• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم / المكتبة .
              • الكتاب : التبيان في تفسير القرآن (الجزء الثالث) ، تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي .
                    • الموضوع : سورة النساء من ( آية 1 ـ 19) .

سورة النساء من ( آية 1 ـ 19)

سورة النساء

مائة وسبعون آية كوفي. وخمس وسبعون بصري وهي مدينة كلها.

وقد روي عن بعضهم أنه قال: كلما في القرآن من قوله: (ياأيها الناس) نزل بمكة، والاول قول قتادة، ومجاهد، وعبدالله بن عباس بن أبي ربيعه، وقال بعضهم: ان جميعها نزلت بالمدينة إلا آية واحدة وهي قوله: (إن الله يامركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها)(1) فأنها نزلت بمكة حين أراد النبي صلى الله عليه وآله أن يأخذ مفاتيح الكعبة من عثمان بن طلحة ويسلمها إلى عمه العباس.

___________________________________

(1) سورة النساء: آية 57.

الآية: 1 - 9

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله تعالى: (ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساء‌لون به والارحام إن الله كان عليكم رقيبا(1))

آية بلاخلاف.

القراء‌ة والحجة: قرأ أهل الكوفة (تساء‌لون به) بتخفيف السين، الباقون بتشديدها، وقرأ حمزة وحده " والارحام " بجر الميم، الباقون بفتحها. فمن قرأ من أهل الكوفة

 [98]

" تساء‌لون به " بالتخفيف فوجهه ان أصله تتساء‌لون، فحذف احدى التاء‌ين وهي الاصلية: لان الاخرى للمضارعة، وانما حذفوها لاستثقالهم إياها في اللفظ فحذفت لان الكلام غير ملتبس. ومن شدد أدغم احدى التاء‌ين في السين، لقرب مكان هذه من هذه.

المعنى: ومعنى " تساء‌لون به " تطلبون حقوقكم به " والارحام " القراء‌ة المختارة عند النحويين النصب في الارحام على تقدير: واتقوا الارحام. وتكون(1) معطوفة على موضع " به " ذكره أبوعلي الفارسي، فأما الخفض فلايجوز عندهم إلا في ضرورة الشعر كما قال الشاعر أنشده سيبويه:

فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا *** فاذهب فما بك والايام من عجب

فجروا الايام عطفا على موضع الكاف في " بك " وقال آخر:

نعلق في مثل السواري سيوفنا *** وما بينها والكعب غوط نفانف(2)

فعطف الكعب على الهاء والالف في (بينها) وهو ظاهر على مكنى.

وقال آخر:

وان الله يعلمني ووهبا *** وانا سوف نلقاه سوانا

فعطف وهبا على الياء في يعلمني، ومثل ذلك لايجوز في القرآن والكلام.

قال المازني: لان الثاني في العطف شريك للاول، فان كان الاول يصلح أن يكون شريكا للثاني جاز وإن لم يصلح أن يكون الثاني شريكا له لم يجز، قال: فكما لا تقول: مررت بزيد وذاك(3) لاتقول مررت بك وزيد.

وقال أبوعلي الفارسي: لان المخفوض حرف متصل غير منفصل فكأنه كالتنوين في الاسم فقبح أن يعطف باسم يقوم بنفسه على اسم لايقوم بنفسه.

___________________________________

(1) في المطبوعة: (أويكون).

(2) قائله مسكين الدارمي معاني القرآن للقراء 1: 253، والانصاف: 193 والخزانة 3382.

السواري جمع سارية وهي الاسطوانة والغوط: المطمئن من الارض.

والنفانف جمع نفنف وهو الهواء بين الشيئين * والبيت كناية عن طول قامتهم(3) في النسخ المخطوطة والمطبوعة (كذلك) والظاهر ما ذكرنا.

[99]

ويفسد من جهة المعنى من حيث ان اليمين بالرحم لايجوز، لان النبي صلى الله عليه وآله قال: (لاتحلفوا بآبائكم) فكيف تساء‌لون به وبالرحم على هذا وقال اسماعيل بن اسحاق: الحلف بغير الله أمر عظيم، وان ذلك خاص لله تعالى، وهو المروي في أخبارنا.

وقال ابراهيم النخعي وغيره: انه من قولهم: نشدتك بالله وبالرحم.

وقال ابن عباس، والسدي، وعكرمة، والحسن، والربيع، والضحاك، وابن جريج، وابن زيد، وقتادة: المعنى والارحام فصلوها. وهذه الآية خطاب لجميع المكلفين من البشر.

وقوله: (واتقوا ربكم) فيه وعظ بان يتقى عصيانه بترك(1) ما أمر به وارتكاب مانهى عنه. وحذر من قطع الارحام لماأراد من الوصية بالاولادو النساء والضعفاء، فأعلمهم انهم جميعا من نفس واحدة، فيكون ذلك داعيا لهم إلى لزوم أمره وحدوده في ورثتهم ومن يخلفون بعدهم، وفي النساء والايتام عطفا لهم عليهم.

ثم اخبر تعالى انه خلق الخلق من نفس واحدة فقال: " الذي خلقكم من نفس واحدة " والمراد بالنفس ههنا آدم عند جميع المفسرين: السدي وقتادة ومجاهد وغيرهم.

وقوله: (وخلق منها زوجها) يعني حواء. روي انها خلقت من ضلع من أضلاع آدم، ذهب إليه أكثر المفسرين.

وقال أبوجعفر (ع): خلقها من فضل الطينة التي خلق منها آدم، ولفظ النفس مؤنث بالصيغة، ومعناه التذكير ههنا، ولو قيل نفس واحد لجاز.

المعنى، واللغة: وقوله: (وبث منهما رجالا كثيرا ونساء) معنى بث نشر، يقال: بث الله الخلق. ومنه قوله: " كالفراش المبثوث "(2) وذلك يدل على بث. وبعض العرب يقول أبث الله الخلق، ويقال بثثتك سري، وابثثتك سري لغتان.

وقوله: (إن الله كان عليكم رقيبا) أي حافظا تقول رقب يرقب رقابا وانما

___________________________________

(1) في المطبوعة: (بقول).

(2) سورة القارعة: آية 4.

[100]

قال: " كان عليكم " ولفظ كان يفيد الماضي لانه أراد أنه كان حفيظا على من تقدم زمانه من عهد آدم وولده إلى زمان المخاطبين، وانه كان عالما بما صدر منهم، لم يخف عليه منه شئ. والرقيب الحافظ في قول مجاهد.

وقال ابن زيد: الرقيب العالم، والمعنى متقارب، يقال: رقب يرقب رقوبا ورقبا ورقبة.

قال أبوداود: كمقاعد الرقباء للضرباء أيديهم نواهد(1)

وقيل في معنى " الذي تسألون به " قولان: أحدهما - قال الحسن ومجاهد وابراهيم: هومن قولهم: اسألك بالله والرحم، فعلى هذا يكون عطفا على موضع به كأنه قال: وتذكرون الارحام في التساؤل. الثاني - قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك والربيع وابن زيد وهو المروي عن أبي جعفر (ع): واتقوا الارحام أن تقطعوها، فعلى هذا يكون معطوفا على اسم الله تعالى، ووجه النعمة في الخلق من نفس واحدة انه أقرب إلى أن يتعطفوا ويأمن بعضهم بعضا ويحامي بعضهم عن بعض، ولايأنف بعضهم عن بعض، لما بينهم من القرابة والرجوع إلى نفس واحدة، لان النفس الواحدة ههنا آدم (ع) باجماع المفسرين: الحسن وقتادة والسدي ومجاهد.

وجاز من نفس واحدة لان حواء من آدم على مابيناه، فرجع الجميع آدم وانما أنث النفس والمراد بها آدم لان لفظ النفس مؤنثة، وان عني بها مذكر كما قال الشاعر:

أبوك خليفة ولدته أخرى *** وأنت خليفة ذاك الكمال(2)

فانث على اللفظ، وقد حكينا عن أكثر المفسرين: ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي وابن اسحاق: ان حواء خلقت من ضلع من أضلاع آدم. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: (المرأة خلقت من ضلع، وانك ان أردت أن تقيمها كسرتها وان تركتها وفيها عوج استمعت بها).

___________________________________

(1) مجاز القرآن لابي عبيدة 1: 113، واللسان (رقب) وهو من أبيات في نعت النور الابيض. الرقباء جمع رقيب وهو أمين أصحاب الميسر يحفظ ضربهم بالقداح.

والضرباء جمع ضريب وهو: الضارب بالقداح.

وقيل أن الضمير في (أيديهم) يعود إلى الضرباء. وقيل انه يعود إلى الرقباء، وهو الاصح.

(2) انظر 2: 449 تعليقة.

[101]

وروي عن أبي جعفر (ع) أن حواء خلقت من فضل طينة آدم (ع).

قوله تعالى: (وآتوا اليتامى أموالهم ولاتتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا(2))

آية بلاخلاف.

المعنى: هذا خطاب لاوصياء اليتامى، أمرهم الله بأن يعطوا اليتامى أموالهم إذا بلغوا الحلم وأونس منه الرشد، وسماهم يتامى بعد البلوغ، وايناس الرشد مجازا، لان النبي صلى الله عليه وآله قال: (لايتم بعد احتلام) كما قالوا في النبي صلى الله عليه وآله إنه يتيم أبي طالب بعد كبره يعنون انه رباه.

وقوله: (ولاتتبدلوا الخبيث بالطيب) معناه: لاتستبدلوا ما حرمه الله عليكم من أموال اليتامى بما أحله الله لكم من أموالكم، واختلفوا في صفة التبديل فقال بعضهم كان أوصياء اليتامى يأخذون الجيد من مال اليتيم والرفيع منه ويجعلون مكانه الردئ الخسيس، ذهب إليه ابراهيم النخعي، والسدي، وابن المسيب، والزهري، والضحاك، وقال قوم: معناه " ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب " بأن تتعجلوا الحرام قبل أن يأتيكم الرزق الحلال الذي قدر لكم. ذهب إليه أبوصالح، ومجاهد.

وقال ابن زيد: معناه ما كان أهل الجاهلية يفعلونه، من أنهم لم يكونوا ايرزقون النساء ولاالصغار بل يأخذه الكبار.

وأقوى الوجوه الوجه الاول، لانه ذكر عقيب مال اليتامى وإن حمل على عموم النهي عن التبديل بكل مال حرام كان قويا.

وقوله: (ولاتأكلوا أموالهم إلى أموالكم) يعني أموال اليتامى مع أموالكم والتقدير: ولاتضيفوا أموالهم إلى أموالكم فتأكلوهما جميعا، فأما خلط مال اليتيم بمال نفسه إذا لم يظلمه فلابأس به بلاخلاف

[102]

قال الحسن لما نزلت هذه الآية كرهوا مخالطة اليتامى، فشق ذلك عليهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله، فأنزل الله تعالى: (ويسئلونك عن اليتامى قل اصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فاخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح)(1) وهوالمروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله (ع).

وقوله: (انه كان حوبا كبيرا) يعني إن أكلكم أموال اليتامى مع أموالكم حوب كبير، أي اثم كبير في قول ابن عباس ومجاهد. والهاء في قوله: " انه " دالة على اسم الفعل الذي هو الاكل. والحوب الاثم، يقال: حاب يحوب حوبا وحباة والاسم الحوب.

وقرأ الحسن حوبا: ذهب إلى المصدر.

ويقال: تحوب فلان من كذا إذا تحرج منه.

ويقال نزلنا بحوبة من الارض وبحيب من الارض يعني بموضع سوء.

وحكى الفراء عن بني أسد ان الحائب القاتل.

وقال الشاعر:

إيها تطيع ابن عبس انها رحم *** حبتم بها فانا ختم بحعجاع(2)

أي أثمتم والحوبة الحزن، والتحوب التحزن، والتحوب التأثم، والتحوب الهياح الشديد، والحوباء الروح والكبير العظيم.

قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ماملكت أيمانكم ذلك أدنى ألاتعولوا(3) وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فان طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا(4))

آيتان.

___________________________________

(1) سورة آل عمران: آية 220.

(2) اللسان (حوب) نسبه إلى النابغة وفي (جعع) نسبه إلى نهكية الفزاري ورواية البيت فيهما: صبرا بغيض بن ريث انها رحم...

[103]

النزول، والمعنى: واختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية على ستة أقوال: أولها - ماروي عن عائشة انها قالت: نزلت في اليتيمة التي تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها، ويريد أن ينكحها بدون صداق مثلها، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لها صداق مهر مثلها، وأمروا أن ينكحوا ما طاب مما سواهن من النساء إلى الاربع " فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة " من سواهن " أوما ملكت ايمانكم " ومثل هذا ذكر في تفسير أصحابنا.

وقالوا: انها متصلة بقوله: (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لاتؤتونهن ماكتب لهن وترغبون ان تنكحوهن)(1) (فان خفتم ألاتقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء) الآية وبه قال الحسن والجبائي والمبرد.

والثاني - قال ابن عباس وعكرمة: ان الرجل منهم كان يتزوج الاربع والخمس والست والعشر ويقول ما يمنعني أن أتزوج كما تزوج فلان فاذا فنى ماله مال على مال اليتيم فانفقه، فنهاهم الله تعالى عن أن يتجاوزوا بالاربع إن خافوا على مال اليتيم وإن خافوا من الاربع أيضا أن يقتصروا على واحدة.

والثالث - قال سعيد بن جبير والسدي وقتادة والربيع والضحاك. وفي احدى الروايات عن ابن عباس قالوا: كانوا يشددون في أمر اليتامى ولايشددون في النساء، ينكح أحدهم النسوة فلايعدل بينهن، فقال الله تعالى كما تخافون ألا تعدلوا في اليتامى فخافوا في النساء، فانكحوا واحدة إلى الاربع، فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة.

والرابع - قال مجاهد: ان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى معناه: ان تحرجتم

___________________________________

(1) سورة النساء: آية 126.

[104]

من ولاية اليتامى وأكل أموالهم إيمانا وتصديقا فكذلك تحرجوا من الزنا، وانكحوا النكاح المباح من واحدة إلى أربع، فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة.

والخامس - قال الحسن: ان خفتم ألاتقسطوا في اليتيمة المرباة في حجركم فانكحوا ما طاب لكم من النساء مما أحل لكم من يتامى قراباتكم مثنى وثلاث ورباع، فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة، أو ما ملكت ايمانكم.

وبه قال الجبائي وقال: الخطاب متوجه إلى أولياء اليتيمة إذا أراد أن يتزوجها إذاكان هو وليها كان له أن يزوجها قبل البلوغ وله أن يتزوجها.

والسادس - قال الفراء: المعنى ان كنتم تتحرجون من مؤاكلة اليتامى فاحرجوا من جمعكم بين اليتامى، ثم لاتعدلون بينهن.

وقوله: (فانكحوا ما طاب لكم) جواب لقوله: (وان خفتم ألا تقسطوا) على قول من قال مارويناه أولا عن عائشة وأبي جعفر (ع).

ومن قال: تقديره: ان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في النساء الجواب قوله: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء " والتقدير: فان خفتم ألا تقسطوا في أموال اليتامى فتعدلوا فيها فكذلك فخافوا ألا تقسطوا في حقوق النساء، فلا تتزوجوا منهن إلامن تأمنون معه الجور، مثنى وثلاث ورباع، وان خفتم أيضامن ذلك فواحدة، فان خفتم من الواحدة فما ملكت ايمانكم، فترك ذكر قوله فكذلك فخافوا ألا تقسطوا في حقوق النساء لدلالة الكلام عليه وهو قوله: (فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ماملكت ايمانكم) ومعنى " ألاتقسطوا " أي لاتعدلوا ولاتنصفوا، فالاقساط هو العدل والانصاف والقسط هوالجور. ومنه قوله: (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا)(1) وقد بيناه فيما مضى. واليتامى جمع لذكران اليتامى واناثهم في هذا المعنى.

المعنى، واللغة، والاعراب وقال الحسين بن علي المغربي: معنى ما طاب أي بلغ من النساء كما يقال: طابت الثمرة إذا بلغت، قال: والمراد المنع من تزويج اليتيمة قبل البلوغ لئلايجري

___________________________________

(1) سورة الجن: آية 15.

[105]

عليها الظلم، فان البالغة تختار لنفسها، وقيل: معنى " ماطاب لكم من النساء " من أحل لكم منهن دون من حرم عليكم، وانما قال: " ما طاب " ولم يقل: من طاب وان كان من لما يعقل وما لما لايعقل لان المعنى: انكحوا الطيب أي الحلال هذه العدة، لانه ليس كل النساء حلالا، لان الله حرم كثيرا منهن بقوله: " حرمت عليكم أمهاتكم "(1) الآية. هذا قول الفراء.

وقال مجاهد: فانكحوا النساء نكاحا طيبا.

وقال المبرد: " ما " ههنا للجنس كقول القائل: ما عندك؟ فتقول: رجل أو أمرأة، فالمعني بقوله: ما طاب الفعل دون اعيان النساء واشخاصهن، لان الاعيان لاتحرم ولاتحلل، وإنما يتناول التحريم والتحليل التصرف فيها، وجرى ذلك مجرى قول القائل: خذ من رقيقي ما أردت: إذا أراد خذ منهم ارادتك ولو أراد خذ الذي تريد لم يجز إلا أن يقول خذ من رقيقي من أردت وكذلك قوله: " أوما ملكت ايمانكم " معناه أو ملك ايمانكم، ومعنى " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع " فلينكح كل واحد منكم مثنى وثلاث ورباع، كما قال: " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة "(2) معناه: فاجلدوا كل واحد منهم ثمانين جلدة.

وقوله: (مثنى وثلاث ورباع) بدل من (ماطاب) وموضعه النصب وتقديره: اثنين اثنين، وثلاثا وثلاثا، واربعا اربعا، إلا انه لاينصرف لعلتين، احداهما: انه معدول عن اثنين اثنين وثلاث ثلاث في قول الزجاج، وقال غيره: لانه معدول ولانه نكرة، والنكرة أصل للاشياء، وقال غيرهم: هو معرفة، وهذافاسد عند البصريين، لانه صفة للنكرة في قوله: " اولي اجنحة مثنى وثلاث ورباع "(3) والمعنى اولي اجنحة ثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة.

وقال الفراء لانه معدول، لانه يقع على الذكر والانثى، ولانه مضاف إلى مايضاف إليه الثلاث، فكأن لامتناعه من الاضافة كان فيه الالف واللام.

قال الشاعر:

___________________________________

(1) سورة النساء: آية 220.

(2) سورة النور: آية 4.

(3) سورة فاطر: آية 12.

[106]

ولكنما اهلي بواد أنيسه *** ذئاب تبغى الناس مثنى وموحدا(1)

ومن قال: انه اسم للعدد معرفة استدل بقول تميم بن أبي مقبل:

ترى النعرات الزرق تحت لبانه *** احاد ومثنى أصعقتها صواهله(2)

فرد احاد ومثنى على النعرات وهي معرفة، وقد يجئ منكرا مصروفا كما قال الشاعر:

قتلنا به من بين مثنى وموحد *** باربعة منكم وآخرخامس(3)

وترك الصرف أكثر قال صخر الغي:

منت لك أن تلاقيني المنايا *** احاد احاد في شهر حلال(4)

وقد تقع هذه الالفاظ على الذكر والانثى، فوقوعها على الانثى مثل الآية التي نحن في تفسيرها، ووقوعها على الذكر قوله: " اولي اجنحة مثنى وثلاث ورباع " لان المراد به الجناح وهو مذكر، ويقال: احاد وموحد وثنى ومثنى، وثلاث ومثلث، ورباع ومربع، ولم يسمع في مازاد عليه مثل خماس ولاالمخمس ولاالسداس والسباع إلا بيت للكميت فانه يروى في العشره عشار، وهوقوله:

___________________________________

(1) قائله ساعدة بن جؤية الهذلي. اللسان (بغى) وروايته (سباع) بدل (ذئاب).

(2) معاني القرآن 1: 255، 345، واللسان (نعر)، (صعق)، (قرد)، (ثنى) وروايته في (فرد) فراد، بدل، احاد. وأضعفتها، بدل أصعقتها وفي (نعر) و (صعق) الحضر، بدل، الزرق. النعرات جمع نعرة وهي ذبابة تسقط على الدواب فتؤذيها وأصعقتها صواهله أي قتلتها صهيله.

(3) معاني القرآن للفراء 1: 254 وروايته:

وان الغلام المستهام بذكره *** قتلنا به من بين مثنى وموحد

باربعة منكم وآخر خامس *** وساد مع الاظلام في رمح معبد

ولم يعرف لهما قائل. والبيت في المتن كما ترى ملفق منهما. وساد - بالتنوين - بمعنى سادس.

(4) نسبة محمود محمد شاكرفي تفسير الطبري 7: 545 إلى عمرو ذي الكلب وخطأ من نسبه إلى غيره، وهذاخطأ منه لامحالة لان رواية القدماء أكثرها اذالم تكن جميعها تنسبه إلى صخر الغي. وقد اعترف هو أن الطبري روايته كذلك. وفي بعض الروايات (في شهر حلال) منت لك: أي قدرت لك نيتك أن تلقاني في شهر حلال، أو حرام على اختلاف الرواية.

[107]

فلم يستريثوك حتى رميت فوق الرجال خصالا عشارا(1) يريد عشرا.

وقال صخر السلمي في ثناوموحد:

ولقد قتلكتم ثناء وموحدا *** وتركت مرة مثل امس الدابر(2)

ولم يردأنه قتل الثلاثة، وانماأراد انه قتل نفرا كثيرا منهم واحدا بعد واحد واثنين بعد اثنين، وقوله: " فواحدة " نصب على انه مفعول به، والتقدير: فان خفتى ألاتعدلوا فيما زاد على الواحدة فانكحوا واحدة، ولو رفع كان جايزا، وقد قرأبه أبوجعفر المدني، وتقديره: فواحدة كافية، أو فواحدة مجزية، كما قال: (فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان)(3) ومن استدل بهذه الآية على أن نكاح التسع، جائز فقد اخطأ، لان ذلك خلاف الاجماع، وأيضا فالمعنى: فانكحوا ماطاب لكم من النساء مثنى ان امنتم الجور وإماثلاث ان لم تخافوا ذلك أو رباع ان امنتم ذلك فيهن، بدلالة قوله: " فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة " لان معناه فان خفتم في الثنتين فانكحوا واحدة، ثم قال: فان خفتم أيضافي الواحدة فما ملكت ايمانكم. على أن مثنى لايصح إلا لاثنين اثنين، أو اثنتين اثنتين على التفريق في قول الزجاج، فتقدير الآية " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث " [ فثلاث ](4) بدلا من مثنى ورباع بدلا من ثلاث، ولو قيل ب‍ (أو) لظن أنه ليس لصاحب مثنى ثلاث، ولالصاحب الثلاث رباع.

ومن استدل بقوله: " فانكحوا " على وجوب التزويج من حيث أن الامر يقتضي الايجاب، فقد اخطأ، لان ظاهر الامر وإن اقتضى الايجاب، فقد ينصرف عنه بدليل، وقد قام الدليل على أن التزويج ليس بواجب على أن الغرض بالآية النهي عن العقد

___________________________________

(1) مجاز القرآن 1: 116، والاغاني 3: 139 واللسان (عشر) استراثه: استبطأه، وعشار أي عشرا عشرا.

(2) مجاز القرآن 1: 115، والاغاني 13: 139. وروايته فيهما (المدبر) بدل (الدابر).

(3) سورة البقرة: آية 282.

(4) اثبتنا ما بين القوسين لعدم استقامة المعني بدونه.

[108]

على من يخاف ألا يعدل بينهن، والتقدير: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فتحرجتم فيهم، فكذلك فتحرجوا في النساء، فلا تنكحوا إلا ما أمنتم الجور فيه(1) منهن، مما أحللته لكم منهن، من الواحدة إلى الاربع، وقد يراد. بصورة الامر ما يراد بالنهي(2) أو التهديد كقوله: " فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر "(3) وقال: " ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون "(4) والمراد بذلك كله التهديد والزجر، فكذلك معنى الآية النهي، وتقديرها: فلا تنكحوا إلا ماطاب لكم من النساء على مابيناه.

وقوله: (ذلك ادنى ألا تعولوا) اشارة إلى العقد على الواحدة مع الخوف من الجور فيما زاد عليها، أو الاقتصار على ماملكت أيمانكم، ومعنى " أدنى " أقرب " ألا تعولوا " وقيل في معنى " ألا تعولوا " ثلاثة أقوال: أحدها - وهو الاقوى والاصح = أن معناه: ألا تجوروا، ولاتميلوا يقال منه: عال الرجل يعول عولا وعيالة إذا مال وجار، ومنه عول الفرائض، لان سهامها إذا زادت دخلها النقص، قال أبوطالب: بميزان قسط وزنه غير عائل(5) وقال أبوطالب أيضا:

بميزان قسط لايخيس شعيرة *** له شاهد من نفسه غير عائل(6)

وروي: لايضل شعيرة، وبهذا قال ابراهيم، وعكرمة، والحسن، ومجاهد، وقتادة، وأبومالك، والربيع بن أنس، والسدي، وابن عباس، واختاره الطبري، والجبائي.

وقال قوم: معناه: ألا تفتقروا، وهذا خطأ، لان [ العول ](7) الحاجة، يقال منه: عال الرجل يعيل عيلة إذا احتاج، كما قال الشاعر:

___________________________________

(1) في المطبوعة: (الا ماأمنتم به الجور فيه.).

(2) في المطبوعة: (مايراد النهي.) وفي المخطوطة: (مايراد به النهي.).

(3) سورة الكهف: آية 29.

(4) سورة النحل: آية 55، وسورة الروم: آية 34.

(5 - 6) سيرة ابن هشام 1: 296. وفي البيت رواية أخرى هي (بميزان صدق).

(7) أثبتنا ما بين القوسين لعدم تمامية المعني الايه.

[109]

وما يدري الفقير متى غناه *** وما يدري الغني متى يعيل(1)

أي: متى يفتقر.

وقال ابن زيد: معناه: ألا تكثر عيالكم، وهذا أيضا خطأ، لان المراد لو كان ذلك لما أباح الواحدة، وما شاء من مالك الايمان، لان اباحة كل ماملكت اليمين أزيد في العيال من أربع حرائر، على أن من كثرة العيال يقال: أعال يعيل فهو معيل، إذا كثر عياله وعال العيال: إذا مانهم، ومنه قوله: ابدأ بمن تعول.

وحكي الكسائي، قال: سمعت كثيرا من العرب يقول: عال الرجل يعول إذاكثر عياله.

وقوله: " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة " فصدقاتهن: جمع صدقة، يقال: هو صداق المرأة، وصدقة المرأة، وصدقة المرأة، وصداق المرأة، والفتح اقلها.

ومن قال: صدقة المرأة قال: صدقاتهن، كما تقول: غرفة وغرفات، ويجوز صدقاتهن، بضم الصاد وفتح الدال، وصدقاتهن، ذكره الزجاج. ولايقرأ من هذه إلا بما قرئ به صدقاتهن، لان القراء‌ة سنة متبعة.

وقوله: " نحلة " نصب على المصدر، ومعناه، قال بعضهم: فريضة، وقال بعضهم ديانة، كما يقال: فلان ينتحل كذا وكذا، أي يدين به، ذكره الزجاج، وابن خالويه.

قال بعضهم: هي نحلة من الله لهن، أن جعل على الرجل الصداق ولم يجعل على المرأة شيئا من الغرم، وذلك نحلة من الله تعالى للنساء.

ويقال: نحلت الرجل: إذا وهبت له نحلة ونحلا، ونحل جسمه ونحل: إذا دق، وسمي النحل نحلا لان الله نحل الناس منها العسل الذي يخرج من بطونها، والنحلة عطية عليك على غير جهة المثامنة، والنحلة الديانة، والمنحول من الشعر ماليس له، واختلفوا في المعني بقوله " وآتوا النساء " فقال ابن عباس، وقتادة، وابن جريج، وابن زيد، واختاره الطبري، والجبائي، والرماني، والزجاج: المراد به الازواج، أمرهم الله تعالى باعطاء المهر إذا دخل بها كملا، إذا سمى لها، فأما غير المدخول بها إذا طلقت فان لها نصف المسمى، وإن لم يكن سمى، فلها المتعة على ما بيناه فيما مضى.

___________________________________

(1) قائله أحيحة بن الجلاح الاوسي. معاني القرآن للفراء 1: 255، والكامل لابن الاثير 1: 278، واللسان (عيل) من قصيدة قالها في حرب بين قومه وبين الخزرج، وفي معاني القرآن بدل (وما) في الموضعين (ولا).

[110]

وقال أبوصالح: هذا خطاب للاولياء، لان الرجل منهم كان إذا زوج أيمة أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك، وأنزل هذه الآية.

وروى هذا أبوالجارود، عن أبي جعفر (ع)، وذكر المعمر بن سليمان، عن أبيه، قال: زعم حضرمي ان اناسا كانوا يعطي هذا الرجل أخته، ويأخذ أخت الرجل، ولا يأخذون كثيرمهر، فنهى الله عن ذلك، وأمر باعطاء صداقهن، وأول الاقوال أقوى، لان الله تعالى ابتدأذكر هذه الآية بخطاب الناكحين للنساء، ونهاهم عن ظلمهن والجور عليهن، ولا ينبغي أن يترك الظاهر من غير حجة ولادلالة.

وقوله: (فان طبن لكم عن شئ منه نفسا) اختلفوا فيمن المخاطب به، فقال عكرمة، وابراهيم، وعلقمة، وقتادة، وابن عباس، وابن جريج، وابن زيد: الخطاب متوجه إلى الازواج، لان أناسا كانوا يتأثمون أن يرجع أحدهم في شئ مما ساق إلى امرأته، فانزل الله هذه الآية.

وقال أبوصالح:، المعني به الاولياء، لانه حمل أول الآية أيضا عليهم، على ما حكيناه عنه، والاول هو الاولى، لانابينا أن الخطاب متوجه إلى الازواج الناكحين، فكذلك آخر الآية.

ومعنى " فان طبن لكم عن شئ منه نفسا " إن طابت لكم أنفسهن بشئ، ونصبه على التمييز، كما يقولون: ضقت بهذا الامر ذرعا، وقررت به عينا، والمعنى ضاق به ذرعي وقرت به عيني، كما قال الشاعر:

إذا التياز ذو العضلات قلنا *** " اليك اليك " ضاق بها ذراعا(1)

وإنما هو على ذرعا وذراعا، لان المصدر والاسم يدلان على معني واحد، فنقل صفة الذراع إلى رب الذراع، ثم أخرج الذراع مفسرة لموقع الفعل، ولذلك وحد النفس لما كانت مفسرة لموقع الخبر، والنفس المراد به الجنس، يقع على الواحد

___________________________________

(1) قائله القطامي، ديوانه: 44. واللسان (تيز) ومعاني القرآن 1: 256.

والتياز: الكثير اللحم. وقوله (اليك اليك) أي: خذها.

[111]

والجمع، كما قال الشاعر:

بها جيف الحسرى فأما عظامها *** فبيض وأما جلدها فصليب(1)

ولم يقل: فجلودها، ولو قال: (فان طبن لكم عن شئ منه) أنفسا لمجاز، وكذلك ضقت به أذرعا وذراعا.

فأما قوله: (بالاخسرين أعمالا)(2) إنما جمع لئلا يوهم أنه عمل يضاف إلى الجميع، كما يضاف القتل إلى جماعة إذا رضوا به، ومالاوا عليه.

ومثل الآية: أنت حسن وجها، فالفعل للوجه، فلما نقل إلى صاحب الوجه، نصب الوجه على التمييز.

وقوله: (فكلوه هنيئا مريئا) فهنيئا مأخوذ من هنأت البعير بالقطران، وذلك إذا جرب فعولج به، كما قال الشاعر:

متبذلا تبدو محاسنه *** يضع الهناء مواضع النقب(3)

فالهني شفاء من المرض، كما أن الهناء شفاء من الجرب.

ومعنى (فكلوه هنيئا مريئا) أي دواء شافيا، يقال منه: هنأني الطعام ومرأني: إذا صار لي دواء وعلاجا شافيا، وهنيني ومريني بالكسر، وهي قليلة، ومن قال: هناني يقول في المستقبل: يهناني، ويمراني، ومن يقول: هنأني، يقول يهنئني، ويمرئني، فاذا أفردوا قالوا: قد أمراني هذا الطعام، ولايقولون: أهنانى، والمصدر منه هنا، مرا، وقد مرؤ هذا الطعام مرا، ويقال: هنأت القوم إذا علتهم، وهنأت فلاناالمال إذا وهبته له، أهنؤه هنا، ومنه قولهم: انما سميت هانيا لتهنا، أي: لتعطي.

ومعنى قوله: (فان طبن لكم عن شئ منه) يعني من المهر، و " من " ههنا ليست للتبعيض وانما معناه لتبيين الجنس، كما قال (فاجتنبوا الرجس من الاوثان)(5) ولو وهبت له المهر كله لجاز، وكان حلالا بلاخلاف.

___________________________________

(1) قائله علقمة بن عبدة (علقمة الفحل) ديوانه: 27، وشرح المفضليات: 777، وسيبويه 1: 107 من قصيدة في الحارث بن جبلة بن أبي شمر الغساني حين أسر أخاه شأسا، فرحل اليه علقمة يطلب فكه.

وقوله: (بها حيف الحسرى) الضمير راجع إلى المطلوب في البيت السابق، وهي آثار الطريق، والصليب الودك الذي يسيل من جلودها بعد موتها.

(2) سورة الكهف: آية 104.

(3) قائله دريد بن الصمة. اللسان (نقب) والاغاني 10: 22، والشعر والشعراء 302.

والنقب - بضم النون وسكون القاف وفتحها - جمع نقبه، أول الجرب حين يبدو.

(4) سورة الحج: آية 30.

[112]

واستدل أبوعلي بهذه الآية على أن لولي اليتيمة الذي هو غير الاب أن يزوج اليتيمة، أو يتزوجها قبل أن تحيض، أو يكمل عقلها، بأن(1) قال الخطاب في قوله: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى) متوجه إلى الاولياء الذين كانوا يتحرجون من العقد على اليتامى اللائى لهم عليهن ولاية، خوفا من الجور، فقال الله لهم: ان خفتك من العقد على أربع فعلى ثلاث، أو اثنتين، أو واحدة، أوما ملكت أيمانكم من سوهن، ثم أمرهم باعطائهن المهر، ثم قال: (فان طبن لكم) يعني الازواج الذين هم الاولياء، " عن شئ " من ذلك، " فكلوه هنيئا مريئا " وهذا الذي قاله ليس بصحيح، لانه لايسلم له أولا أنه خطاب للاولياء، فما الدليل على ذلك ثم إن عندنا وعند الشافعي ليس لاحد من الاولياء أن يزوج الصغيرة إلا الاب(2) خاصة فكيف يسلم له ما قاله؟ ومن قال: يجوز ذلك، قال: يكون العقد موقوفا على بلوغها ورضاها، فان لم ترض كان لها الفسخ، فعلى كل حال لايصح ماقاله.

قوله تعالى: (ولاتؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا(5))

آية.

القراء‌ة، والمعنى: قرأنافع، وابن عباس، قيمابغير الف. اختلف أهل التأويل فيمن المراد بالسفهاء المذكورين في الآية، فقال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، والسدي، والضحاك، ومجاهد، وقتادة، وأبومالك: إنهم النساء والصبيان، وهو الذي رواه أبوالجارود، عن أبي جعفر (ع) وقال سعيد بن جبير، والحسن

___________________________________

(1) في المطبوعة: فان، وقد صححنا على المخطوطة.

(2) في المطبوعة: إلى الاب، وهو تحريف.

[113]

وقتادة، في رواية أخرى عنهم: أنهم الصبيان الذين لم يبلغوا فحسب، وقال أبومالك، معناه: لاتعط ولدك السفيه مالك فيفسده الذي هو قيامك وقال ابن عباس في رواية أخرى: إنها نزلت في السفهاء وليس لليتامى في ذلك شئ، وبه قال ابن زيد، وقال ابوموسى الاشعري ثلاثة يدعون فلا يستجيب الله لهم: رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، وقال: اللهم خلصني منها، ورجل أعطى مالا سفيها، وقد قال الله: " ولاتؤتوا السفهاء أموالكم "، ورجل له على غيره مال فلم يشهد عليه.

وقد روي عن أبي عبدالله (ع) ان السفيه شارب الخمر، ومن جرى مجراه، وقال المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: زعم حضرمي أن المراد به النساء خاصة، وروي ذلك عن مجاهد، والضحاك، وابن عمر، والاولى حمل الآية على عمومها في المنع من اعطاء المال السفيه، سواء كان رجلا أو امرأة بالغا أو غير بالغ.

والسفيه هو الذي يستحق الحجر عليه، لتضييعه ماله، ووضعه في غير موضعه، لان الله تعالى قال عقيب هذه الاوصاف: " وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح، فان آنستم منهم رشدا فادفعوا اليهم أموالهم " فامر الاولياء بدفع الاموال إلى اليتامى إذا بلغوا، وأونس منهم رشد، وقد يدخل في اليتامى الذكور والاناث، فوجب حملها على عمومها.

اللغة: فأما من حمل الآية على النساء خاصة، فقوله ليس بصحيح، لان فعيلة لايجمع فعلاء، وانما يجمع فعايل وفعيلات، كغريبة وغرايب وغريبات، وقد جاء: فقيرة وفقراء، ذكره الرماني. فأما الغرباء فجمع غريب.

المعنى: وقوله: " أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم " اختلفوا في معناه.

[114]

فقال ابن عباس، وأبوموسى الاشعري، والحسن، وقتادة، ومجاهد، وحضرمي.

معناه: لاتؤتوا ياأيها الرشد السفهاء من النساء والصبيان - على ماذكرنا من اختلافهم - " أموالكم التي جعل الله لكم " يعني أموالكم التي تملكونها، فتسلطوهم عليها، فيفسدوها، ويضيعوها، ولكن " ارزقوهم فيها " إن كانوا ممن يلزمكم نفقته، واكسوهم " وقولوا لهم قولا معروفا ".

وقال السدي: معناه: لاتعط امرأتك وولدك مالك، فيكونوا هم الذين ينفقون ويقومون عليك، واطعمهم من مالك، واكسهم.

وبه قال ابن عباس، وابن زيد.

وقال سعيد ابن جبير: يعني ب‍ " أموالكم " أموالهم، كما قال: " ولاتقتلوا أنفسكم "(1) قال: واليتامى لاتؤتوهم أموالهم، " وارزقوهم فيها واكسوهم ".

والاولى حمل الآية على الامرين، لان عمومه يقتضي ذلك، فلايجوز أن يعطى السفيه الذي يفسد المال، ولااليتيم الذي لم يبلغ، ولاالذي بلغ ولم يؤنس منه الرشد، ولا أن يوصى إلى سفيه، ولا يختص ببعض دون بعض، وإنما يكون اضافة مال اليتيم إلى من له القيام بأمرهم، على ضرب من المجاز، أو لانه أراد: لا تعطوا الاولياء ما يخصهم لمن هو سفيه(2) ويجري ذلك مجرى قول القائل لواحد: يافلان أكلتم أموالكم بالباطل، فيخاطب الواحد بخطاب الجميع، ويريد به أنك وأصحابك أو قومك أكلتم، ويكون التقدير في الآية: " ولاتؤتوا السفهاء أموالكم " التي بعضها لكم، وبعضها لهم، فيضيعوها.

اللغة: وقوله: " التي جعل الله لكم قياما " معناه: ماجعله قوام معايشكم ومعايش سفهائكم، التي بها تقومون قياما، وقيما، وقواما، بمعنى واحد.

وأصل القيام: القوام، فقلبت الواو ياء للكسرة التي قبلها، كما قالوا: صمت صياما، وحلت حيالا، ومنه: فلان قوام أهله، وقيام أهله.

___________________________________

(1) سورة النساء: آية 28.

(2) هكذا في المطبوعة والمخطوطة، وهي كما ترى.

[115]

ومنه: قوام الامر وملاكه، وهو اسم. والقيام مصدر.

المعنى: وبهذا التأويل قال أبومالك، والسدي، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، وابن زيد.

وقوله: (وارزقوهم فيها واكسوهم) اختلفوا في تأويله، فمن قال: عنى بقوله: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) يعني أموال أولياء السفهاء، فانهم قالوا: معناه: وارزقوا أيها الناس سفهاء‌كم، من نسائكم وأولادكم من أموالكم، طعامهم، وما لابد لهم منه. ذهب إليه مجاهد، والسدي، وغيرهما ممن تقدم ذكره.

ومن قال: إن الخطاب للاولياء، بأن لايؤتوا السفهاء أموالهم، يعني أموال السفهاء، حمل قوله: " وارزقوهم فيها واكسوهم " على أنه من أموال السفهاء، يعني ما لابد منه من مؤنهم، وكسوتهم، وإذا حملنا الآية على عمومها، على مابيناه، فالتقدير: وارزقوا أيها الرشد من خاص أموالكم من يلزمكم النفقة عليه، مما لابد منه من مؤنة وكسوة، ولاتسلموا إليه إذا كان سفيها، فيفسد المال. ويا أيها الاولياء، أنفقوا على السفهاء من أموالهم، التي لكم الولاية عليها، قدر مايحتاجون إليه من النفقة والكسوة.

وقوله: (وقولوا لهم قولا معروفا) قال مجاهد، وابن جريج. قولوا لهم، يعني للنساء والصبيان، وهم السفهاء، " قولا معروفا " في البر والصلة.

وقال ابن زيد: ان كان السفيه ليس من ولدك، ولايجب عليك نفقته، فقل له قولا معروفا، مثل: عافانا الله وإياك، بارك الله فيك.

وقال ابن جريج: معناه: يامعاشر ولاة السفهاء، قولوا قولا معروفا للسفهاء، وهو: إن صلحتم ورشدتم، سلمنا إليكم أموالكم، وخلينا بينكم وبينها، فاتقوا الله في أنفسكم وأموالكم، وما أشبه ذلك، مما هو واجب عليكم، ويحثكم على الطاعة،، وينهاكم عن المعصية.

[116]

وقال الزجاج: معناه: علموهم مع إطعامكم إياهم وكسوتكم إياهم، أمر دينهم. وفي الآية دلالة على جواز الحجر على اليتيم إذا بلغ، ولم يؤنس منه الرشد، لان الله تعالى منع من دفع المال إلى السفهاء، وقد بيناأن المراد به أموالهم على بعض الاحوال.

وفي الآية دلالة على وجوب الوصية، إذا كان الورثة سفهاء، لان ترك الوصية بمنزلة إعطاء المال في حال الحياة إلى من هو سفيه، وإنما سمي الناقص العقل سفيها(1)، وان لم يكن عاصيا، لان السفه هو خفة الحلم، ولذلك سمي الفاسق سفيها، لانه لاوزن له عند أهل الدين(2)، والعلم فثقل الوزن وخفته، ككبر القدر وصغره.

قوله تعالى : (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فاذا دفعتم إليهم أموالهم فاشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا(6))

آية بلا خلاف.

المعنى: هذا خطاب لاولياء اليتامى، أمرالله تعالى بأن يختبروا عقول اليتامى في أفهامهم، وصلاحهم في أديانهم، وإصلاحهم أموالهم. وهو قول قتادة، والحسن، والسدي، ومجاهد، وابن عباس، وابن زيد. وقد بيناأن الابتلاء معناه الاختبار فيما مضى.

وقوله: " حتى إذا بلغوا النكاح " معناه: حتى يبلغوا الحد الذي يقدرون على مجامعة النساء وينزل، وليس المراد الاحتلام، لان في الناس من لايحتلم، أو يتأخر احتلامه، وهوقول أكثر المفسرين: مجاهد، والسدي، وابن عباس، وابن زيد.

___________________________________

(1) (سفيها) ساقطة من المطبوعة.

(2) عند (أهل الدين) ساقطة من المطبوعة.

[117]

ومنهم من قال: إذا كمل عقله، واونس منه الرشد، سلم إليه ماله، وهو الاقوى.

ومنهم من قال: لايسلم إليه حتى يكمل له خمس عشرة سنة، وإن كان عاقلا، لان هذا حكم شرعي، وبكمال العقل تلزمه المعارف لاغير، وقال أصحابنا: حد البلوغ إما بلوغ النكاح، أو الانبات في العانة، أوكمال خمس عشرة سنة.

وقوله: " فان آنستم منهم رشدا " معناه: فان وجدتم منهم رشدا وعرفتموه، وهو قول ابن عباس.

اللغة: تقول: آنست من فلان خيرا إيناسا وأنست به أنسا: إذا ألفته.

وفي قراء‌ة عبدالله: فان أحسيتم يعني أحسستم، أي وجدتم، والاصل فيه: أبصرتم.

ومنه قوله: " آنس من جانب الطور نارا "(1) أي أبصر، ومنه أخذ انسان العين، وهو حدقتها التي يبصر بها.

المعنى: واختلفوا في معنى الرشد(2)، فقال السدي، وقتادة: معناه عقلا ودينا وصلاحا.

وقال الحسن(3)، وابن عباس: معناه: صلاحا في الدين، وإصلاحا للمال.

وقال مجاهد، والشعبي: معناه العقل.

قال: لايدفع إلى اليتيم ماله، وإن أخذ بلحيته، وإن كان شيخا، حتى يؤنس منه رشده: العقل.

وقال ابن جريج: صلاحا، وعلما بما يصلحه. والاقوى أن يحمل على أن المراد به العقل، وإصلاح المال، على ماقال ابن عباس، والحسن، وهو المروي عن أبي جعفر (ع)، للاجماع على أن من يكون كذلك لايجوز الحجر في ماله، وان كان فاجرا في دينه، فاذا كان ذلك اجماعا

___________________________________

(1) سورة القصص: آية 29.

(2) (واختلفوا في معنى الرشد) ساقطة من المطبوعة.

(3) (الحسن) ساقط من المطبوعة.

[118]

فكذلك إذا بلغ، وله مال في يدوصي أبيه أو في يد حاكم قد ولي ماله، وجب عليه أن يسلم إليه ماله، إذا كان عاقلا، مصلحا لما له، وإن كان فاسقا في دينه. وفي الآية دلالة على جواز الحجر على العاقل، إذا كان مفسدافي ماله، من حيث أنه إذاكان عند البلوغ يجوز منعه المال إذا كان مفسدا له، فكذلك في حال كمال العقل إذاصار بحيث يفسد المال، جاز الحجر عليه، وهو المشهور في أخبارنا.

ومن الناس من قال: لايجوز الحجر على العاقل، ذكرناه في الخلاف.

وقوله: (فادفعوا إليهم أموالهم ولاتأكلوها إسرافا وبدارا) فهو خطاب لاولياء اليتيم، أمرهم الله تعالى إذا بلغ اليتيم، وأونس منه الرشد، على ما فسرناه، أن يسلم إليه ماله، ولايحبسه عنه.

وقوله: (ولا تأكلوها اسرافا) معناه بغير ما أباحه الله لكم.

وقال الحسن، والسدي: الاسراف في الاكل. وأصل الاسراف تجاوز الحد المباح إلى ما لم يبح، وربما كان ذلك في الافراط، وربما كان في التقصير غير أنه إذا كان في الافراط يقال منه: أسرف يسرف إسرافا، وإذا كان في التقصير يقال: سرف يسرف سرفا، يقال: مررت بكم فسرفتكم، يريد: فسهوت عنكم، واخطأتكم، كما قال الشاعر:

اعطوا هنيدة يحدوها ثمانية *** ما في عطائهم من ولا سرف(1)

يعني لاخطأفيه، يريد أنهم يصيبون مواضع العطاء فلايخطونها.

وقوله: " وبدارا أن يكبروا " فالبدار والمبادرة مصدران، فنهى الله تعالى أولياء اليتامى أن يأكلوا أموالهم اسرافا بغير ما أباح الله لهم أكله، ولا مبادرة منكم بلوغهم، وإيناس الرشد منهم، حذرا أن يبلغو ا، فيلزمكم تسليمه إليهم، وبه قال ابن عباس، وقتادة، والحسن، والسدي، وابن زيد.

___________________________________

(1) قائله جرير ديوانه 2: 15 واللسان (هند) و (سرف) وهومن قصيدة يمدح بها يزيد بن عبدالملك، ويهجو آل المهلب.

قوله: (هنيدة) اسم لكل مئة من الابل، و (هنيد) لايصرف ولايدخل عليه الالف واللام ولايجمع وليس له واحد من جنسه.

و (ثمانية) أي ثمانية من العبيد: وكان في المخطوطة والمطبوعة (عطاء‌كم) وهو مناسب في المعنى ولكن لم أجد أحد يرويه الا (عطائهم).

[119]

وأصل البدار الامتلاء. ومنه البدر القمر، لامتلائه نورا، والبدرة: لامتلائها بالمال، والبيدر: لامتلائه بالطعام، وموضع " أن " نصب بالمبادرة، والمعنى: لاتأكلوها مبادرة كبرهم.

وقوله: (ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف " يعني: من كان غنيا من ولاة أموال اليتامى فليستعفف بماله عن أكلها، وبه قال ابن عباس، وابراهيم.

وقوله: (ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف) قال عبيدة: معناه القرض، وهو المروي عن أبي جعفر (ع)، ألا ترى أنه قال: (فاذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم) " ومن كان فقيرا " فاختلفوا في الوجه الذي يجوز له أكل مال اليتيم به إذا كان فقيرا، وهو المعروف، فقال سعيد بن جبير، وعبيدة السلماني، وأبوالعالية، وأبووائل، والشعبي، ومجاهد، وعمر بن الخطاب: هو أن يأخذه قرضا على نفسه فيما لابد له منه، ثم يقضيه، وبينا أنه المروي عن أبي جعفر (ع).

وقال الحسن، وإبراهيم، ومكحول، وعطاء بن أبي رباح: يأخذ ماسد الجوعة، ووارى العورة، ولا قضاء عليه، ولم يوجبوا أجرة المثل، لان أجرة المثل ربما كانت أكثر من قدر الحاجة. والظاهر في أخبارنا أن له أجرة المثل، سواء كان قدر كفايته، أولم يكن.

وسئل ابن عباس عن ولي يتيم له إبل هل له أن يصيب من ألبانها؟ فقال: إن كنت تلوط حوضها، وتهنأ جرباها، فأصبت من رسلها، غير مضر بغسل ولاناهكه في الحلب.

معنى تلوط حوضها: تطينه، وتهنأ جرباها، معناه: تطليها بالهناء، وهو الخضخاض، ذكره الازهري، والرسل اللبن، والنهك: المبالغة في الحلب.

واختلفوا في هل للفقير من ولي اليتيم أن يأكل من ماله هو وعياله، فقال عمروبن عبيد: ليس له ذلك، لقوله: " فليأكل بالمعروف " فخصه بالاكل، وقال الجبائي: له ذلك لان قوله: " بالمعروف " يقتضي أن يأكل هو وعياله، على ماجرت به العادة في أمثاله، وقال إن كان المال واسعا كان له أن يأخذ قدر كفايته، له ولمن يلزمه نفقته من غير اسراف، وإن كان قليلا كان له أجرة المثل

[120]

لاغير، وإنما لم يجعل له أجرة المثل إذا كان المال كثيرا، لانه ربما كان أجرة المثل أكثر من نفقته بالمعروف، وعلى ما قلناه من أن له أجرة المثل سقط هذا الاعتبار.

وقوله: (فاذا دفعتم إليهم أموالهم فاشهدوا عليهم) خطاب لاولياء اليتامى، إذا دفعوا أموال اليتامى إليهم، أن يحتاطوا لانفسهم بالاشهاد عليهم، لئلايقع منهم جحود، ويكونوا أبعد من التهمة، وسواء كان ذلك في أيديهم، أو استقرضوه ديناعلى نفوسهم، فان الاشهاد يقتضيه الاحتياط، وليس بواجب.

وقوله: (كفى بالله حسيبا) معناه: كفى الله، والباء زائدة، وقال السدي: معناه: شهيدا ههنا، وقيل: معناه: وكفى بالله كافيا من الشهود، ولان أحسبنى معناه: كفائي، والمعنى: وكفى بالله شهيدا في الثقة بايصال الحق إلى صاحبه والمحسب من الرجال المرتفع النسب. والمحسب، المكفى.

وولي اليتيم المأمور بابتلائه، وهوالذي جعل إليه القيام به، من وصي، أو حاكم، أو أمين،، ينصبه الحاكم. وأجاز أصحابنا الاستقراض من مال اليتيم إذا كان مليا، وفيه خلاف.

قوله تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والا قربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا(7))

آية بلاخلاف.

النزول: اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فقال قتادة، وابن جريج، وابن زيد: إن أهل الجاهلية كانوا يورثون الذكور دون الاناث، فنزلت هذه الآية ردا لقولهم.

وقال الزجاج: كانت العرب لاتورث إلا من طاعن بالرماح، وذاد عن الحريم والمال، فنزلت هذه الآية ردا عليهم، وبين أن للرجال نصيبا مما ترك الوالدان والاقربون، " وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والاقربون، مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا " يعني حظا مفروضا، قال الزجاج: مفروضا. نصب على الحال،

[121]

وقال غيره: هو إسم في موضع المصدر، كقولك قسما واجبا، وفرضا لازما، ولو كان إسما ليس فيه معنى المصدر، لم يجز قولك: عندي حق درهما، ويجوز: لك عندي درهم هبة مفترضة(1) وأصل الفرض الثبوت، والفرض: الحز في سية القوس حيث يثبت الوتر، والفرض: ما أثبته على نفسك من هبة أو صلة، والفرض: إيجاب الله عزوجل على العبد ما يلزمه فعله لاثباته عليه، والفرض: جند يفترضون، والفرض: ما أعطيت من غير قرض، لثبوت تمليكه، والفرض: ضرب من التمر.

والفارض المسنة، والفرضة: حيث ترمي(2) السفن من النهر وكل ضخم فارض، والفرق بين الفرض والوجوب أن الفرض هو الايجاب، غير أن الفرض يقتضي فارضا فرضه، وليس كذلك الواجب لانه قد يجب الشئ في نفسه من غير إيجاب موجب، ولذلك صح وجوب الثواب والعوض على الله تعالى، ولم يجز فرضه عليه.

وأصل الوجوب الوقوع، يقال: وجب الحائط وجوبا فهو واجب، إذا وقع، وسمعت وجبة أي وقعة كالهدة، ومنه " وجبت جنوبها "(3) أي وقعت لجنوبها، ووجب الحق وجوبا، إذا وقع سببه، كوجوب رد الوديعة، وقضاء الدين، ووجوب شكر المنعم، ووجوب الاجر، وإنجاز الوعد، ووجب القلب وجيبا إذا خفق من فزع وقعة كالهدة.

وفي الآية دليل على بطلان القول بالعصبة، لان الله تعالى فرض الميراث للرجال والنساء، فلو جاز أن يقال: النساء لايرثن في موضع، لجاز لآخرين أن يقولوا: والرجال لايرثون، والخبر المدعى في العصبة خبر واحد، لايترك له عموم القرآن، لانه معلوم، والخبر مظنون، وقد بينا ضعف الخبر في كتاب تهذيب الاحكام، فمن أراده وقف عليه من هناك.

وفي الآية أيضا دلالة على أن الانبياء يورثون، لانه تعالى عم الميراث للرجال والنساء، ولم يخص، نبيا من غيره، وكما لايجوز أن يقال: النبي لايرث،

___________________________________

(1) في المطبوعة: مقبوضة.

(2) في المطبوعة: ترقا.

(3) سورة الحج: آية 36.

[122]

لانه خلاف الآية، فكذلك لايجوز أن يقال: لايورث، لانه خلافها، والخبر الذي يروون أنه قال: نحن معاشر الانبياء لانورث، ماتركناه صدقة، خبر واحد، وقد بينا مافيه، في غير موضع، وتأولناه، بعد تسليمه.

قوله تعالى: (وإذاحضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا(8))

آية بلاخلاف.

المعنى: هذه الآية عندنا محكمة، وليست منسوخة، وهو قول ابن عباس، وسعيد ابن جبير، والحسن، وابراهيم، ومجاهد، والشعبي، والزهري، ويحيى بن يعمر، والسدي، والبلخي، والجبائي، والزجاج، وأكثر المفسرين والفقهاء.

وقال سعيد ابن المسيب، وأبومالك، والضحاك، هي منسوخة، وإرزاق من حضر قسمة الميراث من هذه الاصناف، ليس بواجب، بل هومندوب إليه، وهو الذي اختاره الجبائي، والبلخي، والرماني، وجعفر بن مبشر، وأكثر الفقهاء والمفسرين.

وقال مجاهد: هو واجب، وحق لازم ماطابت به أنفس الورثة. وكل من ذهب إلى أنها منسوخة قال: إن الرزق ليس بواجب، وكذلك من قال انها في الوصية. واختلفوا فيمن المخاطب بقوله: " فارزقوهم " فقال أكثر المفسرين: إن المخاطب بذلك الورثة، أمروا بأن يرزقوا المذكورين، إذا كانوا لاسهم لهم في الميراث، وقال آخرون إنها تتوجه إلى من حضرته الوفاة، وأراد الوصية، فانه ينبغي له أن يوصي لمن لايرثه من هؤلاء المذكورين، بشئ من ماله.

وروي هذا القول الاخير عن ابن عباس، وعبدالله بن عبدالرحمن بن أبي بكر، وسعيد ابن المسيب، واختار الطبري هذا الوجه، والوجه الاول روي عن ابن عباس، وعبدالله بن الزبير، وأبي موسى الاشعرى، وابن سيرين، والحسن، وسعيد بن جبير.

[123]

قال سعيد بن جبير: إن كان الميت أوصى لهم بشئ أنفذت وصيته، وإن كان الورثة كبارا أرضخوا لهم، وإن كانوا صغارا قال وليهم: إني لست أملك هذا المال، وليس لي، إنما هو للصغار، فذلك قوله: (وقولوا لهم قولا معروفا) وبه قال السدي، وابن عباس.

واختلفوا فيمن المامور [ بقول ](1) المعروف، فقال سعيد بن جبير: أمر الله يقول الولي الذي لايرث، للمذكورين قولا معروفا، ويقول: إن هذا لقوم غيب أو يتامى صغار، ولكم فيه حق، ولسنا نملك أن نعطيكم منه.

وقال قوم: المأمور بذلك الرجل الذي يوصي في ماله، والقول المعروف: أن يدعو لهم بالرزق والغنى، وما أشبه ذلك.

وروي عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وابن زيد: أن الآية في الوصية، على أن يوصوا للقرابة، ويقولوا لغيرهم قولا معروفا.

ومن قال إنها على الوجوب، قال: لايعطي من مال اليتيم شيئا، ويقول قولا معروفا، ذهب إليه ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، والسدي.

وروى ابن علية، عن عبيدة، أنه ذبح شاة من مال اليتيم، وقسمه بينهم، وقال: كنت أحب أن يكون من مالي لولا هذه الآية.

وعمل ابن سيرين في مال اليتيم ماعمل عبيدة، وأقوى الاقوال أن يكون الخطاب متوجها إلى الوراث البالغين، لان فيه أمرا بالرزق لمن حضر، ولم يخاطب الله من لايملك أن يخرج من مال غيره شيئا، فكأن الله تعالى حث هؤلاء، ورغبهم في أن يجعلوا للحاضرين شيئا مما يحقهم(2)، ويقولوا لهم قولا، معروفا، فيصير ردا جميلا، من غير تأفف، ولا تضجر، وكذلك لو قلنا إنها متوجهة إلى الموصي، لكان محمولا على أنه يستحب له أن يوصي لهؤلاء بشئ من ماله، مالم يزد على الثلث، فان لم يختر ذلك قال لهم قولا جميلا، لا يتألمون منه، ولا يغتمون به.

وفي الآية حجة على المجبرة، لانه تعالى قال: " فارزقوهم " وفيه دلالة على أن الانسان يرزق غيره على معنى التمليك، وأن الله لايرزق حراما، لانه لو رزقه لخرج برزقه إياه من أن يكون حراما، ومثله قوله: " وهو خير الرازقين ".

___________________________________

(1) في المطبوعة: لقوله المعروف، وفي المخطوطة: لقوله بالمعروف، وكلاهما تحريف.

(2) هكذا في المطبوعة والمخطوطة والاولى: مما يلحقهم.

[124]

قوله تعالى: (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا(9))

آية بلاخلاف.

المعنى: قيل في معنى الآية أربعة أقوال: أحدها - النهي عن الوصية بمايجحف بالورثة، ويضر بهم، هذا قول ابن عباس، في بعض الروايات، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والسدي، والضحاك، ومجاهد.

الثاني - قال الحسن: كان الرجل يكون عند الميت فيقول: أوص بأكثر من الثلث من مالك، فنهاه الله عن ذلك.

الثالث - روي عن ابن عباس: أنه خطاب لولي مال اليتيم، يأمره بأداء الامانة فيه، والقيام بحفظه، كما لو خاف على مخلفيه، إذاكانوا ضعافا، وأحب أن يفعل بهم.

الرابع - قال مقسم: هي في حرمان ذوي القربى أن يوصي لهم، بأن يقول الحاضر للوصية: لاتوص لاقاربك، ووفر على ورثتك.

اللغة: والذرية: على وزن فعلية، منسوبة إلى الذر، ويجوز أن يكون أصلها ذرورة، لكن الراء أبدلت ياء، وأدغمت الواو فيها، وهي بضم الذال، ويجوز فيها كسرها، وقد قرئ به في الشواذ، ومن كسر الذال فلكسرة الراء، كما قالوا في عنى عتي، وعصي، وضعاف: جمع ضعيف وضعيفة، كقولك: ظريف وظريفة وظراف، وخبيث وخباث، ويجمع أيضا ضعفاء.

وأصل الضعاف من الضعف، وهو النقص في القوة، ومنه المضاعف، لانه ينفي الضعف، ومنه الضعف.

وقوله: (فليتقوا الله) يعني: فليتقوا معاصيه، (وليقولوا قولا سديدا)

[125]

وهو السليم من خلل الفساد، وذلك الحق بالدعاء إلى العدل في القسم بمالايجحف بالورثة، ولايحرم ذوي القربي، وأصل السديدمن سد الخلل، تقول: سددته أسده سدا، والسداد: الصواب، والسداد - بكسر السين - من قولهم: فيه سداد من عوز، وسدد السهم: إذا قومه، والسد الردم، والسدة في الانف.

المعنى: ومعنى الآية، أنه ينبغي للمؤمن الذي لو ترك ذرية ضعافا بعد موته، خاف عليهم الفقر والضياع، أن يخشى على ورثة غيره من الفقر والضياع، ولايقول لمن يحضر وصيته أن يوصي بما يضر بورثته، وليتق الله في ذلك، وليتق الاضرار بورثة المؤمن، وليقل قولا سديدا، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وآله أن يوصى بأكثر من الثلث، وقال: " والثلث كثير " وقال لسعد " لان تدع ورثتك أغنياء أحب الي من أن تدعهم عالة يتكففون الناس بأيديهم ".

الآية: 10 - 19

قوله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامي ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا(10))

آية.

القراء‌ة والحجة: قرأ ابن عامر، وأبوبكر، عن عاصم: وسيصلون - بضم الياء - الباقون، بفتحها، والفتح أقوى، لقوله: " لايصلاها إلا الاشقى "(1) وقوله: " إلا من هو صال الجحيم "(2) ومن ضم الياء ذهب إلى أصلاه الله إذا أحرقه بالنار.

المعنى: وإنما علق الله تعالى الوعيد في الآية لمن يأكل أموال اليتامى ظلما، لانه قد

___________________________________

(1) سورة الليل: آية 15.

(2) سورة الصافات: آية 163.

[126]

يأكله على وجه الاستحقاق، بأن يأخذ منه أجرة المثل، على ماقلناه. أو يأكل منه بالمعروف على مافسرناه، أو يأخذه قرضا على نفسه، فان قيل: إذا أخذه قرضا على نفسه، أو أجرة المثل، فلايكون أكل مال اليتيم، وإنما أكل مال نفسه.

قلنا: ليس الامر على ذلك، لانه يكون أكل مال اليتيم، لكنه على وجه التزم عوضه في ذمته، أو استحقه بالعمل في ماله، فلم يخرج بذلك من استحقاق الاسم بانه مال اليتيم، ولو سلم ذلك، لجاز أن يكون المراد بذلك ضربا من التأكيد وبيانا، لانه لايكون أكل مال اليتيم إلا ظلما. ونصب ظلما على المصدر، وتقديره: إن من أكل مال اليتيم فانه يظلمه ظلما.

وقوله: (إنما يأكلون في بطونهم نارا) قيل في معناه وجهان: أحدهما - ماقاله السدي من أن من أكل مال اليتيم ظلما يبعث يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه، ومن مسامعه، ومن أذنيه وأنفه وعينيه، يعرفه من رآه. بأكل مال اليتيم.

الثاني - أنه على وجه المثل، من حيث أن فعل ذلك يصير إلى جهنم، فتمتلئ بالنار أجوافهم، عقابا على ذلك الاكل منهم، كما قال الشاعر:

وان الذي اصبحتم تحلبونه *** دم غير أن اللون ليس باحمرا

يصف أقواما أخذوا الابل في الدية، يقول: فالذي تحلبون من ألبانها ليس لبنا، إنما هو دم القتيل.

اللغة: وقوله: (وسيصلون سعيرا) فالصلا لزوم النار، للاحراق، أو التسخن، أوالانضاج، يقال: صلي بالنار يصلى صلا بالقصر، قال العجاج: وصاليات للصلا صلي(1) ويقال الصلا بالكسر والمد، قال الفرزدق:

___________________________________

(1) ديوانه: 67 من ارجوزته المشهورة.

[127]

وقاتل كلب الحي عن نار أهله *** ليربض فيها والصلا متكنف(1)

واصطلى صلى بالنار اصطلاء، وأصليته النار اصلاء، إذا القيته فيها.

وفي التنزيل: " فسوف نصليه نارا "(2) والصالي بالشر الواقع فيه قال الشاعر:

لم اكن من جناتها علم الله *** واني بحرها اليوم صالي(3)

ومنه شاة مصلية، أي مشوية.

والسعير بمعنى مسعورة، مثل كف خضيب، بمعنى مخضوبة، والسعر اشعال النارتقول سعرتها أسعرها سعرا.

ومنه قوله: " وإذا الجحيم سعرت "(4) واستعرت النار في الحطب استعارا، واستعرت الحرب والشر استعارا، ومنه سعر السوق، لاستعارها به في النفاق.

المعنى: وأكل مال اليتيم على وجه الظلم، وغصبه متساويان في توجه الوعيد إليه، ولايدل على مثل ذلك في غير مال اليتيم، لان الزواجر عن مال اليتيم أعظم.

وقال الجبائي: هماسواء، ومن غصب من مال اليتيم خمسة دراهم فان الوعيد يتوجه إليه وقال الرماني: لايتوجه إليه، لان أقل المال مئتادرهم.

وقال الجبائي: يلزمه كما يلزم مانع الزكاة.

وقال الرماني: هذا ليس بصحيح، لانه يجوز أن يكون منع الزكاة أعظم، وما قلناه أولا أولى بعموم الآية.

وقوله: لايسمى المال إلا مئتادرهم دعوى محضة، لابرهان عليها.

___________________________________

(1) ديوانه: 56 والنقائض 561 واللسان (صلا) والمعنى: ان الكلب يزاحم أهل الحي على النار وهم متجمعون - متكنفون - عليها من شدة البرد.

(2) سورة النساء: آية 29.

(3) قائله الحارث بن عباد البكري الاصمعيات 67 القصيدة 17، وحماسة البحتري 33 والكامل لابن الاثير 1: 220 وخزانة الادب 1: 225 وغيرها. وقد مر البيت في 1: 195 من هذا الكتاب.

(4) سورة التكوير: آية 12.

[128]

قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين فان كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولابويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فان لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث فان كان له إخوة فلامه السدس من بعد وصية يوصى بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لاتدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما(11))

آية بلاخلاف.

القراء‌ة والحجة: قرأ ابن عامر، وابن كثير، وأبوبكر، عن عاصم: يوصى - بفتح الصاد - الباقون بكسرها، وهو الاقوى، لقوله: " مما ترك إن كان له ولد " فتقدم ذكر الميت، وذكر المفروض مما ترك(1)، ومن فتحها فلانه ليس لميت معين، وإنما هو شائع في الجميع.

سبب النزول والقصة: وقيل في سبب نزول هذه الآية قولان: أحدهما - قال السدي، وابن عباس: إن سبب نزولها، أن القوم لم يكونوا يورثون النساء والبنات والبنين الصغار، ولم يورثوا إلا من قاتل وطاعن، فأنزل الله الآية، وأعلمهم كيفية الميراث.

وقال عطاء، عن ابن عباس، وابن جريج، عن مجاهد، عن ابن عباس، إنهم كانوا يورثون الولد، وللوالدين الوصية، فنسخ الله ذلك.

وقال محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: كنت عليلا مدنفا، فعاده النبي صلى الله عليه وآله، ونضح الماء على وجهه فأفاق، وقال: يارسول الله، كيف أعمل في مالي: فأنزل الله الآية.

___________________________________

(1) في المطبوعة (ماترك)

[129]

وروي عن ابن عباس قال: كان المال للولد، والوصية للوالدين والاقربين، فنسخ(1) ذلك بهذه الآية.

المعنى: وهذه الآية عامة في كل ولد يتركه الميت، وان المال بينهم للذكر مثل حظ الانثيين، وكذلك حكم البنت والبنتين. والبنت(2) لها النصف، ولهما الثلثان على كل حال، إلا من خصه الدليل من الرق، والكفر، والقتل، فانه لاخلاف أن الكافر، والمملوك، والقاتل عمدا، لايرثون، وإن كان القائل خطأ، فقيه الخلاف وعندنا يرث من المال دون الدية. فأما المسلم فانه عندنا يرث الكافر، وفيه خلاف، ذكرناه في مسائل الخلاف، والعبد لايورث لانه لايملك شيئا، والمرتد لايرث وميراثه لورثته المسلمين، وهذا قول علي (ع).

وقال سعيد بن المسيب: نرثهم ولايرثونا وبه قال معاوية، والحسن، وعبدالله بن معقل، ومسروق وقوله صلى الله عليه وآله " لايتوارث أهل ملتين " معناه: لايرث كل واحد منهما صاحبه، فانا نقول: المسلم يرث الكافر، والكافر لايرث المسلم، فلم تثبت حقيقة التوارث بينهما.

ومعنى: " يوصيكم الله " فرض عليكم، لان الوصية من الله فرض، كما قال: " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به "(3) يعني فرض، عليكم، ذكره الزجاج، وإنما لم يعد قوله: " يوصيكم " إلى (مثل) فينصبه، لانه كالقول في حكاية الجملة بعده، والتقدير: قال الله: " في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين " ولان الغرض بالآية الفرق بين الموصى به والموصى له، في نحو أوصيت زيدا بعمرو.

وقوله: (فان كن نساء فوق اثنتين) فالظاهر يقتضي أن الثنتين لايستحقان الثلثين، وإنما يستحق الثلثان إذا كن فوق اثنتين، لكن أجمعت الامة أن حكم البنتين حكم من زاد عليهما من البنات، فتركنا له الظاهر.

___________________________________

(1) في المطبوعة (فنسخ بهذه الآية) باسقاط ذلك.

(2) (والبنت) ساقطة من المطبوعة.

(3) سورة الانعام: آية 151.

[130]

وقال أبوالعباس المبرد، واختاره إسماعيل بن اسحاق القاضي: إن في الآية دليلا على أن للبنتين الثلثين، لانه إذاقال: (للذكر مثل حظ الانثيين) وكان أول العدد ذكرا وأنثى، للذكر الثلثان وللانثى الثلث علم من ذلك أن للبنتين الثلثين، وأعلم الله أن مافوق البنتين لهن، الثلثان.

وحكى الزجاج عمن قال: ذلك معلوم، بقوله تعالى: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ماترك)(1) فجعل للاخت النصف، كما جعل للبنت النصف، ثم قال: (فان كانتا اثنتين فلهما الثلثان)(2) فأعطيت البنتان الثلثين(3)، كما أعطيت الاختان الثلثين وأعطي جملة الاخوات الثلثين، فكذلك جملة البنات.

وذكر عن ابن عباس: أن البنتين بمنزلة البنت، وإنما استحق الثلثين الثلاث بنات فصاعدا.

وحكى النظام، في كتاب النكت، عن ابن عباس: أن للبنتين نصفا وقيراطا، قال: لان للبنت الواحدة النصف، وللثلاث بنات الثلثين، فينبغي أن يكون للبنتين ما بينهما، ثم يشتركان في النصف وقيراط بالسوية.

وقوله: (وإن كانت واحدة فلها النصف " يدل على أن فاطمة (ع) كانت مستحقة للميراث، لانه عام في كل بنت، والخبر المدعي في أن الانبياء لايورثون خبر واحد، لايترك له عموم الآية لانه معلوم لايترك بمظنون.

وقوله: (ولابويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد) ليس في ذلك خلاف، وكذلك إن كان واحد من الابوين مع الولد، كان له السدس بالتسمية، بلاخلاف، ثم ينظر، فان كان الولد ذكرا، كان الباقي للولد واحدا كان أو أكثر، بلا خلاف، وكذلك إن كانوا ذكورا واناثا فالمال بينهم، " للذكر مثل حظ الانثيين " وإن كانت بنتا كان لها النصف، ولاحد الابوين السدس، والباقي عندنا يرد على البنت وأحد الابوين على قدر سهامهما، أيهما كان، لان قرابتهما سواء، ومن خالفنا يقول: إن كان أحد الابوين اباكان الباقي له، لانه عصبة وإن كانت أما ففيهم من يقول بالرد على البنت وعلى الام ومنهم من يقول: الباقي لبيت المال،

___________________________________

(1، 2) سورة النساء: آية 175.

(3) في المخطوطة والمطبوعة (اعطيت البنتين الثلثان) وهو؟.

[131]

وإنما رددنا عليهما لقوله: (وألوا الارحام بعضهم أولى ببعض(1) وههنا هما متساويان، لان البنت تتقرب بنفسها إلى الميت، فكذلك أحد الابوين، والخبر المدعى في أن ماأبقت الفرائض فلاولي عصبة ذكر، خبر ضعيف، بينا وجهه في تهذيب الاحكام، لايخص به عموم القرآن.

وقوله (فان لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث) فمفهومه أن الباقي للاب وليس فيه خلاف، فان كان في الفريضة زوج كان له النصف، وللام الثلث بالظاهر، وما بقى فللاب.

ومن قال: للام ثلث ما يبقي، فقد ترك الظاهر، وبمثل ماقلناه قال ابن عباس، فان كان بدل الزوج زوجة، كان الامر مثل ذلك، للزوجة الربع، وللام الثلث، والباقي للاب، وبه قال ابن عباس، وابن سيرين.

قوله: (فان كان له إخوة فلامه السدس) ففي أصحابنا من يقول: إنما يكون لها السدس إذا كان هناك أب لان التقدير: فان لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث، فان كان له إخوة وورثه أبواه فلامه السدس، ومنهم من قال: إن لها السدس مع وجود الاخوة، سواء كان هناك أب أو لم يكن، وبه قال جميع الفقهاء، غير أنا نقول: إن كان هناك أب، كان الباقي للاب، وإن لم يكن أب كان الباقي ردا على الام، ولايرث - أحد من الاخوة والاخوات مع الام شيئا، سواء كانوا من قبل أب وأم أومن قبل أب، أو من قبل أم - على حال، لان الام أقرب منهم بدرجة، ولا يحجب عندنامن الاخوة إلا من كان من قبل الاب والام، أو من قبل الاب، فأما من كان من قبل الام فحسب، فانه لايحجب على حال، ولايحجب أقل من أخوين، أو أخ وأختين، أو أربع أخوات، فأما الاختان فلايحجبان على حال، وخالفنا جميع الفقهاء في ذلك فأما الاخوان(2) فلا خلاف أنه تحجب بهماالام عن الثلث إلى السدس، إلا ماقال إبن عباس: أنه لايحجب بأقل من ثلثة، لقوله: " إخوة " والثلاثة أقل الجمع، وحكي عن

___________________________________

(1) سورة الانفال: آية 75.

(2) في المطبوعة (الاخوات).

[132]

ابن عباس أيضا: أن ما يحجبه الاخوة من سهم الام من الثلث إلى السدس، يأخذه الاخوة دون الاب، وذلك خلاف ما أجمعت الامة عليه، لانه لاخلاف أن أحدامن الاخوة لايستحق مع الابوين شيئا، وإنما قلناإن اخوة بمعنى أخوين للاجماع من أهل العصر على ذلك، وأيضا فانه يجوز وضع لفظ الجمع في موضع التثنية إذا اقترنت به دلالة، كماقال: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما)(1) ويقول القائل: ضربت الرجلين أرؤسهما، ومن أخويك ظهورهما.

فان قيل: لم حجب الاخوة الام من غير أن يرثوامع الاب؟ قلنا: قال قتادة: معونة للاب، لانه يقوم بنفقتهم، ونكاحهم، دون الام، وهذا بعينه رواه أصحابنا، وهو دال على أن الاخوة من الام لايحجبون، لان الاب لايلزمه نفقتهم على حال.

وقوله: (آباؤكم وأبناؤكم لاتدرون أيهم أقرب لكم نفعا) معناه: لاتعلمون أيهم أقرب لكم نفعا في الدين والدنيا، والله يعلمه، فاقسموه على مابينه من يعلم المصلحة فيه.

وقال بعضهم: الاب يجب عليه نفقة الابن إذا احتاج إليها، وكذلك الابن يجب عليه نفقة الاب مع الحاجة، فهما في النفع في هذا الباب سواء، لاتدرون أيهم أقرب نفعا.

وقيل: لاتدرون أيكم يموت قبل صاحبه، فينتفع الآخر بماله.

فان قيل: كيف قدم الوصية على الدين في هذه الآية وفي التي بعدها، مع أن الدين يتقدم عليها بلاخلاف؟ قلنا: لان (أو) لاتوجب الترتيب، وإنما هي لاحد الشيئين، فكأنه قال: من بعد أحد هذين، مفردا أو مضموما إلى الآخر كقولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين، أي جالس أحدهما مفرداأو مضموما إلى الآخر ويجب البدأة بالدين، لانه مثل رد الوديعة التي يجب ردها على صاحبها، فكذلك حال الدين، وجب ره أولا، ثم يكون بعده(2) الوصية، ثم الميراث.

وماقلنا اختاره الجبائي، والطبري، وهو المعتمد عليه في تأويل الآية.

___________________________________

(1) سورة التحريم: آية 4.

(2) في المطبوعة (هذه) بدل (بعده)

[133]

وقوله: (فريضة من الله) نصب على الحال من قوله: (لابويه) وتقديره: فلهؤلاء الورثة ما ذكرناه مفروضا، ف‍ " فريضة " مؤكدة لقوله: " يوصيكم الله " هذا قول الزجاج، وقال غيره: هونصب على المصدر من قوله: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) فرضا مفروضا.

وقال غيره: يجوز أن يكون نصبا على التمييز من قوله: (فلامه السدس) فريضة، كما تقول: هولك صدقة، أوهبة. والثلث، والربع، والسدس، يجوز فيه التخفيف والتثقيل، فالتخفيف لثقل الضمة، وقال قوم: الاصل فيها التخفيف، وإنما ثقل للاتباع، قال الزجاج: هذا خطأ لان الكلام وضع على الايجاز بالتخفيف عن التثقيل.

وقوله: (إن الله كان عليما حكيما) قيل(1) في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - قال سيبويه: كان القوم شاهدوا علما: وحكمة، ومغفرة، وتفضلا، فقيل لهم: (إن الله كان عليما حكيما) لم يزل على ما شاهدتم عليه(2).

والثاني - قال الحسن: كان الله عليما بالاشياء قبل حدوثها، حكيما فيما يقدره ويدبره منها.

الثالث - قال بعضهم: الخبر عن هذه الاشياء بالمضي، كالخبر بالاستقبال والحال، لان الاشياء عند الله على كل حال فيما مضى ومايستقبل.

وإنما قال في تثنية الاب والام: أبوان تغليبا للفظ الاب، ويقال أيضا للام أبة، ولايلزم على ذلك أن يقال: في إبن وإبنة: إبنان، لانه يوهم، فان لم يوهم جاز ذلك ذكره الزجاج.

___________________________________

(1) المطبوعة (فيدخل) بدل (قيل).

(2) هكذافي المخطوطة والمطبوعة والعبارة فيها ما ترى.

[134]

قوله تعالى: (ولكم نصف ماترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فان كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فان كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو أمرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فان كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم(12))

آية بلاخلاف.

قوله: (ولكم نصف ماترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد) لاخلاف أن للزوج نصف ماتترك الزوجة إذا لم يكن لها ولد، فان كان لها ولد فله الربع أيضا بلاخلاف سواء كان الولد منه أو من غيره، وإن كان ولد لايرث لكونه مملوكا، أو كافرا، أو قاتلا، فلا يحجب الزوج من النصف إلى الربع، ووجوه كعدمه.

وكذلك حكم الزوجة، لهاالربع إذا لم يكن المزوج ولد، على ما قلناه في الزوجة سواء، فان كان له ولد، كان لها الثمن، وما تستحقه الزوجة إن كانت واحدة فهو لها، وإن كن اثنتين أو ثلاثا أو أربعا لم يكن لهن أكثر من ذلك بلاخلاف، ولا يستحق الزوج أقل من الربع في حال من الاحوال، ولا الزوجة أقل من الثمن على وجه من الوجوه، ولايدخل عليهما النقصان، وكذلك الابوان لاينقصان في حال من الاحوال من السدسين، لان العول عندنا باطل على مابيناه في مسائل الخلاف.

وكل من ذكر الله له فرضا، فانما يستحقه إذاأخرج من التركة الكفن، والدين، والوصية، فان استغرق الدين المال لم تنفذ الوصية، ولا ميراث، وإن بقي نفذت الوصية، مالم تزد على ثلث ما يبقي بعد الدين، فان زادت ردت إلى الثلث.

وقوله: (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت) يعني من الام، بلاخلاف.

[135]

الاعراب: " وكلالة " نصبه يحتمل أمرين: أحدهما - على أنه مصدر وقع موقع الحال، وتكون كان تامة، وتقديره: يورث متكلل النسب كلالة. والثاني - بأن يكون خبركان، ذكره الرماني، والبلخي، وتقديره " فان كان " (رجل) إسم كان ويورث: صفته. وكلالة خبره. والاول هو الوجه، لان (يورث) هوالذي اقتضى ذكر الكلالة، كما تقول: يورث هذا الرجل كلالة، بخلاف من يورث ميراث الصلب، ويورث كلالة عصبة وغير عصبة.

المعنى: واختلفوا في معنى الكلالة، فقال أبوبكر وعمر، وابن عباس، وابن زيد، وقتادة، والزهري، وابن اسحاق: هوماعدا الوالد والولد(1).

وروي عن ابن عباس في رواية أخرى، أن الكلالة ما عدا الولد(2)، وورث الاخوة من الام السدس مع الابوين، وهذاخلاف إجماع أهل الاعصار.

وقال ابن زيد: الميت يسمى كلالة.

وقال جابر، وابن زيد: من عدا الوالد والولد من الورثة يسمى كلالة، فعلى هذا يسمى الزوج والزوجة كلالة، وقال قوم: الكلالة هوالميت الذي لاولدله، ولاوالد. وعندنا أن الكلالة هم الاخوة والاخوات، فمن ذكر في هذه الآية هومن كان من قبل الام، ومن ذكر في آخر السورة فهو من قبل الاب والام، أو من قبل الاب.

اللغة: وأصل الكلالة: الاحاطة، فمنه الاكليل، لاحاطته بالرأس، ومنه الكل

___________________________________

(1، 2) في المخطوطة (ماعدا الولد) في الموضعين.

[136]

لاحاطته بالعدد، والكلالة لاحاطتها بأصل النسب الذي هوالولد والوالد، ومنه الكلال، لانه تعب قد أحاط.

وقال أبومسلم: أصلها من كل إذا أعيا، فكأنه تناول الميراث من بعد على كلال وإعياء.

وقال الحسين بن علي المغربي: أصله عندي ما تركه الانسان وراء ظهره، مأخوذا من الكلالة، وهي مصدر الاكل، وهو الظهر، وقال: قرأت على أبي أسامة في كتاب الجيم، لابي عمرو الشيباني: تقول العرب: ولاني فلان أكله على وزن أظله، أي: ولاني ظهره، قال وهذا الاسم تعرفه العرب، وتخبر به عن جملة النسب والوراثة، قال عامر بن الطفيل:

وأني وان كنت ابن فارس عامر *** وفي السر منها والصريح المهذب

فما سودتني عامر عن كلالة *** أبى الله ان أسمو بأم ولاأب(1)

هكذا أنشده الرازي في كتابه، وينشد عن وراثة.

وقال زياد بن زيد العذري:

ولم أرث المجد التليد كلالة *** ولم يأن مني فترة لعقيب

والكل الثقل، ويقولون لابن الاخ ومن يجري مجراه، ممن يعال على وجه التبرع: هذاكلي، ومن قال: إن الاب لايدخل في الكلالة استدل بقول الشاعر:

فان أبا المرء أحمى له *** ومولى الكلالة لايغضب(2)

فأفرد الاب من الكلالة. ولاخلاف أن الاخوة والاخوات من الام يتساوون في الميراث.

الاعراب: وقوله: " وصية " نصب على المصدر بقوله: " يوصيكم الله " وصية وقال الفراء: نصب بقوله: " فلكل واحد منها السدس " وصية كما نقول: لك درهمان نفقة إنى أهلك، والاول أعم فائدة، وأولى.

___________________________________

(1) اللسان (كال).

(2) اللسان (كل).

[137]

وقوله: " والله عليم حليم " معناه ههنا: عليم بمصالح خلقه، حليم بامهال من يعصيه، فلا يغتر مغتر بامهاله.

وقوله: " وإن كان رجلا يورث كلالة أو أمرأة " ثم قال: " وله أخ أو أخت " ولم يقل: لهما، كما تقول: من كان له أخ أو أخت فليصله، ويجوز: فليصلها، ويجوز: فليصلهما، فالاول يرد الكناية إلى الاخ، والثاني على الاخت، والثالث عليهما، كل ذلك حسن.

وقوله: " غير مضار " نصب على الحال، يعني: يوصي بذلك غير مضار.

وقال الزجاج: يجوز أن يكون نصبا على أنه مفعول به. وحكى البلخي عن أبي عبيدة، وذكره الزجاج: " يورث " بكسر الراء، قال: ومعناه من ليس بولد ولا والد، ومن نصب الراء أراد المصدر.

المعنى: ومسائل المواريث وفروعها بسطناها في النهاية والمبسوط، وأوجزناها في الايجاز، في الفرائض، لانطول بذكرها في الكتاب، غير أنا نعقد ههنا جملة تدل على المذهب فنقول: الميراث يستحق بشيئين: نسب وسبب، فالسبب الزوجية، والولاء، والولاء على ثلاثة أقسام: ولاء العتق، وولاء تضمن الجريرة، وولاء الامامة، ولايستحق الميراث بالولاء إلا مع عدم ذوي الانساب.

والميراث بالزوجية ثابت مع جميع الوراث، سواء ورثوا بالفرض أو بالقرابة، ولاينقص الزوج عن الربع في حال، ولايزاد على النصف، والزوجة لاتزاد على الربع، ولاتنقص من الثمن على وجه.

والميراث بالنسب يستحق على وجهين: بالفرض، والقرابة، فالميراث بالفرض لايجتمع فيه إلا من كانت قرباه واحدة إلى الميت، مثل البنت أو البنات مع الوالدين أو أحدهما، فانه متى انفرد واحدمنهم أخذ المال كله، بعضه بالفرض، والباقي بالرد، وإذا اجتمعا أخذ كل واحد منهم ماسمي له، والباقي يرد عليهم، إن فضل.

[138]

على قدر سهامهم، وان نقص، لمزاحمة الزوج أو الزوجة لهم، كان النقص داخلا على البنت أو البنات، دون الابوين، أو أحدهما، ودون الزوج والزوجة.

ولايجتمع مع الاولاد، ولامع الوالدين، ولامع أحدهما أحدممن يتقرب لهما، كالكلالتين فانهما لاتجتمعان مع الاولاد، ذكورا كانوا أو إناثا، ولامع الوالدين، ولامع أحدهما أباكان أو أما، بل تجتمع كلالة الاب وكلالة الام، فكلالة الام إن كان واحدا كان له السدس، وإن كانا إثنين فصاعدا كان لهم الثلث، لاينقصون منه، والباقي لكلالة الاب، فان زاحمهم الزوج أوالزوجة دخل النقص على كلالة الاب دون كلالة الام، ولاتجتمع كلالة الاب والام مع كلاله الاب خاصة، فان اجتمعا كان المال لكلالة الاب والام، دون كلالة الاب، ذكرا كان أو أنثى، أوذكورا، أو أناثا، أو ذكورا وأناثا(1) ومن يورث بالقرابة دون الفرض لايجتمع إلا [ مع ](2) من كانت قرباه واحدة، وأسبابه ودرجته متساوية، فعلى هذا لايجتمع مع الولد للصلب ولد الولد، ذكرا كان ولد الصلب أو أنثى، لانه أقرب بدرجة، وكذلك لايجتمع مع الابوين ولامع أحدهما من يتقرب بهما من الاخوة والاخوات، والجد والجدة على حال، ولايجتمع الجد والجدة مع الولد للصلب، ولامع ولد الولد وإن نزلوا، ويجتمع الابوان مع ولد الولد وإن نزلوا، لانهم بمنزلة الولد للصلب، إذا لم يكن ولد الصلب، والجد والجدة يجتمعان مع الاخوة والاخوات، لانهم في درجة واحدة(3) والجدمن قبل الاب بمنزلة الاخ من قبله، والجدة من قبله بمنزلة الاخت من قبله، والجد من قبل الام بمنزلة الاخ من قبلها، والجدة من قبلها بمنزلة الاخت من قبلها، وأولاد الاخوة والاخوات يقاسمون الجد والجدة، لانهم بمنزلة آبائهم، ولايجتمع مع الجد والجدة من يتقرب بهما من العم والعمة، والخال والخالة، ولاالجد الاعلى،

___________________________________

(1) (أو ذكورا وأناثا) ساقطة من المطبوعة.

(2) (مع) ساقطة من المطبوعة.

(3) في المطبوعة (دج والجد) باسقاط واحدة والتأنيث من درجة.

[139]

ولاالجدة العليا، وعلى هذا تجري جملة المواريث، فان فروعها لاتنحصر، وفيما ذكرناه تنبيه على مالم نذكره. وأما المسائل التي اختلف قول الصحابة فيها، فقد ذكرناها في خلاف الفقهاء، فلاوجه لذكرها ههنا، لانه يطول به الكتاب.

قوله تعالى: (تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم(13) ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين(14))

آيتان بلاخلاف.

القراء‌ة، والحجة: قرأ نافع، وابن عامر: ندخله بالنون في الموضعين، الباقون بالياء، فمن قرأ بالياء فلان ماتقدم لفظ الغائب ومن قرأ بالنون عدل عن خطاب الغائب إلى الاخبار عن الله بنون العظمة، كما قال: " بل الله مولاكم "(1) وقال بعده: " سنلقي " فعدل عن الغائب.

المعنى، والاعراب: قال الفراء، والزجاج: معنى " تلك " هذه، كأنه قال هذه حدود الله واختلفوا في معنى الحدود، فقال السدي: تلك شروط الله، وقال ابن عباس: تلك طاعة الله، وقال قوم: تلك فرائض الله وأمره، وقال قوم: تلك تفصيلات الله لفرائضه، وهو الاقوى، لان أصل الحد هو الفصل، مأخوذا من حدود الدار التي تفصلها من غيرها، فمعنى الآية: هذه القسمة التي قسمها الله لكم، والفرائض التي فرضها لاحيائكم من

___________________________________

(1) سورة آل عمران: آية 150.

[140]

أمواتكم حدود الله، يعني فصول بين طاعة الله ومعصيته على ماقال ابن عباس، والمعنى تلك حدود طاعة الله، وانما اختص لوضوح المعنى للمخاطبين.

فان قيل: إذا كان ما تقدم ذكره دل على أنها حدود الله، فما الفائدة في هذا القول؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - للتأكيد، والثاني - أن الوجه في إعادته ماعلق به من الوعد والوعيد الصريح.

فان قيل: لم خصت الطاعة في قسمة الميراث بالوعد، مع أنه واحب في كل طاعة إذا فعلت لوجه الوجوب؟ قلنا: للبيان عن عظم موقع هذه الطاعة، مع التذكير بمايستحق عليها ترغيبا فيها بوعد مقطوع.

وقوله: (يدخله جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها) نصب على الحال.

قال الزجاج والتقدير: يدخلهم مقدرين الخلود فيها، والحال يستقبل فيها، كما تقول: مررت برجل معه باز، صائدا به غدا، أي يقدر الصيد به غدا.

وقوله: (وذلك الفوز العظيم) معناه الفلاح العظيم، فوصفه بأنه عظيم ولم يبين بالاضافة إلى ماذا، لان المراد به أنه عظيم بالاضافة إلى منفعة الخيانة في التركة، من حيث كان أمر الدنيا حقيرا بالاضافة إلى أمر الآخرة.

وقوله: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده) معناه يعصي الله فيما بينه من الفرائض، وأموال اليتامى، " ويتعد " معناه: يتجاوز مابين له، " يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين " وخالدا نصب على أحد وجهين: أحدهما - أن يكون حالا من الهاء في يدخله.

والآخر - أن يكون صفة لنار في قول الزجاج، كقولك: زيد مررت بدار ساكن فيها، على حذف الضمير، والتقدير: ساكن هو فيها، لان إسم الفاعل إذا جرى على غيرمن هوله لم يتضمن الضمير كما يتضمنه الفعل لو قلت: يسكن فيها.

واستدلت المعتزلة بهذه الآية على أن فاسق أهل الصلاة مخلد في النار، ومعاقب لامحالة، وهذالادلالة لهم فيه من وجوه، لان قوله: " ويتعد حدوده " إشارة

[141]

إلى من يتعدى جميع حدود الله، ومن كان كذلك فعندنا يكون كافرا، وأيضا فلاخلاف أن الآية مخصوصة بصاحب الصغيرة، وإن كان فعل المعصية، وتعدى حدا فانه خارج منها، فان جاز لهم إخراج الصغيرة منها لدليل، جازلنا أن.

نخرج من يتفضل الله عليه بالعفو، أو يشفع فيه النبي صلى الله عليه وآله.

وأيضا فان التائب لابد من إخراجه من هذه الآية لقيام الدلالة على وجوب قبول التوبة، فكذلك يجب أن يشترط من يتفضل الله باسقاط عقابه، فان قالوا: قبول التوبة واجب، والعفو ليس بواجب، قلنا: قبول التوبة واجب إذا حصلت، وكذلك سقوط العقاب واجب إذاحصل العفو، فان قالوا: يجوز أن لايختار الله العفو، قلنا: وكذلك يجوز ألا يختار العاصي التوبة، فان جعلوا الآية دالة على أن الله لايختار العفو، جاز لغيرهم أن يجعل الآية دالة على أن العاصي لايختار التوبة، على أن هذه الآية معارضة بآيات كثيرة، في وقوع العفو، كقوله: " ويغفر مادون ذلك لمن يشاء "(1) على ماسنبينه فيما بعد.

وقوله: " إن الله يغفر الذنوب جميعا "(2) وقوله: " وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم "(3) فان شرطوا في آياتنا التوبة، شرطنا في آياتهم إرتفاع العفو، والكلام في ذلك مستقصى في الوعيد، لانطول بذكره هذا الكتاب. ويمكن - مع تسليم ذلك - أن تحمل الآية على من يتعدى الحدود مستحلا لها، فانه يكون كافرا، ويتناوله الوعيد، على أن عند كثير من المرجئة العموم لاصيغة له، فمن أين ان " من " يفيد جميع العصاة؟ وما المنكر أن تكون الآية مختصة بالكفار.

___________________________________

(1) سورة النساء: آية 47، 115.

(2) سورة الزمر: آية 53.

(3) سورة الرعد: آية 7.

[142]

قوله تعالى: (والاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فان شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا(15))

آية بلاخلاف.

المعنى: قال أكثر المفسرين، كالضحاك، وابن زيد، والجبائي، والبلخي، والزجاج، ومجاهد، وابن عباس، وقتادة، والسدي: إن هذه الآية منسوخة، لانه كان الفرض الاول أن المرأة إذا زنت وقامت عليها البينة بذلك، أربعة شهود، أن تحبس في البيت أبدا حتى تموت، ثم نسخ ذلك بالرجم في المحصنين، والجلد في البكرين.

واللاتي جمع التي، وكذلك اللواتي، قال الشاعر:

من اللواتي والتي واللاتي *** زعمن أن كبرت لداتي(1)

ويجمع اللاتي باثبات الياء وبحذفها، قال الشاعر:

من اللات لم يحججن يبغين حسبة *** ولكن ليقتلن البرئ المغفلا(2)

وقوله: (أو يجعل الله لهن سبيلا) قيل في معنى السبيل ثلاثة أقوال: أحدها - قال ابن عباس، وعبدالله بن كثير، أنه الجلد للبكر مائة، وللثيب المحصن الرجم، وإذا جلد البكر فانه ينفى سنة عندنا، وبه قال الحسن، وقتادة، وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف.

و [ الثاني ] - قال الجبائي: النفي يجوز من طريق اجتهاد الامام، وأما من وجب عليه الرجم فانه يجلد أولاثم يرجم عند أكثر أصحابنا، وبه قال الحسن، وقتادة، وعبادة بن الصامت، وجماعة ذكرناهم في الخلاف.

وفي أصحابنا من يقول: ذلك يختص الشيخ والشيخة، فاذا لم يكونا كذلك فليس عليهما غير الرجم، وأكثر الفقهاء على أنهما لايجتمعان، وثبوت الرجم معلوم من جهة التواتر على وجه لايختلج فيه شك، وعليه اجماع الطائفة، بل اجماع الامة، ولم يخالف فيه إلا الخوارج، وهم لا يعتد بخلافهم.

وقوله: " يأتين الفاحشة " يعني بالفاحشة،

___________________________________

(1) اللسان (لتا) والصاح، والتاج. ومجاز القرآن 1: 119 وخزانة الادب وغيرها ولم يعرف قائله.

(2) نسبه أبوعبيدة إلى عمر بن أبي ربيعة ولم نجده في ديوانه، ونسب إلى الحارث بن خلد في بعض النسخ. مجاز القرآن 1: 120.

[143]

وحذف الباء كما يقولون: أتيت أمرا عظيما، أي: بأمر عظيم، وتكلمت كلاما قبيحا، أي بكلام قبيح.

وقال أبومسلم: " واللاتي يأتين الفاحشة " قال: هما المرأة تخلوا بالمرأة في الفاحشة المذكورة عنهن: " أو يجعل الله لهن سبيلا " فالتزويج والاستغناء بالحلال، وهذا قول مخالف للاجماع، ولما عليه المفسرون، فانهم لايختلفون أن الفاحشة المذكورة في الآية الزنا، وأن هذا الحكم منسوخ، وهو المروي عن أبي جعفر (ع) وأبي عبدالله (ع).

ولما نزل قوله: " الزانية والزاني "(1) قال النبي صلى الله عليه وآله: قدجعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر، جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الجلد ثم الرجم.

قوله تعالى: (واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فان تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما(16))

آية بلاخلاف.

القراء‌ة، واللغة: قرأ ابن كثير: " واللذان " بتشديد النون، وكذلك: " هذان " " وفذانك "، ووافقه أبوعمروا في: فذانك.

الباقون بالتخفيف، قال أبوعلي: من شدد النون فوجهه أنه عوض من الحذف الذي لحق الكلمة، لان قولهم: (ذا) قد حذف لامها، وقد حذف الياء من اللذان في التثنية، لان أصله اللذيان، فعوض عن ذلك التشديد، وفي العرب من يقول: اللذ بلاياء، وفي التثنية اللذا، وفي الجمع اللذوا، وللمرأة اللت، واللتا، واللات، بلاياء، وطي تقول مكان الذي: ذو، ومكان التي: ذات.

المعنى: والمعني بقوله: " اللذان " فيه ثلاثة أقوال:

___________________________________

(1) سورة النور: آية 2.

[144]

أولها - قال الحسن، وعطا: الرجل والمرأة، وقال السدي وابن زيد: هما البكران من الرجل والنساء، وقال مجاهد: هما الرجلان الزانيان، قال الرماني: قول مجاهد لايصح، لانه لو كان كذلك لم يكن للنثية معنى، لانة إنما يجئ الوعد والوعيد بلفظ الجمع، لانه لكل واحد منهم، أو بلفظ الواحد لدلالته على الجنس الذي يعم جميعهم، وأما التثنية فلافائدة فيها، قال: والاول أظهر.

قال أبومسلم: هما الرجلان يخلوان بالفاحشة بينهما، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: السحاق زناء النساء بينهن، ومباشرة الرجل للرجل زناء، ومباشرة المرأة للمرأة زناء، قال: ولا يعرف في كلام العرب جمع بين الذكر والانثى في لفظ التذكير إلا إذا تقدمه مايدل عليه، كقوله: " إن المسلمين والمسلمات "، ثم قال: " أعدالله لهم "(1) وإلى هذا التأويل في معنى الرجلين ذهب أهل العراق، فلايحدون للوطي، وهذا قول بعيد، والذي عليه جمهور المفسرين أن الفاحشة الزنا، وأن الحكم المذكور في الآية منسوخ بالحد المفروض في سورة النور، ذهب إليه الحسن، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن زيد، والضحاك، والبلخي، والجبائي، والطبري، والزجاج، وغيرهم.

وبعضهم قال: نسخها الحدود بالرجم أو الجلد.

وقوله: " فآذوهما " قيل في معناه قولان: أحدهما - قال ابن عباس: هوالتعيير باللسان، والضرب بالنعال.

وقال قتادة، والسدي، ومجاهد: هوالتعيير والتوبيخ، فان قيل: كيف ذكر الاذى بعد الحبس؟ قلنا: فيه ثلاثة أوجه: أحدها - قال الحسن إن هذه الآية نزلت أولا، ثم أمر بأن توضع في التلاوة بعد، فكان الاذى أولا، ثم الحبس، بعد ذلك، ثم(2) نسخ الحبس بالجلد أو بالرجم . الثاني - قال السدي: انه في البكرين خاصة، دون الثيبين، والاولى في الثيبين دون البكرين.

___________________________________

(1) سورة الاحزاب: آية 35.

(2) (ثم) ساقطة من المطبوعة.

[145]

والثالث - قال الفراء: هذه الآية نسخت الاولى، قال أبوعلي الجبائي: في الآية دلالة على نسخ القرآن بالسنة، لانها نسخت بالرجم أو الجلد، والرجم ثبت بالسنة، ومن خالف في ذلك قول: هذه الآية نسخت بالجلد في الزنا، وأضيف إليه الرجم زيادة لانسخا، فلم يثبت نسخ القرآن بالسنة.

فأما الاذى المذكور في الآية، فليس بمنسوخ، فان الزاني يؤذى ويعنف، ويوبخ على فعله، ويذم. وإنما لايقتصر عليه، فزيد في الاذى إقامة الحد عليه، وإنما نسخ الاقتصار عليه.

قوله تعالى: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما(17))

آية واحدة.

المعنى: التوبة هي الندم على القبيح مع العزم على ألا يعود إلى مثله في القبح، وفي الناس من قال: يكفي الندم على ما مضى من القبيح، والعزم على ألايعود إلى مثله، والاول أقوى، لاجماع الامة على أنها إذا حصلت على ذلك الوجه أسقطت العقاب، وإذا حصلت على الوجه الثاني ففي سقوط العقاب عنها خلاف، وقد ذكر الله تعالى في هذه الآية أن التوبة إنما يقبلها ممن يعمل السوء بجهالة، وقيل في معنى بجهالة أربعة أقوال:

أحدها - قال مجاهد، وقتادة، وابن عباس، وعطا، وابن زيد: هو أن يفعلوها على جهه المعصية لله تعالى، لان كل معصية لها جهالة، لانه يدعو اليها الجهل، ويزينها للعبد، وإن كانت عمدا.

الثاني - بجهالة، أي بحال كحال الجهالة، التي لايعلم صاحبها ماعليه في مثلها من المضرة.

[146]

الثالث - قال الفراء: معنى " بجهالة " أي لايعلمون كنه مافيه من العقوبة، كما يعلم الشئ ضرورة.

الرابع - " بجهالة " أي وهم يجهلون أنها ذنوب ومعاصي، اختاره الجبائي، قال: يفعلونها بجهالة إما بتأويل يخطؤن فيه.

أوبان يفرطوا في الاستدلال على قبحها، قال الرماني: هذا ضعيف، لانه تأويل بخلاف ما أجمع عليه المفسرون، قال أبوالعالية: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كانوا يقولون: كل ذنب أصابه عبد فبجهالة، وقال قتادة: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله على ذلك، وأيضا فانه يوجب أن من علم أنها ذنوب أن لايكون له توبة، لان قوله: " انما التوبة " يفيد أنها لهؤلاء دون غيرهم، وظاهر الآية يدل على أن الله يقبل التوبة من جميع المعاصي كفرا كان أو قتلا أو غيرهما من المعاصي، ويقربه أيضا قوله: " والذين لايدعون مع الله إلهاآخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق.. " إلى قوله: " إلامن تاب "(1) فاستثنى من القتل، كما استثنى من الزنا والشرك، وحكي عن الحسن أنه قال: لا يقبل الله توبة القاتل.

وروي أنه إنما قال ذلك لرجل كان عزم على قتل رجل على أن يتوب فيمابعد، فأراد صده عن ذلك.

وقوله " فأولئك يتوب الله عليهم " بعد قوله " ثم يتوبون من قريب " معناه إن الله يقبل توبتهم إذا تابوا وأنابوا، وقوله: " من قريب " حث على أن التوبة يجب أن تكون عقيب المعصية، خوفا من الاخترام، وليس المراد بذلك أنها لو تأخرت لما قبلت.

وقال الزجاج: معناه ثم يتوبون قبل الموت، لان مابين الانسان وبين الموت قريب، والتوبة مقبولة قبل اليقين بالموت.

وقال الحسن، والضحاك، وابن عمر: القريب ما لم يعاين الموت.

وقال علي (ع)، وقد قيل له: فان عاد؟ يغفر الله له ويتوب، مرارا، قيل: إلى متى؟ قال: حتى يكون الشيطان هوالمحسور.

وقال السدي، وابن عباس: في حال الصحة قبل الموت.

وقوله: " وكان الله عليما حكيما " معناه ههنا: وكان الله

___________________________________

(1) سورة الفرقان: آية 68 - 70.

[147]

عليما بتوبتهم إن تابوا، وإصرارهم إن أصروا، حكيما في مؤاخذتهم إن لم يتوبوا.

وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لما هبط إبليس قال: وعزتك وعظمتك، لاأفارق ابن آدم حتى تفارق روحه جسده، فقال الله: وعزتي وعظمتي لاأحجب التوبة عن عبدي حتى يغرغو.

قوله تعالى: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما(18))

آية واحدة.

المعنى: أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لايقبل التوبة من الذي يعمل المعاصي حتى إذا حضره الموت قال: إني تبت الآن، وأجمع أهل التأويل على أن الآية تناولت عصاة أهل الصلاة، إلا ماحكي عن الربيع أنه قال: إنهافي المنافقين، وهذا غلط لان المنافقين كفار، وقد بين الله الكفار بقوله: (ولاالذين يموتون وهم كفار) وقال الربيع أيضا: إن الآية منسوخة بقوله: (إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء)(1).

وهذا خطأ لان النسخ لايدخل في الخبر الذي يجري هذا المجرى، ومن جوز العفو بلاتوبة يمكنه أن يقول: إن التوبة التي وعد الله باسقاط العقاب عندها قطعا متى حصلت في هذا الوقت لايسقط العقاب، ولايمنع ذلك من أن يتفضل الله باسقاط العقاب ابتداء بلاتوبة، كما لو خرج من دار الدنيامن غير توبة أصلا، لم يمنع ذلك من جواز العفو عنه، فليس في الآية ماينافي القول بجواز العفو من غير توبة.

وقال جميع المفسرين، كابن عباس، وابن عمر، وابراهيم، وابن زيد، وغيرهم: إن الذين يحتضرون لاتقبل لهم توبة، غير إن الذين يحضرون الميت لايعرفون تلك الحال معرفة يمكن بها الاشارة إليها.

___________________________________

(1) سورة النساء: آية 47.

[148]

فان قيل: فلم لم تقبل التوبة في الآخرة؟ قيل: لرفع التكليف، وحصول الالجاء إلى فعل الحسن دون القبيح، والملجأ لايستحق بفعله ثوابا ولا عقابا، لانه يجري مجرى الاضطرار.

وحكي الرماني عن قوم أنهم قالوا بتكليف أهل الآخرة، وان التوبة إنمالم يجب قبولها، لان صاحبها هناك في مثل حال المتعوذ بها، لاالمخلص فيها، وهذا خطأ، لان الله تعالى يعلم أسرارهم كما يعلم إعلانهم.

وقوله: (أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما) معناه أعددنا، وقال قوم: التاء بدل من الدال، وقال آخرون هو أفعلنا من العتاد، ومعناه اعددنا، وعتاد الرجل: عدته، وهو الاصل. والشئ العتيد هوالمعد، والعتيدة: طبلة معدة للطيب، ومعنى إعداد العذاب لهم، إنما هو بخلق النار التي هي مصيرهم. والاليم بمعنى المؤلم.

وليس في الآية مايمنع من جواز العفو عن مرتكبي الكبائر بلا توبة، لان قوله: (أولئك) يحتمل أن يكون راجعا إلى الكفار لانه جرى ذكر الكفار وهم أقرب إلى أولئك من ذكر الفساق، ويحتمل أن يكون التقدير: أعتدنا لهم عذابا، إن لم نشأ العفو عنهم، وتكون الفائدة فيه إعلامهم ما يستحقونه من العذاب، وألا يأمنوا أن يفعل بهم ذلك، وإن كان تعالى يعلم هل يعفو أو لايعفو.

قوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا لايحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فان كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا(19))

آية بلاخلاف.

القراء‌ة واللغة: قرأ (بفاحشة مبينة) بفتح الياء، ابن كثير، وأبوبكر، عن عاصم.

الباقون بالكسر، وهو الاقوى، لانه لايقصد إلى إظهارها.

[149]

وقرأحمزة والكسائي " كرها " بضم الكاف هنا وفي التوبة والاحقاف، وافقهما في الاحقاف عاصم، وابن عامر، إلا الحلواني، ويعقوب.

الكره والكره لغتان، مثل الشهد والشهد، والضعف والضعف، والفقر والفقر.

المعنى: هذا الخطاب متوجه إلى المؤمنين، نهاهم الله أن يرثوا النساء كرها، واختلفوا في معنى ذلك، فقال الزهري، والجبائي، وغيرهما، وروي ذلك عن أبي جعفر (ع): هو أن يحبس الرجل المرأة عنده، لاحاجة له اليها، وينتظر موتها حتى يرثها، فنهى الله (تعالى) عن ذلك.

وقال الحسن، ومجاهد: معناه ما كان يعمله أهل الجاهلية، من أن الرجل اذامات، وترك امرأته قال وليه: ورثت امرأته، كما ورثت ماله، فان شاء تزوجها بالصداق الاول، ولايعطيها شيئا، وإن شاء زوجها وأخذ صداقها، وروي ذلك أبوالجارود، عن أبي جعفر (ع).

وقال مجاهد: إذا لم يكن الولي ابنها قال أبومجلز: وكان أولى بالميراث أولى بها من ولي نفسها.

وقوله: (ولاتعضلوهن) قيل فيمن عني بهذا النهي أربعة أقوال: أحدها - قال ابن عباس، وقتادة، والسدي، والضحاك: هو الزوج أمره الله بتخلية السبيل إذا لم يكن له فيها حاجة، ولا يمسكها إضرارا بها، حتى تفتدي ببعض مالها.

والثاني - قال الحسن: هوالوارث، نهي عن منع المرأة من التزويج، كما يفعل أهل الجاهلية على مابيناه.

والثالث قال مجاهد: المراد الولي.

الرابع - قال ابن زيد: المطلق يمنعها من التزويج، كما كانت تفعل قريش في الجاهلية، ينكح الرجل منهم المرأة الشريفة، فاذا لم توافقه فارقها، على أن لاتتزوج إلا باذنه، فيشهد عليها بذلك، ويكتب كتابا، فاذا خطبها خاطب، فان أعطته

[150]

وأرضته، أذن لها وإن لم تعطه عضلها، فنهى الله عن ذلك. والاول أظهر الاقاويل.

اللغة: والعضل هو التضييق بالمنع من التزويج، وأصله الامتناع، يقال: عضلت الدجاجة ببيضتها: إذا عسرت عليها، ومنه العضلة: لصلابتها، ومنه الداء العضال إذا لم يبرء، وعضل الفضا بالجيش الكثير إذا لم يمكن سلوكه لضيقه.

المعنى: وقوله: (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) قيل فيه قولان: أحدهما - قال الحسن، وأبوقلابه، والسدي: يعني الزنا، وقالوا إذا أطلع منها على زنية فله أخذ الفدية.

والثاني - قال ابن عباس، والضحاك، وقتادة: هو النشوز، والاولى حمل الآية على كل معصية، لان العموم يقتضي ذلك، وهو المروي عن أبي جعفر (ع) واختاره الطبري.

وقوله: (وعاشروهن بالمعروف) قال السدي: معناه خالطوهن، وخالقوهن، من العشرة التي هي المصاحبة بما أمركم الله به من المصاحبة، بأداء حقوقهن التي أوجبها على الرجال، أو تسريح باحسان.

وقوله: (فان كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) يعني في إمساكهن على كره منكم " خيرا كثيرا " من ولد يرزقكم، أو عطفكم عليهن بعد الكراهية، وبه قال ابن عباس، ومجاهد.

الاعراب: والهاء في فيه، يحتمل أن ترجع إلى الشئ في قوله: (أن تكرهوا شيئا) ويحتمل أن تكون راجعة إلى الذي يكرهونه.

وقوله: (ولاتعضلوهن) يحتمل أن يكون جزما بالنهى، ويحتمل أن يكون نصبا بالعطف على قوله: (لايحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن) وفي قراء‌ة عبدالله: (ولا أن تعضلوهن) باثبات أن.

[151]

النزول: وقيل في سبب نزول هذه الآية أن أباقيس بن الاسلت لما مات عن زوجته كبشة بنت معن بن عاصم، أراد ابنه أن يتزوجها، فجاء‌ت إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالت: يانبي الله: لاأنا ورثت زوجي، ولا أنا تركت فأنكح، فنزلت هذه الآية، ذكره أبوجعفر عليه السلام، وغيره.


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/books/index.php?id=1224
  • تاريخ إضافة الموضوع : 0000 / 00 / 00
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 06 / 28