• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم / المكتبة .
              • الكتاب : التفسير البنائي للقرآن الكريم ـ الجزء الثاني ، تأليف : الدكتور محمود البستاني .
                    • الموضوع : سورة هود .

سورة هود

                                            سورة هود

 

______________________________________________________

الصفحة 279

 

قال تعالى (بسم الله الرحمن الرحيم الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدُن حكيم خبير * ألا تعبدوا إلاّ الله إنني لكم منه نذير وبشير * وان استغفروا ربّكم ثم توبوا إليه يمتّعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضلٍ فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير * إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير * إلا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرُّون وما يعلنون)...

تبدأ سورة هود بهذا المقطع الذي يتحدث عن أحكام القرآن الكريم وتفصيله والمطالبة بتوحيده تعالى، وبالتوبة وبالخوف من عذاب يوم كبير. هذه الموضوعات سوف تنسحب على السورة الكريمة بنحو مفصل بعد أن طرحتها مقدمة السورة بهذا الإجمال.

وأول ما يواجهنا بعد المقدمة هو قوله تعالى (ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذاب الصدور). هذه الآية تشكل أول موضوع مطروح في السورة الكريمة حيث نحاول الآن دراستها فنياً وتوضيح علاقتها بعمارة السورة الكريمة.

إنها تتحدث عن سلوك الكافرين حيال رسالة الإسلام بخاصة حين استماعهم إلى محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ وهو يتلو عليهم آيات الله تعالى. لقد قدم النص مجموعة من (الصور الفنية) في حديثه عن سلوك المنحرفين. وهذه الصور تتأرجح بين الاستعارة والرمز وبين الصور الحسية المباشرة. وتتمثل (الاستعارة) في عبارة (يثنون صدورهم)، ويتمثل (الرمز) في عبارة (يستغشون

 

______________________________________________________

الصفحة 280

 

ثيابهم) وتتمثل الصورة الحسية أو الصورة المسرحية في العبارة الأخيرة ذاتها أي (يستغشون ثيابهم) في حالة أخذنا التفسير القائل بأن المنحرفين كانوا إذا واجهوا محمّداً ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ غطّوا رؤوسهم بثيابهم، فتكون الصورة حينئذٍ (واقعية) وليست (رمزاً) للواقع... لكن في الحالات جميعاً فإن هذه الصورة مصوغة فنياً بنحو يبتعث الإثارة والطرافة، وهذا ما نبدأ بتوضيحه.

إن (ثني الصدور) من الممكن أن يكون (استعارة) تشير إلى أن المنحرفين كانوا يحنون صدورهم عداوة لمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ أو حين استماعهم للقرآن الكريم، ومن الممكن أن يكون صورة (واقعية) هي ثني هؤلاء لصدورهم بعضها مع الآخر لكي يتناجوا فيما بينهم خفية حتى لا يسمعهم الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ أو الآخرون. وهذا ما يعززه قوله بعد ذلك (ليستخفوا منه)، أي ليتستروا عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم... لكن حتى في نطاق هذه الصورة الواقعية، فإنها تتضمن صورة (استعارية) أو (رمزية) في الآن ذاته، حيث إن التناجي والهمس بين الأشخاص يتم من خلال مظهر حركي آخر هو: تقريب الوجوه بعضها إلى الآخر وليس تقريب الصدور وحدها، بل إن حركة الرأس هي التي توحي بأن هذين الشخصين مثلاً في حالة التناجي والهمس: حيث يقرّب كل منهما رأسه ووجهه وأذنه إلى الآخر ليتهامسا فيما بينهما. لكن بما أن الهمس أو الكلام الخفي: تنطوي عليه الصدور لذلك أبرز النص القرآني الكريم حركة الصدر وهي (الثني) و(العطف) تعبيراً عن سرية الكلام، بصفة أن الصدر هو موضع الأسرار من حيث موقع القلب منه.

طبيعياً، أن الصدر يتحرك مع حركة الرأس أو الوجه إلا أن حركته ثانوية من حيث المظهر البارز للحركة. لكن بما أن الصدر هو موضع السر: لذلك أبرز النص حركة الصدر بقوله(الا أنهم يثنون صدورهم منه ـ أي النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ) تعبيراً عن سرية الكلام فيكون بذلك (رمزاً) أو (استعارة) تشير إلى الدلالة

 

______________________________________________________

الصفحة 281

 

المذكورة... والأمر نفسه، بالنسبة إلى الصورة الواقعية الأخرى وهي قوله تعالى (ألا حين يستغشون ثيابهم)، فاستغشاء الثياب تعبير عن عدم استعدادهم لمواجهة النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ (أي: رؤيته صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فيكون حينئذٍ إبراز هذه الحركة الخارجية (وهي واقعية بطبيعة الحال) منطوياً في الآن نفسه على دلالة داخلية هي: مرض أعماقهم الذي إنعكس على سلوكهم الخارجي، وهو أمر يكشف ـ من حيث الفن ـ عن إحكام الصياغة الفنية من حيث علاقة ما هو خارجي بما هو داخلي من الأفكار، مفصحاً بذلك عن تلاحم أجزاء النص بعضها مع الآخر.

 

* * *

 

قال تعالى (... ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين * ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم...).

هذا المقطع امتداد لمقطع سابق يتحدث عن سلوك المنحرفين وموقفهم من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم... حيث كان المقطع السابق يعرض لنا كيف أنهم كانوا يستخفون منه ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ ويتسترون عنه حتى لا يواجهوه. أما الآن فيتحدث النص عن مفردات من سلوكهم، منها: إتهامهم إيّاه بالسحر، ومنها: سخريتهم من العذاب حيث يقولون: ما الذي يؤخّر العذاب الذي هدّدهم به رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم... هذه المواقف عرضها النص من خلال التوكؤ على عنصر الحوار: (ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر) (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمّة معدودة ليقولن ما يحبسه؟). واضح، أن هذا الحوار يكشف عن حقيقة أفكارهم العابثة والساخرة حتى يتبينها القارئ من أفواههم أنفسهم. لكن ما يعنينا من ذلك هو: الموقع الهندسي الذي يحتلّه هذا المقطع من عمارة السورة الكريمة ثم ما واكبته من

 

______________________________________________________

الصفحة 282

 

الأفكار التي طرحها النص خلال السياق المذكور. أما الأفكار التي واكبت هذا المقطع فتتمثل في العبارات الآتية التي سبقت الحوار الذي لحظناه: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كلٌّ في كتاب مبين * وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيُّكم أحسن عملاً ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا...الخ) فالملاحظ أن النص طرح قضية الرزق والعلم بمستقر المخلوقات ومستودعها، والإبداع للسماوات والأرض في ستة أيام، وأن العرش على الماء. طرحها جميعاً في هذا السياق ليشير إلى أهميتها من جانب، ثم ـ وهذا هو الأهم من ذلك ـ ليربط بينها وبين الهدف الرئيس من خلق الكون، حيث عقّب على ذلك قائلاً: (ليبلوكم أيكم أحسن عملاً)... إن هذه العبارة تلخّص تجربة خلق الإنسان وإن الهدف الرئيس من ذلك هو: إختباره، وأن الظواهر الإبداعية وظفت لإنارة الهدف المذكور.

ولنا أن نشير إلى ظاهرة فنية هي: أن الموضوعات لا تكتسب درجة أهميّتها من خلال كونها تطرح بصورة رئيسة بل يمكن طرح ما هو (أهم): بصورة ثانوية، وهذا ما لحظناه في عبارة (ليبلوكم أيكم أحسن عملاً)، حيث إن خلق الكون، ونزول الرسالات، إنما يتم من أجل هذا الهدف (ممارسة العمل الأحسن) أي من أجل الاختبار المذكور، إذ ليس هناك أي موضوع مطروح: يمكن أن يكون أشد أهمية من هذا الموضوع الذي يقول: بأن خلق الكون إنما تمّ فلأجل ممارسة العمل العبادي، ومع ذلك فإن هذا الموضوع طرح بصورة ثانوية جاءت في سياق الحديث عن مواقف الكافرين، مما كشف ذلك عن واحد من أساليب الفن في توصيل الأفكار المستهدفة.

وهذا ما يتصل بالأفكار التي واكبت الحديث عن موقف المنحرفين حيال

 

______________________________________________________

الصفحة 283

 

رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ أي: مواقفهم العابثة والساخرة حيث سخروا من العذاب الذي لوّح به محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ بقولهم: ما الذي يؤخر هذا العذاب؟ لماذا ـ إذن ـ لم ينزل لحد الآن؟ وحيث أجابهم النص قائلاً (ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤُن). إن ما تعنينا من هذا أن نتبين الموقع الهندسي لهذه المواقف: من حيث صلتهما بعمارة السورة الكريمة. نقول: إن مقدمة السورة خاطبت المنحرفين بالقول (فإني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم)... هذا القول الذي ورد في أول السورة ينعكس الآن على المقطع الذي تحدثنا عنه ألا وهو: استعجالهم للعذاب بقولهم (ما يحبسه؟) أي الذي منع من تأخير العذاب الذي هددهم به محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم.

إذن، عبارة (إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) حيث جاءت في مقدمة السورة. جاء الآن انعكاسها على هذا المقطع الذي نتحدث عنه مما يكشف مثل هذا التنامي العضوي للموضوعات: عن إحكام البناء الهندسي للنص القرآني الكريم من حيث علاقة أجزائه بعضها مع الآخر بالنحو الذي أوضحناه.

 

* * *

 

قال تعالى (ولئن أذقنا الإنسان منّا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤسٌ كفورٌ * ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسّته ليقولن ذهب السيئات عنّي إنه لفرحٌ فخور...).

هذا المقطع يتحدث عن سلوك الكافرين المعاصرين لمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ فيما نقل النص عنهم جملة من المقولات التي وردت في مقطع سابق من السورة، مثل مقولتهم عن القرآن: (ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين) ومثل قولهم عن نزول العذاب: (ليقولن ما يحبسه؟) أي: ماذا يمنع من نزول العذاب الذي هدّدهم به محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم. وها هم الآن يقولون شيئاً جديداً: (ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني).

 

______________________________________________________

الصفحة 284

 

هذه المقولة الجديدة تتجانس (من حيث عمارة السورة) مع مقولاتهم السابقة التي أكدها النص من خلال (لام التوكيد والنون) (ليقولن. إن هذا إلا سحر مبين) (ليقولن: ما يحبسه؟) (ليقولن: ذهب السيئات عني)... ولكن المقولة الجديدة تفترق عن سابقها بأنها تتناول سلوك الإنسان مطلقاً سواء أكان كافراً أم فاسقاً: من حيث تعامله مع الله تعالى، فيما يقول النص عن الإنسان بأنه: إذا أذاقه الله رحمة ثم نزعها منه إذا به ييأس ويكفر بنعم الله، وإذا أذاقه نعماء بعد ضراء مسته، إذا به يقول: ذهب السيئات عني، أي: إن الإنسان يستجيب لشدائد الحياة استجابة اليائس الكافر بنعم الله تعالى من جانب، فإذا زالت عنه تلكم الشدائد إذا به يطغى ويقول: لا شدة بعد الآن. إنه (فرح فخور)، فرح بالشيء فخور به أمام الآخرين.

والسؤال: ما هي السمات الفنية والفكرية لهذا المقطع الذي تحدث عن موقف الإنسان من شدائد الحياة ونعمائها؟

لقد نقل النص لنا هذه المقولات من خلال ما يطلق عليه مصطلح (الحوار الداخلي) أي: حديث الإنسان مع نفسه. ونحن لا نحتاج إلى أدنى تأمل حتى ندرك السر الفني وراء صياغة الأفكار المذكورة وفق المحاورة الداخلية، وذلك لسبب واضح هو: أن ردود الفعل أو الاستجابة التي يصدر عنها الإنسان في شدائده ومسرّاته تنعكس ـ في المقام الأول ـ على أفكاره الداخلية فيتحسس بالتوازن. وهذا التوتر أو التوازن هو بمثابة حديث مع النفس (وإن لم يكن منطوقاً)، ولكن (النطق به) قد يتحقق في حالة تصاعد انفعالاته بهذا الحدث المسر أو المؤلم. طبيعياً: لا يقصد من (النطق) إنبعاث الصوت من خلال أجهزة الحلق فحسب بل التفكير نفسه هو: كلام غير ملفوظ به كما هو واضح، والمهم، في الحالتين: أن إنفعال الإنسان بما هو مسر أو مؤلم ينعكس (حواراً مع النفس) ملفوظاً به أو غير ملفوظ، وهذا ما أبرزه النص

 

______________________________________________________

الصفحة 285

 

حينما نقل لنا حوار الإنسان مع نفسه وهو ينفعل إنفعالاً مسرّاً بعد أن تذهب الشدائد عنه.

لنقرأ الحوار الداخلي من جديد: (ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني)، إن حديثه مع نفسه (من الزاوية النفسية) أي إنفعال الإنسان بالسرور، يكون أشد درجة: لو كان مسبوقاً بالشدة، بخلاف ما لو واجه منبّهاً طبيعياً غير مسبوق بالشدة... ولذلك، نجد النص القرآني الكريم قد عرض لنا قبل (الحوار الداخلي) جانب الشدة بقوله: (ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته) هذا القول أو السرد ينطوي على أهمية فنية كبيرة من حيث الصياغة حيث يعدّ تمهيداً فنياً لصياغة الحوار الداخلي الذي أبرزه النص في هذا الموقع دون سواه وذلك ـ كما نحتمل فنياً ـ من أجل أن يسوّغ لنا (الحوار الداخلي) الذي يضطر الإنسان إليه حينما تتصاعد انفعالاته فيتحدث مع نفسه: تعبيراً عن التصاعد المذكور، وهذا لا يتم إلا في حالة تحسيس القارئ بأنه أمام إنسان مسته ضراء ثم أذاقه الله تعالى نعماء، وحينئذٍ لابدّ أن ينفعل هذا الإنسان بدرجة عالية (ما دام الفرح قد سبقته شدة) تضطره إلى أن يتحدث مع نفسه، بالنحو الذي أوضحناه.

إذن، أمكننا أن ندرك السر الفني وراء صياغة الحوار المذكور (ليقولن: ذهب السيئات عني) بخاصة أن النص عقب على ذلك بقوله تعالى (إنه لفرح فخور) حيث جاء هذا التعقيب متجانساً مع التمهيد الذي استهدف تحسيس القارئ بشدة انفعال الإنسان... وأولئك جميعاً تكشف لنا عن مدى جمالية النص من حيث علاقة أجزائه: بعضها مع الآخر، بالنحو الذي لحظناه.

 

* * *

 

قال تعالى (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل *

 

______________________________________________________

الصفحة 286

 

أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا ما استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين).

هذا المقطع يتحدث عن سلوك جديد من سلوك الكافرين المعاصرين لمحمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم... وقد كانت المقاطع السابقة تتحدث عن سلوكهم حيال رسالة الإسلام بعامة، أما هذا المقطع فيتحدث عن موقفهم من القرآن الكريم بخاصة... ويلاحظ أن المقطع القرآني الكريم لا يزال ينقل لنا مواقفهم من خلال عنصر (الحوار) أي: مقولاتهم التي تحاورت فيها مع محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، حيث يشكل هذا (الحوار) سمة فنية: جاءت غالبية المقاطع متوكئة عليه. والآن، ما هي الدلالات التي أفرزتها (حواراتهم) في هذا الميدان؟ لقد قالوا ـ في جملة ما قالوه ـ (لولا أنزل عليه كنز)، وقالوا: (أو جاء معه ملك)، وقالوا عن القرآن: (افتراه)، أي اختلقه هو ونسبه إلى الله تعالى. هذه هي مقولاتهم، وأما الإجابة عنها فقد جاءت بالنسبة إلى اقتراحهم بنزول الكنز أو الملك: إهمالاً لسؤالاتهم، واكتفاء بمخاطبته ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ من قبل الله تعالى: (إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل) أي إن النص لم يرتب أثراً على اقتراحاتهم المشار إليها: إما لتفاهتها أو لعدم اقتضاء السياق لها في هذا المقطع، حيث تكفلت مقاطع أخرى بالإجابة عنها. أما في هذا المقطع الذي نتحدث عنه، فإن السياق يتطلب الصمت عنها، والتركيز على الإجابة عن مقولتهم الذاهبة إلى إنه ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ قد إختلق القرآن الكريم. لذلك، جاءت الإجابة عن ذلك بهذا النحو (قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين).

في هذا الحوار نستكشف أكثر من دلالة. منها: أن هؤلاء المنحرفين يمتلكون إمكانات فنية بحيث يميزون بين التعبير الفني المعجز وبين التعبير العادي. وبما أنهم يشككون بالرسالة حينئذٍ فإن مطالبتهم بما يتميزون به من إمكاناتٍ بلاغية: يظل ردّاً لا سبيل إلى التشكيك به، وهذا ما يستهدفه من

 

______________________________________________________

الصفحة 287

 

تركيزه على هذا الجانب البلاغي دون سواه، ولعل مطالبتهم بعشر سور يكشف عن أن المقطع القرآني الكريم لم يستهدف مجرد العبارة البليغة التي قد يخيل إليهم إمكان تقليدها بل مطالبتهم بصياغة شكل أدبي هو (السورة)، حيث إن الأشكال التقليدية حينئذٍ كانت منحصرة في الأشكال الآتية: القصيدة، الرجز، الخطبة، المثل أو الحكمة، الرسالة، المناظرة، الخاطرة، الكهانة. وهي نوع من العبارات المسجوعة في شكل خطبة. أما هذا الشكل الفني الجديد وهو: السورة التي تتميز بشكل منفرد من حيث عمارتها الفنية ومن حيث عناصرها القصصية والحوارية والصورية والإيقاعية، فضلاً عن موضوعاتها، فأمر لا عهد لهم به مطلقاً. من هنا يمكننا إدراك السر الذي يكمن وراء إبراز النص لظاهرة القرآن الكريم وتحديد أولئك المنحرفين... بل إن المقطع لم يكتف بمجرد المطالبة بالإتيان بسورٍ مثله بل طالبهم بقوله: (وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين). هذه المطالبة الأخيرة، لا تترك مجالاً لأي تشكيك يمكن أن يثيره هؤلاء المنحرفون، وذلك: لأن المطالبة بأن يدعوا جميع القوى البشرية بالإتيان بمثله تعني: أن الإعجاز القرآني الكريم أمر لا سبيل إلى الرد عليه بأي شكلٍ من الأشكال.

ويلاحظ (من زاوية البناء الهندسي للنص) أن المقطع القرآني الكريم عقب على هذا التحدي (أي: الإتيان بعشر سور، والدعوة لجميع القوى للإتيان بمثله) عقب على ذلك بقوله: (فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلاّ هو فهل أنتم مسلمون) إن هذا التعقيب ينطوي على أهمية فنية كبيرة (من حيث عمارة النص) حيث إنه عزّز لغة التحدي الفني بلغة منطقية هي: أن هؤلاء المنحرفين ـ في حالة عدم إتيانهم بمثل القرآن ـ حينئذٍ يتعين على الآخرين أن يدركوا بأن القرآن الكريم ظاهرة اعجازية وهذا هو المستهدف أساساً. إذن، أدركنا جانباً من الأسرار الفنية الكامنة وراء النص لظاهرة التحدي البلاغي للقرآن الكريم دون سواه من الظواهر التي عرضها

 

______________________________________________________

الصفحة 288

 

المقطع، مما يكشف ذلك عن إحكام النص من حيث تجانس وتنامي بعضها مع الآخر.

 

* * *

 

قال تعالى (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون * أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماماً ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون).

هذا المقطع وما بعده لا يزال يتحدث عن سلوك الكافرين المعاصرين لمحمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم. لكنه من خلال هذا العرض ينتقل إلى الحديث عن الجزاء المترتب على سلوك المنحرفين مقارناً بالجزاء المترتب على سلوك المؤمنين متوكأً على عنصر (الصورة الفنية) في المقارنة بين المنحرفين وبين الأسوياء، حيث ختم المقطع بقوله (مثل الفريقين: كالأعمى والأصم، والبصير والسميع، هل يستويان مثلاً، أفلا تذكرون).

هذه الصورة الفنية (وهي أحد أشكال التشبيه) تنطوي على أسرار جمالية متنوعة ينبغي أن نقف عندها من جانب وأن نصلها بعمارة السورة الكريمة من جانب آخر. إن هذا التشبيه ينتسب إلى ما نسميه بـ(التشبيه المتكرر) حيث شبّه الكافر بالأعمى من جانب، والأصم من جانب آخر بل المؤمن الذي شبهّه بالبصير من جانب وبالسميع من جانب آخر. ويلاحظ أيضاً، أن هذا التشبيه قد جمع السمة التكرارية: سمة أخرى هي ما يسميه البلاغيون القدامى بـ(التشبيه الملفوف) حيث يجمع (المشبّه) ظاهرتين أو أكثر على نحو العطف ثم يجمع (المشبّه به) على نحو العطف أيضاً أي: يجمع الأعمى والأصم مقابل البصير

 

______________________________________________________

الصفحة 289

 

والسميع، والمسوغ الفني لمثل هذا التكرار والجمع هو: أن البصر والسمع هما أشد الحواس إلتقاطاً للحقائق، مقابل حاسة الذوق والشم واللمس، لذلك جمعها في تشبيه (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع)، ولهذا السبب ذاته: جمع بينهما (في آن واحد مقابل حديثه عن المؤمن والكافر في سياق مقارنة أحدهما بالآخر، ولذلك لم تكن هناك ضرورة لتكرار أداة التشبيه (الكاف)، بل اكتفى باستخدام كل منها مرة واحدة أي لم يقل النص (مثل الفريقين كالأعمى والأصم) بل اكتفى بأداة واحدة جعلها للأعمى وعطف (الأصم) عليها فقال (كالأعمى والأصم)، وهكذا بالنسبة إلى التشبيه الآخر (كالسميع والبصير) حيث عطف ظاهرة (السميع) على (البصير) من دون استخدام أداة التشبيه (الكاف).

والآن إذا عرفنا هذا الجانب الفني للتشبيه المتقدم، يمكننا أن نربط بينه وبين الموضوعات التي طرحها النص القرآني الكريم وفي مقدمتها: تبيين الفارق بين المؤمن والكافر، حيث أشار النص إلى بعض هذه الفوارق مثل قوله تعالى: (أفمن كان على بيّنة من ربّه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماماً ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده). ففي هذا النص إشارة إلى المؤمن (وهو على بيّنة من ربّه) مقابل الكافر. كذلك نجد في المقطع نفسه قوله تعالى: (يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون) إن قوله تعالى: (ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون) قد جمع فيه بين سمة عدم (السمع) وعدم (البصر)، وهاتان السمتان (السمع والبصر) قد عكسهما النص على التشبيه الذي تحدثنا عنه قبل قليل (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع)، وبهذا الاستخدام لحاستي السمع والبصر وجعلهما مادة فنية (مشتركة) بحيث ينفيهما عن الكافر (ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون)، ثم يصوغهما بعد ذلك (تشبيهاً) يقارن من خلاله بين من لا يمتلكهما (وهو الكافر)

 

______________________________________________________

الصفحة 290

 

مقابل من يمتلكهما وهو (المؤمن)، أقول: بهذا النوع من الاستخدام، يكون النص قد أحكم عمارة السورة الكريمة من حيث صلة أجزائها: بعضها مع الآخر.

 

* * *

 

قال تعالى (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه إني لكم نذير مبين * ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم * فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشراً مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأىِ وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين * قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون).

بهذا المقطع وما بعده من سورة هود يبدأ عنصر جديد من الصياغة الفنية هو: العنصر القصصي حيث يعرض لنا النص مجموعة من القصص التي تتحدث عن نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وموسى. ويعنينا من هذا العنصر القصصي: موقعه العضوي من هيكل السورة الكريمة.

ولعل ما يستوقفنا من ذلك هو ملاحظة أن أفكار القصص وموضوعاتها هي: انعكاسات للأفكار والموضوعات التي طرحتها السورة خلال عرضها لسلوك الكافرين المعاصرين لرسالة الإسلام. فمثلاً نجد في القسم الأول من قصة نوح ـ عليه السلام ـ أنه يخاطب قومه بأنه (نذير) لهم وأنه يخاف عليهم عذاب يوم أليم (إني لكم نذير مبين * أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم). هذه العبارات من القصة سبق أن وردت في مقدمة السورة التي جاء فيها: (الا تعبدوا إلا الله إنّي لكم منه نذير) وجاء فيها (فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير). لنلاحظ أن العبارات ـ فضلاً عن الأفكار ـ تتماثل في هذين الموقعين (مقدمة السورة، والعنصر القصصي فيها) فعبارة (إني لكم نذير) وعبارة (ألا تعبدوا إلا الله) وعبارة (أخاف عليكم عذاب يوم أليم) أو كبير:

 

______________________________________________________

الصفحة 291

 

تتكرر في هذين الموقعين. كذلك لو تابعنا الأقسام الأخرى من القصة لوجدنا هذا التماثل متحققاً في أكثر من موقع، فقول نوح لقومه في نهاية المقطع الذي عرضناه: (قال يا قوم أرأيتم ان كنت على بينة من ربي). هذه العبارة وردت في وسط السورة أيضاً حيث قال تعالى: (أفمن كان على بينة من ربه).

إذن، أمثلة هذا التجانس بين العبارات أو الأفكار المطروحة في القصة، تكشف لنا عن جملة من الحقائق الفنية، يتعين علينا توضيحها قبل متابعتنا لقصة نوح وما بعدها من القصص التي سنعرض لها. وأول ما يلاحظ في ذلك إن كل قصة ترد في السورة لابدّ أن ترتبط فكرياً بموضوعات السورة سواء أكان هذا الموضوع مطروحاً بشكل رئيس أو ثانوي فيها، ويترتب على ذلك، أن تكون القصص مصوغة في كل سورة بنحو خاص يختلف عن صياغتها في السورة الأخرى، فنوح ـ عليه السلام ـ تتكرر قصصه في كثير من السور، إلا أن صياغة القصة في سورة هود مثلاً تختلف عن صياغتها في سورة الشعراء أو الصافات أو القمر وغيرها من السور الكريمة، بحيث نجد في كل قصة طرحاً فكرياً خاصاً يتجانس مع الطرح الفكري للسورة. طبيعياً ثمة عناصر بين هذه القصص التي تتكرر في السور (مثل حادثة الطوفان أو المطالبة بعبادة الله تعالى... الخ) إلا أن هذه العناصر المشتركة تواكبها في الآن ذاته عناصر مستقلة تتفرد بها كل سورة بحيث يتم التجانس بين موضوعاتها وبين موضوعات القصة بالنحو الذي لحظناه في القسم الأول في قصة نوح عليه السلام.

ويلاحظ أن التجانس لا ينحصر في تماثل الموضوعات أو صياغتها التعبيرية، بل يتمثل في حصيلة الأفكار المطروحة. فمثلاً نجد في القسم الثاني من قصة نوح أنه يخاطب قومه بقوله (ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك...). إن إشارته إلى أنه ليس عنده (خزائن) الله تعالى وأنه ليس ملك، تتداعى بذهن القارئ إلى أوائل السورة الكريمة التي

 

______________________________________________________

الصفحة 292

 

جاء فيها: (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك) فالكنز والملك فيما كان المعاصرون لمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ يشيران إليهما، نجدهما منعكسين في قصة نوح عبر نفيه لأن تكون عنده خزائن الأرض، أو يكون ملكاً. والمهم بعد ذلك أن أمثلة هذا التجانس بين العنصر القصصي في السورة وبين النثر غير القصصي فيها، يكشف عن إحكام بالغ الأهمية بالنسبة لعمارة السورة الكريمة، من حيث تلاحم وتنامي وتواشج موضوعاتها: بعضها مع الآخر، بالنحو الذي لحظناه.

 

* * *

 

قال تعالى (قالوا يا نوح قد جادلتنا فاكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين * قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين...).

هذا هو القسم الثاني من قصة نوح ـ عليه السلام ـ مع قومه حيث يدور هذا القسم من القصة حول الإنذار الذي وجهّه نوح إلى قومه، بنزول العذاب عليهم: في حالة استمراريتهم على الكفر. لقد كان من المفروض أن يتعظ القوم بهذا الانذار وأن ينظروا إليه بنحو جدي، إلا انهم سخروا من ذلك وقالوا لنوح: (قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين).

إن ما يعنينا من هذا الموقف الذي صدر عن قوم نوح هو: ملاحظة صلته بعمارة السورة الكريمة وموقعه في البناء الهندسي لها، حيث سبق ان لحظنا أن السورة الكريمة كانت تتحدث عن الكافرين المعاصرين لرسالة محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، وان قصة نوح إنما جاءت لكي تلقي الإنارة على هذا الموضوع، أي إنها قد وظفت فنياً من أجل الموضوعات المطروحة في سورة هود. لقد هدَّد محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ قومه بالعذاب. ولكن قومه تساءلوا عن مجيء العذاب وسخروا من ذلك، وجاءت الإجابة تقول: (ولئن أخّرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه؟ ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم) أي: (أن الله تعالى عندما

 

______________________________________________________

الصفحة 293

 

أخّر نزول العذاب على هؤلاء القوم إلى أمَّة معدودة، تساءل هؤلاء فقالوا: ما يحبسه؟ أي: لماذا لم ينزل العذاب كما أخبر به محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم؟. هذا الموقف نفسه، يتكرر الآن في قصة نوح مع قومه حيث قالوا لنوح: (فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين). إذن، هذا التماثل بين الموقفين موقف مجتمع محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ من نزول العذاب، وموقف مجتمع نوح من نزول العذاب: يفسر لنا واحداً من الأسرار الفنية الكامنة وراء صياغة قصة نوح عليه السلام، حيث يتضح ذلك: في هذا التجانس بينهما من حيث المواقف التي صدر عنها الكافرون في زمن نوح عليه السلام.

ليس هذا فحسب بل يمكننا ملاحظة التجانس بينهما أيضاً في طبيعة الجواب الذي قدمه كل من محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ ونوح عليه السلام.

في قصة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ مع قومه: أشار النص إلى هؤلاء الكافرين، قائلاً: (أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء...) أي: إن هؤلاء الكافرين لم يكن الله تعالى ليعجز عن إنزال العذاب عليهم، بمعنى أنهم سوف لن يفلتوا من العذاب الذي ينتظرهم. كذلك تحدث نوح مع قومه بنفس اللغة، قائلاً لهم: (إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين) أي: إنكم سوف لن تفلتوا من العذاب الذي ينتظركم.

أكثر من ذلك، إننا نجد في القسم الثالث الجديد من قصة نوح. موقفاً آخر مجانساً لموقف الكافرين المعاصرين لمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ: وإنعكاسات ذلك على العذاب الذي سوف يلحق بهم: نتيجة لاستهزائهم بذلك. يقول النص عن أولئك: (ألا يوم يأتيهم (أي العذاب) ليس مصروفاً عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن). هذه الإشارة إلى إستهزاء القوم من نزول العذاب، وإن العذاب سوف يأتيهم ويحيط بهم ما كانوا يسخرون منه. هذه الإشارة: نجدها أيضاً في قصة نوح عليه السلام، حيث يقول النص ـ في القسم الثالث من القصة، وهو القسم

 

______________________________________________________

الصفحة 294

 

الخاص بصنع السفينة: (ويصنع الفلك وكلما مرّ عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منَّا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم). طبيعياً، ينبغي أن نأخذ بنظر الاعتبار، ان النص عندما تحدث عن نزول العذاب بالنسبة إلى مجتمع محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ: إنما قال عن ذلك بأنه مؤجّل (إلى أمَّة معدودة) أي إلى حين آخر، وهذا ما يفسر لنا (من زاوية فنية) عدم نزول العذاب الفعلي، وهذا على العكس من مجتمع نوح عليه السلام، حيث قال لهؤلاء الذين سخروا منه (وهو يصنع السفينة): (إن تسخروا مِنَّا فإنا نسخر منكم كما تسخرون) حيث ترهص هذه المقولة بنزول العذاب الفعلي غير المؤجل، وهو ما كشفت عنه أحداث القصة في قسمها الأخير الذي تناول حادثة غرقهم.

والمهم هو: ملاحظة هذه الأبعاد من التجانس بين موضوعات السورة الكريمة التي تتحدث عن مجتمع محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، وبين قصة نوح التي وظفت فنياً لإنارة هذه الموضوعات.

 

* * *

 

قال تعالى (وإلى عادٍ أخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلاّ مفترون * يا قوم لا أسألكم عليه أجراً إن أجري إلاّ على الذي فطرني أفلا تعقلون * ويا قوم استغفروا ربكم ثمّ توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولّوا مجرمين * قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين * إن نقول إن إعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا اني بريء مما تشركون * من دونه فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون * إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم * فإن تولوا فقد أبلغتكم...).

 

______________________________________________________

الصفحة 295

 

هذه هي القصة الثانية من القصص التي وردت في سورة هود، حيث وظفت فنياً لإنارة الموضوعات المطروحة في السورة الكريمة. لقد كانت موضوعات السورة تدور حول الكافرين المعاصرين لمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ وموقفهم من رسالة الإسلام، حيث خاطبهم النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ قائلاً: (ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير * وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه...). وها هو هود ـ عليه السلام ـ يخاطب قومه بنفس اللغة، ويقول (يا قوم اعبدوا الله) (ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه). فالمطالبة بالعبادة وبالاستغفار، وبالتوبة: هذه المفردات الثلاث من السلوك تتكرر في القصتين: قصة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ مع قومه وقصة هود ـ عليه السلام ـ مع قومه. ليس هذا فحسب، بل إنَّ التهديد الذي وجهّه محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ بالنسبة إلى قومه: (وإن تولوا: فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير)... هذا التهديد يتكرر بدوره على لسان هود ـ عليه السلام ـ: (فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوماً غيركم ولا تضرونه شيئاً إن ربي على كلِّ شيء حفيظ * ولما جاء أمرنا نجّينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة منّا ونجيناهم من عذاب غليظ). إن محمّداً ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ حذّر قومه من عذاب يوم كبير، وهذا التحذير للناس يتناسب مع طبيعة الجزاء الذي أعدّه الله تعالى للكافرين الذين يؤجّلون إلى اليوم الآخر... لكننا حينما نتجه إلى تحذير هود ـ عليه السلام ـ لقومه، نجد أن هذا التحذير يتناسب أيضاً مع الجزاء الذي أعده الله تعالى لأولئك البائدين حيث إن العذاب وقع عليهم دنيوياً كما هو واضح.

لذلك فإن الأهمية الفنية لهذه القصة (من حيث موقعها الهندسي من عمارة السورة الكريمة) تتمثل في كونها تتجانس ـ من جانب ـ مع قصص محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ ومجتمعه وتتجانس ـ من جانب آخر ـ مع طبيعة المجتمع الذي عاصره هود عليه السلام. فمجتمع هود وسواه من المجتمعات البائدة قُدِّر له ان يتلقّى الجزاء دنيوياً. وهذا الجزاء يشكّل مسوّغاً فنياً لصياغة هذه القصة وتوظيفها،

 

______________________________________________________

الصفحة 296

 

فما دام النص القرآني الكريم يستهدف من وراء عرضه لأحداث هذه القصة: تحذير المجتمع المعاصر لرسالة الإسلام من العذاب الذي ينتظره، حينئذٍ كان لابدّ من تقديم قصة تتناول قضية الجزاء الذي يلحق الكافرين، ولابدّ أن يكون هذا الجزاء دنيوياً حتى يتعظ به هؤلاء المعاصرون لرسالة الإسلام... في الآن نفسه، فما دام النص يستهدف من القوم تعديل سلوكهم، حينئذٍ لابدّ من أن تعرض هذه القصة: الجزاءات المترتبة على المؤمنين أيضاً، ولذلك نجد ان القصة ركزت على هذا الجانب أيضاً حينما عرضت المصائر للمؤمنين فقالت: (ولما جاء أمرنا نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمةٍ منَّا ونجيناهم من عذاب غليظ). إذن، ينبغي أن ننتبه جداً على هذا المنحى الفني الذي سلكه القرآن الكريم في عرضه لقصة هود مع مجتمعه،حيث عرض مصائر الكافرين والمؤمنين بالنسبة للجزاءات الدنيوية التي لحقتهم، حتى يتحقق بذلك عنصر (الإقناع الفني) المتمثل في ترهيب الكافر من المصير الذي يؤول إليه أخروياً، ثم في ترغيب المؤمن بالنجاة التي يتطلع إليها أخروياً أيضاً. ولكي تتركز هذه الدلالة بنحو أكثر، نجد أيضاً إشارة إلى ما ينتظر هذا، المجتمع من الجزاء الأخروي أيضاً، حيث قالت القصة (واتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة).

ومن الواضح، أن النص ما دام مستهدفاً مخاطبة المجتمع المعاصر لرسالة الإسلام (وهو مجتمع قد تأجل جزاؤه إلى اليوم الآخر) حينئذٍ فإن لفت نظرهُ إلى قصة تتناول كلاً من المصير الدنيوي والأخروي أيضاً، يظل أمراً بالغ الأهمية: من حيث تحقق عنصر الإقناع الفني، مضافاً إلى أن هذا الربط بين مجتمع بائد ومجتمع معاصر، يكشف عن الإحكام الهندسي للسورة الكريمة، من حيث تلاحم موضوعاتها: بعضها مع الآخر، بالنحو الذي لحظناه.

 

* * *

 

قال تعالى (وإلى ثمود أخاهم صالحاً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ

 

______________________________________________________

الصفحة 297

 

غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إنَّ ربّي قريب مجيب).

هذه هي القصة الثالثة من العنصر القصصي الذي تضمنته سورة هود، حيث جاءت قصص نوح وهود وصالح وسواها ممّا نعرض له موظفة فنياً لإنارة القصة الرئيسة التي تحوم عليها السورة الكريمة ونعني بها: قصة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ مع قومه في المرحلة الأولى من ظهور الرسالة... هذه القصة تمضي (من حيث عمارتها الفنية) متجانسة مع ما سبقها مثل المطالبة بعبادة الله تعالى، وبالاستغفار وبالتوبة، وتطرح كذلك مصائر مشتركة للأقوام الذين لحقتهم الجزاءات الدنيوية مثل: الطوفان والصيحة ونحوهما من العذاب، نتيجة لتمردهم. بيد أن الملاحظ أن قصص السورة الكريمة بالرغم من تآزرها جميعاً وإنصبابها في روافد مشتركة، إلا أن لكل منها نكهة خاصة وطرحاً خاصاً لابدّ من ملاحظته. لقد تميزت قصة صالح بطرح خاص هو: تعرضها لتجربة الناقة التي عقرها القوم... وكانت الناقة ظاهرة إعجازية لا تدع مجالاً للشك بمشروعية ما جاء به من رسالة السماء... كما تميزت هذه القصة بلفت النظر إلى ظاهرة خاصة هي مخاطبتها للقوم بأن الله تعالى: (أنشأكم في الأرض واستعمركم فيها). وهذا يعني أن هناك صلة فنية بين عمارة الأرض وبين الناقة، فالناقة أخرجت ـ كما تقول النصوص المفسرة ـ من جوف صخرة وكانت ترد الماء بين يوم وآخر وكانت قد خرجت وهي حامل، وكانت المطالبة بها هي: تركها تأكل في أرض الله تعالى وعدم إلحاق الأذى بها: (ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسّوها بسوءٍ فيأخذكم عذاب قريب). إن عمارة الأرض تعني أن القوم قد أفادوا من مواردها الاقتصادية كل شيء، والناقة تظل واحداً من الموارد الاقتصادية. تقول النصوص المفسرة بأن القوم كانوا يفيدون من لبنها الشيء الكثير بحيث يدّخرونه... لكن ـ في الآن ذاته ـ تعرض لتجربة خاصة هي عدم تناول الماء

 

______________________________________________________

الصفحة 298

 

في اليوم المخصص للناقة إلا من الأماكن النائية عن مركز المدينة مما حملهم على محاولة عقر الناقة: لعدم إستعدادهم لتحمل أيّة تضحية بالرغم من أن الأرض سخّرت لهم بنحوٍ ملحوظ، كما هو صريح النص القصصي (استعمركم فيها).

إن هذه التجربة الخاصة تكشف عن أكثر من دلالة، منها: أن المنحرفين عن مبادئ السماء يتحركون من خلال المنافع الشخصية بحيث ينعكس ذلك على موقفهم الفكري من الحياة والكون، فبالرغم من أن الناقة قد اقترنت بإعجاز ملحوظ مما يستتبع الإيمان بمبادئ الشيء، إلا أن ذلك: ما دام قد إقترن بالإمساس بقدرٍ من منافعهم، حينئذٍ لم يمارسوا أية عملية لضبط النفس بل تمردوا على مبادئ السماء، مما استتبع نزول العذاب عليهم، وهذا ما أوضحه النص القصصي بقوله: (وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ألا ان ثمود كفروا ربَّهم...) لنلاحظ، أن النص هنا قد ربط بين الكفران بالنعم وبين الجزاء الدنيوي الذي لحق بهم، وهو نفس الربط الذي لحظناه في قصة سابقة (قصة هود) حيث قال عن قومه (ألا إن عاداً كفروا ربهم). وهذا التجانس بين العبارتين (ألا إن ثمود كفروا ربهم ـ ألا إن عاداً كفروا ربّهم) قد واكبهما تجانس بين النعم التي أغدقها الله تعالى على قوم صالح والنعم التي أغدقها تعالى على قوم هود، لقد قال النص القصصي عن قوم هود (يرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكم قوة إلى قوتكم) وقال عن قوم صالح (أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها)، إذن، ثمة تجانس بين النعم التي أغدقها الله تعالى على كل من مجتمعي صالح وهود، وتجانس بين موقفهما حيال النعم المشار إليها وهو الكفران بها وتجانس بين الجزاء الدنيوي الذي ترتب على الكفران المذكور، وأولئك جميعاً ـ أي هذه الأشكال من التجانس ـ تفصح عن جمالية فائقة في البناء الهندسي للنص، من حيث صلة عناصره: بعضها مع الآخر.

 

______________________________________________________

الصفحة 299

 

قال تعالى (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاماً قال سلام فما لبث أن جاء بعجلٍ حنيذ * فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط * وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب * قالت يا ويلتي ءالِدُ عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب * قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد).

هذه هي القصة الرابعة من قصص السورة الكريمة (سورة هود) حيث وظفت هذه القصص لإنارة الموضوعات التي تضمنتها السورة ومنها الموضوع المرتبط بنزول العذاب على المكذبين برسالة السماء وإنقاذ المؤمنين من هذا العذاب. القصة التي نواجهها الآن تتصل بشخصية إبراهيم عليه السلام، ولكنها تتداخل مع قصة أخرى هي قصة لوط ـ عليه السلام ـ حيث يلاحظ في جملة من مواضع القرآن الكريم ان قصة إبراهيم تتداخل مع قصة لوط: مع أن أحداث القصتين ومواقفهما لا تصبّان في فكرة واحدة حيث إن الأحداث التي تضمنتها قصة إبراهيم هي: مجيء الأضياف إليه وتقديمه الطعام إليهم وتبشيرهم إياه بولادة إسحاق، مع كبر سنّه وسن زوجته اللذين لا يسمحان ـ في الحالات الاعتيادية ـ بالإنجاب. وأما أحداث القصة المرتبطة بلوط فإنها تنصب على نزول العذاب على قومه الكافرين.

ومما يثير التساؤل الفني بنحو أشد هو أن هذه القصة المتداخلة ـ ومثلها غالبية القصص المرتبطة بشخصي إبراهيم ولوط ـ جاءت في سياق قصص متجانسة في موضوعاتها، ألا وهي: علاقة الرسل ـ عليهم السلام ـ بأقوامهم الذين دعوهم إلى عبادة الله تعالى ونبذ الأوثان، ثم تمرد هؤلاء الأقوام، ونزول العذاب عليهم في نهاية الأمر نتيجة للتمرد المذكور، وهو أمر لحظناه في قصص نوح وهود وصالح عليهم السلام، كما نلحظه فيما بعد في قصة

 

______________________________________________________

الصفحة 300

 

شعيب ـ عليه السلام ـ مع قومه، حيث تتجانس جميع هذه القصص في أحداثها ومواقفها ـ حتى في صياغتها فنياً: عدا قصة إبراهيم التي تداخلت مع قصة لوط التي ستتجانس ـ في بعض أحداثها (وهي نزول العذاب عليهم) مع القصص المشار إليها. لذلك، لابدّ من التساؤل أولاً عن السر الفني الكامن وراء هذا التداخل بين القصتين. أي: لماذا جاءت قصة إبراهيم ـ وهي تتحدث عن بشارة الملائكة إيّاه بولادة إسحاق ثم يعقوب ـ في سياق العرض القصصي لشخصيات نوح وهود وصالح ولوط وشعيب ـ عليهم السلام ـ التي إقترن رسمها بنزول العذاب على مجتمعاتهم المنحرفة، في حين جاءت قصة إبراهيم ـ عليه السلام ـ غير مقترنة بنزول العذاب على قومه بل بشارة خاصة ترتبط بالإنجاب؟

في تصورنا أن الإجابة عن هذا السؤال المتقدم لا يتيسر بسهولة. كما أن الاحتمالات الفنية تظل أمراً لا يمكن الركون إليه بشكل أو بآخر بحيث تظل واحدة من الأسرار الفنية التي لا يزال العقل البشري عاجزاً عن إدراكها: في دراسته للنص القرآني الكريم.

وبعامة يمكن القول بأن هناك جملة من الأسرار الفنية وراء ذلك، منها: أن إبراهيم ـ عليه السلام ـ ذاته شخصية متميزة ورد رسمها في القرآن الكريم بنحو ملحوظ لا تماثلها شخصيات نبوية أخرى في هذا الرسم. بيد أن الأهم من ذلك هو: إرتباط لوط ـ عليه السلام ـ بإبراهيم عليه السلام... فأولاً: كان كل من إبراهيم ولوط متعاصرين يعيشان في زمن واحد، مما يسوغ رسمها في قصتين متداخلتين. ثانياً: كان لوط الشخصية الوحيدة التي آمنت بإبراهيم وهاجرت معه إلى الله تعالى في خضّم المجتمع المنحرف الذي لم يسلم أحد فيه من الانحراف آنئذٍ. ثالثاً: كان لوط ـ عليه السلام ـ ابن أخت إبراهيم عليه السلام، مما يعني أن العلاقة النسبية ـ مضافاً إلى العلاقة العبادية والزمنية المشار إليهما ـ تفسر لنا واحداً من مسوغات التداخل

 

______________________________________________________

الصفحة 301

 

بين القصتين. رابعاً: ـ وهذا المسوغ يترتب على ما سبق ـ وهو: أن مجيء الضيوف (كما سنرى) كان عرضياً كما ينقل: كان مزدوجاً في مهمته، حيث وردوا ـ وهم في صدد تنفيذ العذاب على قوم لوط، مما يحمل دلالة فنية خاصة نعرض لها عند حديثنا عن قصة لوط مع قومه. المهم، لهذه الأسباب وسواها يمكن تفسير بعض الأسرار الفنية الكامنة وراء تداخل القصتين، وهو أمر يكشف دون أدنى شك ـ عن واحد من جوانب البناء الهندسي للسورة الكريمة من حيث تلاحم موضوعاتها: بعضها مع الآخر بالنحو الذي لحظناه، وبالنحو الذي سنوضحه لاحقاً إن شاء الله.

 

* * *

 

قال تعالى (ولقد جاءت رسلنا إبراهيمَ بالبشرى قالوا سلاماً قال سلام فما لبث أن جاء بعجلٍ حنيذ * فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط * وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب).

نحن الآن أمام قصة تحفل بسمات فنية مدهشة، سبق إن أوضحنا صلتها بعمارة السورة الكريمة.

إن أول ما نواجهه من القصة هو: عنصر (التشويق) أو التطلّع إلى معرفة ما طرحته في البداية، لقد قالت بداية القصة: (لقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى). ترى، فماذا تعني هذه البداية؟. ثمة (رسل) من الله تعالى حملت إلى إبراهيم ـ عليه السلام ـ (بشرى) من الله تعالى. من هم الرسل؟ أمر يجهله القارئ تماماً. ثم: ما هي البشرى؟ أمر يجهله القارئ أيضاً، إلا انه يظل متطلعاً إلى معرفة هذه البشرى كما إنه يظل متطلعاً إلى معرفة حامليها: رسل الله تعالى. ويزداد القارئ تشوقاً حينما يواجه تبادل السلام بين الرسل وإبراهيم، (قالوا: سلاماً قال: سلام). هذا النمط من التحية يحمل دلالة خاصة: أبسط ما فيها انها

 

______________________________________________________

الصفحة 302

 

مفصحة عن الحب، عن المسالمة، عن الطريقة التي تتلاقى من خلالها: أحبّاء الله تعالى. لكن ماذا بعد ذلك؟ إبراهيم ـ عليه السلام ـ يجيء بعجلٍ مشوي تكريماً لضيوفه (فما لبث أن جاء بعجل حنيذ). إلا أن الضيوف يمتنعون عن تناول الطعام وهذا هو عنصر فني جديد في القصة ألا وهو عنصر (المفاجأة).

إذن، نحن الآن أمام عنصرين فنيين في القصة (عنصر التشويق) و(عنصر المفاجأة). المفاجأة هي: أن الضيوف لم يتناولوا الطعام، وهو أمر يستثير الدهشة لسبب واضح هو: أن الضيوف الذين استهلوا مقابلتهم لإبراهيم بالسلام (قالوا سلاماً) ـ وهي تحية الحب ـ لماذا يمتنعون من تناول الطعام الذي يجسد بدوره تعبيراً عن الحب؟ هذا هو عنصر الدهشة في الموقف. إذن، لابدّ أن يكون هؤلاء الضيوف من جنس آخر يختلف عن الجنس البشري، أو لا أقل ـ لابدّ أن يتميزوا بصفات خاصة تحملهم على عدم تناول ما هو مألوف في السلوك البشري. وفي ضوء هذا السلوك الذي يبدو غريباً على إبراهيم ـ عليه السلام ـ لابدّ ان يتوجس خيفة من هؤلاء الضيوف الممتنعين عن تناول الطعام (فلما رأى أيديهم لا تصل إليه ـ أي الطعام ـ نكرهم وأوجس منهم خيفة)... طبيعياً، لا بدّ ان تمضي القصة من الآن فصاعداً بالكشف تدريجياً ـ وهذا هو عنصر آخر في القصة ـ عن ملابسات الموقف، لذلك عندما شاهدت رسل الله تعالى ان إبراهيم قد توجس خيفة منهم بادر الرسل قائلين (قالوا لا تخف) لكن: لابدّ أيضاً من أن يبيّن هؤلاء الرسل حقيقة الموقف حتى لا يخاف إبراهيم. وهذا ما بدأت به القصة فعلاً، حينما بدأت تكشف عن الخيوط الأولى للموقف، وذلك حينما قال الرسل مباشرة (إنا أرسلنا إلى قوم لوط).

إذن، بدأ الآن عنصر (التشويق) و(المفاجأة) يتكشفان تدريجياً، ليبلورا حقيقة الموقف، متمثلة في: ان الرسل قد جاءوا لمهمة خاصة هي: إنزال العذاب على قوم لوط. لكن يتساءل القارئ من جديد: ما هي علاقة إبراهيم

 

______________________________________________________

الصفحة 303

 

بقوم لوط؟ ثم يتساءل القارئ من جديد أيضاً: ما هي علاقة البشرى التي قدمها الرسل بإبراهيم؟. وهذا يعني: أن الموقف القصصي لا يزال ملفعاً بالغموض الفني، فما ان بدأ الغموض الأول يتكشف، حتى بدأ الغموض الجديد في الموقف. لقد تكشف للقارئ ـ وهذا ما يستخلصه القارئ دون ان تقول له بصورة مباشرة ـ بان (الرسل) هم (ملائكة) ـ والملائكة لا تتناول الطعام البشري: كما هو واضح ـ. إذن: للمرة الجديدة نواجه عنصراً فنياً آخر هو: ان القصة تركت للقارئ بان يستخلص بنفسه بان الرسل هم (ملائكة) بدليل انهم جاءوا لمهمة من قبل الله تعالى والمهمة هي: إنزال العذاب على قوم لوط، وإنّ إنزال العذاب يتم عادة ـ من قبل الملائكة كما هو واضح.

في ضوء ما تقدم، أمكننا ملاحظة النمو العضوي لهذه المواقف في القصة، مما يكشف ذلك عن مدى إحكام النص من حيث تلاحم موضوعاته: بعضها مع الآخر، بالنحو الذي تقدم الحديث عنه. وهو أمر لابدّ ان نكتشفه لاحقاً عند الحديث عن قصة لوط. أن القارئ يتساءل: لماذا ضحكت إمرأة إبراهيم؟ (وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق...) القصة ساكتة عن توضيح السبب. قد يكون الضحك بسبب من تكشف الموقف لها حيث نتوقع ان تكون: قد أحزنها عدم تناول الضيوف للطعام فلما عرفت انهم رسل الله تعالى ضحكت بسبب من تكشف الموقف... وقد يكون السبب ـ كما يذكر بعض المفسرين ـ هو: إطمئنانها لسلامة لوط ـ عليه السلام ـ من العذاب الذي أخبرت به الملائكة إبراهيم ـ عليه السلام ـ مما يعني ان القصة قد اختزلت احداثاً ومواقف تتعلق بمهمة الملائكة المرسلين إلى إنزال العذاب على قوم لوط ـ حيث تشير فقرة قصصية فيما بعد إلى ان إبراهيم ـ عليه السلام ـ كان يتحاور مع الملائكة في هذه القضية (فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط). إن مجادلته في قوم لوط: لعلها استفسارات عن شمولية العذاب للجميع: بما

 

______________________________________________________

الصفحة 304

 

فيهم طائفة المؤمنين مثلاً (وفي مقدمتهم: شخصية لوط نفسه). كل هذا من الممكن ان يستخلصه القارئ، وحينئذٍ قد يكون ضحك إمرأة إبراهيم نابعاً من تبشيرها بسلامة لوط مثلاً: إذا أخذنا بنظر الاعتبار ان بعض النصوص المفسرة تشير إلى أنّ الملائكة بشّروا إبراهيم بسلامة لوط من العذاب الذي سينزل بقومه. لكن، لو انسقنا مع الفن القصصي، ثم إعتمدنا النص التفسيري المأثور عن أهل البيت ـ عليهم السلام ـ من ان ضحك إمرأة إبراهيم كان بسبب من بشارتها بالإنجاب: حينئذٍ نكون أمام سمة فنية من سمات الصياغة القصصية، متمثلة في عنصر (التشويق) الذي لا يزال يغلّف الموقف.

 

* * *

 

قال تعالى (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاماً قال سلام فما لبث أن جاء بعجلٍ حنيذ * فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط * وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب * قالت يا ويلتي ءالِدُ وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب * قالوا أتعجبين من أمر الله رحمةُ الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد...).

لا نزال مع قصة إبراهيم عليه السلام. هذه القصة التي حفلت بعناصر (التشويق) و(المفاجأة) و(الغموض) الفني... حيث تكشف للقارئ ان الرسل الذين جاءوا إبراهيم عليه السلام، هم (ملائكة) حملوا البشرى لإبراهيم (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى) وانهم أرسلوا إلى قوم لوط. لكن القارئ لا يزال يجهل تفصيلات هذين الموقفين أو الحدثين: البشرى، ومهمة الإرسال إلى قوم لوط... أما البشرى فإن القصة تبدأ بالكشف عن تفصيلاتها، فتقول (وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب). القارئ يكتشف سريعاً بأن البشرى تتعلق بقضية الإنجاب، وتسرّ امرأة إبراهيم بولادة

 

______________________________________________________

الصفحة 305

 

مولود لها: إسمه (إسحاق) ثم ولادة ولده يعقوب. طبيعياً لا يزال الموقف ملفعاً بالغموض، حيث ان دخول بطل جديد إلى القصة (وهو إمرأة إبراهيم) يعني أن لهذه الشخصية (دوراً) له أهميته (من حيث بناء الشخصية): ليس في صعيد البشرى بإنجاب الولد فحسب بل في صعيد الأحداث المرتبطة بمهمة الرسل المبعوثين إلى إنزال العذاب على قوم لوط: أحداث القصة ومواقفها في جميع المراحل. أي أن النص أبرز النتيجة (وهي الضحك) ثم ارتدّ إلى المقدمة (وهي البشرى بالإنجاب)، والمهم: سواء أكان السبب هذا أو ذلك، فإن ما يتسم بالأهمية الأشد خطورة هو: موضوع الإنجاب نفسه، حيث انعكس بوضوح على ردود الفعل الصادرة عنها. إنها هتفت مباشرةً بعد أن بشرت بالولد قائلة: (يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب). وجاء الجواب من الملائكة: (قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد).

طبيعياً، قد يتساءل القارئ عن سر العجب من إمرأة إبراهيم (وهي تواجه ظاهرة إعجازية مجيء الملائكة)... بيد إن التأمل في البشرى ذاتها وهي (الإنجاب لشخصيات متميزة وليست عادية) أي: إسحاق ومن بعده يعقوب حيث تنتسب هذه الشخصيات إلى مواقع نبوية بمعنى إنها تكون (أنبياء) يمارسون مهمات التوصيل لمبادئ الله تعالى: كل أولئك يفسر لنا ان البشرى بالشيء جاءت متناسبة مع خطورة هذا الشيء ليس مجرد الإنجاب لشخصيات عادية. بل العجب من الإنجاب ذاته (وهي وزوجها في عمرٍ يحوم على مائة سنة أو أكثر أو أقل)، وحينئذٍ يكون المشار إليه: إستثناء من القاعدة، للأسباب التي مرّ ذكرها.

أخيراً، ينبغي ألا تفوتنا الإشارة إلى عمارة القصة الكريمة: من حيث تنامي مواقفها وأحداثها: حيث لحظنا مدى الصلة بين الشخصيات: (الملائكة

 

______________________________________________________

الصفحة 306

 

وإبراهيم وامرأته) وبين موضوعات القصة، فيما يفصح ذلك عن إحكامها الهندسي، بالنحو الذي تقدم الحديث عنه وبالنحو الذي سنوضحه لاحقاً.

 

* * *

 

قال تعالى (ولما جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذرعاً وقال هذا يوم عصيب * وجاء قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد * قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد * قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد * قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب * فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود * مسوَّمة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد).

هذه القصة، هي القصة الخامسة من القصص التي تضمنتها سورة هود. إنها تتناول قضية لوط ـ عليه السلام ـ مع قومه حيث طبع سلوكهم نمط خاص من الإنحراف الجنسي. وبالرغم من أن غالبية القصص جاءت في سياق الحديث عن الفكر الوثني لدى مجتمعات نوح وهود وصالح وشعيب الخ، إلا أن قصة لوط ـ ومثلها قصة إبراهيم ـ جاءتا لتتناولا موضوعات خاصة: تحسيساً بأهمية هذه الموضوعات، فقصة إبراهيم جاءت لتلفت النظر إلى الإنجاب المعجز، وقصة لوط جاءت لتتناول نمطاً من الانحرافات الاجتماعية، وان كلاً من الموضوعين منفصل عن الآخر، لكنهما يرتبطان عضوياً بأكثر من حدث وموقف. فالرسل أو الملائكة الذين بشروا إبراهيم بالأولاد، هم أنفسهم جاءوا ليصبوا العذاب على قوم لوط... وهذا واحد من الخيوط العضوية بين القصتين حيث يستخلص القارئ بأن هناك تخطيطاً غيبياً تقوم الملائكة

 

______________________________________________________

الصفحة 307

 

بتنفيذه، فهم ـ أي الملائكة ـ يقومون ـ من جانب ـ بعملية تبشير ويقومون ـ من جانب آخر ـ بعملية تدمير... التبشير يتصل بأضخم الشخصيات العبادية والتدمير يتصل بأتفه الشخصيات... التبشير يتصل بميلاد بشر، والتدمير يتصل بموت بشر. التبشير يتصل بولادة أنبياء من أنبياء (ولادة إسحاق ثم يعقوب، من إبراهيم). والتدمير يتصل بإبادة بشر منحط. هذا التقابل الفني بين الشخصيات: الأرفع والأحط، بين عملية توليد وعملية إماتة، الخ يكسب النص جمالية فائقة، كما إنه يخضع لعنصر مشترك هو قيام الملائكة بتنفيذ هذا الفعل (البشارة، والإماتة).

وهذا كله حيث صلة القصتين: قصة إبراهيم ولوط مع بعضها.

أما قصة لوط وحدها، فهي تمضي إلى نهايتها المتمثلة في إبادة قوم لوط (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود)... لكن ينبغي ان نعرض لبنائها الفني قبل ذلك... إن الملائكة ـ كما جاءوا أبطالاً في ملامح بشرية بالنسبة إلى إبراهيم ... كذلك تنكروا أمام لوط، وكما حلّوا أضيافاً عند إبراهيم كذلك حلّوا أضيافاً عند لوط. وكما جهلهم إبراهيم جهلهم لوط أيضاً. وكما إن عنصر (التشويق) لعب دوراً في قصة إبراهيم، كذلك نجد أن (التشويق) ترك فاعلية في قصة لوط حيث أن القارئ يظل متطلعاً إلى معرفة النتيجة التي ينتهي إليها الحدث، فقد رسمت القصة لوطاً: قد ساءه مجيء هؤلاء الضيوف، وضاق بهم ذرعاً، نظراً لهجوم المنحرفين على داره، حتى إنه هتف قائلاً: (هذا يوم عصيب). لقدعرض عليهم العنصر النسوي (قال يا قوم هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم). ثم خاطبهم من جديد محذراً (فاتقوا الله ولا تخزونِ في ضيفي). ثم خاطبهم أيضاً (أليس منكم رجل رشيد؟). كل ذلك، لم يترك أثراً فيهم، بحيث إلتمس قوى خارجية لكي تسنده في معالجة الموقف: (قال لو أن لي قوة أو آوي إلى ركنٍ شديد).

 

______________________________________________________

الصفحة 308

 

هذه العبارة الأخيرة التي نطق بها لوط: جاءت (من حيث البناء الهندسي للقصة) إرهاصاً بانفراج الأزمة، بحيث أفضت إلى الخلاص وذلك حينما جاءت المفاجأة: لتعلن هوية الرسل وإذا بهم يخاطبون لوطاً ـ عليه السلام ـ: (يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك...). وهكذا تكشف الموقف بهذه العبارة القصصية، وحسم الأمر، حيث رسموا للوط ـ عليه السلام ـ طريقة النجاة من العذاب الذي سيلحق هؤلاء القوم، قائلين له: (فأسر بأهلك بقطعٍ من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا إمرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب). وبهذا التخطيط لعملية الهروب من المدينة (بالنسبة للوط وأهله عدا إمرأته)، تعرضت القصة للنهاية المتمثلة في: نزول العذاب على القوم وإبادتهم تماماً.

ومن الواضح أن خطوط القصة التي أفضت إلى نهايتها المشار إليها، تفصح عن مدى إحكام البناء الفني لها، من حيث تنامي أجزائها وتلاحمها: بعضها مع الآخر بالنحو الذي تقدم الحديث عنه.

 

* * *

 

قال تعالى (وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط * ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين * بَقِيَّةُ الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ * قالوا يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد...).

هذه القصة السادسة من القصص التي تضمنتها سورة هود. إنها تتحدث عن شعيب ـ عليه السلام ـ وقومه حيث تطرح موضوعات مماثلة لما لحظناه في قصص نوح وهود وصالح الخ، لكن مع سياقات جديدة أبرز ما فيها هو: التركيز على أحد

 

______________________________________________________

الصفحة 309

 

أشكال التعامل الاقتصادي المحظور وهو: التطفيف في الموازين... لا شك ان أهم الأهداف التي تضمنتها القصص هو: قضية (التوحيد)، كما أن الموضوع الرئيس الذي حامت عليه السورة هو (التوحيد) نفسه، لكن، حينما يعرض النص القرآني الكريم قضية ثانوية في سياق جديد عن قضية رئيسة، فهذا يعني أن النص يستهدف لفت النظر إلى هذه القضية الثانوية ونعني بها: التطفيف في الميزان.

وأهمية هذه القضية تتمثل في كون (التطفيف) عملية ذات بعد نفسي له خطورته في ميدان السلوك بعامة، فالتطفيف هو تعبير حاد عن (ذاتية) الشخص بحيث يفصح بوضوح عن أشد أشكال (الأنانية) من جانب، وأشد أشكال الإنغلاق عن الآخرين من جانب آخر. وإذا أدركنا أن جميع المبادئ الإسلامية تستهدف تدريب الشخص على محورين: أحدهما (سحق الذات) والآخر (الإنفتاح) على الآخرين، حينئذٍ يمكننا أن نستكشف بوضوح مدى أهمية هذا المبدأ الذي طرحه النص بالنسبة للتطفيف في الموازين بصفة أن التطفيف يعني أولاً أن الشخص يحاول أن يجتذب المنفعة إلى (ذاته) فيخسر الميزان حتى يكسب الفائدة إليه، ويعني ثانياً أن كسب المنفعة لنفسه يتم على حساب الضرر الذي يلحق الآخرين، إن الحرص على جلب المنفعة وحده (كما لو كان الشخص يجمع الأموال أو الأطعمة دون أن يترتب ضرر على الآخرين) هذا الحرص وحده: مفصح عن سمة ذاتية بغيضة، فإذا أضفنا إلى هذه السمة سمة أخرى وهي (العدوان) على الآخرين (كما لو كان الجمع للمال أو الطعام يتمم على حساب الضرر المترتب على الآخرين)، حينئذٍ تبلغ (الذاتية) قمة المفارقة مما تفسر لنا واحداً من الأسباب التي تكشف عن سر العناية بطرح هذا الموضوع (وهو التطفيف) في سياق الحديث عن مجتمعات الكفر، حتى إن سورة كاملة من القرآن (وهي سورة المطففين) يخصها النص بطرح هذا الموضوع بحيث يستهلها النص بقوله (ويل للمطففين) وبحيث يجعلها تتصدر

 

______________________________________________________

الصفحة 310

 

الحديث حتى عن قضية التوحيد والإيمان باليوم الآخر. وكل أولئك يكشف عن الأهمية التي يكسبها النص للموضوع المشار إليه.

والآن إذا غادرنا هذا الجانب من بناء القصة (قصة شعيب) ـ عليه السلام ـ واتجهنا إلى الجوانب الأخرى من بنائها الفني: لوجدنا، أن القصة تتماثل مع قصص نوح وهود وصالح ولوط بالنسبة لقضايا الدعوة إلى توحيد الله تعالى، ونبذ الأوثان، والتحذير من المصائر الكسيحة التي ينتهي الكافرون إليها دنيوياً مثل حوادث الطوفان والصيحة وسواهما. لكن، بما أن هذه القصة تشكل خاتمة للعنصر القصصي في هذه الصورة حينئذٍ نلحظ ان النص (من حيث البناء الهندسي للسورة) يطرح تحذيراً خاصاً على لسان شعيب ـ عليه السلام ـ هو: (ويا قوم لا يجرمنّكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد)... إن هذا التذكير (على لسان البطل) له أهميته الفنية الضخمة، وذلك لجملة من الأسباب، منها: ان هذه القصة تشكل خاتمة لقصص نوح وهود وصالح ولوط، ومنها: إن القصة (زمنياً) متأخرة عن أزمنة القصص السابقة، ومنها: أن الآثار المترتبة على إبادة المجتمعات السابقة: تظل بمرأىً وبمسمع من مجتمع شعيب وبخاصة: مجتمع لوط (بصفة أنه آخر المجتمعات التي تعرّض لها النص) حيث تظل آثار الجزاء الدنيوي محتفظة بفاعليتها، وهو أمر أشارت القصة إليه بوضوح حينما قالت على لسان شعيب (وما قوم لوط منكم ببعيد).

إذن، أمكننا ملاحظة السر الفني الكامن وراء هذه الشريحة القصصية التي تميزت بها قصة شعيب ـ عليه السلام ـ وصلتها بالقصص السابقة، فضلاً عن الجوانب الأخرى التي أشرنا إليها مما يفصح ذلك جميعاً عن مدى إحكام النص من حيث تلاحم وتجانس أجزائه: بعضها مع الآخر.

 

* * *

 

______________________________________________________

الصفحة 311

 

قال تعالى (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وملائهِ فأتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد * يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود * وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود * ذلك من أنباء القرى نقصُّه عليك منها قائم وحصيد * وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لمّا جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب * وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد * إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود).

بهذا المقطع من سورة هود، يختم العنصر القصصي الذي وظفته السورة الكريمة لإنارة موضوعاتها المتصلة بسلوك الكافرين المعاصرين لرسالة محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم. لقد تعرض النص عابراً إلى قصة موسى مع فرعون، حيث لحظنا أن قصص نوح وهود وصالح الخ قد عرضت مفصلة، بينما تعرض الآن قصة موسى مجملة. كما لحظنا أن القصص المشار إليها قد تم التركيز فيها على العذاب الدنيوي الذي لحق المجتمعات السابقة، بينما نلحظ الآن أن قصة موسى تعرض للعذابين: الدنيوي والأخروي. والمهم هو أن نقف على الأسرار الفنية لهذه الأقصوصة (اقصوصة موسى): وصلتها بالمبنى الهندسي للسورة الكريمة وملاحظة هذه الفوارق بينها وبين القصص السابقة وإنعكاسات ذلك على المبنى الهندسي المذكور.

إن السورة الكريمة ما دامت تتحدث عن الكافرين المعاصرين لرسالة الإسلام وما دام الجزاء الأخروي هو العذاب الذي ينتظر هؤلاء المكذبين حينئذٍ فلابدّ أن تختم العنصر القصصي بقصة تجمع بين العذاب الدنيوي الذي يجسد إنذاراً لهؤلاء الكافرين وبين العذاب الأخروي الذي ينتظرهم، وهذا ما تكفّلت به أقصوصة موسى مع فرعون من حيث جمعها بين العذابين، وبما أن

 

______________________________________________________

الصفحة 312

 

رؤساء الكفر في الزمن المعاصر لرسالة الإسلام، لعبوا دوراً في تضليل أتباعهم: حينئذٍ فإن عرض أقصوصة مثل أقصوصة موسى مع فرعون يجسد صدىً مماثلاً لسلوك هؤلاء حيث ان فرعون وجماعته كانوا أسماء متميزة في الضلال وكانت الغالبية من مجتمعهم أتباعاً لا فاعلية لهم في صنع القرارت، لذلك يجيء التجانس بين التركيبة الاجتماعية لفرعون ومجتمعه وبين التركيبة الاجتماعية للمشركين ملحوظاً في هذا الميدان، مما يفسر لنا واحداً من أسرار العرض القصصي الذي ختم به هذا القسم من السورة حيث إتجهت السورة بعد ذلك إلى الحديث مجدداً عن المشركين: بعد أن قطعت رحلة قصصية طويلة عن مجتمعات نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب.

لكن، خارجاً عن هذه العمارة القصصية وصلتها بعمارة السورة الكريمة، يعنينا ان نعرض لعناصر الأقصوصة: بخاصة العنصر الصوري وصلته بالعمارة المشار إليها. وأول ما يلاحظ في هذا الصعيد إن النص القرآني الكريم حاول ـ من خلال العنصر الصوري ـ أن يبلور للمتلقي مفهوم التبعية للرؤساء. يقول النص: (فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد * يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود * واتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود). الصور هنا تتجسد في صور (تمثيلية) أو (رمزية) هي الرفد والورد حيث تتضمن هاتان الصورتان دلالات إيحائية متنوعة: أبرز ما فيها هو: عنصر (التضاد) بين إيحاءات العبارة، فالورد والرفد يجسد أولهما: الماء الذي يشربه الشخص ويجسد الآخر: العطاء الذي يقدم له، إلا أن النص القصصي منحهما إيحاءً مضاداً للشرب والعطاء، بحيث يتحولان إلى تجربة مؤلمة بدلاً من التجربة المسرّة التي يفرزها الشرب بالعطاء. والمهم بعد ذلك ـ أن هذه الصور صيغت في سياق الحديث عن فرعون الذي يقدم قومه يوم القيامة فيوردهم النار التي رسمها النص صوراً (تمثيلية) هي: الورد المورود والرفد المرفود، وكل أولئك يكشف بوضوح عن مدى إحكام السورة الكريمة

 

______________________________________________________

الصفحة 313

 

من حيث تجانس عنصرها القصصي والصوري مع بعضها ثم تجانسها مع موضوعات السورة الكريمة ومن ثم تجانس وتلاحم أجزائها بعضها مع الآخر.

 

* * *

 

قال تعالى (ذلك من أنباء القرى نقصّه عليك منها قائم وحصيد * وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب * وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد).

بهذا المقطع ينتهي العنصر القصصي الذي تضمنته سورة هود، حيث عرض النص القرآني الكريم مجموعة من قصص المجتمعات السابقة (قصص نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى) في سياق الحديث من أجل إنارة الموضوعات التي طرحها النص عن سلوك المشركين. وها هو النص يعرض لنا السبب الفني الكامن وراء سرده لقصص الماضين، مبيّناً أن الهدف من ذلك هو: تذكر المعاصرين لرسالة الإسلام بمصائر الأمم البائدة، حيث لم تغن أصنامهم التي كانوا يعبدونها عن نزول العذاب عليهم. هذا التذكير بأصنامهم الماضين، إنما هو منحىً فني غير مباشر يستهدف منه لفت نظر المشركين لحملهم على نبذ الأصنام: كما هو واضح. وبما أن عذاب الاستئصال الدنيوي قد رفعته السماء عن أمة محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأجّلت ذلك إلى اليوم الآخر، لذلك، ربط النص القرآني الكريم بين هدفه من سرد قصص الماضين، وبين تذكير المعاصرين لرسالة الإسلام بالعذاب الأخروي قائلاً: (إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود).

وهكذا انتقل النص هذه النقلة الفنية التي تكشف عن جمالية وإحكام المبنى الهندسي للسورة الكريمة حيث استثمر هذا الجانب، فرسم لنا البيئة

 

______________________________________________________

الصفحة 314

 

الأخروية التي تنتهي إليها مصائر الناس، إلى الجنة أو الجحيم، فقال: (وما نؤخره إلا لأجل معدود * يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد * فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق * خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلاّ ما شاء ربك إنّ ربك فعّال لما يريد * وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلاّ ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ).

في هذا المقطع نواجه رسماً فنياً قائماً على ما يطلق عليه مصطلح (التقابل أو التضاد من خلال التماثل)، أي: نواجه رسماً يقوم على (التقابل) بين الجنة والنار، بصفة أن أحدهما ضد للآخر. وهذا التضاد يتم ـ في الوقت نفسه ـ من خلال (التماثل) بين هذين المصيرين. فالملاحظ، أن النص قام أولاً بعملية تصنيف الناس إلى (شقي) و(سعيد)، ثم فصل الحديث عن كل صنف فقال عن الصنف الأول: (فأما الذين شقوا ففي النار). وقال عن الصنف الآخر: (فأما الذين سعدوا ففي الجنة)، وهذا هو عنصر (التقابل). وأما عنصر (التماثل)، فيتجسّد في قوله تعالى عن كل من هذين الفريقين بأنه خالد في الجنة أو النار ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء الله تعالى. قال تعالى عن الصنف الأول: (خالدين فيها ـ أي النار ـ ما دامت السماوات والأرض، إلاّ ما شاء ربك...).

وقال تعالى عن الصنف الآخر ـ مستخدماً نفس الكلمات: (خالدين فيها ـ أي الجنة ـ ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك...).

ومما لا شك فيه، إن هذا (التقابل) بين الجنة والنار، ثم إخضاعه لعنصر (التماثل) من حيث الخلود في كل منها، ومن حيث إستثناء إشاءة الله تعالى في ذلك. هذا النوع من الصياغة ينطوي على جمالية فائقة من حيث التقابل الهندسي بين أجزاء النص، فضلاً عما لحظناه من الربط العضوي بين

 

______________________________________________________

الصفحة 315

 

موضوعات السورة الكريمة وبين العنصر القصصي فيها، ثم الربط العضوي بين ذلك وبين الحديث عن اليوم الآخر.

 

* * *

 

قال تعالى (فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا لموفّوهُمْ نصيبهم غير منقوص * ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب * وإن كلاً لما ليوفينّهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير * فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير * ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون * واقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين * واصبر فان الله لا يضيع أجر المحسنين...الخ).

بهذا المقطع وما بعده تختم سورة هود التي حامت موضوعاتها على سلوك المشركين، وختمت بمجموعة من التوصيات التي تطالب باليقين، والإستقامة، وعدم الركون إلى الظالم، وإقامة الصلاة، والصبر...الخ. ويعنينا من هذا الختام ما ينطوي عليه من أداء فني يرتبط بعمارة السورة الكريمة وبجزئياتها.

وأول ما يواجهنا في هذا الصعيد هو (التشبيه) القائل عن المشركين بأنهم (ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل) كما يواجهنا (النموذج) الصوري القائل (ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم...). إن هاتين الصورتين (التشبيه، والنموذج) تنطويان على قيم بنائية لها أهميتها الكبيرة بالنسبة إلى عمارة السورة الكريمة. أما (التشبيه ـ تشبيه المشركين بما يعبد آباؤهم) فقد ورد في سياق القصص التي أوردها النص عن مجتمعات نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى، حيث ذكر

 

______________________________________________________

الصفحة 316

 

القرآن المصائر التي تنتهي إليها أولئك البائدون دنيوياً، نتيجة لكفرهم... والأهمية الفنية لهذا التشبيه تكمن في إنطوائه على قيمة فكرية هي: إن المجتمع المعاصر لرسالة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ بما إنه لم يكتب للمنحرفين فيه بعذاب الإستئصال بل بتأجيل ذلك: أخروياً، لذلك، اكتفى النص بصياغة (تشبيه) يربط بين المشركين وبين عبادة آبائهم السابقين مع تعقيب على هذا السلوك، هو (وإنّا لموفّوهم نصيبهم غير منقوص). فهذا التعقيب الذاهب إلى أن الله تعالى سوف يوفّي هؤلاء المشركين جزاءهم في اليوم الآخر يتناسب مع عملية التأجيل التي أشرنا إليها... والمهم ـ فنياً ـ إن عنصر (التشبيه) جاء متساوقاً مع العنصر القصصي في توظيفها جميعاً من أجل إنارة الموضوعات المرتبطة بسلوك المشركين وما ينتظرهم من الجزاء الأخروي.

وأما (الصورة النموذجية) التي قدمها النص عن مجتمع موسى، (لقد آتينا الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمت سبقت من ربك لقضي بينهم)، فهي بدورها تصب في الهدف المشار إليه، إن النص يريد أن يقول لمعاصري رسالة الإسلام ان قوم موسى قد اختلفوا فيما بينهم حيال الكتاب الذي أنزل عليه عصرئذٍ، وإن الاختلاف المذكور لا يزال ممتداً حتى زمن رسالة الإسلام. لكن ـ بما أن أحد المبادئ الاجتماعية التي قررتها السماء يقضي بأن يؤجل إلى اليوم الآخر: عذاب هؤلاء القوم المختلفين فيما بينهم ـ حينئذٍ لا ضرورة إلى إستئصالهم دنيوياً كما كان الأمر بالنسبة للأمم البائدة. إذن، يظل هدف النص منصباً على تقرير حقيقة هي: أن الجزاء الأخروي ـ وليس الدنيوي ـ هو المقرر بالنسبة للمشركين وسائر المنحرفين الذين لم يلتزموا بمبادئ السماء.

وما دمنا نتحدث عن عنصر الصورة الفنية (أي: النموذج القصصي عن مجتمع موسى، والتشبيه القصصي بالمجتمعات البائدة)، ينبغي ألا تفوتنا الإشارة إلى عنصر صوري آخر: جاء في سياق التوصيات التي قدمها النص،

 

______________________________________________________

الصفحة 317

 

ومنها التوصية بالصلاة، حيث عقب عليها النص قائلاً: (إن الحسنات يذهبن السيئات)، فالحسنات هنا (رمز) ـ وليست أعمالاً مطلقة ـ للصلاة، بدليل إنها جاءت بعد قوله مباشرة (واقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات)، مضافاً إلى إنها قد فسرت فنياً بهذا العنصر الرمزي من قبل أئمّة أهل البيت عليهم السلام، وأهمية (الرمز) ـ أي كون (الحسنات) ترمز إلى الصلاة ـ تتمثل في تحسيس المتلقي بخطورة الصلاة بحيث تجسد (الحسنات) التي تصدر عن الإنسان: مع ان الحسنات متنوعة بتنوع السلوك العبادي وليست مقتصرة على الصلاة وحدها، لكن، بما ان للصلاة أهميتها الخاصة، حينئذٍ جاء (الرمز) لها بالحسنات أمراً له مسوّغه الفني المشار إليه. والمهم ـ بعد ذلك كله ـ إن عنصر الصورة ـ في صعيد الرمز للصلاة التي استثمرها النص في هذا المجال ـ وسائر الأدوات الفنية، قد وظفها النص لإنارة الموضوعات التي تضمنتها السورة الكريمة ما يفصح عن إحكام المبنى الهندسي لها بالنحو الذي لحظناه.

 

* * *

 

______________________________________________________

الصفحة 318


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/books/index.php?id=535
  • تاريخ إضافة الموضوع : 0000 / 00 / 00
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 05 / 12