• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم / المكتبة .
              • الكتاب : التبيان في تفسير القرآن ( الجزء الخامس) ، تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي .
                    • الموضوع : سورة براءة من ( آية 111 ـ آخر السورة ) .

سورة براءة من ( آية 111 ـ آخر السورة )

[305]

قوله تعالى: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التورية والانجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم(111)

آية

قرأ حمزة والكسائي " فيقتلون ويقتلون " على مفعول وفاعل. الباقون على فاعل ومفعول. من قدم الفعل المسند إلى الفاعل، فلانهم يقتلون اولا في سبيل الله ويقتلون، ولا يقتلون اذا قتلوا. ومن قدم الفعل المسند إلى المفعول جاز أن يكون اراد ذلك المعنى ايضا لان المعطوف بالواو يجوز أن يراد به التقديم وان لم يقدر ذلك كأن المعنى يقتل بعضهم ويقتل من بقي منهم بعد قتل من قتل منهم، كما أن قوله " فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله "(1) ومعناه ماوهن من بقي منهم لقتل من قتل من المؤمنين. وحقيقة الاشتراء لانجوز على الله تعالى، لان المشتري انما يشتري ما لا يملك، والله تعالى مالك الاشياء كلها.

وانما هو كقوله " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا "(2) في أنه اجري بحسن المعاملة والتلفظ في الدعاء إلى الطاعة مجرى مالا يملكه المعامل فيه، ولما كان الله تعالى رغب في الجهاد وقتال الاعداء وضمن على ذلك الثواب عبر عن ذلك بالاشتراء.

فجعل الثواب ثمنا والطاعات مثمنا على ضرب من المجاز، وكما أن في مقابلة الطاعة الثواب فكذلك في مقابلة الالم العوض غير أن الثواب مقترن بالاجلال والاكرام، والعوض خال منهما، والمثاب محسن مستحق على احسانه المدح وليس كذلك المعوض.

___________________________________

(1) سورة 3 آل عمران آية 146.

(2) سورة 2 البقرة آية 245

[306]

أخبر الله تعالى أنه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بما ضمن لهم على بذلها من الثواب في قوله " بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله " اعداء الله واعداء نبيه فيقتلون اعداء الله ويقتلهم اعداء الله فيصبرون على ذلك. ومن قدم المفعول اراد يقتل بعضهم، فيقتل الباقون أعداء الله.

وقوله " وعدا عليه حقا " نصب (وعدا) على المصدر بما دل عليه اشترى اذ يدل على أنه وعد، ومثله " صنع الله الذي أتقن كل شئ "(1) و " فطرة الله التي قطر الناس عليها "(2) والوعد خبر بما يفعله المخبر من الخير بغيره. والوعيد خبر بما الناس عليها "(2) والوعد خبر بما يفعله المخبر من الخير بغيره. والوعيد خبر بما يفعله المخبر من الشر بغيره.

وقوله " حقا " معناه يتبين الوعد بالحق الواجب من الوعد بما لم يكن واجبا. فالوعد بالثواب دل على وجوبه من وجهين: احدهما - من حيث انه جزاء على الطاعة. والثاني - أنه إنجاز الوعد.

وقوله " في التوراة والانجيل والقرآن " معناه إن هذا الوعد للمجاهدين مذكور في هذه الكتب. قال الزجاج: وذلك يدل على أن. الجهاد كان واجبا على أهل كل ملة.

وقوله " ومن اوفى بعهده من الله؟ ! " معناه لاأحد أحق بالوفاء بالعهد من الله " فاستبشروا " ايها المؤمنون " ببيعكم الذي يايعتم به وذلك هو الفوز العظيم " يعني ذلك الشراء والبيع هو الفلاح العظيم الذي لا يقارنه شئ.

قوله تعالى: ألتائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الامرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين(112)

آية.

قيل في ارتفاع قوله " التائبون " ثلاثة اقوال: احدها - انه ارتفع بالمدح والتقدير هم التائبون.

___________________________________

(1) سورة 27 النمل آية 88.

(2) سورة 30 الروم آية 30

[307]

الثاني - بالابتداء وخبره محذوف بعد قوله: " والحافظون لحدود الله " لهم الجنة.

الثالث - على أن يكون بدلا من الضمير في " يقاتلون " أي إنما يقاتل في سبيل الله من هذه صفته.

وقيل هو كقوله " لكن الرسول والذين آمنوا معه(1).. التائبون " وقرأ أبي كل ذلك بالنصب على أنه صفة للمؤمنين.

وصف الله تعالى المؤمنين الذين اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأنهم التائبون ومعناه الراجعون إلى طاعة الله المنقطعون اليه والنادمون على ما فعلوه من قبيح " العابدون " اي يعبدون الله وحده لاشريك له " الحامدون " يعني الشاكرون لنعم الله عليهم على وجه الاخلاص له.

وقال الحسن: هم الذين يحمدون الله على كل حال في سراء كانوا او ضراء، وبه قال قتادة: " السائحون " قيل معناه الصائمون.

وقال المؤرج: السائحون الصائمون بلغة هذيل.

وروي عن النبي صلى الله عليه واله انه قال (سياحة امتي الصوم) وهو قول ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد.

وقال الحسن: هم الذين يصومون ما افترض الله عليهم.

وقال غيره: هم الذين يصومون دائما وكذلك قال في قوله " الراكعون الساجدون " انهم الذين يؤدون ما افترض الله عليهم من الصلاة والركوع والسجود. وأصل السيح الاستمرار بالذهاب في الارض كما يسيح الماء فالصائم مستمر على الطاعة في ترك المشتهى من المآكل والمشارب والمنكح.

وقوله " الراكعون الساجدون " معناه الذين يقيمون التي فيها الركوع والسجود " الامرون بالمعروف والناهون عن المنكر " معناه الذين يأمرون بما امر الله به من الواجبات والمندوبات وينهون عما نهى الله عنه وزهد فيه من القبائح. وانما عطف الناهون بالواو دون غيره من الصفات لانه لايكاد يذكر على الافراد بل يقال: الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فجاء‌ت الصفة مصاحبة للاولى، فأما

___________________________________

(1) سورة 9 التوبة آية 89

[308]

قوله " والحافظون " فلانه جاء وهو أقرب إلى المعطوف، ومعنى " الحافظون لحدود الله " انهم يحفظون ما أمر الله به ونهى عنه فلا يتجاوزونه إلى غيره.

وقوله: " وبشر المؤمنين " امر للنبي صلى الله عليه واله ان يبشر المؤمنين المصدقين بالله المعترفين بنبوته بالثواب الجزيل والمنزلة الرفيعة وخاصة إذا جمعوا هذه الاوصاف على كمالها وتمامها دون غيرهم.

قوله تعالى: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم(113)

آية.

أخبر الله تعالى أنه لم يكن " للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا " ومعناه أن يطلبوا المغفرة " للمشركين " الذين يعبدون مع الله إلها آخر والذين لايوحدونه ولايقرون بالاهيته " وان كان " الذي يطلب لهم المغفرة أقرب الناس اليهم بعد أن يعلموا أنهم كفار مستحقون للخلود في النار. والقربى معناه القرب في النسب بالرجوع إلى أب أو أم باضافة قريبة.

ومعنى قوله " ولو كانوا أولي قربى " أي القرابة وإن دعت إلى الحنو والرقة، فانه لا يلتفت إلى دعائها في الخصلة التي نهى الله عنها.

قوله تعالى: وما كان استغفار إبراهيم لابيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لاوّاه حليم(114)

آية.

[309]

لما ذكر الله تعالى أنه ليس للنبي والذين آمنوا أن يطلبوا المغفرة للمشركين بين الوجه في استغفار ابراهيم لابيه مع أنه كان كافرا سواء كان أباه الذي ولده او جده لامه أو عمه على ما يقوله أصحابنا.

وهو أن قال: وجه حسن ذلك أنه كان تقدم ذلك موعدة، فلاجلها وجب عليه الوفاء به.

وقيل في معنى الموعدة التي كانت عليه في حسن الاستغفار قولان: احدهما - ان المواعدة كانت من ابي إبراهيم لابراهيم أنه يؤمن إن استغفر له فاستغفر له لذلك وطلب له الغفران بشرط أن يؤمن " فلما تبين له " بعد ذلك " أنه عدو لله تبرأ منه ". والثاني - أن الوعد كان من ابراهيم بالاستغفار مادام يطمع في الايمان كما قال " إلا قول ابراهيم لابيه لاستغفرن لك وما أملك لك من الله من شئ "(1) فاستغفر له على مايصح ويجوز من شرائط الحكمة " فلما تبين له انه عدو لله " وآيس من ايمانه " تبرأ منه ".

والذي عندي وهو الاقوى أن أباه أظهر له الايمان وصار اليه، وكان وعده أن يستغفر له إن آمن أظهر الايمان استغفر له، فأعلمه الله ان ما ظهر منه بخلاف ما يبطنه " فتبرأ منه " ويقوي ذلك قوله " واغفر لابي إنه كان من الضالين "(2) اي فيما مضى، ويجوز أن يكون أظهر الكفر بعد ذلك فلما تبين ذلك تبرأ منه.

فأما من قال: إن الوعد كان من ابراهيم فالسؤال باق لان لقائل أن يقول ولم وعد كافرا أن يستغفر له؟ فان قلنا: وعده بأن يستغفر له إن آمن كان الرجوع إلى الجواب الاخر. والعداوة هي الابعاد من النصرة إلى اعداد العقوبة. والولاية التقريب من النصرة من غير فاصلة بالحياة والكرامة.

وقوله " إن ابراهيم لاواه حليم " قيل في معنى " أواه " ثمانية اقوال: فقال ابن عباس في معنى (اواه) تواب.

وقال ابن مسعود: معناه دعاء.

وقال الحسن وقتادة: معناه رحيم.

وقال مجاهد: معناه موقن.

___________________________________

(1) سورة 60 الممتحنة آية 4.

(2) سورة 26 الشعراء آية 86

[310]

وقال كعب: معناه اذا ذكر النار قال أوه.

وقال الضحاك: معناه المؤمن الموقن بالخشية الرحيم.

وقال آخرون: معناه فقيه.

وقال ابوعبيدة: معناه المتوجع المتضرع إلى الله خوفا وإشفاقا.

وأصل الاواه من التأوه وهو التوجع والتحزن تقول، تأوه تأوها وأوه تأويها، قال المثقب العبدي:

إذا ما قمت أرحلها بليل *** تأوه آهة الرجل الحزين(1)

والعرب تقول: أوه من كذا بكسر الواو وتسكين الهاء قال الشاعر:

فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها *** ومن بعد أرض دونها وسماء(2)

والعامة تقول: أوه يقال ايضا أوه بكسر الواو وكسر الهاء وينشد البيت المتقدم.

ذكره كذلك، وقال الجعدي:

صروح مروح يتبع الورق بعدما *** يعرس شكوى آهة وتنمرا(3)

وقال الراجز: فأوه الداعي وضو ضاء أكلبه(4) ولو جاء منه (فعل يفعل) لكان آه يؤوه أوها على وزن (قال يقول قولا) والحليم هو المهمل على وجه حسن. والحلم الامهال على ما تقتضيه الحكمة. وهي صفة مدح. والله حليم عن العصاة بأمهاله لهم مع قدرته على تعجيل عقوبتهم وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: إنما تبين عداوته لما مات على كفره.

وقال ابوعلي الجبائي: لما آيس من فلاحه عند تصميمه على بعد الوعد في الايمان بالله الذي كان وعد باظهاره في وقت بعينه.

___________________________________

(1) ديوانه: 29 ومجاز القرآن 1 / 270 واللسان (أوه) وتفسير الطبري 14 / 535 يصف ناقته بأنها تحن إلى الديار.

(2) اللسان (أوه) والطبري 14 / 535.

(3) ديوانه: 33، 52 وجمرة أشعار العرب: 146 والطبري 14 / 534 ويروى (خنوف) و (ظروح) و (طروح) بدل (صروح).

(4) تفسير الطبري 14 / 535

[311]

قوله تعالى: وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هديهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شئ عليم(115)

آية.

قال مجاهد: وجه اتصال هذه الاية بما قبلها هو أنه لما حرم الله تعالى على المؤمنين الاستغفار للمشركين بين أنه لم يكن الله ليآخذكم به إلا بعد ان يدلكم على تحريمه وأنه يجب عليكم أن تتقوه.

وقوله " ليضل قوما " معناه - هاهنا - لم يكن الله ليحكم بضلال من عدل عن طريق الحق على وجه الذم له إلا بعد أن ينصب له على ذلك الدليل، والهدى هو الحكم بالاهتداء إلى الحق على وجه الحمد له. والبيان والبرهان والحجة والدلالة بمعنى واحد، وفرق الرماني بين البيان والبرهان، فقال: البيان إظهار المعنى في نفسه بمثل اظهار نقيضه. والبرهان اظهار صحته بما يستحيل في نقيضه كالبيان عن معنى قدم الاجسام ومعنى حدوثها، فالبرهان يشهد بصحة حدوثها وفساد قدمها.

وقال مجاهد: معناه حتى يبين لهم ما يتقون من ترك الاستغفار للمشركين لانهم كانوا يستغفرون لهم، فلما نهوا عنه انتهوا.

وقوله " ان الله بكل شئ عليم " معناه انه يعلم جميع المعلومات حتى لايشذ شئ منها عنه لكونه عالما لنفسه.

وقال الحسن: مات قوم من المسلمين على الاسلام قبل فرض الصلاة والزكاة وغيرهما من فرائض الدين.

فقال المسلمون: يا رسول الله اخواننا الذين ماتوا قبل الفرائض ما منزلتهم؟ فقال الله تعالى " وما كان الله ليضل قوما " وهم مؤمنون ولم يبين لهم الفرائض.

[312]

قوله تعالى: إن الله له ملك السموات والارض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير(116)

آية.

وجه اتصال هذه الاية بما قبلها الحض على ما تقدم ذكره من جهاد المشركين ملوكهم وغير ملوكهم، لانهم عبيد من له ملك السماوات والارض يأمر فيهم ما يشاء ويدبرهم على ما يشاء. فأخبر الله ان " له ملك السماوات والارض " ومعناه انه قادر على التصرف فيهما وليس لاحد منعه منهما. والملك اتساع المقدور لمن له السياسة والتدبير. وخزائن الله لاتفنى وملكه لايبيد ولا يبلى، وكل ذلك يرجع إلى مقدوراته في جميع اجناس المعاني.

وقوله " يحيي ويميت " معناه انه يحيي الجماد ويميت الحيوان.

والحياة معنى يوجب كون الحيوان حيا.

والحي المختص بصفة لايستحيل معها كونه عالما قادرا.

والموت عند من اثبته معنى هو ما يضاد الحياة.

ومن لا يثبته معنى، يقول: هو عبارة عن فساد بنية الحياة.

وقوله " ومالكم من دون الله من ولي ولا نصير " فالولي هو المقرب بالنصرة من غير فاصلة. والانسان ولي الله، لانه يقربه بالنصرة من غير فاصلة. والله وليه بهذا المعنى، والنصير والاستنصار طلب النصرة والانتصار والانتصاف بالنصرة.

قوله تعالى: لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤف رحيم(117)

آية.

[313]

قرأ حمزة وحفص " يزيغ " بالياء. الباقون بالتاء.

قال أبوعلي النحوي: يجوز أن يكون فاعل (كاد) احد ثلاثة اشياء: احدها - ان يضمر فيه القصة أو الحديث ويكون (تزيغ) الخبر وجاز ذلك للزوم الخبر لها، فأشبه العوامل الداخلة على الابتداء للزوم الخبر لها، ولا يجوز ذلك في (عسى) لان (عسى) يكون فاعله المفرد في الاكثر ولايلزمه الخبر، نحو قوله " وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم "(1) فاذا كان فاعله المفرد في كثير من الامر لم يحتمل الضمير الذي احتمله (كاد) كما لم تحتمله سائر الافعال التي تسند إلى فاعلها مما لايدخل على المبتدأ. وما يجئ في الشعر من كاد أن يفعل، وعسى يفعل، فلا يعتد به، لانه من ضرورة الشعر.

الثاني - من فاعل (كاد) أن يضمنه ذكرا مما تقدم، ولما كان النبي صلى الله عليه واله والمهاجرون والانصار قبيلا واحدا وفريقا جاز أن يضمر في (كاد) ما يدل عليه ما تقدم ذكره من القبيل والحزب والفريق.

وقال: منهم من حمله على المعنى كما قال " من آمن بالله واليوم الاخر " ثم قال " فلاخوف عليهم "(2) فكذلك فاعل (كاد).

والثالث - من فاعل (كاد) أن يكون فاعلها (القلوب) كأنه بعد ما كاد قلوب فريق منهم تزيغ وإنما قدم (تزيغ) كما قدم خبر كان في قوله " وكان حقا علينا نصر المؤمنين "(3) وجاز تقديمه وإن كان فيه ضمير من القلوب ولم يكن ذلك من الاضمار قبل الذكر، لان النية به التأخير.

ومن قرأ بالياء يجوز ان يكون جعل في (كاد) ضمير الحديث فاذا اشتغل (كاد) بهذا الضمير ارتفع القلوب ب‍ (تزيغ) فذكر وان كان فاعله مؤنثا لتقدم الفعل.

___________________________________

(1) سورة 2 البقرة آية 216.

(2) سورة 2 البقرة آية 62، وسورة 5 المائدة آية 72.

(3) سورة 30 الروم آية 47.

[314]

ومن قرأ بالتاء جاز أن يكون ذهب إلى أن القلوب مرتفعة ب‍ (كاد) فلا يكون يرفع فعلا مقدما فاذا لم يكن مقدما قبح التذكير لتقدم ذكر الفاعل كما قبح في قول الشاعر: ولا أرض أبقل إبقالها(1) ولم يصح أبقل أرض. ويجوز أن يكون الفعل المسند على القصة والحديث يؤنث اذا كان في الجملة التي تفسيرها مؤنث كقوله " فاذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا "(2) ويجوز إلحاق التاء في " كاد " من وجه آخر، وهو أن يرفع " تزيغ قلوب " ب‍ " كاد " فتلحقه علامة التأنيث من حيث كان مسندا إلى مؤنث كقوله " قالت الاعراب " 3 " فعلى هذا يكون في " تزيغ " ضمير القلوب. لان النية في " تزيغ " التأخير.

اقسم الله تعالى في هذه الاية - لان لام " لقد " لام القسم - بأنه تعالى تاب على النبي والمهاجرين والانصار بمعنى أنه بمعنى أنه رجع اليهم، وقبل توبتهم " الذين اتبعوه في ساعة العسرة " يعني في الخروج مع إلى تبوك.

و " العسرة " صعوبة الامر وكان ذلك في غزوة تبوك لانه لحقهم فيها مشقة شديدة من قلة الماء حتى نحروا الابل وعصروا كروشها ومصوا النوى. وقل زادهم وظهرهم - في قول مجاهد وجابر وقتادة -

وروي عن عمر أنه قال: أصابنا عطش شديد فأمطر الله السماء بدعاء النبي صلى الله عليه واله فعشنا بذلك " من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم " والزيغ ميل القلب عن الحق، ومنه قوله " فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم "(4) ومنه قوله " لاتزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا "(5) وكان أبوخيثمة عبدالله بن خيثمة تخلف إلى ان مضى من مسير رسول الله عشرة أيام ثم دخل يوما على أمرأتين له - في يوم حار - عريشين

___________________________________

(1) مر تخريجه في 1 / 126.

(2) سورة 21 الانبياء آية 97.

(3) سورة 49 الحجرات آية 14.

(4) سورة 61 الصف آية 5.

(5) سورة 3 آل عمران آية 8

[315]

لهما قد رشتاهما وبردتا الماء وهيأتا له الطعام، فقام على العريشين فقال: سبحان الله رسول الله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر في الضح والريح والحر والقر يحمل سلاحه على عاتقه وأبوخيثمة في ظلال باردة وطعام مهيأ وأمرأتين حسناوين ما هذا بالنصف، ثم قال. والله لاأكلم واحدة منكما كلمة ولا ادخل عريشا حتى الحق بالنبي صلى الله عليه واله فأناخ ناضحه واشتد عليه وتزود وارتحل وامرأتاه تكلمانه ولا يكلمهما ثم سار حتى اذا دنا من تبوك، قال الناس: هذا راكب على الطريق فقال النبي صلى الله عليه واله كن ابا خيثمة، فلما دنا قال الناس: هذا أبوخيثمة يا رسول الله فأناخ راحلته وسلم على رسول الله صلى الله عليه واله فقال له النبي صلى الله عليه واله أولى لك. فحدثه الحديث، فقال له خيرا، ودعا له، فهو الذي زاغ قلبه للمقام. ثم ثبته الله.

وقيل: إن من شدة ما لحقهم هم كثير منهم بالرجوع فتاب الله عليهم، وقيل من بعد ما كان شك جماعة منهم في دينه ثم تابوا فتاب الله عليهم، وقوله " ثم تاب عليهم " أي رجع عليهم بقبول توبتهم " إنه بهم رؤف رحيم " إخبار منه تعالى أنه بهم رؤف، فالرأفة أعظم الرحمة، قال كعب بن مالك الانصاري:

نطيع نبينا ونطيع ربا *** هو الرحمن كان بنا رؤفا " 1 "

وقال آخر:

ترى للمسلمين عليك حقا *** كمثل الوالد الرؤف الرحيم " 2 "

___________________________________

(1) مر تخريجه في 2 / 12 وهو مجاز القرآن 1 / 270.

(2) اللسان " رأف " نسبه إلى جرير وروايته " يرى للمسلمين عليه " و " كفعل " بدل " كمثل " ومجاز القرآن 1 / 271

[316]

قوله تعالى: وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الارض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم(118)

آية

تقدير الكلام وتاب الله على الثلاثة الذين خلفوا. وقيل نزلت هذه الاية بسبب الثلاثة الذين تخلفوا عن عزاة تبوك ولم يخرجوا مع النبي صلى الله عليه واله لاعن نفاق، لكن عن توان، ثم ندموا، فلما ورد النبي صلى الله عليه واله جاء‌وا اعتذروا، فلم يكلمهم النبي صلى الله عليه واله وتقدم إلى المسلمين بأن لا يكلمهم أحد منهم فهجرهم الناس حتى الصبيان وأهاليهم وجاء‌ت نساؤهم إلى رسول الله صلى الله عليه واله تعتزلهم، فقال: لا ولكن لايقربونكن فضاقت عليهم المدينة، فخرجوا إلى رؤس الجبال، فكان أهاليهم يجيئون لهم بالطعام ويتركونه لهم ولا يكلمونهم، فقال بعضهم لبعض: قد هجرنا الناس ولا يكلمنا أحد، فهلا نتهاجر نحن ايضا، فتفرقوا ولم يجتمع منهم اثنان، وثبتوا على ذلك نيفا وأربعين يوما.

وقيل سنة يضرعون إلى الله تعالى ويتوبون اليه، فقبل الله تعالى حينئذ توبتهم، وانزل فيهم هذه الاية والثلاثة هم كعب بن مالك وهلال بن امية وفزارة بن ربيعة، وكلهم من الانصار - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وجابر - والتخليف تأخير الشئ عمن مضى، فأما تأخير الشئ عنك في المكان، فليس بتخليف، وهو من الخلف الذي هو مقابل لجهة الوجه.

وقال مجاهد: خلفوا عن قبول التوبة بعد قبول توبة من قبل توبته من المنافقين، كما قال تعالى فيما مضى " وآخرون مرجون لامر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم "(1) وقال قتادة " خلفوا " عن غزوة تبوك كما تخلفوا هم. وبه قال الحسن.

وفي قراء‌ة اهل البيت عليهم السلام " خالفوا " قالوا لانهم لو خلفوا لما توجه عليهم العتب.

وقوله " حتى إذا ضاقت عليهم الارض بما رحبت " فالضيق ضد السعة ومنه ضيق الصدر، خلاف اتساعه بالهم الذي يحدث فيه فيشغله عن غيره، وليس كذلك السرور لانه لايشغل عن ادراك الامور.

___________________________________

(1) سورة 9 التوبة آية 107

[317]

ومعنى " بما رحبت " اي بما اتسعت تقول: رحبت رحبا، ومنه مرحبا واهلا اي رحبت بلادك واهلت، وضيق انفسم ههنا بمعنى ضيق صدورهم، بالهم الذي حصل فيها.

وقوله " وظنوا ان لا ملجأ من الله إلا اليه " معناه وعلموا انه لايعصمهم منه موضع إذا اعتصموا به والتجؤا اليه كأنه قال: لامعتصم من الله إلا به، لجأ يلجأ لجاء وألجأه إلى كذا إلجاء إذا صيره اليه بالمنع من خلافه. والتجأ اليه التجاء وتلاجؤا تلاجؤا.

وقوله " ثم تاب عليهم ليتوبوا " قيل في معناه ثلاثة اقوال: احدها - لطف لهم في التوبة، كما يقال في الدعاء: تاب الله عليه.

الثاني - قبل توبتهم ليتمسكوا بها في المستقبل.

الثالث - قبل توبتهم ليرجعوا إلى حال الرضا عنهم.

وقال الحسن: جعل لهم التوبة ليتوبوا بها، والمخرج ليخرجوا به.

وقوله " ان الله هو التواب الرحيم " اخبار منه تعالى بأنه يقبل توبة عباده كثيرا ويغفر ذنوبهم إذا رجعوا اليه لرحمته عليهم ورأفته بهم. وكان أبوعمرو يحكي عن عكرمة بن خالد " وعلى الثلاثة الذين خلفوا " بفتح الخاء والتخفيف وكان لايأخذ بها.

فان قيل: ما معنى التوبة عليهم واللائمة لهم وهم قد خلفوا فهلا عذروا؟ قيل: ليس المعنى انهم أمروا بالتخلف او رضي منهم به بل كقولك لصاحبك: أين خلفت فلانا؟ فيقول: بموضع كذا ليس يريد انه امره بالتخلف هناك بل لعله ان يكون نهاه وانما يريد انه تخلف هناك.

قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين(119)

آية

هذا امر من الله تعالى للمؤمنين المصدقين بالله والمقرين بنبوة نبيه بأن يتقوا معاصي الله ويجتنبوها وأن يكونوا مع الصادقين الذين يصدقون في اخبارهم ولا يكذبون، قال ابن مسعود: لا يصلح من الكذب جد ولا هزل، ولا ان يعد

[318]

احدكم ولده شيئا ثم لا ينجزه ثم قرأ " يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله.. " الاية وقال: هل ترون في هذه رخصة؟.

وقال نافع والضحاك: أمروا بأن يكونوا مع النبيين والصديقين في الجنة بالعمل الصالح.

وقيل: إن المراد بالصادقين هم الذين ذكرهم الله في قوله " رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه " وهم حمزة وجعفر " ومنهم من ينتظر "(1) يعني عليا عليه السلام فأمر الله تعالى بالاقتداء بهم والاهتداء بهديهم، وهم الذين وصفوا في قوله: " ليس البر أن تولو وجوهكم قبل.. " الاية إلى قوله " أولئك الذين صدقوا "(2) فأمر بالاقتداء بهؤلاء.

وقال بعضهم: ان (مع) بمعنى (من) وكأنه أمر بأن يكونوا في جملة الصادقين وفي قراء‌ة ابن مسعود " وكونوا من الصادقين ".

وقيل: اراد كونوا مع كعب بن مالك واصحابه الذين صدقوا في اقوالهم ولم يكذبوا في الاعتذار.

والصادق هو القائل بالحق العامل به، لانها صفة مدح لاتطلق الا على من يستحق المدح على صدقه.

فأما من فسق بارتكاب الكبائر فلا يطلق عليه اسم صادق ولذلك مدح الله الصديقين وجعلهم تالين لنبيين في قوله " فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين "(3).

___________________________________

(1) سورة 33 الاحزاب آية 23.

(2) سورة البقرة آية 177.

(3) سورة 4 النساء آية 68

الآية: 120 - 129

قوله تعالى: ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الاعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولايرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولانصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين(120)

آية.

لما قص الله تعالى قصة الذين تأخروا عن النبي صلى الله عليه واله والخروج معه إلى تبوك ثم اعتذارهم عن ذلك وتوبتهم منه وأنه قبل توبة من ندم على ما كان منه لرأفته بهم ورحمته عليهم، ذكر عقيب ذلك على وجه التوبيخ لهم والازراء على ما كانوا فعلوه فقال: لم يكن لاهل المدينة ولامن يسكن حول المدينة من الاعراب والبوادي " ان يتخلفوا " بمعنى ان يتأخروا عن رسول الله " ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه " ومعناه ولا أن يطلبوا نفع نفوسهم، لان الرغبة المنفعة ونقيضها الرهبة.

ويقال رغب فيه اذا طلب المنفعة به ورغب عنه طلب المنفعة بتركه، والترغيب ضد الترهيب ومعنى " يرغبوا بأنفسهم عن نفسه " اي يطلبون المنفعة بترفيه انفسهم دون نفسه وهذه فريضة الزمهم الله اياها، لحقه فيما دعاهم من الهدى الذي اهتدوا به وخرجوا من ظلمة الكفر إلى نور الايمان.

وقوله " ذلك بأنهم لايصيبهم ظمأ ولانصب " اشارة إلى ما الزمهم الله اياه من تحمل هذه المشقة لانهم لايصيبهم ظمأ وهو شدة العطش تقول: ظمئ يظمأ ظمأ وهو ظمئ وظمآن وأظمأه الله إظماء.

ومنه قيل: أنا ظمآن إلى رؤية فلان ومعنى " ولانصب " اي تعب تقول: نصب ينصب نصبا فهو نصب.

ومثله الوصب قال النابغة:

كليني لهم يا أميمة ناصب *** وليل اقاسيه بطئ الكواكب(1)

وقوله " ولامخمصة " يعني مجاعة وأصله ضمور البطن للمجاعة ومنه رجل خميص البطن وأمرأة خمصانة.

وقوله " في سبيل الله " يعني من قتال اعدائه المشركين.

وقوله " ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار " اي لا يخطون خطوة إلا كتب لهم اجرها، والموطئ الارض، والغيظ انتقاض الطبع بما يرى مما يشق. والغضب

___________________________________

(1) اللسان (نصب) والاغاني 11 / 15

[320]

هو مايدعوا إلى الانتقام على ماسلف من المعصية مما هي متعلقة به، وهو مستحق بها ولذلك جاز ان يطلق الغضب على الله ولم يجز اطلاق الغيض عليه.

وقوله " ولاينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح " والنيل لحوق الشئ تقول: نلته اناله نيلا اذا نلته بيدك وهو منيل، وليس من التناول لان هذا من الواو تقول: نلته بخير انوله نولا ونوالا وانالني خيرا انالة والمعنى ان هؤلاء المؤمنين لايصيبون من المشركين امرا، من قتل او جراح او مال، او امر يغمهم الا ويكتب الله للمؤمنين " به عملا صالحا ان الله لايضيع اجر المحسنين " اخبار منه تعالى انه لايضيع اجر من فعل الافعال الحسنة التي يستحق بها المدح وقد يكون فاعل الحسن لايستحق المدح مثل فاعل المباح.

وقال قتادة: حكم هذه الاية مختص بالنبي فانه اذا غزا النبي صلى الله عليه واله لم يكن لاحد ان يتخلف عنه، فاما من بعده من الخلفاء فان ذلك جائز، وقال الاوزاعي وعبدالله بن المبارك والفرازي والسبيعي وأبوجابر وسعيد بن عبدالعزيز: ان هذه الاية لاول الامة وآخرها من المجاهدين في سبيل الله.

وقال ابن زيد: هذا حين كان المسلمون قليلين، فلما كثروا نسخ بقوله " وما كان المؤمنين لينفروا من فروض الكفايات فلو لزم كل احد النفر لصار من فروض الاعيان.

قوله تعالى: ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون(121)

آية.

هذه الاية عطف على ما تقدم ذكره في الاية الاولى من قوله " ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا.. ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة "

[321]

اي لا ينفق هؤلاء المؤمنون في سبيل الله وجهاد اعدائه نفقة صغيرة ولا كبيرة يريدون بها اعزاز دين الله ونفع المسلمين والتقرب إلى الله بها، لا الانفاق متى كان للشهوة أو ليذكر بالجود كان ذلك مباحا. وان كان للرياء والسمعة وللمعاونة على فساد كان معصية. والصغير ما نقص ثوابه ماهو اكبر منه، والكبير مازاد ثوابه على ثواب ما هو دونه.

وقوله " ولا يقطعون واديا " معناه ولا يتجاوزون وادبا.

وقوله " إلا كتب لهم " ثواب ذلك لهم " ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون " معناه انه يكتب طاعاتهم ليجزيهم عليها أحسن مما فعلوه.

وقال الرماني: ذلك يدل على انه يكون حسن أحسن من حسن، قال: لان لفظة أفعل تقتضي التفاضل فيما شاركه في الحسن. وهذا ليس بشئ لان المعنى ان الله تعالى يجزيهم أحسن ما كانوا يعملون يعني ماله مدخل في استحقاق المدح والثواب من الواجبات والمندوبات دون المباحات التي لامدخل لها في ذلك وان كانت حسنة.

قوله تعالى: وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون(122)

آية.

قوله " فلولا نفر " معناه هلا نفر، وهي للتحضيض إذا دخلت على الفعل، فاذا دخلت على الاسم فهي بمعنى امتناع الشئ لاجل وجود غيره. وقيل في معناه ثلاثة اقوال: احدها - قال الحسن: حث الله تعالى الطائفة النافرة على التفقه لترجع إلى المتخلفة فتحذرها.

وقال قتادة: ان المعنى انه لم يكن لهم ان ينفروا بأجمعهم في السرايا ويتركوا النبي صلى الله عليه واله بالمدينة وحده، ولكن تبقى بقية لتتفقه البقية ثم تنذر

[322]

النافرة وبه قال الضحاك وابن عباس، وقال ابوعلي الجبائي: تنفر الطائفة من كل ناحية إلى النبي صلى الله عليه واله لتسمع كلامه وتتفقه عنه، ثم يبينوا ذلك لقومهم إذا رجعوا اليهم.

وقال مجاهد: نزلت الاية في قوم خرجوا إلى البادية ليفقهوهم ولينالوا منهم خيرا، فلما عاتب الله من تأخر عن النبي عند خروجه إلى تبوك وذم آخرين خافوا ان يكونوا فمنهم فنفروا بأجمعهم، فقال الله: هلا نفر بعضهم ليفقه عن النبي صلى الله عليه واله ما يجب عليهم وما لا يجب ويرجعون فيخبرون اصحابهم بذلك ليحذروا.

والنفور عن الشئ هو الذهاب عنه لتكره النفس له، والنفور اليه الذهاب اليه لتكره النفس لغيره. والتفقه تعلم الفقه. والفقه فهم موجبات المعنى المضمنة بها من غير تصريح بالدلالة عليها، وصار بالعرف مختصا بمعرفة الحلال والحرام، وما طريقه الشرع.

وقوله " لعلهم يحذرون " معناه لكي يحذروا، لان الشك لايجوز على الله. والحذر تجنب الشئ لما فيه من المضرة يقال: حذر حذرا وحذرته تحذيرا وحاذره محاذرة وتحذر تحذرا.

واستدل جماعة بهذه الاية على وجوب العمل بخبر الواحد بأن قالوا: حث الله تعالى الطائفة على النفور والتفقه حتى إذا رجعوا إلى غيرهم لينذروهم ليحذروا، فلولا انه يجب عليهم القبول منهم لما وجب عليهم الانذار والتخويف. والطائفة تقع على جماعة لايقع بخبرهم العلم بل تقع على واحد. لان المفسرين قالوا في قوله " وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " أنه يكفي أن يحضر واحد. وهذا الذي ذكروه ليس بصحيح، لان الذي يقتضيه ظاهر الاية وجوب النفور على الطائفة من كل فرقة، ووجوب التفقه والانذار إذا رجعوا، ويحتمل ان يكون المراد بالطائفة الجماعة التي يوجب خبرهم العلم، ولو سلمنا انه يتناول الواحد او جماعة قليلة، فلم اذا وجب عليهم الانذار وجب على من يسمع القبول؟ والله تعالى إنما اوجب عليه المنذرين الحذر، والحذر ليس من القبول في شئ بل الحذر يقتضي وجوب البحث عن ذلك حتى يعرف صحته من فساده بالرجوع إلى الادلة، ألا ترى

[323]

ان المنذر إذا ورد على المكلف وخوفه من ترك النظر فانه يجب عليه النظر ولا يجب عليه القبول منه قبل ان يعلم صحته من فساده، وكذلك إذا ادعى مدع النبوة وان معه شرعا وجب عليه ان ينظر في معجزه ولا يجب عليه القبول منه وتصديقه قبل ان يعلم صحة نبوته. فكذلك لايمتنع ان يجب على الطائفة الانذار ويجب على المنذرين البحث والتفتيش حتى يعلموا صحة ما قالوه فيعملوا به، وقد استوفينا الكلام في ذلك في كتاب اصول الفقه لانطول بذكره هاهنا.

وقيل: ان اعراب اسد قدموا على النبي صلى الله عليه واله المدينة فغلت الاسعار وملؤوا الطرق بالعذرة فانزل الله تعالى الاية يقول: فهلا جاء منهم طوائف ثم رجعوا إلى قومهم فأخبروهم بما تعلموا.

وروى الواقدي ان قوما من خيار المسلمين خرجوا إلى البدو يفقهون قومهم فاحتج المنافقون في تأخرهم عن تبوك بأولئك فنزلت " وما كان المؤمنون لينفروا كافة " قال: وفيهم نزلت " والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة "(1) يعني ان احتجوا بتأخير هؤلاء في البادية فانهم مستجيبون مؤمنون، فكيف يكون لهم بهم اسوة او حجة في تأخرهم وهم منافقون مدهنون.

وقال ابوجعفر عليه السلام كان هذا حين كثر الناس فأمرهم الله ان ينفر منهم طائفة وتقيم للتفقه وان يكون الغزو نوبا.

قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين(123)

آية.

روى المفضل عن عاصم (غلظة) بفتح الغين.

الباقون بكسرها، قال ابوالحسن قراء‌ة الناس بالكسر، وهي العربية، قال وبه أقرأ ولا أعلم الفتح لغة.

وقال غيره: هي لغة.

___________________________________

(1) سورة 42 الشورى آية 16.

[324]

وذكر الزجاج أن فيه ثلاث لغات الفتح والضم والكسر، والكسر أفصحها والكسر لغة أهل الحجاز والضم لغة تميم.

امر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار الذين يلونهم يعني الاقرب فالاقرب وذلك يدل على أنه يجب على اهل كل ثغر أن يقاتلوا دفاعا عن أنفسهم اذا خافوا على بيضة الاسلام إذا لم يكن هناك إمام عادل، وانما جاز من الله تعالى ان يأمر بالقتال ليدعوهم إلى الحق، ولم يجز ان يمنعهم من الكفر، لان المنع ينافي التكليف.

ومن قاتل الابعد من الكفار وترك الاقرب فالاقرب فان كان باذن الامام كان مصيبا وان كان بغير أمره كان مخطئا، ولو قال: قاتلوا الاقرب فالاقرب لصح لانه يمكن ذلك. ولو قال: قاتلوا الا بعد فالابعد لم يصح لانه لاحد للابعد يبتدأ منه كما للاقرب.

وقوله " وليجدوا فيكم غلظة " معناه وليخشوا منكم بالغلظة، والغلظة ضد اللين وخلاف الرقة، وهي الشدة في احلال النقمة، ومخرج الكلام على الامر بالوجود، وإنما معناه يجدون ذلك، ويجوز ان يكون المراد وليعلموا منكم الغلظة.

وقوله " واعلموا ان الله مع المتقين " امر من الله للمؤمنين ان يتيقنوا أن الله مع الذين يتقون معصيته، بالنصرة لهم، ومن كان الله ناصره في الحرب لم يغلبه احد. فأما إذا نصره بالحجة في غير الحرب فانه يجوز أن يغلب بالحرب لضرب من المحنة وشدة والتكليف.

قوله تعالى: وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون(124)

آية

(ما) في قوله: " وإذا ما " يحتمل امرين: أحدهما - ان تكون دخلت لتسليط (اذا) على الجزاء.

[325]

والثاني - أن تكون صلة مؤكدة، وقوله " فمنهم من يقول " الضمير عائد على المنافقين في قول الحسن والزجاج، والتقدير فمن المنافقين من يقول بعضهم لبعض على وجه الانكار " أيكم زادته هذه ايمانا " وقال الجبائي: يقول المنافقون لضعفة المؤمنين على وجه الاستهزاء.

فأخبر الله تعالى انه متى نزلت سورة من القرآن قال المنافقون على وجه الاستهزاء والانكار " أيكم زادته هذه ايمانا " ثم قال تعالى " فاما الذين آمنوا فزادتهم ايمانا " المعنى ازدادوا عندها ايمانا.

وانما أضافه إلى السورة لان عندها ازداوا، فوجه زيادة الايمان انهم يصدقون بأنها من عند الله ويعترفون بذلك ويعتقدونه وذلك زيادة اعتقاد على ما كانوا معتقدين له.

وقوله " وهم يستبشرون " جملة في موضع الحال، وتقديره انهم يزدادون الايمان عندها مستبشرين بذلك فرحين بما لهم في ذلك من السرور والثواب. والزيادة ضم الشئ إلى جنسه لانك لو ضممت حجرا إلى ذهب لم تكن زدت، ولو ضممت ذهبا إلى ذهب أو حجرا إلى حجر لكنت زدته.

قوله تعالى: وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون(125)

آية.

لما بين الله تعالى ان المؤمنين يزدادون الايمان عند نزول السورة بين ان الذين في قلوبهم مرض يعني شك ونفاق من الاسلام يزدادون عند ذلك رجسا إلى رجسهم اي نفاقا وكفرا إلى كفرهم، لانهم يشكون في هذه السورة كما يشكون في الذي تقدم، فكان ذلك هو الزيادة.

وسمي الشك في الدين مرضا، لانه فساد يحتاج إلى علاج كالفساد في البدن الذي يحتاج إلى مداواة.

ومرض القلب أعضل وعلاجه أعسر ودواؤه أعز واطباؤه أقل. والرجس والنجس واحد.

وسمي الكفر رجسا على وجه الذم، وأنه يجب تجنبه كما يجب تجنب الانجاس.

[326]

وانما أضاف الزيادة إلى السورة لانهم يزدادون عندها، ومثله كفى بالسلامة داء، كما قال الشاعر:

ارى بصري قد رابني بعد صحة *** وحسبك داء أن تصح وتسلما(1)

وقوله " وماتوا وهم كافرون " فيه بيان أن المرض في القلب أداهم إلى ان ماتوا على شر حال، لانها تسوق إلى النار نعوذ بالله منها، وانما قال " وماتوا " على لفظ الماضي لانه عطف على قوله " زادتهم رجسا إلى رجسهم " والمعنى انهم يموتون وهم كافرون.

قوله تعالى: أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولاهم يذكرون(126)

آية.

قرأ حمزة ويعقوب " أولا ترون " بالتاء. الباقون بالياء.

قوله " أولا يرون " تنبيه وتقريع لمن عنى بالخطاب.

فمن قرأ بالتاء فوجهه أن المؤمنين نبهوا على إعراض المنافقين عن النظر والتدبر لما ينبغي أن ينظروا فيه ويتدبروا، لانهم يمتحنون بالامراض والاسباب التي لا يؤمن معها الموت، فلا يرتدعون عن كفرهم ولا ينزجرون عما هم عليه من النفاق، فلا يقدمون عليه اذا ماتوا فنبه المسلمين على قلة اعتبارهم واتعاظهم.

ومن قرأ بالياء وجه التقريع - بالاعراض عما يجب أن لايعرضوا عنه من التوبة والاقلاع عما هم عليه من النفاق - إلى المنافقين دون المسلمين، لان المسلمين قد عرفوا ذلك من امرهم.

وكان الاولى أن يلحق التنبيه من يراد تنبيهه وتقريعه بتركه ما ينبغي ان يأخذ به. وتحتمل الرؤية في الاية على القراء‌تين أن تكون متعدية إلى مفعولين. وأن تكون من رؤية العين أولى فاذا جعلت متعدية إلى مفعولين

___________________________________

(1) قائله حميد بن ثور الهلالي العقد الفريد 2 / 331

[327]

سد (أن) مسدهما. وإن جعلت من رؤية العين كان أولى، لانهم مبتلون في الاعراض عنه على ترك الاعتبار به، وهذا أبلغ من المتعدية إلى مفعولين ألا ترى أن تارك الاستدلال أعذر ممن يكابر المشاهدات.

ولو قرئ بضم الياء وبني الفعل للمفعول به كان (ان) في موضع نصب بأنه مفعول الفعل الذي يتعدى إلى مفعول، وفتحت الواو في قوله " أولا " لانها واو العطف دخلت عليها الف الاستفهام، فهو متصل بذكر المنافقين ومتصل بذكر آخرين ذكرهم بدليل العلامتين الواو والالف.

والفتنة المحنة بالقتل والسبي ونصر الله لنبيه حتى يستعلي على كل من ناواه - في قول الحسن وقتادة - وقال مجاهد: هي بالقحط والجوع.

وقال الجبائي: هي بالمرض الذي ينزل بهم.

وقيل: تهتك استارهم بما يظهره الله من سوء نياتهم وخبث سرائرهم.

وقال الزجاج: معناه انهم يختبرون بالدعاء إلى الجهاد، وهو قول الحسن وقتادة: واجاز الرماني أن تفعل التوبة خوفا من العقاب، كما يجوز أن تفعل لقبح المعصية.

قال: لان كل واحد من الامرين يدعوا اليه الفعل. ومن جحد أحد الامرين كمن جحد الاخر. والذي عليه أكثر أهل العدل أنه لايجوز أن تفعل التوبة الا لوجه قبح المعصية. ومتى فعلت لخوف العقاب لم تكن مقبولة.

وقوله " ثم لا يتوبون ولاهم يذكرون " اخبار منه تعالى انه مع ما يمتحنهم في كل سنة دفعة او دفعتين فانهم لا يقلعون عن المعاصي ولا يتوبون منها ولا يتفكرون فيها. والتذكير طلب الذكر بالفكر فيه.

قوله تعالى: وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يريكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لايفقهون(127)

آية.

[328]

أخبر الله تعالى في هذه الاية أنه متى أنزل سورة من القرآن " نظر بعضهم إلى بعض " نظرا يومئون به " هل يراكم من أحد " وانما يفعلون ذلك، لانهم منافقون يتحذرون أن يعلم بهم، فكأنهم يقول بعضهم لبعض: هل يراكم من أحد ثم يقومون فينصرفون. ويحتمل أن يكون انصرافهم عن العمل بشئ مما يستمعون.

فقال الله تعالى " صرف الله قلوبهم " يعني عن رحمته عقوبة لهم " بأنهم قوم لايفقهون " مواعظ الله ولا أمره ونهيه. وإنما صرف قلوبهم عن السرور بالفائدة التي تحصل للمؤمنين بسماع الوحي، فيحرمون ما للمؤمنين من الاستبشار بتلك الحال.

والفقه فهم موجب المعنى المضمن به، وقد صار علما على علم الفتيا في الشعريعة لان المعتمد على المعنى. وكان القوم عقلاء يفقهون الاشياء، وإنما نفى الله عنهم ذلك لانهم لم ينظروا فيه، ولم يعملوا بموجبه، فكأنهم لميفقهوه، كما قال " صم بكم عمي "(1) لما لم ينتفعوا بما سمعوه ورأوه.

قوله تعالى: لقد جاء‌كم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم(128)

آية.

أقسم الله تعالى في هذه الاية بأنه قد " جاء‌كم رسول من أنفسكم " لان لام (لقد) هي اللام التي يتلقى بها القسم. والخطاب متوجه إلى جميع الخلق.

ومعنى " من انفسكم " أي انكم ترجعون إلى نفس واحدة كما قال " قل انما أنا بشر مثلكم "(2) ويحتمل ان يكون المراد به من العرب انكم كذلك. ويكون - على هذا - الخطاب متوجها إلى العرب خاصة، فأنتم تخبرونه قبل مبعثه.

وقيل: إنه لم يبق بطن من العرب إلا وولد النبي صلى الله عليه واله وإنما ذكر ذلك لانه أقرب إلى الالفة، وأبعد من المحك واللجاج، واسرع إلى فهم الحجة، فهو

___________________________________

(1) سورة 2 البقرة آية 18.

(2) سورة 18 الكهف آية 111

[329]

من انفسكم في اشرف نسبه منكم، ومن أنفسكم في القرب منكم، ومن انفسكم بالاختصاص بكم.

وقوله " عزيز عليه " أي شديد عليه لانه لايقدر على ازالته، والعزيز في صفات الله معناه المنيع القادر الذي لا يتعذر عليه فعل ما يريده. والعزة امتناع الشئ بما يتعذر معه ما يحاول منه، وهو على ثلاثة أوجه: امتناع الشئ بالقدرة أو بالقلة أو بالصعوبة.

وقوله " ما عنتم " يعني ما يلحقكم من الاذى الذي يضيق الصدر به ولا يهتدى للخروج منه. ومنه قيل: فلان يعنت في السؤال، ومنه قوله تعالى " ولو شاء الله لاعنتكم "(1) أي ضيق عليكم حتى لاتهتدوا للخروج منه، والعنت إلقاء الشدة.

و (ما) في قوله " ما عنتم " بمعنى الذي، وهو في موضع رفع بالابتداء وخبره (عزيز) قدم عليه.

وقال الفراء: هو رفع ب‍ (عزيز).

وقوله " حريص عليكم " فالحرص شدة الطلب للشئ على الاجتهاد فيه.

والمعنى: حريص عليكم ان تؤمنوا - في قول الحسن - ثم استأنف فقال " بالمؤمنين رؤوف رحيم " أي رفيق بهم رحيم عليهم.

قوله تعالى: فإن تولوا فقل حسبي الله لاإله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم(129)

آية.

معنى " فان تولوا " إن ذهبوا عن الحق واتباع الرسول وما يأمرهم به واعرضوا عن قوله. ونقيض التولي عنه التوجه اليه. ومثل التولي الاعراض.

وقال الحسن: المعنى فان تولوا عن طاعة الله.

وقيل " فان تولوا " عنك، ومعناه فان ذهبوا عنك هؤلاء الكفار، ولم يقروا بنبوتك " فقل " يا محمد " حسبي الله " ومعناه كفاني الله وهو

___________________________________

(1) سورة 2 البقرة آية 220

[330]

من الحساب لانه تعالى يعطي بحسب الكفاية التي تغني عن غيره، ويزيدمن نعمه مالا يبلغ إلى حد ونهاية، اذ نعمه دائمة ومننه متظاهرة.

وقوله " إله إلا هو " جملة في موضع الحال، وتقديره حسبي الله مستحقا لاخلاص العبادة والاقرار بأن لا إله إلا هو.

وقوله " عليه توكلت " فالتوكل تفويض الامر إلى الله على الثقة بحسن تدبيره وكفايته، باخلاص النية في كل شئ يحذر منه، ومنه قوله " حسبنا الله ونعم الوكيل "(1) أي المتولي للقيام بمصالح عباده وفي هذه الصفة بلطف.

وقوله " وهو رب العرش العظيم " قيل في تخصيصه الذكر بأنه " رب العرش العظيم " ثلاثة أفوال: أحدها - انه لما ذكر الاعظم دخل فيه الاصغر.

الثاني - أنه خص بالذكر تشريفا له وتفخيما لشأنه.

الثالث - ليدل به على أنه ملك الملوك لانه رب السرير الاعظم.

وجر القراء كلهم " العظيم " على أنه صفة للعرش.

وقال الزجاج: يجوز رفعه بجعله صفة لرب العرش.

قال ابي بن كعب وسعيد بن جبير والحسن وقتادة: هذه آخر آية نزلت من القرآن ولم ينزل بعدها شئ.

___________________________________

(1) سورة 3 آل عمران آية 173


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/books/index.php?id=1253
  • تاريخ إضافة الموضوع : 0000 / 00 / 00
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 06 / 28