه الزجاج - انها احب ذلك استدعاء العرب إلى الايمان.

[14]

اللغة: وقوله: (قد نرى) فالرؤية هي ادراك الشئ من الوجه الذي يتبين بالبصر.

وقوله: (تقلب وجهك) التقلب والتحول والتصرف نظائر: وهو التحرك في الجهات.

وقوله: (ترضاها) تحبها. والرضاء ضد السخط: وهو ارادة الثواب. والسخط ارادة الانتقام.

وقوله: (شطر المسجد) اي نحوه، وتلقاه بلا خلاف بين اهل اللغة. وعليه المفسرون كابن عباس، ومجاهد، وابي العالية، وقتادة، والربيع، وابن زيد، وغيرهم.

قال الشاعر:

وقد اظلكم من شطر ثغركم *** هول له ظلم يغشاكم قطعا

اي من نحو ثغركم وانشد ابن عبيدة الهذلي(1):

ان السير بها داء مخامرها *** فشطرها نظر العينين محسور(2)

وقال ابن احمر(3):

تعدو بنا شطر جمع وهي عاقدة *** قد كارب العقد من ايفادها الحقبا(4)

وقال الجبائي: اراد بالشطر النصف، كأنه قال: وجهك نصف المسجد، لان شطر الشئ: نصفه، فامره ان يولي وجهه نحو نصف المسجد حتى يكون مقابل الكعبة. وهذا فاسد، لانه خلاف أقوال المفسرين، ولان اللفظ اذا كان مشتركا بين النصف، وبين النحو ينبغي ألا يحمل على احدهما إلا بدليل. وعلى ما قلناه اجماع المفسرين.

قال الزجاج: يقال: هؤلاء القوم شاطرونا دورهم، تتصل بدورنا كما

___________________________________

(1) هو قيس بن العيزارة الهذلي. والعيزارة أمه واسمه قيس بن خويلد بن كاهل.

(2) ديوانه: 261 والكامل لابن الاثير 1: 12، 2: 3 واللسان " شطر " في المطبوعة " العشير " بدل " العسير " وتخامرها " بدل " مخامرها " و " محشورا " بدل " محسور ".

(3) في المطبوعة " الراحم " وهو تحريف.

(4) سيرة ابن هشام 2: 119، والروض الانف 2: 38 والخزانة 3: 38، ومجاز القرآن لابي عبيدة: 60 في المطبوعة " كادت العقد من العادها " بدل " كارب العقد ص يفادها " وهو تحريف فاحش قوله: جمع هي اسم مكان، ويسمى المزدلفة عاقدة قد عكف ذنبها بين فخذيها. كارب: اوشك، وكاد، وقارب، ودنا. اوفدت الناقة: اسرعت. الحقب: الحزام.

[15]

يقال هؤلاء يناحوننا أي نحن نحوهم وهم نحونا.

وقال صاحب العين شطر كل شئ نصفه وشطره: قصده ونحوه، ومنه المثل احلب حلبا لك شطره اي نصفه. وشطرت الشئ جعلته نصفين، وقد شطرت الشاة شطارا: وهو ان يكون احد طستها اكثر من الآخر وان حلبا جميعا، ومنزل شطر: اي بعيد، وشطر فلان على اهله: اي تركهم مراغما أو مخالفا. ورجل شاطر. وقد شطر شطورة، وشطورا وشطارة: وهو اعيا اهله خبثا. واصل الشطر النصف.

المعنى: وقال السدي المعني بقوله (وان الذين أوتوا الكتاب) هم اليهود.

وقال غيره: هم احبار اليهود، وعلماء النصارى غير انهم جماعة قليلة يجوز على مثلهم اظهار خلاف ما يبطون، لان الجمع الكثير لا يتأتى ذلك منهم لما يرجع إلى العادة، وانه لم يجز بذلك مع اختلاف الدواعي، وانما يجوز العناد على النفر القليل وقد مضى فيما تقدم نظير ذلك، وان على ما نذهب اليه في الموافاة لا يمكن أن يكونوا عارفين بذلك إلا أن يكون نظيرهم لا يوجه وجوب المعرفة، فاذا حصلت المعرفة عند ذلك فلا يستحقون عليه الثواب لان النبي صلى الله عليه وآله يمنع منه ان يكونوا مستحقين للثواب الدائم ويكفرون فيستحقون العقاب الدائم والاحباط باطل، فيؤدي ذلك إلى اجتماع الاستحقاقين الدائمين وذلك خلاف الاجماع.

وهذه الآية ناسخة لفرض التوجه إلى بيت المقدس قبل ذلك.

وروي عن ابن عباس انه قال: اول ما نسخ من القرآن فيما ذكر لنا شأن القبلة.

وقال قتادة: نسخت هذه الآية ما قبلها.

وقال جعفر بن مبشر هذا مما نسخ من السنة بالقرآن - وهذا هو الاقوى -، لانه ليس في القرآن مما يدل على تعبده بالتوجه إلى بيت المقدس.

ومن قال: انها نسخت قوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله) قلنا له هذه ليست منسوخة بل هي مختصة بالنوافل - في حال السفر - فأمامن قال: يجب على الناس ان يتوجهوا إلى الميزاب الذي على الكعبة ويقصدوه، فقوله باطل، لانه خلاف ظاهر القرآن.

[16]

قال ابن عباس: البيت كله قبلة - وهو قول جميع المفسرين.

وروى بعض اصحاب الحديث: ان البيت هو القبلة وان قبلته بابه. وهذا يجوز.

قال فاما ان يجب على جميع الخلق التوجه اليه، فهو خلاف الاجماع.

وقوله: (حيثما كنتم قولوا وجوهكم شطره) روي عن ابي جعفر وابي عبدالله (ع) ان ذلك في الفرض.

وقوله: (فاينما تولوا فثم وجه الله) في النافلة.

وروى عن ابن عباس وابي جعفر بن محمد بن علي: انه لما حول إلى الكعبة اتى رجل من عبد الاشهل من الانصار وهم قيام يصلون الظهر وقد صلوا ركعتين نحو بيت المقدس، فقال: ان الله قد صرف رسوله نحو البيت الحرام، فصرفوا وجوههم نحو البيت الحرام في بقية صلاتهم.

الاعراب: قوله: (وحيثما كنتم) موضع كنتم جزم بالشرط، وتقديره وحيث ما تكونوا، والفاء جواب ولولا (ما) لم يجز الجزاء (بحيث) لخروجها عن نظائرها، بانه لا يستفهم بها، ولان الاضافة لها كالصلة لغيرها، وليست بصلة كصلة اخواتها.

والهاء في قوله تعالى: (وانه للحق) على قول الجبائي يعود إلى التحويل.

وقال الحسن: هي عائدة إلى التوجه إلى الكعبة، لانها قبلة ابراهيم، والانبياء قبله.

اللغة: و " الحق " وضع الشئ في موضعه اذا لم يكن فيه وجه من وجوه القبح.

والغفلة: هي السهو عن بعض الاشياء خاصة واذا كان السهو عاما فهو فوق الغفلة وهو السهو العام، لان النائم لا يقال: انه غفل عن الشئ الا مجاز.

[17]

المعنى: وقال عطا في قوله تعالى: (فول وجهك شطر المسجد الحرام) قال: الحرم كله مسجد. وهذا مثل قول أصحابنا أن الحرم قبلة من كان نائيا عن الحرم من أهل الآفاق. واختلف الناس في صلاة النبي صلى الله عليه وآله إلى بيت المقدس فقال قوم: كان يصلي بمكة إلى الكعبة، فلما صار بالمدينة أمر بالتوجه إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرا ثم أعيد إلى الكعبة.

وقال قوم: كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينها ولا يصلي في غير المكان الذي يمكن هذا فيه.

وقال قوم: بل كان يصلي بمكة، وبعد قدومه المدينة سبعة عشر شهرا إلى بيت المقدس، ولم يكن عليه ان يجعل الكعبة بينه وبينها، ثم أمره الله بالتوجه إلى الكعبة. ومن صلى إلى غير القبلة لشبهة دخلت عليه، ثم تبينه، فان كان الوقت باقيا أعاد الصلاة. وان خرج الوقت، فان كان صلى يمينا وشمالا، فلا إعادة عليه، وإن صلى إلى استدبارها أعاد. وفيه خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف.

قوله تعالى: ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما انت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت اهواء‌هم من بعد ما جاء‌ك من العلم إنك إذا لمن الظالمين(145)

آية بلا خلاف.

الاعراب: اختلف النحويون في أن جواب - لئن - لم كان جواب (لو) فقال الاخفش، ومن تبعه اجيبت بجواب - لو، لان الماضي وليها كما يلي لو فاجيبت بجواب (لو) ودخلت كل واحدة منهما على صاحبتها قال الله تعالى: (ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون)(1) فجرى مجرى ولو ارسلنا وقال (ولو انهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله(2) على جواب لئن.

___________________________________

(1) سورة الروم آية 51.

(2) سورة البقرة آية 103

[18]

قال سيبويه وجميع اصحابه: ان معنى (لظلوا من بعده يكفرون) ليظلن ومعنى (لئن) غير معنى (لو) في قول الجماعة. وإن قالوا إن الجواب متفق لانهم لا يدفعون أن معنى (لئن) ما يستقبل ومعنى (لو): ما مضى وحقيقة معنى (لو) أنها يمتنع بها الشئ لامتناع غيره. كقولك لو أتيتني لاكرمتك أي لم تأتني فلم اكرمك، فامتنع الاكرام، لامتناع الاتيان. ومعنى (إن) (ولئن) انما يقع بهما الشئ لوقوع غيره تقول: إن تأتني أكرمك، فالا كرام يقع بوقوع الاتيان.

وقال بعضهم: إن كل واحدة منهما على موضعها، وانما لحق في الجواب هذا التداخل، لدلالة اللام على معني القسم، فجاء الجواب القسم، فاغني عن جواب الجزاء لدلالته عليه، لان معني لظلوا ليظلن وهذا هو معنى قول سيبويه. ويجوز أن تقول: إن أتيتني لم أجفك، ولا يجوز أن تقول: إن اتيتني ما حفوتك، لان (ما) منفصلة (ولم) كجزء من الفعل. ألا ترى أنه يجوز ان تقول: زيدا لم أضرب، ولا يجوز زيدا ما ضربت. وانما يجاب الجزاء بالفعل أو الفاء، فاذا تقدم لام القسم جاز، فقلت لئن أتيتني ما جفوتك.

المعنى: فان قيل: كيف قال (ولئن أتيت الذين أوتو الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك) وقد آمن منهم خلق؟ قلنا عن ذلك جوابان:

احدهما - قال الحسن: إن المعنى أن جميعهم لا يؤمن، وهو اختيار الجبائي.

والثاني - أن ذلك مخصوص لمن كان معاندا من أهل الكتاب دون جميعهم الذين وصفهم الله، فقال " يعرفونه كما يعرفون ابناء‌هم " اختاره البلخي والزجاج.

وهذه الآية دالة على فساد قول من قال: لا يكون الوعيد بشرط، وعلى فساد قول من قال بالموافاة، وإن من علم الله أنه يؤمن لا يستحق العقاب أصلا، لان الله تعالى علق الوعيد بشرط يوجب أن يكون متى تحصل الشرط تحصل استحقاق العقاب، وفيها دليل على فساد قول من قال: إن الوعيد لا يقع لمن علم أنه لا يعصي، لان الله تعالى علم من حال الرسول أنه لا يتبع اهواء‌هم ومع هذا يوعده إن اتبع أهواء‌هم. وفي الآية دلالة على

[19]

بطلان قول من قال: إن في المقدور لطفا، لو فعل الله بالكافر لآمن لامحالة، من قبل أنه قيل في قوله (ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك) قولان: أحدهما - أن المعاند لا ينفعه الدلالة لانه عارف والآخر أنه لالطف لهم فتلتمسه ليؤمنوا، وعلى القولين فيه دلالة على فساد قول أصحاب اللطف، لان مخرجه مخرج التنصل من التخليف عنهم ما يؤمنون عنده طوعا، فلو قال قائل: وما في أن الآية لاينفعهم في الايمان لطف ينفعهم فيه لكان لا يسقط سؤاله. إلا بأن يقال: لا لطف لهم كما لا آية تنفعهم.

وقوله: (ولئن اتبعت أهواء‌هم) قيل في معناه ثلاثة أقوال:

احدهما - (لئن اتبعت أهواء‌هم) في المداراة لهم حرصا على أن يؤمنوا (إنك إذا لمن الظالمين) لنفسك مع اعلامنا إياك: (انهم لا يؤمنون) هذا قول ابي علي الجبائي.

الثاني - الدلالة على أن الوعيد يجب باتباع أهوائهم فيما دعوا اليه من قبلتهم، وأنه لا ينفع مع ذلك عمل سلف، لانه ارتداد. والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله والمراد به كل من كان بتلك الصفة. كما قال: (لئن أشركت ليحبطن عملك)(1) وهذا قول الحسن، والزجاج.

الثالث - ان معناه الدلالة على فساد مذاهبهم، وتبكيتهم بها.

كما تقول: لئن قيل عنك أنه لخاسر تريد به التبكيت على فساد رأيه، والتبعيد من قبوله.

وقوله: (وما أنت بتابع قبلتهم) قيل في معناه أربعة اقوال: اولها - أنه لما قال: (ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبللك وما أنت بتابع قبلتهم) على وجه المقالة كما تقول: ما هم بتاركي انكار الحق وما أنت بتارك الاعتراف به، فيكون الذي جر الكلام التقابل للكلام الاول، وذلك حسن من كلام البلغاء.

___________________________________

(1) سورة الزمر: آية 65.

[20]

الثاني - أن يكون المراد أنه ليس يمكنك استصلاحهم باتباع قبلتهم لاختلاف وجهتهم، لان النصارى يتوجهون إلى المشرق، واليهود إلى بيت المقدس، فبين الله تعالى: أن رضا الفريقين محال.

الثالث - أن يكون المراد حسم طمع أهل الكتاب من اليهود إذ كانوا طمعوا في ذلك وظنوا انه يرجع إلى الصلاة إلى بيت المقدس، وما جوا في ذكره.

الرابع - انه لما كان النسخ مجوزا قبل نزول هذه الآية، فأنزل الله تعالى الآية، ليرتفع ذلك التجوز.

وقوله: (وما بعضهم بتابع قبلة بعض) قيل في معناه قولان: أحدهما - قال الحسن، والسدي، وابن زيد، والجبائي: أنه لا يصير النصارى كلهم يهودا، ولا اليهود كلهم يصيرون نصارى أبدا، كما لا يتبع جميعهم الاسلام. وهذا من الاخبار بالغيب.

وقال غيرهم: معناه إسقاط الاعتلال بأنه مخالفة لاهل الكتاب الذين ورثوا ذلك عن أنبياء الله بامره إياهم به، فكلما جاز أن يخالف بين وجهتهم للاستصلاح جاز ان يخالف بوجهة ثالثة للاستصلاح في بعض الازمان. وقد بينا حد الظلم فيما تقدم، واعترضنا قول من قال: هو الضرر والقبيح الذي يستحق به الذم من حيث أن ذلك ينقض بفعل الساهي، والنائم، والطفل، والمجنون - اذا كان بصفة الظلم - فانه يكون قبيحا وان لم يستحقوا به الذم. ومن خالف في ذلك كان الكلام عليه في موضع آخر. على ان المخالف في ذلك ناقض، فانه قال: ان الكذب يقع من الصبي ويكون قبيحا. وهذا اذا جاز. هلا جاز ان يقع منه الظلم؟ فان قال: لان العقل للانسان البالغ، يزجر الصبي عن ذلك بالتاديب. قلنا مثل ذلك في الظلم سواء.

[21]

قوله تعالى: ألذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناء‌هم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون(146)

آية بلا خلاف

المعنى: أخبر الله تعالى عن أهل الكتاب أنهم يعرفون النبي صلى الله عليه وآله كما يعرفون أبناء‌هم، وأن جماعة منهم يكتمون الحق مع علمهم بأنه حق.

وقيل في الحق الذي كتموه قولان: احدهما - قال مجاهد: كتموا محمدا صلى الله عليه وآله ونبوته، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل. والثاني - قال الربيع: انهم كتموا أمر القبلة.

وقوله (وهم يعلمون) يحتمل امرين: احدهما - يعلمون صحة ما كتموه. والثاني - يعلمون ما لمن دفع الحق من العقاب والذم. و (الهاء) في قوله: (يعرفونه) عائدة - في قول ابن عباس، وقتادة، والربيع - على أن أمر القبلة حق.

وقال الزجاج هي عائدة على أنهم يعرفون النبي صلى الله عليه وآله وصحة أمره، وثبوت نبوته، وانما قال: (وان فريقا منهم ليكتمون الحق) وفي أول الآية قال: (يعرفونه) على العموم، لان أهل الكتاب منهم من أسلم وأقر بما يعرف فلم يدخل في جملة الكاتمين. كعبد الله بن سلام، وكعب الاحبار، وغيرهما ممن دخل في الاسلام. والعلم والمعرفة واحد. وحده ما اقتضى سكون النفس. وإن فصلت، قلت: هو الاعتقاد للشئ على ما هو به مع سكون النفس.

وفصل الرماني بين العلم والمعرفة، بأن قال: المعرفة هي التي يتبين بها الشئ من غيره على جهة التفصيل. والعلم قد يتميز به الشئ على طريق الجملة دون التفصيل كعلمك بان زيدا في جملة العشرة. وإن لم تعرفه بعينه وإن فصلت بين الجملة التي هو فيها، والجملة التي ليس هو فيها. وهذا غير صحيح لان المعرفة أيضا قد يتميز بها الشئ على الطريق الجملة، فلا فرق بينهما.

[22]

قيل لم قال: " يعرفونه كما يعرفون أبناء‌هم " إنهم ابناء‌هم في الحقيقة، ويعرفون أن محمدا صلى الله عليه وآله هو النبي المبشر به في الحقيقة؟ قلنا التشبيه وقع بين المعرفة بالابن في الحكم: وهي معرفة تميزه بها من غيره، وبين المعرفة بالنبي المبشر به في الحقيقة، فوقع التشبيه بين معرفتين. إحداهما أظهر من الاخرى.

قوله تعالى: الحق من ربك فلا تكونن من الممترين(147)

آية بلا خلاف.

الاعراب: " الحق " مرتفع بأنه خبر ابتداء محذوف وتقدير ذاك الحق من ربك أو هو الحق من ربك.

ومثله مررت برجل كريم زيد: اي هو زيد، ولو نصب كان جائزا في العربية على تقدير إعلم الحق من ربك.

المعنى: وقوله " فلا تكونن من الممترين " معناه من الشاكين ذهب اليه ابن زيد، والربيع، وغيرهما من المفسرين. والامتراء الاستخراج. وقيل: الاستدرار.

فكأنه قال: فلا تكن من الشاكين فيما يلزمك استخراج الحق فيه.

قال الاعشى: تدر على اسؤق الممترين ركضا إذا ما السراب الرجحن(1) يعني الشاكين في درورها، لطول سيرها. وقيل: المستخرجين ما عندها.

قال صاحب العين: المري مسحك ضرع الناقة. تمر بها بيدك لكي تكن، للحلب، والريح تمري السحاب مريا. والمرية من ذلك. والمرية الشك. ومنه الامتراء،

___________________________________

(1) ديوانه: 23 رقم القصيدة: 2، واللسان " رجحن " تدر - بضم الدال وتشديد الراء - تجري بسرعة. الممترين: الذين يغمزون خيلهم بساقهم. ارجحن السراب: ارتفع في المطبوعة " وكفا " بدل " ركضا " و " السحاب " بدل " السراب ".

[23]

والتمارى، والمماراة. والمراء. وأصل الباب الاستدرار. ويقال: بالشكر تمترى النعم اي تستدر.

وقال الحسن، والربيع، والجبائي: معنى الآية " فلا تكونن من الممترين " في الحق الذي تقدم اخبار الله به من أمر القبلة، وعناد من كتم النبوة وامتناعهم من الاجتماع على ما قامت به الحجة.

وقال بعضهم: " لاتكونن من الممترين " في شئ يلزمك العلم به.

وهو الاولى، لانه أعم، والخطاب وان كان متوجها إلى النبي صلى الله عليه وآله فالمراد به الامة كما قال تعالى: " يا أيها النبي إذا طلقتم "(1) وقال: (يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين)(2).

وقال قوم: إن الخطاب له، لانه إنما لايجوز عليه ذلك لملازمته أمر الله. ولو لم يكن هناك أمر لم يصح أن يلازم. والنون الثقيلة يؤكد بها الامر والنهي، ولا يؤكد بها الخبر، لما كان المخبر يدل على كون المخبر به، وليس كذلك الامر والنهي، والاستخبار، لانه لايدل على كون المدلول عليه، فألزم الخبر التأكيد بالقسم وما يتعبه من جوابه، واختصت هذه الاشياء بنون التأكيد ليدل على اختلاف المعنى في المؤكد. ولما كان الخبر أصل الجمل أكد بأبلغ التأكيد وهو القسم.

قوله تعالى: ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شئ قدير(148)

آية بلا خلاف.

القراء‌ة: قرأ ابن عامر وابوبكر عن عاصم (مولاها). وروي ذلك عن ابن عباس ومحمد بن علي، فجعلا الفعل واقعا عليه. والمعنى واحد، كذا قال الفراء.

___________________________________

(1) سورة الطلاق: آية 1.

(2) سورة الاحزاب آية: 1.

[24]

المعنى: وفي قوله: " ولكل وجهة هو موليها " أقوال:

أحدهما - قال مجاهد، والربيع، وابن زيد، وابن عباس، والسدي: أن لكل أهل ملة من اليهود والنصارى.

الثاني - قال الحسن: إن لكل نبي وجهة واحدة: وهي الاسلام وان اختلف الاحكام كما قال: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا " اي في شرائع الانبياء.

الثالث - قال قتادة: هو صلاتهم إلى بيت المقدس، وصلاتهم إلى الكعبة.

الرابع - ان لكل قوم من المسلمين وجهة، من كان منهم وراء الكعبة وقدامها أو عن يمينها أو عن شمالها، وهو الذي اختاره الجبائي.

والوجهة قيل فيه قولان: احدهما - انه قبلة. ذهب اليه مجاهد، وابن زيد. الثاني قال الحسن: هو ما شرعه الله لهم من اسلام. وفي (جهة) ثلاث لغات: وجهة، وجهة، ووجه. وإنما أتم لانه اسم لم يجئ على الفعل.

ومن قال: جهة.

قال المبرد: جاء به على قولهم وجهني، ووجهته. ومعنى " موليها " مستقبلها - في قول مجاهد وغيره.

كأنه قال: مول إليها، لان ولى اليه نقيض ولى عنه. كقولك: انصرف اليه: وانصرف عنه.

وقوله " هو " عائد - على قول اكثر المفسرين - إلى كل.

وقال قوم يعود على اسم الله حكاهما الزجاج.

و " الخيرات " هي الطاعات لله - على قول ابن زيد وغيره -

وقوله: " يأت بكم الله جميعا " يعني يوم القيامة - من حيث ما متم من بلاد الله - وهو قول السدي، والربيع وقد روي " ولكل وجهة " مضاف غير منون - وذلك لا يجوز، لانه يكون الكلام ناقصا، لامعنى له ولا فائدة فيه.

وقوله: " استبقوا " يحتمل معنيين: احدهما - بادروا إلى ما أمرتم به مبادرة من يطلب السبق اليه. الثاني - قال الربيع: سارعوا إلى الخيرات. وهو الاولى، لانه أعم.

[25]

اللغة: والاستباق، والابتدار، والاسراع نظائر.

قال صاحب العين: السبق: القدمة في الجري وفي كل أمر. تقول: له في هذا الامر سبقة، وسابقة وسبق: أي سبق الناس اليه. والسبق الخطر الذي يوضع بين اهل السباق، وجمعه اسباق. والسباقان في رجل الطائر الجارح قيداه من خيط أو سير. واصل الباب السبق: القدم في الامر.

قوله تعالى: ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون(149)

آية بلا خلاف.

قيل في تكرار قوله تعالى: " فول وجهك شطر المسجد الحرام " قولان: احدهما - أنه لما كان فرضا، نسخ ما قبله، كان من مواضع التأكيد لينصرف إلى الحال الثانية بعد الحال الاولى على يقين.

والثاني - أنه مقدم لما يأتي بعده ويتصل به، فاشبه الاسم الذي تكرره لتخبر عنه باخبار كثيرة كقولك: زيد كريم، وزيد عالم، وزيد حليم، وما اشبه ذلك مما تذكره لتعلق الفائدة به وإن كانت في نفسها معلومة عند السامع، ومعنى قوله " وإنه للحق " الدلالة على وحوب المحافظة - من حيث كان حقا لله فيه طاعة -، ومعنى قوله " وما الله بغافل عما تعملون " هاهنا التهديد كما يقول الملك لعبيده ليس يخفى علي ما أنتم فيه، ومثله قوله: " إن ربك لبالمرصاد "(1).

والوجه الجارحة المخصوصة وقد حده الرماني بانه صفيحة فيها محاسن تعرف بها الجملة، وحيث مبنية على الضم، لانها كالغاية تمامها الاضافة إلى المفرد، دون الجملة، لها بمنزلة الصلة، فجرت لذلك مجرى قوله " من قيل ومن بعد ".(2)

___________________________________

(1) سورة الفجر آية: 14.

(2) سورة الروم آية: 5.

[26]

 

الآية: 150 - 159

قوله تعالى: ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا ألذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولاتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون(150)

آية بلا خلاف.

المعنى: قيل في تكرار قوله: " ومن حيث خرجت " ثلاثة اقوال: احدها - لا ختلاف المعنى وإن اتفق اللفظ، لان المراد بالاول: من حيث خرجت منصرفا عن التوجه إلى بيت المقدس. " فول وجهك شطر المسجد الحرام " وأريد بالثاني أين كنت في البلاد، فتوجه نحو المسجد الحرام مستقبلا كنت لظهر الكعبة أووجهها أو يمينها اوشمالها.

الثاني - لاختلاف المواطن التي تحتاج إلى هذا المعنى فيها.

الثالث - لانه مواضع التأكيد بالنسخ الذي نفلوا فيه من جهة إلى جهة للتقرير والتثبيت.

فان قيل هل في قوله تعالى: " وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره " حذف منه (في الصلاة) أم هو مدلول عليه من غير حذف؟ قيل: هو محذوف، لانه اجتزء بدلالة الحال عن دلالة الكلام، ولولم يكن هناك حال دالة لم يكن بد من ذكر هذا المحذوف إذا أريد به الافهام لهذا المعنى فأما قوله: عليم وحكيم. فانه يدل على المعلوم من غير حذف.

ومعنى قوله: " لئلا يكون للناس عليكم حجة " ها هنا. قيل فيه قولان:

احدهما - لا تعدلوا عما أمركم الله في التوجه إلى الكعبة، فيكون لهم عليكم حجة، بأن يقولوا لو كنتم تعلمون أنه من عند الله ما عدلتم عنه.

[27]

الثاني - لئلا يكون لاهل الكتاب عليكم حجة لو جاء على خلاف ما تقدمت به البشارة في الكتب السالفة من أن المؤمنين سبوجهون إلى الكعبة. وموضع اللام من " لئلا " نصب والعامل فيه احد شيئين: فولوا. والآخر ما دخل الكلام من معنى عرفتكم ذلك. وهو قول الزجاج.

وقوله " إلا الذين ظلموا منهم " قيل فيه اربعة اقوال:

احدها - أنه استثناء منقطع، و " إلا " بمنزلة (لكن) كقوله (ما لهم به من علم إلا اتباع الظن)(1)

وقوله: ماله علي إلا التعدي، والظلم، كأنك قلت: لكن يتعدى ويظلم، وتضع ذلك موضع الحق اللازم، فكذلك لكن الذين ظلموا منهم، فانهم يتعلقون بالشبهة، ويضعونها موضع الحجة.

فلذلك حسن الاستثناء المنقطع قال النابغة:

لاعيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب(2)

جعل ذلك عيبهم على طريق البلاغة، وان كان ليس بعيب.

كأنه يقول: ان كان فيهم عيب فهذا، وليس هذا بعيب، فاذا ليس فيهم عيب، فكذا إن كان على المؤمنين حجة، فللظالم في احتجاجه، ولا حجة له، فليس اذا عليهم حجة.

القول الثاني - ان تكون الحجة بمعنى المحاجة، والمجادلة، كأنه قال: لئلا يكون للناس عليكم حجاج إلا الذين ظلموا منهم، فانهم يحاجوكم بالباطل.

الثالث - ما قاله ابوعبيدة ان (إلا) هاهنا بمعنى الواو كأنه قال: لئلا يكون للناس عليكم حجة والذين ظلموا منهم.

وان ذكر ذلك الفراء والمبرد قال الفراء: لا يجئ إلا بمعنى الواو إلا اذا تقدم استثناء كما قال الشاعر:

ما بالمدينة دار غير واحدة *** دار الخليفة إلا دار مروان

___________________________________

(1) سورة النساء آية: 156.

(2) اللسان " فلل " (وقرع). فلول السيف. كسر من حده.

القرع: الضرب الشديد الكتائب جمع كتيبة وهي فرقة من الجيش المصفح.

[28]

وانشد الاخفش:

وأرى لها دارا بأغدرة السي‍ *** دان لم يدرس لها رسم

إلا رمادا هامدا دفعت *** عنه الرياح خوالد سحم(1)

يعني أرى لها دارا ورمادا.

وكأنه قال في البيت الاول: ما بالمدينة دار إلا دار الخليفة ودار مروان. وخالفة ابوالعباس فلم يجز ان تكون (إلا) بمعنى الواو أصلا.

الرابع - قال قطرب: يجوز الاضمار على معنى لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا على الذين ظلموا. وموضع الذين عنده خفض على هذا الوجه يجعله بدلا من الكاف كأنه قيل في التقدير: لئلا يكون للناس على أحد حجة إلا الظالم.

قال الرماني: وهذا وجه بعيد لا ينبغي أن يتأول عليه، ولا على الوجه الذي قاله ابوعبيدة والاختيار القول الاول. وأثبتت (الياء) في قوله " واخشوني " هاهنا، وحذفت فيما عداه، لانه الاصل، وعليه اجماع هاهنا. واما الحذف فللا جتزاء بالكسرة من الياء.

وقوله: " واخشوني " معناه واخشوا عقابي بدلالة الكلام عليه في الحال، وإنما ذكرهم فقال " فلا تخشوهم " لانه لما ذكرهم بالظلم، والاستطالة بالخصومة والمنازعه طيب بنفوس المؤمنين أي فلا تلتفتوا إلى ما يكون منهم فان عاقبة السوء عليهم.

وقال قتادة، والربيع: المعني بالناس هاهنا أهل الكتاب.

وقال غيرهما: هو على العموم - وهو الاقوى - وقال ابن عباس، والربيع، وقتادة: المعني بقوله " الذين ظلموا " مشركوا العرب.

وقال قوم: هو على العموم - وهو الاولى -.

وقوله " لئلا " ترك الهمزة نافع. الباقون يهمزون. ويلين كل همزة مفتوحة قبلها كسرة. والحجة هي الدلالة. وهي البرهان.

___________________________________

(1) اللسان (خلد) ذكر البيت الثاني فقط.

[29]

قوله تعالى كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون(151)

آية بلا خلاف.

المعنى: التشبيه بقوله (كما أرسلنا) يحتمل أمرين:

احدهما - ان النعمة في أمر القبلة كالنعمة بالرسالة، لان الله لطف بعباده بها على ما يعلم من المصلحة، ومحمود العاقبة.

الثاني - الذكر الذي أمر الله به كالنعمة بالرسالة فيما ينبغي ان يكون عليه من المنزلة في العظم والاخلاص لله، كعظم النعمة.

وهو على نحو قوله: (كما احسن الله اليك)(1) والعرب تقول: الجزاء بالجزاء، فسمي الاول باسم الثاني للمقابلة، والتشبيه لكل واحد منهما بالآخر.

الاعراب: و (ما) في قوله: (كما) مصدريه.

كأنه قال: كارسالنا فيكم ويحتمل أن تكون كافة قال الشاعر:

أعلاقة أم الوليد بعدما *** أفنان رأسك كالثغام المخلس(2)

لانه لا يجوز كما زيد يحسن اليك فأحسن إلى أبنائه.

والعامل في قوله (كما) يجوز أن يكون أحد أمرين: أحدهما - الفعل الذي قبله: وهو قوله: (ولاتم نعمتي عليكم) (كما أرسلنا فيكم) والقول الثاني - الفعل الذي بعده: وهو فاذكروني (كما أرسلنا).

___________________________________

(1) سورة القصص آية: 77.

(2) قائله المرار الاسدي، وفي التكملة المرار الفقعسي.

(3) اللسان " علق " و " ثغم " و " فنن " العلاقة: الحب. أفنان خصل الشعر. الثغام شجر ابيض.

المخلس: الذي بين السواد والبياض: فكانه يقول: أحب بعد الشيب.

[30]

والاول أحد قولي الفراء، والزجاج واختاره الجبائي.

والثاني قول مجاهد والحسن، وابن ابي يحتج بأحد قولي الفراء، والزجاج، واختيار الزجاج.

وقال الفراء: لا ذكروني جوابان: احدهما - (كما). والآخر - أذكركم، لانه لما كان يجب عليهم الذكر ليذكرهم الله برحمته، ولما سلف من نعمته، أشبه - من هذا الوجه - الجواب، لانه يجب للثاني فيه بوجوب الاول.

المعنى: وقوله: (يزكيكم) معناه يعرضكم لما تكونوا به أزكياء من الامر بطاعة الله واتباع مرضاته.

ويحتمل أيضا أن يكون المراد: ينسبكم إلى أنكم أزكياء شهادة لكم بذلك، ليعرفكم الناس به، وإنما قال: (الكتاب والحكمة) لاختلاف الفائدة في الصفتين وإن كانتا لموصوف واحد. كقولك: هو العالم بالامور القادر عليها. ويحتمل أن يكون أراد بالكتاب: القرآن، وبالحكمة: الوحي من السنة.

والكاف في قوله: (فيكم) خطاب للعرب - على قول جميع أهل التأويل.

وقوله: (ويعلمكم) معناه مالا سبيل لكم إلى علمه إلا من جهة السمع، فذكرهم الله بالنعمة فيه. ويكون التعليم لما عليه دليل من جهه العقل تابعا للنعمة فيه. ولا سيما اذا أوقع موقع اللطف.

ومعنى الارسال: هو التوجه بالرسالة والتحميل لها ليؤدي إلى من قصد، فالدلالة والرسالة جملة مضمنة بمن يصل اليه ممن قصد بالمخاطبة.

والتلاوة: ذكر الكلمة بعد الكلمة على نظام متسق في الرتبة.

والتزكية: النسبة إلى الازدياد من الافعال الحسنة التي ليست بمشوبة.

ويقال أيضا على معنى التعريض لذلك بالاستدعاء اليه واللطف فيه.

والحكمة: هي العلم الذي يمكن به الافعال المستقيمة.

[31]

قوله تعالى: فاذكروني أذكركم وأشكروا لي ولا تكفرون(152)

آية بلا خلاف.

المعنى: الذكر المأمور به في الآية، والموعد به، قيل فيه أربعة أقوال:

احدهما - قال سعيد بن جبير " اذكروني " بطاعتي " أذكركم " برحمتي.

الثاني - " اذكروني " بالشكر (أذكركم) بالثواب.

الثالث - (أذكروني) بالدعاء (أذكركم) بالاجابة.

الرابع - (اذكروني) بالثناء بالنعمة (أذكركم) بالثناء بالطاعة.

اللغة: والذكر: حضور المعنى للنفس، فقد يكون بالقلب، وقد يكون بالقول، وكلاهما يحضر به المعنى للنفس، وفي اكثر الاستعمال يقال: الذكر بعد النسيان، وليس ذلك بموجب إلا ان يكون إلا بعد نسيان، لان كل من حضره المعنى بالقول أو العقد أو الحضور بالبال اذاكر له. واصله التنبيه على الشئ. فمن ذكر ناسيا، فقد نبهه عليه. وإذا ذكرناه نحن فقد نبهنا عليه.

والذكر نقيض الانثى (وإنه لذكر لك)(1) أي شرف لك من النباهة والجلالة. والفرق بين الذكر، والخاطر.

أن الخاطر: مرور المعنى بالقلب، والذكر قد يكون ثابتا في القلب. وقد يكون بالقول.

الاعراب: وقوله تعالى: (واشكروا لي) معناه اشكروا لي نعمتي فحذف، لان حقيقة الشكر هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم.

___________________________________

(1) سورة الزخرف آية: 44.

[32]

وقوله: (ولا تكفرون) فيه حذف، وتقديره: ولا تكفروا نعمتي، لان الكفر هو ستر النعمة وجحدها. لاستر المنعم.

وقولهم حمدت زيدا، وذممت عمرا، فلا حذف فيه وإن كنت انما تحمد من اجل الفعل الحسن، وتذم من اجل الفعل القبيح.

كما أنه ليس في قولك: زيد متحرك حذف، وإن كان إنما تحرك من أجل الحركة.

وليس كل كلام دال على معني غير مذكور يكون فيه حذف، لان قولك زيد ضارب دال على مضروب، وليس بمحذوف، وكذلك زيد قاتل دال على مقتول، وليس بمحذوف، فالحمد للشئ دلالة على انه محسن، والذم له دلالة على انه مسئ كقولك: نعم الرجل زيد، وبئس الرجل عمرو، وكذلك قولك: زيد المحسن، وعمرو المسئ، ليس فيه محذوف ويقال: شكرتك، وشكرت لك، وإنما قيل شكرتك، لانه أوقع اسم المنعم موقع النعمة، فعدى الفعل بغير واسطة والاجود. شكرت لك النعمة، لانه الاصل في الكلام، والاكثر في الاستعمال.

قال الشاعر(1):

هم جمعوا بؤسى ونعمى عليكم *** فهلا شكرت القوم إذ لم تقاتل(2)

ومثل ذلك نصحتك، ونصحت لك، وإنما حذف (الياء) في الفواصل، لانها في نية الوقف، فلذلك قال (ولا تكفرون) بغير (ياء) وهي في ذلك كالقوا في التي يوقف عليها بغير ياء كقول الاعشى:

ومن شانئ كاشف وجهه *** إذا ما انتسبت له أنكرن(3)

يعني أنكرني فحذف الياء.

___________________________________

(1) نسبه ابوحيان في تفسيره 1: 447 لعمر بن لجأ.

(2) معاني القرآن للفراء: 1: 92 يقول: لما ذا لم تشكر القوم الذين جمعوا لك النعيم والبؤس وانت لم تقاتل.

(3) ديوانه: 19. رقم القصيدة 2 في المطبوعة " بله " بدل " وجهه " و " ذكرت " بدل " انتسبت ".

[33]

قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين(153)

آية واحدة بلاف خلاف.

اللغة والمعنى: الصبر هو حبس النفس عما تدعوا اليه من الامور، والصابر هو الحابس نفسه عما تدعوا اليه مما لا يجوز له. وهو صفة مدح. ووجه الاستعانة بالصبر أن في توطين النفس على الامور تسهيلا لها. واستشعار الصبر إنما هو توطين النفس. ووجه الاستعانة بالصلاة ما فيها من الذكر لله، واستشعار الخشوع له، وتلاوة القرآن وما فيه من الوعظ، والتخويف، والوعد، والوعيد، والجنة، والنار، وما فيه من البيان الذي يوجب الهدى ويكشف العمى. كل ذلك داع إلى طاعة الله، وزاجر عن معاصيه، فمن هاهنا كان فيه المعونة على ما فيه المشقة من الطاعة.

وأما الاستعانة فهي الازدياد في القوة مثل من يريد أن يحمل مئة رطل فلا يتهيأ له ذلك فاذا استعان بزيادة قوة تأتي ذلك، وكذلك إن عاونه عليه غيره وعلى ذلك السبب والآلة، لانه بمنزلة الزيادة في القوة.

وقوله تعالى: (إن الله مع الصابرين) أي معهم بالمعونة، والنصرة، كما تقول: إذا كان السلطان معك، فلا تنال من لقيت. وقد تكون (مع) في الكلام على معنى الاجتماع في المكان. وذلك لايجوز عليه تعالى.

وفي الآية دلالة على أن الصلاة فيها لطف، لان الله تعالى أمرنا بالاستعانة بها، وتوضيحه قوله: (ان الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر)(1) ولولا هذا النص، لجوزنا أن يكون في غير ذلك. والذي يستعان عليه بالصبر والصلاة.

قيل فيه قولان: احدهما - طاعة الله، كأنه قال استعينوا بهذا الضرب من الطاعة على غيره فيها.

والثاني - على الجهاد في سبيل الله، لاعدائه.

___________________________________

(1) سورة العنكبوت آية: 45.

[34]

الاعراب: وموضع الذين رفع لا يجوز غير ذلك عند جميع النحويين إلا المازني، فانه أجاز يا أيها الرجل اقبل، والعامل فيه ما يعمل في صفة المنادي - عند جميع النحويين - إلا الاخفش، فانه يجعله صلة لاي ويرفعه بأنه خبر ابتداء محذوف، كأنه قيل: يامن هم الذين آمنوا. إلا أنه لا يظهر المحذوف مع أي، وإنما حمله على ذلك لزوم البيان له، فقال: الصلة تلزم، والصفة لا تلزم.

قال الرماني والوجه عندي أن تكون صفة بمنزلة الصلة في اللزوم، وإنما لزمت أي هاهنا في النداء، لان العرض بحرف التنبيه وقع في موضع التنبيه، فلزم، فلا يجوز أن تقول: نعم الذين في الدار، لان نعم إنما تعمل في الجنس الذي يكره إذا أضمر فسر بها.

قوله تعالى: ولا تقولن لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون(154)

آية بلا خلاف.

المعنى: فان قيل: هل الشهداء أحياء على الحقيقة، أم معناه أنهم سيحيون وليسوا أحياء؟ قلنا: الصحيح أنهم أحياء إلى أن تقوم الساعة، ثم يحيبهم الله في الجنة لا خلاف بين أهل العلم فيه إلا قولا شاذا من بعض المتأخرين. والاول قول الحسن، ومجاهد، وقتادة، والجبائي، وابن الاحشاد، والرماني، وجميع المفسرين. والقول الثاني حكاه البلخي.

يقال: ان المشركين كانوا يقولون: إن أصحاب محمد صلى الله عليه وآله يقتلون نفوسهم في الحرب لالمعنى، فأنزل الله تعالى الآية. وأعلمهم أنه ليس الامر على ما قالوه، وأنهم سيحيون يوم القيامة ويثابون، ولم يذكر ذلك غيره.

وقيل: ليس هم أمواتا بالضلالة بل هم أحياء بالطاعة، والهدى، كما قال: (أو من كان ميتا فأحييناه)(1) فجعل الضلالة موتا، والهداية حياة.

___________________________________

(1) سورة الانعام آية: 122

[35]

وقيل: معناه ليس هم أمواتا بانقطاع الذكر، بل هم احياء ببقاء الذكر عند الله، وثبوت الاجر عنده.

واستدل ابوعلي الجبائي على أنهم أحياء في الحقيقة بقوله: (ولكن لا تشعرون) فقال: لو كان المعنى سيحيون في الآخرة، لم يقل للمؤمنين المقرين بالبعث، والنشور (ولكن لا تشعرون لانهم يعلمون ذلك، ويشعرون به.

فان قيل: ولم خص الشهداء بأنهم احياء والمؤمنون كلهم في البرزخ أحياء؟ قيل يجوز أن يكونوا ذكروا اختصاصا، تشريفا لهم. وقد يكون على جهة التقديم للبشارة بذكر حالهم في البيان لما يختصون به من أنهم يرزقون، كما قال تعالى (بل احياء عند ربهم يرزقون)(1).

وإنما قيل للجهاد سبيل الله، لانه طريق إلى ثواب الله تعالى.

اللغة: والموت: نقص بنية الحياة. والموت - عند من قال إنه معنى عرضي - ينافي الحياة منافاة التعاقب. ومن قال: ليس بمعنى قال: هو عبارة عن فساد بنية الحياة. فأما الحياة، فهي معنى بلا خلاف.

الاعراب: وقوله: (أموات) رفع بانه خبر ابتداء محذوف، كأنه قال: لا تقولوا هم أموات. ولا يجوز فيه النصب على قولك: قلت خيرا، لانه الخير في موضع المصدر كأنه قال: قلت قولا حسنا.

فاما قوله (ويقولون طاعة)(2) فيجوز فيه الرفع والنصب في العربية: ألرفع على منا طاعة: والنصب على نطيع طاعة والفرق بين (بل) و (لكن) ان (لكن) نفي لاحد الشيئين، وإثبات للآخر، كقولك: ما قام زيد لكن عمرو، وليس كذلك (بل)، لانها للاضراب عن الاول، والاثبات للثاني، ولذلك وقعت في الايجاب كقولك: قام زيد بل عمرو.

___________________________________

(1) سورة آل عمران آية: 169.

(2) سورة النساء آية: 80

[36]

فاما اذا قصد المتكلم، فانما هو ليدل على أن الثاني أحق بالاخبار عنه من الاول، كقولك اقام زيد بل عمرو، كأنه لم يعتد بقيام الاول.

اللغة: والشعور: هو ابتداء العلم بالشئ من جهة المشاعر، وهي الحواس، ولذلك لايوصف تعالى بأنه شاعر، ولا أنه يشعر، وإنما يوصف بأنه عالم ويعلم.

وقد قيل: إن الشعور إدراك مادق للطف الحسن مأخوذ من الشعر لدقته، ومنه شاعر، لانه يفطن من إقامة الوزن وحسن النظم بالطبع لما لا يفطن له غيره.

المعنى: فان قيل: هل كون عقولهم إذا كانوا أحياء، وكيف يجوز أن يصل اليهم ثوابهم مع نقصان عقولهم؟ قيل الثواب لم يصل اليهم على كنهه وانما يصل اليهم طرف منه.

ومثلهم في ذلك مثل النائم على حال جميلة في روضة طيبة يصل اليهم طيب ريحها ولذيذ نسيمها على نحو ما جاء في الحديث من انه يفصح له مد بصره، ويقال له ومة العروس. وأما الذين قتلوا في سبيل الله، فعلى ما ذكرناه من الاختصاص بالفضيلة.

فان قيل: كيف يجوز أن يكونوا أحياء - ونحن نرى جثتهم على خلاف ما كانت عليه في الدنيا؟

قيل: إن النعيم انما يصل إلى الروح وهي الحية، وهي الانسان، دون الجثة - والجثة كالجنة واللباس لصيانة الارواح.

ومن زعم ان الانسان هذه الجملة المعروفة وجعل الجثة جزء منها فانه يقول: يلطف أجزاء من الانسان توصل اليه النعيم، وإن لم يكن الانسان بكماله على نحو ما ذكرنا أن النعيم لايصل اليه نفسه.

قوله تعالى: ولنبلونكم بشئ من الجوع ونقص من الاموال والانفس والثمرات وبشر الصابرين(155)

الخطاب بهذه الآية متوجه إلى اصحاب النبي صلى الله عليه وآله - على قول عطاء، والربيع

[37]

وابي علي، والرماني، ولو قيل: أنه خطاب لجميع الخلق، لكان ايضا صحيحا، لان ذلك جاز في جميعهم.

اللغة: والابتلاء في الاصل: الطلب لظهور ما عند القادرعلى الامر من خير أوشر. والابتلاء، والاختبار، والامتحان، بمعنى واحد، والابتلاء بهذه الامور المذكورة في الآية بأمور مختلفة. فالخوف هو انزعاج النفس لما يتوقع من الضرر، وكان ذلك لقصد المشركين لهم بالعداوة. والجوع كان لفقرهم وتشاغلهم بالجهاد في سبيل الله عن المعاش. ونقص الاموال للانقطاع بالجهاد عن العمارة. والانفس بالقتل في الحرب مع رسول صلى الله عليه وآله. والجوع ضد الشبع. يقال جاع يجوع جوعا، وأجاعه إجاعة، وجوعه تجويعا، وتجوع تجوعا.

قال صاحب العين: الجوع اسم جامع للمخمصة، والمجاعة: عام فيه جوع. والنقص نقيض الزيادة.

قال صاحب العين: النقص الخسران في الحظ. تقول نقص نقصا، وانتقص انتقاصا، وتناقص تناقصا، ونقصه تنقيصا، واستنقص استنقاصا، وتنقصه تنقصا. والنقصان يكون مصدرا أو إسما، كقولك: نقصانه كذا: أي قدر الذاهب. ونقص الشئ، ونقصته، ودخل عليه نقص: في عقله ودينه.

ولا يقال: نقصان. والنقيصة: الوقيعة في الناس. والنقيصة انتقاص حق ذي الرحم. وتنقصه تنقصا: اذا تناول عرضه. واصل الباب النقص الحط من التمام. والمال معروف. وأموال العرب أنعامهم. ورجل مال: أي ذو مال. ونال: أي ذو نوال. وتقول: تمول الرجل، ومول غيره. واصل الباب المال المعروف. والثمرة: أفضل ما تحمله الشجرة.

المعنى: ووجه المصلحة في ذلك هو ما في ذلك من الامور المزعجة إلى الاستدلال والنظر في الادلة الدالة على النبوة، وليعلم ايضا انه ليس فيما يصيب الانسان من شدة في الدنيا ما يوجب نقصان منزلته. ففي ذلك ضروب العبرة. فان قيل إذا كان الله قد فعل الابتلاء بهذه الاشياء، والمشركون أوقعوها بالمؤمنين ففي ذلك إيجاب فعل من فاعلين.

[38]

قلنا: لا يجب ذلك، لان الذي يفعله الله تعالى غير الذي يفعله المشركون، لان علينا ان نرضى بما فعله الله ونسخط مما فعله المشركون، وليس يقدرون على شئ مما ذكر في الآية، ولكنهم يقدورن على التعريض له بما هو محرم عليهم، وقبيح منهم.

الاعراب: وفتحت الواو في لنبلونكم لامرين: احدهما - للعلة التي فتحت الراء في لننصرنكم(1) وهو أنه بني على الفتحة، لانها أخف إذ استحق البناء على الحركة كما استحق (يا) في النداء حكم البناء على الحركة. الثاني - أنه فتح لالتقاء الساكنين إذ كان قبل معتلا لا يدخله الرفع.

المعنى: وانما قال: " بشئ " من الخوف ولم يقل: باشياء لامرين: احدهما - لئلا توهم بأشياء من كل واحد، فيدل على ضروب الخوف، ويكون الجمع كجمع الاجناس للاختلاف، فقدر: شئ من كذا، وشئ من كذا، وأغني المذكور عن المحذوف. والثاني - أنه وضع الواحد في موضع الجمع للابهام الذي فيه ك‍ (من). والابتلاء بما ذكر لابد ان يكون فيه لطف في الدين، وعوض في مقابلته، ولا يحسن فعل ذلك لمجرد العوض - على ما ذهب اليه قوم -.

فان قيل: الابتلاء بأمر القبلة وغيره من عبادات الشرع هل يجري مجرى الالم - عند المصيبة؟ قلنا: لا، بلا خلاف هاهنا، فانه لابد ان يكون فيه لطف في الدين فان(2) كان فيه خلاف في الالم، لان هذه طاعات يستحق بها الثواب.

___________________________________

(1) في المطبوعة " لنضربنكم " وهو غلط.

(2) والاصح " وان كان " بدل " فان كان "

[39]

وبالاخلال بها - إذا كانت واجبة - يستحق العقاب، فلا يجري مجرى الالم المحض.

والصبر واجب كوجوب العدل الذي لايجوز عليه الانقلاب - في الشرع - إذ الصبر حبس النفس عن القبيح من الامر، وقد بينا فيما مضى ابتلاء الله تعالى العالم بالعواقب، فان المراد بذلك انه يعامل معاملة المبتلي، لان العدل لايصح إلا على ذلك، لانه لو أخذهم بما يعلم أنه يكون منهم، قبل ان يفعلوه، لكان ظلما وجورا، فبين الله بعد، أنه يعاملهم بالحق دون الظلم.

والوقوف على قوله: (وبشر الصابرين) حسن، وقال بعضم: لا يحسن. وذلك غلط، من حيث كانت صفة مدح، وعامل الصفة في المدح غير عامل الموصوف، وإنما وجب ذلك، لان صفة صابر صفة كصفة تقي، كما قال الله تعالى: (إن الله مع الصابرين)(1).

والجوع: الحاجة إلى الغداء، وتختلف مراتبه في القوة والضعف.

وقد يقال: جوع كاذب، لانه يتخيل به الحاجة إلى الغذاء لبعض الامور العارضة من غير حقيقة.

وقوله تعالى: (وبشر الصابرين) فالتبشير في الاصل هو الاخبار بما يسر، أو نعمة، يتغير له الشره، غير انه كثر استعماله فيما يسر. والصبر المحمود هو حبس النفس عما قبح من الامر.

قوله تعالى: ألذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا اليه راجعون(156)

آية بلا خلاف.

المعنى: في قوله: (إنا لله) إقرار لله بالعبودية (وإنا اليه راجعون) فيه إقرار

___________________________________

(1) سورة البقرة آية: 153.

[40]

بالبعث والنشور، وان مآل الامر يصير إليه، وإنما كانت هذه اللفظة تعزية عن المصيبة، لما فيها من الدلالة على أن الله يجزها(1) ان كانت عدلا، وينصف من فاعلها إن كانت ظلما. وتقديره (إنا لله) تسليما لامره ورضا بتدبيره (وإنا اليه راجعون) ثقة بأنا إلى العدل نصير.

اللغة: والمصيبة هي المشقة الداخلة على النفس، لما يلحقها من مضرة، وهي من الاصابة، لانها يصيبها بالبلية.

ومعنى الرجوع إلى الله: الرجوع إلى انفراده بالحكم كما كان أول مرة لانه قد ملك قوما في الدنيا شيئا من الضر، والنفع لم يكونوا يملكونه، ثم يرجع الامر إلى ما كان إذا زال تمليك العباد. وأصل الرجوع هو مصير الشئ إلى ما كان، ولذلك يقال: رجعت الدار إلى فلان إذا اشتراها مرة ثانية. والرجوع والعود، والمصير نظائر.

وفي الآية معنى الامر لانها مدح عام، لكل من كان على تلك الصفة بتلك الخصلة.

وأجاز الكسائي والفراء في (إنا لله) الامالة، ولا يجوز ذلك في غير اسم الله، مثل قولك: إنا لزيد، لا يجوز إمالته، وإنما جاز الامالة مع اسم الله لكثرة الاستعمال حتى صارت بمنزلة الكلمة الواحدة، وإنما يجز الامالة في غير ذلك، لان الحروف كلها وما جرى مجراها لا يجوز فيها الامالة مثل (حتى) و (لكن) و (مما) وما اشبه ذلك، لان الحروف بمنزلة بعض الكلمة من حيث امتنع فيها التصريف الذي يكون في الاسماء والافعال.

___________________________________

(3) والاصح " يجزبها " بدل " " يجزها ".

[41]

قوله تعالى: أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمه وأولئك هم المهتدون(157)

آية بلا خلاف.

(أولئك) إشارة إلى الصابرين الذين وصفهم الله في الآية الاولى.

وقيل في معنى الصلاة ثلاثة أقوال: احدها - انها الدعاء، كما قال الاعشى: وصلى على دنها وارتسم(1) أي دعا لها.

والثاني - انها مشتقة من الصلوى مكتنفا ذنب الفرس أو الناقة، فسميت الصلاة - في الشرع - بذلك، لرفع الصلوة في الركوع والسجود.

الثالث - قال الزجاج: إن أصلها اللزوم من قوله (تصلى نارا حامية)(2) أي تلزمها، والصلاة من أعظم ما يلزم من العبادة.

وقال قوم: معنى الصلاة هاهنا: الثناء الجميل.

وقيل: بركات الدعاء، والثناء يستحق دائما، ففيه معنى اللزوم، وكذلك الدعاء يدعا به مرة بعد مرة، فقيه معنى اللزوم.

والمصلي من الخيل الذي يلزم أثر السابق. ومعنى (المهتدون) يعني إلى الحق الذي به ينال الثواب، والسلامة من العقاب.

والرحمة: الانعام على المحتاج، وكل واحد يحتاج إلى نعمة الله.

والاهتداء: الاصابة لطريق الحق وهو الاصابة للطريق المؤدي إلى النعمة.

قوله تعالى: إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فان الله شاكر عليم(158)

آية بلا خلاف.

القراء‌ة: قرأ حمزة والكسائي (ومن يطوع) بالياء، وتشديد الطاء، والواو، وسكون العين. والباقون بالتاء على فعل ماض

___________________________________

(1) ديوانه: 35، رقم القصيدة: 4 واللسان " صلا " وقد مر البيت في 1: 56 - 193.

(2) سورة الغاشية آية: 4.

[42]

اللغة: الصفا - في الاصل - الحجر الاملس مأخوذ من الصفو.

قال المبرد: الصفا: كل حجر لا يخلط غيره، من طين أو تراب يتصل به حتى يصير منه، وانما اشتقاقه من صفا يصفو - إذا خلص - وهو الصافي الذي لا يكدره شئ بشوبه.

وقيل واحد الصفا: صفا، وقيل بل هو واحد يجمع اصفاء أو صفى - وأصله من الواو -، ولانك تقول - في تثنيته: صفوان، ولانه لا يجوز فيه الامالة.

والمروة في الاصل: هي الحجارة الصلبة اللينة.

وقيل: الصفا: الصغير، والمروة: لغة في المرو.

وقيل انه جمع مثل تمرة وتمر، قال ابوذؤيب: حتى كأني للحوادث مروة(1) والمرو: نبت. والاصل الصلابة. والنبت سمي بذلك لصلابة بزره.

والصفا والمروة: هما الجبلان المعروفان بالحرم، وهما من الشعائر، كما قال الله تعالى.

والشعائر: المعالم للاعمال، فشعائر الله: معالم الله التي جعلها مواطن للعبادة، وهي أعلام متعبداته من موقف، أو مسعى، أو منحر، وهو مأخوذ من شعرت به: أي علمت، وكل معلم لعبادة من دعاء، أو صلاة، أو اداء فريضة، فهو مشعر لتلك العبادة، وواحد الشعائر شعيرة، فشعائر الله أعلام متعبداته قال الكميت بن زيد:

نقتلهم جيلا فجيلا نراهم *** شعائر قربان بهم نتقرب(2)

والحج: قصد البيت بالعمل المشروع من الاحرام، والطواف، والوقوف بعرفة والسعي بين الصفا والمروة. واشتقاقه من الحج الذي هو القصد - على وجه التكرار والتردد قال الشاعر(3):

___________________________________

(1) ديوانه 3. من قصيدة النارعة في رثاء أولاده.

وعجزه: بصفا المشرق كل يوم يقرع ويرى " المشقر " وهو سوق الطائف: المروة الصخرة والمشرق: الناسك بمعنى يصف الشاعر نفسه بأنه من كثرة الحوادث: أصبح كالصخرة في مكان تمر بها الناس كثيرا ويقرعها واحد بعد الآخر.

(2) اللسان " شعر " والهاشميات: 21.

(3) هو المخبل السعدي، وهو مخضرم.

[43]

وأشهد من عوف حلولا كثيرة *** يحجون سب الزبرقان المزعفرا(1)

يعني يكثرون التردد اليه بسؤدد.

وقال آخر: يحج مأمومة في قعرها لجف(2) وأما العمرة في الاصل فهي الزيارة وهي هاهنا زيارة البيت بالعمل المشروع: من طواف الزيارة والاحرام. وأخذت العمرة من العمارة لان الزائر للمكان يعمره بزيارته له.

وقوله: (فلا جناح عليه). فالجناح هو الميل عن الحق، وأصله من جنح إليه جنوحا إذا مال اليه.

قال صاحب العين: الاجناح: الميل. اجنحت هذا فأجتنح أي املته فمال.

وقوله: (وإن جنحوا للسلم فأجنح لها)(3) أي مالوا إليك لصلح فمل إليهم.

وجناحا الطائر: يداه، ويدا الانسان: جناحاه. وجناحا العسكر جانباه، وجناحا الوادي: مجريان عن يمينه وشماله. وجنحت الابل في السير إذا أسرعت. وإنما قيل للاضلاع جوانح، لاعوجاجها. وجنحت السفينة إذا مالت في أحد شقيها. وكل مائل إلى شئ فقد جنح إليه (ولا جناح عليكم) أي ميل إلى مأثم. وكل ناحية: جناح، ومر جنح من الليل أي قطعة نحو نصفه. وأصل الباب الميل.

والطواف: الدور حول البيت. ومنه الطائف: الدائر بالليل. والطائفة الجماعة كالحلقة الدائرة. ويطوف أصله يتطوف، فادغمت التاء في الطاء، لانها من مخرجها، والطاء

___________________________________

(1) البيان والتبين 3: 97 واللسان (سبب) (حجج) (زبرق) حل بالمكان حلولا: اذا نزل القوم به. يحجون يكثرون الاختلاف اليه (سب الزبرقان) الزبرقان بن بدر الفزاري وهو من سادات العرب.

وقيل ان سب: است: وقيل عمامة. المزعفر المصبوغ بالزعفران. يقول يكثرون الذهاب إلى هذا الرجل الذي يصبغ عمامته، أو استه بالزعفران. وهذا هجأله.

(2) اللسان (حجج) (لجف) وعجزه: فاست الطبيب قذاها كالمغاريد يحج: يزور أو يكشف.

مأمومة: شجة في أم الرأس. في قعرها: في اقصاها. لجف: حفر. فاست: فميل.

المغاريد: صمغ معروف يوضع على الجرح.

يقول يرى شجة في أم الرأس يخاف من رؤيتها ويجزع، فيصفر من هولها.

(3) سورة الانفال آية: 62.

[44]

أقوى بالجهر منها. والفرق بين الطاعة والتطوع: ان الطاعة موافقة الارادة في الفريضة والنافلة. والتطوع التبرز بالنافلة خاصة. واصلها الطوع الذي هو الانقياد.

المعنى: وإنما قال (فلا جناح عليه أن يطوف بهما) وهو طاعة، من حيث أنه جواب لمن توهم أن فيه جناحا، لصنمين كانا عليه: احدهما إساف، والآخر نائلة، في قول الشعبي، وكثير من أهل العلم.

وروى ذلك عن ابي جعفر وابي عبدالله (ع) وكان ذلك في عمرة القضاء ولم يكن فتح مكة بعد، وكانت الاصنام على حالها حول الكعبة وقال قوم: سبب ذلك أن أهل الجاهلية كانوا يطوفون بينهما، فكره المسلمون ذلك خوفا أن يكون من أفعال الجاهلية، فانزل الله تعالى الآية.

وقال قوم عكس ذلك: أن أهل الجاهلية كانوا يكرهون السعي بينهما، فظن قوم أن في الاسلام مثل ذلك، فأنزل الله تعالى الآية.

وجملته أن في الآية ردا على جميع من كرهه، لاختلاف أسبابه. والطواف بينهما فرض عندنا في الحج والعمرة، وبه قال الحسن وعائشة وغيرهما، وهو مذهب الشافعي، وأصحابه. وقال أنس بن مالك، وروى عن ابن عباس: أنه تطوع وبه قال ابوحنيفة، وأصحابه، واختاره الجبائي. وعندنا ان من ترك الطواف بينهما متعمدا، فلا حج له حتى يعود فيسعى، وبه قالت عائشة، والشافعي. وقال ابو حنيفة، وأصحابه، والنوري: إن عاد، فحسن، وإلا جبره بدم، وقال عطا، ومجاهد يجزيه ولا شئ عليه.

وقوله تعالى: (ومن تطوع خيرا)

قيل فيه ثلاثة أقوال: أولها " من تطوع خيرا " اي بالحج العمرة بعد الفريضة.

الثاني - " ومن تطوع خيرا " أي بالطواف بهما عند من قال إنه نفل.

الثالث - " من تطوع خيرا " بعد الفرائض، وهذا هو الاولى، لانه أعم.

وفي الناس من قال: وهو الجبائي، وغيره: إن التقدير فلا جناح عليه ألا يطوف بهما كما قال: " يبين الله لكم أن تضلوا " ومعناه ألا تضلوا وكما قال: " أن تقولوا يوم القيامة "(1). ومعناه الا تقولوا.

___________________________________

(1) سورة الاعراف آية: 171.

[45]

وقال آخرون: إن ذلك لا يجوز. وهو اختيار الرماني. وهو الصحيح، لان الحذف يحتاج إلى دليل. ومعنى القرائتين واحد لا يختلف.

ووصف الله تعالى بأنه شاكر مجاز، لان الشاكر في الاصل هو المظهر للانعام، والله لا يلحقه المنافع، والمضار - تعالى عن ذلك.

ومعناه هاهنا المجازي على الطاعة بالثواب، وخروج اللفظ مخرج التلفظ حيثا على الاحسان اليهم، كما قال " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا "(1) والله لا يستقرض من عوز، لكن تلطف في الاستدعاء كأنه قال: من ذا الذي يعمل عمل المقرض، بأن؟ فيأخذ أضعاف ما قدم في وقت فقره وحاجته إلى ذلك فكذلك، كأنه قال: " من تطوع خيرا فان الله " يعامله معاملة الشاكر، يحسن المجازاة، وايجاب المكافاة. والفرق بين التطوع والفرض أن الفرض يستحق بتركه الذم والعقاب، والتطوع لايستحق بتركه الذم، ولاالعقاب.

وروي عن جعفر بن محمد: أن آدم نزل على الصفا، وحواء على المروة، فسمى المرو باسم المرأة.

قوله تعالى: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون(159)

آية بلا خلاف.

المعنى: قيل في المعني بهذه الآية قولان: احدهما - قال ابن عباس، ومجاهد، والربيع، والحسن، وقتادة، السدي،

___________________________________

(1) سورة البقرة آية: 245.

[46]

واختاره الجبائي، وأكثر أهل العلم: انهم اليهود، والنصارى: مثل كعب بن الاشرف وكعب بن أسيد، وابن صوريا، وزيد بن تابوه، وغيرهم من علماء النصارى ألذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وآله، ونبوته: وهم يجدونه مكتوبا في التوراة والانجيل مبينا فيهما.

والثاني - ذكر البلخي: أنه متناول لكل من كتم ما أنزل الله وهو أعم، لانه يدخل فيه أولئك وغيرهم، ويروى عن ابن عباس أن جماعة من الانصار سألوا نفرا من اليهود عما في التوراة، فكتموهم اياه، فانزل الله عزوجل " إن الذين يكتمون " الآية.

وإنما نزل فيهم هذا الوعيد، لان الله تعالى علم منهم الكتمان، وعموم الآية يدل: على أن كل من كتم شيئا من علوم الدين، وفعل مثل فعلهم في عظم الجرم أو أعظم منه، فان الوعيد يلزمه، وأما ما كان دون ذلك، فلا يعلم بالآية بل بدليل آخر.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من سئل عن علم يعلمه، فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار.

وقال ابوهريرة: لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم وتلا " إن الذين يكتمون ما أنزل الله " الآية، فهذا تغليظ للحال في كتمان علوم الدين.

وكتمان الشئ اخفاؤه مع الداعي إلى اظهاره، لانه لا يقال لمن أخفى مالا يدعوا إلى اظهاره داع: كاتم. والكتاب الذى عني هاهنا قيل التوارة. وقيل كل كتاب أنزله الله. وهو أليق بالعموم.

وقال الزجاج: هو القرآن، واستدل قوم بهذه الآية على وجوب العمل بخير الواحد من حيث أن الله تعالى توعد على كتمان ما أنزله، وقد بينا في اصول الفقه أنه لا يمكن الاعتماد عليه، لان غاية ما في ذلك وجوب الاظهار، وليس إذا وجب الاظهار وجب القبول، كما أن على الشاهد الواحد يجب إقامة الشهادة وإن لم يجب على الحاكم قبول شهادته، حتى ينضم اليه ما يوجب الحكم بشهادته، وكذلك يجب على النبي صلى الله عليه وآله إظهار ماحمله، ولا يجب على أحد قبوله حتى يقترن به المعجز الدال على الصدق، ولذلك نظائر ذكرناها.

على أن الله تعالى بين أن الوعيد انما توجه على من كتم ما هو بينة وهدى وهو الدليل، فمن أين أن خبر الواحد بهذه المنزلة، فاذا لادلالة في الآية على ما قالوه، والبينات والهدى هي الادلة وهما بمعنى واحد، وإنما كرر لاختلاف لفظهما.

[47]

وقيل: إنه اراد بالبينات الحجج الدالة على نبوته صلى الله عليه وآله وبالهدى إلى ما يؤديه إلى الخلق من الشرائع، فعلى هذا لا تكرار.

اللغة: واللعن في الاصل الابعاد على وجه الطرد قال الشماخ:

ذعرت به القطا ونفيت عنه *** مقام الذئب كالرجل اللعين(1)

أراد مقام الذئب اللعن.

واللعين في الحكم: الابعاد - من رحمة الله - بايجاب العقوبة، فلايجوز لعن ما لا يستحق العقوبة.

وقول القائل: لعنه الله دعاء، كأنه قال: أبعده الله، فاذا لعن الله عبدا، فمعناه الاخبار بأنه أبعده من رحمته.

المعنى: والمعني بقوله و (يلعنهم اللاعنون) قيل فيه أربعة أقوال: احدها - قال قتادة، والربيع، واختاره الجبائي، والرماني، وغيرهما: انهم الملائكة والمؤمنون - وهو الصحيح -، لقوله تعالى في وعيد في الكفار (أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس اجمعين)(2) فلعنة اللاعنين كلعنة الكافرين.

الثاني - قال مجاهد، وعكرمة: إنها دواب الارض، وهو انها تقول منعنا القطر لمعاصي بني آدم.

الثالث - حكاه الفراء أنه كل شئ سوى الثقلين الانس والجن، رواه عن ابن عباس.

الرابع - قاله ابن مسعود: أنه إذا تلاعن الرجلان رجعت اللعنة على المستحق لها، فان لم يستحقها واحد منهم رجعت على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله.

فان قيل: كيف يجوز على قول من قال: المراد به البهائم اللاعنون، وهل يجوز على قياس ذلك الذاهبون؟ قلنا لما أضيف اليها فعل ما يعقل عوملت معاملة ما يعقل كما قال تعالى (والشمس والقمر رأيتهم لي

___________________________________

(1) مر تخريجه في 1: 343 من هذا الكتاب.

(2) سورة البقرة آية: 161

[48]

ساجدين)(1) فان قيل: كيف يجوز إضافة اللعن إلى مالا يعقل من البهيمه والجماد؟ قيل: لامرين احدهما - لما فيه من الآية التي تدعوا إلى لعن من عمل بمصية الله.

والثاني - أن تكون البهائم تقول على جهة الالهام لما فيه من الاعتبار.

الآية: 160 - 169

قوله تعالى: إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم(160)

آية بلا خلاف.

المعنى: استثنى الله تعالى في هذه الآية من جملة الذين يستحقون اللعنة من تاب، وأصلح، وبين.

واختلفوا في معنى " بينوا " فقال أكثر المفسرين، كقتادة، وابن زيد، والبلخي، والجبائي، والرماني: إنهم بينوا ما كتموه من البشارة بالنبي صلى الله عليه وآله وقال بعضهم: بينوا التوبة، وإصلاح السريرة بالاظهار لذلك. وإنما شرط مع التوبة الاصلاح، والبيان ليرتفع الايهام بأن التوبة مما سلف من الكتمان يكفي في ايجاب الثواب.

ومعنى قوله تعالى (أتوب علمهم) أقبل توبتهم. والاصل في أتوب أفعل التوبة إلا أنه لما وصل بحرف الاضافة دل على ان معناه أقبل التوبة، وإنما كان لفظه مشتركا بين فاعل التوبة، والقابل لها، للترغيب في صفة التوبة إذ وصف بها القابل لها، وهو الله وذلك من إنعام الله على عباده، لئلا يتوهم بما فيها من الدلالة على مقارفة الذنب أن الوصف بها عيب، فلذلك جعلت في أعلا صفات المدح، والتوبة هي الندم الذي يقع موقع التنصل من الشئ وذلك بالتحسر على موافقته، والعزم على ترك معاودته إن أمكنت المعاودة.

واعتبر قوم المعاودة إلى مثله في القبح. وهو الاقوى. لاجماع الامة على سقوط العقاب عندها، وما عداها فمختلف فيه.

___________________________________

(1) سورة يوسف آية: 4.

[49]

فان قيل: ما الفائدة في هذا الاخبار، وقد علمنا أن العبد متى تاب لابد أن يتوب الله عليه؟ قلنا أما على مذهبنا، فله فائدة واضحة: وهو أن اسقاط العقاب عندها ليس بواجب عقلا، فاذا أخبر بذلك أفادنا مالم نكن عالمين به، ومن خالف في ذلك قال: وجه ذلك أنه لما كانت توبة مقبولة وتوبة غير مقبولة صحت الفائدة بالدلالة على أن هذه التوبة مقبولة. ومعنى قبول التوبة حصول الثواب عليها وإسقاط العقاب عندها.

و (التواب) فيه مبالغة إما لكثرة ما يقبل التوبة وإما لانه لايرد تائبا منيبا أصلا. وقبول التوبة بمعنى اسقاط العقاب عندها، غير واجب عندنا عقلا. وإنما علم ذلك سمعا، وتفضلا، من الله تعالى على ما وعد به بالاجماع على ذلك. وقد بينا في شرح الجمل في الاصول أنه لادلالة عقلية عليه، ووصفه نفسه بالرحيم عقيب قوله (التواب) دلالة على أن اسقاط العقاب عند التوبة تفضل منه ورحمة من جهته.

ومن قال: إن الفعل الواجب نعمة إذا كان منعما بسببه كالثواب، والعوض، فانه لما كان منعما بالتكليف وبالآلام التي يستحق بها الاعواض، جاز أن يقال في الثواب والعوض أنه تفضل وإن كانا واجبين، فقوله باطل، لان ذلك إنما قلنا في الثواب للضرورة، وليس هاهنا ضرورة تدعو إلى ذلك. وإصلاح العمل هو إخلاصه له من قبيح يشوبه، والتبيين هو التعريض للعلم الذي يمكن به صحة التميز.

الاعراب: وموضع الذين نصب على أنه استثناء من موجب. و (إلا) حقيقتها الاستثناء. ومعنى ذلك الاختصاص بالشئ دون غيره كقولك: جائني القوم إلا زيدا فقد اختصصت زيدا بأنه لم يجئ، وإذا قلت ما جاء‌ني إلا زيد، فقد اختصصت زيدا بأنه جاء، واذا قلت ما جاء‌ني زيد إلا راكبا فقد اختصصته بهذه الحال دون غيرها من المشي والعدو، وما أشبه ذلك.

[50]

قوله تعالى: إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين(161)

آية بلاخلاف.

المعنى: إن قبل: كيف يلعن الكافر كافرا مثله وهو الظاهر في قوله (والناس أجمعين)؟ قيل عنه ثلاثة أجوبة: أولها - أنه يلعنه الناس أجمعون يوم القيامة كما قال تعالى (ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا)(1) وهو قول ابي العالية.

الثاني - قال السدي: انه لا يمتنع أحد من لعن الظالمين، فيدخل في ذلك لعن الكافر لانه ظالم.

الثالث يرا؟ به لعن المؤمنين خصوصا، ولم يعتد بغيرهم كما يقال: المؤمنون هم الناس، وهو قول قتادة والربيع، هذا إذا حمل على أن اللعن في دار الدنيا، لان من؟؟ أهل ملة لا يلعن أهل ملة.

القراء‌ة: وحكي عن الحسن أنه قرأ " والملائكة " رفعا ويكون ذلك على حمله على معنى يلعنهم الله والملائكة والناس أجمعون. كما تقول: عجبت من ضرب زيد، وعمرو - بالرفع - وهذه قراء‌ة شاذة لا يعول عليها لان المعتمد ما عليه الجمهور.

ولا يجوز رفع " أجمعين " وحده هاهنا لان هذه اللفظة لا تكون إلا تابعة، وليس في الكلام مظهر ولا مضمر تتبعه على ذلك، وإنما الحمل على المعنى بمنزلة إعادة معنى العامل الاول، كأنك قلت: ويلعنهم الملائكة والناس أجمعون.

المعنى: والكفر ما يستحق به العقاب الدائم عندنا، وعندمن خالفنا في دوام عقاب فساق أهل الصلاة انه ما يستحق به العقاب الدائم الكثير، ويتعلق به أحكام مخصوصة،

___________________________________

(1) سورة العنكبوت آية: 25

[51]

وسواء كان الكفر في تشبيه الله تعالى بخلقه أو في تجريده في أفعاله أو الرد على النبي صلى الله عليه واله وسلم أوما كان أعظم منه في القبح.

واللعنة: الابعاد من الرحمة على ما بيناه مع ايجاب العقوبة، ويجري ذلك من الناس على وجه الدعاء، ومن الله على وجه الحكم، وإنما قال: (وماتوا وهم كفار) وكل كافر، فهو ملعون في حال كفره وإن لم يكن ممن يوافى بالكفر للدلالة على خلودهم في النار إذا ماتوا على غير توبة، وقد دل على ذلك ما بينه في الآية الثالثة، وإنما أكد بأجمعين ليرتفع الاحتمال، والايهام قبل أن ينظر في تحقيق الاستدلال، ولهذا لم يجز الاخفش رأيت أحد الرجلين كليهما، وأجاز رأيتهما كليهما، لانك إذا ذكرت الحكم مقرونا بالدليل عليه، أزلت الايهام للفساد، وإذا ذكرته وحده فقد يتوهم عليك الغلط في المقصد بقولك: أحد الرجلين، لما ذكرت التثنية وذكرت أحدا كنت بمنزلة من ذكر الحكم، والدليل عليه فأما ذكر التثنية في رأيتهما، فبمنزلة ذكر الحكم وحده. وواحد الناس إنسان في في المعنى، فأما في اللفظ، فلا واحد له، وهو كنفر، ورهط مما يقال: إنه اسم للجمع.

قوله تعالى: خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون(162)

آية بلا خلاف.

المعنى: والهاء في قوله " فيها " عائدة على اللعنة في قول الزجاج.

وقال ابوالعالية.

هي عائدة إلى النار، ومعني قوله (ولا هم ينظرون) على قول ابي العالية رفع لايهام الاعتذار كما قال: (ولا يؤذن لهم فيعتذرون)(1) لئلا يتوهم أن التوبة والانابة هناك تنفع. والخلود في اللعنة يحتمل أمرين أحدهما - إستحقاق اللعنة بمعنى أنها تحق عليهم أبدا.

والثاني - في عاقبة اللعنة: وهي النار التي لا تفنى، وإنما قال: (لايخفف)

___________________________________

(1) سورة المرسلات آية: 36

[52]

مع أنهم مخلدون، لان التخفيف قد يكون مع الخلود، بان يقل المعاون ما يفعل، فأراد الله أن يبين أنه يقع الخلود، ويرتفع التخفيف.

الاعراب: وخالدين نصب على الحال من الهاء والميم في عليهم، كقولك: عليهم المال صاغرين، والعامل فيه الاستقرار في عليهم.

اللغة: والخلود: اللزوم أبدا، والبقاء: الوجود وقتين فصاعدا، ولذلك لم يجز في صفات الله خالد، وجاز باق، ولذلك يقال: أخلد إلى قوله: أي لزم معنى ما أتى به، ومنه قوله تعالى (ولكنه أخلد إلى الارض)(1) أي مال اليها ميل اللازم لها، كأنه قبل الخلد فيها.

والفرق بين الخلود والدوام أن الدوام: هو الوجود في الاول، ولا يزال. واذا قيل دام المطر، فهو على المبالغة، وحقيقته لم يزل من وقت كذا إلى وقت كذا، والخلود هو اللزوم أبدا.

والتخفيف: هو النقصان من المقدار الذي له اعتماد.

والعذاب: الالم الذي له أمتداد.

والانظار: الامهال قدر ما يقع النظر في الخلاص، واصل النظر الطلب، فالنظر بالعين: الطلب بالعين، وكذلك النظر بالقلب أو باليد أو بغيرها من الحواس، وتقول أنظر الثوب أين هو.

والفرق بين العذاب والايلام ان الايلام قد يكون بجزء(2) من الالم في الوقت الواحد. والعذاب له استمرار من الالم في أوقات، ومنه العذب، لاستمراره في الحلق(3). والعذبة، لاستمرارها بالحركة(4).

___________________________________

(1) سورة الاعراف آية: 175.

(2) في المطبوعة (محز).

(3) وفي مجمع البيان (ومنه العذاب لاستمراره بالخلق) والصحيح ما ذكره الشيخ، لان المقصود منه: عذوبة لماء ونحوه، ولا يكون ذلك الا في الحلق.

(4) العذبة التي تستمر بالحركة: خرقة النائحة.

[53]

قوله تعالى: وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم(163)

آية بلا خلاف.

المعنى: يوصف تعالى بأنه واحد على أربعة أوجه أولها - إنه ليس بذي أبعاض ولا يجوز عليه الانقسام.

الثاني - واحد في استحقاق العبادة.

الثالث - واحد لانظير له ولا شبيه.

الرابع - واحد في الصفات التي يستحقها لنفسه، فهو قديم، وقادر لا يعجزه شئ، وعالم لا يخفى عليه شئ، فكل هذه الصفات يستحقها وحده، والواحد شئ لا ينقسم عددا كان أو غيره، ويجري على وجهين: على الحكم، وعلى جهة الوصف، فالحكم كقولك: الجزء واحد، والوصف كقولك: إنسان واحد، ودار واحدة.

ومعنى إله أنه يحق له العبادة، وغلط الرماني، فقال: هو المستحق للعبادة، ولو كان كما قال لما كان تعالى إلها فيما لم يزل، لانه لم يفعل ما يستحق به العبادة.

ومعنى ما قلناه: أنه قادر على ما إذا فعله استحق به العبادة.

وقيل معنى إله انه منعم بما يستحق به العبادة، وهذا باطل لما قد بيناه، ولا يجوز أن يحيا أحد من الخلق بالالهية، لانه يستحيل ان يقدر أحد سوى الله على ما يستحق به العبادة من خلق الاجسام، والقدرة، والحياة، والشهوة، والنفاد، وكمال العقل، الحواس وغير ذلك، فلا تصح الآلهية الا له، لانه القادر على ما عددناه، والآية تتصل بما قبلها وبما بعدها، فاتصالها بما قبلها، كاتصال الحسنة بالسيئة، لتمحو أثرها، وتحذرمن مواقعتها، لانه لما ذكر الشرك، وأحكامه أتبع ذلك بذكر التوحيد وأحكامه، واتصالها بما بعدها كاتصال الحكم بالدلالة على صحته، لان ما ذكر في الآية التي بعدها حجة على صحة التوحيد.

فان قيل: كيف يتصل الوصف بالرحمة بما قبله؟ قلنا، لان العبادة تستحق بالنعمة التي هي في أعلى مرتبة، ولذلك بولغ في الصفة بالرحمة، ليدل على هذا المعنى.

[54]

الاعراب: و (هو) في موضع رفع، ولا يجوز النصب، ورفعه على البدل من موضع (لا) مع الاسم، كقولك: لا رجل إلا زيد كأنك قلت: ليس إلا زيد - فيما تريد من المعنى - إذا لم يعتد بغيره، ولا يجوز النصب على قولك: ما قام احد إلا زيدا، لان البدل يدل على أن الاعتماد على الثاني، والمعني ذلك، والنصب يدل على أن الاعتماد في الاخبار إنما هو على الاول، وقوله تعالى: (لا إله إلا هو) إثبات لله تعالى وحده وهو بمنزلة قولك: الله إله وحده، وإنما كان كذلك لانه القادر على ما يستحق به الالهية، ولا يدل على النفي في هذا الخبر من قبل أنه لم يدل على إله موجود، ولا معدوم سوى الله عزوجل، لكنه نقيض لقول من إدعى إلها مع الله. وإنما النفي إخبار بعدم شئ كما أن الاثبات إخبار بوجوده.

قوله تعالى: إن في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الارض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والارض لآيات لقوم يعقلون(164)

آية واحدة بلا خلاف.

القراء‌ة: قرأ نافع وابن كثير، وابوعمرو، وابن عاصم، وابن عامر (الرياح) على الجمع. الباقون على التوحيد، ولم يختلفوا في توحيد ما ليس فيه ألف ولام.

المعنى: لما أخبر الله تعالى الكفار بأن إلههم إله واحد لاثاني له، قالوا: ما الدلالة على ذلك؟ فقال الله عزوجل: (إن في خلق السماوات والارض) الآية إلى آخرها.

[55]

ووجه الدلالة من الآية (أن في خلق السماوات والارض) يدل على أن لها خالق، لا يشبهها ولا تشبهه، لانه لا يقدر على خلق الاجسام إلا القديم القادر لنفسه الذي ليس بجسم، ولا عرض، إذ جميع ذلك محدث ولابد له من محدث ليس بمحدث، لاستحالة التسلسل.

وأما (الليل والنهار)، فيدلان على عالم مدبرمن جهة أنه فعل محكم، متقن، واقع على نظام واحد، وترتيب واحد، لايدخل شيئا من ذلك تفاوت، ولا اختلاف.

وأما (الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس) فتدل على منعم دبر ذلك لمنافع خلقه، ليس من جنس البشر، ولا من قبيل الاجسام، لان الاجسام يتعذر عليها فعل ذلك. وأما الماء الذي ينزل من السماء، فيدل على منعم به يقدر على التصريف فيما يشاء من الامور، لايعجزه شئ.

وأما (إحياء الارض بعد موتها)، فيدل على الانعام بما يحتاج اليه العباد.

وإحياؤها: إخراج النبات منها، وأنواع الثمار (وبث فيها من كل دابة) دال على ان لها صانعا مخالفا لها منعما بأنواع النعم.

(وتصريف الرياح) يدل على الاقتدار على ما لايتأتى من العباد ولو حرصوا كل الحرص، واجتهدوا كل الاجتهاد، لانه إذا ذهبت جنوبا مثلا، فاجتمع جميع الخلق على أن يقلبوها شمالا أو صبا أو دبورا، لما قدروا على ذلك، ولا تمكنوا على رده من الجهة التي يجئ منها.

وأما (السحاب المسخر) فيدل على أنه يمسكه القديم، والذي لاشبه له ولا نظير، لانه لا يقدر على تسكين الاجسام الثقال بغير علاقة ولا دعامة إلا الله تعالى، وكذلك لايقدر على تسكين الارض كذلك إلا القادر لنفسه،، فهي تدل على صانع غير مصنوع قديم لا يشبهه شئ، قادر لا يعجزه شئ، عالم لا يخفى عليه شئ، حي لايموت واحد ليس كمثله شي، سميع بصير (لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات

[56]

ولا في الارض)(1) لان صفات النقص لا يجوز عليه تعالى.

ويدل على أنه منعم بما لا يقدر غيره على الانعام بمثله(2)، أنه يستحق بذلك العبادة دون غيره.

اللغة: والخلق هو الاحداث للشئ على تقدير من غيراحتذاء على مثال، ولذلك لا يجوز إطلاقه إلا في صفات الله، لانه ليس أحد - جميع أفعاله على ترتيب من غير احتذاء على مثال - إلا الله تعالى.

وقد استعمل الخلق بمعنى المخلوق كما استعمل الرضى بمعنى المرضى، وهو بمنزلة المصدر، وليس معنى المصدر معنى المخلوق، واختلف أهل العلم فيه إذا كان بمعنى المصدر، فقال قوم: هو الارادة له.

وقال آخرون: إنما هو على معنى مقدر، كقولك: وجود وعدم، وحدوث وقدم، وهذه الاسماء تدل على مسمى مقدر للبيان عن المعاني المختلفة وإلا فالمعنى بما هو الموصوف في الحقيقة. وإنما جمعت السماوات ووحدت الارض، لانه لما ذكرت السماء بأنها سبع في قوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات)(3)

وقوله: (خلق سبع سموات)(4) جمع لئلا يوهم التوحيد معنى الواحدة من هذه السبع. وقد دل مع ذلك قوله (ومن الارض مثلهن)(5) على معنى السبع، ولكنه لم يجر على جهة الافصاح بالتفصيل في اللفظ.

ووجه آخر: وهو أن الارض لتشاكلها تشبه الجنس الواحد، كالرجل، والماء الذي لايجوز جمعه إلا أن يراد الاختلاف، وليس تجري السماوات مجرى الجنس، لانه دبر في كل سماء أمرها. والتدبير الذي هو حقها.

وفي اشتقاق قوله (واختلاف الليل والنهار) قولان: احدهما - من الخلف، لان كل واحد منهما يخلف صاحبه على وجه المعاقبة له.

والثاني - من اختلاف الجنس كاختلاف السواد والبياض، لان أحدهما لا يسد مسد الآخر في الادراك.

والمختلفان مالا يسد أحدهما مسد الآخر فيما يرجع إلى ذاته.

___________________________________

(1) سورة سبأ آية: 3.

(2) في المطهوعة (لمثله).

(3) سورة البقرة آية: 29.

(4) سورة الطلاق آية 12، وسورة الملك آية: 3.

(5) سورة الطلاق آية: 12.

[57]

والنهار: إتساع الضياء، وأصله الاتساع، ومنه قول الشاعر:(1)

ملكت بها كفي فأنهرت فتقها *** يرى قائم من دونها ما وراء‌ها(2)

أي أوسعت، ويصلح ان يكون من النهر أي جعله كالنهر. والنهر أوسع مجاري الماء، فهو أوسع من الجدول، والساقية.

وإنما جمعت الليلة، ولم يجمع النهار لان النهار بمنزلة المصدر، كقولك: الضياء، يقع على الكثير والقليل، فأما الليلة، فمخرجها مخرج الواحد من الليل على أنه قد جاء جمعه على وجه الشذوذ.

قال الشاعر:

لولا الثريدان هلكنا بالضمر *** ثريد ليل وثريد بالنهر(3)

والفلك: السفن يقع على الواحد، والجمع بلفظ واحد، ومنه قوله: (في الفلك المشحون)(4) ومنه (واصنع الفلك بأعيننا)(5) والفلك: فلك السماء. قال الله تعالى: (كل في فلك يسبحون)(6). وكل مستدير فلك، والجمع أفلاك وقال صاحب العين: قيل: اسم للدوران خاصة.

وقيل: بل اسم لاطواق سبعة فيها النجوم. وفلكت الجارية إذا استدار ثديها. والفلكة: فلكة المغزل معروف. وفلكة الجدي، وهو قضيب يدار على لسانه لئلا يرضع. واصل الباب الدور، والفلك السفينة لانها تدور بالماء أسهل دور. وإنما جعل الفلك للواحد، والجمع بلفظ واحد، لان فعل وفعل(7) يشتركان كثيرا: العرب، والعرب، والعجم، والعجم، والبخل والبخل.

___________________________________

(1) هو قيس بن الخطيم.

(2) اللسان (نهر) ملكت: شددت وقويت.

أنهرت فتقها: وسعته حتى جعلته نهرا.

يصف طعنة، فشبهها اولا بالنهر ثم شبهها بالنافذة بقوله: يرى قائم..) وهذا في غاية المبالغة.

(3) اللسان (نهر)، وتهذيب الالفاظ: 422، والمخصص 9: 51. ورواية اللسان، والمخصص " لمثنا " بدل " لهلكنا ". الضمر - بضم الميم، وسكونها - الهزال، ولحاق البطن، والضمر هنا: الحوع، لان المعنى لولا ثريد الليل وثريد النهار لمتنا جوعا. والثريد: خبز؟ في ماء اللحم وغيره.

(4) سورة يس آية: 41.

(5) سورة هود آية: 37.

(6) سورة الانبياء آية: 33، وسورة يس آية 40.

(7) فعل الاولى - بفتح الفاء والعين - والثانية - بضم الفاء وسكون العين -، وكذلك كل ما مثل به من الكلمات المتفقة في المادة في هذه الموضع.

[58]

ومن قال في أسد: أسد. قال في فلك: فلك، فجمعه على فعل.

وإنما أنث الفلك إذا أريد به الجمع، كقولك: السفن التي تجرى في البحر.

وقوله: (وما أنزل الله من السماء) يعني من نحو السماء عند جميع المفسرين.

وقال قوم: السماء تقع على السحاب، لان كل شئ علا فوق شئ، فهو سماء له.

فان قيل: هل السحاب بخارات تصعد من الارض؟ قلنا ذلك جائز لا يقطع به، ولا مانع ايضا من صحته من دليل عقل، ولاسمع.

والسماء: السقف، فسماء البيت سقفه قال تعالى: (وجعلنا السماء سقفا محفوظا)(1) فالسماء المعروفة سقف الارض. وأصل الباب السمو: وهو العلو.

والسماء: الطبقة العالية على الطبقة السافلة إلا أنها صارت بمنزلة الصفة على السماء المعروفة: وهي التي من أجل السمو كانت عالية على الطبقة السافلة.

والارض الطبقة السافلة.

يقال: أرض البيت وأرض الغرفة، فهو سماء لما تحته من الطبقة، وارض لما فوقه، وقد صار الاسم كالعلم على الارض المعروفة. وإنما يقع على غيرها بالاضافة.

والليل هو الظلام المعاقب للنهار. وقد يقال لما لا يصل اليه ضوء الشمس: هو الليل وإن كان النهار موجودا.

والبحر: هو الخرق الواسع الماء الذي يزيد على سعة النهر.

والمنفعة: هي اللذة، والسرور وما أدى إليهما. أو إلى كل واحد منهما. والنفع، والخير، والحظ نظائر، وقد تكون المنفعة بالآلام إذا أذت إلى لذات.

والاحياء: فعل الحياة.

وحياة الارض: عمارتها بالنبات، وموتها إخرابها بالجفاف الذي يمتنع معه النبات.

والبث: التفريق، وكل شئ بثثته،؟ فرقته، ومنه قوله تعالى: (كالفراش المبثوث)(2)، وتقول: انبث الجراد في الارض، وتقول: بثثته سري، وابثثته إذا أطلعته عليه.

والبث: ما يجده(3) الرجل من كرب، أو غم في نفسه، ومنه قوله: (أشكون بثي وحزني إلى الله)(4).

وأصل الباب التقريق.

وقال صاحب العين: كل شئ مما خلق الله يسمى دابة مما يدب، وصار بالعرف اسما

___________________________________

(1) سورة الانبياء آية: 32.

(2) سورة القارعة آية: 4.

(3) في المطبوعة " ما يمجده ".

(4) سورة يوسف آية: 86.

[59]

لما يركب، ويقولون للبرذون: دابة وتصغيرها دويبة. ودب النمل يدب دبيبه. ودب الشراب بالانسان دبيبا. ودب القوم إلى العدو أى مشوا على هيئتهم لم يشرعوا.

والدبابة تتخذ في الحروب، ثم يدفع إلى أصل حصن فينقبون وهم في جوف الدبابة(1) والدب: نوع من السباع، والانثى دبه. والدبة لزوم حال الرجل في فعاله. ركب فلان دبة فلان، وأخذ بدبته أي عمل بعمله.

وقوله تعالى: (وتصريف الرياح) التصريف والتقليب والتسليك نظائر. وتصريف الرياح تصرفها من حال إلى حال، ومن وجه إلى وجه، وكذلك تصرف الخيول، والسيول، والامور. وصرف الدهر تقلبه، والجمع صروف. والصريف: اللبن إذا سكنت رغوته.

وقال بعضهم: لا يسمى صريفا حتى يتصرف به الضرع. والصريف صريف الفحل بنابه حتى يسمع لذلك صوت، وكذلك صريف البكرة. وعنز صارف: إذا أرادت الفحل. والصرف: صبغ أحمر، قال الاصمعي: هو الذي يصبغ به الشرك.

والصرف: فضل الدرهم على الدرهم في الجودة.

وكذلك بيع الذهب بالفضة، ومنه اشتق إسم الصير في، لتصريفه أحدهما في الآخر.

والصرف: النافلة. والعدل: الفريضة.

والصرفة: منزل من منازل القمر: كوكب إذا طلع قدام الفجر، فهو أول الخريف، وإذا غاب من طلوع الفجر، فذاك أول الربيع.

والصرف: الشراب غير ممزوج. والصرفان تمر معروف، أوزنه وأجوده.

وأصل الباب: القلب عن الشئ.

والسحاب: مشتق من السحب وهو حرك الشئ على وجه الارض، تسحبه سحبا كما تسحب المرأة ذيلها، وكما تسحب الريح التراب، وسمي السحاب سحابا، لا نسحابه في السماء وكل منجر منسحب. والتسخير، والتذليل، والتمهيد نظائر.

تقول: سخر الله لفلان كذا إذا سهله له، كما سخر الرياح لسليمان. وسخرت الرجل تسخيرا إذا اضطهدته، فكلفته عملا بلا أجرة. وهي السخرة، وسخر منه إذا استهزأ به، قال الله تعالى (فيسخرون)

___________________________________

(1) في المطبوعة " دابة "

[60]

منهم سخر الله منه)(1) وقال (فاتخذتموهم سخريا)(2) من الاستهزاء، وسخريا من تسخير الحول وما اشبهه. واصل الباب: التسخير: التذليل.

المعنى: وقيل في تصريف الرياح قولان: احدهما - هبوبها شمالا وجنوبا وصبا ودبورا. والثاني - قيل مجيؤها بالرحمة مرة وبالعذاب أخرى. وهو قول قتادة.

وقوله: (لقوم يعقلون) فيه قولان: احدهما - أنه عام لمن استدل به، ومن لم يستدل من العقلاء. والثاني - أنه خاص لمن استدل به كما قال: (إنما أنت منذر من يخشاها)(3) وكما قال (هدى للمتقين)(4) لما كانوا هم الذين اهتدوا بها وخشوا عند مجيئه أضيف إليهم وإنما أضيفت الآيات إلى العقلاء لامرين:

أحدهما - لانها نصبت لهم. والثاني - لانها لا يصح أن يستدل بها سواهم.

اللغة: قال ابوزيد: قال القبسون: الرياح أربع: الشمال، والجنوب، والصبا، والدبور. فأما الشمال عن يمين القبلة والجنوب عن شمالها والصبا والدبور متقابلتان، فالصبا من قبل المشرق والدبور من قبل المغرب واذا جائت الريح بين الصبا، والشمال، فهي النكباء التي لايختلف فيها. والتي بين الجنوب والصبا، فهي الجريباء، وروى ابن الاعرابي عن الاصمعي، وغيره: ان الرياح اربع: الجنوب، والشمال، والصبا، والدبور.

قال ابن الاعرابي: كل ريح بين ريحين، فهي نكباء.

قال الاصمعي: اذا انحرفت واحدة منهن، فهي نكباء، وجمعها نكب.

فاما مهبهن، فان ابن الاعرابي قال: مهب الجنوب من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا، والصبا من مطلع الثريا إلى بنات نعش، والشمال من بنات نعش إلى مسقط النسر الطائر، والدبور من مسقط النسر الطائر إلى مطلع سهيل، والجنوب، والدبور لهما هيف ولطيف: الريح الحارة، والصبا، والشمال: لاهيف لهما.

___________________________________

(1) سورة التوبة آية: 80.

(2) سورة المؤمنون آية: 111.

(3) سورة النازعات آية: 45.

(4) سورة البقرة آية: 2.

[61]

وقال الاصمعي: ما بين سهيل إلى طرف بياض الفجر: جنوب. ومابان انهما هما، يستقبلهما من الغرب: شمال، وما جاء من وارء البيت الحرام فهو دبور، وما جاء قبالة ذلك، فهو صبا. وتسمى الصبا قبولا، لانها تستقبل الدبور، وتسمى الجنوب الازيب، والنعامى. وتسمى الشمال محوة ولا تصرف، لانها تمحوا السحاب وتسمى الجريباء، وتسمى مسعا، وتسعا. وتسمى الجنوب اللاقح. والشمال حائلا، وتسمى ايضا عقيما، وتسمى الصبا عقيما ايضا.

قال الله تعالى: " وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العفيم "(1) وهي التي لا تلقح السحاب. والذاريات التي تذروا التراب ذروا.

ومن قرأ بلفظ الجمع، فلان كل واحدة من هذه الرياح مثل الاخرى في دلالتها على التوحيد وتسخيرها لنفع الناس. ومن وحد أراد به الجنس كما قالوا أهلك الناس الدينار، والدرهم.

 




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8903212

  • التاريخ : 8/08/2020 - 05:25

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net