• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم / المكتبة .
              • الكتاب : التبيان في تفسير القرآن ( الجزء الخامس) ، تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي .
                    • الموضوع : سورة براءة من ( آية 1 ـ 32 ) .

سورة براءة من ( آية 1 ـ 32 )

9 - سورة براء‌ة

وتسمى سورة التوبة مدنية وهي مئة وتسع وعشرون آية في الكوفي وثلاثون في البصري والمدنيين قال مجاهد وقتادة وعثمان: هي آخر ما نزلت على النبي صلى الله عليه واله بالمدينة.

وروي عن حذيفة انه قال: كيف يسمونها سورة التوبة وهي سورة العذاب؟ !

وروي عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس سورة التوبة قال: تلك الفاضحة ما زالت تنزل وفيهم حتى خشينا الاتدع احدا. قال وسورة الانفال نزلت في بدر، وسورة الحشر في بني النضير.

الآية: 1 - 19

قوله تعالى: براء‌ة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين(1)

آية.

قيل في علة ترك افتتاح هذه السورة ب‍ (بسم الله الرحمن الرحيم) قولان: احدهما - ما روي عن ابي بن كعب أنه ضمت هذه السورة إلى الانفال بالمقاربة، فكانتا كسورة واحدة لان الاولى في ذكر العهود والاخرى في رفع لعهود.

وقال عثمان لاشتباه قصتهما، لان الاولى في ذكر العهود والاخرى في رفع لعهود.

وقال المبرد: لان " بسم الله الرحمن الرحيم " أمان وبراء‌ة نزلت لرفع الامان.

[168]

ويحتمل رفع " براء‌ة " وجهين: احدهما - ان يكون خبرا لمبتدأ محذوف وتقديره هذه الايات براء‌ة. والثاني - ان يكون مبتدأ وخبره الظرف في قوله " إلى الذين ". والاول اجود لانه يدل على حصول المدرك كما تقول لما تراه حاضرا: حسن والله اي هذا حسن.

ومعنى البراء‌ة انقطاع برئ براء‌ة وابرأه ابراء‌ا وتبرأ تبرؤا وبرئت من المرض وبرأت أبرأ وأبرؤ وبرأ تبريئا.

وروى أهل اللغة برأت أبرؤ برء‌ا، ولم يجئ من المهموز (فعلت أفعل) إلا في هذا الحرف الواحد وبريت القلم أبريه بريا بغير همز، وبراه السير إذا هزله.

وبرئ له يبرئ أذا تعرض له، وباراه إذا عارضه وأبرأت البعير إذا جعلت لانفه براه بالالف.

ومعنى الاية برئ الله من المشركين ورسوله " إلا الذين عاهدتم من المشركين " من اعطائتم الامان، والعهود والوفاء لهم بها إلا إذا نكثوا، لانهم كانوا ينكثون ما كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه واله، فأمر الله تعالى النبي صلى الله عليه واله ان ينبذ ايضا اليهم عهدهم.

وقوله " إلا الذين عاهدتم من المشركين " فالعهد العقد الذي يتقدم به لتوثيق الامر عهد عهدا وعاهد معاهدة وتعاهد الامر تعاهدا وتعهده تعهدا وقوله: " عاهدتم " انما جاء بلفظ الخطاب، لان فيه دلالة على الامر بالنبذ إلى المشركين برفع الامان ولو لا ذلك لجاز عاقدنا، لان معاقدة النبي صلى الله عليه واله انما هي عن الله عزوجل. ويجوز رفع الامان والبراء‌ة من غير نقض العهد إذا كان مشروطا إلى ان يرفعه الله اليهم.

قوله تعالى: فسيحوا في الارض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين(2)

آية.

[169]

السيح السير في الارض على مهل تقول: ساح يسيح سيحا وسياحة وسيوحا وسيحانا وإنساح الماء إنسياحا وسيحه تسييحا. امر الله تعالى في هذه الاية ان يقال لهؤلاء المشركين أن يسيحوا في الارض أربعة اشهر آمنين وإنما احلهم هذه الاشهر لانها الاشهر الحرم إلى آخر المحرم من أول شوال، في قول ابن عباس والزهري.

وقال الفراء: كانت المدة إلى آخر المحرم لانه كان فيهم من كان مدته خمسين ليلة، وهو من لم يكن له عهد من النبي صلى الله عليه واله فجعل الله ذلك له.

قال: ومعنى الاشهر الحرم المحرم وحده وإنما جمعه لانه متصل بذي الحجة وذي القعدة فكأنه قال: فاذا انقضت الثلاثة أشهر.

وقال ابوعبدالله عليه السلام اول الاربعة الاشهر يوم النحر وآخرها العاشر من شهر ربيع الاخر، وهو قول محمد بن كعب القرطي ومجاهد، وقال الحسن: إنما جعل لهم هذه المدة، لان منهم من كان عهده اكثر من اربعة اشهر فحط اليها. ومنهم من كان اقل فرفع اليها.

وقال ابوعلي الجبائي: كان يوم النحر لعشرين من ذي القعدة إلى عشرين من ربيع الاول، لان الحج كان تلك السنة في ذلك الوقت ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة وفيها حجة الوداع، وكان سبب ذلك النسئ الذي كان في الجاهلية.

وقرأ براء‌ة على الناس يوم النحر بمكة علي بن ابي طالب عليه السلام لان أبا بكر كان على الموسم في تلك السنة فاتبعه النبي صلى الله عليه واله بعلي عليه السلام، وقال: لايبلغ عني الارجل منى - في قول الحسن وقتادة ومجاهد والجبائي - وروى أصحابنا ان النبي صلى الله عليه واله كان ولاه ايضا الموسم، وأنه حين أخذ البراء‌ة من أبي بكر رجع أو بكر فقال: يا رسول الله انزل في قرآن؟ فقال: لا، ولكن لايؤدي إلا أنا او رجل مني.

وروى الشعبي عن محرز بن ابي هريرة: قال: قال ابوهريرة: كنت أنادي مع علي عليه السلام حين أذن المشركين فكان اذا اضمحل صوته مما ينادي دعوت مكانه قال فقلت يا ابه اي شئ كنتم تقولون؟ قال: كنا نقول لايحج بعد عامنا هذا

[170]

مشرك - قال وما حج بعد عامنا مشرك - ولا يطوف بالبيت عريان ولايدخل الجنة الا مؤمن ومن كانت بينه وبين رسول الله صلى الله عليه واله مدة فان اجله إلى اربعة اشهر فاذا انقضت اربعة اشهر فان الله برئ من المشركين ورسوله.

وفتحت مكة سنة ثمان ونزلت براء‌ة سنة تسع وحج رسول الله صلى الله عليه واله حجة الوداع سنة عشر.

وقوله " واعلموا انكم غير معجزي الله " معناه انكم غير فائتين كما يفوت ما يعجز عنه لانكم حيث ما كنتم في سلطان الله وملكه والاعجاز ايجاد العجز والعجز ضد القدرة عند من أثبته معنى.

وقوله " وان الله مخزي الكافرين " فالاخزاء الاذلال بما فيه الفضيحة والعار. والخزي النكال ضح.

قوله تعالى: وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الاكبر أن الله برئ من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم(3)

آية في الكوفي والمدني، وآيتان في البصري.

الاذان الاعلام في قول ابن زيد والزجاج والجبائي، تقول: أذنني فلان كذا فأذنت اي اعلمني فعلمت.

وقال بعضهم: معناه النداء الذي يسمع بالاذن.

وقال الفراء والزجاج: انما ارتفع لانه عطف على قوله " براء‌ة " وقيل معناه عليكم اذان، لان فيه معنى الامر.

والحج المقصد إلى اعمال المناسك على ما امر الله به وقد بينا شرائط الحج واركانه وفرائضه في كتب الفقه، ولانطول بذكره هاهنا والحج الاكبر قال عطا، ومجاهد، وعامر وبشر بن عبادة: هو ما فيه الوقوف

[171]

بعرفه، والاصغر العمرة، وقال مجاهد: الحج الاكبر هو القران، والحج الاصغر هو الافراد.

وقيل في معنى " يوم الحج الاكبر " ثلاثة اقوال: احدها - ما روي عن النبي صلى الله عليه واله انه قال: عرفة، وهو المروي عن عمر وابن عباس بخلاف فيه وبه قال عطا ومجاهد وابن الزبير وابوحنيفة.

الثاني - في رواية اخرى عن النبي صلى الله عليه واله وعلي عليه السلام وابن عباس وسعيد ابن جبير، وعبدالله بن ابي أوفى، وابراهيم ومجاهد أنه يوم النحر، وهو المروي عن ابي عبدالله عليه السلام. وسمي بالحج الاكبر لانه حج فيه المشركون والمسلمون ولم يحج بعدها مشرك.

الثالث - قال مجاهد وشعبة: هو جميع ايام الحج.

اعلم الله تعالى في هذه الاية المشركين انه ورسوله برئ من المشركين وانه ان تبتم ورجعتم إلى الايمان وطاعة الرسول " فهو خير لكم " وان اعرضتم وتوليتم فاعلموا انكم لا تفوتون الله وان الله يبشر الكافرين بعذاب اليم اي شديد مؤلم.

قال الحسن الحج الاكبر ثلاثة ايام الحج اجتمعت في تلك الايام الثلاثة اعياد المسلمين واعياد اليهود واعياد النصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه واله لم يكن فيما خلا ولايكون إلى يوم القيامة.

قوله تعالى: إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين(4)

آية اجماعا.

استثنى الله تعالى من براء‌ته عزوجل، وبراء‌ة ورسوله صلى الله عليه واله من المشركين من كان لهم العهد، في قول الزجاج.

[172]

وقال الفراء: هذا استثناء في موضع نصب، وهو قوم من بني كنانة كان قد بقي من اجلهم تسعة اشهر، فقال الله تعالى " فأتموا اليهم عهدهم إلى مدتهم " لاتحطوهم إلى الاربعة اشهر، وقال مجاهد: عنى بذلك جماعة من خزاء‌ة ومدلج.

وقال ابن عباس: توجه ذلك إلى كل من كان بينه وبين رسول الله عهد قبل براء‌ة. وينبغي أن يكون ابن عباس اراد بذلك من كان بينه وبينه عقد هدنة او إلى قوم من المشركين لم يتعرضوا له صلى الله عليه واله بعداوة ولاظاهروا عليه عدوه، لان النبي صلى الله عليه واله صالح اهل هجر واهل البحرين وايلى ودومة الجندل، وادرج، واهل معنا، وهم ناس من اليهود في توجهه إلى تبوك او في مرجعه منها، وله عهود الصلح والحرب غير هذه، ولم ينبذ اليهم بنقض عهد، ولا حاربهم بعد ان صاروا اهل ذمة إلى ان مضى لسبيله. ووفى لهم بذلك من بعده، فمن حمل ذلك على جميع العهود فقد اخطأ.

وقال الحسن: هذا استثناء من قوله تعالى " اقتلوا المشركين "، " إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام " ثم نقلت إلى هاهنا وباقي الناس على خلافه.

وقوله " ثم لم ينقصوكم شيئا " النقصان حط العدة عن عدة، والزيادة الحاق العدة بعدة. والمعنى ثم لم ينقصوكم من شروطكم العهد شيئا، ولم يظاهروا عليكم أحدا فالمظاهرة المعاونة على العدو للظهور عليه فهؤلاء إن لم يعاونوا عليكم احدا من اعدائكم ولا نقصوكم شيئا من حقكم في عهدهم فأتموا اليهم عهدهم إلى مدتهم، وهو أمن من الله تعالى إلى ان يبلغوا المدة التي وافقهم عليها.

قال قتادة: وهم مشركوا قريش كانوا عاهدوه في الحديبية وبقي من مدتهم اربعة اشهر بعد يوم النحر. والاتمام بلوغ الحد في العدة من غير زيادة ولانقصان فهنا معناه امضاء الامر على ما تقدم به العهد إلى انقضاء اجل العقد. والمدد زمان طويل الفسحة، واشتقاقه من مددت له في الاجل للمهلة. والمعنى إلى انقضاء مدتهم.

وقرأ عطاء " ثم لم ينقضوكم " بالضاد المعجمة وهي شاذة (وأن) بفتح الهمزة، لان تقديره بأن الله برئ عمن المشركين، ولا يجوز أن يكون المراد نبذ العهد إلى

[173]

مكة، لان مكة فتحت سنة ثمان وصارت دار الاسلام، ونبذ العهد كان في سنة تسع فعلم بذلك ان المراد غيرهم.

قوله تعالى: فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلوة وآتوا الزكوة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم(5)

آية.

الانسلاخ اخراج الشئ مما لابسه، وكذلك سلخ الشاة إذا نزع الجلد عنها وسلخنا شهر كذا نسلخه سلخا وسلوخا.

وقيل في الاشهر الحرم قولان: احدهما - رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ثلاثة سرد وواحد فرد الثاني - الاشهر الاربعة التي جعل لهم ان يسيحوا فيها آمنين، وهي عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الاول، وعشر من ربيع الاخر، في قول الحسن والسدي وغيرهما.

امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه واله والمؤمنين انه اذا انقضت مدة هؤلاء المعاهدين، وهي الاربعة اشهر ان يقتلوا المشركين حيث وجدوهم.

قال الفراء: سواء كان في الاشهر الحرم او غيرها وسواء في الحل او في الحرم، وان يأخذوهم، ويحصروهم والحصر المنع من الخروج عن محيط واحصر الرجل إحصارا وحاصره العدو محاصرة وحصارا، وحصر في كلامه حصرا وانحصر الشئ انحصارا. والحصر والحبس والاسر نظائر.

وقوله " واقعدوا لهم كل مرصد " يعني كل موضع يرقب فيه العدو والمرصد الطريق ومثله المرقب والمربأ، يقال: رصده يرصده رصدا، ونصب كل

[174]

مرصد على تقدير على كل مرصد - على قول الاخفش - كما قال الشاعر: نغالي اللحم للاضياف نيا * ونرخصه اذا نضج القدور(1) اي نغالي باللحم.

وقال الزجاج هو ظرف كقولك ذهبت مذهبا وقال الشاعر: إن المنية للفتى بالمرصد(2) فجعله بمنزلة المحدود، والمرصد مبهم، والطريق محدود، فهذا فرق ما بينهما واستدل بهذه الاية على ان تارك الصلاة متعمدا يجب قتله، لان الله تعالى اوجب الامتناع من قتل المشركين بشرطين: احدهما - ان يتوبوا من الشرك. والثاني - ان يقيموا الصلاة، فاذا لم يقيموا الصلاة وجب قتلهم.

قوله تعالى: وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون(6)

آية

قوله " احد " ليست التي تقع في النفي في مثل قولك (ما جاء‌ني احد) لان الايجاب لايصح فيه اعم العام الذي هو هو على الجملة والتفصيل كقولك: ليسوا مجتمعين، ولامتفرقين. ولايصح مثل ذلك في الايجاب، ويصح في الاستفهام لان فيه معنى النفي، ولولا ذلك لم يصح جوابه ب‍ " لا " والتقدير وإن استجارك احد من المشركين استجارك فاضمر الفعل، ولم يجز في الجواب ان يقول: إن يقوم احد زيد يذهب، لقوة " إن " إنها للفعل خاصة ومثله انشد الاخفش: لاتجزعي إن منفسا اهلكته * فاذا هلكت فعند ذلك فاجزعي(3)

___________________________________

(1) مر تخريج هذا البيت في 1 / 470 تعليقة 3.

(2) تفسير القرطبي 8 / 73 ومجاز القرآن 1 / 253.

(3) القرطبي 8 / 77. نسبه للنمير بن تولب.

[175]

فاخبر، ثم جزم على جواب الجزاء، لانها شرط وليس كذلك الجواب، لانه قد يكون بالفاء ولا يجوز اضمار الفعل في شئ من حروف المجازاة إلا في " إن " لانها ام الباب، وهي الاصل الذي يلزمه، قال الشاعر:

فان انت تفعل فللفاعلي‍ *** ن انت المجيرين تلك الغمارا(1)

واما قول الشاعر:

فمتى واغل ينبهم يحيو *** ه ويعطف عليه كأس الساقي

فانما هو ضرورة، لايجوز مثله في الكلام قال الفراء " استجارك " في موضع جزم، وانه فرق بين الجازم والمجزوم ب‍ " احد " وذلك جائز في " ان " خاصة وقد يفرق بينهما وبين المجزوم بالمنصوب والمرفوع، فالمنصوب مثل قولك: إن اخاك ضربت ظلمت، والمرفوع مثل قوله تعالى " إن امرؤ هلك ليس له ولد "(2) امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه واله انه متى استجارك احد من المشركين الذين امرتك بقتالهم اي طلب منه الجار في رفع الاذى عن صاحبه.

وقيل: المعنى ان استأمنك احد فأمنه " حتى يسمع كلام الله " والمشرك يصح ان يسمع كلام الله على الحقيقة لان حكاية كلام الله يطلق عليه الاسم بأنه كلام الله لظهور الامر فيه، ولايحتاج ان يقدر اصل له، كما يقال: كلام سيبويه وغيره. ومن ظن ان الحكاية تفارق المحكي لاجل هذا الظاهر فقد غلط، لان المراد ما ذكرناه فيما يقال في العرف انه كلام الله.

وقوله " ثم ابلغه مأمنه " فالابلاغ النصيير إلى منتهى الحد. والابلاغ والاداء نظائر.

وفي الاية دلالة على بطلان قول من قال: المعارف ضرورية لانها لو كانت كذلك لما كان لطلب ما هو عالم به معنى.

ومعنى قوله " لا يعلمون " اخبار عن جهلهم في افعالهم، لا انهم لايعقلون، وإنما اراد لا ينتفعون بمثله. ولا يعرفون مالهم وعليهم من الثواب والعقاب.

___________________________________

(1) معاني القرآن 1 / 422. نسبه للكميت.

(2) سورة 4 النساء آية 175

[176]

قوله تعالى: كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين(7)

آية.

قال الفراء: هذا على التعجب كما تقول: كيف تستبقي مثلك؟ ! اي لا ينبغي ان يستبقى، وفي قراء‌ة عبدالله: كيف يكون لهم عهد عند الله، ولا ذمة، فادخل الكلام " لا " مع الواو، ولا معنى الاول جحد.

وقال غيره: في الكلام حذف لان الكلام خرج مخرج الانكار عليهم. وتقديره كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله مع اضمار الغدر في عهدم، فجاء الانكار ان يكون لهم عهد مع ما ينبذ من العهد على ذلك، وذلك يقتضي اضمار الغدر فميا وقع من العهد.

ثم استثنى من ذلك " الذين عاهدتم عند المسجد الحرام " فكان ذلك ايجابا فيهم لان ما قبله في معنى النفي، والتقدير ليس للمشركين عهد الا الذين.

وموضع " الذين " يحتمل الجر والنصب.

وحكى الكسائي: اين كنت لتنجو مني اي ماكنت.

و " المسجد " الموضع المهيأ لصلاة الجماعة، والمراد هاهنا مسجد مكة خاصة واصله موضع السجود كالمجلس موضع الجلوس و " الحرام " المحظور بعض احواله فالخمر حرام لحظر شربها وسائر انواع التصرف فيها. والام حرام بحظر نكاحها والمسجد الحرام لحظر صيده وسفك الدم فيه وابتذاله ما يبتذل به غيره.

وقوله " فما استقاموا لكم " معناه ما استمروا لكم على العهد.

والاستقامة الاستمرار على جهة الصواب.

ومتى كان الاستمرار على وجه الخطأ لايسمى استقامة.

ومعنى " فاستقيموا لهم " استمروا لهم على العهد مثلهم والمراد بالذين عوهدوا عند المسجد

[177]

لحرام، قيل فيهم ثلاثة اقوال: قال مجاهد: هم خزاعة.

وقال ابن اسحاق: هم قوم من بني كنانة.

وقال ابن عباس: هم قريش.

وقوله " ان الله يحب المتقين " اخبار منه تعالى انه يحب من يتقي معاصيه ويعمل بطاعاته وانه يريد ثوابه ومنافعه.

وفي الاية دليل على ان تمكين الحربي من المقام في دار الاسلام بعد قضاء حاجته ليس بجائز.

قوله تعالى: كيف وإن يظهروا عليكم لايرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون(8)

آية.

تقدير الاية كيف لهم عهد وكيف لاتقتلونهم وحذف، لان قوله في الاية لاولى " كيف يكون للمشركين عهد " دل على ذلك ومثله قول الشاعر: وخبر تماني أنما الموت في القرى * فكيف وهاتا هضبة وقليب(1) ويروى وهذي اي كيف مات وليس في قرية.

وقال الحطيئة في حذف الفعل بعد كيف: فكيف ولم أعلمهم خذلوكم * على معظم ولا اديمكم قدوا(2) أي كيف تلومونني على مدح قوم وتذمونهم.

والمعنى كيف لهم يعني لهؤلاء المشركين عهد، وهم إن يظهروا عليكم بمعنى يعلوا عليكم بالغلبة، لان الظهور هو العلو بالغلبة. واصله خروج الشئ إلى حيث يصح ان يدرك " لايرقبوا فيكم " معناه لايراعون فيكم، والرقوب هو العمل في الامر على ماتقدم به العهد. والمراقبة والمراعاة نظائر في اللغة.

___________________________________

(1) قائله كعب بن سعد الغنوي. الاصمعيات 99 وتفسير الطبري 14 / 145 وأمالي القالي 2 / 151 ومعاني القرآن 1 / 424.

(2) معاني القرآن 1 / 424

[178]

وقوله: " إلا ولا ذمة " قيل في معنى الئل ستة اقوال: اولها - قال مجاهد وابن زيد: إن معناه العهد.

والثاني - في رواية اخرى عن مجاهد أنه اسم الله.

ومنه قول أبي بكر لما سمع كلام مسيلمة: لم يخرج هذا من إل، فأين يذهب بكم.

الثالث - قال ابن عباس: هو القرابة.

الرابع - قال الحسن: هو الجوار.

الخامس - قال قتادة: هو الحلف.

السادس - قال ابوعبيدة: هو التميز.

والاصل في جميع ذلك العهد وهو مأخوذ من الاليل وهو البريق، يقال: أل يؤل إذا لمع والالة الحربة للمعانها، وأذن مؤللة مشبهة بالحربة في تحديدها وقال الزجاج: اصله التحديد قال الشاعر:

وجدناهم كاذبا إلهم *** وذو الال والعهد لايكذب(1)

أي ذو العهد.

وقال ابن مقبل:

أفسد الناس خلوف خلفوا *** قطعوا الال واعرق الرحم(2)

يعني القرابة، وقال حسان: لعمرك إن إلك في قريش * كال السقب من رأل النعام(3) وقوله " يرضونكم بأفواههم " معناه يقولون قولا يرضيكم بذلك في الظاهر وتأبى قلوبهم أن يذعنوا لكم بتصديق ما يبدونه لكم. ثم اخبر الله تعالى عن حالهم لان الفاسق هو الخارج من الشئ من قولهم فسقت الرطبة. وإنما كان اكثر هم بهذه الصفة ولم يكن جميعهم وإن كانوا كلهم فاسقين لان المراد به رؤساء‌هم.

___________________________________

(1) تفسير الطبري 14 / 148، 149.

(3) ديوانه: 407 واللسان (ألا) وتفسير الطبري 14 / 149

[179]

قوله تعالى: اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون(9)

آية.

قيل في من نزلت هذه الاية بسببه قولان: قال مجاهد: نزلت في ابي سفيان لما جمعهم على طعامه فاطعم حلفاء‌ه وترك حلفاء النبي صلى الله عليه واله.

وقال ابوعلي الجبائي: نزلت في قوم من اليهود دخلوا في العهد فيما دلت عليه هذه الصفة.

ومعنى " اشتروا بآيات الله " استبدلوا بحجج الله وبيناته العظيمة الشأن " ثمنا قليلا " اي عرضا قليلا.

واصل الاشتراء استبدال ما كان من المتاع بالثمن، ونقيضه البيع، وهو العقد على تسليم المتاع بالثمن. والثمن ما كان من العين والورق - في الاصل - ثم قيل لما اخذوه بدل آيات الله ثمن، لانه بمنزلته في أنه يستبدل به.

وقوله " فصدوا عن سبيله " اي صدوا عن الاسلام، ومعنى هذه الفاء كمعنى جواب الجزاء، لان اشتراء‌هم هذا اداهم إلى الصد عن سبيل الله. والصد هو المنع. ثم اخبر تعالى عنهم انهم بئس ما كانوا يعملونه من هذا الاستبدال.

قوله تعالى: لايرقبون في مؤمن إلا ولاذمة وأولئك هم المعتدون(10)

آية.

قد بينا ان المراقبة هي المراعاة لما تقدم من العهد الذي يلزم الديانة، لئلا يقع اخلال بشئ منه. والئل العهد. والذمة عقد الجوار، وهما متقاربان. وفصل بينهما بأن الذمة عقد قوم يذم نقضه. والئل الذي هو العهد عقد يدعو إلى الوفاء والبيان الذي فيه، لانه يلوح المعنى الذي يدعوا إلى الوفاء إذا ضل كل واحد منهما يقتضي هذا.

[180]

وانما اعيد ذكر " لايرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة " لانه في صفة " والذين اشتروا بآيات الله ثمنا " والاول في صفة جميع الناقضين للعهد.

وقال في الثاني " فان تابوا واقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فاخوانكم في الدين "، فلذلك كرر بوصفين مختلفين.

وقال الجبائي: لانه في صفة اليهود خاصة، والاول في صفة الناقضين عامة، وإنما ذموا بترك المراقبة، لان مع تركها الغالب ان يقع إخلال بما تقدم من العقد، فلزمت المراقبة لهذه العلة. وترك المراقبة في عهد المؤمن أعظم منها في ترك عهد غيره لكثرة الزواجر عن الغدر بالمؤمن، لانه ليس من شأنه الغدر.

اخبر الله تعالى عن هؤلاء المشركين انهم لايراعون في المؤمن عقد العهد ولاذمة الجواز، وانهم مع ذلك معتدون. والاعتداء الخروج من الحق واصله المجاوزة، ومنه التعدي وهو تجاوز الحد ومعاداة القوم مجاوزة الحد في البغضة وكذلك العداوة.

والاستعداء طلب معاملة العدو في الايقاع به، والعدو مجاوزة حد السعي.

والغرض بالاية حث المسلمين على قتالهم، وأن لا يبقوا عليهم كما انهم لو ظهروا على المسلمين لم يبقوا عليهم.

قوله تعالى: فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكوة فاخوانكم في الدين ونفصل الايات لقوم يعلمون(11)

آية.

شرط الله لهؤلاء المشركين بأنهم إن تابوا ورجعوا عما هم عليه من الشرك إلى طاعة الله والاعتراف بوحدانيته، والاقرار بالنبي صلى الله عليه واله، وأقاموا الصلاة المفروضة على ما شرعها الله واعطوا الزكاة الواجبة عليهم، فانهم يكونون اخوان المؤمنين في الدين، والايمان وتقديره فهم اخوانكم.

والتوبة هي الندم على القبيح لقبحه مع العزم على ترك العود إلى مثله في القبح، وفي الناس من قال إلى مثله في صفته

[181]

فمن قال ذلك قال توبة المجبوب من الزنا هي الندم على الزنا مع العزم على ترك المعاودة إلى مثله على ما يصح ويجوز من الامكان، وهو انه لو رد الله عزوجل عضوه مازنى، فاما من نسي الذنب فان توبته صحيحة لايؤاخذ بالذنب، لانه مكلف قد ادى جميع ما عليه في الحال، فقد تخلص بذلك من العقاب. فان قيل لم شرط مع التوبة من الشرك وحصول الايمان ايتاء الزكاة؟ مع انه ليس كل مسلم عليه الزكاة ! قلنا: انما يجب عليه بشرط الامكان فاذا اقر بحكم الزكاة مع التعذر عليه دخل في حكم الصفة التي يجب بها.

وقوله " ونفصل الايات " معناه نبينها ونميزها بخاصة لكل واحد منها بما يتميز به من غيرها حتى يظهر مدلولها على اتم ما يكون من الظهور فيها " لقوم يعلمون " ذلك ويثبتونه دون الجهال الذين لا يعقلون عن الله.

قوله تعالى: وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون(12)

آية.

قرأ أهل الكوفة وابن عامر " أئمة " بهمزتين، إلا هشاما عن ابن عامر فانه فصل بين الهمزتين بالف. والباقون بهمزة واحدة وياء بعدها. وفصل بينهما بالف ابوجعفر والمرى عن المسيبي والسوسنجرذي عن يزيد بن اسماعيل.

وقرأ ابن عامر والحسن " لا إيمان لهم " بكسر الالف. الباقون بفتحها.

والكسر يحتمل وجهين: احدهما - انهم ارتدوا، ولا إسلام لهم، ذكره الزجاج قال: ويجوز " لاإيمان لهم " على المصدر، وتقديره لاتأمنوهم بعد نكثهم العهد. والاخر - لانهم كفروا " لا إيمان لهم " ويحتمل أن يكون المراد أنهم آمنوا إيمانا لايفون به فلا إيمان لهم.

[182]

ومن فتح الهمزة فلقوله: " وان نكثوا ايمانهم " ولقوله " عهدهم " وأثبت لهم الايمان.

فان قيل كيف نفى فقال " إنهم لاأيمان لهم " وقد اثبتها في الاول من الاية بقوله " وان كثوا أيمانهم "؟ ! قلنا: اليمين التي اثبتها هي ما حلفوا بها وعقدوا عليها، ولم يفوا، وانما المراد به انهم لاأيمان لهم يفون بها، ويتمسكون بموجبها.

وقال ابوعلي النحوي " أئمة " على وزن " افعلة " جمع إمام نحو مثال وامثلة فصار أئمة، واجتمع همزتان الف أفعلة، والهمزة التي هي فاء الفعل، والتي هي فاء الفعل ساكنة فنقل اليها حركة التي بعدها ليمكن النطق بها. فمن خففها اتى بالهمزتين الاولى مفتوحة والثانية مكسورة. ومن كره ذلك قلب الثانية ياء ولم يجعلها بين بين، لان همزة بين بين في تقدير التحقيق وذلك مكروه عندهم.

وقال الرماني: انما جاز اجتماع الهمزتين في كلمة، لئلا يجتمع على الكلمة تغيير الادغام والانقلاب مع خفة التحقيق لاجل ما بعده من السكون، وهو مذهب ابن ابي اسحاق من البصريين.

والباقون لايجيزونه، ذكره الزجاج، قال لانه يلزم عليه ان يقرأ " أأم " بهمزتين وذلك باطل بالاتفاق.

وعلى هذا القول هذا أأم بهمزتين، قال: وانما قلبت الهمزة في أئمة على حركتها دون حركة ما قبلها، لان الحركة إنما نقلها إلى الهمزة لبيان زنة الكلمة، فلو ذهبت تقلبها على ما قبلها لكان مناقضا للغرض فيها واذا بنيت من الامامة هذا افعل من هذا قلت هذا أوم من هذا في قول المازني - لان اصله كان أأم فلم يمكنه ان يبدل منها الفاء لاجتماع الساكنين، فجعلها واوا كما قالوا في جمع آدم أوادم.

قال الزجاج: وهو القياس وهذا ايم من هذا في قول الاخفش، قال: لانها صارت الياء في أيمة بدلا لازما.

وقوله " وان نكثوا ايمانهم " فالنكث نقض العهد الذي جعل لتوثيق الامر وذلك بالخلاف لما تقدم من العزم.

و " الايمان " جمع يمين، وهو القسم والقسم هو قول عقد بالمعنى لتأكيده، وتغليظ الامره فيه نحو والله ليكونن وتالله ما كان، فيجوز أن يكون من اعطى صفقة بمينه، ويجوز أن يكون من يمن التيسير في فعله.

[183]

وقوله " وطعنوا في دينكم " فالطعن هو الاعتماد بالعيب. واصله الطعن بالرمح، ونحوه في الشئ لنقض بنيته.

وقوله " فقاتلوا أئمة الكفر " امر من الله تعالى بقتال أئمة الكفر، وهم رؤساء الضلال والكفار، والامام هو المتقدم الاتباع، فأئمة الكفر رؤساء الكفر والامام في الخير مهتد هاد، وفي الشر ضال مضل، كما قال تعالى " وجعلناهم ائمة يدعون إلى النار "(1) والمني بائمة الكفر رؤساء قريش، في قول ابن عباس ومجاهد.

وقال قتادة: هم ابوجهل بن هشام، وأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة وابو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وهم الذين هموا باخراجه، وكان حذيفة يقول: لم يأت أهل هذه الاية.

وروي عن ابي جعفر عليه السلام انها نزلت في اهل الجمل وروي ذلك عن علي عليه السلام وعمار، وغيرهما.

ويقول حذيفة قال يزيد بن وهب: قوله " انهم لاأيمان لهم " معناه لاتأمنوهم. ومن كسر معناه، لانهم كفروا لا إيمان لهم.

وقوله " لعلهم ينتهون " معناه لكي ينتهوا. وفي الاية دلالة على ان الذمي إذا اظهر الطعن في الاسلام فانه يجب قتله، لان عهده معقود على أن لايطعن في الاسلام، فاذا طعن فقد نكث عهده.

قوله تعالى: ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين(13)

آية.

قوله " ألا " كلمة موضوعة للتحضيض على الفعل، وأصلها " لا " دخلت عليها

___________________________________

(1) سورة 28 القصص آية 41.

[184]

الف الاستفهام، فصارت تحضيضا كما انها إذا دخلت على " ليس " صارت تقريرا و " ألا " موافقة للتحضيض بالاستقبال و " أليس " إنما هي للحال، فهي موافقة للحال بهذا المعنى.

وإذا قال: " ألا تقاتلون " كان معناه التحضيض على قتالهم وإذا قال: " الا قاتلتم " كان ذلك تأنيبا، لان ما يلزم اذا ترك ذم على تركه ويحض على فعله قبل وقته. حض الله تعالى المؤمنين على قتال الكفار الذين " نكثوا ايمانهم وهموا باخراج الرسول " من مكة اي قصدوه. والهم مقاربه الفعل بالعزم من غير اتباع له، وقد ذموا بهذا الهم ففيه دليل على العزم وقد يستعمل الهم على مقاربة العزم.

وقوله " وهم بدؤكم اول مرة " فالبدوء فعل ما لم يتكرر والمرة الفعلة من المر، والمرة والكرة والدفعة نظائر.

ومعنى " بدؤكم اول مرة " بدؤا حلفاء النبي صلى الله عليه واله بالقتال من خزاعة، في قول الزجاج، وقال ابن اسحاق والجبائي: بدؤوا بنقض العهد.

وقال الطبري: بدؤهم بخروجهم إلى بدر، لقتالهم.

وقوله " اتخشونهم " معناه اتخافونهم. ثم قال: " والله احق ان تخشوه " اي تخافوه " ان كنتم مؤمنين " وفي ذلك غاية الفصاحة لانه جمع بين التقريع والتشجيع. والمعنى أتخشون ان ينالكم من قتالهم مكروه، فالله احق ان تخشوا عقابه في ارتكاب معاصيه إن كنتم مصدقين بعقابه وثوابه.

قوله تعالى: قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين(14) ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم(15)

آيتان.

[185]

هذه امر من الله تعالى للمؤمنين بأن يقاتلوا هؤلاء الناقضين للعهد البادئين بقتال حلفاء النبي صلى الله عليه واله من خزاعة، فانهم اذا قاتلوهم يعذب الله الكفار بأيديهم يعني بأيدي المؤمنين الذين يقاتلونهم، وينصركم ايها المؤمنون ينصركم الله " عليهم ويشف " بذلك " صدور قوم مؤمنين " وفي ذلك دليل على انه اشتد غضب جماعة المؤمنين لله، فوعدهم الله النصر، في قول قتادة والزجاج. وفيها دلالة على نبوة النبي صلى الله عليه واله لانه وعده النصر فكان الامر على ما قال.

وقوله " ويذهب غيظ قلوبهم " قيل المراد بهم خزاعة الذين قاتلوهم، في قول السدي وغيره، لانهم كانوا حلفاء النبي صلى الله عليه واله. والتعذيب ايقاع العذاب لصاحبه والعذاب الم يستمر به، قال عبيد ابن الابرص: والمرء ما عاش في تكذيب * طول الحياة له تعذيب ومعنى " يعذبهم الله بأيديكم " اي انكم اذا تناولتموهم بالسلاح من السيوف والنبل والرماح انزل الله بهم العذاب.

وقال ابوعلي: ذلك مجاوز والمعنى انه لما كان ذلك بأمر الله اضافه إلى نفسه، وهو احسن من الاول.

وقوله " ويخزهم " معناه يذلهم والاخزاء الاذلال بما فيه الفضيحة على صاحبه خزي خزيا واخزاه الله إخزاء. ويجوز في " ويخزهم " ثلاثة أوجه من الاعراب: الجزم باللفظ وعليه القراء. والنصب على الظرف، والرفع على الاستئناف ولم يقرأ بهما.

وقوله " ويشف صدور قوم مؤمنين " فالشفاء سلامة النفس بما يزيل عنها الاذى، فكلما وافق النفس وأزال عنها الهم فهو شفاء وقيل " ويشف صدور قوم مؤمنين " يعني خزاعة، لانهم نقضوا العهد بقتالهم - في قول مجاهد والسدي - والصدور جمع الصدر وهو الموضع الاجل الذي يصدر عنه الامر، ومنه الايراد والاصدار.

وقوله " ويذهب غيظ قلوبهم " معناه يبطل غيظهم ويعدمه. والاذهاب جعل الشي ء يذهب والذهاب الانتقال عن الشئ، والمجئ الانتقال إلى الشئ، والغيظ نقض الطبع بانزعاج النفس.

تقول: غاظه يغيظه غيظا واغتاظ اغتياظا وغايظه مغايظة.

[186]

وقوله " ويتوب الله على من يشاء " معناه يقبل الله توبة من يشاء من عباده.

ووجه اتصال قوله " ويتوب الله على من يشاء " بما قبله من وجهين: احدهما - بشارتهم بأن فيهم من يتوب ويرجع عن الكفر إلى الايمان. والاخر - انه ليس في قتالهم اقتطاع لاحد منهم عن التوبة. ورفع " ويتوب " بخروجه عن موجب القتال فاستأنفه.

وقوله " والله عليم حكيم " معناه عليم بتوبتهم إذا تابوا حكيم في أمركم بقتالهم إذا نكثوا قبل أن يتوبوا ويرجعوا، لان أفعاله كلها صواب وحكمة.

قوله تعالى: أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون(16)

آية.

قوله " ام حسبتم " من الاستفهام الذي يتوسط الكلام فيجعل ب‍ (أم) ليفرق بينه وبين الاستفهام المبتدأ الذي لم يتصل بكلام ولو كان المراد الابتداء لكان اما بالالف أو ب‍ (هل) كقوله " هل اتى على الانسان "(1) والمعنى ظننتم أن تتركوا. والظن والحسبان نظائر، والحسبان قوة المعنى في النفس من غير قطع، وهو مشتق من الحساب لدخوله فيما يحتسب به " ان تتركوا " معنى الترك هو ضد ينافي الفعل المبتدأ في محل القدرة عليه.

ويستعمل بمعنى (ألا يفعل) كقوله " وتركهم في ظلمات لا يبصرون "(2) وقوله " ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم " إذا قيل: لما يفعل، فهو نفي للفعل مع تقريب لوقوعه.

وإذا قيل: لم يفعل، فهو نفي بعد اطماع في وقوعه.

___________________________________

(1) سورة 76 الدهر آية 1.

(2) سورة 2 البقرة آية 17

[187]

والمعنى ولما يجاهدوا ويمتنعوا ان يتخذوا وليجة ويعلم الله ذلك منكم فجاء مجئ نفي العلم لنفي المعلوم، لانه متى كان علم الله انه كائن. وكان ابلغ وأوجز، لانه اتى على طريقة نفي صفات الله تعالى.

وقوله " ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجه " تقديره ولما يعلم الله الذين آمنوا لم يتخذوا من دون الله ولا رسوله وليجه، فالوليجة الدخيلة في القوم من غيرهم تقول: ولج يلج ولوجا وأولج إيلاجا وتولج تولجا بمعنى الدخول. والوليجة والدخيلة والبطانة نظائر. وكل شئ دخل في شئ وليس منه فهو وليجة، قال طرفة:

فان القوافي يتلجن موالجا *** تضايق عنها ان تولجها الابر(1)

وقال آخر: متخذا من ضعوات تولجا * متخذا فيها ايادا دولجا(2) يعني الكأس.

وقال الفراء: نهوا ان يتخذوا بطانة يفشون اليهم اسرارهم.

وقال الجبائي: اتخاذ الوليجة من دون الله ودون رسوله هو النفاق. نهوا أن يكونوا منافقين، وهو قول الحسن، فانه قال: الوليجة هي الكفر والنفاق.

وفي الاية دلالة على انه لايجوز ان يتخذ من الفساق وليجة، لان في ذلك تأليفا بالفسق يجري مجرى الدعاء اليه مع ان الواجب معاداة الفساق والبراء‌ة منهم، ومع ذلك فهو غير مأمون على الاسرار والاطلاع عليها.

قال الزجاج: كانت براء‌ة تسمى الحافرة، لانها حفرت عن قلوب المنافقين، لانه لما فرض القتال تميز المؤمنون من المنافقين ومن يوالي المؤمنين ممن يوالي اعداء‌هم.

___________________________________

(1، 2) مجاز القرآن 1 / 254 واللسان (ولج)

[188]

قوله تعالى: ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون(17)

آية.

قرأ ابن كثير وابوعمرو " مسجد الله " على التوحيد. الباقون على الجمع، فمن قرأ على التوحيد، قال الحسن اراد به المسجد الحرام وبه قال الجبائي.

ويحتمل ان يكون اراد المساجد كلها، لان لفظ الجنس يدل على القليل والكثير.

ومن قرأ على الجمع يحتمل ان يكون اراد جميع المساجد.

ويحتمل ان يكون اراد المسجد الحرام.

وإنما جمع لان كل موضع منه مسجد يسجد عليه.

والقراء‌تان متناسبتان. والاصل في المسجد هو موضع السجود في العرف يعبر به عن البيت المهيأ لصلاة الجماعة فيه. اخبر الله تعالى انه ليس لمشرك ان يعمر مسجد الله. والعمارة ان يجدد منه ما استرم من الابنية، ومنه قولهم: اعتمر اذا زار، لانه يجدد بالزيارة ما استرم من الحال.

وقوله " شاهدين على أنفسهم بالكفر " نصب على الحال، فالشهادة خبر عن علم مشاهد بأن يشاهد المعنى او يظهر ظهور ما يشاهد كظهور المعنى في شهادة أن لا إله إلا الله.

والمعني بذلك أحد شيئين: احدهما - ان فيما يخبرون به دليلا على كفرهم، لان أنهم يقولون نحن كفار، ولكن كما يقال للرجل ان كلامك ليشهد انك ظالم - هذا قول الحسن. والثاني - قال السدي: ان النصراني إذا سئل ما انت؟ قال نصراني واليهودي يقول انا يهودي وعابد الوثن يقول مشرك فذلك شهادتهم على انفسهم بالكفر.

وقال الكلبي: معناه شاهدين على النبي بالكفر، وهو من انفسهم.

وقوله " اولئك حبطت اعمالهم وفي النار هم خالدون " اخبار منه تعالى ان اعمال هؤلاء الذين شهدوا على انفسهم بالكفر باطلة بمنزلة ما لم يعمل، لانهم اوقعوها على وجه لايستحق بها الثواب، وانهم مع ذلك مخلدون في نار جهنم معذبون بأنواع العذاب.

[189]

قوله تعالى: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الاخر وأقام الصلوة وآتى الزكوة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين(18)

آية

اخبر الله تعالى في هذه الاية انه ينبغي الا " يعمر مساجد الله " إلا " من آمن بالله " واقر بوحدانيته واعترف باليوم الاخر يعني يوم القيامة ثم اقام بعد ذلك " الصلاة " بحدودها. وأعطى " الزكاة " الواجبة - ان وجبت عليه - مستحقيها ولم يخف سوى الله احدا من المخلوقين، فاذا فعلوا ذلك فانهم " يكونون من المهتدين " إلى الجنة ونيل ثوابها، لان عسى من الله واجبة ليست على طريق الشك، وهو قول ابن عباس والحسن.

وقال قوم: انما قال عسى ليكونوا على طريق الحذر، مما يحبط اعمالهم، ويدخل في عمارة المساجد عمارتها بالصلاة فيها، والذكر لله. والعبادة له، لان تجديد احوال الطاعة لله من أو كد الاسباب التي تكون بها عامرة، كما ان اهمالها من اوكد الاسباب في اخرابها، وذكر قوله " وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله " بعد ذكر قوله " من آمن بالله واليوم الاخر " يدل على ان الايمان لايقع على افعال الجوارح، لانه لو كان الايمان متناولا لذلك اجمع لما جاز عطفف ما دخل فيه عليه. ومن حمل ذلك على ان المراد به التفصيل وزيادة البيان فيما يشتمل على الايمان تارك للظاهر.

والخشية انزعاج النفس لتوقع ما لايؤمن من الضرر تقول: خشي يخشى خشية فهو خاش، ومثله خاف يخاف خوفا ومخافة، فهو خائف. والخاشي نقيض الامن.

والاهتداء المذكور في الاية هو التمسك بطاعة الله التي تؤدي إلى الجنة وفاعلها يسمى مهتديا.

[190]

قوله تعالى: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الاخر وجاهد في سبيل الله لايستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين(19)

آية.

خاطب الله تعالى بهذه الاية قوما جعلوا القيام بسقي الحجيج وعمارة المسجد الحرام من الكفار مع مقاومهم على الكفر مساويا أو افضل من ايمان من آمن بالله واليوم الاخر وجاهد في سبيل الله، فأخبر تعالى انهما لايستويان عند الله في الفضل لان الذي آمن بالله واليوم الاخر وجاهد في سبيل الله افضل ممن يسقي الحجيج ولم يفعل ذلك.

وفي الاية حذف احد امرين: احدهما - ان يكون تقديره كايمان من آمن بالله وأقام الاسم مقام المصدر، لان اصل السقاية مصدر كما قال الشاعر: لعمرك ما الفتيان ان تنبت اللحى * ولكنما الفتيان كل فتى ندى(1) اي فتيان نبات.

والسقاية آلة تتخذ لسقي الماء.

وقيل كانوا يسقون الحجيج الماء والشراب.

وبيت البئر سقاية ايضا قال الرماني المشبه لايجوز ان يكون مجاهدا في سبيل الله لانه لايعرف الله فيتبع امره في ذلك والمجاهد اذا عرف الله صح ان يكون مطيعا بالجهاد لاتباعه امر الله فيه.

وروي عن ابي جعفر وابي عبدالله عليهما السلام ان الاية نزلت في امير المؤمنين عليه السلام والعباس.

وروى الطبري باسناده عن ابن عباس انها نزلت في العباس حين قال يوم بدر: إن سبقتمونا إلى الاسلام والهجرة لم تسبقونا إلى سقاية الحاج وسدنة البيت، فأنزل الله الاية.

وروى الطبري باسناده عن الحسن انها نزلت في علي والعباس وعثمان وشيبة.

وقال الشعبي: نزلت في علي والعباس، وبه قال ابن وهب والسدي.

___________________________________

(1) تفسير الطبري 14 / 172 ومعاني القرآن 1 / 427

[191]

وقوله " والله لا يهدي القوم الظالمين " اخبار منه تعالى انه لايهدي احدا ممن ظلم نفسه وكفر بآيات الله، وجحد وحدانيته إلى الجنة كما انه يهدي اليها من كان عارفا بذلك فاعلا لطاعته مجتنبا لمعصيته.

واختلفوا في سبب نزول الاية فقال قوم: سأل المشركون اليهود فقالوا: نحن سقاة الحجيج وعمار المسجد الحرام أفنحن أفضل ام محمد واصحابه؟ فقالت اليهود لهم: انتم افضل، عنادا للنبي صلى الله عليه واله والمؤمنين.

وقال آخرون: تفاخر المسلمون الذين جاهدوا والذين لم يجاهدوا. فنزلت الاية، ذكره الزجاج.

الآية: 20 - 39

قوله تعالى: ألذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون(20)

آية.

موضع " الذين " رفع بالابتداء وخبره اعظم درجة. اخبر الله تعالى ان الذين آمنوا يعني صدقوا بالله واعترفوا بوحدانيته، وأقروا بنبوة نبيه، وهاجروا عن اوطانهم التي هي دار الكفر إلى دار الاسلام، وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وانفسهم اعظم درجة عند الله. ومعناه يتضاعف فضلهم عند الله مع شرف الجنس. ولو قال اعلى درجة افاد شرف الجنس فقظ.

وقوله " اولئك هم الفائزون " اخبار منه تعالى ان من وصفه هم الذين يظفرون بالبغية ويدركون الطلبة، لان الفوز هو الظفر بالبغية وهو والفلاح والنجاح نظائر. وقيل: إنه يلحق بمثل منزلة المجاهدين من لم يجاهد بأن يجاهد في طلب العلم الديني فيتعلمه ويعلم غيره ويدعو اليه والى الله. وربما كانت هذه المنزلة فوق تلك فان قيل كيف قال " اعظم درجة " من الكفار بالساقية والسدانة؟ قلنا: على ما روينا عن ابي جعفر وابي عبدالله عليهما السلام وابن عباس وغيرهم لايتوجه السؤال عن

[192]

ذلك لان المفاضلة جرت بينهم، لان لجميعهم الفضل عند الله ومن لا يقول ذلك يجيب بجوابين: احدهما - انه على تقدير ان لهم بذلك منزلة كما قال تعالى " اصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا "(1) هذا قول الحسن وأبي علي. والثاني - قال الزجاج المعنى اعظم من غيرهم درجة.

و (الذي) يجوز وصفها ولا يجوز وصف " من " اذا كانت بمعنى الذي، لان " من " تكون تارة معرفة موصولة فلذلك افترقا.

وقيل معنى " الفائزي " انهم الظافرون بثواب الله الذي استحقوه على طاعتهم.

قوله تعالى: يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم(21)

آية.

في الاية اخبار من الله تعالى بالبشارة واعلام للذين آمنوا وهاجروا برحمة من جهته تعالى، والبشرى والبشارة الدلالة على ما يظهر به السرور في بشرة الوجه تقول بشرته أبشره بشرى وابشر ابشارا واستبشر استبشارا وتباشر تباشرا وبشره تبشيرا فاما باشره مباشرة، فبمعنى لاقاه ببشر ورضوان. وهو معنى يستحق بالاحسان، يدعو إلى الحمد على ما كان، ويضاد سخط الغضبان، تقول: رضي رضا ورضوانا وأرضاه إرضاء وترضاه ترضيا وارتضاه ارتضاء واسترضاه استرضاء وتراضوه تراضيا.

وقوله " وجنات " يعني البساتين التي يجنها الشجر، وأما الرياض فهي الموطأة للخضرة التي قد ينبت فيها نبات الزهر ومنه الرياضة لانها توطئة لتقريب العمل.

وقوله " لهم فيها نعيم مقيم " فالنعيم لين العيش اللذيذ، وهو مشتق من النعمة

___________________________________

(1) سورة 25 الفرقان آية 24

[193]

وهي اللين، وأما النعمة بكسر النون، فهي منفعة يستحق بها الشكر لانها كنعم العيش والمقيم الدائم بخلاف الراحل فكأنه قال: المقيم ابدا.

قوله تعالى: خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم(22)

آية.

" خالدين " نصب على الحال من الهاء والميم في قوله: " لهم " والخلود في العرف الدوام في الشئ كالخلود في الجنة مأخوذ من قولهم: خلد هذا الكتاب في الديوان على تقدير الدوام من غير انقطاع. والابد الزمان المستقبل من غير آخر كما أن (قط) للماضي تقول: ما رأيته قط، ولا أراه ابدا وجمع الابد آباد وأبود تقول لا أفعل ذلك أبدا، وتأبد المنزل اذا اقفر وأتى على الابد، والا وابد الوحوش سميت بذلك لطول أعمارها وبقائها.

وقيل: لم يمت وحش حتف أنفه وانما يموت بآفة، وجاء فلان بأبدة اي بداهية وأتان آبد تسكن القفر متأبدة.

وقوله " ان الله عنده أجر عظيم " اخبار منه تعالى ان عنده الجزاء أي في مقدوره الجزاء الذي يستحق بالاعمال تقول: أجره يأجره أجرا وآجره إجارة واستأجره استئجارا ومنه الاجير.

وقوله " عظيم " يعني كبير متضاعف لاتبلغه نعمة غيره من الخلق، والابد قطعة من الدهر متتابعة في اللغة قال الحر بن البعيث: أهاج عليك الشوق اطلاق ذمنة * بناصفة البردين أو جانب الهجل اتى ابد من دون حدثان عهدها * وجرت عليها كل نافحة شمل(1) ومن الدليل على أن الايد قطعة من الدهر أنه ورد مجموعا في كلامهم. قالت صفية بنت عبدالمطلب تخاطب ولدها الزبير:

وخالجت آباد الدهور عليكم *** وأسماء لم تشعر بذلك أيم

___________________________________

(1) اللسان " شمل "

[194]

فلو كان زبر مشركا لعذرته * ولكن زبرا يزعم الناس مسلم ويقال: تأبد الربيع إذا مر عليه قطعة من الدهر وليس يعنون انه مر عليه أبد لاغاية له قال مزاحم العقيلي: أتعرف بالغريق دارا تأبدت * من الحي واستبقت عليها العواصف فأما الخلود، فليس في كلام العرب ما يدل على انه بقاء لاغاية له وإنما يخبرون به عن البقاء إلى مدة كما قال المخبل السعدي:

الا رمادا هامدا دفعت *** عنه الرياح خوالد سحم(1)

 اراد دفع الرياح عن النؤي إلى هذا الوقت هذه الاثافي التي بقيت إلى هذا الوقت.

قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباء‌كم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الايمان ومن يتولهم منكم فاولئك هم الظالمون(23)

آية.

روي عن ابي جعفر وابي عبدالله عليهما السلام ان هذه الاية نزلت في حاطب بن بلتعة حيث كتب إلى قريش بخبر النبي صلى الله عليه واله حين أراد فتح مكة. هذه خطاب من الله تعالى للمؤمنين ينهاهم فيه عن اتخاذ آبائهم وإخوانهم أولياء متى استحبوا الكفر. وآثروه على الايمان.

و " الاتخاذ " هو الافتعال من اخذ الشئ.

والاتخاذ اعداد الشئ لامر من الامور.

واتخاذهم اولياء: هو ان يعتقدوا موالاتهم ووجوب نصرتهم فيما ينوبهم، وليس ذلك بمانع من صلتهم. والاحسان اليهم، لانه تعالى حث على ذلك، فقال: " وان جاهداك على ان تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا

___________________________________

(1) مر هذا البيت في 2 / 28

[195]

معروفا(1). والاب والوالد نظائر. والاخ الشقيق في النسب من قبل الاب والام، وكل من رجع مع آخر إلى واحد في النسب من والد ووالد ة، فهو أخ.

والاولياء جمع ولي وهو من كان مختصا بايلاء التصرف في وقت الحاجة.

وقال الحسن: من تولى المشرك. فهو مشرك. وهذا إذا كان راضيا بشركه، ويكون سبيله سبيل من يتولى الفاسق أن يكون فاسقا.

وقوله " إن استحبوا الكفر على الايمان " معناه إن طلبوا محبة الكفر على الايمان. وقد يكون استحب بمعنى أحب كما ان استجاب بمعنى اجاب. ثم اخبر تعالى ان من استحق الكفار على المؤمنين فانهم أيضا ظالمون نفوسهم والباخسون حظها من الثواب، لانهم وضعوا الموالاة في غير موضعها.

قوله تعالى: قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لايهدي القوم الفاسقين(24)

آية.

قرأ ابوبكر عن عاصم و " عشيراتكم " على الجمع. الباقون على التوحيد.

من جمع فلان كل واحد من المخاطبين له عشيرة، فاذا جمع قال وعشيراتكم.

ومن افرد قال العشيرة تقع على الجمع.

وقال ابوالحسن: العرب لاتجمع العشيرة عشيرات. وانما تقول عشائر.

___________________________________

(1) سورة 31 لقمان آية 15

[196]

أمر تعالى بهذه الاية نبيه صلى الله عليه واله أن يخاطب هؤلاء الذين تخلفوا عن الهجرة إلى دار الاسلام. وأقاموا بدار الكفر.

وقال الجبائي: هو خطاب للمؤمنين أجمع وتحذير لهم من ترك الجهاد وحث لهم عليه، فأمره أن يقول لهم " إن كان (باؤكم " الذين ولدوكم " وأبناؤكم " الذين ولدتموهم، وهم الاولاد الذكور " وأزواجكم " جمع زوجة وهي المرأة التي عقد عليها عقدة نكاح صحيح، لان ملك اليمين والمعقود عليها عقد شبهة لاتسمى زوجة " وعشيرتكم " وهي الجماعة التي ترجع إلى عقد كعقد العشرة.

ومنه المعاشرة، وهي الاجتماع على عقد يعم.

ومنه العشار النوق التي أتى على حملها عشرة أشهر " وأموال جمع مال " اقترفتموها " أي اقتطعتموها واكتسبتموها، ومثله الاحتراف.

والاقتراف اقتطاع الشئ عن مكانه إلى غيره " وتجارة تخشون كسادها " يعني ما اشتريتموه طلبا للربح تخافون خسرانها ووقوفها " ومساكن " جمع مسكن وهي المواضع التي تسكنونها وترضونها " أحب اليكم من الله ورسوله " يعني آثر في نفسوكم وأقرب إلى قلوبكم.

والمحبة إرادة خاصة للشئ فمن أحب الجهاد فقد أراد فعله ومن أحب الله أراد شكره وعبادته ومن أحب النبي أراد إجلاله وإعظامه.

والذي اقتضى نزول هذه الاية محبتهم التي منعتهم الهجرة.

وقوله " فتربصوا " اي فتثبتوا. والتربص التثبت في الشئ حتى يجئ وقته.

والتربص والتنظر والتوقف نظائر في اللغة. ونقيضه التعحل بالامر.

وقال مجاهد قوله " حتى يأتي الله بأمره " من عقوبة عاجلة أو آجلة.

وقوله " والله لا يهدي القوم الفاسقين " معناه إنه لايهديهم إلى الثواب والجنة لانه تعالى قد هداهم إلى الايمان فقال " وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى "(1)

___________________________________

(1) سورة 41 حم السجدة (فصلت) آية 17

[197]

قوله تعالى: لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين(25)

آية.

أقسم الله تعالى في هذه الاية - لان لام " لقد " لام القسم - بأنه نصر المؤمنين في مواطن كثيرة ومواطن في موضع جر ب‍ " في " وانما نصب، لانه لاينصرف لانه جمع لانظير له في الاحاد، فلا ينصرف.

وجر كثيرة على المواضع وأنثه على اللفظ.

ومواطن جمع موطن.

ومعنى النصر الغلبة على العدو.

والمعونة قد تكون في حمل الثقيل، وتكون في شراء متاع وتكون في قضاء حاجة، ولايكون النصر إلا المعونة على العدو خاصة.

والمواطن هو الموضع الذي يقيم فيه صاحبه وإنما قد أقاموا في هذه المواطن للقتال.

ومعنى كثيرة روي عن أبي عبدالله عليه السلام انها كانت ثمانين موطنا، والكثيرة عدة زائدة على غيرها فهي كثيرة بالاضافة إلى ما دونها قليلة بالاضافة إلى ما فوقها.

وقوله " ويوم حنين "، وحنين اسم واد بين مكة والطائف في قول قتادة.

وقال عروة: هو واد إلى جانب ذي المجاز، فلذلك صرف، ويجوز ترك صرفه على انه اسم للبقعة قال الشاعر: نصروا نبيهم وشدوا أزره * بحنين يوم تواكل الابطال(1) وقوله " إذ أعجبتكم كثرتكم " فالاعجاب السرور بما يتعجب منه، والعجب السرور بالنفس على الفخر بما يتعجب منه.

وقال قتادة: إنه كان سبب انهزام المسلمين يوم حنين أن بعضهم قال حين رأى كثرة المسلمين يوم حنين لانهم كانوا اثني عشر ألفا، فقال: لن نغلب اليوم عن قلة. فانهزموا بعد ساعة. وقيل: إنهم كانوا عشرة آلاف.

وقال بعضهم: ثمانية آلاف والاول أشهر. ولما انهزموا لم يبق مع النبي صلى الله عليه واله الا تسعة نفر من بني هاشم وأيمن ابن ام ايمن. والعباس بن عبد المطلب.

___________________________________

(1) قائله حسان ديوانه 334 ومعاني القرآن 1 / 429 واللسان (حنن)

[198]

وابوسفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعلي بن ابي طالب عليه السلام في آخرين، فأخذ النبي صلى الله عليه واله كفا من الحصباء فرماهم به، وقال شاهت الوجوه فانهزم المشركون.

وقوله " فلم تغن عنكم شيئا " معناه لم تغن كثرتكم شيئا، والاغناء اعطاء ما يرفع الحاجة. ولذلك قيل في الدعاء أغناك الله " فلم تغن عنكم شيئا " معناه لم تعطلكم مايرفع حاجتكم.

وقوله " وضاقت عليكم الارض بما رحبت " معناه ليس فيها موضع يصلح لكم لفراركم عن عدوكم. والضيق مقدار ناقص عن مقدار، والرحب السعة في المكان وقد يكون في الرزق. والسعة في النفقة.

وقوله " ثم وليتم مدبرين " فالادبار الذهاب إلى جهة الخلف والاقبال إلى جهة القدام. والمعنى وليتم عن عدوكم منهزمين. وتقديره وليتموهم الادبار.

وكانت غزوة حنين عقيب الفتح في شهر رمضان أو في شوال سنة ثمان.

فان قيل كيف قال انه نصرهم في مواطن كثيرة؟ والمؤمنون منصورون في جميع الاحوال؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - ان ذلك اخبار بأنه نصرهم دفعات كثيرة ولا يدل على انه لم ينصرهم في موضع آخر، والثاني - لانهم لما انهزموا لم يكونوا منصورين وكان ذلك منهم خطأ وإن وقع مكفرا.

قوله تعالى: ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين(26)

آية.

[199]

اخبر الله تعالى أنه حين انهزم المسلمون وبقي النبي صلى الله عليه واله في نفر من قومه أنه أنزل السكينة، وهي الرحمة التي تسكن اليها النفس ويزول معها الخوف حتى رجعوا اليهم. وقاتلوهم وهزمهم الله تعالى بأن أنزل النصر وأنزل السكينة. وقيل السكينة هي الطمأنينة والامنة.

وقال الحسن: هي الوقار قال الشاعر:

لله قبر غالها ماذا يجن *** لقد اجن سكينة ووقارا(1)

وقوله " وأنزل جنودا لم تروها " والجنود هي الجموع التي تصلح للحروب. والمراد بها هاهنا الملائكة، جند واجناد وجنود، فانزل الله الملائكة مدادا للمؤمنين وقال الجبائي: إنما نزلت الملائكة يوم حنين من جهة الخاطر الذي يشجع قلوبهم ويجبن عنهم اعداء‌هم، ولم تقاتل إلايوم بدر خاصة.

وقوله " وعذب الذين كفروا " معناه - هاهنا - القتل والاسر وسلب الاموال مع الاذلال والصغار. ثم قال " وذلك " يعني ذلك العذاب " جزاء الكافرين " من جحد نعم الله وانكر وحدانيته، وجحد نبوة نبيه مع ما أعده لهم من عذاب النار.

قوله تعالى: ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم(27)

آية

معنى (ثم) هاهنا العطف على الفعل الاول، وقد ذكرت (ثم) في ثلاثة مواضع متقاربة: فالاول - عطف على ما قبلها. والثانية - عطف على " وليتم مدبرين، ثم انزل الله سكينته " والثالثة - عطف على (أنزل.. ثم يتوب) وانما حسن عطف المستقبل على الماضي لانه مشاكله فان الاول تذكير بنعمه والثاني وعد بنعمه.

والتوبة هي الندم على ما مضى من القبيح، والعزم على أن لايعود إلى مثله إما في

___________________________________

(1) مجاز القرآن 1 / 286

[200]

الجنس او في القبح على الخلاف فيه، فشرط الندم بالعزم، لان الندم إنما هو على الماضي والعزم على ما يستقبل، فلو لم يجتمعا لم تكن توبة.

ومعنى " ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء " انه يقبل التوبة من بعد هزيمة من انهزم. ويجوز أن يكون المراد بعد كفر من كفر يقبل توبة من يتوب ويرجع إلى طاعة الله والاسلام ويندم على ما فعل من القبيح " على من يشاء " وإنما علقه بالمشيئة، لان قبول التوبة واسقاط العقاب عندها تفضل - عندنا - ولو كان ذلك واجبا لما جاز تعلق ذلك بالمشيئة كما لم يعلق الثواب على الطاعة والعوض على الالم في موضع بالمشيئة.

ومن خالف في ذلك قال: إنما علقها بالمشيئة، لان منهم من له لطف يؤمن عنده فالله تعالى يشاء أن يلطف له مع صرف العمل في ترك التوبة إلى الله.

وقوله " والله غفور رحيم " معناه انه ستار للذنوب لا يفضح احدا على معاصيه بل يسترها عليه إذا تاب منها، وهو رحيم بعباده.

قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس لا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم علية فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم(28)

آية.

هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين يخبرهم فيه أن المشركين انجاس ويأمرهم ان يمنعوا المشركين من أن يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا أي الذي أشار اليه، وهي سنة تسع من الهجرة التي نبذ فيها براء‌ة المشركين. وكانت بعده حجة الوداع - وهو قول قتادة وغيره من المفسرين - والمراد بالمسجد الحرام الحرم كله - في قول عطاء وغيره - وكل شئ مستقذر في اللغة يسمى نجسا، فاذا استعمل مفرد قيل: نجس - بفتح النون والجيم معا - ويقع على الذكر والانثى سواء.

[201]

وظاهر الاية يقتضي أن الكفار أنجاس، ولا يجوز مع ذلك أن يمكنوا من دخول شئ من المساجد، لان شركهم أجري مجرى القذر الذي يجب تجنبه، وعلى هذا من باشر يد كافر، وجب عليه ان يغسل يده إذا كانت يده او يد المشرك رطبة. وإن كانت ايديهما يا بستين مسحها بالحائط.

وقال الحسن: من صافح مشركا فليتوضأ، ولم يفصل.

واختلفوا في هل يجوز دخولهم المسجد الحرام بعد تلك السنة أم لا؟ فروي عن جابر ابن عبدالله، وقتادة أنه لايدخله احد إلا أن يكون عبدا او أحدا من اهل الذمة.

وقال عمر بن عبدالعزيز: لا يجوز لهم دخول المسجد الحرام، ولا يدخل احد من اليهود والنصارى شيئا من المساجد بحال. وهذا هو الذي نذهب اليه.

وقال الطبري وقتادة: سموا انجاسا، لانهم لايغتسلون من جنابة.

وقوله " فان خفتم عيلة " فالعيلة الفقر، تقول: عال يعيل إذا افتقر قال الشاعر: وما يدري الفقير متى غناه * وما يدري الغني متى يعيل(1) وكانوا خافوا انقطاع المتاجر بمنع المشركين، فقال الله تعالى " وإن خفتم عيلة " يعني فقرا بانقطاعهم، فالله يغنيكم من فضله إن شاء - في قول قتادة ومجاهد - وإنما علقه بالمشيئة لاحد أمرين: أحدهما - لان منهم من لا يبلغ هذا المعنى الموعود به، لانه يجوز ان يموت قبله - في قول ابي علي - والثاني - لتنقطع الامال إلى الله تعالى، كما قال " لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمين "(2).

وقوله " أن الله عليم حكيم " معناه عالم بمصالحكم حكيم في منع المشركين من دخول المسجد الحرام.

___________________________________

(1) مر هذا البيت في 3 / 109 وهو في مجاز القرآن 1 / 255.

(2) سورة 48 الفتح آية 27.

[202]

قوله تعالى: قاتلوا الذين لايؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولايحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون(29)

آية.

قوله تعالى " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولاباليوم الاخر " امر من الله تعالى لنبيه وللمؤمنين بأن يقاتلوا الذين لايعترفون بتوحيد الله، ولا يقرون باليوم الاخر والبعث والنشور. وذلك يدل على صحة مذهبنا في اليهود والنصارى وأمثالهم انه لايجوز أن يكونوا عارفين بالله وإن أقروا بذلك بلسانهم. وانما يجور أن يكونوا معتقدين لذلك اعتقادا ليس بعلم. والاية صريحة بأن هؤلاء الذين هم أهل الكتاب الذين تؤخذ منهم الجزية لايؤمنون بالله ولا باليوم الاخر وانه يجب قتالهم " حتى يعطوا الجزية عن يد ".

ومن قال: إنهم يجوز أن يكونوا عارفين بالله تعالى، قال: الاية خرجت مخرج الذم لهم، لانهم بمنزلة من لا يقربه في عظم الجرم. كما انهم بمنزلة المشركين في عبادة الله بالكفر.

وقال الجبائي: لانهم يضيفون اليه ما لا يليق به فكأنهم لايعرفونه. وانما جمعت هذه الاوصاف لهم ولم يذكروا بالكفار من اهل الكتاب للتحريص على قتالهم بما هو عليه من صفات الذم التي توجب البراء‌ة منهم والعداوة لهم.

وقوله " ولا يدينون دين الحق " يدل على ان دين اليهودية والنصرانية غير دين الحق، وذلك يقوي انهم غير عارفين بالله، لانهم لو كانوا عارفين كانوا في ذلك محقين، فأما اعتقادهم لشريعة التوارة فانما وصف بأنه غير حق لامرين: احدهما - انها نسخت فالعمل بها بعد النسخ باطل غير حق. الثاني - ان التوراة التي هي معهم مغيرة مبدلة لقوله " يحرفون الكلم عن مواضعه "(1) ويقلبونه عن معانيه.

وقوله " ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله " معناه انهم لايعترفون بالاسلام.

___________________________________

(1) سورة 4 النساء آية 45 وسورة 5 المائدة آية 14

[203]

الذي هو الدين الحق، ولا يسلمون لامر الله الذي بعث به نبيه محمد صلى الله عليه واله في تحريم حرامه وتحليل حلاله.

والدين في الاصل الطاعة قال زهير:

لئن حللت بجو في بني اسد *** في دين عمرو وحالت بيننا فدك(1)

وقوله " حتى يعطوا الجزية عن يد " فالجزية عطية عقوبة جزاء على الكفر بالله على ما وضعه رسول الله صلى الله عليه واله على أهل الذمة - وهو على وزن جلسة، وقعدة - لنوع من الجزاء. وإنما قيل " عن يد " ليفارق حال الغصب على اقرار أحد.

وقال ابوعلي: معناه يعطونا من ايديهم يجيئون بها بنفوسهم لاينوب عنهم فيها غيرهم إذا قدروا عليه. فيكون أذل لهم.

وقال قوم: معناه عن نقد كما يقال: باع يدا بيد.

وقال آخرون: معناه عن يد لكم عليهم ونعمة تسدونها اليهم بقبول الجزية منهم.

وقال الحسين بن علي المغربي: معناه عن قهر، وهو قول الزجاج.

وقوله " وهم صاغرون " فالصغار الذل والنكال الذي يصغر قدر صاحبه، صغر يصغر صغارا، فهو صاغر.

وقيل: الصغار اعطاء الجزية قائما، والاخذ جالس ذهب اليه عكرمة والجزية لاتؤخذ عندنا إلا من اليهود والنصارى والمجوس. وأما غيرهم فلايقبل منهم غير الاسلام أو السبي. وانما كان كذلك لماعلم الله تعالى من المصلحة في اقرار هؤلاء على كفرهم ومنع ذلك في غيرهم، لان هؤلاء على كفرهم يقرون بألسنتهم بالتوحيد وبعض الانبياء، وان لم يكونوا على الحقيقة عارفين. واولئك يجحدون ذلك كله، فلذلك فرق بينهما.

فان قيل: اعطاء الجزية منهم لايخلوا أن يكون طاعة او معصية، فان كان معصية فكيف أمر الله بها؟ وإن كان طاعة وجب أن يكونوا مطيعين لله. قلنا: إعطاؤهم ليس بمعصية.

وأما كونها طاعة لله فليس كذلك، لانهم انما يعطونها دفعا للقتل عن انفسهم لاطاعة لله. فان الكافر لايقع منه طاعة عندنا

___________________________________

(1) ديوانه 183 ومجاز القرآن 1 286 وتفسير الطبري 14 198

[204]

بحال، لانه لو فعل طاعة لله لاستحق الثواب والاحباط باطل، فكان يجب ان يكون مستحقا للثواب وذلك خلاف الاجماع.

قوله تعالى: وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون(30)

آية.

قرأ " عزير " بالتنوين عاصم والكسائي وعبدالوارث عن ابي عمرو. الباقون بترك التنوين.

وقرأ عاصم وحده " يضاهؤن " بالهمزة. الباقون بغير همزة.

من ترك التنوين في " عزير " قيل في وجه ذلك ثلاثة أقوال: أحدها - انه اعجمي معرفة لاينصرف.

والثاني - لان ابن هاهنا صفة بن علمين والخبر محذوف والتقدير معبودنا أو نبينا عزير ابن الله.

الثالث - انه حذف التنوين لالتقاء الساكنين تشبيها بحرف اللين، كما قال الشاعر:

فالفيته غير مستعتب *** ولا ذاكر الله إلا قليلا(1)

هذا الوجه قول الفراء: وعند سيبويه هو ضرورة في الشعر قال أبوعلي: من نونه جعله مبتدأ وجعل ابنا خبره، ولابد مع ذلك من التنوين في حال السعة والاختيار، لان ابا عمرو وغيره يصرف عجميا كان او عربيا.

ومن حذف التنوين يحتمل وجهين: أحدهما - أنه جعل الموصوف والصفة بمنزلة اسم واحد، كما يقال: لارجل ظريف. وحذف التنوين ولم يحرك لالتقاء الساكنين، كما يحرك يازيد العاقل، لان الساكنين كأنهما التقيا في تضاعيف كلمة واحدة، فحذف الاول منهما ولم يحرك لكثرة الاستعمال.

___________________________________

(1) مر تخريجه في 2 / 76 تعليقة 3

[205]

والوجه الاخر - أن يجعل مبتدأ والاخر الخبر مثل من نون وحذف التنوين لالتقاء الساكنين، وعلى هذا قراء‌ة من قرأ " قل هو الله احد الله " فحذف التنوين لالتقاء الساكنين.

فان قيل كيف أخبر الله عن اليهود بانهم يقولون عزير ابن الله واليهود تنكر هذا؟ ! قلنا: إنما اخبر الله بذلك عنهم، لان منهم من كان يذهب اليه، والدليل على ذلك ان اليهود في وقت ما انزل الله القرآن سمعت هذه الاية فلم تنكرها. وهو كقولك: الخوارج تقول بتعذيب الاطفال، وإنما يقول بذلك الازارقة منهم خاصة.

قال ابن عباس: القائل لذلك جماعة جاء‌وا إلى النبي صلى الله عليه واله، فقالوا له ذلك، وهم سلام ابن مشكم، ونعمان بن اوفى، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، فانزل الله فيهم الاية.

وقوله " ذلك قولهم بأفواههم " معنا انه لايرجع إلى معنى صحيح: فهو لا يجاوز افواههم، لان المعنى الصحيح ما رجع إلى ضرورة العقل او حجته او برهانه او دليل سمعي.

وقوله " يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل " معناه يشابهون. ومنه قولهم امرأة ضهياء التي لاتحيض، ولايخرج ثدياها اي اشبهت الرجال.

وقال أبوعلي الفارسي: ليست يضاهؤن من قولهم امرأة ضهياء، لان هذه الهمزة زائدة غير اصلية لانه ليس في الكلام شئ على وزن (فعيآء) ويشبه ان يكون ذلك لغة، كما قالوا ارجأت وأرجيت.

واختار الزجاج أن تكون الهمزة أصلية، كما جاء كثير من الاشياء على وزن لايطرد نحو (كنهبل) وهو الشجر العظام، وكذلك (قر نفل) لانظيرله. ووزنه (فعنلل).

وقال ابن عباس " الذين كفروا " اراد به عبدة الاوثان، وقال الفراء: يشابهونهم في عبادة اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى.

وقال قوم في قولهم: الملائكة بنات الله.

وقال الزجاج: شابهوهم في تقليدهم اسلافهم في هذا القول.

وقوله " قاتلهم الله " قيل في معناه ثلاثة اقوال: احدها - قال ابن عباس معناه لعنهم الله.

الثاني - معناه قتلهم الله كقولهم عافاه الله من السوء.

[206]

الثالث - كالمقاتل لغيره في عداوة الله.

وقوله " انى يؤفكون " معناه كيف يصرفون عن الحق إلى الافك الذي هو الكذب، ورجل مأفوك عن الخير وارض مأفوكة صرف عنها المطر قال الشاعر: أنى الم بك الخيال تطيف.

قوله تعالى: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون(31)

آية.

اخبر الله تعالى عن هؤلاء اليهود والنصارى الذين حكى حكايتهم انهم اتخذوا احبارهم، وهو جمع حبر، وهو العالم الذي صناعته تحبير المعاني بحسن البيان وقيل حبر وحبر - بفتح الباء وكسرها - حكاه الفراء. والرهبان جمع راهب وهو الخاشي الذي يظهر عليه للناس الخشية.

وقد كثر استعماله في متنسكي النصارى وروي عنه صلى الله عليه واله أن معنى اتخاذهم أربابا أنهم قبلوا منهم التحريم والتحليل بخلاف ما أمر الله تعالى، وهو المروي عن ابي جعفر وابي عبدالله عليهما السلام، فسمى الله ذلك اتخاذهم إياهم أربابا من حيث كان التحريم والتحليل لايسوغ إلا الله تعالى. وهو قول أكثر المفسرين.

وقوله " والمسيح ابن مريم " عطف على الارباب أي واتخذوا عيسى ربا.

وقوله " وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا " معناه ان الله تعالى لم يأمر هؤلاء اليهود والنصارى وغيرهم إلا بعبادة الله وحده لاشريك له. ثم أخبر فقال " لا إله إلا هو سبحانه " يعني تنزيها عما يشركون.

ومعنى سبحانه براء‌ة الله من السوء كما قال الشاعر:

[207]

أقول لما جاء‌ني فخره *** سبحان من علقمة الفاخر(1)

والاية تدل على أن المشرك مع الله في التحليل والتحريم على مخالفة امر الله كالمشرك في عبادة الله، لان استحلال ما حرم الله كفر بالاجماع. وكل كافر مشرك ولا يلزم على ذلك أن يكون من قبل من الشيطان باغوائه فارتكب المعاصي أن يكون كافرا على ما استدل به بعض الخوارج، لانه إذا قبل من الشيطان ما يعتقد انه معصية ولا يقصد بذلك طاعة الشيطان ولا تعظيمه يكون فاسقا، ولايكون كافرا.

وليس كذلك من ذكره الله تعالى في الاية، لانهم كانوا يقبلون تحريم علمائهم واحبارهم ويقصدون بذلك تعظيمهم. ولا يلزم على ذلك قبول المعاصي من العالم، لان العامي يعتد بالرجوع إلى العالم فيقبل منه ما أدى اجتهاده اليه وعلمه، فاذا قصد العالم وافتاه بغير ما علمه فهو المخطئ دون المستفتي.

وليس كذلك هؤلاء، لانهم ما كانوا تعبدوا بالرجوع إلى الاحبار والقبول منهم لانهم لو كانوا تعبدوا بذلك لما ذمهم الله على ذلك.

قوله تعالى: يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون(32)

آية.

اخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى انهم " يريدون ان يطفؤا نور الله بافواههم " والاطفاء اذهاب نور النار. ثم استعمل في اذهاب كل نور.

و " نور الله " القرآن والاسلام، في قول المفسرين: السدي والحسن.

وقال الجبائي: نور الله: الدلالة والبرهان، لانه يهتدى بها كما يهتدى بالانوار.

___________________________________

(1) قائله الاعشى. وقد مر تخريجه في 3 / 81

[208]

وواحد الافواه فم في الاستعمال، وأصله فوه فحذفت الهاء وأبدلت من الواو ميم، لانه حرف صحيح من مخرج الواو مشاكل لها.

ولما سمى الله تعالى الحجج والبراهين نورا سمى معارضتهم له اطفاء. وأضاف ذلك إلى الافواه، لان الاطفاء يكون بالافواه، وهو النفخ، وهذا من عجيب البيان مع ما فيه من تصغير شأنهم وتضعيف كيدهم، لان النفخ يؤثر في الانوار الضعيفة دون الاقباس العظيمة ذكره الحسين بن علي المغربي.

وقوله " ويأبي الله الا ان يتم نوره " الاباء الامتناع مما طلب من المعنى.

قال الشاعر: وإن أرادوا ظلمنا أبينا أي منعناهم من الظلم، وليس الاباء من الكراهة في شئ على ما يقول المجبرة لانهم يقولون: فلان يأبى الضيم، فيمدحونه، ولا مدحة في كراهة الضيم لتساوي الضعيف والقوي في ذلك. وإنما المدح في المنع خاصة، ولذلك مدح عورة بن الورد بأنه أبى للضيم بمعنى أنه ممتنع منه، وقوله (وإن ارادوا ظلمنا أبينا) يدل على ذلك لانه لامدحة في ان يكرهوا ظلم من يظلمهم.

وإنما المدحة في منع من أراد ظلمهم.

والمنع في الاية يمنع الله إلا إتمام نوره. وإن كره الكافرون.

ولايجوز على قياس " ويأبى الله إلا أن يتم نوره " أن تقول: ضربت إلا أخاك، لان في الاباء معنى النفي، فكأنه قال: لايمكنهم الله إلا أن يتم نوره. وإذا لم يكن في اللفظ مستثنى منه لم تدخل " إلا " في الايجاب، وتدخل في النفي على تقدير الحذف قال الشاعر:

وهل لي أم غيرها ان تركتها *** أبى الله إلا أن اكون لها ابنما(1)

والتقدير في الاية ويأبى الله كل شئ الا اتمام نوره. في قول الزجاج، وأنكر أن يكون في الاية معنى الجحد.

___________________________________

(1) تفسير القرطبي 8 / 121 ومعاني القرآن 4331.


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/books/index.php?id=1250
  • تاريخ إضافة الموضوع : 0000 / 00 / 00
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 06 / 28