00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة الجمعة 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن ( الجزء العاشر)   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

[1]

التبيان في تفسير القرآن

تأليف

شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

385 - 460 ه‍.

تحقيق وتصحيح أحمد حبيب قصير العاملي

المجلد العاشر

[3]

62 - سورة الجمعة

بسم الله الرحمن الرحيم

(يسبح لله مافي السموات ومافي الارض الملك القدوس العزيز الحكيم(1) هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين(2) وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم(3) ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم(4) مثل الذين حملوا التورية ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لايهدي القوم الظالمين(5))

خمس آيات بلاخلاف.

لا خلاف بين القراء في هذه السورة إلا ماروي عن الاعمش انه قرأ (الجمعة) بسكون الميم. الباقون بضمها.

وقد بينا معنى قوله (يسبح لله مافي السموات وما في الارض) وبينا وجه التكرار فيه. وإنما جاء - ههنا - على لفظ المضارعة.

وقوله (الملك) يعني المالك للاشياء كلها ليس لاحد منعه منها (القدوس) المستحق

[4]

للتعظيم بتطهير صفاته من كل صفة نقص (العزيز) معناه القادر الذي لايقهر ولايغلب (الحكيم) في جميع افعاله.

وقوله (هوالذي بعث) يعني الله الذي وصفه بالصفات المذكورة هو الذي أرسل (في الاميين) قال قتادة ومجاهد: الاميون العرب.

وقال قوم: هم أهل مكة، لانها تسمى أم القرى، والامي منسوب إلى انه ولد من أمه لايحسن الكتابة. ووجه النعمة في جعل النبوة في أمي موافقة ماتقدمت البشارة به في كتب الانبياء السالفة، ولما فيه من انه أبعد من توهم الاستعانة على ما أتى به من الحكمة.

وقوله (رسولا) مفعول (بعث) و (منهم) يعني من سميتهم الاميين ومن جملتهم (يتلو عليهم) أي يقرأ عليهم (آياته) أي حججه وبيناته من القرآن وغيرها (ويزكيهم) أي ويطهرهم من دنس الشرك بما يهدبهم إلى الايمان فيجعلهم أزكياء. وإنما يجعلهم كذلك بأن يدعوهم إلى طاعة الله التي يقع فيها الاجابة لانه لو دعاهم ولم يجيبوا لما قيل: إنه زكاهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة)

قال قتادة: يعلمهم القرآن والسنة، والحكمة نعم الكتاب والسنة، وكل ما أراده الله، فان الحكمة هي العلم الذي يعمل عليه فيما يخشى اويحبب من أمر الدين والدنيا (وإن كانوا من قبل) يعني من قبل أن يبعث فيهم ويتلو عليهم القرآن (لفي ضلال مبين) أي في عدول عن الحق جائرين عن الصراط المستقيم مبين أي ظاهر.

وقوله (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم) قال ابن زيد ومجاهد: هم كل من بعد الصحابة إلى يوم القيامة، فان الله بعث النبي منهم وشريعته تلزمهم، وإن لم يلحقوا بزمان الصحابة.

(وآخرين) نصب على تقدير ويزكي آخرين منهم، لما يلحقوا بهم. ويجوز ان يكون جرا، وتقديره هو الذي بعث في الاميين وفي آخرين، (وهو العزيز) الذي لايغالب (الحكيم) في جميع أفعاله ومايأمر به.

[5]

وقوله (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) (ذلك) إشارة إلى بعث الرسول بين الله تعالى ان إرساله الرسول (فضل) من (الله) ونعمة (يؤتيه) أي يعطيه (من يشاء) بحسب مايعلمه من صلاحه مبعثة، وتحمل أعباء الرسالة (والله ذو الفضل العظيم) على عباده بما يفعل بهم من التفضل والاحسان ساعة بعد ساعة.

وقوله (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها) معنا (مثل الذين حملوا التوراة) يعني العمل بها وبما فيها، فحفظوها ودونوها في كتبهم ثم لم يعملوا بما فيها (كمثل الحمار يحمل اسفارا) قال ابن عباس: الاسفار الكتب واحدها سفر، لانها تكشف عن المعنى باظهار حاله، يقال: سفر الرجل عن عمامته إذا كشف، وسفرت المرأة عن وجهها وهي سافرة، وإنما مثلهم بالحمار لان الحمار الذي يحمل كتب الحكمة على ظهره لايدري بما فيها، ولايحس بها كمثل من يحفظ الكتاب ولايعمل به، وعلى هذا من تلا القرآن ولم يفهم معناه وأعرض عن ذلك اعراض من لايحتاج اليه كان هذا المثل لاحقا به. وإن من حفظه وهو طالب لمعناه وقد تقدم حفظه فليس من أهل هذا المثل.

وقوله (بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله) معناه بئس القوم قوم هذا مثلهم، وهم الذين كذبوا بحجج الله وبيناته.

ثم قال (والله لايهدي القوم الظالمين) يعني الذين يظلمون نفوسهم بارتكاب المعاصي لايحكم بهدايتهم، ولايرشدهم إلى طريق الجنة.

[6]

قوله تعالى: (قل ياأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين(6) ولايتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين(7) قل إن الموت الذي تفرّون منه فأنه ملاقيكم ثم تردّون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون(8) ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون(9) فاذا قضيت الصلوة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون(10) وإذا رأوا تجارة أو لهواً أنفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين(11))

ست آيات.

هذا أمر من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله أن يخاطب اليهود، فيقول لهم (إن زعمتم انكم أولياء لله) فالزعم قول عن ظن او علم، ولهذا صارت من أخوات (ظن) في الظن والعلم وعملت ذلك العمل من الاعراب قال الشاعر:

فان تزعميني كنت أجهل فيكم * فأني شريت الحلم بعدك بالجهل(1)

والاولياء جمع ولي، وهو الحقيق بالنصرة التي يوليها عند الحاجة، فالله ولي المؤمنين، لانه يوليهم النصرة عند حاجتهم. والمؤمن ولي الله لهذه العلة. ويجوز أن يكون لانه يولي المطيع له بنصرته عند جاجته، فقال الله لهؤلاء اليهود: إن كنتم تظنون على زعمكم أنكم انصار الله وأن الله ينصركم (فتمنوا الموت ان كنتم

___________________________________

(1) مر في 8 / 168

[7]

صادقين) في ادعائكم أنكم أولياؤه دون الناس، فالتمني هو قول القائل - لما كان - ليته لم يكن، ولمالم يكن: ليته كان. وهو من صفات الكلام. وقال بعضهم: هو معنى في النفس.

ثم اخبر تعالى عن حالهم وكذبهم واضطرابهم في دعواهم، وانهم غير واثقين بمايدعونه فقال (ولايتمنونه ابدا بما قدمت ايديهم) ومعناه لايتمنون الموت أبدا فيما بعد (بما قدمت أيديهم) مما لايرجعون فيه إلى ثقة من التكذيب بالنبي صلى الله عليه واله والتحريف لصفته في التوراة (والله عليم بالظالمين) أي عالم بأحوالهم وافعالهم، لايخفى عليه شئ منها.

وفي الاية دليل على النبوة لانه اخبر بأنهم لايتمنون الموت ابدا، وما تمنوه فكان ذلك اخبارا بالصدق قبل كون الشئ، وذلك لا يعلمه، إلا الله تعالى. وفيها بطلان ما ادعوه من انهم أولياء الله.

ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله (قل) لهم (إن الموت الذي تفرون منه) أي تهربون منه (فانه ملاقيكم) وإنما قال (فانه) بالفاء، وسواء فروا منه او لم يفروا منه فانه ملاقيهم، مبالغة في الدلالة على أنه لاينفع الفرار منه لانه إذا كان الفرار منه بمنزلة السبب في ملاقاته فلا معنى للتعرض له لانه لا يباعد منه قال زهير:

ومن هاب اسباب المنايا ينلنه * ولو رام أن يرقى السماء بسلم(1)

وهن ينلنه هابها اولم يهبها، ولكنه إذاكانت هيبته بمنزلة السبب للمنية كان لا معنى للهيبة، وقال قوم: تقديره قل إن الموت هوالذي تفرون منه فجعلوا (الذي) في موضع الخبر لاصلة: ويكون (فانه) مستأنف.

وقوله (ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة) معناه ثم ترجعون إلى الله تعالى

___________________________________

(1) مر في 5 / 526

[8]

يوم القيامة الذي يعلم سركم وعلانيتكم وظاهركم وباطنكم، لا يخفى عليه شئ من أحوالكم (فينبئكم) أي يخبركم (بما كنتم تعملون) في دار الدنيا ويجازيكم بحسبها على الطاعة بالثواب وعلى المعاصي بالعقاب، ثم خاطب المؤمنين فقال (ياايها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) معناه إذا سمعتم، أذان يوم الجمعة فامضوا إلى الصلاة.

قال قتادة: معناه امضوا إلى الصلاة مسرعين غير متثاقلين وبه قال ابن زيد والضحاك.

وقال الزجاج: المعنى فامضوا إلى السعي الذي هو الاسراع قال وقرأ ابن مسعود (فامضوا) إلى ذكر الله ثم قال: لو علمت الاسراع لا سرعت حتى يقع ردائي عن كتفي.

قال: وكذلك كان يقرأ (وأن ليس للانسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى)(1) يريد مضى فيه دون الاسراع. ومثله قوله (إن سعيكم لشتى)(2) وفرض الجمعة لازم على جميع المكلفين إلا صاحب العذر: من سفر او مرض او عمى او عرج او آفة وغير ذلك. وعند اجتماع شروط وهي: كون سلطان عادل او من نصبه السلطان للصلاة، وتكامل العدد - عندنا - سبعة، وعند قوم اربعين. وعند آخرين أربعة، وثلاثة. وقد بينا الخلاف في ذلك في (خلاف الفقهاء) وظاهر الاية متوجه إلى المؤمنين وإنما يدخل فيه الفاسق على التغليب، كما يغلب المذكر على المؤنث، هذا على قول من يقول إن الفاسق ليس بمؤمن.

فأما من قال: إنه مؤمن مع كونه فاسقا، فالاية متوجهة اليهم كلهم.

وقال مجاهد وسعيد ابن المسيب: المراد بالذكر موعظة الامام في خطبته.

وقال غيرهما: يعني الصلاة التي فيها ذكر الله.

وقوله (وذروا البيع) معناه إذا دخل وقت الصلاة اتركوا البيع والشراء.

___________________________________

(1) سورة 53 النجم آية 39.

(2) سورة 92 الليل آية 4

[9]

قال الصحاك: إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء.

وقال الحسن: كل بيع تفوت فيه الصلاة يوم الجمعة فانه بيع حرام، لا يجوز، وهو الذي يقتضيه ظاهر مذهبنا، لان النهي يدل على فساد المنهي عنه.

ثم قال (ذلكم) يعني ما ذكره من السعي إلى الصلاة (خير لكم) في دينكم وانفع لكم عاقبة (إن كنتم تعلمون) صحة ما قلناه أي اعلموه.

وقوله تعالى (فاذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض) أي إذا صليتم الجمعة فانتشروا في الارض طلبا لرزق الله. وصورته صورة الامر وهو إباحة وإذن ورخصة - في قول الحسن والضحاك وابن زيد وغيره - (وابتغوا من فضل الله) أي اطلبوا من فضل الله بعمل الطاعة والدعاء به (واذكروا الله كثيرا) يا محمد على إحسانه وبالشكر على نعمه والتعظيم لصفاته (لعلكم تفلحون) ومعناه لتفلحوا وتفوزوا بثواب النعيم.

ثم اخبر تعالى عن حال جماعة كانوا مع النبي صلى الله عليه واله وهو يخطب وهم معه يصلي بهم، فقال (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا اليها) قال جابر بن عبدالله والحسن: قدم عير لدحية الكلبي فيها طعام المدينة بعدما أصابتهم مجاعة، فاستقبلوه باللهو والمزامير والطبول - في قول جابر بن عبدالله ومجاهد - وكانوا مع النبي صلى الله عليه واله في الصلاة فلما سمعوا صوت الطبول والمزامير (انفضوا) أي تفرقوا إلى العير يبصرونه وتركوا النبي صلى الله عليه واله وحده قائما، فقال الله لنبيه صلى الله عليه واله (قل) لهم يا محمد (ما عند الله) من الثواب على سماع الخطبة وحضور الموعظة (خير من اللهو ومن التجارة) وانفع واحمد عاقبة (والله خير الرازقين) أى ليس يفوتهم بترك البيع شئ من رزق الله والتقدير وإذا رأوا تجارة او لهوا انفضوا اليها وتركوكأى اليه، وإنما قيل (اليها) لانها كانت أهم اليهم، ذكره الفراء.

[10]

وقيل: تقديره وإذا رأوا لهوا او تجارة انفضوا اليها، فرد الضمير إلى اقرب المذكورين، لانه كان أهم اليهم، وكذلك قرأ ابن مسعود في مصحفه.

63 - سورة المنافقون

مدنية بلا خلاف وهو قول ابن عباس وعطا والضحاك وهي احدى عشرة آية بلا خلاف.

بسم الله الرحمن الرحيم

(إذا جاء‌ك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون(1) إتخذوا أيمانهم جنّة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون(2) ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون(3) وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خُشُب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون(4) وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لوّوا رؤسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون(5))

خمس آيات.

[11]

قرأ (خشب) خفيفة ابن كثير وابوعمرو والكسائي. وقرأ الباقون (خشب) مثقل. وقرأ نافع وروح وزيد (لووا رؤسهم) خفيفة. الباقون (لووا) مشددة.

يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واله (إذا جاء‌ك) يامحمد (المنافقون) وهم الذين يطهرون الايمان ويبطنون الكفر (قالوا نشهد إنك لرسول الله) أى اخبروا بأنهم يعتقدون إنك رسول الله. فقال الله تعالى لنبيه (والله يعلم انك لرسوله) على الحقيقة (والله يشهد ان المنافقين لكاذبون) في قولهم إنهم يعتقدون إنك لرسول الله، وكان إكذابهم في اعتقادهم وأنهم يشهدون ذلك بقلوبهم ولم يكونوا فيما يرجع إلى ألسنتهم، لانهم شهدوا بها بألسنتم وهم صادقون في ذلك وفي ذلك دلالة على بطلان قول من يقول إن المعرفة ضرورية.

وكسرت (إن) لاجل اللام التي هي لام الابتداء التي في الخبر، لان لها صدر الكلام. وإنما زحلقت عن موضعها إلى موضع الخبر لئلا تجمع بين حرفي تأكيد، وكانت احق بالتأخير، لانها غير عامة. وإنما كان لها صدر الكلام، لانها نقلت الجملة إلى معنى التأكيد وكل حرف نقل الجملة عن معنى إلى معنى كان له صدر الكلام، لئلا تختلط الجمل.

ثم اخبر تعالى عن هؤلاء المنافقين فقال (اتخذوا أيمانهم جنة) أى سترة يتسترون بها من الكفر لئلا يقتلوا ولايسبوا ولا تؤخذ أموالهم. والجنة السترة المتخذة لدفع الاذية كالسلاح المتخذ لدفع الجراح، فالجنة السترة، والجنة البستان الذى يجنه الشجر. الجنه والجنون الذى يغطي على العقل. واصل ذلك كله الستر (فصدوا عن سبيل الله) أى منعوا غيرهم عن اتباع سبيل الحق.

[12]

وقال الضحاك: أيمانهم حلفهم إنهم لمنكم. وقرئ (إيمانهم) بكسر الهمزة بمعنى أنهم اتخذوا تصديقهم ظاهرا جنة، فقال تعالى) انهم ساء ماكانوا يعملون) ومعناه بئس الذي يعملونه من اظهار الايمان مع إبطان الكفر والصد عن السبيل.

وقال زيد بن أرقم: نزلت الاية في عبدالله بن ابي بن سلول، لماقال: لاتنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا وقال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاغر منها الاذل، فملا وقف على ذلك جحده وحلف انه ماقاله حتى نزلت السورة.

وقوله (ذلك بأنهم آمنوا) بألسنتهم عند الاقرار ب‍ (لاإله إلا الله محمد رسول الله) (ثم كفروا) بقلوبهم لما كذبوا بهذا وهو قول قتادة (فطبع على قلوبهم) أى ختم عليها بسمة تميز الملائكة بينهم وبين المؤمنين على الحقيقة (فهم لايفقهون) ذلك بجحدهم توحيد الله ونفاقهم وإنكارهم نبوة رسوله الذى دعاهم إلى الحق.

ثم قال: وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم) بحسن منظرهم وجميل زيهم (وان يقولوا) يعنى هؤلاء المنافقون (تسمع لقولهم) أى تصغى اليهم وتسمع مايقولون بحسن بيانهم وبلاغة لسانهم، فقال تعالى (كأنهم خشب مسندة) فشبههم الله بالخشب المسندة، قيل: إنهم شبهو بخشب نخرة متأكله لاخير فيها إلا أنها مسندة يحسب من يراها أنها صحيحة سليمة. وخشب جمع خشبة مثل بدن وبدنة فيمن سكن.

ومن ضم قال: مثل ثمرة وثمر ثم وصفهم بالخور والهلع فقال (يحسبون كل صحيحة عليهم) أي يظنون أنها مهلكتهم، وأنهم المقصودون بها جبنا وخورا.

ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله (هم العدو) لك وللمؤمنين (فاحذرهم) وتوقهم (قاتلهم الله) وقيل: معناه أخزاهم الله.

وقيل: معناه أحلهم الله محل من يقاتله عدو قاهر له، وهذا اشد مايكون من الذم والبلاء الذي ينزل بهم وأبلغ مايكون في البيان عن مكروههم (أنى يؤفكون) أي كيف يصرفون عن الحق.

[13]

وإنما قال (فاحذرهم) لانهم كانوا ينقلون الاسرار إلى الكفار ويحيون من قدروا عليه من أهل الكفر.

ثم اخبر تعالى فقال (وإذا قيل لهم) يعني لهؤلاء المنافقين (تعالوا) أي هلموا (يستغفر لكم رسول الله لووا رؤسهم) ومعناه أكثروا تحريكها بالهز لها استهزاء بدعائهم إلى ذلك. فمن شدد أراد تكثير الفعل. وممن خفف فلانه يدل على القليل والكثير.

ثم قال: ورأيتهم يامحمد (يصدون) عن سبيل الحق (وهم مستكبرون) أي يطلبون الكبر ويتجبرون عن إتباع الحق.

قوله تعالى: (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لايهدي القوم الفاسقين(6) هم الذين يقولون لاتنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السموات والارض ولكن المنافقين لايفقهون(7) يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لايعلمون(9) ياأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فاولئك هم الخاسرون(9) وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربّ لولا أخّرتني إلى أجل قريب فأصّدّق وأكن من الصالحين(10) ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون(11))

ست آيات.

[14]

قرأ ابوعمرو وحده (وأكون) بالواو، الباقون (واكن) وفى المصاحف بلاواو فقيل لابي عمرو: لم سقطت من المصاحف؟. فقال كما كتبوا: (كلهن) وقرأ يحيى عن أبي بكر (يعملون) بالياء. الباقون بالتاء. ومن قرأ بالياء فعلى الخبر، ومن قرأ بالتاء فعلى الخطاب.

لما اخبر الله تعالى عن حال المنافقين، وانه (إذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله) حركوا رؤسهم استهزاء بهذا القول، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واله (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم) أي يتساوى الاستغفار لهم وعدم الاستغفار (فلن يغفر الله لهم) لانهم يبطنون الكفر وإن اظهروا الايمان، وبين انه تعالى (لايهدي القوم الفاسقين) إلى طريق الجنة، فلهذا يجب ان ييأسوا من المغفرة بالاستغفار.

وقال الحسن: اخبر الله تعالى أنهم يموتون على النفاق، فلم يستغفر لهم بعد.

وقيل: المعنى لايحكم الله بهدايتهم، وقد كان النبي صلى الله عليه واله يستغفر لهم على ظاهر الحال بشرط حصول التوبة وأن يكون باطن المستغفر له مثل ظاهره، فبين بها أن ذلك لا ينفع مع ابطانهم الكفر والنفاق.

ثم حكى تعالى عنهم فقال (هم الذين يقولون) يعني بعضهم لبعض لا تنفقوا على من عند رسول الله صلى الله عليه واله من المؤمنين المحتاجين (حتى ينفضوا) عنه ومعناه حتى يتفرقوا عنه لفقرهم وحاجتهم. والانفضاض التفرق، وفض الكتاب إذا فرقه ونشره، وسميت الفضة فضة لتفرقها في اثمان الاشياء المشتراة.

[15]

فقال الله تعالى (ولله خزائن السموات والارض) بمعنى له مقدوراته في السموات والارض، لان فيها كل مايشاء إخراجه، وله خزائن السموات والارض يخرج منهما مايشاء. وهي داخلة في مقدوراته، والخزانة - بكسر الخاء - موضع يخبأ فيه الامتعة، وإذا كان لله خزائن السموات والارض، فلا يضرك يامحمد ترك انفاقهم بل لايضرون إلا أنفسهم دون اولياء الله والمؤمنين الذين يسبب الله قوتهم ولو شاء الله تعالى لاغنى المؤمنين، ولكن فعل ماهو اصلح لهم وتعبدهم بالصبر على ذلك لينالوا منزلة الثواب (ولكن المنافقين لايفقهون) ذلك على الحقيقة لجهلهم بعقاب الله تعالى.

ثم اخبر عنهم فقال (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز) يعنون نفوسهم (منها الاذل) يعنون رسول الله والمؤمنين. وقيل: إن القائل لذلك في غزوة المريسيع، كان عبدالله بن ابي بن سلول، فقال الله تعالى (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) دون المنافقين والكفار (ولكن المنافقين لايعلمون) ذلك فيظنون ان العزة لهم، وذلك بجهلهم بصفات الله وما يستحقه أولياؤه وما يعمل بهم. والاعز الاقدر على منع غيره وأصل الصفة المنع فلذلك لم يكن أحد اعز من الله ولا أذل من المنافق.

ثم خاطب المؤمنين فقال (ياايها الذين آمنوا لاتلهكم أموالكم) أي لاتشغلكم أموالكم (ولا أولادكم عن ذكر الله) قال قوم: الذكر المأمور به هو ذكر الله بالحمد والشكر والتعظيم بصفاته العليا واسمائه الحسنى، ويقال: ألهيته عن الامر اذا صرفته عنه بما يمنعه قال امرؤ القيس:

فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع * فألهيتها عن ذي تمائم محول(1)

___________________________________

(1) ديوانه (السندوبى) 147

[16]

وقال قوم: ذكر الله جميع فرائضه ثم قال (ومن يفعل ذلك) أى من شغله ماله او ولده عن ذكر الله (فاولئك هم الخاسرون) الذين خسروا ثواب الله وحصل لهم عقابه.

ثم أمرهم بأن ينفقوا مما رزقهم الله فيما تجب عليهم النفقة فيه من الزكاة والجهاد والحج والكفارات وغير ذلك من الواجبات. وفي ذلك دليل على ان الحرام ليس برزق من الله، لان الله لايأمر بالمعصية بالانفاق، ولانه ينهى عن التصرف فيه بلا خلاف (من قبل ان يأتي احدكم الموت فيقول لولا أخرتني إلى اجل قريب) اى هلا.

وقيل: معناه إنه يتمنى أن يرد إلى دار الدنيا، وانما جاز التمني ب‍ (لولا)، لان اصلها التقدير، والتمنى تقدير الخير للاستمتاع (فاصدق) ومعناه فأتصدق، وانفق في سبيل الله (وأكن من الصالحين) أي من الذين يعملون الافعال الحسنة. وفي ذلك دليل على ان القدرة قبل الفعل، لانهم تمنوا ان يؤخروا ليعملوا ماكانوا قادرين عليه متمكنين منه. ودليل على ان الله تعالى لايخلق الكفر والنفاق فيهم، لانه لوفعل ذلك كان لامعنى لتمني التأخير والرد بل الواجب أن يطلبوا منه تعالى ان يكف عنهم الكفر ويخلق فيهم الايمان وقدرته بدل الكفر وقدرته.

وقوله (فاصدق) انتصب بأنه جواب التمني بالفاء، وكل جواب بالفاء نصب، إلا جواب الجزاء، فانه رفع على الاستئناف، لان الفاء في الجزاء وصلة إلى الجواب بالجملة من الابتداء والخير. وانما نصب الجواب بالفاء للايذ ان بأن الثاني يجب بالاول بدلالة الفاء في الجواب، وليس يحتاج إلى ذلك في الجزاء من قبل ان حرف الجزاء يكفي في الدلالة.

ومن قرأ (واكن) فجزم عطف على موضع الفاء، لانها في موضع جزم.

ومن قرأ (واكون) عطف على لفظ (فأصدق).

ثم قال (ولن يؤخر الله نفسا اذا جاء أجلها) يعني الاجل المطلق الذى

[17]

حكم بأن الحي يموت عنده. والاجل المقيد هو الوقت المحكوم بأن العبد يموت عنده ان لم يقتطع عنه اولم يزد عليه او لم ينقص منه على مايعلمه الله من المصلحة.

ثم قال (والله خبير) اى عالم (بما يعملون) فمن قرأ بالياء أراد عالم بعملهم على لفظ الغيبة.

ومن قرأ بالتاء أراد بعملكم على الخطاب أى قل لهم.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 10334821

  • التاريخ : 24/09/2021 - 19:09

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net