• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم / المكتبة .
              • الكتاب : التفسير البنائي للقرآن الكريم ـ الجزء الثاني ، تأليف : الدكتور محمود البستاني .
                    • الموضوع : سورة الرعد .

سورة الرعد

سورة الرعد

 

______________________________________________________

الصفحة 383

 

قال تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم * المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون * الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصّل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون * وهو الذي مدّ الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشى الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون * وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحدٍ ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون).

بهذا المقطع تفتتح سورة الرعد، حيث تضمنت مقدمتها الإشارة إلى أنّ مبادئ الله تعالى هي الحق، إلاّ أنّ أكثر الناس لا يؤمنون.

هذه المقدمة سوف تنعكس أصداؤها على هيكل السورة الكريمة بحيث تتلاحم أجزاؤها على المحور المذكور كما سنرى.

وهذا من حيث عمارة السورة الكريمة.

وأما من حيث الجزئيات المطروحة فيها، فقد بدأ النص الحديث عنها بإحدى الظواهر الكونية، ألا وهي: إبداع السماء والأرض، حيث وظف هذه الموضوعات لتصب في الموضوع الرئيس للسورة، ونعني به: المقدمة التي تضمنت الإشارة إلى أن مبادئ الله تعالى هي الحق وإن أكثر الناس لا يؤمنون. لذلك نجد، أن النص القرآني الكريم ما إن يتحدث عن ظاهرة إبداعية، حتى يعقّب على ذلك قائلاً (لعلكم بلقاء ربكم توقِنون) (إن في ذلك لآياتٍ لقومٍ يعقلون) ثم يتساءل قائلاً: (وإن تعجب: فعجب قولهم أإذا كنا تراباً أئنا لفي

 

______________________________________________________

الصفحة 384

 

خلق جديد... الخ) إذن عندما يطرح النص موضوعاً عن الإبداع الكوني، نجده سرعان ما يربط عضوياً بين هذا الموضوع وبين الفكرة الرئيسة التي تحوم عليها السورة الكريمة وهي تشكيك الناس بالحق الذي أنزله الله تعالى.

لكن، خارجاً عن المبنى الهندسي للسورة ولموضوعاتها المرتبطة بهذا المبنى يعنينا أن نعرض سريعاً لجزئيات الموضوع: لملاحظة الأدوات الفنية المستخدمة في صياغتها. لقد استخدم النص عناصر لفظية وإيقاعية وصورية متنوعة في هذا الصعيد. في صعيد (الصورة) مثلاً، نواجه الصورة الرمزية القائلة (ثم استوى على العرش). إن الاستواء على العرش يرمز إلى الهيمنة المطلقة لله تعالى، وبما أن أية تشبيهات أو استعارات، لا يمكن أن تعبر عن حقيقة الهيمنة أو السيطرة على الكون، حينئذٍ كان لابدّ من استخدام عنصر (الرمز) بدلاً من التشبيه أو الاستعارة، لأن التشبيه أو الاستعارة ذات بعد (حتمي) من جانب، وهو ما لا يتساوق مع حقيقة الله تعالى المنزه عن التجسم ولأنهما (أي الاستعارة والتشبيه) من جانب آخر، لا تعدان شاملتين لكل خصائص الهيمنة أو السيطرة نظراً لكونهما تعبيراً عن علاقات (تشابه) بين طرفين أو إعارة سمة من هذا الطرف وخلعها على الطرف الآخر، حيث أن كلاً منهما لا يتناسب مع حقيقة الله تعالى.

وهذا على العكس من عنصر (الرمز)، لأن (الرمز) هو ـ حسب المصطلح الأدبي ـ (تعبير محدود عن شيء غير محدود)، وهو أمر نلحظه بوضوح، في الصورة الرمزية القائلة (ثم استوى على العرش)، لأن الاستواء على العرش تعبير محدود: من حيث كونه لفظاً محدداً ذا دلالة محددة هي: الاستواء على الشيء، لكن الاستواء على الشيء، يشير أو يرمز إلى شيء غير محدود هو: الهيمنة أو القدرة أو السيطرة لله تعالى على الكون أجمع. فأنت حين تتصور مستويات الهيمنة لله تعالى، لا يكون بمقدورك أن تحددها من

 

______________________________________________________

الصفحة 385

 

خلال عملية غير محدودة لسيطرة الله تعالى وهيمنته. وهذا هو المقصود تماماً من المصطلح الأدبي في تعريف الرمز بأنه تعبير محدود عن شيء غير محدود. والمهم ـ بعد ذلك ـ أن نجد أن هذه الصورة الرمزية قد وظفت فنياً من أجل المفهوم الذي طرحته مقدمتها، ونعني به: أن ما أنزله الله تعالى هو (الحق)، وإن الظواهر الكونية والهيمنة عليها تجسيد واضح للحقيقة المشار إليها، وهذا التوظيف للصورة الرمزية، يكشف عن احكام النص القرآني الكريم، من حيث علاقة موضوعاته: بعضها مع الآخر بالنحو الذي لحظناه.

 

* * *

 

قال تعالى (وإن تعجب فعجبٌ قولهم ءإذا كنا تراباً ءانّا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلالٌ في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون * ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب * ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد...).

هذا المقطع من سورة الرعد يشكل تجسيداً عضوياً لمقدمة السورة التي جاء فيها (والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون). أي، أن النص قال في مقدمة سورة الرعد، بأن ما أنزل على محمد ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ هو الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون به، وها هي السورة: تقدم نموذجاً من سلوك الناس الذين لا يؤمنون بما أنزل على محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، فتقول ـ على لسان الكافرين (ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه). وتتساءل (وإن تعجب فعجبٌ قولهم أإذا كنا تراباً أإنا لفي خلق جديد...؟). إذن، طرَحَ هذا المقطع نموذجاً من السلوك الذي لا يؤمن بالحق، ويشكك برسالة الإسلام من جانب آخر، فيستبعد أن تعاد تركيبة الإنسان من جديد، ويقترح نزول ظواهر إعجازية

 

______________________________________________________

الصفحة 386

 

مع نزول القرآن الكريم... ويلاحظ ان النص لم ينقل لنا كلام الكافرين المذكور، إلا بعد أن قدم سلسلة من الظواهر الإبداعية مثل: رفع السماوات بغير أعمدة مرئية، وتسخير الشمس والقمر، ومد الأرض وجعل الجبال والأنهار والنباتات فيها... الخ.

ومن الواضح، إن النص عندما يعرض ظواهر إبداعية، ثم يعرض نماذج من سلوك المشككين: إنما يستهدف ذلك لفت النظر إلى تفاهة الاعتراضات الصادرة عن هؤلاء المشككين واسقاطهم من حساب القارئ. ومع ذلك يتقدم النص من جديد بعرض ظواهر إبداعية أخرى، حتى يستكمل بذلك إلقاء الحجة عليهم من جانب ودفع البعض منهم ـ ممن يتوقع تعديل سلوكه ـ إلى تغيير الموقف، من جانب آخر... من هنا نجد، أن النص يستخدم طريقتي الإرشاد والتحذير لتحقيق الغرض المشار إليه، فنجده يحذر أولئك المشككين باليوم الآخرة قائلاً (أولئك الإغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون). ولكي يقوم بعملية تذكير بالعقوبات التي حلت بالمجتمعات البائدة، قائلاً: (ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات) أي: العقوبات.

وهنا ينبغي ألا نغفل عن أن التحذير من العقاب الأخروي بالنسبة للمشككين باليوم الآخر، إنما يشكل منحنى فنياً غير مباشر في تثبيت هذه الحقيقة التي يشكك بها المنحرفون... والآن، إذا تركنا هذا الجانب من الصياغة واتجهنا إلى العنصر (الصوري) فيها، نجد أن المقطع قد استخدم صورة (الأغلال: في أعناقهم) بالنسبة للعذاب الأخروي الذي ينتظر المكذبين... والسؤال هو: هل ان هذه الصورة (وهي صورة القيد الذي تشد به يد الإنسان إلى عنقه) صورة (واقعية) أم صورة (رمزية)؟ لا شك أن كلا من الاحتمالين يمكن أن يستوحيهما القارئ أو السامع، حيث ان تنوع الاستيحاء

 

______________________________________________________

الصفحة 387

 

يظل واحداً من سمات الفن: كما هو واضح، وأهمية الإستيحاء الأول، تتمثل في كون الصورة المشار إليها تعبيراً عن أشد أشكال الهوان والذل: بصفة ان اقتياد الشخص وهو مطوق اليد والعنق إلى النار تعبير عن هوانه عند الله تعالى وعند الآخرين. وأما أهمية الاستيحاء الآخر، وهو كون الصورة المشار إليها (رمزاً)، فتتمثل في أن الكفر أو الانحراف بعامة، يكون بمثابة طوق في عنق الشخص يحتجزه من تحقيق أهدافه التي يتطلع إليها، إنه قيد يمنعه من الحركة... إنه غل لا يسمح له بأن ينعم بأدنى راحة... إنه معْلم يتميز به أمام الآخرين بحيث يشار إليه ويفتضح من خلاله... إنه الحاجز عن النعيم في نهاية الأمر.

ينبغي ألا نغفل أيضاً، عن أن هذه الصورة وسواها من العناصر الفنية قد وظفها المقطع من أجل إنارة الموضوع الرئيس الذي تحوم عليه السورة الكريمة ونعني به: سلوك المنحرفين وانعكاساته على مصائرهم الأخروية، فيما يفصح مثل هذا التوظيف الفني عن احكام المبنى الهندسي للسورة، من حيث صلة أجزائها: بعضها مع الآخر، بالنحو الذي تقدم الحديث عنه.

 

* * *

 

قال تعالى (الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار * عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال * سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخفٍ بالليل وساربٍ بالنهار * له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال...).

في هذا المقطع من سورة الرعد، نلحظ جملة من الظواهر المرتبطة بفاعلية الله تعالى وصفاته، وفي مقدمتها: العلم، حيث انتخب المقطع من الظواهر المرتبطة بعلم الله تعالى: ظاهرتين هما العلم بالأرحام والعلم

 

______________________________________________________

الصفحة 388

 

بالحركات الذهنية وغيرها للإنسان. ويعنينا من ذلك: المنحى الفني الذي سلكه النص في صياغته لظاهرة (العلم) وصلتها بعمارة السورة الكريمة. وأول ما يلحظ ـ في هذا الميدان ـ ان المقطع اعتمد عنصر (التقابل الفني) بين الأشياء، مثل المقابلة بين (ما تغيض الأرحام) وبين (ما تزداد)، ومثل (أسرّ القول) مقابل (جهر به)، ومثل (مستخف بالليل) مقابل (وسارب النهار)، ومثل (من بين يديه) مقابل (ومن خلفه)، ومثل (لا يغير ما بقوم) مقابل (حتى يغيروا) الخ. هذه السلسلة من العبارات والظواهر (المتقابل فيما بينها) تهب النص جمالية ممتعة دون أدنى شك. بخاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار ان المقطع في صدد العرض لفاعلية الله تعالى المطلقة حيث يجيء (التقابل) فيما بين مفرداتها (أي: المفردات المرتبطة بفاعليته تعالى) عنصراً مساهماً في تعميق المعرفة بها، ما دام توصيل المعرفة ـ في أحد أشكاله ـ يعتمد على ما هو ضد أو مقابل للآخر، أي: إن البعض من الظواهر أو الأشياء تعرف بأضدادها كما هو واضح.

وندع ظاهرة (العلم) لنواجه ظاهرة أخرى هي: توظيفه تعالى للملائكة لحراسة الإنسان (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله)... ثم نواجه طرحاً لظاهرة نفسية واجتماعية هي: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)... هذه الظواهر يعرضها النص ضمن حديثه عن إبداع الله تعالى وفاعليته الكونية حيث إن الفكرة الرئيسة التي يحوم النص عليها تتمثل في الذهاب إلى أن أكثر الناس ليسوا بمؤمنين بالحق الذي أنزله تعالى (والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) مقدمة سورة الرعد. ومن الواضح، أن النص يستهدف من وراء عرضه لهذه الظواهر لفت النظر إلى (الحق) الذي أنزله تعالى. لذلك حينما نتابع قراءة السورة الكريمة، نواجه سلسلة أخرى من الظواهر التي يعرضها النص في هذا الصعيد، إلا أنه تعالى يعرضها في سياقات متنوعة بحيث تتحقق من خلال ذلك مهمة مزدوجة هي:

 

______________________________________________________

الصفحة 389

 

تقديم حقائق كونية مختلفة ليتعرفها الإنسان، ثم: الإستدلال بها على ان ما أنزله الله تعالى هو (الحق)، أي: توظيف الحقائق لإنارة الفكرة الرئيسة التي يقوم هيكل السورة الكريمة عليه. ومن هذه الحقائق، نواجه ظاهرة جديدة يعرضها المقطع الآتي:

(هو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينشئ السحاب الثقال * ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال * له دعوة الحق...الخ).

فالملاحظ هنا، ان المقطع طرح موضوعات إبداعية لله تعالى مثل البرق والسحاب والصواعق، وطرح حقائق عبادية كونية مثل تسبيح الرعد بحمد الله تعالى (ويسبح الرعد بحمده) ومثل تسبيح الملائكة من خيفة الله تعالى (والملائكة من خيفته)... إلا أن المقطع القرآني المذكور ربط بين هذه الظواهر والحقائق وبين الفكرة الرئيسة التي يقوم عليها هيكل السورة الكريمة، ونعني بها: ان ما أنزله الله تعالى هو الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون، حيث قال تعالى تعقيباً على تلكم الظواهر والحقائق (وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال له دعوة الحق...الخ)، فهنا يشير النص إلى (الحق) ويشير إلى أن الناس يجادلون في هذا الحق، وهذه الإشارة هي نفس الدلالة التي طرحتها مقدمة السورة، أي الآية الأولى منها (والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون). وفي ضوء هذا الربط بين مقدمة السورة ووسطها، يمكننا أن نستكشف مدى إحكام النص من حيث صلة موضوعاته بعضها بالآخر.

 

* * *

 

قال تعالى: (له دعوةٌ الحقِ والّذين يَدْعون من دونِه لا يَستجيبون لَهُمْ

 

______________________________________________________

الصفحة 390

 

بشيءٍ إلاّ كباسِطِ كفيهِ إلى الماءِ ليِبْلُغَ فاه وما هو بِبالغِهِ وما دُعاءُ الكافرين إلا في ضلال...).

في هذه المقطع من سورة الرعد، نواجه عنصراً صورياً بالغ الأهمية، هو: (التشبيه) الفنيّ الذي يتضمن إحداث علاقة بين مَن يدعو مِن دون الله (كالأوثان) مثلاً، وبين مَن يبسط كفيه إلى الماء ليشربه دون أن يستطيع إيصاله إلى الفم... إن أهمية هذا التشبيه تتجسّد في جملة من الخطوط، منها ما يتصل بعمارة السورة الكريمة التي تحوم فكرتها على أنّ أكثر الناس لا يؤمنون (بالحق) الذي أنزله الله تعالى، حيث جاء (التشبيه) ليقول: إنّ لله (دعوة الحق) وإنّ هؤلاء غير المؤمنين بالحق يدعون من دون الله ما لا يستجيب لهم: كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه...الخ.

وهذا من حيث الموقع الهندسي للتشبيه.

أما من حيث عناصره التركيبية، فإن أهمية هذا التشبيه تتمثل في كونه أولاً: يستند إلى خبرة مألوفة لدى الناس جميعاً، حيث أن تجربةَ تناوُلِ الماء بالكف ومحاولة إيصاله إلى الفم تظل أمراً يخبره أبسط الناس، لذلك يُعتبر هذا التشبيه من الصور الناجحة فنيّاً ما دام مستنداً إلى تجربة مألوفة. بيد أن الأهم من ذلك هو: أن تكون هذه التجربة موسومةً بالطرافة وبالعمق من حيث صياغتها الفنية، وهذا ما يمكن ملاحظته بوضوحٍ، في التشبيه المذكور. إن المعنيّين بشؤون التفسير والفن، ذَهبَ بعضهم إلى أن المقصود من هذا التشبيه هو أن عبادة المشركين للأوثان: تُشبه مَن يتناول الماء من مكان بعيد من خلال عملية بسط اليد دون أن تصل يدُه إلى الماء، وذهب البعض الآخر إلى أن العملية المذكورة تُشبه مَن يدعو الماء بلسانه ويشير إليه بيده فلا تستطيع يدُه الوصول إلى الماء. وذهب البعض الثالث إلى أن هذه العملية تُشبه من يبسط يده إلى الماء ولكنه يموت قبل أن يتناوله. وذَهَب البعض الرابع إلى أن هذا التشبيه

 

______________________________________________________

الصفحة 391

 

امتدادٌ لبعض الأمثال المألوفة عصرئذٍ، حيث تحوم هذه الأمثال على مَن يسعى لتناول ما لا يدركه، فيُقال له: بأنه كالذي يقبض على الماء.

إن عَرْضنا لهذه الاستخلاصات التي توفّر عليها المعنيّون بشؤون التفسير الفني: يستهدف لَفْتَ النظر إلى حيويّة هذا التشبيه، ما دمنا نعرف جميعاً أن الصورة الفنية الناجحة: هي التي تزخر بإيحاءات متنوعة بحيث يستوحي كلُّ شخصٍ منها ما يتناسب وخبرته التذوقية للفن. لذلك، فإن هذه الاستحياءات المتنوعة التي أشرنا إليها، من الممكن أن تصحّ جميعاً ما دامت تحوم على دلالة خاصة هي: استحالة تحقق الشيء من خلال الوسائل التي لا تقترن بما هو عملي أو واقعي.

والمهم هو، أن التشبيه المذكور ـ حسب خبرتنا الخاصة ـ ينطوي على أهمية كبيرة، لجملة من الأسباب، منها: ما ذكرناه من الاستناد إلى التجربة المألوفة، ومنها ـ وهذا هو الأهم ـ أن تجربة تناوُلِ الماء باليد، تقترن بكونها متصلةً بأهم الحاجات الحيوية للإنسان حيث أن الحاجة إلى الماء تعدّ في الدرجة الأولى من سُلّم الحاجات البشرية، وتليها: الحاجة إلى الطعام، ثم سائر الحاجات، وهذا يعني أن النص انتخب أشدّ الدوافع والحاجات ليبرهن من خلال ذلك على مدى احباط وخيبة الأمل في تحقيق الإشباع لدى مَن يعبد غير الله تعالى.

وهذا ما يتصل بالحاجة ذاتها، أي بالحاجة إلى تناول الماء...

أمّا ما يتصل بـ(الوسيلة)، فإن صياغة تناول الماء من خلال بسط اليد ثم محاولة توصيل الماء إلى الفم... هذا النمط من الصياغة: يعدّ بدوره من أهمّ الصياغات التي تعبّر عن مدى خيبة الأمل أو مدى التّوتر الذي يصيب العطشان وهو يحاول إيصال الماء إلى فمه... أنه يبسط يده ليتناول الماء مع أنّ استقرارَ الماء في اليد أمرٌ صعبٌ كما هو واضح.

 

______________________________________________________

الصفحة 392

 

 

وحتى مع إمكان احتفاظ اليد ببعض الماء فإن محاولة إيصاله إلى الفم: أمرٌ صعب أيضاً... إذن: الصعوبة تكمن في استقرار الماء في اليد من جانب، وفي صعوبة إيصاله إلى الفم من جانب آخر، مع ملاحظة أن التوترات التي تصاحب الشخص في هذه المحاولة، ثم خيبة الأمل التي يصاب بها في نهاية الأمر، أولئك جميعاً تكشف عن حيوية مثل هذا التشبيه ـ كما قلنا.

أخيراً، ينبغي ألاّ نغفل أيضاً، بأن هذا التشبيه جاء في سياق الحديث عن الموضوع الرئيس الذي تحوم عليه سورة الرعد (وهو: أن أغلبية الناس لا يؤمنون بالحق)، فيما يفصح مثل هذا التلاحم بين موضوع النص وعنصر الصورة عن مدى إحكام النص من حيث علاقة أجزائه: لبعضها مع الآخر.

 

* * *

 

قال تعالى: (مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ...).

هذا المقطع أو الآية الكريمة من سورة الرعد تتضمن عنصراً (صورياً) بالغ الأهمية، كما تتضمن عنصراً (لفظياً) يقوم على التكرار الفنيّ، لابدّ من الوقوف عندهما لملاحظة صياغتهما من جانب، وعلاقتهما بموضوع السورة الكريمة التي تحوم عليه من جانب آخر.

أما العنصر (الصوري) فيتمثّل في: مجموعة من (التشبيهات) المثيرة التي وُظِفت فنيّاً لإنارة الفكرة التي تقوم عليها السورةُ الكريمة، ونعني بها فكرة (أن أكثر الناس لا يؤمنون بالحق الذي أنزله الله تعالى). وفي مقدمة هذه الأكثرية: أولئك الذين اتخذوا من دون الله أولياء، حيث يخاطبهم النصُ على لسان النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ قائلاً: (قُلْ هل يستوي الأعمى والبصيرُ أمْ هل تَستوي الظلماتُ

 

______________________________________________________

الصفحة 393

 

والنورُ أمْ جَعَلُوا لِلّهِ شركاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِه).

 

فهنا نواجه ثلاثة تشبيهات (الأعمى والبصير، الظلمات والنور، خَلقوا كخلقه). هذه التشبيهات، بعضها ينتسب إلى التشبيه المألوف الذي يعتمد أداة التشبيه (الكاف) مثل التشبيه الأخير (أمْ جعلوا لله شركاءَ خلقوا كَخَلْقِه)، وبعضها ينتسب إلى ما نسميه بـ(التشبيه المضاد أو المتقابل) مثل تشبيهي (الظلمات والنور) و(الأعمى والبصير). ولكلٍ من التشبيهات المذكورة: مسوّغه الفني والفكري... ولنقف أولاً عند (التشبيه المضاد أو المتقابل).

إن أهمية التشبيه القائل (هل يستوي الأعمى والبصير) والتشبيه القائل: (هل تستوي الظلمات والنور) تتمثل في أنّ المعرفة بالشيء تتعمق حيناً من خلال الأضداد بين الأشياء حيث يُعرف الشيء من خلال ضده، فنحن نتبيّن أهمية النهار من خلال مقارنته بالليل، ونتبيّن أهمية البصر من خلال مقارنته بالعمى، ونتبين أهمية النور من خلال مقارنته بالظلمة، وهكذا. لذلك، فإن (التشبيه) الذي يعتمد في تركيبته على وجود الشبه بين الشيئين، لا تنحصر فاعليته في رصد العلاقات المتشابهة بين شيء وآخر، بل يتجاوزه أيضاً إلى رصد العلاقات المتقابلة بين الشيئين: أي العلاقة التي تقوم على التضاد بينهما، وهو ما نلحظه بوضوح في التشبيهين المشار إليهما (الأعمى والبصير) و(الظلمات والنور)، وبما أنّ النص القرآني كان في صدد الحديث عن مفهوم (التوحيد) ومفهوم (الشرك) (أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً)، حينئذٍ فإن المقارنة بين مَن يتّخذ من دون الله أولياء لا يملكون نفعاً ولا ضراً (مثل الأصنام)، وبين الله تعالى، تستلزم تقديم صورة فنية تقوم على المقارنة بين من يملك فاعلية مطلقة وبين مَن يفتقد الفاعلية حتى في أبسط مستوياتها، وهو ما يتمثل في صورتي التشبيه التي يقارن بين (البصير) الذي يرى كل شيء وبين (الأعمى) الذي لا يرى أيّ شيء، والتشبيه الذي يقارن بين

 

______________________________________________________

الصفحة 394

 

(النور) الذي يُضاءُ به كل شيء وبين (الظلمات) التي لا نورَ فيها.

وبما أنّ المقارنة بين فاعلية الله تعالى وبين انعدام الفاعلية لدى غير الله تعالى لا تنحصر في عملية الإبداع الكوني فحسب، بل تتجاوزها إلى مفهوم (الخير) المطلق لدى الله تعالى، حينئذٍ نجد أن النص القرآني الكريم يقدّم صورتين ترتبطان بمفهوم البصر والنور مقابل العمى والظُلمة، بصفة أن البصر والنور تتّسع دلالتهما لتشمل جميع الفاعليات الكونية من إرادة لله تعالى وقدرتهِ وهيمنتهِ وخيره المطلق الخ، حيث أن (النور) مقابل (الظلمات) يرمز إلى مطلق الخير كما هو واضح، كما أن (البصر) مقابل (العمى) يرمز إلى مطلق المعرفة، فإذا اقترنت (المعرفة) (بالخير): حينئذٍ تكتسب دلالة الوجود سمة التكامل كما هو بيّن، وهو ما يفسّر لنا واحداً من الأسرار الفنية الكامنة وراء تقديم تشبيهين ـ لا التشبيه الواحد فحسب ـ في هذا الصعيد. والمهمّ ـ بعد ذلك ـ أن عنصر التشبيه جاء في سياق الحديث عن فكرة السورة التي تحوم على مفهوم (أن أكثرية الناس لا يؤمنون بالحق الذي أنزله الله تعالى) فيما يُفصح مثلُ هذا التوظيف الفني للصور التشبيهية عن مدى إحكام المبنى الهندسي للسورة الكريمة، من حيث علاقة أجزائها: بعضها مع الآخر.

 

* * *

 

قال تعالى: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ...).

هذه الآية أو المقطع من سورة الرعد، يتضمّن سماتٍ فنيّةً بالغة الجمال والإثارة والدهشة: من حيث التركيب الصوري لهما. لقد اعتمد النصُ عنصر (المَثَلِ) في صياغة الصورة الفنية، حيث يجسّد (المثَل) أحد أشكال (التشبيه).

 

______________________________________________________

الصفحة 395

 

أي، أنه واحدٌ من أدوات التشبيه، كما هو واضح. والمهمّ هو: أن النص قدّمَ ـ من خلال المَثَل ـ صياغةً خاصة لمفهوم الحق وما يقابلها من الباطل، حيث أن السورة الكريمة تحوم فكرتها على مفهوم (الحق) الذي أنزله الله تعالى (والذي أُنزِل إليك من ربّك الحقُ) مقدمة السورة... وجاءت هذه الصياغة الصورية موظفةً فنياً لبلورة المفهوم المُشار إليه... ولعلَّ أوّل ما يلفت النظر في هذه الصياغة أنها تعتمد جملةً من الصور المتداخلة فيما بينها، فهناك صورة (المطر) الذي نزل من السماء، فسالت بسببه أوديةٌ ذات مساحات مختلفة، أي: أن الوديان التي اجتمع المطرُ فيها، يظلُ نصيب المطر منها محكوماً بطبيعة مساحة الوادي، فإذا كان الوادي كبيراً فإنه يتسع لقدر كبير من الماء، وإذا كان وسطاً أو صغيراً، فإنه يتسع للمتوسط أو الصغير من الماء أيضاً. هذه الصورة الحسية عن المطر وتسبيبه لامتلاء الوديان بالمياه: حسب مساحاتها، قد (فرّع) منها النصُ صورةً حسية أخرى هي قوله تعالى (فاحتمل السيلُ زبداً رابياً) أي: أن هذه المياه المجتمعة في الوديان تحمل زَبَداً طافياً عليها، حيث أن الزَبَد ـ كما هو واضح ـ لا نفع فيه، بل هو مجرّد رغوة تمثّل وضَرَ الماء وخبثَه. هاتان الصورتان ـ السيل والزبد ـ قد قَرَنهما النصُ بصورةٍ حسيّة ثالثة هي قوله تعالى (وممّا يُوقِدُون عَلَيْه في النارِ ابتغاءَ حِليةٍ)، أي: أن هناك معادنَ كالذهب والفضة وغيرهما، مما توقد على النار من أجل تصفيتها، وتُتَّخذ حلية عند الناس، حيث أن إيقادها على النار يستتبع تنقيتها مما هو شائب منها، أي: أن الذهب يماثل سيول الوادي من حيث انطواؤه على ما هو نافع وما هو ضارٌ أو لا نفع فيه، فكما أنّ للماء زَبَداً لا نفع فيه، كذلك فإن للذهب أو مطلق المعادن شيئاً لا نفع فيه وهو المادة المتبقية بعد التصفية.

إذن، نحن الآن أمام ثلاث صور حسيّة، الماء أو المطر المتجمع في الوديان بحسب مساحاتها من الكبر والصغر، الماء المتضمن ما هو نافع وما هو غير نافع، المعدن المتضمن أيضاً ما هو نافع وما هو غير نافع.

 

______________________________________________________

الصفحة 396

 

والسؤال هو: ما هي الدلالات التي تتضمّنها أمثلةُ هذه الصور؟ ثمَّ: كيفية صياغتها.

أمّا دلالاتها، فإن النص القرآني الكريم يوضّح ذلك، من خلال تعقيبه على الصور المذكورة، بقوله تعالى: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ).

إن هذه الصورة صيغت من أجل إنارة الفكرة الرئيسة التي تحوم عليها السورة الكريمة، ونعني بها (فكرة (الحق) الذي أنزله الله تعالى)، حيث أن تعقيبه مع القائل (كذلك يضرب الله الحق والباطل) يعني: أن النص في صدد بلورة مفهوم (الحق) وما يقابله من (الباطل)، وإن هذه الصور قد وُظّفت فنياً من أجل بلورة المفهوم المشار إليه، مما يكشف مثلُ هذا التوظيف الفنيّ عن إحكام المبنى الهندسي للسورة الكريمة، بالنحو الذي أشرنا إليه، وبالنحو الذي نوضحه لاحقاً (إن شاء الله).

 

* * *

 

قلنا: إن هذا المقطع من سورة الرعد، يتضمن مجموعة من الصور التشبيهية التي سيقت من أجل بلورة مفهوم (الحق) الذي أنزله الله تعالى مقابل (الباطل) ـ وهذا المفهوم يشكّل (الفكرة) الرئيسة التي تحوم عليها سورة الرعد. وما يعنينا الآن من هذه الصور هو: صياغتها فنيّاً.

الصورة الأولى في هذا المقطع هي (أنزَلَ من السماء ماءً فسالتْ أودية بقدرِها)... الصورة الثانية هي (فاحتمل السيلُ زبداً رابياً)... الصورة الثالثة هي (ومِمّا يوقدُون عليه في النارِ ابتغاءَ حِلْيَةٍ أو متاعٍ زبدُ مثله) الصورة الرابعة هي (فأمّا الزّبَد فيذهبُ جُفاءً وأمّا ما ينفع الناسَ فيمكُثُ في الأرض...).

 

______________________________________________________

الصفحة 397

 

والآن، إذا كانت الصورة الفنيةُ الناجحة تتميز بكونها ذات إيحاءات متنوعةٍ، حينئذ ما هي الاستيحاءات التي يمكن أن نستخلصها من الصورة المشار إليها؟... الصورة الأولى (أنزل من السماء ماءً فسالتْ أوديةٌ بقدرها) تقول: إن الله أنزل مطراً، فسالت الأوديةُ به: حسب مساحتها من الكبر أو الصغر، فالوادي الصغير مثلاً يحتفظ بقدر صغير من ماء المطر، والوادي الكبير يحتفظ بقدر كبير منه، وهكذا سائر الأودية التي تتفاوت في أحجامها. هذه الصورة الحسية تفجّر لدى المتلقّي أكثر من إيحاء دون أدنى شك. فالمطر يرمز إلى الخير، إلى معطيات الله تعالى، إلى الحق الذي أنزله تعالى... الخ. والوديان قد ترمز إلى النفس البشرية وطبيعة استعدادها لتقبّل الخير، لتقبّل الإيمان...الخ. فهناك من الأشخاص مَن يستجيب للإيمان أو الخير بقدر كبير، وهناك من يستجيب له بقدر قليل، وهناك من تتفاوت استجابته بين القلة والكثرة: حسب استعداده، وهكذا.

إذن، الصلة بين المطر والوديان وبين الأشخاص ودرجاتهم من الإيمان، تظل واضحة في الصورة الفنية المُشار إليها.

وأما الصورة الفنية الثانية (فاحتمل السيلُ زبداً رابياً) فتعني: أن المطر حينما انهمر على الوديان، فإن سيوله التي شربتها هذه الوديان، تظل ـ عادة ـ مصحوبةً بالزَبَد، بالرغوة الطافية على السيل، ترى: ماذا نستخلص من هذه الصورة؟. النص القرآني الكريم، يقدّم لنا بعد انتهائه من صياغة هذه الصورة: السرَّ الفني الذي يُستخلص منها، ألا وهو: أن الزَبَد يذهب جفاء، وإنّ ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. أي: أنّ الزبدَ الذي صحب السيلَ سيتلاشى لأنه رغوة طافية سرعان ما تنمحي من سطح المياه، بينا تبقى المياه محتفظة بمادتها، الزبد ـ في مثل هذه الحالة ـ يتلاشى، لأنه ببساطة ـ لا نفع فيه، وهذا بعكس المياه التي تبقى: حيث تنتفع البشريةُ بها كما هو واضح. وما

 

______________________________________________________

الصفحة 398

 

يستخلص من هذا كله هو: أنّ (الحق) يبقى، وان (الباطل) سيتلاشى، تماماً: كما يبقى الماء ويتلاشى الزَبَدُ... الصورة الثالثة (ومِمّا يُوقِدون عليه في النار ابتغاء حليةٍ أو متاع زبدُ مثله) أي، أن المعادن الثمينة التي يفيد الناسُ منها (مثل الذهب) تحمل نفس خصيصة الماء الذي يتلاشى زبده وتبقى مادته، فالذهب حينما يُذاب ـ من خلال الحرارة ـ تصحبه ـ عادة ـ مواد غير أصيلة، تُلقى جانباً، ويُحتفظ بما هو أصيل فحسب، فالمواد غير الأصيلة: زَبَدُ أيضاً، أي أن النص القرآني الكريم: شبّه ما لا ينفع من الذهب بما لا ينفع من المياه (وهذا نمط فنّي مدهش من حيث التركيب الصوري الذي تتداخل من خلاله الصورة: بعضها مع الآخر.

والمهم ـ بعد ذلك كله ـ أن النص تَرَكَنا نستخلص من خلال الصورة الرابعة (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ): إنّ (الحق) ـ وهو الفكرة التي تحوم عليها سورة الرعد ـ يمكث، وأن الباطل يتلاشى: تماماً كما يتلاشى الزبد والمواد غير الأصيلة، وإن ذلك ـ من جانبٍ آخر ـ يبقى مرتبطاً بطبيعة النفس البشرية التي تستجيب للحق أو الباطل بقدر استعدادها تقبّل الخير والشر.

إذن، للمرة الجديدة، ينبغي ألاّ نغفل عن أهمية مثل هذه الصياغة الفنية للصور المشار إليها، من حيث صلتها بفكرة النص الذي يحوم على مفهوم (الحق) مقابل الباطل، فيما تُفصح مثل هذه الصلة عن الإحكام الهندسي للسورة الكريمة.

 

* * *

 

قال تعالى: (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ

 

______________________________________________________

الصفحة 399

 

صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ...).

هذا المقطع من سورة الرعد، يطرح جملة من الموضوعات المرتبطة بالسلوك العبادي والاجتماعي والنفسي مثل: الالتزام بالعهد، وصلة الرحم، والخشية من الحساب في اليوم الآخر، وممارسة الصبر، والصلاة، والانفاق سراً وعلانية، ودفْعِ السيئة بالحسنة. إن هذه المفردات ـ بالرغم من انتسابها إلى أنماط مختلفة من السلوك ـ تشير إلى كونها مقترنةً بأهمية كبيرة بحيث طرحها النصُ القرآني الكريمُ في سياق الفكرة الرئيسة التي تحوم عليها سورة الرعد ونعني بها الفكرة التي استُهلّت بها السورة الكريمة (والذي أنزِلَ إليك من ربّكَ الحقُ). ومن المعلوم، أنّ مِن إحدى الصياغات الفنية للنصوص، هي: طرح الأفكار الثانوية ضمن الموضوع الرئيس حتى يُلفَتَ إليها النظر. وها هو النص يطرح الموضوعات الثانوية المُشار إليها ضمن حديثه عن (الحق الذي أنزل الله تعالى).

فالمُلاحَظ أن النص رَبَط بين مقدمة السورة وبين وسطها الذي يقول (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ... الخ).

إن هذا الربط الفني بين مقدمة السورة التي تقول (الذي أنزِلَ إليك من ربّكَ الحق) وبين وسط السورة التي تقول (أفمن يعلمُ أنَّما أُنزِلَ إليك من ربّكَ الحق) حيث يستخدم النصُ نفس العبارات... هذا الربط بين المقدمة والوسط: يُعدّ من أهم الصياغات الفنية المرتبطة بالمبنى الهندسي للنص. والمهم، أنّ النص، طَرحَ ـ من جانب ـ أفكاراً ثانوية تتصل بالصلاة والانفاق والصبر وسواها من أنماط السلوك التي أشرنا إليها، كما طرح هذه الأفكار ـ من جانبٍ آخر ـ من خلال التوكّؤ على عنصر (الصورة) التي احتشد بها هذا

 

______________________________________________________

الصفحة 400

 

النصُ في مقاطعه المختلفة. ولعل التشبيه القائل (أفمن يعلم انما أُنْزِلَ إليك من ربك الحق كمن هو أعمى)... لعل هذه التشبيه بين مَن يعلم الحق وبين مَن هو أعمى، يُعدّ امتداداً لتشبيهات واستعارات ورموز سابقة قد وظّفها النصُ لإنارة الفكرة التي تحوم على مفهوم (الحق) الذي أنزله الله تعالى.

إن النص القرآني الكريم يعتمد حيناً صوراً مكثفة، وحيناً آخر صوراً مفردة مألوفة مثل التشبيه السابق الذي يقارن ـ ببساطة ـ بين مَن يعلم بأنّ ما أنزله الله تعالى هو الحق،وبين الأعمى، فالمشبّه به ـ وهو الأعمى ـ بالرغم من كونه ظاهرة تبدو من الوضوح بمكان، إلا أنه ينطوي على أسرار فنيّة بالغة الإثارة والدهشة... فأولاً، نجد أن النص قد اعتمد ما نسمّيه بـ(التشبيه المتقابل) أو (التشبيه المضاد) حيث أن التشبيه المألوف يعتمد رَصْدَ أوجه (الشبه) بين الشيئين (المشبه والمشبه به)، بينا يعتمد (التشبيه المضاد) رصد أوجه (الاختلاف أو التباين) بين الشيئين، وهذا ما نلحظه في التشبيه بين العالم بالحق وبين الأعمى، حيث أن العالِم يضاد الأعمى... ثانياً، نجد أن النص قد زاوج ـ في آنٍ واحد ـ بين عنصر (الرمز) وبين عنصر (التشبيه) حيث قال تعالى (أفمن يعلم... كمن هو أعمى) فالأعمى ـ وهو المشبّه به ـ قد جاء هنا (صورة رمزية) لأنه يرمز إلى (الجاهل) أو (غير العالم)، فبدلاً من أن يقول النص (أفمن يعلم... كمن لا يعلم) نجده قد (رمَزَ) لِـ(مَن لا يعلم) بعبارة (الأعمى)، فجاء المشبّه به (وهو عنصر صوري) في عبارة رمزية (وهي عنصر صوري أيضاً). ومن الواضح، أنّ المسوّغ الفني لمثل هذا (التزاوج) بين الصورتين (التشبيهية والرمزية) هو: أن النص يستهدف تركيز الفكرة الرئيسة التي تحوم عليها السورة الكريمة (وهي: الحق الذي أنزله الله تعالى)، وحينئذٍ فإنّ المزاوجة بين تشبيهٍ لمن يعلم بالحق الذي أنزله الله تعالى وبين مَن لا يعلمه، ثم بين (رمزٍ) لِمن لا يعلم الحق: يُعدّ وسيلة تركيز ملحوظة في هذا الجانب، وهو أمرٌ يكشف ـ من زاوية أخرى ـ عن مدى التجانس بين فكرة

 

______________________________________________________

الصفحة 401

 

النص وبين العنصر الصوري فيها، مثلما يكشف عن مدى الإحكام الهندسي للنص بعامة.

 

* * *

 

قال تعالى: (ويقول الذين كفروا لولا أُنزِل عليه آية من ربه قل إن الله يضلّ من يشاء ويَهدي إليهِ مَنْ أنابْ..).

في هذا المقطع من سورة الرعد، يقدّم النصُ القرآني الكريم نموذجاً آخر من سلوك المنحرفين، ألا وهو: اقتراحُهُم بنُزول معجزة من السماء. المقاطعُ اللاحقةُ من السورة، سَوفَ تُجيبُ عن هذا الاقتراح، مثل قوله تعالى: (وما كان لرسولٍ أن يأتي بآيةِ إلاّ بإذن الله لكل أجلٍ كتاب). بيد أن المُلاحظ أن المقطع الذي نتحدث عنه، قدّم إجابةً غير مباشرة وهي قوله تعالى (قل إن الله يضلّ من يشاء ويهدي إليه من أناب * الذين آمنوا وتطمئنّ قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب * الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب). إن مثل هذه الإجابة غير المباشرة، تنطوي على أسرار فنية ترتبط بعمارة السورة الكريمة، نتحدث عنها في حينه، بيد أنّ أبرز ما يمكن ملاحظته هو: أن النص يستهدف ضمن حديثه عن سلوك الكافرين، إبراز مفهومات ثانوية ترتبط بحقائق عامة مثل (إن الله يضل مَن يشاء ويهدي الخ) ومثل (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) ومثل (الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم) حيث أن الإشارة إلى أنّ الضلال والهداية مرتبطان بإشاءة الله تعالى، وأنّ التوازن النفسي للشخصية يتحقق من خلال ذكر الله تعالى، وأن المؤمن قد أعدّ الله له ـ من جملة ما أُعِدّ له ـ (شجرة طوبى)... أمثلة هذه الحقائق تظل جزءً من حقائق عامة يستهدف النص توصيلها إلى السامع خلال حديثه عن سلوك المنحرفين.

بعد ذلك، يعود النصُ ليربط بين سلوك المنحرفين الذين يتعلّلون

 

______________________________________________________

الصفحة 402

 

باقتراحات هزيلة مثل اقتراحهم بنزول معجزة من السماء وبين عدم صِدْقهم في ذلك، حيث يقدّم النصُ صورة فنيّة للتدليل على هذا الجانب فيقول: (ولو أنّ قرآناً سُيّرت به الجبال أو قُطِّعت به الأرض أو كُلِّم به الموتى بل لله الأمر جميعاً...). إن هذه الصورة تنتسب إلى ما نسمّيه بـ(الصورة الفرضية) أي الصورة التي تخضع لمجرّد الفرض وليس لواقعٍ قد تحقّق بالفعل، والمسوّغ الفنيّ لمثل هذه التركيبة هو: تعميق القناعة بالدلالات التي يستهدف النصُ توضيحَها لدى المتلقّي. إن هذه الصورة تريد أن تقول: إن هؤلاء المنحرفين الذين اقترحوا نزول معجزة من السماء تقترن بنزول القرآن: سوف لن يؤمنوا البتة حتى مع نزول المعجزة التي يقترحونها. وللتدليل على هذه الحقيقة قدّم المقطعُ صورةً فنيّة تتركّب من ثلاث ظواهر هي: لو أنّ الجبال أُزيلت من أماكنها، أو أنّ الأرض شُقِّقَت، أو أن الموتى تكلّموا: لما آمن هؤلاء المنحرفون، بنزول القرآن. طبيعياً، أن النص لم يقدّم هذه الصورة إلاّ وهي مشفوعة بشيء من التضبيب الفنيّ حتى يسمح للقارئ بأن يساهم في كشف الدلالة... فهو يقول: (لو أن قرآناً سُيّرت به الجبال، أو قطّعت به الأرض أو كُلِّمَ به الموتى).

عند هذا الحدّ تنتهي الصورة دون أن يُتمّمها النصُ بتفصيلات أخرى. إلاّ أن القارئ يمكنه أن يستخلص ـ وهذا هو عنصر المساهمة الفنية في الكشف ـ بأن المقصود من ذلك: أما أن يكون متمثلا في أنّ القرآن لو اقترن ببروز هذه الظواهر الإعجازية: تسيير الجبال، تقطيع الأرض، تكليم الموتى، لما آمن به المنحرفون. وأمّا أن يكون متمثلاً في أنّه لو افترضنا بأنّ قرآناً سُيْرت به الجبال، أو قُطّعت به الأرض، أو كُلّم به الموتى: لكان هو هذا القرآن الذي نزل على محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم... وعلى الاحتمالين، فإن القرآن وحده كافٍ في التدليل على السمة الإعجازية.

 

______________________________________________________

الصفحة 403

 

ويُلاحَظ أن النص قد انتخب هذه الظواهر الثلاث (في تركيبة الصورة) نظراً ـ كما نحتمل ذوقياً ـ لكونها أشدّ الظواهر لصوقاً بتجارب المجتمع الذي يخاطبه النصُ الكريم، بل أشدها لصوقاً بمطلق خبرات الإنسان، فالجبال هي أشد الظواهر الطبيعية ثباتاً وشموخاً، والأرض أشدها تلاحماً وانبساطاً (وهما أي الجبال والأرض، أبرز الظواهر الحسيّة حجماً وشكلاً ووظيفة). وأما (تكليم الموتى) فإنّ وظيفته ـ فنيّاً ـ تتمثل في دعم ما تقدّم بما هو مباشر، أي: أن الميت عندما يتكلّم، فإن كلامه يظل بمثابة تأييد لما هو صامت من ظواهر الكون مثل الجبال والأرض.

إذن، جاءت هذه الصورة منطوية على جملة من الأسرار الفنية التي أشرنا إليها، كما أنها جاءت (وهذا ما نستهدف تأكيده) موظفةً لإنارة الموضوع الرئيس الذي تحوم عليه فكرة السورة الكريمة، ونعني بها: أن أكثرية الناس لا يؤمنون بالحق الذي أنزله الله تعالى، حيث يكشف مثلُ هذا التوظيف الفني عن تلاحم أجزاء النص: بعضها مع الآخر، بالنحو الذي أوضحناه.

 

* * *

 

قال تعالى: (مثلُ الجنّة التي وُعِد المتقون تجري من تحتها الأنهار أُكُلها دائمٌ وظلُها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أُنزل إليك ومِن الأحزاب من يُنكرُ بعضَهُ قل إنما أُمِرتُ أن أبعد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب...).

بهذا المقطع وما بعده، تنتهي سورة الرعد، حيث بدأت السورة بالمفهوم القائل: (... الذي أُنزِل إليك من ربك الحقُ ولكن أكثر الناس لا يؤمنون). وحيث خُتمت بنفس المفهوم الذي يقول: (الذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أُنزِل إليك ومن الأحزاب مَن ينكر بعضه...) إن (ما أُنزِل على محمد ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ) هو الفكرة المشتركة التي تصبّ فيها موضوعاتُ السورة المختلفة، وهذا هو

 

______________________________________________________

الصفحة 404

 

المبنى الهندسي لها. وإذا كانت بداية السورة تتحدث عن موقف المشركين من النزول المشار إليه، فإن وسَط السورة وخاتمتها تتحدث عن ذلك أيضاً، مع ملاحظة أن ختام السورة ربطت بين المؤمنين والمشركين ومَن يُشبههم من الاتجاهات المنحرفة يهوداً ونصارى ومجوساً وسواهم مما سمّاهم النص القرآني بـ(الأحزاب) (ومِن الأحزاب من يُنكر بعضه).

والآن، خارجاً عن المبنى الهندسي للنص، يعنينا متابعة الموضوعات المطروحة في ختام السورة وصلتها ـ من ثم ـ بالمبنى الهندسي المذكور.

من جملة الموضوعات المطروحة، قوله تعالى: (وما كان لرسولٍ أن يأتي بآية إلاّ بإذن الله لكلّ أجَلٍ كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب). إن هذا الطرح يتضمن أفكاراً لها خطورتها في ميدان الحقائق الكونية من جانب، وانعكاساتها على السلوك العبادي من جانب آخر. لقد طُرِح موضوع إشارة الله تعالى وتخطيطه للمصائر الكونية والبشرية وغيرها تبعاً لمتطلّبات الحكمة، كما طُرِحَ الموضوع القائل (لكل أجلٍ كتاب) حيث طرح هذه الحقيقة ضمن حديثه عن اقتراح المشركين بنزول معجزة من السماء، واستعجالهم نزول العذاب أيضاً: سخريةً منهم. فالمُلاحَظ، أن النص انتقل من الخاص إلى العام، أي: انتقل من طرح موضوعات جزئية تتصل بسلوك الكفار في عصر النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ إلى موضوعات كليّة تتصل بالحقائق الكونية والعبادية. إن قوله تعالى (لكل أجل كتاب) حقيقة (عامة) تنسحب على حركة الكون جميعاً بدءً من ميلاد شخص وانتهاءً بفناء الكون.

وإذا كانت أهمية النص الفنيّ تتمثل ـ في أحد جوانبها ـ في كونها تربط بين الخاص والعام، فإن الربط الذي نلاحظه بين استعجال المنحرفين بنزول العذاب عليهم أو بنزول المعجزة، وبين الذهاب إلى أن لكل شيء أجله، يظل تجسيداً واضحاً للسمة الفنية المشار إليها، بخاصة أن النص رَسَم هذه الحقيقة

 

______________________________________________________

الصفحة 405

 

(لكل أجلٍ كتاب) وفقَ ما نسمّيه في اللغة الأدبية بـ(الصورة الاستدلالية أو الحكمية)، فالكتابُ (رمزٌ) فنيّ للمبادئ أو القوانين الاجتماعية التي رسَمَها الله تعالى لحركة الكون، فبدلاً من أن يقول: (لكل حركةٍ بدايتها أو نهايتها) قال (لكل أجل كتاب) فَرمَز بـ(الكتاب) إلى (التحديد الزمني) لهذه الحركة أو تلك.

والأمر نفسه فيما يتصل برسمه للحقيقة العامة الأخرى وهي قوله تعالى (يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) حيث ترمز هذه الحقيقة العامة التي رَسَمها من خلال قضية جزئية هي: الاقتراح الذي صدر عن المنحرفين، ترمز إلى حقيقة تقول: بأن لله تعالى تخطيطاً بالنسبة إلى إثبات هذه الحركة أو تلك أو مسحها: حسب متطلبات الحكمة، فرمزَ بـ(أمّ الكتاب) إلى اللوح المحفوظ الذي يتضمن الخطط الكونية: كما هو واضح. والمهم ـ بعد ذلك ـ أنّ طَرْح هذه الحقائق العامة (ضمن حديثه عن القضايا الخاصة المتصلة بسلوك المشركين في عصر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يفصح ـ كما هو بيّنٌ ـ عن الإحكام الهندسي للسورة الكريمة، من حيث تلاحم موضوعاتها، بالنحو الذي أوضحناه.

 

* * *

 

______________________________________________________

 


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/books/index.php?id=537
  • تاريخ إضافة الموضوع : 0000 / 00 / 00
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 05 / 12