• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم / المكتبة .
              • الكتاب : التبيان في تفسير القرآن ( الجزء التاسع ) ، تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي .
                    • الموضوع : سورة الدخان .

سورة الدخان

44 - سورة الدخان

وهي مكية في قول قتادة ومجاهد وهي تسع وخمسون آية في الكوفى وسبع في البصرى وست في المدنيين والشامي وسنذكر اختلافهم.

بسم الله الرحمن الرحيم

(حم(1) والكتاب المبين(2) إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين(3) فيها يفرق كل أمر حكيم(4) أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين(5) رحمة من ربك إنه هو السميع العليم(6))

ست آيات في الكوفي وخمس في الباقين.

قد بينا معنى (حم) في ما مضى وإختلاف الناس فيه وان أقوى الوجوه انه اسم للسورة. وإنما كرر ذكر (حم) لانه ينبئ عن استفتاح السورة بذكر الكتاب على وجه التعظيم إذ على ذلك جميع الحواميم، فهو اسم علم للسورة مضمن بمعنى الصفة من وجهين: احدهما - انها من الحروف العربية. والآخر أنه استفتحت بذكر الكتاب على طريق المدحة.

[224]

وقوله (والكتاب المبين) فالمراد بالكتاب القرآن، وجره بأنه قسم.

وقال قوم: تقديره ورب الكتاب المبين، وإنما أقسم به لينبئ عن تعظيمه. لان القسم يؤكد الخبر بذكر المعظم منعقدا بما يوجب أنه حق كما أن تعظيمه حق. وإنما وصف بأنه مبين وهو بيان مبالغة في وصفه بأنه بمنزلة الناطق بالحكم الذي فيه من غير أن يحتاج إلى استخراج الحكم من مبين غيره، لانه يكون من البيان مالا يقوم بنفسه دون مبين حتى يظهر المعنى فيه.

وقوله (إنا انزلناه في ليلة مباركة) إخبار منه تعالى أنه انزل القرآن في الليلة المباركة، وهي ليلة القدر - في قول قتادة وابن زيد - وقال قوم: هي ليلة النصف من شعبان. والاول أصح لقوله تعالى (شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن)(1) وقيل هي في كل شهر رمضان فيها تقسم الآجال والارزاق وغيرهما من الالطاف - في قول الحسن - وقيل: انزل إلى السماء الدنيا في ليلة القدر. ثم انزل نجوما على النبي صلى الله عليه واله وقيل ينزل في ليلة القدر قدر ما يحتاج اليه في تلك السنة. وقيل المعنى إن ابتداء انزاله في ليلة مباركة، ووصفها. بأنها مباركة لان فيها يقسم الله تعالى نعمه على عباده من السنة إلى السنة. والبركة نماء الخير، وضده الشؤم وهو نماء الشر، فالليلة التي انزل فيها كتاب الله مباركة، فان الخير ينمى فيها على ما دبره الله لها من علو الخير الذي قسمه فيها.

وقوله (إنا كنا منذرين) فالانذار الاعلام بموضع الخوف ليتقى وموضع الامن ليرتجى، فالله تعالى قد انذر العباد بأتم الانذار من طريق العقل والسمع وقوله (فيها يفرق كل أمر حكيم) فحكيم - ههنا - بمعنى محكم، وهو ما بيناه من انه تعالى يقسم في هذه الليلة الآجال والارزاق وغيرها.

___________________________________

(1) سورة 2 البقرة آية 185

[225]

وقوله (امرا من عندنا) يحتمل أن يكون نصبا على الحال، وتقديره انزلناه آمرين. ويحتمل أن يكون على المصدر وتقديره يفرق كل أمر فرقا، ووضع امرا موضعه.

وقوله (إنا كنا مرسلين) اخبار منه تعالى انه يرسل الرسل (رحمة) أي نعمة. ونصبه على المصدر واختار الاخفش النصب على الحال أي انزلناه آمرين راحمين. ويجوز ان يكون نصبا على انه مفعول له أي انزلناه للرحمة. وسميت النعمة رحمة، لانها بمنزلة ما يبعث على فعله رقة القلب على صاحبه ومع داعي الحكمة إلى الاحسان اليه يؤكد أمره.

وقوله (إنه هو السمع العليم) معناه إنه يسمع ما يقوله خلقه من المبطلين والمحقين فيجيب كلا منهم على ما يعلمه من مصلحته من إرساله الرسل اليه وإنعامه عليه.

قوله تعالى: (رب السموات والارض وما بينهما إن كنتم موقنين(7) لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الاولين(8) بل هم في شك يلعبون(9) فارتق يوم تأتي السماء بدخان مبين(10) يغشى الناس هذا عذاب أليم(11))

خمس آيات بلا خلاف.

قرأ اهل الكوفة إلا حفصا (رب السموات) خفضا بدلا من قوله (رحمة من ربك.. رب السموات) الباقون بالرفع على الاستئناف. ويجوز أن يكون

[226]

خبر (إن) في قوله (إنه هو السميع العليم).

لما ذكر الله تعالى أنه - عزوجل - السميع العليم، وصف نفسه ايضا بأنه الذي خلق السموات والارض ودبرهما، ودبر ما فيهما (إن كنتم موقنين) بهذا الخبر محققين له، وقيل: إن وجه الاحتجاج بذكر رب السموات والارض - ههنا - أن الذي دبرهما على ما فيه مصالح العباد هو الذي دبر الخلق بارسال الرسول رحمة منه بعباده على ما فيه مصالحهم.

ومعنى (إن كنتم موقنين) أي إن كنتم ممن يطلب اليقين، فهذا طريق اليقين يلج الصدور بالعلم، وهو حال يجده الانسان من نفسه عند التعقل. ولهذا يقال: من وجد برد اليقين كان من المتقين. ولذلك لا يوصف الله تعالى باليقين وإن وصف بأنه عالم وعليم.

ثم بين تعالى انه لا أحد يستحق العبادة سواه بقوله (لا إله إلا هو) وانه (يحيي) الخلق بعد موتهم (ويميت) أي ويميتهم بعد احيائهم (ربكم) الذى خلقكم ودبركم (ورب آبائكم) الذى خلقهم، دبرهم (الاولين) الذين سبقوكم وتقدموكم.

ثم اخبر تعالى عن الكفار فقال ليس هؤلاء بموقنين بما قلناه (بل هم في شك) يعني بما أخبرناك به ووصفنا الله تعالى به (يلعبون) مع ذلك ويسخرون. ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله (فارتقب) قال قتادة: فانتظر (يوم تأتي السماء بدخان مبين) والدخان الظلمة التي كانت تغشى أبضار المشركين من قريش لشدة الجوع وحين دعا عليهم النبي صلى الله عليه واله، فقال (اللهم سنين كسنين يوسف) - في قول ابن مسعود والضحاك - وقال ابن عباس والحسن وهو المروي عن النبي صلى الله عليه واله إن الدخان آية من اشراط الساعة تدخل في مسامع الكافر والمنافق حتى يكون كالرأس الحنيذ ونصيب المؤمن منه مثل الزكمة. و (يغشى الناس) يعني الدخان يغشى الناس.

[227]

ثم حكى تعالى بأن هؤلاء الكفار يقولون عند ذلك (هذا عذاب أليم) أي مؤلم موجع. والغشى اللباس الذي يغمر الشئ، لان الانسان قد يلبس الازار ولا يغشيه. فاذا غمه كان قد غشاه. والغاشية من الناس الجماعة يغشون، وغاشية السرج من ذلك، ومنه قوله (يغشى الليل النهار)(1) والعذاب استمرار الالم ووصفه ب‍ (أليم) مبالغة في سببه، لاجل استمراره وصار بالعرف عبارة عن العقاب، لان الالم الذي يفعل للعوض والاعتبار، كأنه لا يعتد به لما يؤل اليه من النفع.

قوله تعالى: (ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون(12) أنى لهم الذكرى وقد جاء‌هم رسول مبين(13) ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون(14) إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون(15) يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون(16))

خمس آيات بلا خلاف.

لما اخبرالله تعالى أن الدخان يغشى الناس عذابا لهم وعقابا للكفار، وحكى أنهم يقولون هذا عذاب أليم، حكى ايضا انهم يقولون ويدعون (ربنا اصرف عنا العذاب) الذي أنزلته من الدخان إنا موقنون) بأنه لا إله غيرك، وأن لا يستحق العبادة سواك.

فقال تعالى (أني لهم الذكرى) قال ابن عباس معناه (كيف)؟ وقال غيره معناه من أين لهم الذكرى (وقد جاء‌هم رسول مبين) وحثهم على ذلك فلم يقبلوا منه، وهذا زمان سقوط التكليف لكونهم ملجئين فلا تقبل لهم توبة.

___________________________________

(1) سورة 7 الاعراف آية 53 وسورة 13 الرعد آية 3

[228]

وقوله (ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون) قال مجاهد: المعنى ثم تولوا عن محمد صلى الله عليه واله وقالوا هو معلم يعلمه غيره، ونسبوه إلى الجنون، وأنه مجنون.

ثم قال تعالى (إنا كاشفوا العذاب قليلا) على وجه التبكيت لهم على شدة عنادهم إنا لو كشفنا عنكم العذاب ورفعناه عنكم (إنكم عائدون) فمن قال إن العذاب بالدخان عند رفع التكليف قال (إنكم عائدون) في العذاب، وهو قول قتادة ومن ذهب إلى انه في الدنيا مع بقاء التكليف، قال معناه (انكم عائدون) في الضلال. وهو قول جماعة.

وقوله (يوم نبطش البطشة الكبرى) فالبطش الاخذ بشدة وقع الالم، بطش به يبطش بطشا، ومثله عرش يعرش ويعرش، وهو باطش، واكثر ما يكون بوقوع الضرب المتتابع، فأجري افراغ الالم المتتابع مجراه و (البطشة الكبرى) قال ابن مسعود ومجاهد وابوالعالية، وروى عن ابن عباس وابى بن كعب والضحاك وابن زيد: هو ما جرى عليهم يوم بدر - وفي رواية أخرى عن ابن عباس والحسن انه يوم القيامة، وهو اختيار الجبائي.

وقوله (إنا منتقمون) اخبار منه تعالى أنه ينتقم من هؤلاء الكفار بانزال العقوبة بهم، وقد فرق قوم بين النقمة والعقوبة: بأن النقمة ضد النعمة، والعقوبة ضد المثوبة، فهي مضمنة بأنها بعد المعصية في الصفة، وليس كذلك النقمة وإنما تدل الحكمة على انها لا تقع من الحكيم إلا لاجل المعصية.

[229]

قوله تعالى: (ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاء‌هم رسول كريم(17) أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين(18) وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين(19) وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون(20) وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون(21))

خمس آيات بلا خلاف.

أقسم تعالى انه فتن قبلهم يعني قبل كفار قوم النبي صلى الله عليه واله (قوم فرعون) أى اختبرناهم، وشددنا عليهم بأن كلفناهم، لان الفتنة شذة التعبد في الاخذ بالسراء والضراء، وأصلها الاحراق بالنار لخلاص الذهب من الغش، فهذه الشدة كشدة الاحراق للخلاص.

وقيل: الفتنة معاملة المختبر ليجازى بما يظهر دون ما يعلم مما لم يعلم (وجاء‌هم رسول كريم) أى حقيق بالتكرم في الدعاء إلى الله والبرهان الواضح والدليل القاهر حتى يسلكوا طريق الهدى المؤدي إلى ثواب الجنة ويعدلوا عن طريق الردى المؤدي إلى العقاب.

وقيل: معناه كريم عندالله بما استحق بطاعته من الاكرام والاجلال.

وقوله (أن ادوا إلي عباد الله) قال الحسن: هو مثل قوله (إن ارسل معنا بني إسرائيل)(1) ف‍ (عبادالله) منصوب ب‍ (أدوا) وقيل: هو منصوب على النداء. أي يا عباد الله أدوا ما أمركم به، في قول الفراء (إني لكم رسول أمين) على ما اؤديه اليكم وادعوكم اليه، (وأن لا تعلوا على الله) قال ابن عباس: معناه أن لا تطغوا عليه بافتراء الكذب عليه.

وقال قتادة: معناه ان لا تبغوا عليه بكفر نعمه، وقيل معناه أن لا تتكبروا على الله بترك طاعته

___________________________________

(1) سورة 26 الشعراء آية 17

[230]

وإتباع أمره. وقيل: معناه أن لا تبغوا على أولياء الله بالبغي عليهم.

وقال الحسن: معناه لا تستكبروا عليه بترك طاعته (إني آتيكم بسلطان مبين) أي بحجة واضحة لان السلطان الحجة والمبين الظاهر الذي مع ظهوره يظهر الحق، فكأنه اظهره.

ثم قال لهم (وإني عذت بربي) الذي خلقني (وربكم) الذي خلقكم (أن ترجمون) قال ابن عباس وابوصالح: الرجم الذي استعاذ منه موسى هو الشتم، كقولهم: هو ساحر كذاب ونحوه، وقال قتادة: هو الرجم بالحجارة.

ثم قال لهم (وان لم تؤمنوا لي فاعتزلون) أي لم تؤمنوا بي، فاللام بمعنى الباء ومعناه وإن لم تصدقوني في أني رسول الله اليكم وأن ما ادعوكم اليه حق يجب عليكم العمل به فلا أقل من أن تعتزلون بصرف أذاكم عني، لانكم إن لا تجاوزا الاحسان بالاحسان، فلا اساء‌ة.

وإنما دعاهم إلى ترك ملابسته بسوء إن اصروا على الكفر ولم يقبلوا إلى الايمان لان هذا أمر يدعو اليه العقل ببديهته ولا يحتاج إلى برهان.

قوله تعالى: (فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون(22) فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون(23) واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون(24) كم تركوا من جنات وعيون(25) وزروع ومقام كريم(26) ونعمة كانوا فيها فاكهين(27) كذلك وأورثناها قوما آخرين(28) فما بكت عليهم السماء والارض وما كانوا منظرين(29))

ثمان آيات بلا خلاف.

قرأ ابوجعفر (فاكهين) بغير الف - ههنا - وفى المطففين. وفي الطور

[231]

وافقه الداجوني وحفص في المطففين.

حكى الله تعالى أن موسى حين يئس من قومه ان يؤمنوا به (دعا) الله (ربه) فقال (إن هؤلاء قوم مجرمون) وقيل إنه دعا بما يقتضيه سوء افعالهم وقبح إجرامهم وسوء معاملتهم له، فكأنه قال: اللهم عجل لهم بما يستحقونه باجرامهم ومعاصيهم بما به يكونون نكالا لمن بعدهم، وما دعا بهذا الدعاء إلا بعد إذن الله له في الدعاء عليهم.

وقوله (فاسر بعبادي) الفاء وقعت موقع الجواب، وتقديره فدعا فأجيب بأن قيل له (فاسر بعبادي) فهي عطف وقع موقع جواب الدعاء. وأمره الله تعالى بأن يسير بأهله والمؤمنين به لئلا يروهم إذا خرجوا نهارا، واعلمه (إنكم متبعون) أنه سيتبعهم فرعون وقومه ويخرجون خلفهم، وامره بأن (يترك البحر رهوا) أي ساكنا على ماهو به من كثرته إذا قطعه، ولا يرده إلى ما كان ويقال: عيش راه إذا كان خفضا وادعا.

وقال قوم: معناه اترك البحر يبسا.

وقيل: طريقا يابسا.

وقال ابن الاعرابي: معناه واسعا ما بين الطاقات.

وقال خالد ابن خيبري: معناه رمثا أي سهلا ليس برمل ولا حزن. ذكره الازهري يقال: جاء الخيل رهوا أي متتابعة. وقال ابن الاعرابي الرهو من الخيل والطير السراع.

وقال العكلي: المرهي من الخيل الذي تراه كأنه لا يسرع، وإذا طلب لا يدرك، ويقال: أعطاه سهوا رهوا أي كثيرا لا يحصى. وإنما قيل ذلك، لانه كان أمره أولا ان يضرب البحر بعصاه ليفلق فيه طرقا لقومه ثم أمره بأن يتركه على الحالة الاولى ليغرق فيه فرعون وجنده، قال الشاعر:

طيرا رأت بازيا نضح الدماء به *** وأمة اخرجت رهوا إلى عيد(1)

أي سكونا على كثرتهم.

___________________________________

(1) تفسير الطبري 25 / 67

[232]

ثم اخبره عن فرعون وقومه ب‍ (إنهم جند مغرقون) أي سيغرقهم الله. وفي الكلام حذف، لان تقديره ان موسى سار بقومه وتبعه فرعون وجنده وأن الله أهلكهم وغرقهم.

ثم اخبر عن حالهم بأن قال (كم تركوا من جنات) يعني من بساتين لهم تركوها لم تنفعهم حين نزل بهم عذاب الله (وعيون) جارية لم تدفع عنهم عقاب الله (وزروع جمع زرع ومقام كريم) قيل: هو المجلس الشريف. وقيل: مقام الملوك والامراء والحكماء. وقيل: المنازل الحسنة.

وقال قتادة: يعني مقام حسن بهج.

وقال مجاهد وسعيد بن جبير: هي المناظر. وقيل: المنابر.

وقيل: المقام الكريم هو الذي يعطي اللذة، كما يعطي الرجل الكريم الصلة (ونعمة كانوا فيها فاكهين)، فالنعمة - بفتح النون - التنعيم - وبكسرها - منفعة يستحق بها الشكر، وإن كانت مشقة، لان التكليف نعمة وإن كانت فيه مشقة. ومعنى الآية انهم كانوا متمتعين. فالفاكة المتمتع بها بضروب اللذة، كما يتمتع الآكل بضروب الفاكة، يقال: فكه يفكه فكها، فهو فاكه، وفكه وتفكه يتفكه تفكها، فهو متفكه.

وقوله (كذلك وأورثناها قوما آخرين) فتوريثه النعمة إلى الثاني بعد الاول بغير مشقة كما يصير الميراث إلى أهله على تلك الصفة، وتوريث العلم شبه بذلك، لان الاول تعب في إستخراجه وتوطئة الدلالة المؤدية اليه، ووصل إلى الثاني وهو رافه وادع، لم يكل لطول الفكر وشدة طالب العلم، فلما كانت نعمة قوم فرعون وصلت بعد هلاكهم إلى غيرهم، كان ذلك توريثا من الله لهم.

قال قتادة: يعني بقوم آخرين بني اسرائيل، لان بني اسرائيل رجعوا إلى مصر بعد هلاك فرعون على ما قيل، وكذلك قال في موضع آخر (وأورثناها بني اسرائيل)(1).

___________________________________

(1) سورة 26 الشعراء آية 60

[233]

وقوله (فما بكت عليهم السماء والارض) قيل في معناه ثلاثة اقوال: احدها - قال الحسن فما بكى عليهم - حين اهلكهم الله - أهل السماء واهل الارض، لانهم مسخوط عليهم مغضوب عليهم بانزال الخزي بهم.

الثاني - إن التقدير ان السماء والارض لو كانتا ممن يبكى على أحد إذا هلك لما بكتا على هؤلاء، لانهم ممن أهلكهم الله بالاستحقاق وانزل عليهم رجزا بما كانوا يكفرون.

والعرب تقول: إذا أرادت أن تعظم موت إنسان: اظلمت الشمس وكسف القمر لفقده وبكت السماء والارض، وإنما يريدوا المبالغة قال الشاعر:

الريح تبكي شجوها *** والبرق يلمع في الغمامه(1)

وقال آخر:

والشمس طالعة ليست بكاسفة *** تبكي عليك نجوم الليل والقمر(2)

الثالث - انهم لم يبك عليهم ما يبكى على المؤمن إذا مات، مصلاه ومصعد علمه - ذكره ابن عباس وابن جبير - ومعناه لم يكن لهم عمل صالح.

وقال السدي: لما قتل الحسين عليه السلام بكت السماء عليه وبكاؤها حمرة أطرافها.

وقال الحسن: ما بكى عليهم المؤمنون والملائكة، بل كانوا بهلاكهم مسرورين.

وقوله " وما كانوا منظرين " أي عوجلوا بالعقوبة ولم يمهلوا.

___________________________________

(1) تفسير القرطبى 61 / 140 نسبه إلى يزيد بن يربوع الحميرى، وقد مر في 2 / 400.

(2) تفسير القرطبى 16 / 140 نسبه إلى جرير

[234]

قوله تعالى: (ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين(30) من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين(31) ولقد اخترناهم على علم على العالمين(32) وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاؤا مبين(33) إن هؤلاء ليقولون(34) إن هي إلا موتتنا الاولى وما نحن بمنشرين(35) فأتوا بآباثنا إن كنتم صادقين(36))

سبع آيات كوفي وست في ما عداه، عد الكوفيون " ليقولون " ولم يعده الباقون.

اقسم الله تعالى أنه نجى أي خلص بني اسرائيل الذين آمنوا بموسى من العذاب المهين الذي كان يفعله بهم فرعون وقومه لانهم كانوا استعبدوهم، وكانوا يكلفونهم المشاق ويحملوهم القذارات ويكلفونهم كنسها وتنظيفها وغير ذلك، فخلصهم الله تعالى حين أهلك فرعون وقومه ووفقهم للايمان بموسى.

ثم اخبر تعالى ان فرعون كان عاليا من المسرفين أي متجبرا متكبرا من المسرفين في الارض الذين يتجاوزون حد ما يجوز فعله إلى مالا يجوز فعله استكبارا وعلوا وعتوا، يقال: اسرف يسرف اسرافا فهو مسرف، ومثله الافراط، وضده الاقتار، وإنما وصف المسرف بأنه عال، وإن كان وصف عال قد يكون صفة مدح، لانه قيده بأنه عال في الاسراف، لان العالي في الاحسان ممدوح والعالي في الاسراف مذموم، واطلاق صفة عال تعظيم، وإذا اطلق فالمدح به أولى.

ثم اخبر تعالى مقسما بأنه اختارهم يعني موسى وقومه على علم على العالمين، فالاختيار هو اختيار الشئ على غيره بالارادة له لتفضيله عليه. ومثله الايثار، وليس في مجرد الارادة تفضيل شئ على غيره، لانه قد يمكن أن يريد شيئا من غير أن يخطر بباله ما هو فيه أولى منه في العقل، فلا يكون اختياره تفضيلا. وإما ان يريد الاولى ولا يدري انه أولى، فيختاره عليه لجهله بأنه أولى او يختاره وهو يعلم انه غير

[235]

أولى، ويختاره لحاجته اليه من جهة تعجل النفع به، ومن اختار الادون في الصلاح على الاصلح كان منقوصا مذموما، لانه بمنزلة من اختار القبيح على الحسن.

وقيل: المعنى اخترناهم على عالمي زمانهم بدلالة قوله لامة نبينا " كنتم خير أمة اخرجت للناس "(1) وذلك يوجب انه ما اختارهم على من هو خير منهم، وإنما اختارهم على من هو في وقتهم من العالمين.

وقال قتادة، ومجاهد: على عالمي زمانهم.

وإنما قال " اخترناهم على علم على العالمين " بما جعل فيهم من الانبياء الكثيرين، فهذه خاصة لهم ليست لغيرهم، لما في العلوم من مصالح المكلفين بأنبيائهم.

ثم بين ما بن اختارهم بأن قال " وآتيناهم " يعني أعطيناهم " من الآيات " يعني الدلالات والمعجزات " ما فيه بلاء مبين " قال الحسن: يعني ما فيه النعمة الظاهرة.

قال الفراء: البلاء قد يكون بالعذاب، وقد يكون بالنعمة، وهو ما فعل الله بهم من إهلاك فرعون وقومه، وتخليصهم منه وإظهار نعمه عليهم شيئا بعد شئ.

ثم اخبر تعالى عن كفار قوم نبينا صلى الله عليه واله فقال " ان هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الاولى " أي ليس هذا الا الموتة الاولى " وما نحن " أي لسنا بعدها بمبعوثين ولا معاد بن " بمنشرين " ويقولون " فأتوا بآبائنا " الذين ماتوا قبلنا واعيدوهم " ان كنتم صادقين " في ان الله تعالى يقدر على اعادة الاموات واحيائهم لان من قدر على النشأة الثانية قدر على اعادة الآباء، وهذا باطل لان النشأة الثانية انما وجبت للجزاء لا للتكليف، فلا تلزم اعادة الآباء ولا تجب.

___________________________________

(1) سورة 3 آل عمران آية 110

[236]

قوله تعالى: (أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين(37) وما خلقنا السموات والارض وما بينهما لا عبين(38) ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون(39) إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين(40))

أربع آيات بلا خلاف.

ان قيل: لم لم يجابوا عن شبهتهم في الآية، ولم يبين لهم أن ذلك لا يلزم، وما الوجه في جوابهم؟ " أهم خير أم قوم تبع " قلنا: من تجاهل في الحجاج الذي يجري مجرى الشغب الذي لا يعتقد بمثله مذهب لنفي الشبهة فيه، فانه ينبغي أن يعدل عن مقابلته إلى الوعظ له بما هو اعود عليه، فلذلك عدل تعالى معهم إلى هذا الوعيد الشديد، وقال " أهم " هؤلاء الكفار " خير أم قوم تبع والذين من قبلهم " فانا " اهلكناهم " لما جحدوا الآيات وكفروا بنعم الله وارتبكوا معاصيه فما الذي يؤمن هؤلاء من مثل ذلك.

وقيل: تبع الحميري كان رجل من حمير سار بالجيوش إلى الحيرة حتى حيرها، ثم أتى سمرقند فهدمها، وكان يكتب باسم الذي ملك بحرا وبرا وضحا وريحا، ذكره قتادة.

وقال سعيد بن جبير وكعب الاخبار ذم الله قومه، ولم يذمه ونهى أن يسب.

وحكى الزجاج: ان تبعا كان مؤمنا، وان قومه كانوا كافرين.

وقيل: انه نظر إلى كتاب على قبرين بناحية حمير (هذا قبر رضوي وقبر جي ابني تبع لا يشركان بالله شيئا) وقيل: سمي تبعا، لانه تبع من كان قبله من ملوك اليمن. والتبايعة اسم ملوك اليمن.

ثم قال تعالى " وما خلقنا السموات والارض وما بينهما لا عبين " أي لم نخلق ذلك لا لغرض حكمي بل خلقناهم لغرض حكمي، وهو ان ننفع به المكلفين

[237]

ونعرضهم الثواب وننفع الحيوان بالمنافع لهم فيها واللذات. وفي الآية دلالة على من انكر البعث، لانه لو كان على ما توهموه انه لا يجر به إلى الجزاء في دار أخرى مع ما فيه من الالم لكان لعبا، لانه ابتدأ باختيار ألم لا يجر به إلى عوض.

ثم قال تعالى " وما خلقناهما " يعني السموات والارض " الا بالحق " قال الحسن معناه الا للحق الذى يصل اليه في دار الجزاء. وقيل فيه قولان آخران: احدهما - ما خلقناهما الابداعي العلم إلى خلقهما، والعلم لا يدعو الا إلى الصواب. الثاني - وما خلقناهما الا على الحق الذى يستحق به الحمد خلاف الباطل الذى يستحق به الذم.

ثم قال " ولكن اكثرهم لا يعلمون " بصحة ما قلناه لعدو لهم عن النظر فيه، والاستدلال على صحته. وفي ذلك دلالة على بطلان قول من قال: المعارف ضرورية، لانها لو كانت لما نفى تعالى علمهم بذلك.

ثم قال تعالى " ان يوم الفصل ميقاتهم اجمعين " يعني اليوم الذى يفصل فيه بين المحق والمبطل بما يضطر كل واحد منهما إلى حاله من حقه او باطله فيشفي صدور المؤمنين ويقطع قلوب الكافرين بما يرون من ظهور الامر وانكشافه، وهو يوم القيامة، وبين انه ميقات الخلق أجمعين وهو من له ثواب وعوض او عليه عقاب يوصله اليه.

[238]

قوله تعالى: (يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون(41) إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم(42) إن شجرت الزقوم(43) طعام الاثيم(44) كالمهل يغلي في البطون(45) كغلي الحميم(46) خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم(47) ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم(48) ذق إنك أنت العزيز الحكيم(49) إن هذا ما كنتم به تمترون(50))

عشر آيات كوفي وبصري وتسع في ما عداه، عد الكوفيون والبصريون " الزقوم " ووافقهم عليه الشاميون والمدني الاول. وعد أيضا العراقيون " يغلي في البطون " ووافقهم عليه المكبون والمدني الاخير.

قرأ " يغلي " بالياء كثير وابن عامر وحفص عن عاصم. الباقون بالتاء. من قرأ بالياء رده إلى المهل. ومن قرأ بالتاء رده إلى الشجرة.

قال ابوعلي: من قرأ بالياء حمله على الطعام، لان الطعام هو الشجرة في المعنى ألا ترى انه خبر الشجرة والخبر هو المبتدأ بعينه إذا كان مفردا في المعنى، ولا يحمل على (المهل) لان المهل إنما ذكر ليشبه به في الذوق، لان التقدير إن شجرة الزقوم طعام الاثيم تغلي في البطون كالمهل على الحميم. لما ذكر الله تعالى أن يوم الفصل ميقات الخلق يحشرهم الله فيه ويفصل بينهم بالحق أي يوم هو؟ فوصفه انه " يوم لا يغني فيه مولى عن مولى شيئا "، لان الله تعالى أيأس من ذلك، لما علم فيه من صلاح العباد، ولولا ذلك لجاز أن يغرى.

والمعنى إنه ليس لهم من ينتصر لهم من عقاب الله تعالى، فلا ينافي ذلك ما نقوله: من أنه يشفع النبي والائمة والمؤمنون في إسقاط كثير من عقاب المؤمنين، لان الشفاعة لا تحصل إلا بأمر الله واذنه. والمراد في الآية أنه ليس لهم من يغني عنهم

[239]

من غير أن يأذن الله له فيه على وجه الدفع عنه والنصر له، وبين ذلك بقوله " ولاهم ينصرون " والمولى - ههنا - الصاحب الذي شأنه أن يتولى معونة صاحبه على أموره، فيدخل في ذلك ابن العم والحليف وغيره ممن هذه صفته وقد استثنا ما اشرنا اليه بقوله " إلا من رحم الله " فان من يرحمه الله اما أن يسقط عقابه ابتداء او يأذن في إسقاط عقابه بالشفاعة فيه.

ثم وصف نفسه بأنه القادر الذي لا يغلب ولا يقهر بدفع العقاب عمن يريد فعله به " الرحيم " أي المنعم لمن يريد العفو عنه باسقاط عقابه.

ثم اخبر تعالى " إن شجرة الزقوم طعام الاثيم " الذي يستحق العقاب بمعاصيه وعنى به - ههنا - أبوجهل، فالزقوم ما أكل بتكره شديد له، لانه يخشو به فمه ويأكله بشره شديد، ولهذا حكي عن أبي جهل انه أتى بتمر وزبد، فقال: نحن نتزقم هذا أي نملا به أفواهنا فما يضرنا. ثم شبه ذلك بأنه مثل المهل، وهو الشئ الذي يذاب في النار حتى يشتد حره كالفضة والرصاص وغيرهما مما يماع بالنار، وهو مهل، لانه يمهل في النار حتى يذوب.

وقال ابن عباس: المهل ما أذيب بالنار كالفضة، وهو قول ابن مسعود وروي عن ابن عباس ايضا أن المهل دردي الزيت في النار. ثم وصف (المهل) بأنه " يغلي في البطون " من حرارته، كما يغلي الحميم وهو الماء المغلي على النار، فالمهل يغلي في بطون أهل النار، كما يغلي الماء بحر الايقاد والغلي إرتفاع المائع من الماء ونحوه بشدة الحرارة. والحميم الحار ومنه أحم الله ذلك من لقاء أي ادناه وقربه لان ما حم فللا سراع وما برد فللا بطاء، ومنه حمم ريش الطائر إذا قرب خروجه. ثم بين أنه تعالى يأمر الملائكة بأن يأخذوا الكافر وأن يعتلوه " إلى سواء الجحيم " يعني إلى وسطه.

[240]

والعتل زعزعة البدن بالجفاء والغلظة للاهانة، فمعنى " اعتلوه " اعملوا به هذا العمل، ومنه العتل، وهو الجافى الغليظ يقال: عتله يعتله ويعتله عتلا إذا ساقه دفعا وسحبا.

قال الفرزدق:

ليس الكرام بنا حليك إباء‌هم *** حتى ترد إلى عطية تعتل(1)

و " سواء الجحيم " وسطه - في قول قتادة - وسمي وسط الشئ سواء، لا ستواء المسافة بينه وبين أطرافه المحيطة به، والسواء العدل كقولهم: هذا سواء بيننا وبينكم أي عدل. ثم بين تعالى أنه يأمرهم بأن يصبوا فوق رأس الكافر من عذاب الحميم. وهو ما فسرناه. ثم يخاطبه فيقول له " ذق إنك أنت العزيز الكريم " على وجه التهجين له بما كان يدعي له مما ليس به أي أنت كذلك عند نفسك وقومك. ويجوز ان يكون على معنى النقيض، كأنه قيل: إنك انت الذليل المهين إلا أنه قيل: على تلك الجهة للتبعيد منها على وجه الاستخفاف به.

وقيل إن الآية نزلت في أبي جهل، وقد كان قال: (أنا أعز من بها وأكرم) - ذكره قتادة - وقيل: المعنى أنت الذي كنت تطلب العز في قومك والكرم بمعصية الله. وقيل: المعنى إنك انت العزيز في قومك، الكريم عليهم، فما أغنى عنك. ثم قال " إن هذا " يعني العذاب " ما كنتم به تمترون " أي تشكون فيه في دار الدنيا.

وفى الآية دلالة على بطلان قول من قال المعارف ضرورة.

وقرأ الكسائي " ذق أنك " بفتح الهمزة بمعنى لانك أنت العزيز أو بأنك الباقون - بكسر الهمزة - على وجه الابتداء بالخبر عنه، ويكون التقدير ذق العذاب. ثم ابتدأ إنك. وقرأ " فاعتلوه " - بضم التاء - ابن كثير ونافع وابن عامر. الباقون بكسر التاء وهما لغتان على ما حكيناه.

___________________________________

(1) تفسير الطبرى 25 / 73

[241]

قوله تعالى: (إن المتقين في مقام أمين(51) في جنات وعيون(52) يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين(53) كذلك وزوجناهم بحور عين(54) يدعون فيها بكل فاكهة آمنين(55) لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الاولى ووقيهم عذاب الجحيم(56) فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم(57) فانما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون(58) فارتقب إنهم مرتقبون(59))

تسع آيات بلا خلاف.

قرأ ابن عامر ونافع " في مقام " بضم الميم، وهو موضع الاقامة. الباقون بفتح الميم، وهو موضع القيام.

لما اخبر الله تعالى عن الكفار وما يفعله بهم من انواع العقاب، أخبر عن حال المطيعين وما أعده لهم من الثواب، فقال " إن المتقين " يعني الذين يجتنبون معاصيه لكونها قبائح، ويفعلون طاعاته لكونها صاعة " في مقام أمين " أي موضع إقامة - فيمن ضم الميم - ومن فتحها يريد أنهم في موضع قيامهم، ووصفه بأنهم في " مقام أمين " من كل ما يخاف، وليس هذا في الدنيا، لانه لا يخلو منها احد من موقف خوف من مرض او أذى او غير ذلك.

ثم بين ذلك المقام فقال " في جنات " يعني بساتين تجنها الاشجار " وعيون "

[242]

ماء نابعة فيها " يلبسون من سند واستبرق " فالسندس الحرير - في قول الحسن. والاستبرق الديباج الغليظ - في قول قتادة - وإنما رغبهم في ذلك بحسب ما كانوا يعرفونه، وإن كان - ههنا - ما هو ارفع منها واحسن " متقابلين " أي يقابل بعضهم بعضا بالمحبة، لا متدابرين بالبغضة.

ثم قال ومثل ما فعلنا بهم " كذلك زوجناهم بحور عين " فالحور جمع حوراء من الحور، وهو شدة البياض.

وقال قتادة " بحور " أي ببيض، ومنه الحور لبياضه، وحورته أي بيضته من حار يحور أي رجع إلى الحالة الاولى كما يرجع إلى حال الابيض، ومنه المحور " والعين " جمع عيناء وهي الواسعة العين الحسنة، وكذلك لهم في حكم الله.

وقال الحسن: العيناء الشديدة السواد سواد العين، الشديدة البياض بياضها " يدعون فيها بكل فاكهة آمنين " أي يستدعون أي ثمرة شاؤا غير خائفين فوتها.

ثم قال " لا يذوقون فيها " يعني في الجنة " الموت إلا الموتة الاولى " شبه الموت بالطعام الذي يذاق وينكر عند المذاق. ثم نفى ذلك، وانه لا يكون ذلك في الجنة، وإنما خصهم بأنهم لا يذوقون الموت مع أن جميع الحيوان يوم القيامة لا يذوقون الموت، لما في ذلك من البشارة لهم بانتهاء ذلك إلى الحياة الهنيئة في الجنة، فأما من يكون فيها هو كحال الموت في الشدة، فلا يطلق له هذه الصفة، لانه يموت موتات كثيرة بما يلاقي ويقاسي من الشدة، واما غير المكلفين، فليس مما يعقل، فتلحقه هذه البشارة وإن عم ذلك اهل الجنة.

وقوله " إلا الموتة الاولى " قيل ان (إلا) بمعنى (بعد) كأنه قال بعد الموتة الولى.

وقيل: معنى (إلا) سوى كأنه قال: سوى الموتة الاولى.

وقيل: إنها بمعنى (لكن) وتقديره لكن الموتة الاولى قد ذاقوها.

وقال الجبائي: هذا حكاية حال المؤمنين في الآخرة، فلما اخبرهم بذلك في الدنيا، وهم لم يذوقوا بعد

[243]

الموت جاز أن يقال لا يذوقون الموت في المستقبل إلا الموتة الاولى يخرجون بها من دار التكليف، وهذا ضعيف، لان في ذلك خبر عن حكمهم في الجنة وأنهم لا يذوقون فيها الموت ثم استثنى من ذلك الموتة الاولى، وكيف يرد إلى دار الدنيا؟ ! وحقيقة (إلا) إخراج بعض عن كل وحقيقة (بعد) إخراج الثاني عن الوقت الاول.

وقوله " ووقاهم عذاب الجحيم " أي يصرف عنهم عذاب النار، وليس في ذلك ما يدل على أن الفاسق إلملي لا يعذب ويخرج من النار، من حيث أنه لا يكون قد وقي النار، لانه يحتمل أمرين: احدهما - ان يكون ذلك مخصوصا بمن لا يدخل النار ممن لا يستحقه او بمن عفي عنه. والثاني - ان يكون المراد " ووقاهم عذاب الجحيم " على وجه التأييد او على الوجه الذي يعذب عليه الكفار. ثم بين أن ذلك فضل من الله، ونصبه على المصدر، وتقديره فضل فضلا منه تعالى. واخبر بأن " ذلك هو الفوز العظيم " يعني الفلاح العظيم. ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله " إنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون " يعنى باللغة العربية ليفقهوه ويتفكروه فيه، فيعلموا ان الامر على ما قلناه. ثم أمره صلى الله عليه واله فقال " فارتقب " أي انتظر يا محمد مجئ ما وعدتك به " إنهم منتظرون " ايضا وهو قول قتادة، وإنما قال فيهم " إنهم منتظرون " لانهم في مثل حال المنتظر في انه سيأتيه عاقبة حاله كما يأتي المنتظر.


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/books/index.php?id=1299
  • تاريخ إضافة الموضوع : 0000 / 00 / 00
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 10 / 01