00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة هو د من ( آية 50 ـ 69 ) 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن ( الجزء السادس )   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

التبيان في تفسير القرآن

تأليف

شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

385 - 460 ه‍.

تحقيق وتصحيح أحمد حبيب قصير العاملي

المجلد السادس

[3]

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله الذي وفقنا لاتمام طبع المجلد الخامس من هذا السفر النفيس، وسهل لنا السبل لاتجاز المجلد السادس والشكر له وحده فانه المتفضل باصول النعم والحمدله على إلها منا الحمد، والشكر له على إلها منا الشكر، ولاحول لنا ولا قوة إلا به ومآبنا اليه واتكالنا عليه نسأله أن يلهمنا الصواب، ويوفقنا إلى ما فيه مرضاته، وصلى الله عليه نبينا محمد وآله الذي أرسله الله لهداية خلقه وتبليغ كتابه وتطبيق تشريعه في الارض وإظهار كلمة التقوى، وكلمة الله العليا، فقام باداء الرسالة خير قيام، وقد بلغ عن ربه ما أمر به على تمام وكمال، وقام بعده أهل العلم بما وجب عليهم، ومنهم المؤلف قدس الله روحه الطاهرة (راجع ترجمته في المقدمة بقلم اية الله الاغا بزرك الطهراني - مد ظله العالي -) وبالختام ابتهل إلى الله - جل شأنه - أن يوفقنا وجميع المؤمنين لما فيه السداد انه أرحم الراحمين.

أحمد حبيب قصير العاملي

الآية: 50 - 69

قوله تعالى: (وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون(50))

آية بلاخلاف.

قوله " اخاهم " نصب بتقدير (ارسلنا) كأنه قال: وأرسلنا إلى عاد أخاهم ودل عليه ماتقدم من قوله " ولقد ارسلنا نوحا " و (عاد) مصروف، لان المراد به الحي وقد يقصد به القبيلة، فلايصرف قال الشاعر:

لو شهد عاد في زمان عاد *** لابتزها مبارك الجلاد(1)

وإنما سمى هودا أخا عاد مع انهم كفار، وهو نبي لان المراد بذلك الاخوة في النسب، لا في الدين، فحذف لدلالة الحال عليه.

وقوله " مالكم من إله غيره " حكاية ماقال هود (ع) لهم وأمرهم ان يوجهوا عبادتهم إلى الله ونفى ان يكون معبود يستحق العبادة غيره.

ومن ضم الراء‌حمله على الموضع، لان فيها معنى الاستثناء، فكأنه قال ما لكم من إله إلا هو، ولايجوز في هذا الاستثناء الحمل على اللفظ، لان الواجب لايدخله (من) الزائدة.

ومن جره حمله على اللفظ. وقال بعضهم تقديره مالكم إله غيره و (من) زائدة، فلذلك رفع.

وقوله " ان انتم إلا مفترون " أخبار من الله تعالى: حكاية ماقال هود لهم بأنه ليس انتم إلا متخرصون. وإنما سماهم مفترين بعبادة غير الله، لانهم في حكم من قال هي جائزة لغير الله، فلذلك قال لهم ذلك. ومساكن عاد كانت بين بلاد الشام واليمن تعرف بالاحقاف، وكانوا أصحاب بساتين وزروع، ويسكنون

___________________________________

(1) مجمع البيان 3: 169 وروايته (لاقبرها) بدل (لابتزها)

[6]

الرمال، دعاهم هود إلى الايمان بالله وتوجيه العبادة اليه، فكفروا به فأهلكهم الله بالريح، فذكر انها كانت تدخل في أفواههم فتخرج من استاههم فتقطعهم عضوا عضوا، نعوذبالله منها.

قوله تعالى: (ياقوم لا أسئلكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون(51))

آية بلاخلاف.

اخبر الله تعالى في هذه الآية عن هود أنه قال لقومه: لست أطلب منكم - على دعائي لكم إلى عبادة الله - أجرا، لانه ليس جزائي في ذلك إلا على الله الذي خلقني، فهلا تتكفرون - بعقولكم - في ذلك، فتعلمون أن ذلك محض النصيحة لانه لو كان لغيره لطلبت عليه الاجر.

اللغة: والسؤال والطلب معناهما واحد، الا ان الطلب قد يكون في غير معنى السؤال، لان من ضاع منه شئ يطلبه، او طلب الماء اذا استعذبه أو طلب المعادن، لايقال فيه (سأل) ولاهو سائل.

و (الاجر) هوالجزاء على العمل على عمل الخير بالخير. وقد يستحق الاجر على الشكر، كالاجر الذي يعطيه الله العبد على شكره لنعمه.

و (الفطر) الشق عن أمر الله، كما ينفطر الورق عن الثمر، ومنه فطر الله الخلق.

ومنه قوله " اذا السماء انفطرت "(1) و " هل ترى من فطور "(2) ومنه فطر الله الخلق لانه بمنزلة ماشق عنه فظهر.

وقوله " افلا تعقلون " يقال لمن عدل عن الاستدلال: لايعقل، لانه بمنزلة من لايعقل،

___________________________________

(1) سورة الانفطار آية 1.

(2) سورة الملك آية 3.

[7]

في انه لاينتفع بموجب العقل.

وقيل ان المنى " أفلا تعقلون " أني اطلب بذلك نصحكم وصلاحكم فتقبلوه ولاتردوه.

قوله تعالى: (وياقوم استغفروا ربكم ثم توبوا اليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولاتتولوا مجرمين(52))

آية بلاخلاف.

هذه الآية عطف على ماقبلها، وفيها حكاية ايضا عما قال هود لقومه، فانه ناداهم، وقال " ياقوم استغفروا ربكم " اي اطلبوا منه المغفرة " ثم توبوا اليه " وانما قدم الاستغفار قبل التوبة، لانه طلب المغفرة التي هي الغرض، ثم بين مابه يتوصل اليها هوالتوبة، والغرض مقدم في النفس، لان الحاجة اليه ثم السبب، لانه يحتاج اليه من اجله.

وقيل ان (ثم) في الآية بمعنى الواو، كماقال " خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها "(1) وكان جعل الزوج منها قبل جميع البشر.

وقبل ان المعنى استغفروا ربكم من الوجه الذي يصح، من الايمان به وتصديق رسله، والاقلاع عن معاصيه، والتوبة من القبائح " ثم توبوا اليه " بمعنى استديموا على ذلك وجددوا التوبة بعد التوبة، لئلا يكونوا مصرين. وكل ذلك جائز وظاهر هذه الآية يقتضي أن الله تعالى يجعل الخير بالتوبة ترغيبا فيها، لانه وعد متى تاب العاصي يرسل السماء عليهم مدرارا وهوالدرر الكثير المتتابع على قدر الحاجة اليه دون الزائد المفسد المضر، ونصبه على الحال. وروي انهم كانوا أجدبوا، وانهم متى تابوا أخصبت بلادهم واثمرت اشجارهم وانزل عليهم الغيث الذي يعيشون به.

___________________________________

(1) سورة الزمر آية 6.

[8]

و (مفعال) صفة للمبالغة كقولهم: منجار، ومعطار، ومغزار. ومثله " ومن يتق الله يجعل له مخرجا. ويرزقه من حيث لا يحتسب "(1) ولولا هذا الوعد لما وجب ذلك. واما الثواب على التوبة فمعلوم عقلا.

وقوله " ويزدكم قوة إلى قوتكم ولاتتولوا مجرمين " معنا ان الله تعالى اذا تبتم " يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى " القوة التي فعلها فيكم، ويجوز ان يريد بذلك تمكينهم من النعم التي ينتفعون بها ويلتذون باستعمالها، فان ذلك يسمى قوة.

وقوله " ولاتتولوا مجرمين " تمام الحكاية عنه انه قال لقومه لاتتولوا من عصا الله وترك عبادته.

قوله تعالى: (قالوا ياهود ما جئتنا ببينة ومانحن بتاركي آلهتنا عن قولك ومانحن لك بمؤمنين(53))

آية بلاخلاف.

في هذه الآية حكاية عما قاله قوم هودله حين دعاهم إلى عبادة الله وترك ما سواه بأنهم قالوا له ياهود لم تجئنا ببينة يعني بحجة دالة على صدقك ولسنا نترك عبادة آلهتنا لاجل قولك ولسنا مصدقيك، ولا معترفين بعبادة إلهك الذي تدعي انك رسوله، فالبينة الحجة الواضحة التي تفصل بين الحق والباطل.

والبيان فصل المعنى من غيره حتى يظهر للنفس متميزا مما سواه، ويجوز ان يكون حملهم على رفع البينة مع ظهورها أمور: احدها - تقليد الآباء والرؤساء فدفعوها لذلك ومنها اتهامهم لمن جاء بها حيث لم ينظروا فيها.

___________________________________

(1) سورة الطلاق آية 2 - 3

[9]

ومنها انهم دخلت عليهم الشبهة في صحتها. ومنها اعتقادهم لاصول فاسدة تدعوهم إلى جحدها.

واما الداعي إلى عبادة الاوثان فيحتمل ان يكون احد اشياء: احدها - انهم ظنوا انها تقربهم إلى الله زلفى اذا عبدوها.

الثاني - ان يكونوا على مذهب المشبهة فجعلوا وثنا على صورته فعبدوه.

الثالث - ان يكون القي اليهم ان عبادتها تحظي في دار الدنيا.

وقوله " عن قولك " معناه بقولك، وجعلت (عن) مكان الباء، لان معنى كل واحد من الحرفين يصح فيه.

وقال الرماني: من عبد إلها في الجملة هو ممن عبد غير الله، لان كل واحد منها لم تخلص العبادة له ولا اوقعها على وجه يستحق به الثواب.

قوله تعالى: (إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني برئ مما تشركون(54))

آية.

في هذه الاية تمام الحكاية عن جواب قوم هود لهود، وهو انهم قالوا مع جحدهم لنبوته " ان نقول " لسنا نقول " إلا عتراك " أصابك من قولهم عراه يعروه إذا اصابه، قال الشاعر: من القوم يعروه اجترام ومأثم(1) وقيل " اعتراك " اصابك يحنون خبل عقلك، ذهب اليه ابن عباس، ومجاهد.

وانما جاز ان يقول " إلا اعتراك " مع انهم قالوا اشياء كثيرة غير هذا، لان المعنى

___________________________________

(1) قائله ابوخراش: مجمع البيان 3: 169، وتفسير الطبري 12: 35 ومجاز القرآن 1: 290 وصدره: (تذكر داخلا عندنا وهو فاتك)

[10]

مانقول في سبب الخلاف الا اعتراك، فحذف، لان الحال يقتضي ان كلامهم في الخلاف وسببه.

وقوله " قال اني اشهد الله " اخبار عما اجابهم به هود بأن قال: اشهد الله على ادائي اليكم ونصحي اياكم، وعلى ردكم ذلك علي وتكذيبكم اياي و " اشهدوا " انتم ايضا انني برئ مما تشركون، وانما اشهدهم - على ذلك وان لم يكونوا اهل شهادة من حيث كانوا كفارا فساقا - اقامة للحجة عليهم لالتقوم الحجة بهم، فقيل هذا القول اعذارا وانذارا، ويجوز ان يكون يريد بذلك اعلموا كما قال " شهد الله " بمعنى علم الله.

قوله تعالى (من دونه فكيدوني جميعا ثم لاتنظرون(55))

آية بلاخلاف.

في هذه الآية دلالة على صحة النبوة، لانه قال لقوم من اهل البأس والنجدة " كيدوني جميعا ثم لاتنظرون " اي لا تمهلوني ثقة بأنهم لايصلون اليه بسوء، لما وعده الله (عزوجل) من العز والغلبة.

ومثله قال نوح لقومه " فاجمعوا امركم وشركاء كم ثم لايكن امركم عليكم غمة ثم اقضوا الي ولاتنظرون "(1) وقال نبينا صلى الله عليه وآله " فان كان لكم كيد فكيدون "(2).

والفرق بين الانظار والتأخير ان الانظار امهال لينظر صاحبه في امره، والتأخير خلاف التقديم من غير تضمين.

وفي هذه الاية تضمين بما قبلها، لان التقدير اني برئ مما تشركون من دونه، وههنا يحسن الوقف ويحسن ايضا ان يقف على قوله " تشركون " كان ذلك وقفا كافيا، لانه يحسن الوقف عليه، ولايحسن استئناف مابعده. واما الوقف التام

___________________________________

(1) سورة يونس آية 71.

(2) سورة المراسلات آية 39.

[11]

فهو الذي يحسن الوقف عليه ويحسن استئناف مابعده نحو قوله " واياك نستعين " ثم يستأنف " اهدنا صراط المستقيم "(1). والكيد طلب الغيظ بالسر وهو الاحتيال بالسر، تقول: كاده يكيده كيدا وكايده مكايدة مثل غايظه مغايظة.

قوله تعالى: (إني توكلت على الله ربي وربكم مامن دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم(56))

آية بلاخلاف.

هذه الآية فيها حكاية ماقال هود لقومه بعد ذكر ماقدم من القول فيه اني توكلت على الله. والتوكل تفويض الامر إلى الله تعالى على طاعته فيما امر به، لان ذلك من تسليم التدبير له، لانه افعاله كلها جارية على ماهو اصلح للخلق.

وقوله " مامن دابة الا هو آخذ بناصيتها " معناه ليس من حيوان يدب الا وهو تعالى آخذ بناصيته اي قادر على التصرف فيه، وتصريفه كيف شاء.

و (الناصية) قصاص الشعر ومنه قوله " فيؤخذوا بالنواصي والاقدام "(2) وفي جر الرجل بناصيته اذلال له. واصل الناصية الاتصال من قولهم: (مفازة بناصي مفازة) اذا كانت الاخيرة متصلة بالاولى قال الشاعر: فئ تناصيها بلاد فئ(3) وقال ذوالرمه: ينصو الجماهين(4) ونصوته انصوه نصوا اذا اتصلت به.

___________________________________

(1) سورة الفاتحة اية 5 - 6.

(3) مجمع البيان 3: 169.

(2) سورة الرحمن آية 41.

(4) لم اجده

[12]

وقال ابوالنجم:

ان يمس رأسي اشمط العناصي *** كأنما فرقه مناصي(1)

اي يحاذب ليتصل به في مره، وانما قال اخذ بناصيتها مع انه مالك لجميعها لما في ذلك من تصوير حالها على عادة معروفة من امرها في اذلالها، فكل دابة في هذه المنزلة في الذلة لله تعالى.

وقوله " ان ربي على صراط مستقيم " معناه أن أمر ربي في تدبير خلقه على صراط مستقيم لاعوج فيه ولااضطراب، فهو يجري على سبيل الصواب لايعدل إلى اليمين والشمال والفساد. والفائدة هنا ان ربي وإن كان قادرا على التصريف في كل شئ فانه لايفعل إلا العدل ولايشاء الا الخير.

قوله تعالى: (فإن تولوا فقد أبلغتكم ماأرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولاتضرونه شيئا إن ربي على كل شئ حفيظ(57))

آية بلاخلاف.

معنى الاية حكاية ماقال هود لقومه من قوله لهم ان توليتم، فليس ذلك لتقصير في ابلاغكم وانما هو لسوء اختياركم في الاعراض عن نصحكم، ويجوز ان يكون ذلك حكاية ماقال الله لهود انهم ان تولوا فقل لهم فقد ابلغتكم.

وقال الزجاج: التقدير فان تتولوا فحذف احدى التائين، لدلالة الكلام عليها، فعلى هذا تقديره قل لهم فان تتولوا، ومثله قال الجبائي.

والتولي الذهاب إلى خلاف جهة الشئ وهو الاعراض عنه.

والمعنى هنا التولي عما دعوتكم اليه من عبادة الله، واتباع امره، والابلاغ إلحاق الشئ بنهايته، وذلك انه قد يلحق الحرف بالحرف على جهة الوصل، فلا يكون إبلاغا، لانه لم يستمر إلى نهايته.

___________________________________

(1) اللسان (نصا) ومجمع البيان 3: 169.

[13]

وقوله " ويستخلف ربي قوما غيركم " فالاستخلاف جعل الثاني بدل الاول يقوم مقامه فيما كان عليه الاول، فلما كانوا قد كلوفا، فلم يجيبوا، جعل الثاني بدلا منهم في التكليف.

وقوله " ولاتضرونه شيئا " معناه انه اذا استخلف غيركم، لاتقدرون له على ضر ولانفع. وقيل ان معناه لاينقصه هلاككم شيئا، لانه يجل عن الحاق المنافع والمضاربه.

وقوله " ان ربي على كل شئ حفيظ " لاعمال العباد حتى يجازيهم عليها. وقيل معناه يحفظني من ان تنالوني بسوء.

قوله تعالى: (ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ(58))

آية.

المعنى ولماجاء امرنا بهلاك عاد، ودلائله " نجينا هودا، والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ " يعنى من عذاب الدنيا والآخرة فسلموا من الامرين.

والنجاة السلامة من الهلاك، وقد تكون السلامة من اصابة الم ما، والرحمة قد تكون مستحقة بدلالة قوله " ونجيناهم برحمة منا " ويجوز ان يكون المراد بما اريناهم من الهدى والبيان الذي هو رحمة.

والرحمة مستحقه بالوعد وحسن التدبير في الفصل بين الولي والعدو.

والغليظ عظيم الجثة والكثيفة، وانما وصف.

به العذاب لانه بمنزلته في الثقل على النفس وطول المكث.

[14]

قوله تعالى: (وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد(59))

آية بلاخلاف.

قوله " وتلك " اشارة إلى من تقدم ذكره، وتقديره و " تلك " القبيلة " عاد جحدوا بآيات ربهم " والجحد الخبر بأن المعنى ليس بكائن على صحة، فعلى هذا جحدوا هؤلاء الكفار بآيات الله، اي اخبروا بأن المعنى لانعرف صحته، والنفي خبر بعدمه.

وقال صاحب العين: الجحد انكارك بلسانك ما تستيقنه نفسك.

وقوله " وعصوا رسله " فيه أخبارانهم مع جحدهم دلالة رسل الله، وانكارهم آيات الله، خالفوا مااراده الدعاة إلى الله، على طريق الايجاب بالترغيب والترهيب فالرسول دعاهم إلى عبادة الله، فخالفوه وانما قال " عصوا رسله " وهم عصوا هودا، لان الرسل قد تقدمت عليهم بمثل ذلك، وذلك عصيان لهم فيما امروا به ودعوا اليه من توحيد الله وعدله وان لايشركوا به شيئا.

وقوله " واتبعوا امر كل جبار عنيد والعنيد العاتي الطاغي، عند يعند عندا وعنودا اذا حاد عنه كثيرا قال الشاعر. اني كبير لااطيق العندا(1)

___________________________________

(1) مجاز القرآن 1: 291 وتفسير الطبري 12: 35 والقرطي 9: 54 وصدره: اذا رحلت فاجعلوني وسطا.

[15]

قوله تعالى: (وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة الا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود(60))

آية بلاخلاف.

اخبر الله تعالى في هذه الآية ان عادا لما عصوه، وكفروا به، وكذبوا هودا ألحق الله بهم الهلاك واتبعهم في دار الدنيا لعنة، بمعنى انه اخبر نبينا والامم المستقبلة باهلاكهم وانه لعنهم وامر بلعنهم، وعرفهم انه ابعدهم من رحمته.

واللعنة الدعاء بالابعاد من قولك لعنه اذا قال عليه لعنة الله، واصله الابعاد من الخير يقال ذئب لعين اي طريد، ولايجوز ان يلعن شئ من البهائم، وان كانت مؤذية، لانه لايجوز ان يدعى عليها بالابعاد من رحمة الله.

وقوله " ويوم القيامة " اي ويتبعون لعنة يوم القيامة، يعني يوم يقوم الناس من قبورهم للجزاء والحساب، كما قال " يوم يخرجون من الاجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون "(1) وقوله " ألا ان عادا كفروا ربهم " (ألا) معناها التنبيه، ومابعدها أخبار بأن قوم عاد كفروا ربهم.

وقوله " الابعدا لعاد قوم هود " نصب (بعدا) على المصدر، والمعنى ابعدهم الله بعدا، ووقع (بعدا) موضع ابعاد، كما وقع نبات موضع انبات في قوله " انبتكم من الارض نباتا "(2).

قوله تعالى: (وإلى ثمود اخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره هو أنشأكم من الارض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب(61))

آية بلاخلاف.

حكى الله تعالى في هذه الآية أنه أرسل " إلى ثمود أخاهم صالحا " ونصب

___________________________________

(1) سورة المعارج آية 43.

(2) سورة نوح آية 17.

[16]

(أخاهم) بأرسلنا، عطف على ماتقدم، وانه " قال ياقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره " وقد فسرناه(1).

وقوله " هو انشاكم من الارض " قيل في معناه قولان: احدهما - انه خلقكم من آدم وآدم من تراب. الثاني - انه خلقكم من الارض، والاول اختيار الجبائي وهو الاقوى.

والانشاء الايجاد ابتداء من غير استعانة بشئ من الاسباب، وهما نشأتان الاولى في الدنيا والثانية في الآخرة.

وقوله " واستعمركم فيها " اي جعلكم قادرين على عمارة الارض، ومكنكم من عمارتها والحاجة إلى سكناها. والاستعمار جعل القادر يعمر الارض كعمارة الدار.

وقال مجاهد معنى " استعمركم فيها " أي اعمركم بأن جعلها لكم طول اعماركم. ومنه العمرى المسألة المعروفة في الفقه.

وفي الآية دلالة على فساد قول من حرم المكاسب، لانه تعالى امتن على خلقه بأن مكنهم من عمارة الارض فلو كان ذلك محرما لم يكن لذلك وجه، والعبادة لاتستحق إلا بالنعم المخصوصة التي هي أصول النعم فلذلك لايستحق بعضنا على بعض العبادة ابتداء، وان استحق الشكر، ولذلك لاتحسن العبادة ابتداء، كما لايحسن الشكر إلا في مقابلة النعم.

وقوله " فاستغفروا ربكم ثم توبوا اليه " قدبينا معناه(2) وقوله " ان ربي قريب مجيب " معناه أنه قريب الرحمة لامن قرب المكان، لكنه خرج هذا المخرج لحسن البيان في المبالغة، وقيل ان بلاد ثمود بوادي القرى بين المدينة والشام، وكانت عاد باليمن.

___________________________________

(1) في تفسير آية. 5 من هذه السورة صفحة 5 من هذا المجلد.

(2) انظر 5: 514 في تفسير آية 3 من هذه السورة.

[17]

قوله تعالى: (قالوا ياصالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهينا أن نعبد مايعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب(62))

آية بلاخلاف.

في هذه الآية حكاية ماأجاب به قوم صالح له حين قالوا له ياصالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا، ومعناه قد كنا نرجو منك الخير، ونطمع فيه من جهتك قبل هذا لماكنت عليه من الاحوال الجميلة، فالان يئسنا منك. والرجاء تعلق النفس بمجئ الخير على جهة الظن، ومثله الامل والطمع.

وقوله " اتنهانا ان نعبد مايعبد آباؤنا " معناه تحظر علينا عبادة كان يعبدها أباؤنا.

وقوله " اننا لفي شك مما تدعونا اليه مريب " معناه إن الذي أتيتنا به لا يوجب العلم بل يوجب الشك فنحن في شك مما جئتنا به. والريبة هي الشك إلا ان مع الريبة تهمة للمعنى ليست في نقيضه، والشك قد يعتدل فيه النقيضان.

قوله تعالى: (قال ياقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير(63))

آية بلاخلاف.

حكى الله تعالى في هذه الآية ماأجاب به صالح قومه ثمود بأن قال لهم " أريتم ان كنت على بينة " أي حجة من ربي ودليل من جهته ولامفعول

[18]

ل‍ (رأيتم) لانه يلغى كما يلغى اذا دخل عليه لام الابتداء، في قولك (رأيت لزيد خير منك) فكذلك الجزاء. وجواب (إن) الاولى الفاء، وجواب (إن) الثانية محذوف، وتقديره ان عصيته فمن ينصرني، إلا انه يستغني بالاول، فلا يظهر.

وقوله " فمن ينصرني من الله ان عصيته " صورته صورة الاستفهام، ومعناه النفي كأنه قال فلاناصر لي من الله ان عصيته، ومعنى الكلام أعلمتم من ينصرني من الله ان عصيته بعد بينة من ربى ونعمة، وانماجاز إلغاء (رأيت) لانها دخلت على جملة قائمة بنفسها من جهة انها تفيد لو انفردت عن غيرها، و (من) يتعلق بمعناها دون تفصيل لفظها.

وقوله " فما تزيد ونني غير تخسير " قيل في معناه ثلاثة اقوال: احدها - ليس تزيدونني باحتجاجكم بعبادة آبائكم اي ما تزدادون انتم الا خسارا، هذا قول مجاهد.

والثاني - قال قوم: تزيدونني لانهم يعطونه ذاك بعد اول امرهم.

الثالث - قال الحسن معناه ان اجبتكم إلى ما تدعونني اليه كنت بمنزلة من يزداد الخسران.

وقال اخرون معناه ما تزيدونني على ما انا عندكم الاخسارا.

قوله تعالى: (وياقوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولاتمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب(64).

في هذه الآية حكاية ماقال صالح لقومه بعد ان انذرهم وخوفهم عبادة غير الله، وحذرهم معاصيه.

" وياقوم هذه ناقة الله لكم اية " واشار إلى ناقته التي جعلها الله معجزة، لان الله تعالى اخرجها لهم من جوف صخرة وهم يشاهدونها على تلك الصفة، وخرجت وهي حامل كما طلبوا، انها كانت تشرب يوما فتنفرد به ولهم يوم وتأتي المرعى يوما والوحش يوما.

[19]

وقوله " ولاتمسوها بسوء " نهي منه لهم ان يمسوا الناقة بسوء اي بعقر او ضرر.

المس واللمس متقاربان. وفرق بينهما الرماني بان المس يكون بين جمادين واللمس لايكون إلا بين حيين لمافيه من الادراك، وقوله " فيأخذكم عذاب قريب " جواب النهي بالفاء وكذلك نصبه.

والمعنى ان مسستموها بضر اخذكم عذاب عاجل.

قوله تعالى: (فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب(65))

آية بلاخلاف.

اخبر الله تعالى عن قوم صالح بانهم عصوه فيما امرهم وارتكبوا مانهاهم عنه من اذى الناقة وانهم عقروها والعقر قطع العضو الذي له سراية في النفس قال امرؤ القيس:

يقول وقد مال الغبيط بنا معا *** عقرت بعيري ياامرء القيس فانزل(1)

وكان سبب عقرهم لها انهم كرهوا أن يكون لها يوم، ولهم يوم في الشرب لضيق الماء عليهم والمرعى على ماشيتهم فعقرها (احمر ثمود) وضربت به العرب المثل في الشؤم، فلما فعلوا ذلك قال لهم صالح " تمتعوا في داركم ثلاثة ايام " أي تلذذوا، فيما يريدون من المدركات الحسان من المناظر والاصوات وغيرها مما يدرك بالحواس، ويقال للبلاد: دار، لانها تجمع اهلها كما تجمع الدار.

ومنه قولهم: ديار ربيعة، وديار مضر.

وقيل معنى " في داركم " اي في دار الدنيا وايام اصله (ايوام) فقلبت الواو ياء وادغمت الياء الاولى فيها فصارت ايام لاجتماعها وسكون الاولى وانما وجب ذلك لاشتراكهما في انهما حرفا علة.

وقوله " ذلك وعد غير مكذوب " معناه إن

___________________________________

(1) ديوانه 127 (الطبعة المصرية)

[20]

ماوعدتكم به من نزول العذاب بعد ثلاثة ايام وعد صدق ليس فيها كذب.

قوله تعالى: (فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز(66))

آية بلاخلاف.

قرأ اهل المدينة إلا اسماعيل والكسائي والبرجمي والسموني " يومئذ " بفتح الميم، هنا وفي المعارج. الباقون بكسر الميم على الاضافة.

قال ابوعلي قوله " يومئذ " ظرف - كسرت او فتحت - في المعنى إلا انه اتسع فيه فجعل اسما كما اتسع في قوله " بل مكر الليل والنهار "(1) فاضيف المكر اليهما وإنما هو فيهما، فكذلك العذاب والخزي والفزع اضفن إلى اليوم، والمعنى على ان ذلك كله في اليوم كما ان المكر في الليل والنهار.

ومن كسر الميم من " عذاب يومئذ " فلان يوما اسم معرب اضاف اليه ما اضافه من العذاب والخزي والفزع، فانجر بالاضافة، ولم تفتح اليوم فتبنيه لاضافته إلى المعنى، لان المضاف منفصل عن المضاف اليه ولايلزمه الاضافة، والمضاف لم يلزم البناء.

ومن فتح فقال: من عذاب يومئذ فيفتح مع انه في موضع جر، فلان المضاف يكتسب من المضاف اليه التعريف والتنكير، ومعنى الاستفهام والجزاء في نحو غلام من تضرب اضربه، فلما كان يكتسب من المضاف اليه هذه الاشياء اكتسب منه الاعراب والبناء ايضا، اذاكان المضاف من الاسماء الشائعة المبنية نحو (اين. وكيف) ولو كان المضاف مخصوصا نحو (رجل وغلام) لم يكتسب منه البناء كما اكتسبت من الاسماء الشائعة. ومن اضاف على تقدير من عذاب يومئذ ومن خزي يومئذ، فلانها معارف تعرفت بالاضافة إلى اليوم.

___________________________________

(1) سورة سبأ آية 33.

[21]

اخبر الله تعالى انه لما جاء امره باهلاك قوم صالح الذين هم ثمود نجا صالحا والمؤمنين معه برحمة منه تعالى.

وقوله " ومن خزي يومئذ " فالخزي العيب الذي تظهر فضيحته ويستحي من مثله، خزي يخزى خزيا اذا ظهر له عيب بهذه الصفة.

وقوله " ان ربك هو القوي العزيز " فالقوي هو القادر، والعزيز هو القادر على منع غيره من غير ان يقدر أحد على منعه. واصله المنع فمنه عز علي الشئ اذا امتنع بقلبه ومنه العز الارض الصلبة الممتنعة بالصلابة، ومنه تعزز بفلان اي امتنع به ويقال (من عزبز) اي من غلب سلب.

وكانت علامة العذاب في ثمود ماقال لهم صالح: آية ذلك ان وجوهكم تصبح في اليوم الاول مصفرة وفي اليوم الثاني محمرة وفي الثالث مسودة، ذكره الحسن، هذا من حكمته تعالى وحسن تدبيره في الانذار بمايكون من العقاب قبل ان يكون، للمظافرة في الحجة. ولم يختر ابوعمرو بناء (يوم) إذا اضيف إلى مبني كما اختير في قوله " على حين غفلة "(1) لان هذا اضيف إلى اسم مبني، وذلك اضيف إلى فعل مبني فباعده من التمكن باكثر مماباعده الاول.

قوله تعالى: (وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين(67))

آية بلا خلاف.

اخبر الله تعالى أنه لما نجا صالحا والمؤمنين وأراد اهلاك الكفار أخذ الذين ظلموا الصيحة، وهي الصوت العظيم من الحيوان.

___________________________________

(1) سورة القصص آية 15.

[22]

وقال الجبائي لاتكون الصيحة إلا حدوث صوت في فم وحلق حيوان.

وقيل ان جبرائيل عليه السلام صاح بهم، ويجوز ان يكون الله تعالى احدث الصيحة في حلق حيوان، وانما ذكر اللفظ لانه حمله على المعنى، لان الصيحة والصياح واحد، ويجوز تأنيثه حملا على اللفظ، كما جاء في موضع آخر(1).

وقوله " فاصبحوا في ديارهم جاثمين " معناه أنه لمااتتهم الصيحة ليلا أصبحوا في ديارهم خامدين على هذه الصفة، والعرب تقول في تعظيم الامر: (واسوأة صباحاه). والجثوم السقوط على الوجوه. وقيل هوالقعود على الركب، يقال: جثم على القلب إذا ثقل عليه، وذكرهم الله بالظلم هنادون الكفر ليعلم أن الكفر ظلم النفس إذ يصير إلى أعظم الضرر بعذاب الابد.

قوله تعالى: (كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود(68))

آية بلاخلاف.

قرأ الكسائي وحده " لثمود " بخفض الدال وتنوينها. والباقون بغير صرف.

وقرأ حمزة وحفص ويعقوب " ألا إن ثمود " وفي الفرقان.

و " عادا وثمود " وفي العنكبوت " وثمود فما ابقى " بغير تنوين فيهن وافقهم يحيى والعليمي والسموني في سورة (النجم).

قال الفراء قلت للكسائي: لم صرفت (ثمود) هنا؟ فقال: لانه قرب من المنصوب، وهو مجرور، وانماصرف ثمود في النصب دون الجر والرفع، لانه لما جاز الصرف اختير الصرف في النصب، لانه اخف.

قال ابوعلي الفارسي: الاسماء التي تجري على القبائل والاحياء على اضرب

___________________________________

(1) سورة هود اية 95 وسورة الحجر آية 73، 83، وسورة المؤمنون آية 41 وغيرها كثير والآيات التي ذكرناها الفعل فيها لمؤنث.

[23]

احدها - ان يكون اسما للحي او للاب.

والثاني - ان يكون اسما للقبيلة.

الثالث - ان يكون غلب عليه الاب دون الحي والقبيلة.

والرابع - ان يستوي ذلك في الاسم فيجري على الوجهين، ولايكون لاحد الوجهين مزية على الآخر في الكثرة، فمها جاء اسما للحي قولهم ثقيف وقريش، وكلما لايقال فيه بنو فلان.

واما ماجاء اسما للقبيلة فنحو تميم بنت مرة قال سيبويه سمعناهم يقولون: قيس ابنة عيلان، وتميم صاحبة ذلك، وقال تغلب ابنة وابل. واما ماغلب عليه اسم ام الحي او القبيلة، فقد قالوا باهلة ابن اعصر، وقالوا يعصر، وباهلة اسم امرأة، قال سيبويه جعل اسم الحي، ومحوس لم يجعل اسم قبيلة، وسدوس اكثرهم يجعله اسم القبيلة، وتميم اكثرهم يجعله اسم قبيلة ومنهم من يجعله اسم الاب. واما مايستوي فيه اسم قبيلة، وان يكون اسما للحي، فقال سيبويه نحو ثمود وعاد، وسماهما مرة للقبيلتين ومرة للحيين، فكثرتهما سواء.

قال: وعادا وثمودا، وقال " ألا إن ثمود كفروا ربهم " وقال " واتينا ثمود الناقة " فاذا استوى في ثمود ان يكون مرة للقبيلة ومرة للحي ولم يكن لحمله على احد الوجهين مزية في الكثرة: فمن صرف في جميع المواضع كان حسنا، ومن لم يصرف ايضا كذلك، وكذلك ان صرف في موضع ولم يصرف في موضع آخر إلا انه لاينبغي ان يخرج عما قرأت به القراء لان القراء‌ة سنة، فلايجوز ان تحمل على مايجوز في العربية حتى تنضم اليه الرواية.

معنى قوله " كان لم يغنوا " أي كأن لم يقيموا فيها لانقطاع آثارهم بالهلاك وما بقي من اخبارهم الدالة على الخزي الذي نزل بهم، يقال غنى بالمكان اذا اقام به والمغاني المنازل قال النابغة:

[24]

غنيت بذلك اذهم لك جيرة *** منها بعطف رسالة وتودد(1)

واصل الغنى الاكتفاء فمنه الغنى بالمال والغناء الصوت الذي يتغنى به، والغناء الاكتفاء بحال الشئ وغنى بالمكان اذا اقام به، لاكتفائه بالاقامة فيه، والغانية الشابة المتزوجة.

و (ألا) معناها التنبيه وهي الف استفهام دخلت على (لا) فالالف يقتضي معنى و (لا) ينفي معنى، فاقتضى الكلام بهما معنى التنبيه مع نفي الفعلية.

قوله تعالى: (ولقد جاء‌ت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فمالبث أن جاء بعجل حنيذ(69))

آية بلاخلاف.

قرأحمزة والكسائي " قال سلم " بكسر السين وسكون اللام من غير الف هنا، وفي الذاريات.

قال محمدبن يزيد المبرد (السلام) في اللغة يحتمل اربعة اشياء، منها مصدر سلمت، ومنها جمع سلامة، ومنها اسم من ا سماء الله، ومنها اسم شجرة، ومنه قول الاخطل: الاسلام وحرمل وقوله " دار السلام "(2) يحتمل ان يكون مضافا إلى الله تعظيما لها، ويجوز ان يكون دار السلام من العذاب لمن حصل فيها.

واما انتصاب قوله " سلاما " فانه لايحك شيئا تكلموا به فيحكي كما تحكى الجمل، ولكن هو ماتكلمت به الرسل، كما ان القائل اذا قال لااله الا الله، فقلت له قلت حقا او قلت اخلاصا اعملت القول في المصدر لانك ذكرت معنى ماقال، فلم يحك نفس الكلام الذي هو جملة يحكى، فكذلك نصب سلاما هنا، لماكان معنى ماقيل ولم يكن نفس

___________________________________

(1) ديوانه: 65 ومجمع البيان 3: 178 وتفسير الطبري 15: 56، 465.

(2) سورة الانعام 127 وسورة يونس اية 25.

[25]

القول بعينه وقوله " اذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما "(1) قال بسيبويه زعم ابو الخطاب: ان مثله يراد به مثل قولك سبحان الله الذي، تفسيره براء‌ة الله من السوء، وقولك للرجل سلاما تريد مسلما منك لاابتلي بشئ من امرك.

وقوله " سلام " مرفوع، لانه من جملة الجملة المحكية، وتقديره سلام عليكم فحذف الخبر كما حذف من قوله " فصبر جميل "(2) اي فصبر جميل امثل او يكون المعنى امري سلام وشأني سلام، كمايجوز ان يكون في قوله " فصبر جميل " المحذوف منه المبتدا، ومثله على حذف المبتدا قوله تعالى " فاصفح عنهم وقل سلام "(3) او حذف الخبر ويكون سلام مبتدأ واكثر مايستعمل (سلام) بغير الف ولام لانه في معنى الدعاء، فهو مثل قولهم خير بين يديك، فمن ذلك قوله " قال سلام عليك سأستغفر لك ربي "(4) وقوله " سلام عليكم بماصبرتم "(5) وقوله " سلام على نوح "(6) و " سلام؟ على ابراهيم "(7) وقوله " سلام على عباده الذين اصطفى "(8) وقد جاء بالالف والا قال تعالى " والسلام على من اتبع الهدى "(9) و " السلام علي يوم ولدت "(10) وز ابو الحسن ان من العرب من يقول: السلام عليكم، ومنهم من يقول سلام عليك فمن ألحق فيه الالف واللام حمله على المعهود.

ومن لم يلحقه حمله على غير المعهود وزعم أن منهم من يقول سلام عليكم بلا تنوين، وحمل ذلك على وجهين: أحدهما - انه حذف الزيادة من الكلمة كما يحذف الاصل في نحو لم يك ولا ادر ويوم يأت.

___________________________________

(1) سورة الفرقان آية 63.

(2) سورة يوسف آية 18، 83.

(3) سورة الزخرف آية 89.

(4) سورة مريم آية 47.

(5) سورة الرعد اية 26.

(6) سورة الصافات آية 79.

(7) سورة الصافات آية 109.

(8) سورة النمل آية 59.

(9) سورة طه آية 47.

(10) سورة مريم آية 33.

[26]

والآخر - انه لماكثر استعمال هذه الكلمة، وفيها الالف والام جاز حذفها منها لكثرة الاستعمال كماحذفوا من اللهم فقالوا: لاهم كماقال الشاعر:

لاهم لا هم ان عامر العجوز *** قد حبس الخيل على يعمور

ومن قرأ (سلم) بلا الف احتمل امرين: احدهما - ان يكون بمعنى (سلم) والمعنى أمرنا سلم وسلم عليكم، ويكون سلام بمعنى سلم، كقولهم حل وحلال، وحرم وحرام، انشد الفراء:

وقفنا فقلنا ايه سلم فسلمت *** كما اكيل بالبرق الغمام اللوائح(1)

وروي كما انكل.

ثم قال الفراء في رفع سلام انه حين نكرهم، قال هو سلم ان شاء الله، من أنتم؟ فعلى هذا القراء‌تان بمعنى واحد. والآخر أن يكون (سلم) خلاف العدو، والحرب. كأنهم لما كفوا عن تناول ماقدم اليهم فنكرهم واوجس منهم خيفة، قال انا سلم، ولست بحرب ولا عدو، فلا تمتنعوا من تناول طعامي، كما يمتنع من تناول طعام العدو، وقوله " ولقد " دخلت اللام لتأكيد الخبر، كما يؤكد القسم، ومعنى (قد) هنا ان السامع لقصص الانبياء يتوقع قصة بعد قصة، و (قد) للتوقع فجاء‌ت لتؤذن أن السامع في حال توقع. أخبر الله تعالى أنه لما جاء‌ت رسل ابراهيم يبشرونه.

وقيل في البشارة بماذا كانت قولان: احدهما - قال الحسن كانت بأن الله تعالى يهب له اسحاق ولدا ويجعله رسولا إلى عباده. وقال غيره كانت البشارة باهلاك قوم لوط.

وقوله " قالوا سلاما " حكاية ما قال رسل الله لابراهيم مجيبا لهم " سلام ".

___________________________________

(1) تفسير الطبري 12: 39 واللسان (سلم) وقد روى ايضا:

وقفنا فقلنا ايه سلم فسلمت *** فماكان الا ومؤها بالحواجب

[27]

وقوله " فما لبث ان جاء بعجل حنيذ " معنى ذلك لم يتوقف حتى جاء - على عادته في اكرام الاضياف وتقديم الطعام اليهم - بعجل، وهو ولد البقرة يسمى بذلك لتعجيل امره بقرب ميلاده.

ويقال: فيه عجول وجمعه عجاجيل، و " الحنيذ " المشوي ومعناه محنوذ، فجاء " فعيل " بمعنى " مفعول " كطبيخ ومطبوخ، وقتيل ومقتول تقول: حنذه حنذا ويحنذه قال العجاج: ورهبا من حنذه أن يهجرا(1) يعني الحمراء الوحشية أي حنذها حر الشمس على الحجارة.

وقال الحسن حنيذ بمعنى نضيج مشوي.

وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد: نضيج.

وحكى الزجاج أن الحنيذ هوالذي يقطر ماؤه تقول العرب أحنذ هذا الفرس أي جلله حتى يقطر عرقا. وانماقدم الطعام اليهم وهم ملائكة لانه رآهم في صورة البشر، فظنهم أضيافا.

وقال الحسن: جاؤوه فاستضافوه، والالم يخف عليه أن الملائكة لا يأكلون ولايشربون.

وقوله " أن جاء " في موضع نصب بوقوع لبث عليه، كأنه قال فما ابطأ عن مجيئه بعجل، فلما حذف حرف الجر نصب.

قال الفراء: ويحتمل " ان جاء بعجل " أن يكون في موضع رفع بأن تجعل (لبث) فعلا له كأنك قلت فما أبطأ مجيئه بعجل حنيذ، قال الفراء: (الحنيذ) ما حفرت له في الارض ثم عمته وهو فعل أهل البادية.

___________________________________

(1) ديوانه: 9 ومجاز القرآن 1: 292 وتفسير الطبري 12: 41 واللسان (حنذ)، (هرج).

[28]

قال الفراء وغيره: وانما خافهم ابراهيم من حيث لم ينالوا طعامه، لان عادة ذلك الوقت اذا قدم الطعام إلى قوم فلا يمسونه ظنوا أنهم أعداء.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 10097053

  • التاريخ : 26/07/2021 - 04:54

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net