00989338131045
 
 
 
 
 
 

 من ص ( 1 ـ 92 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الميزان في تفسير القرآن ( الجزء الرابع )   ||   تأليف : السيد الطباطبائي

الميزان في تفسير القرآن

السيد الطباطبائي

 ج 4

[ 2 ]

تمتاز هذه الطبعة عن غيرها بالتحقيق والتصحيح الكامل وإضافات وتغييرات هامة من قبل المؤلف قدس سره

[ 3 ]

الميزان في تفسير القران كتاب علمي فني، فلسفي، أدبي تاريخي، روائي، اجتماعي، حديث يفسر القرآن بالقرآن تأليف العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي قدس سره المجلد الرابع منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة

[ 4 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم (121) - إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون (122) - ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون (123) - إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلثة آلاف من الملائكة منزلين (124) - بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين (125) - وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم (126) - ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين (127) - ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون (128) - ولله ما في السموات وما في الارض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم (129)

( بيان )

 رجوع إلى ما بدأت به السورة من تنبيه المؤمنين بما هم عليه من الموقف الصعب

[ 5 ]

وتذكيرهم بنعم الله عليهم من إيمان ونصر وكفاية وتعليمهم ما يسبقون به إلى شريف مقصدهم وهدايتهم إلى ما يسعدون به في حياتهم وبعد مماتهم. وفيها قصة غزوة احد وأما الآيات المشيرة إلى غزوة بدر فإنما هي من قبيل الضميمة المتممة ومحلها محل شاهد القصة وليست مقصودة بالاصالة على ما سيجئ. قوله تعالى وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال إذ ظرف متعلق بمحذوف كا ذكر ونحوه وغدوت من الغدو وهو الخروج غداة والتبوئة تهيئة المكان للغير أو إسكانه وإيطانه المكان والمقاعد جمع وأهل الرجل كما ذكره الراغب من يجمعه وإياهم نسب أو بيت أو غيرهما كدين أو بلد أو صناعة يقال أهل الرجل لزوجته ولمن في بيته من زوجة وولد وخادم وغيرهم وللمنتسبين إليه من عشيرته وعترته ويقال أهل بلد كذا لقاطنيه وأهل دين كذا لمنتحليه وأهل صناعة كذا لصناعها وأساتيدها ويستوى فيه المذكر والمؤنث والمفرد والجمع ويختص استعماله بالانسان فأهل الشئ خاصته من الانسان. والمراد بأهل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصته وهم جمع وليس المراد به هاهنا شخص واحد بدليل قوله غدوت من أهلك إذ يجوز أن يقال خرجت من خاصتك ومن جماعتك ولا يجوز أن يقال خرجت من زوجتك وخرجت من امك ولذا التجأ بعض المفسرين إلى تقدير في الآية فقال إن التقدير خرجت من بيت أهلك لما فسر الاهل بالمفرد ولا دليل يدل عليه من الكلام. وسياق الآيات مبنى على خطاب الجمع وهو خطاب المؤمنين على ما تدل عليه الآيات السابقة واللاحقة ففى قوله وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين التفات من خطابهم إلى خطاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكأن الوجه فيه ما يلوح من آيات القصة من لحن العتاب فإنها لا تخلو من شائبة اللوم والعتاب والاسف على ما جرى وظهر من المؤمنين من الفشل والوهن في العزيمة والقتال ولذلك أعرض عن مخاطبتهم في تضاعيف القصة وعدل إلى خطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما يخص به فقال وأذ غدوت من أهلك وقال إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم وقال ليس لك من الامر شئ وقال قل إن الامر كله بيد الله وقال فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم وقال ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا الآية.

[ 6 ]

فغير خطاب الجمع في هذه الموارد إلى خطاب المفرد وهى موارد تحبس المتكلم الجارى في كلامه عن الجرى فيه لما تغيظه وتهيج وجده بخلاف مثل قوله في ضمن الآيات وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم وقوله والرسول يدعوكم في اخريكم لان العتاب فيهما بخطاب الجمع أوقع دون خطاب المفرد وبخلاف مثل قوله في ضمن الآيات لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا منهم الآية لان الامتنان ببعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أخذه غائبا أوقع وأشد تأثيرا في النفوس وأبعد من الوهم والخطور فتدبر في الآيات تجد صحة ما ذكرناه. ومعنى الآية واذكر إذ خرجت بالغداة من أهلك تهيئ للمؤمنين مقاعد للقتال أو تسكنهم وتوقفهم فيها والله سميع لما قيل هناك عليم بما أضمرته قلوبهم والمستفاد من قوله وإذ غدوت من أهلك قرب المعركة من داره صلى الله عليه وآله وسلم فيتعين بذلك أن الآيتين ناظرتان إلى غزوة أحد فتتصل الآيتان بالآيات الآتية النازلة في شأن أحد لانطباق المضامين على وقائع هذه الغزوة وبه يظهر ضعف ما قيل إن الآيتين في غزوة بدر وكذا ما قيل إنهما في غزوة الاحزاب والوجه ظاهر. قوله تعالى والله سميع عليم أي سميع يسمع ما قيل هناك عليم يعلم ما كان مضمرا في قلوبكم وفيه دلالة على كلام جرى هناك بينهم وامور أضمروها في قلوبهم والظاهر أن قوله إذ همت متعلق بالوصفين. قوله تعالى إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما الهم ما هممت به في نفسك وهو القصد والفشل ضعف مع الجبن. وقوله والله وليهما حال والعامل فيه قوله همت والكلام مسوق للعتاب واللوم وكذا قوله وعلى الله فليتوكل المؤمنون والمعنى أنهما همتا بالفشل مع أن الله وليهما ولا ينبغى لمؤمن أن يفشل وهو يرى أن الله وليه ومع أن المؤمنين ينبغى أن يكلوا أمرهم إلى الله ومن يتوكل على الله فهو حسبه. ومن ذلك يظهر ضعف ما قيل إن هذا الهم هم خطرة لا هم عزيمة لان الله تعالى مدحهما وأخبر أنه وليهما ولو كان هم عزيمة وقصد لكان ذمهم أولى إلى مدحهم. وما أدرى ما ذا يريد بقوله إنه هم خطرة أمجرد الخطور بالبال وتصور مفهوم

[ 7 ]

الفشل فجميع من هناك كان يخطر ببالهم ذلك ولا معنى لذكر مثل ذلك في القصة قطعا ولا يسمى ذلك هما في اللغة أم تصورا معه شئ من التصديق وخطورا فيه شوب قصد كما يدل عليه ظهور حالهما عند غيرهما ولو كان مجرد خطور من غير أي أثر لم يظهر أنهما همتا بالفشل على أن ذكر ولاية الله لهم ووجوب التوكل على المؤمن إنما يلائم هذا الهم دون مجرد الخطور على أن قوله والله وليهما ليس مدحا بل لوم وعظة على ما يعطيه السياق كما مر. ولعل منشأ هذا الكلام ما روى عن جابر بن عبد الله الانصاري أنه قال: فينا نزلت وما احب أنها لم تكن لقوله والله وليهما ففهم من الرواية أن جابرا فهم من الآية المدح. ولو صحت الرواية فإنما يريد جابر أن الله تعالى قبل إيمانهم وصدق كونهم مؤمنين حيث عد نفسه وليا لهم والله ولى الذين آمنوا والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت لا أن الجملة واقعة موقع المدح في هذا السياق الظاهر في العتاب. قوله تعالى ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة إلى آخر الآية ظاهر السياق أن تكون الآية مسوقة سوق الشاهد لتتميم العتاب وتأكيده فتكون تؤدى معنى الحال كقوله والله وليهما والمعنى وما كان ينبغى أن يظهر منكم الهم بالفشل وقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة وليس من البعيد أن يكون كلاما مستقلا سيق مساق الامتنان بذكر نصر عجيب من الله بإنزال الملائكة لامدادهم ونصرهم يوم بدر. ولما ذكر تعالى نصره إياهم يوم بدر وقابل ذلك بما هم عليه من الحال ومن المعلوم أن كل من اعتز فإنما يعتز بنصر الله وعونه فليس للانسان من قبل نفسه إلا الفقر والذلة ولذلك قال وأنتم أذلة ومن هنا يعلم أن قوله وأنتم أذلة لا ينافى أمثال قوله تعالى ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين: المنافقون - 8 فإن عزتهم إنما هي بعزة الله قال تعالى فإن العزة لله جميعا: النساء - 139 وذلك بنصر الله المؤمنين كما قال تعالى ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاؤوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين: الروم - 47 فإذا كان الحال هذا الحال فلو اعتبر حال المؤمنين من حيث

[ 8 ]

أنفسهم لم يكن لهم إلا الذلة على أن واجهة حال المؤمنين أيضا يوم بدر كانت تقضى بكونهم أذلة قبال ما كان عليه المشركون من القوة والشوكة والزينة ولا ضير في إضافة الذلة النسبية إلى الاعزة وقد أضافها الله سبحانه إلى قوم مدحهم كل المدح حيث قال فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين الآية: المائدة - 54. قوله تعالى إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم الامداد من المد وهو إيصال المدد على نعت الاتصال. قوله تعالى بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا بلى كلمة تصديق والفور والفوران الغليان يقال فار القدر إذا غلا وجاش ثم استعير للسرعة والعجلة فاستعمل في الامر الذى لا ريث فيه ولا مهلة فمعنى من فورهم هذا من ساعتهم هذه. والظاهر أن مصداق الآية هو يوم بدر وإنما هو وعد على الشرط وهو ما يتضمنه قوله إن تصبروا وتتقوا وياأوكم من فورهم هذا. وأما ما يظهر من بعض المفسرين أنه وعد بإنزال الملائكة إن جاؤوهم بعد فورهم هذا يعنى يوم بدر بأن يكون المراد من فورهم هذا هو يوم بدر لا في يوم بدر وكذا ما يظهر من بعض آخر أنه وعد بإنزالهم في سائر الغزوات بعد بدر كاحد وحنين والاحزاب فمما لا دليل عليه من لفظ الآية. أما يوم أحد فلا محل لاستفادة نزول الملائكة فيه من الآيات وهو ظاهر وأما يوم الاحزاب ويوم حنين فالقرآن وإن كان يصرح بنزول الملائكة فيهما فقد قال في قصة الاحزاب إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها: الاحزاب - 9 وقال ويوم حنين إلى أن قال وأنزل جنودا لم تروها: التوبة - 26 إلا أن لفظ هذه الآية بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا قاصر عن إفادة عموم الوعد. وأما نزول ثلاثة آلاف يوم بدر فلا ينافى قوله تعالى في سورة الانفال فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين: الانفال - 9 لمكان قوله مردفين أي متبعين لآخرين وهم الالفان الباقيان المكملان للعدد على ما ذكر في هذه الآيات.

[ 9 ]

قوله تعالى وما جعله الله إلا بشرى لكم الضمير راجع إلى الامداد ولفظة عند ظرف يفيد معنى الحضور وقد كان أولا مستعملا في القرب والحضور المكانى المختص بالاجسام ثم توسع فاستعمل في القرب الزمانى ثم في مطلق القرب والحضور المعنوي كيفما كان وقد استعمل في القرآن في مختلف الفنون. والذى يفيده في هذا المقام أعنى قوله وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم بالنظر إلى ما سبقه من قوله وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به هو المقام الربوبى الذى ينتهى إليه كل أمر وحكم ولا يكفى عنه ولا يستقل دونه شئ من الاسباب فالمعنى أن الملائكة الممدين ليس لهم من أمر النصر شئ بل هم أسباب ظاهرية يجلبون لكم البشرى وطمأنينة القلب وإنما حقيقة النصر من الله سبحانه لا يغنى عنه شئ وهو الله الذى ينتهى إليه كل أمر العزيز الذى لا يغلب الحكيم الذى لا يجهل. قوله تعالى ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم إلى آخر الآيات اللام متعلق بقوله ولقد نصركم الله وقطع الطرف كناية عن تقليل عدتهم وتضعيف قوتهم بالقتل والاسر كما وقع يوم بدر فقتل من المشركين سبعون واسر سبعون والكبت هو الاخزاء والاغاظة. وقوله ليس لك من الامر شئ معترضة وفائدتها بيان أن الامر في القطع والكبت لله وليس للنبى صلى الله عليه وآله وسلم فيه صنع حتى يمدحوه ويستحسنوا تدبيره إذا ظفروا على عدوهم ونالوا منه ويلوموه ويوبخوه إذا دارت الدائرة عليهم ويهنوا ويحزنوا كما كان ذلك منهم يوم أحد على ما حكاه الله تعالى. وقوله أو يتوب عليهم معطوف على قوله يقطع والكلام متصل وقوله ولله ما في السموات وما في الارض بيان لرجوع أمر التوبة والمغفرة إلى الله تعالى والمعنى أن هذا التدبير المتقن منه تعالى إنما هو ليقطع طرفا من المشركين بالقتل والاسر أو ليخزيهم ويخيبهم في سعيهم أو ليتوب عليهم أو ليعذبهم أما القطع والكبت فلان الامر إليه لا إليك حتى تمدح أو تذم وأما التوبة والعذاب فلان الله هو المالك لكل شئ فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ومع ذلك فإن مغفرته ورحمته تسبقان عذابه وغضبه فهو الغفور الرحيم.

[ 10 ]

وإنما أخذنا قوله ولله ما في السموات وما في الارض في موضع التعليل للفقرتين الاخيرتين أعنى قوله أو يتوب اه لما في ذيله من اختصاص البيان بهما أعنى قوله يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء. وقد ذكر المفسرون وجوها أخر في اتصال قوله ليقطع طرفا وفي معنى العطف في قوله أو يتوب عليهم أو يعذبهم وكذا في ما يعلله قوله ليس لك من الامر شئ وما يعلله قوله ولله ما في السموات والارض أغمضنا عن التعرض لها والبحث عنها لقلة الجدوى فيها لمخالفتها ما يفيده ظاهر الآيات بسياقها الجارى فمن أراد الاطلاع عليها فليراجع مطولات التفاسير

( بحث روائي )

 في المجمع عن الصادق عليه السلام أنه قال: كان سبب غزوة أحد أن قريشا لما رجعت من بدر إلى مكة - وقد أصابهم ما أصابهم من القتل والاسر - لانه قتل منهم سبعون واسر سبعون - قال أبو سفيان يا معشر قريش - لا تدعوا نساءكم تبكين على قتلاكم - فإن الدمعة إذا خرجت أذهبت الحزن والعداوة لمحمد - فلما غزوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد - أذنوا لنسائهم في البكاء والنوح - وخرجوا من مكة في ثلاثة آلاف فارس - وألفى راجل وأخرجوا معهم النساء - فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك - جمع أصحابه وحثهم على الجهاد - فقال عبد الله بن ابى بن سلول يا رسول الله - لا تخرج من المدينة حتى نقاتل في أزقتها - فيقاتل الرجل الضعيف والمرأة والعبد والامة - على أفواه السكك وعلى السطوح - فما أرادنا قوم قط فظفروا بنا - ونحن في حصوننا ودورنا - وما خرجنا إلى عدو لنا قط إلا كان الظفر لهم علينا -. فقام سعد بن معاذ وغيره من الاوس فقالوا - يا رسول الله ما طمع فينا أحد من العرب - ونحن مشركون نعبد الاصنام - فكيف يطمعون فينا وأنت فينا - لا حتى نخرج إليهم فنقاتلهم - فمن قتل منا كان شهيدا - ومن نجا منا كان قد جاهد في سبيل الله -. فقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأيه - وخرج مع نفر من أصحابه يتبوؤن موضع القتال - كما قال تعالى وإذ غدوت من أهلك الآية - وقعد عنه عبد الله بن أبى بن سلول - وجماعة

[ 11 ]

من الخزرج اتبعوا رأيه -. ووافت قريش إلى احد - وكان رسول الله عبأ أصحابه وكانوا سبعمائة رجل - ووضع عبد الله بن جبير في خمسين من الرماة - على باب الشعب - وأشفق أن يأتي كمينهم من ذلك المكان - فقال لعبد الله بن جبير وأصحابه - إن رأيتمونا قد هزمناهم حتى أدخلناهم مكة - فلا تبرحوا من هذا المكان - وإن رأيتموهم هزمونا حتى أدخلونا المدينة - فلا تبرحوا وألزموا مراكزكم - ووضع أبو سفيان خالد بن الوليد في مائتي فارس كمينا - وقال إذا رأيتمونا قد اختلطنا فاخرجوا عليهم - من هذا الشعب حتى تكونوا وراءهم -. وعبأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه - ودفع الراية إلى أمير المؤمنين عليه السلام - وحمل الانصار على مشركي قريش - فانهزموا هزيمة قبيحة - ووضع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سوادهم - وانحط خالد بن الوليد في مائتي فارس على عبد الله بن جبير - فاستقبلوهم بالسهام فرجع - ونظر أصحاب عبد الله بن جبير إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - ينتهبون سواد القوم - فقالوا لعبد الله بن جبير - قد غنم أصحابنا ونبقى نحن بلا غنيمة - فقال لهم عبد الله اتقوا الله - فإن رسول الله قد تقدم إلينا أن لا نبرح - فلم يقبلوا منه - وأقبلوا ينسل رجل فرجل حتى أخلوا مراكزهم - وبقي عبد الله بن جبير في اثنى عشر رجلا -. وكانت راية قريش مع طلحة بن أبى طلحة العبدى - من بنى عبد الدار فقتله على - وأخذ الراية أبو سعيد بن أبى طلحة - فقتله على وسقطت الراية - فأخذها مسافع بن أبى طلحة فقتله على - حتى قتل تسعة نفر من بنى عبد الدار - حتى صار لوائهم إلى عبد لهم أسود يقال له صواب - فانتهى إليه على فقطع يده اليمنى - فأخذ اللواء باليسرى فضرب يسراه فقطعها - فاعتنقها بالجذماوين إلى صدره - ثم التفت إلى أبى سفيان فقال - هل عذرت في بنى عبد الدار - فضربه على على رأسه فقتله - وسقط اللواء فأخذتها غمرة بنت علقمة الكنانية فرفعتها -. وانحط خالد بن الوليد على عبد الله بن جبير - وقد فر أصحابه وبقى في نفر قليل - فقتلهم على باب الشعب ثم أتى المسلمين من أدبارهم - ونظرت قريش في هزيمتها إلى الراية قد رفعت فلاذوا بها - وانهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هزيمة عظيمة

[ 12 ]

وأقبلوا يصعدون في الجبال وفي كل وجه -. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الهزيمة كشف البيضة عن رأسه - وقال إلى أنا رسول الله - إلى أين تفرون عن الله وعن رسوله - وكانت هند بنت عتبة في وسط العسكر - فكلما انهزم رجل من قريش دفعت إليه ميلا ومكحلة - وقالت إنما أنت امرأة فاكتحل بهذا -. وكان حمزة بن عبد المطلب يحمل على القوم - فإذا رأوه انهزموا ولم يثبت له أحد - وكانت هند قد أعطت وحشيا عهدا - لئن قتلت محمدا أو عليا أو حمزة لاعطينك كذا وكذا - وكان وحشى عبدا لجبير بن مطعم حبشيا - فقال وحشى أما محمد فلم أقدر عليه - وأما على فرأيته حذرا كثير الالتفات فلا مطمع فيه - فكمنت لحمزة فرأيته يهد الناس هدا - فمر بى فوطئ على جرف نهر فسقط - وأخذت حربتي فهززتها ورميته بها - فوقعت في خاصرته وخرجت من ثنته - فسقط فأتيته فشققت بطنه - وأخذت كبده وجئت به إلى هند - فقلت هذه كبد حمزة فأخذتها في فمها فلاكتها - فجعله الله في فمها مثل الداعضة وهى عظم رأس الركبة - فلفظتها ورمت بها - فقال رسول الله عليه السلام فبعث الله ملكا فحمله ورده إلى موضعه - قال فجاءت إليه فقطعت مذاكيره - وقطعت اذنيه وقطعت يده ورجله - ولم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أبو دجانة سماك بن خرشة وعلى - فكلما حملت طائفة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استقبلهم علي - فدفعهم عنه حتى تقطع سيفه - فدفع إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيفه ذا الفقار - وانحاز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ناحية احد فوقف - فلم يزل على عليه السلام يقاتلهم حتى أصابه في رأسه ووجهه - وبدنه و بطنه ورجليه سبعون جراحة - كذا أورده على بن إبراهيم في تفسيره - فقال جبرائيل إن هذه لهى المواساة يا محمد - فقال محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنه منى وأنا منه - فقال جبرائيل وأنا منكما -. قال أبو عبد الله نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى جبرائيل - بين السماء والارض على كرسى من ذهب وهو يقول - لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا على وفي رواية القمى ": وبقيت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نسيبة بنت كعب المازنية - وكانت تخرج مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزواته تداوى الجرحى - وكان ابنها معها فأراد أن ينهزم ويتراجع - فحملت عليه وقالت يا بنى - إلى أين تفر عن الله وعن رسوله

[ 13 ]

فردته فحمل عليه رجل فقتله - فأخذت سيف ابنها - فحملت على الرجل فضربته على فخذه فقتلته - فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بارك الله فيك يا نسيبة - وكانت تقى رسول الله بصدرها وثدييها - حتى أصابتها جراحات كثيرة -. وحمل ابن قمئة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال - أرونى محمدا لا نجوت إن نجا - فضربه على حبل عاتقه - ونادى قتلت محمدا واللات والعزى أقول وفي القصة روايات اخر ربما تخالف هذه الرواية في ز بعض فقراتها. منها ما في هذه الرواية أن عدد المشركين كانت خمسة آلاف فإن غالب الروايات أنهم كانوا ثلاثة آلاف رجل. ومنها ما فيها أن عليا عليه السلام قتل حاملي الراية وهم تسعة ويوافقها فيه روايات اخر ورواه ابن الاثير في الكامل عن أبى رافع وبقية الروايات تنسب قتل بعضهم إلى غيره عليه السلام والتدبر في القصة يؤيد ما في هذه الرواية. ومنها ما فيها أن هندا أعطت وحشيا عهدا في قتل حمزة فإن ما روته أهل السنة أن الذى أعطاه العهد مولاه جبير بن مطعم وعده تحريره على الشرط وإتيانه بكبد حمزة إلى هند دون جبير يؤيد ما في هذه الرواية. ومنها ما فيها أن جميع المسلمين تفرقوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا على وأبو دجانة وهو الذى اتفقت عليه الروايات وفي بعضها ذكر لغيرهما حتى انهى من ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ثلاثين رجلا لكن هذه الروايات ينفى بعضها ما في بعض وعليك بالتدبر في أصل القصة والقرائن التى تبين الاحوال حتى يخلص لك الحق فإن هذه القصص والروايات شهدت مواقف موافقة ومخالفة ومرت بأجواء نيرة ومظلمة حتى انتهت إلينا. ومنها ما فيها أن الله بعث ملكا فحمل كبد حمزه فرده إلى موضعه وليس في غالب الروايات وفي بعضها كما في الدر المنثور عن ابن أبى شيبة وأحمد وابن المنذر عن ابن مسعود في حديث قال ثم قال أبو سفيان قد كان في القوم مثله وإن كانت لعن غير ملاء منا ما أمرت ولا نهيت ولا أحببت ولا كرهت ولا ساءني ولا سرنى

[ 14 ]

قال فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أأكلت شيئا قالوا لا قال ما كان الله ليدخل شيئا من حمزة النار الحديث. وفي روايات أصحابنا وغيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصيب يومئذ بشجة في جبهته وكسرت رباعيته واشتكت ثنيته رواه مغيرة. وفي الدر المنثور أخرج ابن إسحاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن شهاب ومحمد بن يحيى بن حيان وعاصم بن عمرو بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم كل قد حدث بعض الحديث عن يوم احد. قالوا لما اصيب قريش أو من ناله منهم يوم بدر من كفار قريش ورجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره مشى عبد الله بن أبى ربيعة وعكرمة بن أبى جهل وصفوان بن امية في رجال من قريش ممن اصيب آبائهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة فقالوا يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأرا بمن أصاب ففعلوا فأجمعت قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخرجت بجدتها وجديدها وخرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة ولئلا يفروا و خرج أبو سفيان وهو قائد الناس فأقبلوا حتى نزلوا بعينين جبل ببطن السنجة من قناة على شفير الوادي مما يلى المدينة. فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون بالمشركين قد نزلوا حيث نزلوا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنى رأيت بقرا تنحر ورأيت في ذباب سيفى ثلما ورأيت أنى أدخلت يدى في درع حصينة فأولتها المدينة فإن رأيتم أن تقيموا المدينة وتدعوهم حيث نزلوا فإن أقاموا أقاموا بشر مقام وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها. ونزلت قريش منزلها أحدا يوم الاربعاء فأقاموا ذلك اليوم ويوم الخميس ويوم الجمعة وراح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين صلى الجمعة فأصبح بالشعب من احد فالتقوا يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاث وكان رأى عبد الله بن أبى مع رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرى رأيه في ذلك أن لا

[ 15 ]

يخرج إليهم وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكره الخروج من المدينة فقال رجال من المسلمين ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد وغيرهم ممن كان فاته يوم بدر وحضوره يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا فقال عبد الله بن أبى يا رسول الله أقم بالمدينة فلا تخرج إليهم فو الله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منهم فدعهم يا رسول الله فإن أقاموا أقاموا بشر وإن دخلوا قاتلهم النساء والصبيان والرجال بالحجارة من فوقهم وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا ولم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلبس لامته وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة ثم خرج عليهم وقد ندم الناس وقالوا استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكن لنا ذلك فإن شئت فاقعد فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما ينبغى لنبى إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل. فخرج رسول الله في ألف رجل من أصحابه حتى إذا كانوا بالشوط بين المدينة وأحد تحول عنه عبد الله بن أبى بثلث الناس ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى سلك في حرة بنى حارثة فذب فرس بذنبه فأصاب ذباب سيفه فاستله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يحب الفال ولا يعتاف لصاحب السيف شم سيفك فأنى أرى السيوف ستستل اليوم ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالشعب من احد من عدوة الوادي إلى الجبل فجعل ظهره وعسكره إلى احد وتعبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال وهو في سبعمائة رجل. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة عبد الله بن جبير والرماة خمسون رجلا فقال انضح عنا الجبل بالنبل لا يأتونا من خلفنا إن كان علينا أو لنا فأنت مكانك لنؤتين من قبلك وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين. وفي الدر المنثور أيضا عن ابن جرير عن السدي في حديث ": وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد في ألف رجل - وقد وعدهم الفتح إن يصبروا - فرجع عبد الله بن أبى في ثلاثمائة - فتبعهم أبو جابر السلمى يدعوهم فأعيوه - وقالوا له ما نعلم قتالا ولئن أطعتنا لترجعن معنا -. وقال إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا - وهم بنو سلمة وبنو حارثة هموا

[ 16 ]

بالرجوع حين رجع عبد الله بن أبى فعصمهم الله - وبقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سبعمائة. اقول بنو سلمة وبنو حارثة حيان من الانصار فبنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الاوس. وفي المجمع روى ابن أبى إسحاق والسدى والواقدى وابن جرير وغيرهم وقالوا ": كان المشركون نزلوا باحد يوم الاربعاء - في شوال سنة ثلاث من الهجرة - وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليهم يوم الجمعة - وكان القتال يوم السبت النصف من الشهر - وكسرت رباعية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشج في وجهه - ثم رجع المهاجرون والانصار بعد الهزيمة - وقد قتل من المسلمين سبعون - وشد رسول الله بمن معه حتى كشفهم - وكان المشركون مثلوا بجماعة وكان حمزة أعظم مثلة اقول والروايات في قصة احد كثيرة جدا ولم نرو من بينها فيما تقدم ويأتى إلا النزر اليسير الذى يتوقف عليها فهم معاني الآيات النازلة فيها فالآيات في شأن القصة أقسام. فمنها ما تتعرض لفشل من فشل من القوم وتنازع أو هم أن يفشل يومئذ. ومنها ما نزل ولحنه العتاب واللوم على من انهزم وانكشف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد كان الله حرم عليهم ذلك. ومنها ما يتضمن الثناء على من استشهد قبل انهزام الناس ومن ثبت ولم ينهزم وقاتل حتى قتل. ومنها ما يشتمل على الثناء الجميل على من ثبت إلى آخر الغزوة وقاتل ولم يقتل = يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون (130) - واتقوا النار التى أعدت للكافرين (131) - وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون (132) - وسارعوا إلى

[ 17 ]

مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والارض أعدت للمتقين (133) - الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين (134) - والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (135) - أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين (136) - قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (137) - هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين (138))

( بيان )

 آيات داعية إلى الخير زاجرة عن الشر والسوء وهى مع ذلك لا تفقد الاتصال بما قبلها ولا ما بعدها من الآيات الشارحة لقصة غزوة احد وبيان ما كان في المؤمنين يومئذ من مساوي الحالات والخصال المذمومة التى لا يرتضيها الله سبحانه وهي الموجبة لما دب فيهم من الوهن والضعف ومعصية الله ورسوله فالآيات من تتمة الآيات النازلة في غزوة أحد. ثم هدايتهم إلى ما يأمنون به الوقوع في هذه الورطات المهلكة والعقبات المردية ودعوتهم إلى تقوى الله والثقة به والثبات على طاعة الرسول فهذه الآيات التسع خاصة فيها ترغيب وتحذير فهى ترغب المؤمنين على المسارعة إلى الخير وهى الانفاق في سبيل الله في السراء والضراء وكظم الغيظ والعفو عن الناس ويجمعها بث الاحسان والخير

[ 18 ]

في المجتمع والصبر على تحمل الاذى والسوء والصفح عن الاساءة قبالة الاساءة فهذه هي الطريقة الوحيدة التى تستحفظ بها حياة المجتمع ويشد بها عظمه فيقوم على ساق ومن لوازم هذا الانفاق والاحسان ترك الربا ولذلك بدأ به وهو كالتوطئة للدعوة إلى الاحسان والانفاق فقد مر في آيات الانفاق والربا من سورة البقرة أن الانفاق بجميع طرقه من أعظم ما يعتمد عليه بنية المجتمع وأنه الذى ينفخ روح الوحدة في المجتمع الانساني فتتحد به قواه المتفرقة فتنال بذلك سعادته في الحياة ويقوى به على دفع كل آفة مهلكة أو موذية تقصده وأن الربا من أعظم ما يضاد الانفاق في خاصته هذه. فهذا ما يرغبهم الله فيه ثم يرغبهم في أن لا ينقطعوا عن ربهم بقواطع الذنوب والمعاصي فإن أتوا بما لا يرضاه لهم ربهم تداركوه بالتوبة والرجوع إليه ثانيا وثالثا من غير أن يكسلوا أو يتوانوا وبهذين الامرين يستقيم سيرهم في صراط الحياة السعيدة فلا يضلون ولا يقفون فيهلكوا. وهذا البيان كما ترى أحسن طريق يهدى به الانسان إلى تكميل نفسه بعد ظهور النقص وأجود سبيل في علاج الرذائل النفسانية التى ربما دبت في النفوس المحلاة بالفضائل فأورثت السفال والسقوط وهددت بالهلكة والردى.

 ( تعليم القرآن وقرانه العلم بالعمل )

 وهذا من دأب القرآن في تعليمه الالهي إذ لم يزل يجعل في مدة نزولها وهى ثلاث وعشرون سنة لكليات تعاليمه مواد أولية حتى إذا عمل بشئ منها أخذ صورة العمل الواقع مادة لتعليمهم ثانيا فألقاها إليهم بعد إصلاح الفاسد من أجزائه وتركيبه بالصحيح الباقي وذم الفاسد والثناء على الصحيح المستقيم والوعد الجميل والشكر الجزيل لفاعله فكتاب الله العزيز كتاب علم وعمل لا كتاب فرض وتقدير ولا كتاب تعمية وتقليد. فمثله مثل المعلم يلقى إلى تلامذته الكليات العلمية في أوجز بيان وأقصر لفظ ويأمرهم بالعمل بها ثم يأخذ ما عملوه ثانيا ويحلله إلى أوائل أجزائه من صحيح وفاسد فيبين لهم وارد النقص والقصور مشفعة بالعظة والوعيد ويمدح موارد الاستقامة والصحة ويقارنها بالوعد والشكر ويأمرهم بالعمل ثانيا وهذا فعاله حتى يكملوا في

[ 19 ]

فنهم ويسعدوا في جدهم. وهذا الذي ذكرناه من الحقائق القرآنية اللائحة للمتدبر الدقيق في بادئ مرة فتراه سبحانه ينزل كليات الجهاد مثلا في آياته بادئ مرة كتب عليكم القتال الآيات: البقره - 216 ويأمر المؤمنين به فيها ثم يأخذ قصة بدر ثانيا ويأمرهم بما يبين لهم فيها ثم قصة أحد ثم قصة اخرى وهكذا وتراه سبحانه يقص قصص السابقين من الانبياء واممهم ثم يجعلها بعد إصلاحها وبيان وجه الحق فيها عبرة للاحقين ودستورا لعملهم وهكذا وقد نزل في هذه الآيات من هذا القبيل قوله فسيروا في الارض الآية وقوله وكأين من نبى الآيات. قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا إلى آخر الآيات الثلاث قد مر سابقا وجه إطلاق الاكل وإرادة الاخذ وقوله أضعافا مضاعفة يشير إلى الوصف الغالب في الربا فإنه بحسب الطبع يتضاعف فيصير المال أضعافا مضاعفة بإنفاد مال الغير وضمه إلى رأس المال الربوي. وفي قوله واتقوا النار التى اعدت للكافرين إشارة إلى كفر آكل الربا كما مر في سورة البقرة في آيات الربا والله لا يحب كل كفار أثيم: البقرة - 276. قوله تعالى سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة المسارعة هي الاشتداد في السرعة وهى ممدوحة في الخيرات ومذمومة في الشرور. وقد قورن في القرآن الكريم المغفرة بالجنة في غالب الموارد وليس إلا لان الجنة دار طهارة لا يدخل فيها قذارات المعاصي والذنوب وأدرانها ولا من تقذر بها إلا بعد المغفرة والازالة. والمغفرة والجنة المذكورتان في هذه الآية تحاذيان ما في الآيتين التاليتين أما المغفرة فتحاذي ما في قوله والذين إذا فعلوا فاحشة وأما الجنة فتحاذي ما في قوله الذين ينفقون في السراء والضراء. وأما قوله جنة عرضها السموات والارض فالمراد بالعرض السعة وهو استعمال شائع وكأن التعبير كناية عن بلوغها في السعة غايتها أو ما لا يحدها الوهم البشرى وله معنى آخر سنشير إليه في البحث الروائي الآتي.

[ 20 ]

وقوله أعدت للمتقين كالتوطئة لذكر ما يذكره بعد من أوصاف المتقين فإن الغرض هو بيان الاوصاف التى ترتبط بحال المؤمنين في المقام أعنى عند نزول هذه الآيات وقد نزلت بعد غزوة أحد وقد جرى عليهم ومنهم ما جرى من الضعف والوهن والمخالفة وهم مع ذلك مشرفون على غزوات أخر مثلها وحوادث تشابهها وبهم حاجة إلى الاتحاد والاتفاق والتلائم قوله تعالى الذين ينفقون في السراء والضراء إلى آخر الآية السراء والضراء ما يسر الانسان وما يسوؤه أو اليسر والعسر والكظم في الاصل هو شد رأس القربة بعد ملئها فاستعير للانسان إذا امتلا حزنا أو غضبا والغيظ هيجان الطبع للانتقام بمشاهدة كثرة ما لا يرتضيه بخلاف الغضب فهو إرادة الانتقام أو المجازاة ولذلك يقال غضب الله ولا يقال اغتاظ. وفي قوله والله يحب المحسنين إشارة إلى أن ما ذكره من الاوصاف معرف لهم وإنما هو معرف للمحسنين في جنب الناس بالاحسان إليهم وأما في جنب الله فمعرفهم ما في قوله تعالى وبشرى للمحسنين إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون الآيات: الاحقاف - 13 بل هذا الاحسان المذكور في هذه الآيات هو المحتد للمذكور في قوله الذين ينفقون في السراء والضراء الآية فإن الانفاق ونحوه إذا لم يكن لوجه الله لم يكن له منزلة عند الله سبحانه على ما يدل عليه قوله تعالى فيما سبق من الآيات مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا الآية وغيره. ويدل على ما ذكرناه قوله تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين: العنكبوت - 69 فإن هذا الجهاد هو بذل الجهد ولا يكون إلا فيما يخالف هوى النفس ومقتضى الطبع ولا يكون إلا إذا كان عندهم ايمان بامور يقتضى الجرى على مقتضاها والثبات عليها مقاومة بإزاء ما يحبه طبع الانسان ويشتهيه نفسه ولازمه بحسب القول والاعتقاد أن يكونوا قائلين ربنا الله وهم مستقيمون عليه وبحسب العمل أن يقيموا هذا القول بالجهاد في عبادة الله فيما بينهم وبين الله وبالانفاق وحسن العشرة فيما بينهم وبين الناس فتحصل مما ذكرنا أن الاحسان إتيان الاعمال على وجه الحسن من جهة الاستقامة والثبات على الايمان بالله سبحانه. قوله تعالى الذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم إلى قوله ونعم

[ 21 ]

أجر العاملين الفاحشة ما تتضمن الفحش والقبيح من الافعال وشاع استعماله في الزنا فالمراد بالظلم بقرينة المقابلة سائر المعاصي الكبيرة والصغيرة أو خصوص الصغائر على تقدير أن يراد بالفاحشة المنكر من المعاصي وهى الكبائر وفي قوله ذكروا الله الخ دلالة على أن الملاك في الاستغفار أن يدعو إليه ذكر الله تعالى دون مجرد التلفظ باعتياد ونحوه وقوله ومن يغفر الذنوب إلا الله تشويق وإيقاظ لقريحة اللواذ والالتجاء في الانسان. وقوله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون إنما قيد به الاستغفار لانه يورث في النفس هيئة لا ينفع معه ذكر مقام الرب تعالى وهى الاستهانة بأمر الله وعدم المبالاة بهتك حرماته والاستكبار عليه تعالى ولا تبقى معه عبودية ولا ينفع معه ذكر ولذلك بعينه قيده بقوله وهم يعلمون وهذه قرينة على كون الظلم في صدر الآية يشمل الصغائر أيضا وذلك أن الاصرار على الذنب يستوجب الاستهانة بأمر الله والتحقير لمقامه سواء كان الذنب المذكور من الصغائر أو الكبائر فقوله ما فعلوا أعم من الكبيرة والمراد بما فعلوا هو الذى ذكر في صدر الآية وإذ ليست الصغيرة فاحشة فهو ظلم النفس لا محالة. وقوله اولئك جزاؤهم مغفرة بيان لاجرهم الجزيل وما ذكره تعالى في هذه الآية هو عين ما أمر بالمسارعة إليه في قوله وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة الخ ومن ذلك يعلم أن الامر إنما كان بالمسارعة إلى الانفاق وكظم الغيظ والعفو عن الناس و الاستغفار. قوله تعالى قد خلت من قبلكم سنن فسيروا السنن جمع سنة وهى الطريقة المسلوكة في المجتمع والامر بالسير في الارض لمكان الاعتبار بآثار الماضين من الامم الغابرة والملوك والفراعنة الطاغية حيث لم ينفعهم شواهق قصورهم ولا ذخائر كنوزهم ولا عروشهم ولا جموعهم وقد جعلهم الله أحاديث يعتبر بها المعتبرون ويتفكه بها المغفلون. وأما حفظ آثارهم وكلائة تماثيلهم والجهد في الكشف عن عظمتهم ومجدهم الظاهر الدنيوي الذى في أيامهم فمما لا يعتنى به القرآن فإنما هي الوثنية التى لا تزال تظهر كل حين في لباس وسنبحث إن شاء الله في هذا المعنى في بحث مستقل نحلل فيه معنى الوثنية

[ 22 ]

قوله تعالى هذا بيان للناس الآية التقسيم باعتبار التأثير فهو بلاغ وإبانة لبعض وهدى وموعظة لآخرين.

( بحث روائي )

 في المجمع: في قوله تعالى جنة عرضها السموات والارض: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه سئل إذا كانت الجنة عرضها السموات والارض - فأين تكون النار - فقال صلى الله عليه وآله وسلم سبحان الله إذا جاء النهار فأين الليل ؟ أقول ورواه السيوطي في الدر المنثور عن التنوخى ": في كتاب جاء به من هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسأله عن هذه الآية فأجاب عنها بذلك ورواه أيضا بطريق آخر عن أبى هريرة ": أن رجلا سأله عن ذلك فأجاب بذلك. وما فسر كلامه صلى الله عليه وآله وسلم بأن المراد كون النار في علم الله تعالى كما أن الليل عند مجئ النهار في علم الله تعالى فإن رايد أن النار لا يعزب عن علمه تعالى فمن المعلوم أن هذا الجواب لا يدفع الاشكال فإن السؤال إنما هو عن مكان النار لا عن علم الله تعالى بها وإن اريد أن من الممكن أن يكون هناك مكان آخر وراء السماوات والارض تكون النار متمكنة فيها فهو وإن لم يكن مستبعدا في نفسه لكن مقايسة الجنة والنار بالنهار والليل حينئذ لا تكون في محلها فإن الليل لا يخرج عن حيطة السماوات والارض عند مجئ النهار فالحق أنه تفسير غير مرضى. وأظن أن الرواية ناظرة إلى معنى آخر وتوضيحه أن الآخرة بنعيمها وجحيمها وإن كانت مشابهة للدنيا ولذائذها وآلامها وكذلك الانسان الحال فيها وإن كان هو الانسان الذى في الدنيا بعينه على ما هو مقتضى ظواهر الكتاب والسنة غير أن النظام الحاكم في الآخرة غير النظام الحاكم في الدنيا فإنما الآخرة دار أبدية وبقاء والدنيا دار زوال وفناء ولذلك كان الانسان يأكل ويشرب وينكح ويتمتع في الجنة فلا يعرضه ما يعرض هذه الافعال في الدنيا وكذلك الانسان يحترق بنار الجحيم ويقاسي الآلام والمصائب في مأكله ومشربه ومسكنه وقرينه في النار ولا يطرأ عليه ما يطرأ عليه معها وهو في الدنيا ويعمر عمر الابد ولا يؤثر فيه ذلك كهولة أو شيبا أو هرما

[ 23 ]

وهكذا وليس إلا أن العوارض والطواري المذكورة من لوازم النظام الدنيوي دون مطلق النظام الاعم منه ومن النظام الاخروي فالدنيا دار التزاحم والتمانع دون الآخرة. ومما يدل عليه أن الذى نجده في ظرف مشاهدتنا من الحوادث الواقعة يغيب عنا إذا شاهدنا غيره ثانيا كحوادث الامس وحوادث اليوم والليل والنهار وغير ذلك وأما الله سبحانه فلا يغيب عنه هذا الذى نشاهده أولا ويغيب عنا ثانيا ولا الذى نجده بعده ولا مزاحمة بينهما فالليل والنهار وكذا الحوادث المقارنة لهما متزاحمات متمانعات بحسب نظام المادة والحركة وهى بعينها لا تتزاحم ولا تتمانع بحسب نظام آخر ويستفاد ذلك من قوله تعالى أ لم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضناه الينا قبضا يسيرا: الفرقان - 46. وإذا أمكن ذلك في مثل الليل والنهار وهما متزاحمان جاز في السماوات والارض أن تسع ما يساويهما سعة وتسع مع ذلك شيئا آخر يساويه مقدارا كالجنة والنار مثلا لكن لا بحسب نظام هذه الدار بل بحسب نظام الآخرة ولهذا نظائر في الاخبار كما ورد: أن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار وما ورد: أن المؤمن يوسع له في قبره مد بصره. فعلى هذا ينبغي أن يحمل قوله صلى الله عليه وآله وسلم سبحان الله إذا جاء النهار فأين الليل لظهور أن لو كان المراد أن الله سبحانه لا يجهل الليل إذا علم بالنهار لم يرتبط بالسؤال وكذا لو كان المراد أن الليل يبقى في الخارج مع مجئ النهار اعترض عليه السائل بأن الليل يبطل مع وجود النهار إذا قيسا إلى محل واحد من مناطق الارض وإن اعتبرا من حيث نفسهما فالليل بحسب الحقيقة ظل مخروط حادث من أنارة الشمس وهو يدور حول الكرة الارضية بحسب الحركة اليومية فالليل والنهار سائران حول الارض دائما من غير بطلان ولا عينية. وللرواية نظائر بين الروايات كما ورد في تفسير قوله تعالى ليميز الله الخبيث من الطيب: الانفال - 37 من قوله عليه السلام إذا غابت الشمس فأين يصير هذا الشعاع المنبسط على الارض الحديث وسيجئ البحث عنها. وفي الدر المنثور: في قوله تعالى والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس الآية:

[ 24 ]

أخرج البيهقى عن على بن الحسين: إن جارية جعلت تسكب عليه الماء يتهيأ للصلاة - فسقط الابريق من يدها على وجهه - فشجه فرفع رأسه إليها - فقالت إن الله يقول والكاظمين الغيظ - قال قد كظمت غيظي - قالت والعافين عن الناس قال قد عفا الله عنك - قالت والله يحب المحسنين قال اذهبي فأنت حرة أقول وهو مروى من طرق الشيعة أيضا وظاهر الرواية أنه عليه السلام يفسر الاحسان بما يزيد على هذه الصفات وهو كذلك بحسب إطلاق مفهومه غير أن الصفات المذكورة قبله من لوازم معناه فمن الممكن أن يعرف بها الاحسان. واعلم أن هناك روايات كثيرة جدا في حسن الخلق وسائر الاخلاق الفاضلة كالانفاق والكظم والعفو ونحوها واردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت عليهم السلام أخرنا إيرادها إلى محل آخر أنسب لها. وفي المجالس عن عبد الرحمن بن غنم الدوسى ": أن قوله تعالى والذين إذا فعلوا فاحشة الخ - نزل في بهلول النباش وكان ينبش القبور - فنبش قبر واحدة من بنات الانصار - فأخرجها ونزع أكفانها وكانت بيضاء جميلة - فسول له الشيطان فزنى بها ثم ندم - فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرده - ثم اعتزل الناس وانقطع عنهم يتعبد - ويتبتل في بعض جبال المدينة حتى قبل الله توبته - ونزل فيه القرآن. أقول والرواية مفصلة نقلناها ملخصة ولو صحت الرواية لكانت سببا آخر لنزول الآية غير السبب الواحد الشامل لمجموع آيات القصة وفي تفسير العياشي عن الباقر عليه السلام: في قوله تعالى ولم يصروا على ما فعلوا الآية - قال الاصرار أن يذنب المذنب فلا يستغفر الله - ولا يحدث نفسه بتوبة فذلك الاصرار وفي الدر المنثور أخرج أحمد عن أبى سعيد الخدرى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: قال إبليس يا رب وعزتك لا أزال اغوى بنى آدم - ما كانت أرواحهم في أجسادهم - فقال الله وعزتي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني وفي الكافي عن الصادق عليه السلام: لا صغيرة مع الاصرار ولا كبيرة مع الاستغفار وفي تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام في حديث قال: وفي كتاب الله نجاة من

[ 25 ]

الردى وبصيرة من العمى - وشفاء لما في الصدور - فيما أمركم الله به من الاستغفار والتوبة - قال الله والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم - ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله - ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون - وقال ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه - ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما - فهذا ما أمر الله به من الاستغفار - و اشترط معه التوبة والاقلاع عما حرم الله - فإنه يقول إليه يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح يرفعه - وبهذه الآية يستدل أن الاستغفار لا يرفعه إلى الله - إلا العمل الصالح والتوبة. أقول قد استفاد عليه السلام الاقلاع وعدم العود بعد التوبة من نفي الاصرار وكذا احتياج التوبة والاستغفار إلى صالح العمل بعده من عموم الكلم الطيب في قوله إليه يصعد الكلم الطيب الآية. وفي المجالس عن الصادق عليه السلام قال: لما نزلت هذه الآية والذين إذا فعلوا فاحشة - صعد إبليس جبلا بمكة يقال له ثور - فصرخ بأعلى صوته بعفاريته فاجتمعوا إليه - فقالوا له يا سيدنا لم تدعونا - قال نزلت هذه الآية فمن لها - فقام عفريت من الشياطين فقال أنا لها بكذا وكذا - فقال لست لها فقام آخر فقال مثل ذاك - فقال لست لها - فقال الوسواس الخناس أنا لها - قال بما ذا قال أعدهم وامنيهم حتى يواقعوا الخطيئة - فإذا واقعوها أنسيتهم الاستغفار - فقال أنت لها فوكله بها إلى يوم القيامة اقول والرواية مروية من طرق أهل السنة أيضا = ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الاعلون إن كنتم مؤمنين (139) - إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الايام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين (140) - وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (141) - أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا

[ 26 ]

منكم ويعلم الصابرين (142) - ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون (143) - وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أ فإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين (144) - وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين (145) - وكأين من نبى قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين (146) - وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (147) - فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين (148))

( بيان )

 الآيات كما ترى تتمة للآيات السابقة المبتدئة بقوله يا أيها الذين آمنوا كما أن الآيات السابقة بأوامرها ونواهيها توطئة لهذه الآيات التى تشتمل على أصل المقصود من أمر ونهى وثناء وتوبيخ. قوله تعالى ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الاعلون إن كنتم مؤمنين الوهن هو الضعف في خلق أو خلق على ما ذكره الراغب والمراد به هنا ضعفهم من حيث

[ 27 ]

العزيمة والاهتمام على اقامة الدين وقتال أعدائه والحزن خلاف الفرح وإنما يعرض الانسان بفقده شيئا يملكه مما يحبه أو أمرا يقدر نفسه مالكة له. وفي قوله تعالى وأنتم الاعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله دلالة على أن سبب وهنهم وحزنهم ما شاهدوه من إصابة القرح إياهم واستعلاء الكفار عليهم فإن المشركين وإن لم ينالوا كل الغلبة والظفر على المؤمنين ولم تختتم الوقعة على الانهزام التام من المؤمنين لكن الذي أصاب المؤمنين كان أشد وأوجع وهو شهادة سبعين من سراتهم وشجعانهم ووقوع ما وقع في عقر دارهم فكان هذا سبب وهنهم وحزنهم ووقوع قوله وأنتم الاعلون الخ موقع التعليل هو الوجه في كون هذين النهيين نهيا عن وهن وحزن واقعين لا مقدرين ولا متوقعين. وقد اطلق قوله الاعلون من غير تقييد ولكن اشترط بالايمان فمحصل المعنى لا ينبغى لكم أن تهنوا في عزمكم ولا أن تحزنوا لما فاتكم من الظفر على أعدائكم والانتصار منهم إن كان فيكم الايمان فإن الايمان أمر يستصحب علاءكم البتة إذ هو يلازم التقوى والصبر وفيهما ملاك الفتح والظفر وأما القرح الذى أصابكم فلستم بمتفردين فيه بل القوم وهم المشركون قد أصابهم مثله فلم يسبقوكم في شئ حتى يوجب ذلك وهنكم وحزنكم. واشتراط علوهم بالايمان مع كون الخطاب للذين آمنوا إنما هو للاشارة إلى أن الجماعة وإن كانوا لا يفقدون الايمان إلا أنهم غير عاملين بما يقتضيه من الصفات كالصبر والتقوى وإلا لاثر أثره. وهذا حال كل جماعة مختلفة الحال في الايمان فيهم المؤمن حقا والضعيف إيمانا والمريض قلبا ويكون مثل هذا الكلام تنشيطا لنفس مؤمنهم وعظة لضعيفهم وعتابا وتأنيبا لمريضهم. قوله تعالى إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله القرح بفتح القاف الاثر من الجراحة من شئ يصيبه من خارج والقرح بالضم أثرها من داخل كالبثرة ونحوها قاله الراغب وكأنه كناية عما أصابهم يوم أحد بفرض مجموع المسلمين شخصا واحدا أصابه جراحة من عدوه وهو قتل من قتل منهم وجراحة من جرح

[ 28 ]

منهم وفوت النصر والفتح بعد ما أطلا عليهم. وهذه الجملة أعنى قوله إن يمسسكم الخ وما بعدها من الجمل المتسقة إلى قوله ويمحق الكافرين في موضع التعليل كما مر لقوله ولا تهنوا ولا تحزنوا كما أن قوله وأنتم الاعلون تعليل آخر. والفرق بين النوعين من التعليل أن الاول أعنى قوله وأنتم الاعلون الخ تعليل من طريق التخطئة لظنهم فإنهم إنما وهنوا وحزنوا لما ظنوا علاء المشركين عليهم فخطأهم الله بأن ملاك العلاء معكم إن كنتم مؤمنين لا مع المشركين وقد قال تعالى وكان حقا علينا نصر المؤمنين: الروم - 47. وأما الثاني فمن طريق بيان حال الفريقين المؤمنين والمشركين أو بيان الحكم والمصالح التى ترجع إلى أصل واحد وهو السنة الالهية الجارية بمداولة الايام بين الناس. قوله تعالى وتلك الايام نداولها بين الناس اليوم هو المقدار المعتد به من الزمان اللازم لحدوث الحوادث فيختلف باختلاف الحوادث وقد شاع استعماله فيما بين طلوع الشمس وغروبها وربما استعمل في الملك والسلطنة والقهر ونحوها بعلاقة الظرف والمظروف فيقال يوم جماعة كذا ويوم آل فلان أي تقدمهم وحكومتهم على غيرهم وقد يقال لنفس الزمان الذى وقع فيه ذلك والمراد بالايام في الآية هو هذا المعنى والمداولة جعل الشئ يتناوله واحد بعد آخر فالمعنى أن السنة الالهية جرت على مداولة الايام بين الناس من غير أن توقف على قوم ويذب عنها قوم لمصالح عامة تتبع هذه السنة لا تحيط أفهامكم إلا ببعضها دون جميعها. قوله تعالى وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء الخ عطف على محذوف حذف للتلويح على أنه مما لا تحيط به الافهام ولا تدركه العقول إلا من بعض جهاتها والذي ينفع المؤمنين العلم به هو ما ذكره بقوله وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء الخ وبقوله وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين. أما قوله وليعلم الله الذين آمنوا فالمراد به ظهور إيمان المؤمنين بعد بطونه وخفائه فإن علمه تعالى بالحوادث والاشياء في الخارج عين وجودها فيه فإن الاشياء

[ 29 ]

معلومة له تعالى بنفس وجودها لا بصورة مأخوذة منها نظير علومنا وإدراكاتنا وهو ظاهر ولازم ذلك أن يكون إرادته تعالى العلم بشئ هي إرادة تحققه وظهوره وحيث قال وليعلم الله الذين آمنوا فأخذ وجودهم محققا أفاد ذلك إرادة ظهور إيمانهم وإذا كان ذلك على سنة الاسباب والمسببات لم يكن بد من وقوع امور توجب ظهور إيمان المؤمن بعد خفائه فافهم ذلك. وأما قوله ويتخذ منكم شهداء فالشهداء شهداء الاعمال وأما الشهداء بمعنى المقتولين في معركة القتال فلا يعهد استعماله في القرآن وإنما هو من الالفاظ المستحدثة الاسلامية كما مر في قوله تعالى وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء: البقرة - 143 على أن قوله ويتخذ أيضا لا يلائم الشهداء بمعنى المقتولين في المعركة كثير ملاءمة فلا يقال اتخذ الله فلانا مقتولا في سبيله وشهيدا كما يقال اتخذ الله ابراهيم خليلا واتخذ الله موسى كليما واتخذ الله النبي شهيدا يشهد على امته يوم القيامة. وقد غير السياق فقال ويتخذ منكم شهداء ولم يقل ويتخذهم شهداء لان الشهادة وإن اضيفت إلى الامة في قوله وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس: البقرة - 143 إلا أنها من قبيل وصف البعض المضاف إلى الكل والشهداء بعض الامة دون كلهم وقد مر بيان ذلك في سورة البقرة ويمكن أن يتأيد هذا الذى ذكرناه بقوله بعده والله لا يحب الظالمين. وأما قوله وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين فالتمحيص هو تخليص الشئ من الشوائب الخارجة والمحق إنفاد الشئ تدريجا وإزالته شيئا فشيئا وهذا التمحيص من حكم مداولة الايام ومصالحها وهو غير العلم بالذين آمنوا الذى هو أيضا من حكم مداولة الايام فإن تمييز المؤمن من غير المؤمن أمر وتخليص إيمانه بعد التمييز من شوائب الكفر والنفاق والفسوق أمر آخر ولذلك قوبل بالمحق للكافرين فالله سبحانه يزيل أجزاء الكفر ونحوه من المؤمن شيئا فشيئا حتى لا يبقى إلا إيمانه فيكون خالصا لله ويبيد أجزاء الكفر والشرك والكيد من الكافر شيئا فشيئا حتى لا يبقى شئ. فهذه وجوه من الحكمة في مداولته تعالى الايام بين الناس وعدم استمرار الدولة بين قوم خاص ولله الامر كله يفعل ما يشاء ولا يفعل إلا الاصلح الانفع كما

[ 30 ]

قال كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الارض: الرعد - 17 وقد قال الله تعالى قبيل هذه الآيات ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون فنفى أن يكون لنبيه من الامر شئ وقصر الامر في نفسه يحكم في خلقه كيف يشاء وهذا الكلام أعنى ما يبين أن الايام مقسومة بين الناس لغرض الامتحان وتمييز المؤمن من الكافر وتمحيص المؤمنين ومحق الكافرين مع ما مر من نفى رجوع الامر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكشف عن أن المؤمنين كان يظن أكثرهم أن كونهم على دين الحق سبب تام في غلبتهم أينما غزوا وظهورهم على الباطل كيفما كانوا فهم يملكون الامر لا يدفعون عن ذلك وقد أجرأهم على هذا الحسبان ما شاهدوه يوم بدر من ظهورهم العجيب على عدوهم ونزول ملائكة النصر وهذا ظن فاسد يوجب بطلان نظام الامتحان والتمحيص وفي ذلك بطلان مصلحة الامر والنهى والثواب والعقاب ويؤدى ذلك إلى انهدام أساس الدين فإنما الدين دين الفطرة غير مبنى على خرق العادة الجارية والسنة الالهية القائمة في الوجود بابتناء الغلبة والهزيمة على أسبابهما العادية. شرح سبحانه بعد بيان أن الايام دول متداولة لغرض الامتحان والابتلاء في ملامتهم في حسبان هذا النظر الباطل وبيان حقيقة الحال فقال أم حسبتم إلى آخر الآيات. قوله تعالى أم حسبتهم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله إلى آخر الآيتين وهذا أعنى ظنهم أن يدخلوا الجنة من غير أن يمتحنوا لازم الظن المذكور آنفا وهو أنهم لما كانوا على الحق والحق لا يغلب عليه فأمر الظفر والغلبة إليهم لن ينهزموا ولن يغلبوا أبدا ومن المعلوم أن لازم هذا الظن أن يكون كل من آمن بالنبي ولحق بجماعة المؤمنين سعيدا في دنياه بالغلبة والغنيمة وسعيدا في آخرته بالمغفرة والجنة ويبطل الفرق بين ظاهر الايمان وحقيقته ويرتفع التمايز بين الدرجات فإيمان المجاهد وإيمان المجاهد الصابر واحد ومن تمنى خيرا ففعله إذا حان حينه كان كمن تمنى خيرا ثم تولى إذا أصابه. وعلى هذا فقوله أم حسبتم أن تدخلوا الخ من قبيل وضع المسبب موضع السبب أي حسبتم أن الدولة مكتوبة لكم فأنتم لا تبتلون بل تدخلون الجنة من غير أن يتميز

[ 31 ]

المستحق لها منكم من غير المستحق وصاحب الدرجة الرفيعة منكم من غيره. وأما قوله تعالى ولقد كنتم تمنون الموت الآية ففيه تثبيت أن ظنهم ذاك كان فاسدا فإنهم كانوا يتمنون الموت قبل حضور الغزوة حتى إذا حضرت ورأوه رأي العين لم يقدموا ولم يتناولوا ما كانوا يتمنونه بل فشلوا وتولوا عن القتال فهل كان من الجائز أن يدخلوا الجنة بمجرد هذا التمنى من غير أن يمتحنوا أو يمحصوا أو لم يكن من الواجب أن يختبروا. وبهذا يظهر أن في الكلام تقديرا والمعنى فقد رأيتموه وأنتم تنظرون فلم تقدموا عليه ويمكن أن يكون قوله تنظرون كناية عن عدم إقدامهم أي تكتفون بمجرد النظر من غير إقدام وفيه عتاب وتوبيخ.

 ( كلام في الامتحان وحقيقته )

 لا ريب أن القرآن الكريم يخص أمر الهداية بالله سبحانه غير أن الهداية فيه لا تنحصر في الهداية الاختيارية إلى سعادة الآخرة أو الدنيا فقد قال تعالى فيما قال الذى أعطى كل شئ خلقه ثم هدى: طه - 50 فعمم الهداية لكل شئ من ذوى الشعور والعقل وغيرهم وأطلقها أيضا من جهة الغاية وقال أيضا الذى خلق فسوى والذى قدر فهدى: الاعلى - 3 والآية من جهة الاطلاق كسابقتها. ومن هنا يظهر أن هذه الهداية غير الهداية الخاصة التى تقابل الاضلال فإن الله سبحانه نفاها وأثبت مكانها الضلال في طوائف والهداية العامة لا تنفى عن شئ من خلقه قال تعالى والله لا يهدى القوم الظالمين: الجمعة - 5 وقال والله لا يهدى القوم الفاسقين: الصف - 5 إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. وكذا يظهر أيضا أن الهداية المذكورة غير الهداية بمعنى إراءة الطريق العامة للمؤمن والكافر كما في قوله تعالى إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا: الدهر - 3 وقوله وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى: حم السجدة - 17 فإن ما في هاتين الآيتين ونظائرهما من الهداية لا يعم غير أرباب الشعور والعقل وقد عرفت أن ما في قوله ثم هدى وقوله والذى قدر فهدى عام من حيث المورد والغاية جميعا

[ 32 ]

على أن الآية الثانية تفرع الهداية على التقدير والهداية الخاصة لا تلائم التقدير الذى هو تهيئة الاسباب والعلل لسوق الشئ إلى غاية خلقته وإن كانت تلك الهداية أيضا من جهة النظام العام في العالم داخلة في حيطة التقدير لكن النظر غير النظر فافهم ذلك. وكيف كان فهذه الهداية العامة هي هدايته تعالى كل شئ إلى كمال وجوده وإيصاله إلى غاية خلقته وهى التى بها نزوع كل شئ ألى ما يقتضيه قوام ذاته من نشوء واستكمال وأفعال وحركات وغير ذلك وللكلام ذيل طويل سنشرحه إن ساعدنا التوفيق أن شاء الله العزيز. والغرض أن كلامه تعالى يدل على أن الاشياء إنما تنساق إلى غاياتها وآجالها بهداية عامة إلهية لا يشذ عنها شاذ وقد جعلها الله تعالى حقا لها على نفسه وهو لا يخلف الميعاد كما قال تعالى إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والاولى: الليل - 13 والآية كما ترى تعم بإطلاقها الهداية الاجتماعية للمجتمعات والهداية الفردية مضافة إلى ما تدل عليه الآيتان السابقتان. فمن حق الاشياء على الله تعالى هدايتها تكوينا إلى كمالها المقدر لها وهدايتها إلى كمالها المشرع لها وقد عرفت فيما مر من مباحث النبوة أن التشريع كيف يدخل في التكوين وكيف يحيط به القضاء والقدر فإن النوع الانساني له نوع وجود لا يتم أمره إلا بسلسلة من الافعال الاختيارية الارادية التى لا تقع إلا عن اعتقادات نظرية وعملية فلا بد أن يعيش تحت قوانين حقة أو باطلة جيدة أو ردية فلا بد لسائق التكوين أن يهيئ له سلسلة من الاوامر والنواهي الشريعة وسلسلة اخرى من الحوادث الاجتماعية والفردية حتى يخرج بتلاقيه معهما ما في قوته إلى الفعل فيسعد أو يشقى ويظهر ما في مكمن وجوده وعند ذلك ينطبق على هذه الحوادث وهذا التشريع اسم المحنة والبلاء ونحوهما. توضيح ذلك أن من لم يتبع الدعوة الالهية واستوجب لنفسه الشقاء فقد حقت عليه كلمة العذاب إن بقى على تلك الحال فكل ما يستقبله من الحوادث المتعلقة بها الاوامر والنواهي الالهية ويخرج بها من القوة إلى الفعل تتم له بذلك فعلية جديدة من الشقاء وإن كان راضيا بما عنده مغرورا بما يجده فليس ذلك إلا مكرا إلهيا فإنه

[ 33 ]

يشقيهم بعين ما يحسبونه سعادة لانفسهم ويخيب سعيهم في ما يظنونه فوزا لانفسهم قال تعالى ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين: آل عمران - 54 وقال ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله: فاطر - 43 وقال ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون: الانعام - 123 وقال سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملى لهم إن كيدى متين: الاعراف - 183 فما يتبجح به المغرور الجاهل بأمر الله أنه سبق ربه في ما أراده منه بالمخالفة والتمرد فإنه يعينه على نفسه فيما أراده قال تعالى أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون: العنكبوت - 4 ومن أعجب الآيات في هذا الباب قوله تعالى فلله المكر جميعا: الرعد - 42. فجميع هذه المماكرات والمخالفات والمظالم والتعديات التى تظهر من هؤلاء بالنسبة إلى الوظائف الدينية وكل ما يستقبلهم من حوادث الايام ويظهر بها منهم ما أضمروه في قلوبهم ودعتهم إلى ذلك أهواؤهم مكر إلهي وإملاء واستدراج فإن من حقهم على الله أن يهديهم إلى عاقبة أمرهم وخاتمته وقد فعل والله غالب على أمره. وهذه الامور بعينها إذا نسبت إلى الشيطان كانت أقسام الكفر والمعاصي إغواء منه لهم والنزوع إليها دعوة ووسوسة ونزعة ووحيا وإضلالا والحوادث الداعية وما يجرى مجراها زينة له ووسائل وحبائل وشبكات منه على ما سيجئ بيانه في سورة الاعراف إن شاء الله تعالى. وأما المؤمن الذى رسخ في قلبه الايمان فما تظهر منه من الطاعات والعبادات وكذا الحوادث التى تستقبله فيظهر منه عندها ذلك ينطبق عليها مفهوم التوفيق والولاية الالهية والهداية بالمعنى الاخص نوع انطباق قال تعالى والله يؤيد بنصره من يشاء: آل عمران - 13 وقال والله ولى المؤمنين: آل عمران - 68 وقال الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور: البقرة - 257 وقال يهديهم ربهم بإيمانهم: يونس - 9 وقال أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس: الانعام - 122 هذا إذا نسبت هذه الامور إلى الله سبحانه وأما إذا نسبت إلى الملائكة فتسمى تأييدا وتسديدا منهم قال تعالى اولئك كتب في

[ 34 ]

قلوبهم الايمان وأيدهم بروح منه: المجادلة - 22. ثم إنه كما أن الهداية العامة تصاحب الاشياء من بدء كونها إلى آخر أحيان وجودها ما دامت سالكة سبيل الرجوع إلى الله سبحانه كذلك المقادير تدفعها من ورائها كما هو ظاهر قوله تعالى والذى قدر فهدى: الاعلى - 3 فإن المقادير التى تحملها العلل والاسباب المحتفة بوجود الشئ هي التى تحول الشئ من حال اولى الي حال ثانية وهلم جرا فهى لا تزال تدفع الاشياء من ورائها. وكما أن المقادير تدفعها من ورائها كذلك الآجال وهى آخر ما ينتهى إليه وجود الاشياء تجذبها من أامامها كما يدل عليه قوله تعالى ما خلقنا السموات والارض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما انذروا معرضون: الاحقاف - 3 فإن الآية تربط الاشياء بغاياتها وهى الآجال والشيئان المرتبطان إذا قوى أحدهما على الآخر كان حاله بالنسبة إلى قرينه هو المسمى جذبا والآجال المسماة امور ثابتة غير متغيرة فهى تجذب الاشياء من أمامها وهو ظاهر. فالاشياء محاطة بقوى إلهية قوة تدفعها وقوة تجذبها وقوة تصاحبها وتربيها وهى القوى الاصلية التى تثبتها القرآن الكريم غير القوى الحافظة والرقباء والقرناء كالملائكة والشياطين وغير ذلك. ثم إنا نسمى نوع التصرفات في الشئ إذا قصد به مقصد لا يظهر حاله بالنسبة إليه هل له صلوحه أو ليس له بالامتحان والاختبار فإنك إذا جهلت حال الشئ أنه هل يصلح لامر كذا أو لا يصلح أو علمت باطن أمره ولكن أردت أن يظهر منه ذلك أوردت عليه أشياء مما يلائم المقصد المذكور حتى يظهر حاله بذلك هل يقبلها لنفسه أو يدفعها عن نفسه وتسمى ذلك امتحانا واختبارا واستعلاما لحاله أو ما يقاربها من الالفاظ. وهذا المعنى بعينه ينطبق على التصرف الالهي بما يورده من الشرائع والحوادث الجارية على اولي الشعور والعقل من الاشياء كالانسان فإن هذه الامور يظهر بها حال الانسان بالنسبة إلى المقصد الذى يدعى إليه الانسان بالدعوة الدينية فهى امتحانات الهية. وإنما الفرق بين الامتحان الالهي وما عندنا من الامتحان أنا لا نخلو غالبا عن

[ 35 ]

الجهل بما في باطن الاشياء فنريد بالامتحان استعلام حالها المجهول لنا والله سبحانه يمتنع عليه الجهل وعنده مفاتح الغيب فالتربية العامة الالهية للانسان من جهة دعوته إلى حسن العاقبة والسعادة امتحان لانه يظهر ويتعين بها حال الشئ أنه من أهل أي الدارين دار الثواب أو دار العقاب. ولذلك سمى الله تعالى هذا التصرف الالهى من نفسه أعنى التشريع وتوجيه الحوادث بلاءا وابتلاءا وفتنة فقال بوجه عام إنا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا: الكهف - 7 وقال إنا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا: الدهر - 2 وقال ونبلوكم بالشر والخير فتنة: الانبياء - 35 وكأنه يريد به ما يفصله قوله فأما الانسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربى أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربى أهانن: الفجر - 16 وقال إنما أموالكم وأولادكم فتنة: التغابن - 15 وقال ولكن ليبلو بعضكم ببعض: محمد - 4 وقال كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون: الاعراف - 163 وقال وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا: الانفال - 17 وقال أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين: العنكبوت - 3 وقال في مثل إبراهيم وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات: البقرة - 124 وقال في قصة ذبح إسماعيل إن هذا لهو البلاء المبين: الصافات - 106 وقال في موسى وفتناك فتونا: طه - 40 إلى غير ذلك من الآيات. والآيات كما ترى تعمم المحنة والبلاء لجميع ما يرتبط به الانسان من وجوده وأجزاء وجوده كالسمع والبصر والحياة والخارج من وجوده المرتبط به بنحو كالاولاد والازواج والعشيرة والاصدقاء والمال والجاه وجميع ما ينتفع به نوع انتفاع وكذا مقابلات هذه الامور كالموت وسائر المصائب المتوجهة إليه وبالجملة الآيات تعد كل ما يرتبط به الانسان من أجزاء العالم وأحوالها فتنة وبلاءا من الله سبحانه بالنسبة إليه. وفيها تعميم آخر من حيث الافراد فالكل مفتنون مبتلون من مؤمن أو كافر وصالح أو طالح ونبى أو من دونه فهى سنة جارية لا يستثنى منها أحد.

[ 36 ]

فقد بان أن سنة الامتحان سنة إلهية جارية وهى سنة عملية متكئة على سنة اخرى تكوينية وهى سنة الهداية العامة الالهية من حيث تعلقها بالمكلفين كالانسان وما يتقدمها وما يتأخر عنها أعنى القدر والاجل كما مر بيانه. ومن هنا يظهر أنها غير قابلة للنسخ فإن انتساخها عين فساد التكوين وهو محال ويشير إلى ذلك ما يدل من الآيات على كون الخلقة على الحق وما يدل على كون البعث حقا كقوله تعالى ما خلقنا السموات والارض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى: الاحقاف - 3 وقوله تعالى أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم الينا لا ترجعون: المؤمنون - 115 وقوله تعالى وما خلقنا السموات والارض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون: الدخان - 39 وقوله تعالى من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت: العنكبوت - 5 إلى غيرها فإن جميعها تدل على أن الخلقة بالحق وليست باطلة مقطوعة عن الغاية وإذا كانت أمام الاشياء غايات وآجال حقة ومن ورائها مقادير حقة ومعها هداية حقة فلا مناص عن تصادمها عامة وابتلاء أرباب التكليف منها خاصة بامور يخرج بالاتصال بها ما في قوتها من الكمال والنقص والسعادة والشقاء إلى الفعل وهذا المعنى في الانسان المكلف بتكليف الدين امتحان وابتلاء فافهم ذلك. ويظهر مما ذكرناه معنى المحق والتمحيص أيضا فإن الامتحان إذا ورد على المؤمن فأوجب امتياز فضائله الكامنة من الرذائل أو ورد على الجماعة فاقتضى امتياز المؤمنين من المنافقين والذين في قلوبهم مرض صدق عليه اسم التمحيص وهو التمييز. وكذا إذا توالت الامتحانات الالهية على الكافر والمنافق وفي ظاهرهما صفات وأحوال حسنة مغبوطة فأوجبت تدريجا ظهور ما في باطنهما من الخبائث وكلما ظهرت خبيثة أزالت فضيلة ظاهرية كان ذلك محقا له أي إنفادا تدريجيا لمحاسنها قال تعالى وتلك الايام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين: آل عمران - 141. وللكافرين محق آخر من جهة ما يخبره تعالى أن الكون ينساق إلى صلاح البشر وخلوص الدين لله قال تعالى والعاقبة للتقوى: طه - 132 وقال أن الارض يرثها عبادي الصالحون: الانبياء - 105.

[ 37 ]

قوله تعالى وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل الموت زهاق الروح وبطلان حياة البدن والقتل هو الموت إذا كان مستندا إلى سبب عمدي أو نحوه والموت والقتل إذا افترقا كان الموت أعم من القتل وإذا اجتمعا كان الموت هو ما بحتف الانف والقتل خلافه. وانقلب على عقبيه أي رجع قال الراغب ورجع على عقبيه إذا انثنى راجعا وانقلب على عقبيه نحو رجع على حافرته ونحو ارتدا على آثارهما قصصا وقولهم رجع عوده إلى بدئه انتهى. وحيث جعل الانقلاب على الاعقاب جزاءا للشرط الذى هو موت الرسول أو قتله أفاد ذلك أن المراد به الرجوع عن الدين دون التولى عن القتال إذ لا ارتباط للفرار من الزحف بموت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو قتله وإنما النسبة والرابطة بين موته أو قتله وبين الرجوع إلى الكفر بعد الايمان. ويدل على أن المراد به الرجوع عن الدين ما ذكره تعالى في قوله وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية إلى آخر الآيات على أن نظير ما وقع في أحد من فرارهم من الزحف وتوليهم عن القتال تحقق في غيره كغزوة حنين وخيبر وغيرهما ولم يخاطبهم الله بمثل هذا الخطاب ولا عبر عن توليهم عن القتال بمثل هذه الكلمة قال تعالى ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم من الله شيئا وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين: البراءة - 25 فالحق أن المراد بالانقلاب على الاعقاب الرجوع إلى الكفر السابق. فمحصل معنى الآية على ما فيها من سياق العتاب والتوبيخ أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ليس إلا رسولا من الله مثل سائر الرسل ليس شأنه إلا تبليغ رسالة ربه لا يملك من الامر شيئا وإنما الامر لله والدين دينه باق ببقائه فما معنى اتكاء إيمانكم على حياته حيث يظهر منكم أن لو مات أو قتل تركتم القيام بالدين ورجعتم إلى أعقابكم القهقرى واتخذتم الغواية بعد الهداية ؟. وهذا السياق أقوى شاهد على أنهم ظنوا يوم أحد بعد حمى الوطيس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قتل فانسلوا عند ذلك وتولوا عن القتال فيتأيد بذلك ما ورد في الرواية والتاريخ

[ 38 ]

كما في ما رواه ابن هشام في السيرة أن أنس بن النضر عم أنس بن مالك انتهى إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والانصار وقد ألقوا بأيديهم فقال ما يحبسكم قالوا قتل رسول الله قال فما ذا تصنعون بالحياة بعده ؟ فموتوا على ما مات عليه رسول الله ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل. وبالجملة فمعنى هذا الانسلال والالقاء بالايدي أن إيمانهم إنما كان قائما بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم يبقى ببقائه ويزول بموته وهو إرادة ثواب الدنيا بالايمان وهذا هو الذى عاتبهم الله عليه ويؤيد هذا المعنى قوله بعده وسيجزى الله الشاكرين فإن الله سبحانه كرر هذه الجملة في الآية التالية بعد قوله ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها فافهم ذلك. وقوله وسيجزى الله الشاكرين بمنزلة الاستثناء مما قبله على ما يعطيه السياق وهو الدليل على أن القوم كان فيهم من لم يظهر منه هذا الانقلاب أو ما يشعر به كالانسلال والتولى وهم الشاكرون. وحقيقة الشكر إظهار النعمة كما أن الكفر الذى يقابله هو إخفاؤها والستر عليها وإظهار النعمة هو استعمالها في محلها الذى أراده منعمها وذكر المنعم بها لسانا وهو الثناء وقلبا من غير نسيان فشكره تعالى على نعمة من نعمه ان يذكر عند استعمالها ويوضع النعمة في الموضع الذي أراده منها ولا يتعدى ذلك وإن من شئ إلا وهو نعمة من نعمه تعالى ولا يريد بنعمة من نعمه إلا أن تستعمل في سبيل عبادته قال تعالى وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الانسان لظلوم كفار: إبراهيم - 34 فشكره على نعمته أن يطاع فيها ويذكر مقام ربوبيته عندها. وعلى هذا فشكره المطلق من غير تقييد ذكره تعالى من غير نسيان وإطاعته من غير معصية فمعنى قوله واشكروا لى ولا تكفرون: البقرة - 152 اذكروني ذكرا لا يخالطه نسيان وأطيعوا أمرى إطاعة لا يشوبها عصيان ولا يصغي إلى قول من يقول إنه أمر بما لا يطاق فإنه ناش من قلة التدبر في هذه الحقائق والبعد من ساحة العبودية. وقد عرفت فيما تقدم من الكتاب أن إطلاق الفعل لا يدل إلا على تلبس ما

[ 39 ]

بخلاف الوصف فإنه يدل على استقرار التلبس وصيرورة المعنى الوصفى ملكة لا تفارق الانسان ففرق بين قولنا الذين أشركوا والذين صبروا والذين ظلموا والذين يعتدون وبين قولنا المشركين والصابرين والظالمين والمعتدين فالشاكرون هم الذين ثبت فيهم وصف الشكر واستقرت فيهم هذه الفضيلة وقد بان أن الشكر المطلق هو أن لا يذكر العبد شيئا وهو نعمة إلا وذكر الله معه ولا يمس شيئا وهو نعمة إلا ويطيع الله فيه. فقد تبين أن الشكر لا يتم إلا مع الاخلاص لله سبحانه علما وعملا فالشاكرون هم المخلصون لله الذين لا مطمع للشيطان فيهم. ويظهر هذه الحقيقة مما حكاه الله تعالى عن إبليس قال تعالى قال فبعزتك لاغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين: ص - 83 وقال تعالى قال رب بما أغويتني لازينن لهم في الارض ولاغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين: الحجر - 40 فلم يستثن من إغوائه أحدا إلا المخلصين وأمضاه الله سبحانه من غير رد وقال تعالى قال فبما أغويتني لاقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين: الاعراف - 17 وقوله ولا تجد الخ بمنزلة الاستثناء فقد بدل المخلصين بالشاكرين وليس إلا لان الشاكرين هم المخلصون الذين لا مطمع للشيطان فيهم ولا صنع له لديهم وإنما صنعه وكيده إنساء مقام الربوبية والدعوة إلى المعصية. ومما يؤيد ذلك من هذه الآيات النازلة في غزوة أحد قوله تعالى فيما سيأتي من الآيات إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم والله غفور حليم مع قوله في هذه الآية التي نحن فيها وسيجزى الله الشاكرين وقوله فيما بعدها وسنجزي الشاكرين وقد عرفت أنه في معنى الاستثناء. فتدبر فيها واقض عجبا مما ربما يقال إن الآية أعني قوله إن الذين تولوا منكم ناظرة إلى ما روى أن الشيطان نادى يوم أحد ألا قد قتل محمد فأوجب ذلك وهن المؤمنين وتفرقهم عن المعركة فاعتبر إلى أي مهبط اهبط كتاب الله من أوج حقائقه ومستوى معارفه العالية ؟

[ 40 ]

فالآية تدل على وجود عدة منهم يوم أحد لم ينهوا ولم يفتروا ولم يفرطوا في جنب الله سبحانه سماهم الله شاكرين وصدق أنهم لا سبيل للشيطان إليهم ولا مطمع له فيهم لا في هذه الغزوة فحسب بل هو وصف لهم ثابت فيهم مستقر معهم ولم يطلق اسم الشاكرين في مورد من القرآن على أحد بعنوان على طريق التوصيف إلا في هاتين الآيتين أعنى قوله وما محمد إلا رسول الآية وقوله وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله الآية ولم يذكر ما يجازيهم به في شئ من الموردين إشعارا بعظمته ونفاسته. قوله تعالى وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا الخ تعريض لهم في قولهم عن إخوانهم المقتولين ما يشير إليه قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لاخوانهم إذا ضربوا في الارض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا الآية وقول طائفة منهم لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا هيهنا الآية وهؤلاء من المؤمنين غير المنافقين الذين تركوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقعدوا عن القتال. فهذا القول منهم لازمه أن لا يكون موت النفوس بإذن من الله وسنة محكمة تصدر عن قضاء مبرم ولازمه بطلان الملك الالهي والتدبير المتقن الربانى وسيجئ إن شاء الله الكلام في معنى كتابة الآجال في أول سورة الانعام. ولما كان لازم هذا القول ممن قال به أنه آمن لظنه أن الامر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وللمؤمنين فقد أراد الدنيا كما مر بيانه ومن اجتنب هذا فقد أراد الآخرة فقال تعالى ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وإنما قال نؤته منها ولم يقل نؤتها لان الارادة ربما لا توافق تمام الاسباب المؤدية إلى تمام مراده فلا يرزق تمام ما أراده ولكنها لا تخلو من موافقة ما للاسباب في الجملة دائما فإن وافق الجميع رزق الجميع وإن وافق البعض رزق البعض فحسب قال الله تعالى من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصليها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فاولئك كان سعيهم مشكورا: الاسراء - 19 وقال تعالى وأن ليس للانسان إلا ما سعى: النجم - 39. ثم خص الشاكرين بالذكر بإخراجهم من الطائفتين فقال وسنجزي الشاكرين وليس إلا لانهم لا يريدون إلا وجه الله لا يشتغلون بدنيا ولا آخرة كما تقدم.

[ 41 ]

قوله تعالى وكأين من نبى قاتل معه ربيون كثير إلى آخر الآيات كأين كلمة تكثير وكلمة من بيانية والربيون جمع ربي وهو كالرباني من اختص بربه تعالى فلم يشتغل بغيره وقيل المراد به الالوف والربي الالف والاستكانة هي التضرع. وفي الآية موعظة واعتبار مشوب بعتاب وتشويق للمؤمنين أن يأتموا بهؤلاء الربيين فيؤتيهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة كما آتاهم ويحبهم لاحسانهم كما أحبهم لذلك. وقد حكى الله من فعلهم وقولهم ما للمؤمنين أن يعتبروا به ويجعلوه شعارا لهم حتى لا يبتلوا بما ابتلوا به يوم أحد من الفعل والقول غير المرضيين لله تعالى وحتى يجمع الله لهم ثواب الدنيا والآخرة كما جمع لاولئك الربيين. وقد وصف ثواب الآخرة بالحسن دون الدنيا إشارة إلى ارتفاع منزلتها وقدرها بالنسبة إليها = يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين (149) - بل الله موليكم وهو خير الناصرين (150) - سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأويهم النار وبئس مثوى الظالمين (151) - ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الامر وعصيتم من بعد ما أريكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين (152) - إذ تصعدون ولا تلون على

[ 42 ]

أحد والرسول يدعوكم في أخريكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون (153) - ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الامر من شئ قل إن الامر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا هيهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور (154) - إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم (155)

( بيان )

 من تتمة الآيات النازلة في خصوص غزوة أحد وفيها حث وترغيب للمؤمنين أن لا يطيعوا غير ربهم فإنه هو مولاهم وناصرهم وإشهاد لهم على صدق وعده وإن الهزيمة والخذلان لم يكن يوم احد إلا من قبل أنفسهم وتعديهم حدود ما أمرهم الله به ودعاهم رسوله إليه وأن الله سبحانه مع ذلك عفا عن جرائمهم لانه غفور حليم. قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا إلى آخر الآيتين لا يبعد أن يستفاد من السياق أن الكفار كانوا أيام نزول الآيات بعد غزوة أحد يلقون إلى المؤمنين في صورة النصح ما يثبطهم عن القتال ويلقى التنازع والتفرقة

[ 43 ]

وتشتت الكلمة واختلافها بينهم وربما أيده ما في آخر هذه الآيات من قوله الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم إلى أن قال ذلكم الشيطان يخوف أوليائه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين الآيات: 173 - 175. وربما قيل إن الآية إشارة إلى قول اليهود والمنافقين يوم أحد إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى عشائركم وليس بشئ. ثم لما بين أن إطاعتهم للذين كفروا والميل إلى ولايتهم يهديهم إلى الخسران الذي هو رجوعهم إلى أعقابهم كافرين أضرب عنه بقوله بل الله موليكم وهو خير الناصرين. قوله تعالى سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله الخ وعد جميل للمؤمنين بأنهم سينصرون بالرعب ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكره فيما حباه الله تعالى وخصه به من بين الانبياء على ما رواه الفريقان. وقوله بما أشركوا معناه اتخذوا له ما ليس معه برهان شريكا ومما يكرره القرآن أن ليس لاثبات الشريك لله سلطان ومن إثبات الشريك نفى الصانع وإسناد التأثير والتدبير إلى غيره كالدهر والمادة. قوله تعالى ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم إلى آخر الآية الحس بالفتح القتل على وجه الاستيصال. ولقد اتفقت الروايات وضبطه التاريخ في قصة غزوة أحد أن المؤمنين غلبوهم وظهروا عليهم في أول الامر ووضعوا فيهم السيوف وشرعوا في نهب أموالهم حتى إذا خلى الرماة مكانهم في المكمن حمل الخالد بن الوليد فيمن معه على عبد الله بن جبير ومن بقي معه من الرماة فقتلوهم وحملوا على المؤمنين من ورائهم وتراجع المشركون عن هزيمتهم ووضعوا السيوف في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقتلوا منهم سبعين ثم هزموهم أشد هزيمة. فقوله تعالى ولقد صدقكم الله وعده تثبيت صدق وعده بالنصر بشرط التقوى والصبر وقوله إذ تحسونهم بإذنه يقبل الانطباق على ما رزقهم في أول الامر من الظهور على عدوهم يوم أحد وقوله حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الامر وعصيتم من بعد ماأريكم ما تحبون ينطبق على ما صنعه الرماة حيث تنازعوا فيما بينهم في ترك

[ 44 ]

مراكزهم واللحوق بمن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنيل الغنيمة ففشلوا وتنازعوا في الامر وعصوا أمر النبي بأن لا يتركوا مراكزهم على أي حال وعلى هذا فلا بد من تفسير الفشل بضعف الرأي وأما كونه بمعنى الجبن فلا ينطبق عليهم إذ لم يكن ذلك منهم جبنا بل طمعا في الغنيمة ولو كان الفشل بمعنى الجبن كان منطبقا على حال جميع القوم ويكون على هذا ثم في قوله ثم صرفكم مفيدة للتراخي الرتبي دون الزماني. ويدل لفظ التنازع على أن الكل لم يكونوا مجمعين على الفشل والمعصية بل كان بعضهم يصر على الاطاعة والبقاء على الائتمار ولذا قال تعالى بعده منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة. قوله تعالى ثم صرفكم عنهم ليبتليكم أي كفكم عن المشركين بعد ظهور الفشل والتنازع والمعصية وبالجملة بعد وقوع الاختلاف بينكم ليمتحنكم ويختبر إيمانكم وصبركم في الله إذ الاختلاف في القلوب هو أقوى العوامل المقتضية لبسط الابتلاء ليتميز المؤمن من المنافق والمؤمن الراسخ في إيمانه الثابت على عزيمته من المتلون السريع الزوال ومع ذلك فإن الله سبحانه عفا عنهم بفضله كما قال ولقد عفا عنكم. قوله تعالى إذ تصعدون ولا تلون على أحد والرسول يدعوكم في اخريكم الاصعاد هو الذهاب والابعاد في الارض بخلاف الصعود فهو الارتقاء إلى مكان عال يقال أصعد في جانب البر أي ذهب فيه بعيدا وصعد في السلم أي ارتقى وقيل إن الاصعاد ربما استعمل بمعنى الصعود. والظرف متعلق بمقدر أي اذكروا إذ تصعدون أو بقوله صرفكم أو بقوله ليبتليكم على ما قيل وقوله ولا تلون من اللي بمعنى الالتفات والميل قال في المجمع ولا يستعمل إلا في النفي لا يقال لويت على كذا انتهى. وقوله والرسول يدعوكم في اخريكم الاخرى مقابل الاولى وكون الرسول يدعو وهو في اخريهم يدل على أنهم تفرقوا عنه صلى الله عليه وآله وسلم وهم سواد ممتد على طوائف اوليهم مبتعدون عنه صلى الله عليه وآله وسلم واخريهم بقرب منه وهو يدعوهم من غير أن يلتفت إليه لا اوليهم ولا اخريهم فتركوه صلى الله عليه وآله - بين جموع المشركين وهم يصعدون فرارا من القتل.

[ 45 ]

نعم قوله تعالى قبيل هذا وسيجزى الله الشاكرين وقد مر تفسيره يدل على أن منهم من لم يتزلزل في عزيمته ولم ينهزم لا في أول الانهزام ولا بعد شيوع خبر قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما يدل عليه قوله أفإن مات أو قتل انقلبتم الآية. ومما يدل عليه قوله ولا تلون على أحد والرسول يدعوكم في اخريكم أن خبر قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما انتشر بينهم بعد انهزامهم وإصعادهم. قوله تعالى فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم الخ أي جازاكم غما بغم ليصرفكم عن الحزن على كذا وهذا الغم الذى اثيبوا به كيفما كان هو نعمة منه تعالى بدليل قوله لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم فإن الله تعالى ذم في كتابه هذا الحزن كما قال لكيلا تأسوا على ما فاتكم: الحديد - 23 فهذا الغم الذى يصرفهم عن ذاك الحزن المذموم نعمة وموهبة فيكون هو الغم الطاري عليهم من جهة الندامة على ما وقع منهم والتحسر على ما فاتهم من النصر بسبب الفشل ويكون حينئذ الغم الثاني في قوله بغم الغم الآتى من قبل الحزن المذكور والباء للبدلية والمعنى جازاكم غما بالندامة والحسرة على فوت النصر بدل غم بالحزن على ما فاتكم وما أصابكم. ومن الجائز أن يكون قوله أثابكم مضمنا معنى الابدال فيكون المعنى فأبدلكم غم الحزن من غم الندامة والحسرة مثيبا لكم فينعكس المعنى في الغمين بالنسبة إلى المعنى السابق. وعلى كل من المعنيين يكون قوله فأثابكم تفريعا على قوله ولقد عفا عنكم ويتصل به ما بعده أعنى قوله ثم أنزل عليكم أحسن اتصال والترتيب أنه عفا عنكم فأثابكم غما بغم ليصونكم عن الحزن الذى لا يرتضيه لكم ثم أنزل عليكم من بعد الغم امنة نعاسا. وهيهنا وجه آخر يساعده ظهور السياق في تفريع قوله فأثابكم على ما يتصل به بمعنى أن يكون الغم هو ما يتضمنه قوله إذ تصعدون والمراد بقوله بغم هو ما أدى إليه التنازع و المعصية وهو إشراف المشركين عليهم من ورائهم والباء للسببية وهذا معنى حسن وعلى هذا يكون المراد بقوله لكيلا تحزنوا الخ

[ 46 ]

نبين لكم حقيقة الامر لئلا تحزنوا كما في قوله تعالى ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم الآية: الحديد - 23 فهذا ما يستقيم به نظم الآية واتساق الجمل المتعاقبة وللمفسرين احتمالات كثيرة في الآية من حيث ما عطف عليه قوله فأثابكم ومن حيث معنى الغم الاول والثانى ومعنى الباء ومعنى قوله لكيلا ليست من الاستقامة على شئ ولا جدوى في نقلها والبحث عنها. وعلى ما احتملناه من أحد معنيين يكون المراد مما فات في قوله لكيلا تحزنوا على ما فاتكم هو الغلبة والغنيمة ومما أصاب ما أصاب القوم من القتل والجرح. قوله تعالى ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم الامنة بالتحريك الامن والنعاس ما يتقدم النوم من الفتور وهو نوم خفيف ونعاسا بدل من أمنة للملازمة عادة وربما احتمل أن يكون أمنة جمع آمن كطالب وطلبة وهو حينئذ حال من ضمير عليكم ونعاسا مفعول قوله أنزل و - الغشيان - الاحاطة. والآية تدل على أن هذا النعاس النازل إنما غشى طائفة من القوم ولم يعم الجميع بدليل قوله طائفة منكم وهؤلاء هم الذين رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد الانهزام والاصعاد لما ندموا وتحسروا وحاشا أن يعفو الله عنهم عفو رحمة وهم في حال الفرار عن الزحف وهو من كبائر المعاصي والآثام وقد قال ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين وحاشا أن تشمل عنايته تعالى على مقترف الفحشاء والمنكر حين يقترف من قبل أن يتوب وقد عنى في حقهم حين أثابهم غما بغم لكيلا يحزنوا فيتقذر قلوبهم بما لا يرتضيه الله سبحانه على ما مر بيانه. فهؤلاء بعض القوم وهم النادمون على ما فعلوا الراجعون إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم المحتفون به وكأن ذلك إنما كان حين فارق صلى الله عليه وآله وسلم جموع المشركين وعاد إلى الشعب وإن كان عودهم إليه تدريجا بعد العلم بأنه لم يقتل. وأما البعض الآخر من القوم فهم الذين يذكرهم الله بقوله وطائفة قد أهمتهم أنفسهم.

[ 47 ]

قوله تعالى وطائفة قد أهمتهم أنفسهم هذه طائفة اخرى من المؤمنين ونعنى بكونهم من المؤمنين أنهم غير المنافقين الذين ذكرهم الله أخيرا بقوله وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم الآية وهم الذين فارقوا جماعة المؤمنين في أول الامر قبل القتال وانخذلوا فهؤلاء المنافقون لهم شأن آخر سينبئ الله بذلك. وهؤلاء الطائفة الثانية الموصوفون بأنهم قد أهمتهم أنفسهم لم يكرمهم الله بما أكرم به الطائفة الاولى من العفو وإثابة الغم ثم الامنة والنعاس بل وكلهم إلى أنفسهم فأهمتهم أنفسهم ونسوا كل شئ دونها. وقد ذكر الله تعالى من أوصافهم وصفين اثنين وإن كان أحدهما من لوازم الآخر وفروعه فذكر أنهم أهمتهم أنفسهم وليس معناه أنهم يريدون سعادة أنفسهم بمعناها الحقيقي فإن المؤمنين أيضا لا يريدون إلا سعادة أنفسهم فالانسان بل كل ذى همامة وإرادة لا يريد إلا نفسه البتة بل المراد أن ليس لهم هم إلا حفظ حياتهم الدنيا وعدم الوقوع في شبكة القتل فهم لا يريدون بدين أو غيره إلا إمتاع أنفسهم في الدنيا وإنما ينتحلون بالدين ظنا منهم أنه عامل غير مغلوب وأن الله لا يرضى بظهور أعدائه عليه وإن كانت الاسباب الظاهرية لهم فهؤلاء يستدرون الدين ما در لهم وإن انقلب الامر ولم يسعدهم الجد انقلبوا على أعقابهم القهقرى. قوله تعالى يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية إلى قوله لله أي ظنوا بالله أمرا ليس بحق بل هو من ظنون الجاهلية فهم يصفونه بوصف ليس بحق بل من الاوصاف التى كان يصفه بها أهل الجاهلية وهذا الظن أيا ما كان هو شئ يناسبه ويلازمه قولهم هل لنا من الامر من شئ ويكشف عنه ما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيبهم به وهو قوله قل إن الامر كله لله فظاهر هذا الجواب أنهم كانوا يظنون أن بعض الامر لهم ولذا لما غلبوا وفشى فيهم القتل تشككوا فقالوا هل لنا من الامر من شئ. وبذلك يظهر أن الامر الذى كانوا يرونه لانفسهم هو الظهور والغلبة وإنما كانوا يظنونه لانفسهم من جهة إسلامهم فهم قد كانوا يظنون أن الدين الحق لا يغلب ولا يغلب المتدين به لما أن على الله أن ينصره من غير قيد وشرط وقد وعدهم به.

[ 48 ]

وهذا هو الظن بغير الحق الذى هو ظن الجاهلية فإن وثنية الجاهلية كانت تعتقد أن الله تعالى خالق كل شئ وأن لكل صنف من أصناف الحوادث كالرزق والحياة والموت والعشق والحرب وغيرها وكذا لكل نوع من الانواع الكونية كالانسان والارض والبحار وغيرها ربا يدبر أمرها لا يغلب على إرادته وكانوا يعبدون هؤلاء الارباب ليدروا لهم الرزق ويجلبوا لهم السعادة ويقوهم من الشرور والبلايا والله سبحانه كالملك العظيم يفوض كل صنف من أصناف رعيته وكل شطر من أشطار ملكه إلى وال تام الاختيار له أن يفعل ما يشاؤه في منطقة نفوذه وحوزة ولايته. وإذا ظن الظان أن الدين الحق لا يصير مغلوبا في ظاهر تقدمه والنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو أول من يتحمله من ربه ويحمل أثقاله لا يقهر في ظاهر دعوته أو أنه لا يقتل أو لا يموت فقد ظن بالله غير الحق ظن الجاهلية فاتخذ لله أندادا وجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ربا وثنيا مفوضا إليه أمر الغلبة والغنيمة مع أن الله سبحانه واحد لا شريك له إليه يرجع الامر كله وليس لاحد من الامر شئ ولذلك لما قال تعالى فيما تقدم من الآيات ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين قطع الكلام بالاعتراض فقال يخاطب نبيه ليس لك من الامر شئ لئلا يتوهم أن له صلى الله عليه وآله وسلم دخلا في قطع أو كبت والله سبحانه هو الذى وضع سنة الاسباب والمسببات فما كان سببه أقوى كان وقوعه أرجح سواء في ذلك الحق والباطل والخير والشر والهداية والضلالة والعدل والظلم ولا فرق فيه بين المؤمن والكافر والمحبوب والمبغوض ومحمد وأبى سفيان. نعم لله سبحانه عناية خاصه بدينه وبأوليائه يجرى نظام الكون بسببها جريا ينجر إلى ظهور الدين وتمهد الارض لاوليائه والعاقبة للمتقين. وأمر النبوة والدعوة ليس بمستثنى من هذه السنة الجارية ولذلك كلما توافقت الاسباب العادية على تقدم هذا الدين وظهور المؤمنين كبعض غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ذلك وحيث لم يتوافق الاسباب كتحقق نفاق أو معصية لامر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو فشل أو جزع كانت الغلبة والظهور للمشركين على المؤمنين وكذلك الحال في أمر سائر الانبياء مع الناس فإن أعداء الانبياء لكونهم أهل الدنيا وقصرهم مساعيهم في عمارة الدنيا وبسط القدرة وتشديد القوة وجمع الجموع كانت الغلبة الظاهرية والظهور لهم

[ 49 ]

على الانبياء فمن مقتول كزكريا ومذبوح كيحيى ومشرد كعيسى إلى غير ذلك. نعم إذا توقف ظهور الحق بحقانيته على انتقاض نظام العادة دون السنة الواقعية وبعبارة اخرى دار أمر الحق بين الحياة والموت كان على الله سبحانه أن يقيم صلب الدين ولا يدعه تدحض حجته وقد مر شطر من هذا البحث في القول على الاعجاز في الجزء الاول من الكتاب وفي الكلام على أحكام الاعمال في الجزء الثاني منه. ولنرجع إلى ما كنا فيه فقول هؤلاء الطائفة الذين أهمتهم أنفسهم هل لنا من الامر من شئ تشكك في حقية الدين وقد أدرجوا في هيكله روح الوثنية على ما مر بيانه فأمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيبهم فقال قل إن الامر كله لله وقد خاطب نبيه قبل ذلك بقوله ليس لك من الامر شئ فبين بذلك أن ملة الفطرة ودين التوحيد هو الذى لا يملك فيه الامر إلا الله جل شأنه وباقى الاشياء ومنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليست بمؤثرة شيئا بل هي في حيطة الاسباب والمسببات والسنة الالهية التى تؤدى إلى جريان ناموس الابتلاء والامتحان. قوله تعالى يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان الخ وهذا توصيف لهم بما هو أشد من قولهم هل لنا من الامر من شئ فإنه كان تشكيكا في صورة السؤال وهذا أعنى قولهم لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا هيهنا ترجيح في هيئة الاستدلال ولذلك أبدوا قولهم الاول للنبى صلى الله عليه وآله وسلم وأخفوا قولهم الثاني لاشتماله على ترجيح الكفر على الاسلام. فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيبهم فقال قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلى الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم فبين لهم اولا أن قتل من قتل منكم في المعركة ليس لعدم كونكم على الحق وعدم كون الامر لكم على ما تزعمون بل لان القضاء الالهي وهو الذى لا مناص من نفوذه ومضيه جرى على أن يضطجع هؤلاء المقتولون في هذه المضاجع فلو لم تكونوا خرجتم إلى القتال لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم فلا مفر من الاجل المسمى الذى

[ 50 ]

لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون. وثانيا أن سنة الله جرت على عموم الابتلاء والتمحيص وهى واقعة بهم وبكم لا محالة فلم يكن بد من خروجكم ووقوع هذا القتال حتى يحل المقتولون محلهم وينالوا درجاتهم وتحلوا أنتم محلكم فيتعين لكم أحد جانبى السعادة والشقاوة بامتحان ما في صدوركم من الافكار وتخليص ما في قلوبكم من الايمان والشرك. ومن عجيب ما ذكر في هذه الآية قول عدة من المفسرين أن المراد بهذه الطائفة التى تشرح الآية حالها هم المنافقون مع ظهور سياق الآيات في أنها تصف حال المؤمنين وأما المنافقون أعنى أصحاب عبد الله بن أبى المنخذلين في أول الوقعة قبل وقوع القتال فإنما يتعرض لحالهم فيما سيأتي. اللهم إلا أن يريدوا بالمنافقين الضعفاء الايمان الذين يعود عقائدهم المتناقضة بحسب اللازم إلى إنكار الحق قلبا والاعتراف به لسانا وهم الذين يسميهم الله بالذين في قلوبهم مرض قال تعالى إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم: الانفال - 49 وقال وفيكم سماعون لهم: التوبة - 47 أو يريدوا أن جميع المنافقين لم يرجعوا مع أصحاب عبد الله بن أبى إلى المدينة. وأعجب منه قول بعض آخر أن هذه الطائفة كانوا مؤمنين وأنهم كانوا يظنون أن أمر النصر والغلبة إليهم لكونهم على دين الله الحق لما رأوا من الفتح والظفر ونزول الملائكة يوم بدر فقولهم هل لنا من الامر من شئ وقولهم لو كان لنا من الامر شئ الخ اعتراف منهم بأن الامر إلى الله لا إليهم وإلا لم يستأصلهم القتل. ويرد عليه عدم استقامة الجواب حينئذ وهو قوله تعالى قل إن الامر كله لله وقوله قل لو كنتم في بيوتكم الخ وقد أحس بعض هؤلاء بهذا الاشكال فأجاب عنه بما هو أردأ من أصل كلامه وقد عرفت ما هو الحق من المعنى. قوله تعالى إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا استزلال الشيطان إياهم إرادته وقوعهم في الزلة ولم يرد ذلك منهم إلا بسبب بعض ما كسبوا في نفوسهم ومن أعمالهم فإن السيئات يهدى بعضها إلى بعض فإنها مبنية على متابعة هوى النفس وهوى النفس للشئ هوى لما يشاكله

[ 51 ]

وأما احتمال كون الباء للآلة وكون ما كسبوا عين توليهم يوم الالتقاء فبعيد من ظاهر اللفظ فإن ظاهر ما كسبوا تقدم الكسب على التولى والاستزلال. وكيف كان فظاهر الآية أن بعض ما قدموا من الذنوب والآثام مكن الشيطان أن أغواهم بالتولي والفرار ومن هنا يظهر أن احتمال كون الآية ناظرة إلى نداء الشيطان يوم أحد بقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما في بعض الروايات ليس بشئ إذ لا دلالة عليه من جهة اللفظ. قوله تعالى ولقد عفا الله عنهم ان الله غفور حليم هذا العفو هو عن الذين تولوا المذكورين في صدر الآية والآية مطلقة تشمل جميع من تولى يومئذ فتعم الطائفتين جميعا أعنى الطائفة التى غشيهم النعاس والطائفة التى أهمتهم أنفسهم والطائفتان مختلفتان بالتكرم بإكرام الله وعدمه ولكونهما مختلفتين لم يذكر مع هذا العفو الشامل لهما معا جهات الاكرام التى اشتمل عليها العفو المتعلق بالطائفة الاولى على ما تقدم بيانه. ومن هنا يظهر أن هذا العفو المذكور في هذه الآية غير العفو المذكور في قوله ولقد عفا عنكم ومن الدليل على اختلاف العفوين ما في الآيتين من اختلاف اللحن ففرق واضح بين قوله تعالى ولقد عفى عنكم والله ذو فضل على المؤمنين حيث إنه كلام مشعر بالفضل والرأفة وقد سماهم مؤمنين ثم ذكر إثابتهم غما بغم لكيلا يحزنوا ثم إنزاله عليهم أمنة نعاسا وبين قوله تعالى ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم حيث ذكر العفو وسكت عن جميع ما أكرم الطائفة الاولى به ثم ختم الكلام بذكر حلمه وهو أن لا يعجل في العقوبة والعفو الذى مع الحلم إغماض مع استبطان سخط. فان قلت إنما سوى بين الطائفتين من سوى بينهما لمكان ورود العفو عنهما جميعا قلت معنى العفو مختلف في الموردين بحسب المصداق وإن صدق على الجميع مفهوم العفو على حد سواء ولا دليل على كون العفو والمغفرة وما يشابههما في جميع الموارد سنخا واحدا وقد بينا وجه الاختلاف.

( معنى العفو والمغفرة في القرآن )

 العفو على ما ذكره الراغب وهو المعنى المتحصل من موارد استعمالاته هو القصد لتناول الشئ يقال عفاه واعتفاه أي قصده متناولا ما عنده وعفت الريح الدار

[ 52 ]

قصدتها متناولة آثارها انتهى وكأن قولهم عفت الدار إذ بلت مبنى على عناية لطيفة وهى أن الدار كأنها قصدت آثار نفسها وظواهر زينتها فأخذته فغابت عن أعين الناظرين وبهذه العناية ينسب العفو إليه تعالى كأنه تعالى يعنى بالعبد فيأخذ ما عنده من الذنب ويتركه بلا ذنب. ومن هنا يظهر أن المغفرة وهو الستر متفرع عليه بحسب الاعتبار فإن الشئ كالذنب مثلا يؤخذ ويتناول أولا ثم يستر عليه فلا يظهر ذنب المذنب لا عند نفسه ولا عند غيره قال تعالى واعف عنا و اغفر لنا: البقرة - 286 وقال وكان الله عفوا غفورا: النساء - 99. وقد تبين بذلك أن العفو والمغفرة وإن كانا مختلفين متفرعا أحدهما على الآخر بحسب العناية الذهنية لكنهما بحسب المصداق واحد وأن معناهما ليس من المعاني المختصة به تعالى بل يصح إطلاقهما على غيره تعالى بما لهما من المعنى كما قال تعالى إلا أن يعفون أو يعفوا الذى بيده عقدة النكاح: البقرة - 237 وقال تعالى قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله: الجاثية - 14 وقال تعالى فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر الآية فأمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يعفوا عنهم فلا يرتب الاثر على معصيتهم من المؤاخذة والعتاب والاعراض ونحو ذلك وأن يستغفر فيسأل الله أن يغفر لهم وهو تعالى فاعله لا محالة فيما يرجع إليه من آثار الذنب. وقد تبين أيضا أن معنى العفو والمغفرة يمكن أن يتعلق بالآثار التكوينية والتشريعية والدنيوية والاخروية جميعا قال تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير: الشورى - 30 والآية شاملة للآثار والعواقب الدنيوية قطعا ومثله قوله تعالى والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الارض: الشورى - 5 على ظاهر معناه وكذا قول آدم وزوجته فيما حكاه الله عنهما ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين: الاعراف - 23 بناء على أن ظلمهما كان معصية لنهى إرشادى لا مولوى. والآيات الكثيرة القرآنية دالة على أن القرب والزلفى من الله والتنعم بنعم الجنة يتوقف على سبق المغفرة الالهية وإزالة رين الشرك والذنوب بتوبة ونحوها كما قال تعالى كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون: المطففين - 14 وقال تعالى ومن

[ 53 ]

يؤمن بالله يهد قلبه: التغابن - 11. وبالجملة العفو والمغفرة من قبيل أزالة المانع ورفع المنافى المضاد وقد عد الله سبحانه الايمان والدار الآخرة حياة وآثار الايمان وأفعال أهل الآخرة وسيرهم الحيوى نورا كما قال أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها: الانعام - 122 وقال تعالى وإن الدار الآخرة لهى الحيوان: العنكبوت - 64 فالشرك موت والمعاصي ظلمات قال تعالى أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور: النور - 40 فالمغفرة إزالة الموت والظلمة وإنما تكون بحياة وهو الايمان ونور وهو الرحمة الالهية. فالكافر لا حياة له ولا نور والمؤمن المغفور له له حياة ونور والمؤمن إذا كان معه سيئات حي لم يتم له نوره وأنما يتم بالمغفرة قال تعالى نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا: التحريم - 8. فظهر من جميع ما تقدم أن مصداق العفو والمغفرة إذا نسب إليه تعالى في الامور التكوينية كان إزالة المانع بإيراد سبب يدفعه وفي الامور التشريعيه إزالة السبب المانع عن الارفاق ونحوه وفي مورد السعادة والشقاوة إزالة المانع عن السعادة = يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لاخوانهم إذا ضربوا في الارض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيى ويميت والله بما تعملون بصير (156) - ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون (157) - ولئن متم

[ 54 ]

أو قتلتم لالى الله تحشرون (158) - فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين (159) - إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون (160) - وما كان لنبى أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (161) - أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأويه جهنم وبئس المصير (162) - هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون (163) - لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين (164))

( بيان )

 الآيات من تتمة الآيات النازلة في خصوص غزوة أحد أيضا وهى تتضمن التعرض لامر آخر عرض لهم وهو الاسف والحسرة الواردة في قلوبهم من قتل رجالاتهم وسراة قومهم ومعظم المقتولين كانوا من الانصار فما قتل من المهاجرين على ما قيل إلا أربعة وهذا يقوى الحدس أن معظم المقاومة كانت من ناحية الانصار وأن الهزيمة أسرعت إلى المهاجرين قبلهم. و بالجملة الآيات تبين ما في هذا الاسف والحسرة من الخطأ والخبط وتعطف على

[ 55 ]

أمر آخر يستتبعه هذا الاسف والتحسر وهو سوء ظنهم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنه هو الذى أوردهم هذا المورد وألقاهم في هذه التهلكة كما يشير إليه قولهم على ما تلوح إليه هذه الآيات لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا الآية وقول المنافقين فيما سيجئ لو أطاعونا ما قتلوا الآية أي أطاعونا ولم يطيعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو الذى أهلكهم فهى تبين أنه صلى الله عليه وآله وسلم ليس له أن يخون أحدا بل هو رسول منه تعالى شريف النفس كريم المحتد عظيم الخلق يلين لهم برحمة من الله ويعفو عنهم ويستغفر لهم ويشاورهم في الامر بأمر منه تعالى وأن الله من به عليهم ليخرجهم من الضلال إلى الهدى. قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا الخ المراد بهؤلاء الذين كفروا ما هو ظاهر اللفظ أعنى الكافرين دون المنافقين كما قيل لان النفاق بما هو نفاق ليس منشأ لهذا القول وإن كان المنافقون يقولون ذلك وإنما منشأه الكفر فيجب أن ينسب إلى الكافرين. والضرب في الارض كناية عن المسافرة وغزى جمع غاز كطالب وطلب وضارب وضرب وقوله ليجعل الله ذلك حسرة أي ليعذبهم بها فهو من قبيل وضع المغيا موضع الغاية وقوله والله يحيى ويميت بيان لحقيقة الامر التى أخطأ فيها الكافرون القائلون لو كانوا وهذا الموت يشمل الموت حتف الانف والقتل كما هو مقتضى إطلاق الموت وحده على ما تقدم وقوله والله بما تعملون بصير في موضع التعليل للنهى في قوله لا تكونوا الخ. وقوله ما ماتوا وما قتلوا قدم فيه الموت على القتل ليكون النشر على ترتيب اللف في قوله إذا ضربوا في الارض أو كانوا غزى ولان الموت أمر جار على الطبع والعادة المألوفة بخلاف القتل فإنه أمر استثنائي فقدم ما هو المألوف على غيره. ومحصل الآية نهى المؤمنين أن يكونوا كالكافرين فيقولوا لمن مات منهم في خارج بلده أو قومه وفيمن قتل منهم في غزاة لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا فإن هذا القول يسوق الانسان إلى عذاب قلبى ونقمة إلهية وهو الحسرة الملقاة في قلوبهم مع أنه من الجهل فإن القرب والبعد منهم ليس بمحيى ومميت بل الاحياء والاماتة من الشؤون المختصة بالله وحده لا شريك له فليتقوا الله ولا يكونوا مثلهم فإن الله بما يعملون بصير.

[ 56 ]

قوله تعالى ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون الظاهر أن المراد مما يجمعون هو المال وما يلحق به الذى هو عمدة البغية في الحياة الدنيا. وقد قدم القتل ههنا على الموت لان القتل في سبيل الله أقرب من المغفرة بالنسبة إلى الموت فهذه النكتة هي الموجبة لتقديم القتل على الموت ولذلك عاد في الآية التالية ولئن متم أو قتلتم لالى الله تحشرون إلى الترتيب الطبعى بتقديم الموت على القتل لفقد هذه النكتة الزائدة. قوله تعالى فبما رحمة من الله لنت لهم إلى آخر الآية الفظ هو الجافي القسى وغلظ القلب كناية عن عدم رقته ورأفته والانفضاض التفرق. وفي الآية التفات عن خطابهم إلى خطاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصل المعنى فقد لان لكم رسولنا برحمة منا ولذلك أمرناه أن يعفو عنكم ويستغفر لكم ويشاوركم في الامر وأن يتوكل علينا إذا عزم. ونكتة الالتفات ما تقدم في أول آيات الغزوة أن الكلام فيه شوب عتاب وتوبيخ ولذلك اشتمل على بعض الاعراض في ما يناسبه من الموارد ومنها هذا المورد الذى يتعرض فيه لبيان حال من أحوالهم لها مساس بالاعتراض على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإن تحزنهم لقتل من قتل منهم ربما دلهم على المناقشة في فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورميه بأنه أوردهم مورد القتل والاستيصال فأعرض الله تعالى عن مخاطبتهم والتفت إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فخاطبه بقوله فبما رحمة من الله لنت لهم. والكلام متفرع على كلام آخر يدل عليه السياق والتقدير وإذا كان حالهم ما تراه من التشبه بالذين كفروا والتحسر على قتلاهم فبرحمة منا لنت لهم وإلا لانفضوا من حولك والله أعلم. وقوله فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر إنما سيق ليكون إمضاءا لسيرته صلى الله عليه وآله وسلم فإنه كذلك كان يفعل وقد شاورهم في أمر القتال قبيل يوم أحد وفيه إشعار بأنه إنما يفعل ما يؤمر والله سبحانه عن فعله راض. وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يعفو عنهم فلا يرتب على فعالهم أثر المعصية وأن يستغفر فيسأل الله أن يغفر لهم وهو تعالى فاعله لا محالة واللفظ وإن كان

[ 57 ]

مطلقا لا يختص بالمورد غير أنه لا يشمل موارد الحدود الشرعية وما يناظرها وإلا لغى التشريع على أن تعقيبه بقوله وشاورهم في الامر لا يخلو عن الاشعار بأن هذين الامرين إنما هما في ظرف الولاية وتدبير الامور العامة مما يجري فيه المشاورة معهم وقوله فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين وإذا أحبك كان وليا وناصرا لك غير خاذلك ولذا عقب الآية بهذا المعنى ودعى المؤمنين أيضا إلى التوكل فقال إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذى ينصركم من بعده ثم أمرهم بالتوكل بوضع سببه موضعه فقال وعلى الله فليتوكل المؤمنون أي لايمانهم بالله الذى لا ناصر ولا معين إلا هو. قوله تعالى وما كان لنبى أن يغل الغل هو الخيانة قد مر في قوله تعالى ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب: آل عمران - 79 ان هذا السياق معناه تنزيه ساحة النبي عن السوء والفحشاء بطهارته والمعنى حاشا أن يغل ويخون النبي ربه أو الناس وهو أيضا من الخيانة لله والحال أن الخائن يلقى ربه بخيانته ثم توفى نفسه ما كسبت. ثم ذكر أن رمى النبي بالخيانة قياس جائر مع الفارق فإنه متبع رضوان الله لا يعدو رضى ربه والخائن باء بسخط عظيم من الله ومأواه جهنم وبئس المصير وهذا هو المراد بقوله أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله الآية. ويمكن أن يكون المراد به التعريض للمؤمنين بأن هذه الاحوال من التعرض لسخط الله والله يدعوكم بهذه المواعظ إلى رضوانه وما هما سواء. ثم ذكر أن هذه الطوائف من المتبعين لرضوان الله والبائين بسخط من الله درجات مختلفة والله بصير بالاعمال فلا تزعموا أنه يفوته الحقير من خير أو شر فتسامحوا في اتباع رضوانه أو البوء بسخطه. قوله تعالى لقد من الله على المؤمنين في الآية التفات آخر من خطاب المؤمنين إلى تنزيلهم منزلة الغيبة وقد مر الوجه العام في هذه الموارد من الالتفات والوجه الخاص بما ههنا أن الآية مسوقة سوق الامتنان والمن على المؤمنين لصفة إيمانهم ولذا قيل على المؤمنين ولا يفيده غير الوصف حتى لو قيل الذين آمنوا لان المشعر

[ 58 ]

بالعلية على ما قيل هو الوصف أو أنه الكامل في هذا الاشعار والمعنى ظاهر. وفي الآية أبحاث أخر سيأتي شطر منها في المواضع المناسبة لها إن شاء الله العزيز = أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شئ قدير (165) - وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين (166) - وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للايمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون (167) - الذين قالوا لاخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين (168) - ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون (169) - فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (170) - يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين (171))

( بيان )

 الآيات من تتمة الآيات النازلة في خصوص غزوة أحد وفيه تعرض لحال عدة من المنافقين خذلوا جماعة المؤمنين عند خروجهم من المدينة إلى أحد وفيها جواب ما

[ 59 ]

قالوه في المقتولين ووصف حال المستشهدين بعد القتل وأنهم منعمون في حضرة القرب يستبشرون بإخوانهم من خلفهم. قوله تعالى أ ولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها لما نهاهم أن يكونوا كالذين كفروا في التحزن لقتلاهم والتحسر عليهم ببيان أن أمر الحياة والموت إلى الله وحده لا إليهم حتى يدورا مدار قربهم وبعدهم وخروجهم إلى القتال أو قعودهم عنه رجع ثانيا إلى بيان سببه القريب على ما جرت عليه سنة الاسباب فبين أن سببه إنما هو المعصية الواقعة يوم احد منهم وهو معصية الرماة بتخلية مراكزهم ومعصية من تولى منهم عن القتال بعد ذلك وبالجملة سببه معصيتهم الرسول وهو قائدهم وفشلهم وتنازعهم في الامر وذلك سبب للانهزام بحسب سنة الطبيعة والعادة. فالآية في معنى قوله أتدرون من أين أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها إنما أصابتكم من عند أنفسكم وهو إفسادكم سبب الفتح والظفر بأيديكم ومخالفتكم قائدكم وفشلكم واختلاف كلمتكم. وقد وصفت المصيبة بقوله قد أصبتم مثليها وهو إشارة إلى مقايسة ما أصابهم الكفار يوم أحد وهو قتل سبعين رجلا منهم بما أصابوا الكفار يوم بدر وهو مثلا السبعين فإنهم قتلوا منهم يوم بدر سبعين رجلا وأسروا سبعين رجلا. وفي هذا التوصيف تسكين لطيش قلوبهم وتحقير للمصيبة فإنهم اصيبوا من أعدائهم بنصف ما أصابوهم فلا ينبغى لهم أن يحزنوا أو يجزعوا. وقيل إن معنى الآية إنكم أنفسكم اخترتم هذه المصيبة وذلك أنهم اختاروا الفداء من الاسرى يوم بدر وكان الحكم فيهم القتل وشرط عليهم أنكم إن قبلتم الفداء قتل منكم في القابل بعدتهم فقالوا رضينا فإنا نأخذ الفداء وننتفع به وإذا قتل منا فيما بعد كنا شهداء. ويؤيد هذا الوجه بل يدل عليه ما ذيل به الآية أعنى قوله إن الله على كل شئ قدير إذ لا تلائم هذه الفقرة الوجه السابق ألبتة إلا بتعسف وسيجئ روايته عن أئمة أهل البيت عليهم السلام في البحث الروائي الآتى. قوله تعالى وما أصابكم يوم التقى الجمعان إلى آخر الآيتين الآية الاولى

[ 60 ]

تؤيد ما تقدم أن المراد بقوله قل هو من عند أنفسكم اختيارهم الفداء من أسرى يوم بدر وشرطهم على أنفسهم لله ما شرطوا فإصابة هذه المصيبة بإذن الله وأما الوجه الاول المذكور وهو أن المعنى أن سبب إصابة المصيبة القريب هو مخالفتكم فلا تلاؤم ظاهرا بينه وبين نسبة المصيبة إلى إذن الله وهو ظاهر. فعلى ما ذكرنا يكون ذكر استناد إصابة المصيبة إلى إذن الله بمنزلة البيان لقوله هو من عند أنفسكم وليكون توطئة لانضمام قوله وليعلم المؤمنين وبانضمامه يتمهد الطريق للتعرض لحال المنافقين وما تكلموا به وجوابه وبيان حقيقة هذا الموت الذى هو القتل في سبيل الله. وقوله أو ادفعوا أي لو لم تقاتلوا في سبيل الله فادفعوا عن حريمكم وأنفسكم وقوله هم للكفر يومئذ أقرب منهم للايمان اللام بمعنى إلى فهذا حالهم بالنسبة إلى الكفر الصريح وأما النفاق فقد واقعوه بفعلهم ذلك وقوله يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ذكر الافواه للتأكيد وللتقابل بينها وبين القلوب. قوله تعالى الذين قالوا لاخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا المراد بإخوانهم إخوانهم في النسب وهم القتلى وإنما ذكر اخوتهم لهم ليكون مع انضمام قوله وقعدوا أوقع تعيير وتأنيب عليهم فإنهم قعدوا عن إمداد إخوانهم حتى أصابهم ما أصابهم من القتل الذريع وقوله قل فادرؤوا جواب عن قولهم ذاك والدرء الدفع قوله تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا الآية وفي الآية التفات عن خطاب المؤمنين إلى خطاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلام والوجه فيه ما تكرر ذكره في تضاعيف هذه الايات ويحتمل أن يكون الخطاب تتمة الخطاب في قوله قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين. والمراد بالموت بطلان الشعور والفعل ولذا ذكرهما في قوله بل أحياء الخ حيث ذكر الارتزاق وهو فعل والفرح الاستبشار ومعهما شعور. قوله تعالى فرحين بما آتاهم الله الآية الفرح ضد الحزن والبشارة والبشرى ما يسرك من الخبر والاستبشار طلب السرور بالبشرى والمعنى أنهم فرحون بما

[ 61 ]

وجدوه من الفضل الالهي الحاضر المشهود عندهم ويطلبون السرور بما يأتيهم من البشرى بحسن حال من لم يلحقوا بهم من خلفهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ومن ذلك يظهر أولا أن هؤلاء المقتولين في سبيل الله يأتيهم ويتصل بهم أخبار خيار المؤمنين الباقين بعدهم في الدنيا. وثانيا أن هذه البشرى هي ثواب أعمال المؤمنين وهو أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وليس ذلك إلا بمشاهدتهم هذا الثواب في دارهم التى هم فيها مقيمون فإنما شأنهم المشاهدة دون الاستدلال ففى الآية دلالة على بقاء الانسان بعد الموت ما بينه وبين يوم القيامة وقد فصلنا القول فيه في الكلام على نشأة البرزخ في ذيل قوله تعالى ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات الآية: البقرة - 154. قوله تعالى يستبشرون بنعمة من الله وفضل الآية هذا الاستبشار أعم من الاستبشار بحال غيرهم وبحال أنفسهم والدليل عليه قوله وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين فإنه بإطلاقه شامل للجميع ولعل هذه هي النكتة في تكرار الاستبشار وكذا تكرار الفضل فتدبر في الآية. وقد نكر الفضل والنعمة وأبهم الرزق في الآيات ليذهب ذهن السامع فيها كل مذهب ممكن ولذا أبهم الخوف والحزن ليدل في سياق النفى على العموم. والتدبر في الآيات يعطى أنها في صدد بيان أجر المؤمنين أولا وأن هذه الاجر رزقهم عند الله سبحانه ثانيا وأن هذا الرزق نعمة من الله وفضل ثالثا وأن الذى يشخص هذه النعمة والفضل هو أنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون رابعا. وهذه الجملة أعنى قوله أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون كلمة عجيبة كلما أمعنت في تدبرها زاد في اتساع معناها على لطف ورقة وسهولة بيان وأول ما يلوح من معناها أن الخوف والحزن مرفوعان عنهم والخوف إنما يكون من أمر ممكن محتمل يوجب انتفاء شئ من سعادة الانسان التى يقدر نفسه واجدة لها وكذا الحزن إنما يكون من جهة أمر واقع يوجب ذلك فالبلية أو كل محذور إنما يخاف منها إذا لم يقع بعد فإذا وقعت زال الخوف وعرض الحزن فلا خوف بعد الوقوع ولا حزن قبله. فارتفاع مطلق الخوف عن الانسان إنما يكون إذا لم يكن ما عنده من وجوه

[ 62 ]

النعم في معرض الزوال وارتفاع مطلق الحزن إنما يتيسر له إذا لم يفقد شيئا من أنواع سعادته لا ابتداءا ولا بعد الوجدان فرفعه تعالى مطلق الخوف والحزن عن الانسان معناه أن يفيض عليه كل ما يمكنه أن يتنعم به ويستلذه وأن لا يكون ذلك في معرض الزوال وهذا هو خلود السعادة للانسان وخلوده فيها. ومن هنا يتضح أن نفى الخوف والحزن هو بعينه ارتزاق الانسان عند الله فهو سبحانه يقول وما عند الله خير: آل عمران - 198 ويقول وما عند الله باق النحل - 96 فالآيتان تدلان على أن ما عند الله نعمة باقية لا يشوبها نقمة ولا يعرضها فناء. ويتضح أيضا أن نفيهما هو بعينه إثبات النعمة والفضل وهو العطية لكن تقدم في أوائل الكتاب وسيجئ في قوله تعالى مع الذين أنعم الله عليهم: النساء - 69 أن النعمة إذا اطلقت في عرف القرآن فهى الولاية الالهية وعلى ذلك فالمعنى أن الله يتولى أمرهم ويخصهم بعطية منه. وأما احتمال أن يكون المراد بالفضل الموهبة الزائدة على استحقاقهم بالعمل والنعمة ما بحذائه فلا يلائمه قوله وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين فإن الاجر يؤذن بالاستحقاق وقد عرفت أن هذه الفقرات أعنى قوله عند ربهم يرزقون وقوله فرحين بما الخ وقوله يستبشرون بنعمة الخ وقوله وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين مآلها إلى حقيقة واحدة. وفي الآيات أبحاث اخر تقدم بعضها في تفسير قوله ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات: البقرة - 154 ولعل الله يوفقنا لاستيفاء ما يسعنا من البحث فيها في ما سيجئ من الموارد المناسبة إن شاء الله تعالى. = الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم (172) - الذين قال لهم الناس إن

[ 63 ]

الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (173) - فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم (174) - إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين (175))

( بيان )

 الآيات مرتبطة بآيات غزوة أحد ويشعر بذلك قوله من بعد ما أصابهم القرح وقد قال فيها إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله. قوله تعالى الذين استجابوا لله والرسول الآية الاستجابة والاجابة بمعنى واحد كما قيل وهى أن تسأل شيئا فتجاب بالقبول. ولعل ذكر الله والرسول مع جواز الاكتفاء في المقام بذكر أحد اللفظين إنما هو لكونهم في وقعة أحد عصوا الله والرسول فأما هو تعالى فقد عصوه بالفرار والتولى وقد نهاهم الله عنه وأمر بالجهاد وأما الرسول فقد عصوه بمخالفة أمره الذى أصدره على الرماة بلزوم مراكزهم وحين كانوا يصعدون وهو يدعوهم في اخريهم فلم يجيبوا دعوته فلما استجابوا في هذه الوقعة وضع فيها بحذاء تلك الوقعة استجابتهم لله و الرسول. وقوله للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم قصر الوعد على بعض أفراد المستجيبين لان الاستجابة فعل ظاهري لا يلازم حقيقة الاحسان والتقوى الذين عليهما مدار الاجر العظيم وهذا من عجيب مراقبة القرآن في بيانه حيث لا يشغله شأن عن شأن ومن هنا يتبين أن هؤلاء الجماعة ما كانوا خالصين لله في أمره بل كان فيهم من لم يكن محسنا متقيا يستحق عظيم الاجر من الله سبحانه وربما يقال إن من في قوله منهم بيانية كما قيل مثله في قوله تعالى محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار إلى أن قال وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة

[ 64 ]

وأجرا عظيما: الفتح - 29 وهو تأول بما يدفعه السياق. ويتبين أيضا أن ما يمدحهم به الله سبحانه في قوله الذين قال لهم الناس إلى آخر الآيات من قبيل وصف البعض المنسوب إلى الكل بعناية لفظية. قوله تعالى الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم الآية الناس هو الافراد من الانسان من حيث عدم أخذ ما يتميز به بعضهم من بعض والناس الاول غير الثاني فإن الثاني هو العدو الذى كان يجمع الجموع وأما الاول فهم الخاذلون المثبطون الذين كانوا يقولون ما يقولون ليخذلوا المؤمنين عن الخروج إلى قتال المشركين فالناس الثاني اريد به المشركون والناس الاول أيديهم على المؤمنين وعيونهم فيهم وظاهر الآية كونهم عدة وجماعة لا واحدا وهذا يؤيد كون الآيات نازلة في قصة خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيمن بقى من أصحابه بعد أحد في أثر المشركين دون قصة بدر الصغرى وسيجئ القصتان في البحث الروائي الآتى. وقوله قد جمعوا لكم أي جمعوا جموعهم لقتالكم ثانيا والله أعلم. وقوله فزادهم إيمانا وذلك لما في طبع الانسان أنه إذا نهى عما يريده ويعزم عليه فإن لم يحسن الظن بمن ينهاه كان ذلك إغراءا فأوجب انتباه قواه واشتدت بذلك عزيمته وكلما أصر عليه بالمنع أصر على المضى على ما يريده ويقصده وهذا إذا كان الممنوع يرى نفسه محقا معذورا في فعاله أشد تأثيرا من غيره ولذا كان المؤمنون كلما لامهم في أمر الله لائم أو منعهم مانع زادوا قوة في إيمانهم وشدة في عزمهم وبأسهم. ويمكن أن يكون زيادة إيمانهم لتأييد أمثال هذه الاخبار ما عندهم من خبر الوحى أنهم سيؤذون في جنب الله حتى يتم أمرهم بإذن الله وقد وعدهم النصر ولا يكون نصر إلا في نزال وقتال. وقوله وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل أي كافينا الله وأصل الحسب من الحساب لان الكفاية بحساب الحاجة وهذا اكتفاء بالله بحسب الايمان دون الاسباب الخارجية الجارية في السنة الالهية والوكيل هو الذى يدبر الامر عن الانسان فمضمون الآية يرجع إلى معنى قوله ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره: الطلاق - 3 ولذلك عقب قوله وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل بقوله فانقلبوا بنعمة من الله

[ 65 ]

وفضل لم يمسسهم سوء الخ ليكون تصديقا لوعده تعالى ثم حمدهم إذ اتبعوا رضوانه فقال واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم.

( كلام في التوكل )

 وحقيقة الامر أن مضى الارادة والظفر بالمراد في نشأة المادة يحتاج إلى أسباب طبيعية واخرى روحية والانسان إذا أراد الورود في أمر يهمه وهيأ من الاسباب الطبيعية ما يحتاج إليه لم يحل بينه وبين ما يبتغيه إلا اختلال الاسباب الروحية كوهن الارادة والخوف والحزن والطيش والشره والسفه وسوء الظن وغير ذلك وهى امور هامة عامة وإذا توكل على الله سبحانه وفيه اتصال بسبب غير مغلوب البتة وهو السبب الذى فوق كل سبب قويت إرادته قوة لا يغلبها شئ من الاسباب الروحية المضادة المنافية فكان نيلا وسعادة. وفي التوكل على الله جهة اخرى يلحقه أثرا بخوارق العادة كما هو ظاهر قوله ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره الآية وقد تقدم شطر من البحث المتعلق بالمقام في الكلام على الاعجاز. قوله تعالى ذلكم الشيطان يخوف أولياءه الآية ظاهر الآية أن الاشارة إلى الناس الذين قالوا لهم ما قالوا فيكون هذا من الموارد التى اطلق فيها القرآن الشيطان على الانسان كما يظهر ذلك من قوله من شر الوسواس الخناس الذى يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس: الناس - 6 ويؤيده قوله تعالى بعد ذلك فلا تخافوهم أي الناس القائلين لكم ما قالوا لان ذلكم الشيطان وسنبحث في هذا المعنى بما يكشف القناع عن وجه حقيقته إن شاء الله تعالى.

( بحث روائي )

 الروايات الواردة في غزوة أحد كثيرة في الغاية وهى مختلفة اختلافا شديدا في جهات القصة ربما أدت اإى سوء الظن بها وأكثرها اختلافا ما ورد منها في أسباب

[ 66 ]

نزول كثير من آيات القصة وهى تقرب من ستين آية فإن أمرها عجيب ولا يلبث الناظر المتأمل فيها دون أن يقضى بأن المذاهب المختلفة أودعت فيها أرواحها لتنطق بلسانها بما تنتفع به وهذا هو العذر في تركنا إيرادها في هذا البحث فمن أرادها فعليه بجوامع الحديث ومطولات التفاسير. وفي الدر المنثور ": أخرج ابن أبى حاتم عن أبى الضحى قال - نزلت ويتخذ منكم شهداء - فقتل منهم يومئذ سبعون منهم أربعة من المهاجرين - منهم حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير أخو بنى عبد الدار - والشماس بن عثمان المخزومى وعبد الله بن جحش الاسدي - وسائرهم من الانصار. أقول وظاهر الرواية أن أبا الضحى أخذ الشهداء في الآية بمعنى المقتولين في المعركة وعلى ذلك جرى جمهور المفسرين وقد مر في البيان السابق أن لا دليل عليه من ظاهر الكتاب بل الظاهر أن المراد بالشهداء شهداء الاعمال وفي تفسير العياشي: في قوله تعالى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الآية - عن الصادق عليه السلام قال - إن الله علم بما هو مكونه قبل أن يكونه - وهم ذر وعلم من يجاهد ممن لا يجاهد - كما علم أنه يميت خلقه قبل أن يميتهم - ولم ير موتهم وهم أحياء. أقول إشارة إلى ما تقدم أنه فرق بين العلم قبل الايجاد والعلم الفعلى الذى هو الفعل وأن المراد ليس هو العلم قبل الايجاد. وفي تفسير القمى عن الصادق عليه السلام: في قوله تعالى ولقد كنتم تمنون الموت الآية - إن المؤمنين لما أخبرهم الله تعالى - بالذى فعل بشهدائهم يوم بدر في منازلهم في الجنة رغبوا في ذلك - فقالوا اللهم أرنا قتالا نستشهد فيه - فأراهم الله يوم أحد إياه فلم يثبتوا إلا من شاء الله منهم - فذلك قوله ولقد كنتم تمنون الموت الآية: اقول وروى هذا المعنى في الدر المنثور عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن والسدى وفي تفسير القمى قال عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج يوم أحد - وعهد العاهد به على تلك الحال فجعل الرجل يقول لمن لقيه - إن رسول الله قد قتل النجا

[ 67 ]

فلما رجعوا إلى المدينة أنزل الله - وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل إلى قوله انقلبتم على أعقابكم يقول إلى الكفر ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وفي الدر المنثور أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن الربيع في الآية - قال ذلك يوم أحد حين أصابهم ما أصابهم من القتل والقرح - وتداعوا نبى الله قالوا قد قتل - وقال اناس منهم لو كان نبيا ما قتل - وقال اناس من علية أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قاتلوا على ما قاتل عليه نبيكم - حتى يفتح الله عليكم أو تلحقوا به - وذكر لنا أن رجلا من المهاجرين - مر على رجل من الانصار وهو يتشحط في دمه - فقال يا فلان أشعرت أن محمدا قد قتل - فقال الانصاري إن كان محمد قد قتل فقد بلغ - فقاتلوا عن دينكم فأنزل الله - وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل - أ فإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم - يقول ارتددتم كفارا بعد إيمانكم وفيه أخرج ابن جرير عن السدى قال ": فشا في الناس يوم أحد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قتل - فقال بعض أصحاب الصخرة - ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبى - فيأخذ لنا أمانا من أبى سفيان - يا قوم أن محمدا قتل فارجعوا إلى قومكم - قبل أن يأتوكم فيقتلونكم - قال أنس بن النضر - يا قوم إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل - فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد - اللهم إنى أعتذر اليك مما يقول هؤلاء - وأبرء اليك مما جاء به هؤلاء - فشد بسيفه فقاتل حتى قتل - فأنزل الله وما محمد إلا رسول الآية: اقول وروى هذه المعاني بطرق أخر كثيرة وفي الكافي عن الباقر عليه السلام: أنه أصاب عليا يوم أحد ستون جراحة - وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر ام سليم وام عطية أن تداوياه - فقالتا إنا لا نعالج منه مكانا إلا انفتق مكان - وقد خفنا عليه - ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون يعودنه وهو قرحة واحدة - وجعل يمسحه بيده ويقول - إن رجلا لقى هذا في الله فقد أبلى وأعذر - فكان القرح الذى يمسحه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يلتئم - فقال علي الحمد لله إذ لم أفر ولم اول الدبر - فشكر الله له ذلك في موضعين من القرآن - وهو قوله وسيجزى الله الشاكرين وسنجزي الشاكرين. أقول يعنى شكر الله له ثباته لا قوله الحمد لله الذي.

[ 68 ]

وفي تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام: أنه قرأ وكأين من نبى قتل معه ربيون كثير - قال الوف والوف ثم قال إي والله يقتلون. اقول وروى هذه القراءة والمعنى في الدر المنثور عن ابن مسعود وغيره وروى عن ابن عباس أنه سئل عن قوله ربيون قال جموع وفي الدر المنثور أ خرج عبد بن حميد وابن أبى حاتم عن مجاهد - من بعد ما اراكم ما تحبون - قال نصر الله المؤمنين على المشركين - حتى ركب نساء المشركين على كل صعب وذلول - ثم اديل عليهم المشركون بمعصيتهم للنبى صلى الله عليه وآله وسلم وفيه أخرج ابن إسحاق وابن راهويه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والبيهقي في الدلائل عن الزبير قال ": لقد رأيتنى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين اشتد الخوف علينا أرسل الله علينا النوم - فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره فو الله إنى لاسمع قول معتب بن قشير - ما أسمعه إلا كالحلم - لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا ههنا فحفظتها منه وفي ذلك أنزل الله ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا إلى قوله ما قتلنا ههنا لقول معتب بن قشير: أقول وقد روى هذا المعنى عن الزبير بن العوام بطرق كثيرة وفيه أخرج ابن مندة في معرفة الصحابة عن ابن عباس ": في قوله إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان الآية - قال نزلت في عثمان ورافع بن المعلى وحارثة بن زيد أقول وروى ما يقرب منه في عدة طرق عن عبد الرحمن بن عوف وعكرمة وابن إسحاق واضيف إليهم في بعضها أبو حذيفة بن عقبة والوليد بن عقبة وسعد بن عثمان وعقبة بن عثمان. وعلى أي حال ذكر عثمان ومن عد منهم بأسمائهم من باب ذكر المصداق وإلا فالآية نزلت في جميع من تولى من الاصحاب وعصى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والذى يخص عثمان هو أنه ومن معه فروا حتى بلغوا الجلعب جبل بناحية المدينة مما يلى الاغوص فأقاموا به ثلاثا ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لهم لقد ذهبتم فيها عريضة. وأما أصحابه عامة فقد تكاثرت الروايات أنهم تولوا عن آخرهم ولم يبق مع

[ 69 ]

رسول الله منهم إلا رجلان من المهاجرين وسبعة من الانصار ثم إن المشركين هجموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقتل دون الدفاع عنه الانصار واحدا بعد واحد حتى لم يبق معه منهم أحد. وروى أن الذين ثبتوا معه أحد عشر وروى ثمانية عشر حتى روى ثلاثون وهو أضعف الروايات. ولعل هذا الاختلاف بحسب اختلاف اطلاعات الرواة وغير ذلك والذى تدل عليه روايات دفاع نسيبة المازنية عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يكن عنده ساعتئذ أحد وكان من ثبت منهم ولم ينهزم مشغولا بالقتال ولم يتفق كلمة الرواة في ذلك على أحد إلا علي عليه السلام ولعل أبا دجانة الانصاري سماك بن خرشة كذلك إلا أنه قاتل بسيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أولا ثم وقى بنفسه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين جلى عنه أصحابه يدفع عنه النبال بمجنه وبظهره حتى اثخن رضى الله عنه. وأما بقية أصحابه فمن ملحق به حين ما عرف صلى الله عليه وآله وسلم وعلم أنه لم يقتل وملحق به بعد حين وهؤلاء هم الذين أنزل الله عليهم النعاس غير أن الله تعالى عفا عن الجميع وقد عرفت فيما تقدم من البيان معنى العفو وذكر بعض المفسرين أن معنى العفو في هذه الآية صرفه تعالى المشركين عنهم حيث لم يبيدوهم ولم يقتلوهم عن آخرهم. وفي الدر المنثور أخرج ابن عدى والبيهقي في الشعب بسند حسن عن ابن عباس قال: لما نزلت وشاورهم في الامر - قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - أما إن الله ورسوله لغنيان عنها - ولكن جعلها الله رحمة لامتي فمن استشار منهم لم يعدم رشدا - ومن تركها لم يعدم غيا وفيه أخرج الطبراني في الاوسط عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما خاب من استخار ولا ندم من استشار وفي نهج البلاغة: من استبد برأيه هلك - ومن شاور الرجال شاركها في عقولها وفيه: الاستشارة عين الهداية - وقد خاطر من استبد برأيه وفي الصافى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا وحدة أوحش من العجب - ولا مظاهرة أوثق من المشاورة

[ 70 ]

أقول والروايات في المشاورة كثيرة جدا وموردها ما يجوز للمستشير فعله وتركه بحسب المرجحات وأما الاحكام الالهية الثابتة فلا مورد للاستشارة فيها كما لا رخصة في تغييرها لاحد وإلا كان اختلاف الحوادث الجارية ناسخا لكلام الله تعالى. وفي المجالس عن الصادق عليه السلام: إن رضى الناس لا يملك وألسنتهم لا تضبط - أ لم ينسبوه يوم بدر أنه أخذ لنفسه من المغنم قطيفة حمراء - حتى أظهره الله على القطيفة وبرأ نبيه من الخيانة - وأنزل في كتابه وما كان لنبى أن يغل الآية أقول وذكر ذلك القمى في تفسيره وفيه: فجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال - إن فلانا غل قطيفة حمراء فأحفرها هنالك - فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحفر ذلك الموضع فأخرج القطيفة: وقد روى هذا المعنى وما يقرب منه في الدر المنثور بطرق كثيرة ولعل المراد بكون الآية نزلت فيها كون الآية مشيرة إليها وإلا فسياق الآيات أنها نزلت بعد غزوة أحد كما تقدم بيانه. وفي تفسير القمى عن الباقر عليه السلام من غل شيئا رآه يوم القيامة في النار - ثم يكلف أن يدخل إليه فيخرجه من النار اقول وهو استفادة لطيفة من قوله تعالى ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة. وفي تفسير العياشي في قوله تعالى هم درجات عند الله - عن الصادق عليه السلام الذين ابتعوا رضوان الله هم الائمة - وهم والله درجات عند الله للمؤمنين - وبولايتهم ومودتهم إيانا يضاعف الله لهم أعمالهم - ويرفع الله لهم الدرجات العلى والذين باؤوا بسخط من الله - هم الذين جحدوا حق علي وحق الائمة منا أهل البيت - فباؤوا لذلك بسخط من الله أول وهو من الجرى و الانطباق. وفيه عن الرضا عليه السلام: الدرجة ما بين السماء والارض وفي تفسير العياشي أيضا: في قوله تعالى أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها - عن الصادق عليه السلام - كان المسلمون قد أصابوا ببدر مائة وأربعين رجلا - قتلوا سبعين رجلا وأسروا سبعين - فلما كان يوم أحد اصيب من المسلمين سبعون رجلا - فاغتموا

[ 71 ]

بذلك فنزلت وفي الدر المنثور أخرج ابن أبى شيبة والترمذي وحسنه وابن جرير وابن مردويه عن علي قال: جاء جبرئيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال - يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الاسارى - وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين - إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم - وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم - فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فذكر ذلك لهم - فقالوا يا رسول الله عشائرنا وأقوامنا نأخذ فداءهم - فنقوى به على قتال عدونا - ويستشهد منا بعدتهم فليس في ذلك ما نكره - فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلا عدة اسارى أهل بدر: اقول ورواه في المجمع عن علي عليه السلام وأورده القمى في تفسيره وفي المجمع في قوله تعالى: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله الآيات - عن الباقر عليه السلام نزلت في شهداء بدر وأحد معا اقول وعلى ذلك روايات كثيرة رواها في الدر المنثور وغيره وقد عرفت أن معنى الآيات عام شامل لكل من قتل في سبيل الله حقيقة أو حكما وربما قيل إن الآيات نازلة في شهداء بئر معونة وهم سبعون رجلا أو أربعون من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أرسلهم لدعوة عامر بن الطفيل وقومه وكانوا على ذلك الماء فقدموا أبا ملحان الانصاري إليهم بالرسالة فقتلوه أولا ثم تتابعوا على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقاتلوهم فقتلوهم جميعا رضى الله عنهم. وفي تفسير العياشي عن الصادق قال: هم والله شيعتنا حين صارت أرواحهم في الجنة - واستقبلوا الكرامة من الله عز وجل علموا واستيقنوا أنهم كانوا على الحق وعلى دين الله عز وجل فاستبشروا بمن لم يلحقوا بهم - من إخوانهم من خلفهم من المؤمنين اقول وهو من الجرى ومعنى علمهم واستيقانهم بأنهم كانوا على الحق أنهم ينالون ذلك بعين اليقين بعد ما نالوه في الدنيا بعلم اليقين لا أنهم كانوا في الدنيا شاكين مرتابين. وفي الدر المنثور أخرج أحمد وهناد وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما اصيب إخوانكم باحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر - ترد أنهار

[ 72 ]

الجنة وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش. فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم - قالوا يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا - وفي لفظ قالوا إنا أحباء في الجنة - نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله أنا ابلغهم عنكم فأنزل الله هؤلاء - الآيات ولا تحسبن الذين قتلوا الآية وما بعدها اقول وفي هذا المعنى روايات كثيرة رووها عن أبى سيعد الخدرى وعبد الله بن مسعود وأبى العالية وابن عباس وغيرهم وفي بعضها في صور طير خضر كرواية أبي العالية وفي بعضها في طير خضر كرواية أبى سعيد وفي بعضها كطير خضر كرواية ابن مسعود والالفاظ متقاربة وقد ورد من طرق أئمة أهل البيت: أن الرواية عرضت عليهم فأنكروها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي بعضها أنهم أولوها ولا شك بالنظر إلى الاصول الثابتة المسلمة في لزوم تأويل الرواية لو لم تطرح. والروايات مع ذلك ليست في مقام بيان حالهم في جنة الآخرة بل المراد بها جنة البرزخ والدليل عليه ما في رواية ابن جرير عن مجاهد قال يرزقون من ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها وما في رواية ابن جرير عن السدى إن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر في قناديل من ذهب معلقة بالعرش فهى ترعى بكرة وعشية في الجنة وتبيت في القناديل. وقد عرفت فيما تقدم من البحث في البرزخ أن مضمون هاتين الروايتين إنما يستقيم في جنة الدنيا وهى البرزخ لا في جنة الآخرة. وفي الدر المنثو في قوله تعالى الذين استجابوا لله الآية - أخرج ابن إسحاق وابن جرير والبيهقي في الدلائل - عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم - قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحمراء الاسد - وقد أجمع أبو سفيان بالرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه - وقالوا رجعنا قبل أن نستأصلهم لنكرن على بقيتهم - فبلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في أصحابه يطلبهم - فثنى ذلك أبا سفيان وأصحابه - ومر ركب من عبد القيس فقال لهم أبو سفيان - بلغوا محمدا أنا قد أجمعنا الرجعة إلى أصحابه لنستأصلهم -

[ 73 ]

فلما مر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الاسد - أخبروه بالذى قال أبو سفيان - فقال رسول الله والمؤمنون معه حسبنا الله ونعم الوكيل - فأنزل الله في ذلك الذين استجابوا لله والرسول الآيات اقول ورواه القمى في تفسيره مفصلا: وفيه أنه صلى الله عليه وآله وسلم أخرج معه إلى حمراء الاسد من أصحابه من كان به جراحة - وفي بعض الروايات أنه إنما أخرج معه من كان في أحد - والمال واحد وفيه أخرج موسى بن عقبة في مغازيه والبيهقي في الدلائل عن ابن شهاب قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر المسلمين لموعد أبى سفيان بدرا - فاحتمل الشيطان أولياءه من الناس فمشوا في الناس يخوفونهم - وقالوا قد اخبرنا أن قد جمعوا لكم من الناس مثل الليل يرجون أن يواقعوكم فينتهبوكم فالحذر الحذر - فعصم الله المسلمين من تخويف الشيطان فاستجابوا لله ورسوله - وخرجوا ببضائع لهم - وقالوا إن لقينا أبا سفيان فهو الذى خرجنا له - وإن لم نلقه ابتعنا بضائعنا - وكان بدر متجرا يوافي كل عام فانطلقوا - حتى أتوا موسم بدر فقضوا منه حاجتهم - وأخلف أبو سفيان الموعد فلم يخرج هو ولا أصحابه - ومر عليهم ابن حمام فقال من هؤلاء - قالوا رسول الله وأصحابه ينتظرون أبا سفيان ومن معه من قريش فقدم على قريش فأخبرهم فارعب أبو سفيان - ورجع إلى مكة وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بنعمة من الله وفضل فكانت تلك الغزوة تعد غزوة جيش السويق - وكانت في شعبان سنة ثلاث أقول ورواه من غير هذا الطريق ورواه في المجمع مفصلا عن الباقر عليه السلام وفيها أن الآيات نزلت في غزوة بدر الصغرى والمراد بجيش السويق جيش أبى سفيان فإنه خرج من مكة في جيش من قريش وقد حملوا معهم أحمالا من سويق فنزلوا خارج مكة فاقتاتوا بالسويق ثم رجعوا إلى مكة لما أخذهم الرعب من لقاء المسلمين ببدر فسماهم الناس جيش السويق تهكما واستهزاءا. وفيه أيضا أخرج النسائي وابن أبى حاتم والطبراني بسند صحيح عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما رجع المشركون عن أحد قالوا - لا محمدا قتلتم ولا الكواعب أردفتم بئس ما صنعتم ارجعوا - فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فندب المسلمين فانتدبوا - حتى بلغ حمراء الاسد أو بئر أبى عتبة شك سفيان فقال المشركون نرجع قابل

[ 74 ]

فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت تعد غزوة - فأنزل الله الذين استجابوا لله والرسول الآية وقد كان أبو سفيان قال للنبى صلى الله عليه وسلم موعدكم موسم بدر حيث قتلتم أصحابنا - فأما الجبان فرجع وأما الشجاع فأخذ اهبة القتال والتجارة - فأتوه فلم يجدوا به أحدا وتسوقوا فأنزل الله - فانقلبوا بنعمة من الله وفضل الآية. أقول وإنما أوردنا هذه الرواية مع مخالفته للاختصار والتلخيص المؤثر في المباحث الروائية بإيراد انموذج جامع من كل باب ليتبصر الباحث المتأمل أن ما ذكروه من أسباب النزول كلها أو جلها نظرية بمعنى أنهم يروون غالبا الحوادث التاريخية ثم يشفعونها بما يقبل الانطباق عليها من الآيات الكريمة فيعدونها أسباب النزول وربما أدى ذلك إلى تجزئة آية واحدة أو آيات ذات سياق واحد ثم نسبة كل جزء إلى تنزيل واحد مستقل وإن أوجب ذلك اختلال نظم الآيات وبطلان سياقها وهذا أحد أسباب الوهن في نوع الروايات الواردة في أسباب النزول. وأضف إلى ذلك ما ذكرناه في أول هذا البحث ان لاختلاف المذاهب تأثيرا في لحن هذه الروايات وسوقها ألى ما يوجه به المذاهب الخاصة. على أن للاجواء السياسية والبيئات الحاكمة في كل زمان أثرا قويا في الحقائق من حيث إخفائها أو إبهامها فيجب على الباحث المتأمل أن لا يهمل أمر هذه الاسباب الدخيلة في فهم الحقائق والله الهادي.

( بحث تاريخي )

 شهداء المسلمين يوم أحد سبعون رجلا وهاك فهرس أسمائهم 1 - حمزة بن عبد المطلب بن هاشم 2 - عبد الله بن جحش 3 - مصعب بن عمير 4 - شماس بن عثمان وهؤلاء الاربعة هم الشهداء من المهاجرين 5 - عمرو بن معاذ بن النعمان 6 - الحارث بن أنس بن رافع

[ 75 ]

7 - عمارة بن زياد بن السكن 8 - سلمة بن ثابت بن وقش 9 - عمرو بن ثابت بن وقش 10 - ثابت بن وقش 11 - رفاعة بن وقش 12 - حسيل بن جابر أبو حذيفة اليمان 13 - صيفي بن قيظى 14 - حباب بن قيظى 15 - عباد بن سهل 16 - الحارث بن أوس بن معاذ 17 - إياس بن أوس 18 - عبيد بن التيهان 19 - حبيب بن يزيد بن تيم 20 يزيد بن حاطب بن امية بن رافع 21 أبو سفيان بن الحارث بن قيس بن زيد 22 حنظلة بن أبى عامر وهو غسيل الملائكة 23 انيس بن قتادة 24 أبو حبة بن عمر بن ثابت 25 عبد الله بن جبير بن النعمان وهو أمير الرماة 26 أبو سعد خيثمة بن خيثمة 27 عبد الله بن سلمة 28 سبيع بن حاطب بن الحارث 29 عمرو بن قيس 30 قيس بن عمرو بن قيس 31 ثابت بن عمرو بن يزيد 32 عامر بن مخلد 33 أبو هبيرة بن الحارث بن علقمة بن عمرو

[ 76 ]

34 - عمرو بن مطرف بن علقمة بن عمرو 35 أوس بن ثابت بن المنذر أخو حسان بن ثابت 36 أنس بن النضر عم أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم 37 قيس بن مخلد 38 كيسان عبد لبنى النجار 39 سليم بن الحارث 40 نعمان بن عبد عمرو 41 خارجة بن زيد بن أبى زهير 42 سعد بن الربيع بن عمرو بن أبى زهير 43 أوس بن الارقم 44 مالك بن سنان من بنى خدرة وهو والد أبى سعيد الخدرى 45 سعيد بن سويد 46 عتبة بن ربيع 47 ثعلبة بن سعد بن مالك 48 سقف بن فروة بن البدي 49 عبد الله بن عمرو بن وهب 50 ضمرة حليف لبني طريف 51 نوفل بن عبد الله 52 عباس بن عبادة 53 نعمان بن مالك بن ثعلبة 54 المجدر بن زياد 55 عبادة بن الحسحاس وقد دفن نعمان والمجدر وعبادة في قبر واحد 56 رفاعة بن عمرو 57 عبد الله بن عمرو من بنى حرام 58 عمرو بن الجموح من بنى حرام دفنا في قبر واحد 59 خلاد بن عمرو بن الجموح 60 أبو أيمن مولى عمرو بن الجموح

[ 77 ]

61 سليم بن عمرو بن حديدة 62 عنترة مولى سليم 63 سهل بن قيس بن أبى كعب 64 ذكوان بن عبد قيس 65 عبيد بن المعلى 66 مالك بن تميلة 67 حارث بن عدي بن خرشة 68 مالك بن اياس 69 إياس بن عدي 70 عمرو بن اياس فهؤلاء سبعون رجلا على ما ذكره ابن هشام في سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم = ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم (176) - إن الذين اشتروا الكفر بالايمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم (177) - ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لانفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين (178) - ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبى من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم (179) - ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله

[ 78 ]

هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيمة ولله ميراث السموات والارض والله بما تعملون خبير (180))

( بيان )

 الآيات مرتبطة بما تقدم من الآيات النازلة في غزوة أحد فكأنها وخاصة الآيات الاربع الاول منها تتمة لها لان أهم ما تتعرض لها تلك الآيات قضية الابتلاء والامتحان الالهي لعباده وعلى ذلك فهذه الآيات بمنزلة الفذلكة لآيات أحد يبين الله سبحانه فيها أن سنة الابتلاء والامتحان سنة جارية لا مناص عنها في كافر ولا مؤمن فالله سبحانه مبتليهما ليخرج ما في باطن كل منهما إلى ساحة الظهور فيتمحض الكافر للنار ويتميز الخبيث من الطيب في المؤمن. قوله تعالى ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إلى آخر الآية تسلية ورفع للحزن ببيان حقيقة الامر فإن مسارعتهم في الكفر وتظاهرهم على إطفاء نور الله وغلبتهم الظاهرة أحيانا ربما أوجبت أن يحزن المؤمن كأنهم غلبوا الله سبحانه في إرادة إعلاء كلمة الحق لكنه إذا تدبر في قضية الامتحان العام استيقن أن الله هو الغالب وأنهم جميعا واقعون في سبيل الغايات يوجهون إليها ليتم لهم الهداية التكوينية والتشريعية إلى غايات أمرهم فالكافر يوجه به بواسطة إشباعه بالعافية والنعمة والقدرة وهو الاستدراج والمكر الالهى إلى آخر ما يمكنه أن يركبه من الطغيان والمعصية والمؤمن لا يزال يحك به محك الامتحان ليخلص ما في باطنه من الايمان المشوب بغيره فيخلص لله أو يخلص شركه فيهبط في مهبط غيره من أولياء الطاغوت وأئمة الكفر. فمعنى الآية لا يحزنك الذين يسرعون ولا يزال يشتد سرعتهم في الكفر فإنك إن تحزن فإنما تحزن لما تظن أنهم يضرون الله بذلك وليس كذلك فهم لا يضرون الله شيئا لانهم مسخرون لله يسلك بهم في سير حياتهم إلى حيث لا يبقى لهم حظ في الآخرة وهو آخر حدهم في الكفر) ولهم عذاب أليم فقوله لا يحزنك أمر إرشادى وقوله إنهم الخ تعليل للنهى وقوله يريد الله الخ تعليل وبيان لعدم ضررهم

[ 79 ]

ثم ذكر تعالى نفى ضرر جميع الكافرين بالنسبة إليه أعم من المسارعين في الكفر وغيرهم وهو كالبيان الكلى بعد البيان الجزئي يصح أن يعلل به النهى لا يحزنك وأن يعلل به علته إنهم لن يضروا الخ لانه أعم يعلل به الاخص والمعنى وإنما قلنا إن هؤلاء المسارعين لا يضرون الله شيئا لان الكافرين جميعا لا يضرونه شيئا. قوله تعالى ولا يحسبن الذين كفروا لما طيب نفس نبيه في مسارعة الكفار في كفرهم أن ذلك في الحقيقة تسخير إلهى لهم لينساقوا إلى حيث لا يبقى لهم حظ في الآخرة عطف الكلام إلى الكفار أنفسهم فبين أنه لا ينبغى لهم أن يفرحوا بما يجدونه من الاملاء والاهإال الالهى فإن ذلك سوق لهم بالاستدراج إلى زيادة الاثم ووراء ذلك عذاب مهين ليس معه إلا الهوان كل ذلك بمقتضى سنة التكميل. قوله تعالى ما كان الله ليذر المؤمنين الخ ثم عطف الكلام إلى المؤمنين فبين أن سنة الابتلاء جارية فيهم ليتم تكميلهم أيضا فيخلص المؤمن الخالص من غيره ويتميز الخبيث من الطيب. ولما أمكن أن يتوهم أن هناك طريقا آخر إلى تمييز الخبيث من الطيب وهو أن يطلعهم على الخبثاء حتى يتميزوا منهم فلا يقاسوا جميع هذه المحن والبلايا التى يقاسونها بسبب اختلاط المنافقين والذين في قلوبهم مرض بهم فدفع هذا الوهم بأن علم الغيب مما استأثر الله به نفسه فلا يطلع عليه أحدا إلا من اجتبى من رسله فإنه ربما أطلعه عليه بالوحى وذلك قوله تعالى وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبى من رسله من يشاء. ثم ذكر أنه لما لم يكن من الابتلاء والتكميل محيد فآمنوا بالله ورسله حتى تنسلكوا في سلك الطيبين دون الخبثاء غير أن الايمان وحده لا يكفى في بقاء طيب الحياة حتى يتم الاجر إلا بعمل صالح يرفع الايمان إلى الله ويحفظ طيبه ولذلك قال أولا فآمنوا بالله ورسله ثم تممه ثانيا بقوله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم وقد ظهر من الآية أولا أن قضية تكميل النفوس وإيصالها إلى غايتها ومقصدها من السعادة والشقاء مما لا محيص عنه. وثانيا أن الطيب والخباثة في عين أنهما منسوبان إلى ذوات الاشخاص يدوران

[ 80 ]

مدار الايمان والكفر اللذين هما أمران اختياريان لهم وهذا من لطائف الحقائق القرآنية التى تنشعب منها كثير من أسرار التوحيد ويدل عليها قوله تعالى ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات: البقرة - 148 إذا انضم إلى قوله ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات: المائدة - 48 وسيجئ إشباع الكلام فيها في قوله تعالى ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض الآية: الانفال - 37 وثالثا أن الايمان بالله ورسله مادة لطيب الحياة وهو طيب الذات وأما الاجر فيتوقف على التقوى والعمل الصالح ولذلك ذكر تعالى أولا حديث الميز بين الطيب والخبيث ثم فرع عليه قوله فآمنوا بالله ورسله ثم لما أراد ذكر الاجر أضاف التقوى إلى الايمان فقال وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم. وبذلك يتبين في قوله تعالى من عمل صالحا من ذكر أو انثى وهو مؤمن فلنحيينه حيوة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون: النحل - 97 أن الاحياء المذكور ثمرة الايمان متفرع عليه والجزاء بالاجر متفرع على العمل الصالح فالايمان روح الحياة الطيبة وأما بقاؤها حتى يترتب عليها آثارها فيحتاج إلى العمل الصالح كالحياة الطبيعية التى تحتاج في تكونها وتحققها إلى روح حيوانى وبقاؤها يحتاج إلى استعمال القوى والاعضاء ولو سكنت الجميع بطلت وأبطلت الحياة. وقد كرر لفظ الجلالة مرات في الآية والثلاثة الاواخر من وضع الظاهر موضع المضمر وليس إلا للدلالة على مصدر الجلال والجمال في امور لا يتصف بها إلا هو بالوهيته وهو الامتحان والاطلاع على الغيب واجتباء الرسل وأهلية الايمان به. قوله تعالى ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله الآية لما بين حال إملاء الكافرين وكان الحال في البخل بالمال وعدم إنفاقه في سبيل الله مثله فإن البخيل فرح فخور بما يجمعه من المال عطف تعالى الكلام إليهم وبين أنه شر لهم وفي التعبير عن المال بقوله بما آتاهم الله من فضله إشعار بوجه لومهم وذمهم وقوله سيطوقون إلخ في مقام التعليل لكون البخل شرا لهم وقوله ولله ميراث السموات الظاهر أنه حال من يوم القيامة وكذا قوله والله بما تعملون خبير.

[ 81 ]

ويحتمل على بعد أن يكون قوله ولله ميراث حالا من فاعل قوله يبخلون وقوله والله بما تعملون خبير حالا منه أيضا أو جملة مستأنفة.

( بحث روائي )

 في تفسير العياشي عن الباقر عليه السلام: أنه سئل عن الكافر الموت خير له أم الحياة - فقال الموت خير للمؤمن والكافر - لان الله يقول وما عند الله خير للابرار - ويقول لا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خير الآية. أقول الاستدلال المذكور في الرواية لا يوافق مذاق أئمة أهل البيت كل الموافقة فإن الابرار طائفة خاصة من المؤمنين لا جميعهم إلا أن يقال إن المراد بالابرار جميع المؤمنين بما في كل منهم من شئ من البر وروى هذا المعنى في الدر المنثور عن ابن مسعود = لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الانبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق (181) - ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (182) - الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جائكم رسل من قبلى بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين (183) - فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جائوا بالبينات والزبر والكتاب المنير

[ 82 ]

(184) - كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيمة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور (185) - لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الامور (186) - وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون (187) - لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم (188) - ولله ملك السموات والارض والله على كل شئ قدير (189))

( بيان )

 الآيات مرتبطة بما قبلها فقد كانت عامة الآيات السابقة في استنهاض الناس وترغيبهم على الجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم وتحذيرهم عن الوهن والفشل والبخل فيرتبط بها قول اليهود إن الله فقير ونحن أغنياء وتقليبهم الامر على المسلمين وتكذيبهم آيات الرسالة وكتمانهم ما أخذ منهم الميثاق لبيانه وهذه هي التى تتعرض الآيات لبيانها مع ما فيها من تقوية قلوب المؤمنين على الاستقامة والصبر والثبات والتحريص على الانفاق في سبيل الله. قوله تعالى لقد سمع الله قول الذين قالوا أن الله فقير ونحن أغنياء القائلون هم اليهود بقرينة ما في ذيل الكلام من حديث قتلهم الانبياء وغير ذلك.

[ 83 ]

وإنما قالوا ذلك لما سمعوا أمثال قوله تعالى من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا الآية: البقرة - 245 ويشهد بذلك بعض الشهادة اتصاله بالآية السابقة ولا يحسبن الذين يبخلون الآية. أو أنهم قالوا ذلك لما رأوا فقر عامة المؤمنين وفاقتهم فقالوا ذلك تعريضا بأن ربهم لو كان غنيا لغار لهم وأغناهم فليس إلا فقيرا ونحن أغنياء. قوله تعالى سنكتب ما قالوا وقتلهم الانبياء بغير حق الآية المراد بالكتابة الحفظ والتثبيت أو الكتابة في صحائف أعمالهم والمال واحد والمراد بقتل الانبياء بغير حق القتل على العرفان والعمد دون السهو والخطأ والجهالة وقد قارن الله قولهم هذا بقتلهم الانبياء لكونه قولا عظيما وقوله عذاب الحريق الحريق النار أو اللهب وقيل هو بمعنى المحرق. قوله تعالى ذلك بما قدمت أيديكم الآية أي بما قدمتم أمامكم من العمل ونسب إلى الايدى لانها آلة التقديم غالبا وقوله وأن الله ليس بظلام للعبيد عطف على قوله ما قدمت وتعليل للكتابة والعذاب فلو لم يكن ذلك الحفظ والجزاء لكان إهمالا لامر نظام الاعمال وفي ذلك ظلم كثير بكثرة الاعمال فيكون ظلاما لعباده تعالى عن ذلك. قوله تعالى الذين قالوا إن الله عهد إلينا الآية نعت للذين قبله والعهد هو الامر والقربان ما يتقرب به من النعم وغيره وأكل النار كناية عن إحراقها والمراد بقوله قد جاءكم رسل من قبلى أمثال زكريا ويحيى من أنبياء بنى إسرائيل المقتولين بأيديهم. قوله تعالى فإن كذبوك فقد كذبت الآية تسلية للنبى صلى الله عليه وآله وسلم في تكذيبهم له والزبر جمع زبور وهو كتاب الحكم والمواعظ وقد اريد بالزبر والكتاب المنير مثل كتاب نوح وصحف إبراهيم والتوراة والانجيل. قوله تعالى كل نفس ذائقة الموت الآية تتضمن الوعد للمصدق والوعيد للمكذب وقد بدأ فيها بالحكم العام المقضى في حق كل ذى نفس والتوفية هو الاعطاء الكامل وقد استدل بعضهم بالآية على ثبوت البرزخ لدلالتها على سبق بعض الاعطاء

[ 84 ]

وأن الذى في يوم القيامة هو الاعطاء الكامل وهو استدلال حسن والزحزحة هو الابعاد وأصله تكرار الجذب بعجلة والفوز الظفر بالبغية والغرور مصدر غر أو هو جمع غار. قوله تعالى لتبلون في أموالكم وأنفسكم الآية الابلاء الاختبار بعد ما ذكر سبحانه جريان البلاء والابلاء على المؤمنين ثم ذكر قول اليهود وهو مما من شأنه أن يوهن عزم المؤمنين أخبرهم بأن هذا الابلاء الالهي والاقاويل الموذية من أهل الكتاب والمشركين ستتكرر على المؤمنين ويكثر استقبالها إياهم وقرعها سمعهم فعليهم أن يصبروا ويتقوا حتى يعصمهم ربهم من الزلل والفشل ويكونوا أرباب عزم وأرادة وهذا إخبار قبل الوقوع ليستعدوا لذلك استعدادهم ويوطنوا عليه أنفسهم. وقد وضع في قوله ولتسمعن إلى قوله أذى كثيرا الاذى الكثير موضع القول وهو من قبيل وضع الاثر موضع المؤثر مجازا. قوله تعالى وإذ أخذ الله ميثاق النبذ الطرح ونبذه وراء ظهره كالمثل يراد به الترك وعدم الاعتناء كما أن قولهم جعله نصب عينيه كالمثل يراد به الاخذ واللزوم. قوله تعالى لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا إلى آخر الآيتين أي بما أنعم عليهم من المال ولازمه حب المال والبخل به والمفازة النجاة وإنما هلك هؤلاء لان قلوبهم تعلقت بالباطل فلا ولاية للحق عليهم. ثم ذكر تعالى حديث ملكه للسموات والارض وقدرته على كل شئ وهذان الوصفان يصلحان لتعليل مضامين جميع ما تقدم من الآيات

( بحث روائي )

 في الدر المنثور أخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله لقد سمع الله الآية - قال ذكر لنا أنها نزلت في حيي بن أخطب لما نزل - من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا - فيضاعفه له أضعافا كثيرة قال - يستقرضنا ربنا أنما يستقرض الفقير الغني

[ 85 ]

وفي تفسير العياشي في الآية عن الصادق عليه السلام قال - والله ما رأوا الله حتى يعلموا أنه فقير - ولكنهم رأوا أولياء الله فقراء فقالوا - لو كان غنيا لاغنى أولياءه ففخروا على الله بالغنى وفي المناقب عن الباقر عليه السلام: هم الذين يزعمون أن الامام يحتاج إلى ما يحملونه إليه. اقول أما الروايتان الاوليان فقد تقدم انطباق مضمونهما على الآية وأما الثالثة فهى من الجرى. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام قال: كان بين القائلين والقاتلين خمسمائة عام - فألزمهم الله القتل برضاهم بما فعلوا أقول ما ذكر من السنين لا يوافق التاريخ الميلادى الموجود فارجع إلى ما تقدم من البحث التاريخي. وفي الدر المنثور في قوله تعالى كل نفس ذائقة الموت الآية - أخرج ابن أبى حاتم عن على بن أبى طالب - قال لما توفى النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية - جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه - فقال السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته - كل نفس ذائقة الموت - وإنما توفون اجوركم يوم القيامة - إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك - ودركا من كل ما فات فبالله فثقوا - وإياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب فقال على هذا الخضر وفيه أخرج ابن مردويه عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها - ثم تلا هذه الآية فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز أقول ورواه فيه ببعض طرق أخر عن غيره واعلم أن هنا روايات كثيرة في أسباب نزول هذه الآيات تركنا إيرادها لظهور كونها من التطبيق النظري = إن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات

[ 86 ]

لاولى الالباب (190) - الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والارض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار (191) - ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار (192) - ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى للايمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الابرار (193) - ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيمة إنك لا تخلف الميعاد (194) - فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلى وقاتلوا وقتلوا لاكفرن عنهم سيئاتهم ولادخلنهم جنات تجرى من تحتها الانهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب (195) - لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد (196) - متاع قليل ثم مأويهم جهنم وبئس المهاد (197) - لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للابرار (198) - وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب (199)

[ 87 ]

( بيان )

 الآيات بمنزلة تلخيص ما تقدم من بيان حال المؤمنين والمشركين وأهل الكتاب في هذه السورة بيان أن حال أبرار المؤمنين هو ذكر الله سبحانه والتفكر في آياته والاستجارة بالله من عذاب النار وسؤال المغفرة والجنة وأن الله استجاب لهم وسيرزقهم ما سألوه هذه عامة حالهم وأن الذين كفروا حالهم أنهم يتقلبون في متاع قليل ثم لهم مهاد النار فلا يقاس حال المؤمنين بحالهم وقد استثنى منهم المتبعين للحق من أهل الكتاب فهم مع المؤمنين. قوله تعالى إن في خلق السموات والارض كأن المراد بالخلق كيفية وجودها وآثارها وأفعالها من حركة وسكون وتغير وتحول فيكون خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار مشتملا على معظم الآيات المحسوسة وقد تقدم بيانها في سورة البقرة (1) وتقدم أيضا معنى اولى الالباب (2). قوله تعالى الذين يذكرون الله قياما وقعودا الخ أي يذكرون الله في جميع حالاتهم من القيام والقعود والاضطجاع وقد مر البحث في معنى الذكر والتفكر ومحصل معنى الآيتين أن النظر في آيات السموات والارض واختلاف الليل والنهار أورثهم ذكرا دائما لله فلا ينسونه في حال وتفكرا في خلق السموات والارض يتذكرون به أن الله سيبعثهم للجزاء فيسألون عندئذ رحمته ويستنجزون وعده. قوله تعالى ربنا ما خلقت هذا باطلا إنما قيل هذا مع كون المشار إليه جمعا ومؤنثا إذ الغرض لا يتعلق بتمييز أشخاصها وأسمائها والجميع في أنها خلق واحد وهذا نظير ما حكى الله تعالى من قول إبراهيم فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى هذا أكبر: الانعام - 78 لعدم علمه بعد بحقيقتها واسمها سوى أنها شئ. والباطل ما ليس له غاية يتعلق به الغرض قال تعالى فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الارض الرعد - 17 ولذلك لما نفوا البطلان عن

_________________________________

(1) في تفسير آية: 16 من سورة البقرة. (2) في تفسير الآية السابعة من هذه السورة.

[ 88 ]

الخلق لاح لهم أن الله سيحشر الناس للجزاء وأنه تعالى سيجزى هناك الظالمين جزاء خزى وهو النار ولا راد يرد مصلحة العقاب وإلا لبطل الخلقة وهذا معنى قولهم فقنا عذاب النار ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار. قوله تعالى ربنا إننا سمعنا مناديا المراد بالمنادى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقوله أن آمنوا بيان للنداء وأن تفسيرية ولما ذكروا إيمانهم بالمنادى وهو الرسول وهو يخبرهم بامور عن الله تعالى يحذرهم من بعضها كالذنوب والسيئات والموت على الكفر والذنب ويرغبهم في بعضها كالمغفرة والرحمة وتفاصيل الجنة التى وعد الله عباده المؤمنين الابرار بها سألوا ربهم أن يغفر لهم ويكفر عن سيئاتهم ويتوفاهم مع الابرار وسألوه أن ينجزهم ما وعدهم من الجنة والرحمة على ما ضمنه لهم الرسل بإذن الله فقالوا فاغفر لنا ذنوبنا الخ فقوله تعالى على رسلك أي حملته على رسلك وضمنه عليك الرسل وقوله ولا تخزنا أي بإخلاف الوعد ولذا عقبه بقوله إنك لا تخلف الميعاد. وقد تبين من الآيات أنهم إنما حصلوا الاعتقاد بالله واليوم الآخر وبأن لله رسلا بالنظر في الآيات وأما تفاصيل ما جاء به النبي فمن طريق الايمان بالرسول فهم على الفطرة فيما يحكم به الفطرة وعلى السمع والطاعة فيما فيه ذلك. قوله تعالى " فاستجاب لهم ربهم " الخ التعبير بالرب وإضافته إليهم يدل على ثوران الرحمة الالهية ويدل عليه أيضا التعميم الذي في قوله أني لا اضيع عمل عامل منكم فلا فرق عنده تعالى بين عمل وعمل ولا بين عامل وعامل. وعلى هذا فقوله تعالى في مقام التفريع: فالذين هاجروا واخرجوا من ديارهم واوذوا الخ في مقام تفصيل صالحات الاعمال لتثبيت ثوابها والواو للتفصيل دون الجمع حتى يكون لبيان ثواب المستشهدين من المهاجرين فقط. والآية مع ذلك لا تفصل إلا الاعمال التي تندب إليها هذه السورة وتبالغ في التحريص والترغيب فيها وهو إيثار الدين على الوطن وتحمل الاذى في سبيل الله والجهاد. والظاهر أن المراد بالمهاجرة ما يشمل المهاجرة عن الشرك والعشيرة والوطن لاطلاق اللفظ ولمقابلته قوله واخرجوا من ديارهم وهو هجره خاصه ولقوله

[ 89 ]

بعده لاكفرن عنهم سيئاتهم فإن ظاهر السيئات في القرآن صغائر المعاصي فهم هاجروا الكبائر بالاجتناب والتوبة فالمهاجرة المذكورة أعم فافهم ذلك. قوله تعالى " لا يغرنك تقلب " الخ هذا بمنزلة دفع الدخل والتقدير هذا حال أبرار المؤمنين وهذا أجرهم وأما ما ترى فيه الكفار من رفاه الحال وترف الحياة ودر المعاش فلا يغرنك ذلك (الخطاب للنبي والمقصود به الناس) لانه متاع قليل لا دوام له. قوله تعالى لكن الذين اتقوا ربهم الخ النزل ما يعد للنازل من طعام وشراب وغيرهما والمراد بهم الابرار بدليل ما في آخر الآية وهذا يؤيد ما ذكرناه من أن الآية السابقة دفع دخل. قوله تعالى وإن من أهل الكتاب الخ المراد أنهم مشاركون للمؤمنين في حسن الثواب والغرض منه أن السعادة الاخروية ليست جنسية حتى يمنع منها أهل الكتاب وإن آمنوا بل الامر دائر مدار الايمان بالله وبرسله فلو آمنوا كانوا هم والمؤمنون سواء. وقد نفى عن هؤلاء الممدوحين من أهل الكتاب ما ذمهم الله به في سوابق الآيات وهو التفريق بين رسل الله وكتمان ما اخذ ميثاقهم لبيانه اشتراءا بآيات الله ثمنا قليلا. (بحث فلسفي ومقايسة) المشاهدة والتجربة تقضيان أن الرجل والمرأة فردان من نوع جوهري واحد وهو الانسان فإن جميع الآثار المشهودة في صنف الرجل مشهودة في صنف المرأة من غير فرق وبروز آثار النوع يوجب تحقق موضوعه بلا شك نعم يختلف الصنف بشدة وضعف في بعض الآثار المشتركة وهو لا يوجب بطلان وجود النوعية في الفرد وبذلك يظهر أن الاستكمالات النوعية الميسورة لاحد الصنفين ميسورة في الآخر ومنها الاستكمالات المعنوية الحاصلة بالايمان والطاعات والقربات وبذلك يظهر عليك أن أحسن كلمة وأجمعها في إفادة هذا المعنى قوله سبحانه " إني لا اضيع عمل عامل منكم من ذكر أو انثى بعضكم من بعض ". وإذا قايست ذلك إلى ما ورد في التوراة بان لك الفرق بين موقعي الكتابين

[ 90 ]

ففي سفر الجامعة من التوراة " درت أنا وقلبي لاعلم ولابحث ولاطلب حكمة وعقلا، ولاعرف الشر أنه جهالة والحماقة أنها جنون فوجدت أمر من الموت المرأة التي هي شباك، وقلبها أشراك ويداها قيود - إلى أن قال رجلا واحدا بين ألف وجدت أما امرأة فبين كل اولئك لم أجد " وقد كانت أكثر الامم القديمة لا ترى قبول عملها عند الله سبحانه وكانت تسمى في اليونان رجسا من عمل الشيطان وكانت ترى الروم وبعض اليونان أن ليس لها نفس مع كون الرجل ذا نفس مجردة إنسانية وقرر مجمع فرنسا سنه 586 م بعد البحث الكثير في أمرها أنها إنسان لكنها مخلوقة لخدمة الرجل وكانت في انجلترا قبل مائة سنه تقريبا لا تعد جزء المجتمع الانساني فارجع في ذلك إلى كتب الآراء والعقائد وآداب الملل تجد فيها عجائب من آرائهم

(بحث روائي)

 في الدر المنثور أخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله. اقول وروى هذا المعنى أيضا بطرق اخرى عن عدة من الصحابة كعبد الله ابن سلام وابن عمر عنه صلى الله عليه وآله وسلم والرواية مروية من طرق الشيعة أيضا والمراد بالتفكر في الله أو في ذات الله على اختلاف الروايات التفكر في كنهه وقد قال تعالى " ولا يحيطون به علما " طه - 110 وأما صفاته تعالى فالقرآن أعدل شاهد على أنه تعالى يعرف بها وقد ندب إلى معرفته بها في آيات كثيرة. وفيه أخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فكرة ساعة خير من عبادة ستين سنة. أقول وفي بعض الروايات: من عبادة ليلة وفي بعضها من عبادة سنة وهو مروي من طرق الشيعة أيضا. وقد ورد من طرق أهل السنة: أن قوله تعالى فاستجاب لهم ربهم الآية نزلت في ام سلمة لما قالت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرد بشئ فأنزل الله فاستجاب لهم الآية.

[ 91 ]

وورد من طرق الشيعة: أن قوله فالذين هاجروا وأخرجوا الآية، نزلت في علي عليه السلام لما هاجر ومعه الفواطم - فاطمة بنت أسد وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفاطمة بنت الزبير - ثم لحق بهم في ضجنان ام أيمن ونفر من ضعفاء المؤمنين - فساروا وهم يذكرون الله في جميع أحوالهم حتى لحقوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد نزلت الآيات. وورد من طرق أهل السنة أنها نزلت في المهاجرين وورد أيضا أن قوله لا يغرنك تقلب الآيات نزل حين تمنى بعض المؤمنين ما عليه الكفار من حسن الحال وورد أيضا أن قوله وإن من أهل الكتاب الآية نزل في النجاشي ونفر من أصحابه لما مات هو فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في المدينة فطعن فيه بعض المنافقين أنه يصلى على من ليس في دينه فأنزل الله وإن من أهل الكتاب الآية. فهذه جميعا روايات تطبق الآيات على القصص وليست بأسباب للنزول حقيقة (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون - 200)

(بيان)

 الآية بمنزلة الفذلكة لتفصيل البيان الوارد في السورة وفيه تخلص منه بأخذ النتيجة وإعطائها. قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا الخ الاوامر مطلقة فالصبر يراد به الصبر على الشدائد والصبر في طاعة الله والصبر عن معصيته وعلى أي حال هو الصبر من الفرد بقرينة ما يقابله. والمصابرة هي التصبر وتحمل الاذى جماعة باعتماد صبر البعض على صبر آخرين فيتقوى الحال ويشتد الوصف ويتضاعف تأثيره وهذا أمر محسوس في تأثير الفرد إذا اعتبرت شخصيته في حال الانفراد وفي حال الاجتماع والتعاون بإيصال القوى بعضها ببعض وسنبحث فيه إن شاء الله بحثا مستوفى في محله.

[ 92 ]

قوله تعالى ورابطوا أعم معنى من المصابرة وهي إيجاد الجماعة الارتباط بين قواهم وأفعالهم في جميع شؤون حياتهم الدينية أعم من حال الشدة وحال الرخاء ولما كان المراد بذلك نيل حقيقة السعادة المقصودة للدنيا والآخرة وإلا فلا يتم بها إلا بعض سعادة الدنيا وليست بحقيقة السعادة عقب هذه الاوامر بقوله تعالى واتقوا الله لعلكم تفلحون يعنى الفلاح التام الحقيقي.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 9828040

  • التاريخ : 12/05/2021 - 09:18

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net