00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة الفتح 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن ( الجزء التاسع )   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

48 - سورة الفتح

مدينة بلا خلاف وهي تسع وعشرون آية بلا خلاف.

بسم الله الرحمن الرحيم

(إنا فتحنا لك فتحا مبينا(1) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما(2) وينصرك الله نصرا عزيزا(3) هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السموات والارض وكان الله عليما حكيما(4) ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيآتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما(5))

خمس آيات.

يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واله (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) قال البلخي: الفتح يكون في القتال وبالصلح، وباقامة الحجج، ويكون المعنى (إنا فتحنا لك) بحجج الله وآياته (فتحا مبينا) لينصرك الله بذلك على من ناواك.

[313]

وقال قتادة: نزلت هذه الآية عند رجوع النبي صلى الله عليه واله من الحديبية، بشر في ذلك الوقت بفتح مكة، وتقديره (إنا فتحنا لك) مكة.

وقال البلخي عن الشعبي في وقت الحديبية بويع النبي صلى الله عليه واله بيعة الرضوان، وأطعموا نخيل خيبر، وظهرت الروم على فارس، وبلغ الهدي محله. والحديبية بئر، فروي انها غارت فمج النبي صلى الله عليه واله فيها فظهر ماؤها حتى امتلاء‌ت به.

وقال قتادة: معنى (فتحنا) قضينا لك بالنصر.

وقيل: معناه اعلمناك علما ظاهرا في ما أنزلناه عليك من القرآن واخبرناك به من الدين، وسمي العلم فتحا، كما قال (وعنده مفاتح الغيب)(1) أي علم الغيب. وقال (إن تستفتحوا فقد جاء‌كم الفتح)(2) وقال الزجاج: معناه ارشدناك إلى الاسلام، وفتحنا لك الدين بدلالة قوله (ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات)(3) وقال مجاهد (فتحنا لك فتحا مبينا) يعني نحره بالحديبية وحلقه. وقال قتادة: معناه قضينا لك قضاء بينا. وفي الحديبية مضمض رسول الله صلى الله عليه واله في البئر وقد غارت فجاشت بالرواء. والفتح هو القضاء من قولهم: اللهم أفتح لي.

وقوله تعالى (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين)(4) والفتح الفرج المزيل اللهم. ومنه فتح المسألة إذا انفرجت عن بيان ما يؤدي إلى المطلوب، ومنه فتح عليه القراء‌ة، لانه متعلق بالسهو، وينفتح بالذكر والفتح المبين هو الظاهر، وكذلك جرى فتح مكة.

وقوله (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) قيل جعل غفرانه جزاء عن ثوابه على جهاده في فتح مكة. وقيل في معناه اقوال:

___________________________________

(1) سورة 6 الانعام آية 59.

(2) سورة 8 الانفال آية 19.

(3) سورة 33 الاحزاب آية 73.

(4) سورة 7 الاعراف آية 88

[314]

احدها - ما تقدم من معاصيك قبل النبوة وما تأخر عنها.

الثاني - ما تقدم قبل الفتح وما تأخر عنه.

الثالث - ما قد وقع منك وما لم يقع على طريق الوعد بأنه يغفره له إذا كان.

الرابع - ما تقدم من ذنب أبيك آدم، وما تأخر عنه.

وهذه الوجوه كلها لا تجوز عندنا، لان الانبياء عليهم السلام لا يجوز عليهم فعل شئ من القبيح لا قبل النبوة ولا بعدها، لا صغيرها ولا كبيرها فلا يمكن حمل الآية على شئ مما قالوه، ولا صرفها إلى آدم لان الكلام فيه كالكلام في نبينا محمد صلى الله عليه واله ومن حمل الآية على الصغائر التي تقع محبطة فقوله فاسد، لانا قد بينا أن شيئا من القبائح لا يجوز عليهم بحال. على ان الصغائر تقع مكفرة محبطة لا يثبت عقابها، فكيف يمتن الله تعالى على النبي صلى الله عليه واله أنه يغفرها له وهو تعالى لو آخذه بها لكان ظالما وإنما يصح التمدح بما له المؤاخذة أو العفو عنه، فاذا غفر استحق بذلك الشكر.

وللاية وجهان من التأويل: احدهما - ليغفر لك ما تقدم من ذنب امتك. ما تأخر بشفاعتك ولمكانك. وأضاف الذنب إلى النبي وأراد به أمته، كما قال (واسأل القرية)(1) يريد اهل القرية فحذف المضاف وأقام المضاف اليه مقامه وذلك جائز لقيام الدلالة عليه، كما قال (وجاء ربك)(2) والمراد وجاء أمر ربك.

الثاني - أراد يغفر ما اذنبه قومك اليك من صدهم لك عن الدخول إلى مكة في سنة الحديبية، فازال الله ذلك وستر عليك تلك الوصمة بما فتح عليك من مكة ودخلتها في ما بعد، ولذلك جعله جزاء على جهاده في الدخول إلى مكة.

___________________________________

(1) سورة 12 يوسف آية 82.

(2) سورة 89 الفجر آية 22

[315]

والذنب مصدر تارة يضاف إلى الفاعل وتارة إلى المفعول، فيكون - ههنا - مضافا إلى المفعول، والذنب وإن كان غير متعد إلى مفعول جاز ان يحمل على المصدر الذي هو في معناه، والصد متعد كما قال الشاعر:

جئني بمثل بني بدر لقومهم *** او مثل اسرة منظور بن سيار(1)

لما كان معنى جئني هات أعطني عطف او (مثل) على المعنى فنصبه، ومثله كثير في اللغة.

وقوله (ويتم نعمته عليك) فاتمام النعمة فعل ما يقتضيها من تبقيتها على صاحبها والزيادة منها، فالله تعالى قد أنعم على النبي صلى الله عليه واله وتممها بنصره على اعدائه الرادين لها المكذبين بها حتى علا بالحجة والقهر لكل من ناواه. وقيل يتم نعمته عليك بفتح مكة وخيبر والطائف. وقيل بخضوع من تكبر وطاعة من تجبر.

وقوله (ويهديك صراطا مستقيما) أي يرشدك إلى الطريق الذي إذا سلكته اذاك إلى الجنة، لا يعدل بك إلى غيرها (وينصرك الله نصرا عزيزا) فالنصر العزيز هو الذي يمنع من كل جبار عنيد وعات أثيم. وقد فعل الله تعالى ذلك بنبيه محمد صلى الله عليه واله فصار دينه أعز الاديان وسلطانه أعظم السلطان.

وقوله (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين) وهو ما يفعل الله تعالى بهم من اللطف الذي يحصل لهم عنده بصيرة بالحق تسكن اليها نفوسهم ويجدون الثقة بها بكثرة ما ينصب الله لهم من الادلة الدالة على الحق فهذه النعمة التامة للمؤمنين خاصة. فأما غيرهم فتضطرب نفوسهم لاول عارض من شبهة ترد عليهم، لانهم لا يجدون برد اليقين في قلوبهم. وقيل: السكينة ما تسكن اليه قلوبهم من التعظيم لله ورسوله والوفاء له.

وقوله (ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم) أي ليزدادوا معارف أخر بما أوجب

___________________________________

(1) قدمر في 3 / 455 و 6 / 30

[316]

الله عليهم زيادة على المعرفة الحاصلة، فبين الله تعالى ما لنبيه عنده وللمؤمنين ليزدادوا ثقة بوعده.

وقوله (ولله جنود السموات والارض) قيل: معناه انصار دينه ينتقم بهم من اعدائه.

وقيل: معناه إن جميع الجنود عبيده (وكان الله عليما) بالاشياء قبل كونها وعالما بعد كونها (حكيما) في افعاله لانها كلها محكمة وصواب.

وقوله (ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الانهار) إنما لم يدخل واو العطف في (ليدخل) اعلاما بالتفصيل، كأنه قال إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله، إنا فتحنا لك فتحا ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات أي بساتين تجري من تحت اشجارها الانهار " خالدين فيها " أي مؤبدين لا يزول عنهم نعيمها (ويكفر عنهم سيئاتهم) أي عقاب معاصيهم التي فعلوها في دار الدنيا (وكان ذلك عندالله فوزا عظيما) أي الظفر، والصلاح بما طلبوه من الثواب العظيم.

قوله تعالى: (ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساء‌ت مصيرا(6) ولله جنود السموات والارض وكان الله عزيزا حكيما(7) إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا(8) لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا(9) إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فانما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما(10))

خمس آيات.

[317]

قرأ ابن كثير وابوعمرو (دائرة السوء) بضم السين. الباقون بفتحها، وقد فسرناه في ما تقدم. فالسوء المصدر والسوء الاسم.

وقال قوم - بالفتح - الفساد مثل قوله (وظننتم ظن السوء) لانهم ظنوا أن النبي صلى الله عليه واله لا يعود إلى موضع ولادته أبدا. وقرأ ابن كثير وابوعمرو (ليؤمنوا بالله ورسوله ويعزروه ويوقروه وسبحوه) بالياء أربعهن، على وجه الاخبار من الله عزوجل عن نفسه.

لما اخبر الله تعالى عن نفسه أنه يدخل المؤمنين والمؤمنات جنات، ووصفها اخبر في هذه الآية انه يعذب المنافقين والمنافقات وهم الذين يظهرون الايمان ويبطنون الشرك. والنفاق إسرار الكفر وإظهار الايمان، فكل نفاق هو إظهار خلاف الابطان. وأصله من نافقا اليربوع، وهو أن يجعل لسربه بابين يظهر أحدهما ويخفي الآخر، فاذا أتي من الظاهر خرج من الآخر، فالمنافق يقوي الباطل على الحق بالظن له، وإلقاء خلافه لتضييعه الدليل المؤدي اليه، (والمشركين والمشركات) وهم الذين يعبدون مع الله غيره، ويدخل في ذلك جميع الكفار. ثم وصفهم فقال (الظانين بالله) يعني الذين يظنون بالله (ظن السوء) أي يتوهمون ان الله ينصرهم على رسوله، وذلك قبيح لا يجوز وصف الله بذلك.

ثم قال تعالى (عليهم دائرة السوء) فالدائرة هي الراجعة بخير او شر قال حميد بن ثور: ودائرات الدهر ان تدورا(1) ومن قرأ (دائرة السوء) بضم السين - أراد دائرة العذاب، ومن قرأ - بالفتح - أراد ما عاد عليهم من قتل المؤمنين وغنمهم أموالهم، فهدا حسن. وقيل (عليهم دائرة السوء) أي جزاء ظنهم السوء من العذاب. ومن ضم اراد الشر، ويقال: رجل سوء - بالفتح - أي رجل فساد.

___________________________________

(1) قد مر في 3 / 543 او 551

[318]

ثم قال (وغضب الله عليهم) أي لعنه لهم وعذابه (ولعنهم) أي أبعدهم من رحمته.

وقوله (وأعد لهم جهنم) يجعلهم فيها. ثم قال (وساء‌ت مصيرا) أي ساء‌ت جهنم مآلا ومرجعا، لما فيها من انواع العقاب.

وقوله (ولله جنود السموات والارض وكان الله عزيز حكيما) قد فسرناه، وإنما أعيد ذكر (ولله جنود...) لانه متصل بذكر المنافقين أي وله الجنود التي يقدر على الانتقام منكم بها، وذكر أولا، لانه متصل بذكر المؤمنين أي له الجنود التي يقدر ان يغنيكم بها. والعزيز القادر الذي لا يقهر. وقيل (هو العزيز) في إنتقامه من أعدائه " الحكيم " في جميع أفعاله.

ثم خاطب نبيه محمد صلى الله عليه واله فقال " إنا أرسلناك " يا محمد " شاهدا " يعني على أمتك بالبلاغ والدعاء إلى إخلاص عبادته. أو شاهدا بما عملوه من طاعة ومعصية (وشاهدا) نصب على حال مقدر على القول الاول، وعلى حال غير مقدرة على القول الثاني.

(ومبشرا) نصب على الحال الحاصلة. والمعنى ومبشرا بالجنة لمن أطاع " ونذيرا " أي مخوفا من النار لمن عصى - ذكره قتادة - ثم بين الغرض بالارسال، فقال: أرسلناك بهذه الصفة " لتؤمنوا " ومن قرأ - بالياء - أي ليؤمنوا هؤلاء الكفار " بالله ".

ومن قرأ - بالتاء - وجه الخطاب إلى الخلق أي أرسلته اليكم " لتؤمنوا بالله " فتوحدوه " ورسوله " فتصدقوه و " تغرروه " أي تنصروه، فالهاء راجعة إلى النبي صلى الله عليه واله وقال المبرد: معنى (تعزروه) تعظموه يقال: غررت الرجل إذا كبرته بلسانك " وتوقروه " أي تعظموه يعني النبي صلى الله عليه واله - في قول قتادة - وقال ابن عباس (تعزروه) من الاجلال (وتوقروه) من الاعظام.

وقوله " وتسبحوه " يعني الله تعالى أى تنزهوه عما لا يليق به " بكرة

[319]

واصيلا " أى بالغداة والعشي. وقيل معناه تصلوا له بالغدوات والعشيات.

وقوله " لتؤمنوا بالله ورسوله " فيه دلالة على بطلان قول المجبرة إن الله تعالى يريد من الكفار الكفر، لانه تعالى بين انه أراد من جميع المكلفين الطاعة، ولم يرد أن يعصوا.

ثم قال " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله " فالمراد بالبيعة المذكورة - ههنا - بيعة الحديبية، وهي بيعة الرضوان - في قول قتادة ومجاهد - والمبايعة معاقدة على السمع والطاعة، كالمعاقدة في البيع والشراء بما قد مضي فلا يجوز الرجوع فيه. وقيل: إنها معاقدة على بيع أنفسهم بالجنة للزومهم في الحرب النصرة.

وقوله " يدالله فوق أيديهم " قيل في معناه قولان: احدهما - عقدالله في هذه البيعة فوق عقدهم لانهم بايعوا الله ببيعة نبيه صلى الله عليه واله والآخر - قوة الله في نصرة نبيه صلى الله عليه واله فوق نصرتهم. وقيل يدالله في هدايتهم، فوق أيديهم بالطاعة.

وقوله " فمن نكث فانما ينكث على نفسه " والنكث النقض للعقد الذي يلزم الوفاء به، فبين تعالى أن من نقض هذه المبايعة، فانما ينكث على نفسه، لان ما في ذلك من استحقاق العقاب عائد عليه " ومن أوفى " يقال: اوفى بالعقد، ووفى. وأو في لغة الحجاز. وهي لغة القرآن " بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما " أي إذا اوفى بالبيعة ونصر دينه ونبيه آتاه الله في ما بعد أجرا عظيما وثوابا جزيلا. ومن ضم الهاء في " عليه " وهو حفص، فلانها الاصل. ومن كسرها فللمجاورة للياء.

[320]

قوله تعالى: (سيقول لك المخلفون من الاعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا(11) بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا(12) ومن لم يؤمن بالله ورسوله فانا أعتدنا للكافرين سعيرا(13) ولله ملك السموات والارض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما(14) سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا(15))

خمس آيات.

قرأ اهل الكوفة إلا عاصما " كلم الله " على الجمع. الباقون " كلام الله " على التوحيد، لانه يدل على الكثير من حيث هو اسم جنس، قال ابوعلي " كلام الله " يقع على ما يفيد، والكلم يقع أيضا على الكلام، وعلى ما لا يفيد والكلم جمع كلمة. وقرأ حمزة والكسائي " ضرا " بالفتح. الباقون بالضم.

فمن قرأ - بالفتح - أراد المصدر. ومن قرأ بالضم أراد الاسم. وقيل بالفتح ضد النفع وبالضم سوء

[321]

الحال، كقوله " مسني الضر "(1) ويقال: ضرني الشئ وأضرني، ولا يقال: أضربي، وضره يضره وضاره يضيره بمعنى واحد.

هذا اخبار عن الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واله انه " سيقول لك " يامحمد " المخلفون من الاعراب " قال ابن اسحاق ومجاهد: لما أراد رسول الله صلى الله عليه واله الخروج إلى مكة عام الحديبية أحرم بعمرة ودعا الاعراب الذين حول المدينة إلى الخروج، فتثاقلوا: أسلم وغفار وجهينة ومزينة، فاخبر الله تعالى بذلك. والمخلف هو المتروك في المكان خلف الخارجين عن البلد، وهو مشتق من المتخلف وضده المتقدم. تقول خلفته كما تقول قدمته تقديما، وإنما تخلفوا لتثاقلهم عن الجهاد وإن اعتذروا بشغل الاموال والاولاد. والاعراب الجماعة من عرب البادية، وعرب الحاضرة ليسوا بأعراب، ففرقوا بينهما، وإن كان اللسان واحد.

وقوله " شغلتنا أموالنا وأهلونا " أخبار بما اعتلوا به، فالشغل قطع العمل عن عمل، لا يمكن الجمع بينهما لتنافى أسبابهما كالكتابة والرمي عن القوس والله لا يشغله شأن عن شأن لانه لا يعمل بآلة.

وقوله " فاستغفر لنا " حكاية ما قالوه للنبي وسألوه أن يستغفر لهم والاستغفار طلب المغفرة بالدعاء مع التوبة عن المعاصي فهؤلاء سألوا الدعاء بالمغفرة، وفي قلوبهم خلاف ما أظهروه بافواههم ففضحهم الله وهتك أستارهم، وأبدى ما نافقوا به في جهادهم، فقال " يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ".

ثم قال للنبي صلى الله عليه واله " قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا " لا يقدر احد على دفعه " أو اراد بكم نفعا " لا يقدر احد على إزالته " بل كان

___________________________________

(1) سورة 21 الانبياء آية 83

[322]

الله بما تعملون خبيرا " أي عالما نافعا لكم لا يخفى عليه شئ منها، ثم قال له قل لهم " بل ظننتم ان لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم ابدا " أي ظننتم انهم لا يرجعون ويقتلون ويصطلمون.

وهو قول قتادة " وزين ذلك في قلوبكم " زينه الشيطان ذلك وسوله لكم " وظننتم ظن السوء " في هلاك النبي والمؤمنين، وإن الله ينصر عليهم المشركين " وكنتم قوما بورا " والبور الفاسد وهو معنى الجمع وترك جمعه في اللفظ لانه مصدر وصف به قال حسان:

لا ينفع الطول من نوك القلوب *** وقد يهدي الا له سبيل المعشر(1)

البور والبوار الهلاك وبارت السلعة إذا كسدت والبائر من الفاكهة مثل الفاسدة.

وقال قتادة " بورا " أي فاسدين.

وقال مجاهد: هالكين.

ثم قال تعالى مهددا لهم " ومن لم يؤمن بالله ورسوله " أي لم يصدق بهما " فانا أعتدنا للكافرين سعيرا " أي نارا تسعرهم وتحرقهم.

ثم قال " ولله ملك السموات والارض " بأن يتصرف فيهما كما يشاء لا يعترض أحد عليه فيها " يغفر لمن يشاء " معاصيه (ويعذب من يشاء) إذا استحق العقاب بارتكاب القبائح (وكان الله غفورا رحيما) أي ساترا على عباده معاصيهم إذا تابوا لا يفصحهم بها رحيما باسقاط عقابهم الذي استحقوها بالتوبة على وجه الابتداء.

ثم قال تعالى (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها) يعني غنائم خيبر (ذرونا نتبعكم) أي اتركونا نجئ معكم، فقال الله تعالى (يريدون أن يبدلوا كلام الله قل) لهم يا محمد (لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل) قال مجاهد وقتادة: يعني ما وعد به أهل الحديبية أن غنيمة خيبر لهم خاصة، فارادوا تغيير ذلك بأن يشاركوهم فيها فمنعهم الله من ذلك.

وقال ابن زيد: أراد بقوله

___________________________________

(1) تفسير الطبري 26 / 45

[323]

(لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا) وهذا غلط لان هذه الآية نزلت في الذين تأخروا عن تبوك بعد خيبر وبعد فتح مكة، فقال الله تعالى لهم (لن تخرجوا معي ابدا) لان النبي صلى الله عليه واله لم يخرج بعد ذلك في قتال ولا غزو إلى أن قبضه الله تعالى.

ثم قال (كذلك قال الله من قبل) أي مثل ذلك حكم الله وقال ابن زيد: غنيمة خيبر لاهل الحديبية خاصة لا يشركهم فيها أحد.

ثم حكى ما قالوه بأنهم (فسيقولون) عند ذلك ليس الامر كذلك (بل تحسدوننا) فقال ليس الامر على ما قالوه (بل كانوا لا يفقهون) الحق وما يدعون اليه (إلا قليلا) وقيل معناه لا يفقهون الحق إلا القليل منهم، وهم المعاندون.

وقال بعضهم لا يفقهون إلا فقها قليلا أو الاشياء قليلا.

وإنما قالوا: تحسدوننا، لان المسلمين لما توجهوا إلى خيبر وأخذوا غنائمها، قال المخلفون (ذرونا نتبعكم) قالوا نعم على ان لا شئ لكم من الغنيمة، فقالوا عند ذلك تحسدوننا، فقال تعالى (بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا).

قوله تعالى: (قل للمخلفين من الاعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فان تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسبا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما(16) ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الانهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما(17) لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا(18) ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما(19) وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما(20))

خمس آيات.

[324]

قرأ اهل المدينة، وابن عامر (ندخله ونعذبه) بالنون على وجه الاخبار من الله عن نفسه. الباقون - بالياء - ردا على اسم الله.

يقول الله تعالى لنبيه (قل للمخلفين من الاعراب) أي لهؤلاء المخلفين الذين تخلفوا عنك في الخروج إلى الحديبية (ستدعون) في ما بعد (إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم او يسلمون) قال ابن عباس: اولوا البأس الشديد أهل فارس.

وقال ابن أبي ليلى والحسن: هم الروم.

وقال سعيد بن جبير وعكرمة وقتادة: هم هوازن بحنين.

وقال الزهري: هم بنو حنيفة مع مسيلمة الكذاب، وكانوا بهذه الصفة.

واستدل جماعة من المخالفين بهذه الآية على إمامة أبي بكر، من حيث ان أبابكر دعاهم إلى قتال بني حنيفة، وعمر دعاهم إلى قتال فارس والروم، وكانوا قد حرموا القتال مع النبي صلى الله عليه واله بدليل قوله (لن تخرجوا معي ابدا، ولن تقاتلوا معي عدوا) وهذا الذي ذكروه غير صحيح من وجهين: احدهما - أنه غلط في التاريخ ووقت نزول الآية. والثاني - أنه غلط في التأويل، ونحن نبين فساد ذلك أجمع، ولنا في الكلام في تأويل الآية وجهان:

[325]

احدهما - إنه تنازع في اقتضائها داعيا يدعو هؤلاء المخلفين غير النبي صلى الله عليه واله ويبين أن الداعي لهم في ما بعد كان النبي صلى الله عليه واله على ما حكيناه عن قتادة وسعيد ابن جبير في ان الآية نزلت في اهل خبير، وكان النبي صلى الله عليه واله هو الداعي إلى ذلك. والآخر - ان يسلم ان الداعي غيره، ونبين انه لم يكن أبابكر ولا عمر بل كان أمير المؤمنين عليه السلام.

فاما الوجه الاول فظاهر، لان قوله (سيقول لك المخلفون) إلى قوله (وكنتم قوما بورا) قد بينا انه أراد به الذين تخلفوا عن الحديبية باجماع المفسرين ثم قال (سيقول المخلفون إذا انطلقتم...) إلى آخر الآية، فبين أن هؤلاء المخلفين سألوا ان يخرجوا إلى غنيمة خيبر فمنعهم الله من ذلك، وأمر نبيه صلى الله عليه واله ان يقول لهم (قل لن تتبعونا...) إلى هذه القرية، لان الله تعالى حكم من قبل بأن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية وانه لاحظ فيها لمن لم يشهدها، وهذا هو معنى قوله (يريدون أن يبدلوا كلام الله) وقوله (كذلك قال الله من قبل) ثم قال (قل للمخلفين من الاعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم او يسلمون) وإنما أراد الرسول سيدعوهم في ما بعد إلى قتال قوم بهذه الصفة، وقد دعاهم بعد ذلك إلى غزوات كثيرة.

وقال قوم: أولي بأس شديد، كموقعه حنين وتبوك وغيرها، فمن أين يجب أن يكون الداعي لهم غير النبي صلى الله عليه واله فأما قولهم إن معنى قوله (كذلكم قال الله من قبل) هو انه أراد قوله (فان رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا) مملؤ بالغلط الفاحش في التاريخ، لانا قد بينا أن هذه الآية التي في التوبة نزلت ب‍ (تبوك) سنة تسع. وآية سورة الفتح نزلت سنة ست، فكيف تكون قبلها، وينبغي لمن تكلم في تأويل القرآن أن يرجع إلى التاريخ ويراعي اسباب نزول

[326]

الآية على ما روي، ولا يقول على الآراء والشهوات. وتبين أيضا أن هؤلاء المخلفين غير أولئك، وإن لم يرجع إلى تاريخ.

ونقول قوله (فان تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما) فلم يقطع على طاعة، ولا على معصية بل ذكر الوعد والوعيد على ما يتعلق به من طاعة او معصية وحكم المذكورين فيهم في سورة التوبة، بخلافه لانه تعالى قال بعد قوله (إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين) إلى قوله (وهم كافرون)(1) فاختلاف احكامهم يدل على اختلافهم، وقد حكينا عن سعيد بن جبير انه قال هذه الآية نزلت في هوازن يوم حنين.

وقال الضحاك: هم ثقيف، وقال قتادة: هم هوازن وثقيف، وأما الوجه الذي يسلم معه أن الداعي غير النبي صلى الله عليه واله فهو ان نقول الداعي أمير المؤمنين عليه السلام، لانه قاتل بعده أهل الجمل وصفين وأهل النهروان، وبشره النبي صلى الله عليه واله بقتالهم، وكانوا أولي بأس شديد، فان قالوا من قاتلهم علي عليه السلام كانوا مسلمين، وفى الآية قال تقاتلونهم او يسلمون ! كيف تتناولهم الآية؟ ! قلنا ! أول ما نقوله: إنهم غير مسلمين عندنا، ولا عند جميع من خالفنا من المعتزلة، لان عندهم صاحب الكبيرة ليس بمؤمن، ولا مسلم.

وأما مذهبنا في تكفير من قاتل عليا عليه السلام معروف، وقد ذكرناه في كتب الامامة لقوله صلى الله عليه واله (حربك يا علي حربي) وغير ذلك من الاخبار والادلة التي ذكرناها في غير موضع واستوفينا ما يتعلق بذلك في كتاب الامامة، ويمكن على تسليم أن الداعي ابو بكر وعمر، أن يقال: ليس في الآية ما يدل على مدح الداعي ولا على امامته، لانه قد يدعو إلى الحق من ليس عليه، ويجب ذلك من حيث كان واجبا من

___________________________________

(1) سورة 9 التوبة آية 84 - 86

[327]

أجل دعاه الداعي، وابوبكر دعاهم إلى الدفاع عن الاسلام، وهذا واجب على كل واحد بلا دعاء داع، ويمكن ان يكون المراد بقوله (ستدعون) دعاء الله لهم بايجاب القتال عليهم، لانه إذا دلهم على وجوب قتال المرتدين ودفعهم عن بيضة الاسلام، وقد دعاهم إلى القتال ووجبت عليهم طاعته، والكلام في هذه الآية كالتي قبلها في أنا إذا قلنا لا تدل على إمامة الرجلين، لا نكون طاعنين عليهما، بل لا يمتنع أن يثبت فضلهما وإمامتهما بدليل غير الآية، لان المحصلين من العلماء يذهبون إلى امامتهما من جهة الاخبار لا من جهة الآية.

وقوله (تقاتلونهم او يسلمون) بالرفع معناه إن احد الامرين لابد أن يقع لا محالة، وتقديره أوهم يسلمون. وقرئ شاذا بالنصب، والوجه فيه حتى يسلموا ولو نصبه، فقال او يسلموا لكان دالا على ان ترك القتال من أجل الاسلام.

وقوله (ليس على الاعمى حرج..) الآية، فالاعمى هو من لا يبصر بجارجة العين. والاعرج الذي برجله آفة تمنعه من المشي مأخوذ من رفعها عند محاولة المشي بغيرها، ومنه العروج الصعود إلى السماء، والمريض من به علة تمنعه من الحركة من اضطراب في البدن حتى يضعف وتحصل فيه آلام، بين الله تعالى انه ليس على وجه هؤلاء الذين بهم هذه الآفات من ضيق ولا حرج في ترك الحصول مع المؤمنين والحضور معهم في الجهاد.

قال قتادة: كل ذلك في الجهاد.

ثم قال (ومن يطع الله ورسوله) في ما أمره به ونهاه عنه (يدخله جنات تجري من تحتها الانهار ومن يتول) عن إتباعهما وامتثال أمرهما ونهيهما (يعذبه) الله (عذابا أليما) فمن قرأ بالياء رده إلى الله. ومن قرأ بالنون أراد الاخبار من الله عن نفسه.

[328]

وقوله (لقد رضي الله عن المؤمنين إذا يبايعونك تحت الشجرة) إخبار من الله تعالى انه رضي عن الذين بايعوا تحت الشجرة النبي صلى الله عليه واله وكانوا مؤمنين في الوقت الذي بايعوه (فعلم ما في قلوبهم) من إيمان ونفاق فرضي عن المؤمنين وسخط على المنافقين.

وقيل معناه فعلم ما في قلوبهم من صدق النية في القتال وكراهتهم له، لانه بايعهم على القتال - ذكره مقاتل - (فانزل السكينة عليهم) يعني على المؤمنين، والسكينة الصبر لقوة البصيرة (وأثانهم فتحا قريبا) قال قتادة وابن أبي ليلى: يعني فتح خيبر وقال قوم: فتح مكة (ومغانم كثيرة يأخذونها) فالغيمة ملك أموال اهل الحرب من المشركين بالقهر والغلبة في حكمه تعالى، وكان القتال من أجلها. و (المغانم) ههنا يراد به غنائم خيبر.

وقوله (وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها) يعني سائر الغنائم وقال قوم: أراد بها ايضا غنائم خيبر.

وقوله (فعجل لكم هذه) يعني الصلح وسميت بيعة الرضوان لقول الله تعالى (لقد رضي الله عن المؤمنين) وقال ابن عباس كان سبب بيعة الرضوان بالحديبية تأخر عثمان حين بعثه النبي صلى الله عليه واله إلى قريش أنهم قتلوه، فبايعهم على قتال قريش، وقال ابن عباس: كانو ألفا وخمسمائة نفس.

وقال جابر: كانوا ألفا وأربعمائة نفس، وقال ابن أوفى ألفا وثلثمائة. والشجرة التي بايعوا تحتها هي السمرة.

واستدل بهذه الآية جماعة على فضل أبي بكر، فانه لا خلاف أنه كان من المبايعين تحت الشجرة. وقد ذكر الله أنه رضي عنهم، وانه أنزل السكينة عليهم وانه علم ما في قلوبهم من الايمان، واثابهم فتحا قريبا. والكلام على ذلك مبنى على القول بالعموم، وفي أصحابنا من قال لا صيغة للعموم ينفرد بها. وبه قال كثير من المخالفين، فمن قال بذلك كانت الآية عنده مجملة لا يعلم المعنى بها، وقد بايع صلى الله عليه واله جماعة من المنافقين بلا خلاف، فلابد من تخصيص الآية على كل حال.

[329]

على انه تعالى وصف من بايع تحت الشجرة بأوصاف قد علمنا أنها لم تحصل في جميع المبايعين، فوجب أن يختص الرضا بمن جمع الصفات لانه قال (فعلم ما في قلوبهم فانزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا) ولا خلاف بين أهل النقل ان الفتح الذى كان بعد بيعة الرضوان بلا فصل هو فتح خيبر. وإن رسول الله صلى الله عليه واله عند ذلك قال: (لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرارا غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله على يده) فدعا عليا فأعطاه الراية، وكان الفتح على يده، فوجب ان يكون هو المخصوص بحكم الآية، ومن كان معه في ذلك الفتح لتكامل الصفات فيهم. على ان ممن بايع بيعة الرضوان طلحة والزبير، وقد وقع منهما من قتال علي عليه السلام ما خرجا به عن الايمان وفسقا عند جميع المعتزلة ومن جرى مجراهم، ولم يمنع وقوع الرضاء في تلك الحال من مواقعة المعصية في ما بعد، فما الذي يمنع من مثل ذلك في غيره. وليس إذا قلنا: أن الآية لا تختص بالرجلين، كان طعنا عليهما بل إذا حملناها على العموم دخلا، وكل متابع مؤمن معهما، فكان ذلك أولى.

وقوله (ومغانم كثيرة تأخذونها) يعني ما غنتموه من خيبر من انواع الغنائم (وكان الله عليما) بمصالح عباده (حكيما) في جميع أفعاله. ثم قال (وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذ - ه) يعني غنائم خيبر. والباقي كل ما يغنمه المسلمون من دار الحرب (وكف ايدي الناس عنكم) يعني أسدا وغطفان، فانهم كانوا مع خيبر فصالحهم النبي صلى الله عليه واله فكفوا عنه. وقيل: يعني اليهود كف ايديهم عنكم بالمدينة من قبل الحديبية ومجئ قريش، فلم يغلبوكم (ولتكون آية للمؤمنين) يستدلون بها على صحة قولكم (ويهديكم) أي ويرشدكم (صراطا مستقيما) يفضي بكم إلى الحق وما يؤدي إلى الثواب.

[330]

والواو في قوله (ولتكون) معناه إنا وعدناكم الغنائم لكف أيدي الناس عنكم وليكون ذلك آية للمؤمنين إذ وقع الخبر على ما أخبر به، لانه علم غيب لا يعلمه إلا الله.

قوله تعالى: (وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شئ قديرا(21) ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الادبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا(22) سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا(23) وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا(24) هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما(25))

خمس آيات.

قرأ ابوعمرو " بما يعملون بصيرا " بالياء على الخبر. الباقون بالتاء على الخطاب لما ذكر الله تعالى انه وعد المؤمنين مغانم كثيرة يأخذونها وانه عجل لهم هذه منها، يعني غنائم خيبر وعدهم بالغنائم الاخر، فقال (وأخرى لم تقدروا عليها) أي

[331]

وغنيمة أخرى - عن ابن عباس والحسن - إنها فارس والروم.

وقال قتادة: هي مكة (قد أحاط الله بها) أي قدر الله عليها واحاط بها علما فجعلهم بمنزلة ما قد أدير حولهم بما يمنع ان يفلت احد منهم (وكان الله على كل شئ قديرا) أي ما يصح أن يكون مقدورا له، فهو قادر عليه.

ثم قال (ولو قاتلكم الذين كفروا) يعني من قريش يا معشر المؤمنين (لولوا الادبار) منهزمين بخذلانه إياهم ونصرة الله إياكم، ومعونته لكم - في قول قتادة - (ثم لا يجدون) يعني الكفار (وليا) يواليهم (ولا نصيرا) يدفع عنهم.

وقوله (سنة الله التي قد خلت من قبل) معناه سنة الله جارية في خذلانه أهل الكفر ونصرة أهل الايمان في ما مضى من الامم السالفة، ونصره هو أمره بالقتال (ولن تجد) يا محمد " لسنة الله تبديلا " أي لن تجد لسنة الله ما يدفعها فالسنة الطريقة المستمرة في معنى ومن ذلك قوله صلى الله عليه واله (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها. ومن سن سنة سيئة فعليه اثمها واثم من عمل بها) والتبديل رفع احد الشيئين وجعل الآخر مكانه، في ما حكم أن يستمر على ماهو به ولو رفع الله حكما يأتي بخلافه لم يكن تبديلا لحكمه لانه لا يرفع شيئا إلا في الوقت الذي تقتضي الحكمة رفعه، وقال ابن عباس: كان المشركون بعثوا أربعين رجلا ليصيبوا من المسلمين، فأتى بهم رسول الله، فخلى سبيلهم، وهو المراد بقوله " وهو الذي كف أيديهم عنك " بالرعب " وأيديكم عنهم " بالنهي نزلت في أهل الحديبية واهل مكة، لا في أهل خيبر.

وقيل لهم ينهوا عن قتالهم، لانهم لا يستحقون القتل بكفرهم وصدهم لكن للابقاء على المؤمنين الذين في ايديهم " ببطن مكة من بعد أن اظفركم عليهم " يعني فتح مكة " وكان الله بما تعملون بصيرا " يدبركم بحسب ما تقتضيه مصالحكم وقوله " هم الذين كفروا " أي بوحدانية الله، وهم كفار قريش " وصدوكم

[332]

عن المسجد الحرام " في الحديبية، وصدوكم أن تعتمروا وتطوفوا بالبيت " والهدي معكوفا أن يبلغ محله " أي المحل الذي يحل نحره فيه. والمعكوف المحبوس أي منعوا الهدي ايضا ليذبح بمكة، لان هدي العمرة لا يذبح إلا بمكة كما لا يذبح هدي الحج إلا بمنى، ثم قال " ولولا رجال مؤمنون " بالله ومصدقون بالنبي " ونساء مؤمنات " مثل ذلك بمكة - في قول قتادة - " لم تعلموهم " أي لم تعلموا بايمانهم " أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم " أي ينالكم أثم لاجلهم من غير علم منكم بذلك - في قول ابن زيد - وقال قوم: معناه عنت.

وقال ابن اسحاق: هو غرم الدية في كفارة قتل الخطأ عتق رقبة مؤمنة ومن لم يطق فصيام شهرين، وهو كفارة قتل الخطأ في الحرب.

وجواب لولا محذوف، وتقديره ولولا المؤمنون الذين لم تعلموهم لو طئتم رقاب المشركين بنصرنا إياكم. والمعكوف الممنوع من الذهاب في جهة بالاقامة في مكانه، ومنه الاعتكاف، وهو الاقامة في المسجد للعبادة، وعكف على هذا الامر يعكف عكوفا إذا اقام عليه.

وقوله " ليدخل الله في رحمته من يشاء لو نزيلوا " أي لو تميز المؤمنون منهم، وقيل لو تفرقوا والمعنى واحد " لعذبنا الذين كفروا منهم " يعني من أهل مكة " عذابا أليما " بالسيف والقتل والاليم المؤلم، وكان النبي صلى الله عليه واله: ساق سبعين بدنة في عام الحديبية، ودخل في العام المقبل لعمرة القضاء في الشهر الذي صد فيه ونزل قوله " الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص "(1) ذكره قتادة.

___________________________________

(1) سورة 2 البقرة آية 194

[333]

قوله تعالى: (إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شئ عليما(26) لقد صدق الله رسوله الرء‌يا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون فعلم مالم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا(27) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا(28) محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تريهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التورية ومثلهم في الانجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما(29))

أربع آيات.

قرأ ابن كثير إلا ابن فليح " شطأه " بفتح الطاء ومثله ابن ذكوان. الباقون باسكانها.

وقرأ اهل الشام " فازره " مقصور، الباقون بالمد، وهما لغتان من فعل الشئ وفعله غيره نحو كسبت مالا وكسبني غيرى، ونزحت البئر ونزحتها ويقال: أزر النبت وآزره غيره.

[334]

وقوله " إذ جعل " متعلق بقوله " لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية " يعني الانفة.

ثم فسر تلك الانفة، فقال " حمية الجاهلية " الاولى يعني عصبتهم لآلهتم من أن يعبدوا غيرها.

وقال الزهري: هي انفتهم من الاقرار لمحمد بالرسالة.

والاستفتاح ب‍ (بسم الله الرحمن الرحيم) على عادته في الفاتحة، حيث أراد ان يكتب كتاب العهد بينهم. ودخولهم مكة لاداء العمرة.

ثم قال تعالى " فأنزل الله سكينته على رسوله " أي فعل به صلى الله عليه واله من اللطف والنعمة ما سكنت اليه نفسه وصبر على الدخول تحت ما أرادوه منه " وعلى المؤمنين " أي ومثل ذلك فعل بالمؤمنين " وألزمهم كلمه التقوى " قال ابن عباس وقتادة: كلمة التقوى قول: لا إلا إلا الله محمد رسول الله.

وقال مجاهد: هي كلمة الاخلاص " وكانوا أحق بها وأهلها " يعني المؤمنين كانوا أهلها واحق بها.

قال الفراء: ورأيتها في مصحف الحارث بن سويد التميمي من أصحاب عبدالله (وكانوا أهلها واحق بها) وهو تقديم وتأخير، وكان مصحفه دفن أيام الحجاج.

وقيل: ان التقدير كانوا أحق بنزول السكينة عليهم وأهلالها.

وقيل: المعنى فكانوا أحق بمكة أن يدخلوها وأهلها.

وإنما قال " أحق " لانه قد يكون حق أحق من حق غيره، لان الحق الذي هو طاعة يستحق به المدح أحق من الحق الذي هو مباح لا يستحق به ذلك " وكان الله بكل شئ عليما " لما ذم الكفار تعالى بحمية الجاهلية ومدح المؤمنين بالسكينة والزوم الكلمة الصادقة بين علمه ببواطن أمورهم وما تنطوي عليه ضمائرهم إذ هو العالم بكل شئ من المعلومات.

وقوله " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام " قسم من الله تعالى ان النبي صلى الله عليه واله صادق في قوله انه رأى في المنام انه يدخل هو والمؤمنون المسجد الحرام، وانه لابد من كون ذلك.

وقوله " إن شاء الله آمنين " قال قوم تقييد لدخول الجميع او البعض.

[335]

وقال قوم: ليس ذلك شرطا لانه بشارة بالرؤيا التي رآها النبي صلى الله عليه واله وطالبه الصحابة بتأويلها وحققها.

قوله " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق " ثم استؤنف على طريق الشرح والتأكيد " لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله " على الفاظ الدين، كأنه قيل بمشيئة الله، وليس ينكر أن يخرج مخرج الشرط ما ليس فيه معنى الشرط، كما يخرج مخرج الامر ما ليس في معنى الامر لقرينة تصحب الكلام.

وقال البلخي: معنى " إن شاء الله " أي أمركم الله بها، لان مشيئة الله تعالى بفعل عباده هو أمره به.

وقال قوم: هو تأديب لنا، كما قال " ولا تقولن لشئ.. "(1) الآية.

وقوله " آمنين " أي بلا خلاف عليكم " محلقين رؤسكم ومقصرين " أي منكم من يحلق رأسه ومنكم من يقصر " لا تخافون " احدا في ذلك، وكذلك جرى الامر في عمرة القضاء وفي السنة الثانية للحديبية، وروي أن عمر قال لرسول الله صلى الله عليه واله حيث قاضا اهل مكة يوم الحديبية، وهم بالرجوع إلى المدينة: أليس وعدتنا يا رسول الله أن تدخل المسجد الحرام محلقين ومقصرين، فقال له رسول الله صلى الله عليه واله (قلت لكم إنا ندخلها العلم)؟ ! فقال: لا، فقال صلى الله عليه واله (فانكم تدخلونها إن شاء الله) فلما كان في القابل في ذي القعدة خرج النبي صلى الله عليه واله لعمرة القضاء، ودخل مكة مع أصحابه في ذي القعدة واعتمروا، وقام بمكة ثلاثة ايام، ثم رجع إلى المدينة.

ثم قال " فعلم " يعني علم الله " وما لم تعلموا " انتم من المصلحة في المقاضاة وإجابتهم إلى ذلك.

وقيل المعنى فعلم النبي صلى الله عليه واله من دخولهم إلى سنة ما لم تعلموا معاشر المؤمنين.

وقيل: فعلم ان بمكة رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموهم

___________________________________

(1) سورة 18 الكهف آية 24

[336]

" فجعل من دون ذلك فتحا قريبا " قال ابن زيد: يعني بذلك فتح خيبر.

وقال الزهري: هو فتح الحديبية.

ثم قال تعالى " هو الذي ارسل رسوله " يعني محمدا صلى الله عليه واله " بالهدى يعني الدليل الواضح، والحجة البينة " ودين الحق " يعني الاسلام وإخلاص العبادة " ليظهره على الدين كله " قيل بالحجج والبراهين.

وقيل: لان الاسلام ظاهر على الاديان كلها.

وقيل: إنه إذا خرج المهدي صار الاسلام في جميع البشر، وتبطل الاديان كلها.

ثم قال (وكفى بالله شهيدا) بذلك من إظهار دين الحق على جميع الاديان.

ثم اخبر تعالى فقال (محمد رسول الله) صلى الله عليه واله ارسله إلى خلقه (والذين معه) من المؤمنين يعني المصدقين بوحدانية الله المعترفين بنبوته الناصرين له (اشداء على الكفار) لانهم يقاتلونهم ويجاهدونهم بنية صادقة (رحماء بينهم) أي يرحم بعضهم بعضا ويتحنن بعضهم على بعض (تراهم ركعا سجدا) لقيامهم بالصلاة والاتيان بها، فهم بنى راكع وساجد (يبتغون فضلا من الله ورضوانا) اي يلتمسون بذلك زيادة نعيمهم من الله ويطلبون مرضاته من طاعة وترك معصية (سيماهم في وجوههم من اثر السجود) قال ابن عباس: اثر صلاتهم يظهر في وجوههم.

وقال الحسن. هو السمت الحسن.

وقال قوم: هو ما يظهر في وجوههم من السهر بالليل.

وقال مجاهد: معناه علامتهم في الدنيا من اثر الخشوع.

وقيل: علامة نور يجعلها الله في وجوههم يوم القيامة - في قول الحسن وابن عباس وقتادة وعطية - و (ذلك مثلهم في التوراة) اي وصفهم، كأنه مثلهم في التوراة (ومثلهم في الانجيل) اي وصفهم الله في الانجيل (كمثل زرع اخرج شطأه) يشبههم بالزرع الذي ينبت في حواليه بنات ويلحق به، فالشطأ فراخ الزرع الذي

[337]

ينبت في جوانبه ومنه شاطئ النهر جانبه، يقال أشطأ الزرع، فهو مشطئ إذا أفرخ في جوانبه " فازره " أي عاونه فشد فراخ الزرع لاصول النبت وقواها يقال أزرت النبت وآزره غيره بالمد، ويقال أزر النبت وازرته مثل رجع ورجعته وقال ابوالحسن: هما لغتان.

وقال ابوعبيدة: أزره ساواه فصار مثل الام، وفاعل (آزر) الشطأ أي أزر الشطأ الزرع، فصار في طوله " فاستغلظ " أي صار غليظا باجتماع الفراخ مع الاصول " فاستوى " معه أي صار مثل الام " على سوقه " وهو جمع ساق وساق الشجرة حاملة الشجر، وهو عوده الذي يقوم عليه، وهو قصبته. ومثله قوى المحبة بما يخرج منها، كما قوي النبي صلى الله عليه واله باصحابه.

وقوله " يعجب الزراع " يعني الذين زرعوا ذلك " ليغيظ بهم الكفار " قيل: معناه ليغيظ بالنبي وأصحابه الكفار المشركين. ووجه ضرب هذا المثل بالزرع الذي أخرج شطأه هو ان النبي صلى الله عليه واله حين ناداهم إلى دينه كان ضعيفا فأجابه الواحد بعد الواحد حتى كثر جمعه وقوي أمره كالزرع يبدو بعد البذر ضعيفا فيقوى حالا بعد حال حتى يغلظ ساقه وفراخه، وكان هذا من أصح مثل وأوضح بيان وقال البلخي: هو كقوله " كمثل غيث أعجب الكفار نباته "(1) يريد بالكفار - ههنا - الزراع واحدهم كافر، لانه يغطي البذر، وكل شئ غطيته فقد كفرته. ومنه قولهم: تكفر بالسلاح. وقيل: ليل كافر لانه يستر بظلمته كل شئ قال الشاعر: في ليلة كفر النجوم غمامها(2) أي غطاها.

___________________________________

(1) سورة 57 الحديد آية 20.

(2) مر في 1 / 60

[338]

ثم قال " وعد الله الذين آمنوا " يعني من عرف الله ووحده وأخلص العبادة له وآمن بالنبي صلى الله عليه واله وصدقه " وعملوا " مع ذلك الاعمال " الصالحات منهم " قيل: انه بيان يخصهم بالوعد دون غيرهم.

وقيل يجوز ان يكون ذلك شرطا فيمن أقام على ذلك منهم، لان من خرج عن هذه الاوصاف بالمعاصي فلا يتناوله هذا الوعد " مغفرة " أي سترا على ذنوبهم الماضية " وأجرا " أي ثوابا " عظيما " يوم القيامة.

وقرأ ابن كثير وحده " على سؤقه " بالهمزة. الباقون بلا همزة، وهو الاصح.

قال ابوعلي: من همز فعلى قولهم (أحب المؤفدين إلى موسى) واستعمال السوق في الزرع مجاز.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 11656933

  • التاريخ : 1/10/2022 - 20:36

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net