00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة المائدة من ( آية 55 ـ 82) 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن (الجزء الثالث)   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

[559]

قوله تعالى: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون(55))

آية

بلاخلاف اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية فيه، فروى أبوبكر الرازي في كتاب أحكام القرآن على ما حكاه المغربي عنه، والطبري، والرماني، ومجاهد، والسدي: إنها نزلت في علي (ع) حين تصدق بخاتمه وهوراكع، وهوقول ابي جعفر وابي عبدالله (ع) وجميع علماء أهل البيت.

وقال الحسن والجبائي: انها نزلت في جميع المؤمنين.

وقال قوم نزلت في عبادة بن الصامت في تبرئه من يهود بني قينقاع، وحلفهم إلى رسول الله والمؤمنين.

وقال المكلبي نزلت في عبدالله بن سلام وأصحابه لما أسلموا فقطعت اليهود موالاتهم، فنزلت الآية. واعلم إن هذه الآية من الادلة الواضحة على إمامة أمير المؤمنين (ع) بعد النبي بلافصل. ووجه الدلالة فيها أنه قد ثبت أن الولي في الآية بمعنى الاولى والاحق. وثبت أيضا أن المعني بقوله " والذين آمنوا " أمير المؤمنين (ع) فاذا ثبت هذان الاصلان دل على إمامته، لان كل من قال: ان معنى الولي في الآية ما ذكرناه قال إنها خاصة فيه.

ومن قال باختصاصها به (ع) قال المراد بهاالامامة.

فان قيل دلوا أولا على ان الولي يستعمل في اللغة بمعنى الاولى والاحق ثم على ان المراد به في الآية ذلك، ثم دلوا على توجهها إلى أمير المؤمنين (ع) قلنا: الذي يدل على أن الولي يفيد الاولى قول أهل اللغة للسلطان المالك للامر: فلان ولي الامر قال الكميت:

ونعم ولي الامر بعد وليه *** ومنتجع التقوى ونعم المؤدب

ويقولون: فلان ولي عهد المسلمين إذا استخلف للامرلانه أولى بمقام من قبله من غيره وقال النبي صلى الله عليه وآله (أيما امرأة نكحت بغير اذن وليها فنكاحها باطل) يريد من هو أولى بالعقد علهيا.

[560]

وقال تعالى: " فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب "(1) يعني من يكون أولى بحيازة ميراثي من بني العم.

وقال المبرد: الولي والاولى والاحق والمولى بمعنى واحد والامر فيما ذكرناه ظاهر، فاما الذي يدل على أن المراد به في الآية ما ذكرناه هو ان الله تعالى نفى ان يكون لنا ولي غير الله وغير رسوله، والذين آمنوا بلفظة " إنما " ولو كان المراد به الموالاة في الدين لما خص بها المذكورين، لان الموالاة في الدين عامة في المؤمنين كلهم.

قال الله تعالى " والمؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض "(2) وإنما قلنا: أن لفظة (إنما) تفيد التخصيص، لان القائل، إذاقال إنما لك عندي درهم فهم منه نفي ما زاد عليه، وقام مقام قوله: ليس لك عندي إلا درهم. ولذلك يقولون انما النحاة المدققون البصريون ويريدون نفي التدقيق عن غيرهم.

ومثله قولهم: إنما السخاء سخاء حاتم يريدون نفي السخاء عن غيره، قال الاعشى:

ولست بالاكثر منهم حصى *** وإنما العزة للكاثر(3)

أراد نفي العزة عن من ليس بكاثر.

واحتج الانصار بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال (إنما الماء من الماء) في نفي الغسل من غير انزال.

وادعى المهاجرون نسخ الخبر، فلولا أن الفريقين فهموا التخصيص لما كان الامر كذلك ولقالوا (إنما) لاتفيد الاختصاص بوجوب الماء من الماء.

ويدل أيضا على أن الولاية في الآية مختصة أنه قال: " وليكم " فخاطب به جميع المؤمنين ودخل فيه النبي صلى الله عليه وآله وغيره ثم، قال ورسوله، فاخرج

___________________________________

(1) سورة مريم آية 4 - 5.

(2) سورة التوبة آية 72.

(3) اللسان (كثر) والاكثر هنا والكاثر بمعنى العدد الكثير وليس هوللتفضيل.

[561]

النبي صلى الله عليه وآله من جملتهم لكونهم مضافين إلى ولايته، فلما قال " والذين آمنوا " وجب أيضا أن يكون الذي خوطب بالآية غير الذي جعلت له الولاية. وإلا. أدى إلى أن يكون المضاف هوالمضاف اليه وأدى إلى أن يكون كل واحد منهم ولي نفسه، وذلك محال. واذا ثبت أن المراد بها في الآية ماذكرناه، فالذي يدل على أن أمير المؤمنين (ع) هو المخصوص بها أشياء: منها - أن كل من قال: ان معنى الولي في الآية معنى الاحق قال إنه هو المخصوص به.

ومن خالف في اختصاص الآية يجعل الآية عامة في المؤمنين وذلك قد ابطلناه.

ومنها - ان الطائفتين المختلفتين الشيعة وأصحاب الحديث رووا أن الآية نزلت فيه (عليه السلام) خاصة.

ومنها - أن الله تعالى وصف الذين آمنوا بصفات ليست حاصلة إلا فيه، لانه قال: " والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " فبين أن المعني بالآية هو الذي أتى الزكاة في حال الركوع.

وأجمعت الامة على أنه لم يؤت الزكاة في حال الركوع غير أمير المؤمنين (ع)، وليس لاحد أن يقول: إن قوله " وهم راكعون " ليس هو حالا ل‍ " يؤتون الزكاة " بل المراد به أن من صفتهم إيتاء الزكاة، لان ذلك خلاف لاهل العربية، لان القائل إذا قال لغيره لقيت فلانا، وهوراكب لم يفهم منه الا لقاؤه له في حال الركوب، ولم يفهم منه أن من شأنه الركوب.

واذا قال: رأيته وهوجالس أو جاء‌ني وهو ماش لم يفهم من ذلك كله إلا موافقة رؤيته في حال الجلوس أو مجيئه ماشيا. واذا ثبت ذلك وجب أن يكون حكم الآية مثل ذلك. فان قيل: ما انكرتم أن يكون الركوع المذكور في الآية المراد به

[562]

الخضوع كأنه قال يؤتون الزكاة خاضعين متواضعين كما قال الشاعر:

ولاتهين الفقير علك أن *** تركع يوما والدهر قد رفعه(1)

والمراد علك أن تخضع، قلنا الركوع هو التطأطأ المخصوص، وإنما يقال للخضوع ركوعا تشبيها ومجازا، لان فيه ضربا من الانخفاض، يدل على ماقلناه نص أهل اللغة عليه، قال صاحب العين: كل شئ ينكب لوجهه فتمس ركبتيه الارض أولا تمس بعد أن يطأطئ رأسه فهو راكع قال لبيد:

أخبر أخبار القرون التي مضت *** أدب كأني كلما قمت راكع(2)

وقال ابن دريد: اراكع الذي يكبوعلى وجهه، ومنه الركوع في الصلاة قال الشاعر:

وأفلت حاجب فوق العوالي *** على شقاء تركع في الظراب(3)

أي تكبوا على وجهها. وإذا كانت الحقيقة ما قلناه، لم يجز حمل الآية على المجاز.

فان قيل قوله " الذين آمنوا " لفظ جمع كيف تحملون ذلك على الواحد؟ قيل: قد يعبر عن الواحد لفظ الجمع إذا كان معظما عالي الذكر قال تعالى " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون "(3) وقال: " رب ارجعون "

___________________________________

(1) قائله الاضبط بن قريع الاسدي. وهو في اللسان (ركع).

وقد مرفي موارد كثيرة من هذا الكتاب.

(2) اللسان (ركع) وقد مرفي 1 / 195.

(3) اللسان (ركع) وقد مرفي 1 / 195.

(4) سورة الحجر آية 9.

[563]

وقال " ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها "(1) ونظائر ذلك كثيرة.

وقال: " الذين قال لهم الناس قدجمعوا لكم "(2) ولاخلاف في أن المراد به واحد، وهونعيم بن مسعود الاشجعي.

وقال: " أفيضوا من حيث أفاض الناس "(3) والمراد رسول الله صلى الله عليه وآله وقال " الذين قالوا لاخوانهم وقعودا لو أطاعونا ما قتلوا "(4) نزلت في عبدالله بن أبي ابن سلول.

فاذا ثبت استعمال ذلك كان قوله " الذين يقيمون الصلاة " محمولا على الواحد الذي قدمناه.

فان قيل: لوكانت الآية تفيد الامامة لوجب أن يكون ذلك إماما في الحال ولجاز له أن يأمر وينهى ويقوم بما يقوم به الائمة. قلنا: من أصحابنا من قال: إنه كان إماما في الحال ولكن لم يأمر لوجود النبي صلى الله عليه وآله وكان وجوده مانعامن تصرفه، فلما مضى النبي صلى الله عليه وآله قام بما كان له.

ومنهم من قال - وهوالذي نعتمده - أن الآية دلت على فرض طاعته واستحقاقه للامامة. وهذاكان حاصلا له. وأما التصرف فموقوف على مابعد الوفاة كمايثبت استحقاق الامر لولي العهد في حياة الامام الذي قبله وإن لم يجز له التصرف في حياته.

وكذلك يثبت استحقاق الوصية للوصي وان منع من التصرف وجود الموصي.

وكذلك القول في الائمة وقد استوفينا الكلام على الآية في كتب الامامة بما لايحتمل بسطه هاهنا.

فان قيل: أليس قد روي أنها نزلت في عبادة بن الصامت أو عبدالله بن سلام وأصحابه؟ فما أنكرتم أن يكون المراد بالذين آمنوا هم دون من

___________________________________

(1) سورة ألم السجدة آية 13.

(2) سورة آل عمران آية 172.

(3) سورة البقرة آية 199.

(4) سورة آل عمران آية 168.

[564]

ذهبتم اليه؟ قلنا: أول ما نقوله: إنا دللنا على أن هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين (ع) بنقل الطائفتين، ولما اعتبرناه من اعتبار الصفة المذكورة في الآية وأنها ليست حاصلة في غيره بطل ما يروى في خلاف ذلك، على أن الذي روي في الخبر من نزولها في عبادة بن الصامت لاينافي ما قلناه، لان عبادة لما تبرأ من حلف اليهود أعطي ولاية من تضمنته الآية، فأما ما روي من خبر عبدالله بن سلام فبخلاف ما ذهبوا اليه لانه روي أن عبدالله بن سلام لما اسلم قطعت اليهود حلفه وتبرؤوا منه فاشتد ذلك عليه، وعلى أصحابه فأنزل الله تعالى الآية تسلية لعبدالله ابن سلام وأصحابه وأنه قد عوضهم من محالفة اليهود، ولاية الله وولاية رسوله وولاية الذين آمنوا.

والذي يكشف عما قلناه أنه قد روي أنها لما نزلت خرج النبي صلى الله عليه وآله من البيت، فقال لبعض أصحابه (هل أعطى أحد سائلا شيئا فقالوا: نعم يارسول الله قدأعطى علي بن أبي طالب السائل خاتمه، وهو راكع. فقال النبي صلى الله عليه وآله الله أكبر قد أنزل الله فيه قرآنا) ثم تلا الآية إلى آخرها. وفي ذلك بطلان ما قالوه.

وقد استوفينا ما يتعلق بالشبهات المذكورة في الآية في كتاب الاستيفاء وحللناها بغاية ما يمكن، فمن أراده وقف عليه من هناك. فأما الولي بمعنى الناصر فلسنا ندفعه في اللغة لكن لايجوز أن يكون مرادا في الآية لما بيناه من نفي الاختصاص. وإقامة الصلاة إتهامها بجميع فروضها من قولهم فلان قائم بعمله الذي وليه أي يوفي العمل جميع حقوقه، ومنه قوام الآمر. وفي الآية دلالة على أن العمل القليل لايفسد الصلاة.

[565]

قوله تعالى: ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون(56))

آية

قيل في معنى قوله " ومن يتولى الله ورسوله " قولان: أحدهما - قال أبوعلي من يتولى القيام بطاعة الله ورسوله ونصرة المؤمنين. الثاني - من يكون وليا لله ورسوله والمؤمنين: بنصرة دين الله والاخلاص له. ولايدل ذلك على أن الولاية الاولى هي تولي النصرة من حيث كان في هذه الآية كذلك، لانه لاتنافي بين أن تفيد الآية الاولى الطاعة وإن أفادت الثانية تولى النصرة وليس يجب أن تحمل الثانية على الآية الاولى من غير ضرورة. على أن في أصحابنا من قال: هذه الآية مطابقة للاولى وأنها تفيد وجوب طاعة الله وطاعة رسوله وطاعة الذين آمنوا، وهم الذين ذكرهم الله في الآية فعلى هذا زالت الشبهة.

و " من " رفع بالابتداء. والجملة خبر عنه وفي " يتولى " ضمير يعود إلى (من) والعائد إلى " من " معنى الخبر، كأنه قال، فهو غالب وصار هذا الكلام في موضعه، وهذا العائد في موضع الجواب.

ومعنى " من " في الجزاء معنى " إن " فلهذا جزمت الفعل المضارع، و " لو " لاتجزم لانها للماضي، وليست بمعنى " إن " وإنما يعرب الفعل المضارع دون الماضي.

والفرق بين " من " والذي " من ثلاثة أوجه أحدها - أن " من " لما يعقل و " الذي " مشتركة.

[566]

و " من " في الجزاء لما يستقبل، وهي في معنى " إن " وليس كذلك " الذي " وثالثها - أن " من " تجزم ولاتحتاج في الجزاء والاستفهام إلى صلة ولايكون جوابها إلابالفعل والفاء.

وقوله: " فان حزب الله هم الغالبون " قال الحسن حزب الله جند الله.

وقال غيره انصار الله قال الشاعرة: وكيف أضوى وبلال حزبي(1) أي كيف استضام وبلال ناصري. وأصله النائبة من قولهم: حزبه الامر يجزبه حزبا اذ أنابه، وكل قوم تشابهت قلوبهم وأعمالهم فهم أحزاب. ومنه قوله " اولئك الاحزاب "(2) " وكل حزب لما لديهم فرحون "(3). و " إن حزب الشيطان هم الخاسرون " وتحزب القوم اذا اجتمعوا كالاجتماع على النائبة. وأرض حزبة غليظة وحمار حزابية مجتمع الخلق غليظ.

___________________________________

(1) قائلة رؤبة بن العجاج. ديوانه: 16، ومجاز القرآن 1: 169 من ارجوزة يمدح بها بلال بن ابي بردة وقد ذكر نفسه ثم اعترض من يعترضه في الهجاء فقال:

ذاك وان عبى لي المعجبى *** وطحطح الجد لحاء القشب

القيت أقوال الرجال الكذب *** وكيف اضوى وبلال حزبي

ورواية الديوان " ولست اضوى ".

طحطح الشئ: فرقه.

و (اللحاء): المخاصمة و (القشب) - بفتح القاف وسكون الشين الكلام المفترى.

(2) سورة ص آية 13.

(3) سورة المؤمنون آية 54 وسورة الروم آية 32.

[567]

قوله تعالى: ياأيها الذين آمنوا لاتتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين(57))

آية

قرأ " والكفار " بالجر أبوعمرو، ونافع، والكسائي. والباقون بالنصب، فمن نصب عطف على " الذين اتخذوا دينكم " وحجتهم في ذلك قوله: " لا يتخذوا المؤمنون الكافرين أولياء ". ومن جرعطف على " من الذين اوتوا الكتاب " أي ومن الكفار أولياء وحجتهم في ذلك أن الحمل على أقرب العاملين أجود، لانهالغة القرآن وحسن الحمل على الجر، لان فرق الكفار ثلاث المشرك. والمنافق. والكتابي الذي لم يسلم وقد كان منهم الهزء فساغ لذلك أن يكون الكفار مجرورا وتفسيرا للموصول وموضحا له.

وقد اخبر الله تعالى أن المشركين كان منهم إستهزاء بقوله " إنا كفيناك المستهزئين "(1) وعن المنافقين في قوله: " واذا خلوا إلى شياطينهم قالوا انا معكم إنما نحن مستهزؤن "(2) واخبر عن الكتابي في هذه الآية. فقال " لاتتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار " وإن وقع على جميع الاصناف، فهو في من ليس من أهل الكتاب أليق، وعليه أغلب، فلذلك أفرد بالذكر.

وقال الحسن: المعنى بالكفار مشركوا العرب، وإنما دخل غيرهم في الحكم بما صحب الكلام من الدليل

___________________________________

(1) سورة المجادلة آية 19.

(2) سورة البقرة آية 14.

[568]

وقال غيره: يدخل فيه جميع أصناف الكفار، وانما وصفهم الله تعالى بماكانوا عليه من التلاعب بالدين لامرين: أحدهما - لاغراء المؤمنين بعداوتهم والبراء‌ة منهم. الثاني - ذما لهم وتحذيرا من مثل حالهم لانها حال السفهاء الذين لاخلاق لهم.

وقال ابن عباس: كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويدبن الحارث قد أظهرا الاسلام ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادونهما، فانزل الله هذه الآية ويجوز في " هزوا " أربعة أوجه: الاول " هزؤا " بضم الزاي وتخفيف الهمزة، الثاني هزوا بالواو ومن غير همز على التخفيف لان الهمزة مفتوحة قبلها ضمة كجون، الثالث هزأ بسكون الزاي والهمز. الرابع هزى على وزن هدى بفتح الزاي واسقاط الهمزة. والهزء السخرية وهو اظهار ما يلهي تعجبا مما يجري.

قال الله تعالى: " ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن "(1) وقال الشاعر:

ألا هزئت واعجبها المشيب *** فلانكر لديك ولاعجيب

ويقال هزئ به يهزأ هزوا وهزؤا واستهزؤا به استهزاء‌ا. و (اللعب) الاخذ على غير طريق الحق، ومثله العبث وأصله من لعاب الصبي يقال: لعب يلعب لعبا اذا سال لعابه لانه يخرج إلى غير جهته وكذلك اللاعب يمر في غير جهة الصواب.

وقوله: " ان كنتم مؤمنين ": قيل في معناه قولان: أحدهما - ان كنتم مؤمنين بوعده ووعيده. الثاني - إن من كان مؤمنا غضب لايمانه على من طعن فيه. وكافاه بما يستحقه من المقت له.

___________________________________

(1) سورة الانعام آية 10 وسورة الانبياء آية 41.

[569]

قوله تعالى: وإذا ناديتم إلى الصلوة إتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لايعقلون(58))

آية

بلاخلاف النداء والدعاء بمد الصوت على طريقة يافلان وأصله ندى الصوت وهوبعد مذهبه وضجة جرمه. ومنه قولهم: أناديك ولاأناجيك أي أعالنك النداء، ولاأسر لك النجوى، وأصل الباب الندو، وهو الاجتماع يقال ندى القوم يندون ندوا اذا اجتمعوا في النادي، ومنه دار الندوة وندى الماء، لانه يجتمع قليلاقليلا وندى الصوت لانه عن جرم ندي.

أخبر الله تعالى عن صفة الكفار الذين نهى الله المؤمنين عن اتخاذهم أولياء بانهم اذا نادى المؤمنون إلى الصلاة ودعوا اليها اتخذوها هزوا ولعبا وفي معنى ذلك قولان: قال قوم: إنهم كانوا اذا أذن المؤمنون للصلاة تضاحكوا فيما بينهم وتغامزوا على طريق السخف والجنون تجهيلا لاهلها، وتنفيرا للناس عنها، وعن الداعي اليها. الثاني - أنهم كانوا يرون المنادي اليها بمنزلة اللاعب الهازئ بفعلها جهلا منهم بمنزلها وقال أبوذهيل الجمحي:

وابرزتها من بطن مكة بعدما *** أصات المنادي بالصلاة فأعتما

وقوله تعالى: " بأنهم قوم لايعقلون " قيل في معناه قولان: أحدهما - انهم لايعقلون مالهم في اجابتهم لو أجابوا اليها من الثواب، وما عليهم في استهزائهم بها من العقاب.

[570]

الثاني - انهم بمنزلة من لاعقل له يمنعه من القبائح ويردعه من الفواحش وقال السدي: كان رجل من النصارى بالمدينة فسمع المؤذن ينادي أشهد أن لااله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله قال: حرق الكاذب فدخلت خادمة له ليلة بنار وهو نائم وأهله فسقطت شرارة فأحرق البيت واحترق هو وأهله.

قوله تعالى: قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون(59))

آية واحدة

أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يخاطب أهل الكتاب فيقول لهم " هل تنتقمون منا " وقيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها هل تسخطون. الثاني هل تنكرون. والثالث هل تكرهون، والمعنى متقارب يقول ينقم نقما ونقم ينقم والاول اكثر قال عبدالله بن قيس الرقيات:

ما نقموا من بني أمية إلا أنهم يحلمون إن غضبوا(1)

قال ابن عباس: أتى رسول الله صلى الله عليه وآله نفر من يهود فيهم أبوياسربن أخطب ورافع ابن أبي رافع وغيره، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، فقال

___________________________________

(1) ديوانه: 70 ومجاز القرآن 1: 170 واللسان (نقم) من قصيدته التي قالها لعبد الملك بن مروان في خبر ذكره ابوالفرج الاصفهاني في الاغاني 50: 76 - 80.

[571]

أؤمن " بالله وما أنزل الينا وما أنزل إلى ابراهيم واسماعيل ويعقوب والاسباط وأما أوتي موسى وعيسى وماأوتي النبيون من ربهم لانفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون "(2) فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: لانؤمن به وبمن آمن به، فانزل الله هذه الآية.

وقوله " وإن اكثركم فاسقون " في موضع نصب، لانه مصدر في تقدير بان اكثركم، ولو أستأنفه كان صوابا لكن لم يقرأ به. وقيل في معناه ثلاثة أقوال: قال الزجاج والفراء هل تكرهون منا إلا ايماننا وفسقكم، والمعنى ليس هذا مما ينقم.

الثاني - قال الحسن: لفسقكم نقمتم ذلك علينا.

الثالث - قال أبوعلي: نقموا فسق اكثرهم، لانهم لم يتابعوهم عليه.

فان قيل كيف قال: " وان اكثركم فاسقون " وهم جميعا فساق؟ قلنا عنه ثلاثة اجوبة: أحدها أنهم خارجون عن أمر الله طلبا للرئاسة وحسدا على منزلة النبوة.

الثاني - فاسقون بركوب الاهواء.

الثالث - على التلطف للاستدعاء.

ومعنى الآية هل تكرهون إلا ايماننا وفسقكم أي انماكرهتم ايماننا وانتم تعلمون أنا على حق، لانكم فسقتم بأن اقمتم على دينكم لمحبتنكم الرئاسة وتكسبكم بها الاموال.

فان قيل كيف يعلم عاقل أن دينا من الاديان حق فيؤثر الباطل على على الحق؟ !

___________________________________

(1) سورة البقرة آية 136.

[572]

قلنا: أكثر ما نشاهده كذلك، من ذلك أن الانسان يعلم ان القتل يورده النار، فيقتل إما إيثارا لشفاء غيظ أو لاخذ مال. وكما فعل ابليس مع علمه بأن الله يدخله النار بمعصيته فآثر هواه على القربة من الله وعمل لما يدخله النار. وهذا ظاهرفي العادات.

الآية: 60 - 69

قوله تعالى: قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل(60))

قراء حمزة " وعبد الطاغوت " بضم الباء وخفض التاء يريد خدم الطاغوت في قول الاعمش، ويحيى بن رئاب. الباقون بفتح الباء والدال ونصب التاء قال أبوعلي: حجة حمزة أنه حمل على ما عمل فيه (جعل) كأنه قال وجعل منهم من عبد الطاغوت.

ومعنى (جعل) خلق، كما قال " وجعل منها زوجها "(1) وقال " وجعل الظلمات والنور "(2) قال: وليس (عبد) لفظ جمع لانه ليس في أبنية الجمع شئ على هذا البناء لكنه واحد في موضع جمع كما قال " وإن تعدوا نعمة الله لاتحصوها "(3) وجاء على (فعل) لان هذا البناء يراد به الكثرة نحو يقط وندس و (عبد) في الاصل صفة، وان

___________________________________

(1) سورة الاعراف آية 188.

(2) سورة الانعام آية 1.

(3) سورة الرعد آية 34 وسورة النحل آية 18.

[573]

كان استعمل استعمال الاسماء، ولايزيل ذلك عنه كونه صفة كمالم يزل في الابرق والابطح حيث كسر تكسير الاسماء لم يزل عنهما معنى الصفة بدلالة أنهم تركوا صرفهما كماتركوا صرف (أحمر) ولم يجعلوه كأوكل وابدع.

وأما من فتح فانه عطفه على مثال الماضي الذي في الصلة، وهوقوله " لعنه الله وغضب عليه " وأفرد الضمير في (عبد) وان كان المعنى فيه كثرة لان الكلام محمول على لفظ (من) دون معناه، ولوحمل الكلام أو البعض على المعنى لكان صوابا قال الفراء: وقرأأبي وعبدالله " وعبد الطاغوت " على الجمع، والمعنى والذين عبد الطاغوت - بضم العين والباء - مثل ثمار وثمر، وعبيد وعبد، على أنه جمع جمع، ويكون المعنى وجعل منهم عبد الطاغوت كما تقول: جعلت زيدا أخاك أي نسبته اليك ويجوز على هذا رفع الدال على تقدير، وهم عبد الطاغوت لكن لم يقرأ به أحد.

قال: ولو قرأ قارئ وعبد الطاغوت كان صوابا يريد به عبدة الطاغوت ويحذف الهاء للاضافة كما قال الشاعر: قام ولاها فسقوه صر خدا(1) يريد ولاتها وحكي في الشواذ و (عبد الطاغوت) على مالم يمسي فاعله، ذكره الرماني.

قال الطبري هي قراء‌ة أبي جعفر المدني.

وحكى البلخي (عابد الطاغوت، وعبد الطاغوت) مثل شاهد وشهد.

وحكى ايضا (عباد الطاغوت) مثل كافر وكفار، ولايقرأبشئ من ذلك.

___________________________________

(1) معاني القرآن للفراء 1: 314.

والطبري 1: 441 (صرخد) موضع في الشام تنسب له الخمرة الجيدة.

[574]

وقال الطبري عن يريدة الاسلمي انه قرأ (عابد الطاغوت) فهذه ثمانية أوجه، لكن لايقرأ إلا بقرائتين أو ثلاثة، لان القراء‌ة متبوعة يؤخذ بالمجموع عليه، قال الفراء (عبد) على ما قرأ حمزة إن كانت لغة فهومثل حذر وحذر، وعجل وعجل فهو وجه والافانه أراد قوله الشاعر:

أبنى لبيني إن أمكم *** أمة وإن أباء‌كم عبد(1)

فحرك وهذا في ضرورة الشعر لافي القراء‌ة وأنشد الاخفش:

أنسب العبد إلى آبائه *** اسود الجلدة من قوم عبد(2)

أمر الله تعالى في هذه الآية نبيه صلى الله عليه وآله أن يخاطب الكفار ويقول لهم " هل انبئكم " أي هل اخبركم " بشرمن ذلك " أي من الذي طعنتم عليه من المسلمين، ومما رغبتم عنه ونقمتم عليه، وانما قال " بشر من ذلك وان لم يكن من المؤمن شر وكذلك قوله " اولئك شر مكانا " على الانصاف في الخطاب والمظاهرة في الحجاج لان الكفار يعتقدون ان هؤلاء أشرار، وأن مافيهم شر فخرج على ما يعتقدونه.

وقوله: " مثوبة " معناها الثواب الذي هو الجزاء ووزنها مفولة مثل مقولة ومجوزة ومضوفة على معنى المصدر وقال الشاعر:

وكنت اذاجاري دعا لمضوفة *** أشمرحتى ينصف الساق مئزري(3)

___________________________________

(1) قائله اوس بن حجر. ديوانه القصيدة: 5 البيت 4 ومعاني القرآن للفراء 1: 14، 315 واللسان (عبد).

(2) اللسان (عبد).

(3) قائله ابوجندب الهذلي.

اشعار الهذليين 3: 92 ومجاز القرآن لابي عبيدة 170 واللسان (ضيف)، (نصف).

المضيفة، والمضافة: الامر يشفق منه وقد روي البيت بهما جميعا.

[575]

وقال ابوعبيدة هي (مفعلة) مثل مكرهة ومعقلة ومشغلة.

وموضع (من) يحتمل ثلاثة أوجه من الاعراب: أحدها - الجر والتقدير بشرمن ذلك لمن لعنه الله والرفع على من لعنه الله، وا لنصب على أنبئكم من لعنه الله. وقيل في معنى (الطاغوت) قولان: أحدهما قال الحسن: هو الشيطان، لانهم أطاعوه طاعة المعبود. والثاني كل مادعا إلى عبادته من دون الله من الفراعنة، فشبه به ماعبد من الاصنام ونحوها.

قال ابوعلي: وهو هاهنا العجل الذي عبدته اليهود، لان الكلام كله في صفتهم.

وقوله (أولئك شر مكانا) يعني هؤلاء الذين وصفهم بأنهم لعنهم وغضب عليهم، وانهم عبدة الطاغوت شر مكانا يعني في عاجل الدنيا وآجل الآخرة. وهو نصب على التمييز وقوله " وأضل عن سواء السبيل " يعني أجوز عن الطريق المستقيم.

وظن بعضهم ان قوله (وجعل منهم القردة جعلهم كذلك والخنازير وعبد الطاغوت) يفيد أنه جعلهم يعبدون الطاغوت - يتعالى الله عن ذلك - لانه لوكان جعلهم كذلك لما كان عليهم لوم، وانما المعنى ماقلناه: من أنه اخبر عمن هو شر ممن عابوه، وهم الذين لعنهم وغضب عليهم، ومن جعل منهم القردة والخنازير، ومن عبد الطاغوت، لانه تعالى هو الخالق لهم، وان كان لم يخلق عبادتهم للطاغوت.

وقال ابو علي: هو معطوف على قوله " من لعنه الله وغضب عليه " ومن " عبد الطاغوت " ومن جعل منهم القردة والخنازير وليس بمعطوف على قوله (وجعل منهم القردة والخنازير) فعلى هذا سقطت الشبهة.

[576]

قوله تعالى: وإذا جاؤكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون(61))

آية بلاخلاف

أخبر الله تعالى عن هؤلاء المنافقين بانهم اذا جاؤا المؤمنين (قالواآمنا) أي صدقنا (وقددخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به) قيل فيه قولان: أحدهما - قال الحسن وابن عباس والسدي وقتادة وأبوعلي: وقد دخلوا بالكفر بخلاف ما أظهروه على النبي صلى الله عليه وآله وخرجوا به من عنده. الثاني - وقد دخلوا به في احوالهم وقد خرجوا به إلى احوال أخر كقولك هو يتقلب في الكفر ويتصرف به، ومعناه تقريب الماضي من الحال ولهذا دخلت (في) هذا الموضوع.

وقال الخليل: ويكون لقوم ينتظرون الخبر كقولك قد ركب الامير لمن كان ينتظره، وهو راجع إلى ذلك الاصل لانه تقريب من الحال المنتظرة وأصل الدخول الانتقال إلى محيط كالوعاء إلا أنه قد كثر حتى قيل دخل في هذا الامر، ولايدخل في المعنى ماليس منه. ودخل في الاسلام. وخرج بالردة منه. وكان ذلك مجاز.

وقوله: (جاؤكم) لايجوز ان يكون عاملا في " اذا " كمايعمل في " متى " لو.

قيل: متى جاؤكم، قالوا آمنا، لان " اذا " مضافة إلى مابعدها والمضاف اليه لايعمل في المضاف لانه من تمامه. وليس كذلك " متى " لانها جزاء.

وقوله " والله اعلم بماكانوا يكتمون " معناه مايكتمونه من نفاقهم اذ اظهروا بألسنتهم مااضمروا خلافه في قلوبهم فبين الله للناس أمرهم.

[577]

قوله تعالى: وترى كثيرا منهم يسارعون في الاثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ماكانوا يعملون(62))

آية بلاخلاف

وصف الله تعالى المنافقين الذين تقدم وصفهم لنبيه صلى الله عليه وآله بأنه " ترى كثيرا منهم يسارعون " أي يبادرون في الاثم والعدوان.

قال السدي: الاثم الكفر، وقال غيره وهو يقع على كل معصية وهو الاولى. والفرق بين الاثم والعدوان أن الاثم الجرم كائنا ماكان، والعدوان الظلم، فهم يسارعون في ظلم الناس وفي الجرم الذي يعود عليهم بالوبال والخسران.

وقيل - العدوان من عدوهم على الناس بمالايحل.

وقيل - لمجاوزتهم حدود المجاوزتهم حدود الله وتعديتهم اياها.

ويقال تأثم اذا تحرج من الاثم. والآثم الفاعل للاثم.

والسحت الرشوة في الحكم - في قول الحسن - وأصله استئصال القطع فيكون من هذا لانه يقتضي عذاب الاستئصال ويتكرر لانه يقتضي استئصال المال بالذهاب.

وانما قال " يسارعون " بدل قوله (يعجلون) وان كانت العجلة أدل على الذم لامرين: أحدهما - أنهم يبادرون اليه كالمبادرة إلى الحق، فأفاد " يسارعون " أنهم يعملونه كأنهم محقون فيه. والاخر - لازالة إيهام أن الذم من جهة العجلة، وايجابه في الاثم والعدوان.

[578]

وقوله " لبئس ماكانوا يعملون " يدل على أن الحمد والذم يكونان للافعال، لانه بمنزلة بئس العمل عملهم، وهذا ذم لذلك العمل إلا انه جرى على طريقة الحقيقة أو طريقة المجاز بدليل آخر يعلم. وقد كثر استعماله حتى قيل الاخلاق المحمودة والاخلاق المذمومة. ونعم ماصنعت وبئس ماصنعت وأصل الذم واللوم واحد إلا أن الذم كثر في نفس العمل دون اللوم، لانه لايقال: لمت عمله كمايقال ذممت عمله.

و (ما) في قوله " لبئس ما " يحتمل أمرين: أحدهما - ان تكون كافة كما تكون في انما زيد منطلق وليتما عمرو قائم، فلايكون لها على هذا موضع. الثاني ان تكون نكرة موصوفة كأنه قيل: لبئس شيئا كانوا يعملون.

قوله تعالى: لولا ينهيهم الربانيون والاحبار عن قولهم الاثم وأكلهم السحت لبئس ماكانوا يصنعون(63))

آية.

معنى " لولا " هاهنا هلا. واصلها ان يمتنع الشئ لوجود غيره. (لو) معناها امتناع الشئ لامتناع غيره.

وقال الرماني أصلها التقدير لوجوب الشئ عن الاول فنقلت إلى التحضيض على فعل الثاني من أجل الاول. وان لم يذكر ولابد معها من دلالة دخلها معنى: لم لايفعل.

فان قيل كيف تدخل (لولا) على الماضي وهي للتحضيض وفي التحضيض معنى الامر؟ ! قيل: لانها تدخل للتحضيض والتوبيخ، فاذاكانت مع الماضي فهي توبيخ كقوله تعالى " لولا جاؤا عليه باربعة شهداء "(1) وقوله " ولولا اذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بانفسهم خيرا "(2).

___________________________________

(1، 2) سورة 24 النورآية 12 - 13

[579]

و " الرباني " العالم بالدين الذي من قبل الرب، وهو منسوب إلى الرب على وجه تغيير الاسم، كما قالوا روحاني في النسبة إلى الروح، وبحراني في النسبة إلى البحر.

وقال الحسن " الربانيون " علماء أهل الانجيل والاحبار علماء‌أهل التوراة.

وقال غيره كله في اليهود، لانه يتصل بذكرهم.

وقوله: " لبئس ما " اللام فيه لام القسم ولايجوز أن تكون لام الابتداء، لانها لا تدخل على الفعل الافي باب " أن " خاصة لانها حلقت عن الاسم إلى الخبر لئلا يجمع بين حرفين في موضع واحدبمعنى واحد والصنع والعمل واحد. وقيل الفرق بينهما أن الصنع مضمن بالجودة من قولهم: ثوب صنيع، وفلان صنيعة فلان اذا استخلصه إلى غيره وصنع الله لفلان أي احسن اليه وكل ذلك كالفعل الجيد.

قوله تعالى: وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ماانزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيمة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفاها الله ويسعون في الارض فسادا والله لايحب المفسدين(64))

آية.

[580]

أخبر الله تعالي في هذه الآية عن اليهود انهاقالت: إن " يد الله مغلولة " وقيل في معني (مغلولة) قولان: أحدهما قال ابن عباس وقتادة، والضحاك: إن المراد بذلك أنها مقبوضة من العطاء على وجه الصفة له بالبخل كما قال تعالى " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولاتبسطها كل البسط "(1) وانما قالوا ذلك لما نزل قوله " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا "(2) قالوا: إن رب محمد فقير يستقرض منا فى أنزل الله هذه الآية.

الثاني قال الحسن معناه انها مقبوضة عن عذابنا.

وقال البلخي يجوز ان يكون اليهود، قالوا قولا واعتقدوا مذهبا معناه يؤدي إلى ان الله يبخل في حال ويجود في حال أخرى، فحكى الله تعالى ذلك على وجه التعجب منهم والتكذيب لهم. ويجوز أن يكون ذلك على وجه التعجب منهم والتكذيب له. ويجوز ان يكونوا قالوا ذلك على وجه الهزء حيث لم يوسع على النبي صلى الله عليه وآله وعلى أصحابه. وليس ينبغي أن يتعجب من قوم يقولون لموسى: " إجعل لنا إلها كما لهم آلهة " ومن اتخذالعجل إلها، ومن زعم أن ربه أبيض الرأس واللحية جالس على كرسي، كيف يقولون إن الله يبخل مرة ويجود اخرى.

وقال الحسين بن علي المغربي حدثني بعض اليهود الثقات منهم بمصر ان طائفة قديمة من اليهود قالت ذلك بهذا اللفظ. وأمااليد فانها تستعمل على خمسة أوجه: أحدها - الجارحة. والثاني - النعمة. الثالث - القوة. الرابع - الملك. الخامس - تحقيق إضافة الفعل،

___________________________________

(1) سورة 17 الاسرى آية 29.

(2) سورة 2 البقرة آية 245 وسورة 57 الحديد آية 11.

[581]

قال الله تعالى " أولى الايدي والابصار(1) معناه القوى ويقال لفلان على فلان يد أي نعمة وله علي يد أشكرها أي نعمة.

وقال الشاعر:

له في ذوي الحاجات أيد كأنها *** مواقع ماء المزن في البلد القفر

ومثل ذلك يقولون له عليه صنع حسنة.

وقوله " الذي بيده عقدة النكاح "(2) معناه من يملك ذلك وقوله " لماخلقت بيدي "(3) أي توليت خلقه.

وقوله " غلت أيدهم " قيل في معناه قولان: أحدهما - قال الزجاج وغيره معناه الزموا البخل على مطابقة الكلام الاول فهم أبخل الناس. الثاني - قال الحسن وأبوعلي " غلت أيديهم " في جهنم.

وقوله " ولعنوا بما قالوا " أي أبعدوا من رحمة الله وثوابه.

وقوله " بل يداه مبسوطتان " تكذيب منه تعالى لماقالوا وإخبار أن يديه مبسوطتان أي نعمه مبسوطة.

وقيل في وجه تثنية اليد ثلاثة أقوال: أحدها - أنه أراد نعمة الدنيا ونعمة الدين أو نعمة الدنيا ونعمة الاخرة.

الثاني - قال الحسن معناه قوتاه بالثواب والعقاب والغفران والعذاب بخلاف قول اليهود إن يده مقبوضة عن عذابنا.

الثالث - أن التثنية للمبالغة في صفة النعمة مثل قولهم: لبيك وسعديك، وكما يقول القائل: بسط يديه يعطي يمنة ويسرة ولايريدون الجارحة وإنما يريدون كثرة العطية وقال الاعشى:

___________________________________

(1) سورة ص آية 45.

(2) سورة البقرة آية 237.

(3) سورة ص آية 75.

[582]

يداك يدامجد فكف مفيدة *** وكف إذاما ضن بالزاد تنفق(1)

وقوله تعالى " ينفق كيف يشاء " معناه يعطي من شاء من عباده ويمنع من شاء منهم، لانه متفضل بذلك ويفعل حسب ما تقتضيه المصلحة.

وقوله " وليزيدن كثيرا منهم ماأنزل اليك من ربك طغيانا وكفرا " أي وسيزدادون عند ذلك طغيانا وكفرا لان القرآن لايفعل شيئا من ذلك، كما يقول القائل: وعظتك فكانت موعظتي وبالا عليك.

ومازادتك إلا شرا أي انك ارددت عندها شرا. وذلك مشهور في الاستعمال.

والطغيان هناهو الغلو في الكفر.

وقوله " والقينا بينهم العداوة والبغضاء " قيل فيه قولان: أحدهما - إن المراد بذلك بين اليهود والنصارى على ماقلناه في قوله " فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء "(2) هذا قول الحسن ومجاهد. وقد جرى ذكرهم في قوله " لاتتخذوا اليهود والنصارى أولياء "(3).

الثاني - ان الكناية راجعة على اليهود خاصة. والمراد ماوقع بينهم من الخلاف بين الاشمعينية والعنانية وغيرهم من طوائف اليهود ذكره الرماني.

وبماذا القي بينهم العداوة والبغضاء؟ قيل فيه قولان: أحدهما - قال أبوعلي بتعريف اليهود قبح مذهب النصارى في عبادة المسيح وبتعريف النصارى قبح مذهب اليهود في الكفر بالمسيح. الثاني - قال الرماني بوضع البغضاء عقاباعلى الاختلاف بالباطل.

وقوله " إلى يوم القيامة " فيه دلالة على أنهم لا يجتمعون على مذهب

___________________________________

(1) ديوانه: 150(2) سورة المائدة آية 15.

(3) سورة المائدة آية 54.

[583]

واحد إلى يوم القيامة، ولابد أن يكون ذلك مختصا بمن يعلم الله من حالهم انهم لايؤمنون.

وقوله " كلما أو قدوا نارا للحرب أطفاها الله " قيل في معناه قولان: أحدهما - قال الحسن ومجاهد: لحرب محمد صلى الله عليه وآله وفي ذلك دلالة ومعجزة، لان الله أخبر عن الغيب وكان كما أخبر، لان اليهود كانت أشد أهل الحجاز بأسا وأمنعهم دارا حتى أن قريشا كانت تعتضد بهم والاوس والخزرج تستبق إلى محالفتهم والتكثر بنصرتهم، فأباد الله حضراء‌هم واقتلع أصلهم فأجلي النبي صلى الله عليه وآله بني قينقاع وبني النضير، وقتل بني قريظة وشرد أهل خيبر وغلب على فدك ودان له أهل وادي القرآن. فمحي الله آثارهم صاغرين وحقق بخبر نبيه صلى الله عليه وآله. وهذه كلمة مستعملة في اللغة في التشاغل بالحرب والاستعداد لها.

قال عوف ابن عطية:

إذا ما اجتنينا جنا منهل *** شببنا لحرب بعلياء نارا

الثاني - قال قتادة: هو عام.

والمعنى إن الله أذلهم بذاك لايغزون أبدا وإنما يطفئ الله بلطفه نارحربهم ومايوقي نبيه صلى الله عليه وآله من نقض مايبرمون. ومايطلعه عليه من أسرارهم ويمن به عليه من النصر والتأييد، ثم أخبر تعالى أن هؤلاء اليهود " يسعون في الارض فسادا " يعني بمعصية الله وتكذيب رسله ومخالفة أمره ونهيه، واجتهادهم في دفع الاسلام ومحوذكر النبي صلى الله عليه وآله. من كتبهم، وذلك هو سعيهم بالفساد، ثم قال " والله لايحب المفسدين " بعني لايحب من كان عاملا بمعاصيه في أرضه.

[584]

قوله تعالى: ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيآتهم ولادخلناهم جنات النعيم(65))

آية

قدبينا أن معنى (لو) امتناع الشئ لامتناع غيره.

وقال الرماني معناه وجوب المعني الثاني، بالاول على جهة التقدير بطريقة لوكان كذا لكان كذا، فان قطع الاول قطع الثاني بطريقة كقولك وقدكان كذا وكذا، وقد كان كذا وماكان كذا، فماكان كذا فنحوه. وماكفرنا عنهم سيئاتهم فما آمنوا واتقوا.

والفرق بين (لو) و (إن) - مع أن كل واحدة منهماتعلق المعنى الاول - أن " لو " للماضي و " ان " للمستقبل كقولك: ان أتيتني أكرمتك. ولو اتيتني لاكرمتك، فيقدر الاكرام بالاتيان في الماضي.

وفي " إن " وعد وليس في " لو " ذلك. أخبر الله تعالى أن هؤلاء اليهود والكفار لو آمنوا واتقوا معاصيه لكفر عنهم سيئاتهم أي غطاها عليهم وأزال عقابها عنهم وأثابهم على إيمانهم وتقواهم.

" ولادخلناهم جنات النعيم " اللام لام القسم وأصل التكفير التغطية.

ومنه يكفر في السلاح قال الشاعر: في ليلة كفر النجوم غمامها(1).

وقوله " ولادخلناهم جنات النعيم " وان كان على لفظ الماضي فالمراد به الاستقبال وإنما كان كذلك، لانه قدر تقدير الماضي كما قال " ولو ردوا لعادوا " وذلك يدل على أن " لو " أوسع من " ان ".

___________________________________

(1) قد مرفي 1: 60 منسوب إلى لبيد.

[585]

قوله تعالى: ولو أنهم أقاموا التورية والانجيل وما أنزل إليهم من ربهم لاكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء مايعملون(66))

آية.

قد بينا معنى (لو) فيما مضى وإنما فتحت (أنهم) بعدها لان هذا موضع قد خالف الابتداء بأنه بالفعل أولى فصار بمنزلة العامل الذي يختص بالفعل دون الاسم أوالاسم دون الفعل يبين ذلك امتناع اللام من الدخول على الخبر في (لو) وليس كذلك (حتى) و (الا).

ومعنى " أقاموا التوراة والانجيل " علموا بما فيهما على مافيهما دون أن يحرفوا شيئا منهما أويغيروا أو يبدلوا كما كانوا يفعلون ويحتمل أن يكون معناه بما فيهما بأن أقاموهما نصب أعينهم لئلا يزلوا في شئ من حدودهما.

وقوله " وماأنزل اليهم من ربهم " يحتمل أمرين: أحدهما - قال ابن عباس وأبوعلي وغيرهما: المراد به الفرقان. الثاني - قال قوم: كل مادل الله عليه من امور الدين.

وقوله " لاكلوا من فوقهم " بارسال السماء عليهم مدرارا " ومن تحت أرجلهم " باعطاء الارض خيرها وبركتها وقال قوم " من فوقهم " ثمارالنخل والاشجار " ومن تحت أرجلهم " الزرع.

والمعنى لو آمنوا لاقاموا في أوطانهم، وأموالهم وزروعهم، ولم يجلوا عن بلادهم، ففي ذلك التأسيف لهم على ما فاتهم، والاعتداد بسعة ماكانوا فيه من نعمة الله عليهم، وهو جواب التبخيل في قولهم " يدالله مغلولة "(1).

الثاني ان المعنى فيه التوسعة، كما يقال: هو في الخير من قرنه إلى قدمه أي يأتيه الخير من كل جهة يلتمسه منها.

___________________________________

(1) سورة المائدة آية 67.

[586]

واختار الطبري الوجه الاول.

وقدجعل الله التقي من أسباب الرزق فقال " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لايحتسب "(1) وقال " ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض "(2) وقال " استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا "(3) وقال " وأن لو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماء غدقا "(4).

وقوله " منهم أمة مقتصدة " يعني من هؤلاء الكفار قوم معتدلون في العمل من غير غلو ولاتقصير.

قال أبوعلي: وهم الذين أسلموا منهم، وتابعوا النبي صلى الله عليه وآله، وهو المروي في تفسير أهل البيت.

وقال قوم: نزلت في النجاشي وأصحابه.

وحكى الزجاج عن قوم أنهم قالوا: نزلت في قوم لم يناصبوا النبي صلى الله عليه وآله مناصبة هؤلاء. والاول أقوى، لان الله تعالى لايجوز أن يسمي الناصب مقتصدا بحال. ويحتمل أن يكون أراد به من يقر منهم بأن المسيح عبدالله، ولايدعي فيه الالهية والبنوة.

وقال مجاهد: هم مسلموا أهل الكتاب.

وبه قال ابن زيد، والسدي. واشتقاق المقتصدين من القصد، لانه القاصد إلى مايعرف، فكان خلاف الطالب المتحير في طلبه. والاقتصاد الاستواء في العمل المؤدي إلى الغرض.

وقوله " وكثير منهم ساء مايعملون " أخبار منه تعالى أن أكثر هؤلاء اليهود والنصاري. يعملون الاعمال السيئة وهم الذين يقيمون على

___________________________________

(1) سورة 65 الطلاق آية 2 - 3.

(2) سورة الاعراف آية 95.

(3) سورة نوح آية 10 - 13.

(4) سورة الجن آية 16.

[587]

الكفر والجحود بالنبي صلى الله عليه وآله وقوله " ساء " معناه قبح و " مايعلمون " يحتمل أن تكون (ما) مع مابعدها بمنزلة المصدر والتقدير: بئس شبيئا عملهم كماقال: " ساء مثلا القوم الذين كذبوا ".

والثاني أن تكون (ما) بمعنى الذي ومابعدها صلة لها والعائد محذوف.

قوله تعالى: ياأيها الرسول بلغ ماأنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لايهدي القوم الكافرين(67))

آية بلاخلاف.

قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر " رسالاته " على الجمع.

الباقون " رسالته " على التوحيد.

من قرأ على الجمع ذهب إلى أن الانبياء يبعثون بضروب الرسائل واختلاف العبادات. ومن وحد، فلانه يدل على الكثرة.

قيل في سبب نزول هذه الاية أربعة أقوال: أحدها - قال محمدبن كعب القرطي، وغيره: إن اعرابيا هم بقتل النبي صلى الله عليه وآله فسقط السيف من يده وجعل يضرب برأسه شجرة حتى انتثر دماغه.

الثاني - أن النبي صلى الله عليه وآله كان يهاب قريشا فأزال الله عزوجل بالاية تلك الهيبة. وقيل كان للنبي صلى الله عليه وآله حراس بين أصحابه، فلما نزلت الاية قال الحقوا بملاحقكم، فان الله عصمني من الناس.

الثالث - قالت عائشة إن المراد بذلك إزالة التوهم أن النبي صلى الله عليه وآله كتم شيئا من الوحي للتقية.

[588]

الرابع - قال أبوجعفر وأبوعبدالله (عليهما السلام) إن الله تعالى: لماأوحى إلى النبي صلى الله عليه وآله أن يستخلف علياكان يخاف أن يشق ذلك على جماعة من أصحابه، فأنزل الله تعالى هذه الآية تشجيعا له على القيام بما أمره بادائه.

والآية فيها خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وإيجاب عليه تبليغ ماأنزل اليه من ربه وتهديدله إن لم يفعل وانه يجري مجري إن لم يفعل ولم يبلغ رسالته. فان قيل كيف يجوز ذلك؟ ولايجوز أن يقول: إن لم تبلغ رسالته فمابلغتها لان ذلك معلوم لا فائدة فيه ! قلنا: قال ابن عباس: معناه إن كتمت آية مما أنزل اليك فما بلغت رسالته والمعنى ان جريمته كجريمته لو لم يبلغ شيئا مما أنزل اليه في انه يستحق به العقوبة من ربه.

وقوله " والله يعصمك من الناس " معناه يمنعك أن ينالوك بسوء من فعل أوشر أو قهر. وأصله عصام القربة، وهو وكاؤها الذي يشدبه من سير أوخيط.

قال الشاعر:

وقلت عليكم مالكا إن مالكا *** سيعصمكم إن كان في الناس عاصم(1)

أي سيمنعكم.

وقوله تعالى " إن الله لايهدي القوم الكافرين " قيل في معناه قولان: قال الجبائي: إن الله يهدي إلى الثواب والجنة الكافرين.

وقال الرماني: معنى الهداية ههنا المعونة بالتوفيق والالطاف إلى الكفر بل إنما يهديهم إلى الايمان والثواب، لان من هداه إلى غرضه فقد أعانه

___________________________________

(1) مجاز القرآن 1: 171 والطبري 10: 472.

[589]

على بلوغه، ولايجوز أن يكون المراد به أنه لايهديهم إلى الايمان، لانه تعالى هداهم اليه بأن دلهم عليه ورغبهم فيه وحذرهم من خلافه.

وفي الاية دلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وآله من وجهين: أحدهما أنه لا يقدم على الاخبار بذلك محققا إلا من يأمن أن يكون مخبره على ماهو به، لانه لاداعي له إلى ذلك غير الصدق والثاني - أنه لماوقع مخبره على ماأخبر به فيه وفي نظائره دل على أنه من عندعلام الغيوب.

وحكى البلخي أن بعد قوله تعالى " والله يعصمك من الناس " لم يكن الكفار قادرين على قتل النبي ولا منهيون عن قتله، لان مع المنع لا يصح النهي عنه، قال وإنما هم منهيون عن أسباب القتل التي تقتل غالبا، لانهم كانوا قادرين عليها.

قال ووجه آخر أنهم كانوا قادرين لكن علم أنهم لا يقتلونه. وأنه يحول بينهم وبين القتل. والاول لايصح، لان القدرة على بعض الاجناس قدرة على كل جنس تتعلق القدرة بها.

قوله تعالى: قل ياأهل الكتاب لستم على شئ حتى تقيموا التورية والانجيل وماأنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين(68))

سبب نزول هذه الاية ما روي عن ابن عباس أنه جاء جماعة من اليهود، فقالوا: يامحمد ألست تقول: إن التوراة من عندالله؟ قال بلى. قالوا فانا نؤمن بها ولانؤمن بماعداها فنزلت الاية.

[590]

ومعناها أنه تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لاهل الكتاب " لستم على شئ حتى تقيموا التوراة والانجيل ".

وقيل في معناه قولان: أحدهما - حتى تقيموهما بالتصديق بمافيهما من البشارة بالنبي صلى الله عليه وآله والعمل بمايوجب ذلك فيهما. الثاني - قال أبوعلي يجوز أن يكون الامر باقامة التوراة والانجيل وما فيهما إنما كان قبل النسخ لهما.

وقوله " وماأنزل اليكم من ربكم " يحتمل أمرين: أحدهما - أن يريد به القرآن الذي أنزله على جميع الخلق. الثاني - أن يريد جميع ما نصبه الله من الادلة الدالة على توحيده وصفاته وصدق نبيه (صلى الله عليه وآله).

وقوله: " وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل اليك من ربك طغيانا وكفرا " والمراد أنهم يزدادون عند نزوله طغيانا وكفرا، لان القرآن المنزل لايزيد شيئا طغيانا.

فان قيل هذا هو المفسدة بعينه، لانهم إذا فسدوا عنده ولولاه لما فسدوا كان ذلك مفسدة. ! ! !

قيل: ليس في الاية أنه لولم ينزل القرآن لم يكونوا يفعلون الكفر بل لايمتنع أنه لو لم ينزل القرآن لفعلوا من الكفر ماهو أعظم، فصار إنزال القرآن لطفافي استنقاص الكفر وتقليل المفسدة، فالمفسدة زائلة واللطف حاصل، على أنه لايمنع أن يكونوا يفعلون الكفر بعينه لولم ينزل القرآن

[591]

فحقيقة المفسدة اذا ليست بحاصلة، لان حد المفسدة ماوقع عنده الفساد ولولاه لم يقع من غير أن يكون تمكينا. والطغيان ههنا تجاوز الحد في الظلم والغلوفيه وأصله تجاوز الحد.

ومنه قوله تعالى: " انا لما طغى الماء "(1) وقوله: " إن الانسان ليطغى "(2) أي يتجاوز الحد في الخروج عن الحق.

وقوله: " فلا تأس على القوم الكافرين " معناه لاتحزن تقول أسى يأسى أسا إذا حزن.

قال الشاعر: وانحلبت عيناه من فرط الاسى(3) وهذاتسلية للنبي صلى الله عليه وآله وليس بنهي عن الحزن، لانه لايقدر عليه لكنه تسلية ونهي عن التعرض للحزن.

قال البلخي ذلك يدل على بطلان ماروي من أن النبي صلى الله عليه وآله دعا للكفار بالهداية، لانه نهاه عن الحزن وأمره بلعنهم ولايجتمع قول اللهم العنهم، واهدهم واغفرلهم.

قوله تعالى: إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابؤن والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلاخوف عليهم ولاهم يحزنون(69))

أخبر الله تعالى أن الذين صدقوا الله وأقروا بنبوة نبيه صلى الله عليه وآله " والذين هادوا " يعني الذين اعتقدوا اليهودية ونبوة موسى، وتأييد شرعه " والصابئون "

___________________________________

(1) سورة الحاقة اية 11.

(2) سورة العلق آية 6.

(3) قائله العجاج. ديوانه: 31 ومجاز القرآن 1: 171 والكامل للمبرد 1: 352 واللسان (حلب)، (كرس).

[592]

وهوجمع صابئ، وهوالخارج عن دين عليه امة عظيمة من الناس إلى ما عليه فرقة قليلة، وهم عباد الكواكب. وعندنا لايؤخذ منهم الجزية. وعند المخالفين يجرون مجرى أهل الكتاب وصبأ ناب البعير وسن الصبي إذا خرج.

وضبأ - بالضاد المعجمة - معناه اختبأ في الارض، ومنه اشتق ضابي البرجمي.

و " النصارى " وهم الذين يقرون بالمسيح (ع) وقوله: " من آمن بالله " قيل فيه قولان: أحدهما يعني الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وهم المنافقون ذكره الزجاج. الثاني - من دام على الايمان والاخلاص ولم يرتد عن الاسلام.

وقيل في معني رفع الصابئين ثلاثة أقوال: أحدها قال سيبويه: إنه على التقديم والتأخير والتقدير: ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن بالله واليوم الاخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون، والصابئون كذلك.

قال الشاعر:

وإلا فاعلموا أنا وأنتم *** بغاة ما بقينا في شقاق

والمعنى فاعلموا انا بغاة مابقينا في شقاق وأنتم كذلك.

وقال ضبابئ البرجمي:

فمن يك أمسسى بالمدينة رحله *** فاني وقياربها لغريب(1)

والثاني - قال الكسائي هو عطف على الضمير في (هادوا) وكأنه قال هادوا هم والصابئون.

قال الرماني هذا غلط من وجهين: أحدهما ان الصابئ لايشارك اليهود في اليهودية. والاخر أنه عطف على الضمير المتصل من غير تأكيد بالمنفصل.

___________________________________

(1) قد مر هذا البيت في 1: 203.

[593]

والثالث قال الفراء: إن عطف على مالايتبين فيه الاعراب وهو (الذين) ويجوز النسق على مثل (الذين) وعلى المضمر نحو اني وزيد قائمان، فعطف على موضع (ان).

وقوله " وعمل صالحا " فالعمل والفعل واحد.

وقال الرماني: فعل الشئ إحداثه وايجاده بعد أن لم يكن وعمله إحداث مايكون به متغيرا سواء كان إحداثه نفسه أو احداث حادث فيه.

وقوله تعالى " فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون " مع مايمر بهم من أجل يوم القيامة لامرين: أحدهما - أن ذلك لايعتد به لانه عارض، ثم يصيرون إلى النعيم الدائم. ومنه قوله " لايحزنهم الفزع الاكبر "(2) وهو عذاب النار كما يقال للمريض لابأس عليك. الثاني أن أهوال يوم القيامة إنما تنال الضالين دون المؤمنون.

والاول أقوى لعموم قوله: " يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وماهم بسكارى ولكن عذاب الله شديد "(3) وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أن الناس يلجمهم العرق. وانهم يحشرون حفاة عراة عزلا، فقالت عائشة لايحتشمون من ذلك، فقال صلى الله عليه وآله: لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه "(4) فأما قوله " من آمن بالله " وقدذكر الذين آمنوا، فلان المعني بالذين آمنوا ههنا - في قول الزجاج - المنافقون بدلالة قوله " لايحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم "(5) والتقدير من آمن منهم.

___________________________________

(2) سورة الانبياء آية 103.

(3) سورة الحج آية 2.

(4) سورة عبس آية 37.

(5) سورة المائدة آية 44.

[594]

وقال قوم: من آمن يرجع إلى من عدا الذين آمنوا وحمل " الذين آمنوا " على ظاهره من حقيقة الايمان. ومنهم من قال: يرجع إلى الجميع ويكون المعني في " من آمن " من يستديم على الايمان ويستمر عليه. وقد استوفينا ما يتعلق بذلك في سورة البقرة.

الآية: 70 - 82

قوله تعالى: لقد أخذنا ميثاق بني اسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاء‌هم رسول بمالا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون(70))

آية عند الجميع.

اللام في قوله " لقد " لام القسم. أقسم الله تعالى أنه أخذ الميثاق وهو الايمان المؤكدة التي أخذها أنبياء‌هم على بني اسرائيل في قول ابي علي.

وقال غيره: يجوز أن يكون الميثاق هي الآيات البينة التي قرربها علم ذلك عندهم.

وإنما أخذ ميثاقهم على الاخلاص لتوحيد الله تعالى، والعمل بها أمربه، والانتهاء عما نهى عنه والتصديق برسله والبشارة بالنبي الامي والاقراربه، حسب ماتقدمت صفته عندهم.

ووجه الاحتجاج على أهل الكتاب بما أخذعلى آبائهم من الميثاق أنهم قدعرفوا ذلك في كتبهم، وأقروا بصحته، فحجته لازمة لهم، والعمل به واجب عليهم، وعيب المخالفة يلحقهم كما لحق آباء‌هم الذين نقضوا الميثاق الذي أخذ عليهم.

وقوله " كلما جاء‌هم رسول بما لاتهوى أنفسهم " والهوى هو لطف محل الشئ من النفس مع الميل اليه بمالاينبغي، فلذلك غلب على الهوى

[595]

صفة الذم، كما قال تعالى " ونهى النفس عن الهوى فان الجنة هي المأوى "(1) ويقال: منه: هوى يهوى ويقال: هو يهوي هويا إذا انحط في الهواء وأهوى بيده إذا انحط بها ليأخذ شيئا.

و " امه هاوية "(2) أي جهنم، لانه يهوي فيما. وهم يتهاوون في الهواء اذا سقط بعضهم في أثر بعض والفرق بين الهوى والشهوة: أن الشهوة تتعلق بالمدركات فيشتهي الانسان الطعام، ولايهوى الطعام. وهواء الجو ممدود، وهوى النفس مقصور.

وقوله " وأفئدتهم هواء "(3) قيل فيه قولان: أحدهما - أنها منحرفة لاتعي شيئا كهواء الجو. والآخر أنه قد أطارها الخوف. ومنه قوله " كالذي استهوته الشياطين في الارض حيران "(4) أي استهوته من هوى النفس.

وقوله " فريقا كذبوا وفريقا يقتلون " نصب فريقا في الموضعين بأنه مفعول به قدم. وإنما قال في الاول " كذبوا " بلفظ الماضي. وفي الثاني " يقتلون " بلفظ المستقبل لامرين: أحدهما - ليدل بذلك على أن من شأنهم ذلك وعادتهم ففيه معنى كذبوا وقتلوا ويكذبون ويقتلون مع موافقته لرؤوس الآي. الثاني - أن يكون على معنى فريقا كذبوا، ولم يقتلوا وفريقا كذبوا وقتلوا فيكون يقتلون صفة الفريق.

___________________________________

(1) سورة النازعات آية 40 - 41.

(2) سورة القارعة آية 9.

(3) سورة ابراهيم آية 43.

(4) سورة الانعام آية 71.

[596]

قوله تعالى: وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون(71))

آية بلاخلاف.

قرأ أبوعمرو وحمزة والكسائي " ألا تكون " بالرفع. الباقون بالنصب. ولم يختلفوا في رفع (فتنة) فمن رفع، فالمعنى حسبوا فعلهم غير فاتن لهم، لانهم كانوا يقولون " نحن أبناء الله وأحباؤه " ومن نصبه فلان " أن " تنصب الفعل المضارع.

وقال أبوعلي الفارسي الافعال على ثلاثة أضرب: فعل يدل على ثبات الشئ واستقراره نحو العلم، وفعل يدل على خلاف الاستقرار والثبات، وفعل يحتمل الامرين، فماكان معناه العلم وقع بعده (أن) الثقيلة، ولم تقع بعده الخفيفة الناصبة للفعل، لان الثقيلة معناها إثبات الشئ واستقراره والعلم بأنه كذلك أيضا، فاذا أوقع عليه واستعمل معه كان وقعه ملائما له.

ولو استعملت الناصبة للفعل بعدما معناه العلم واستقرار الشئ له لتباينا وتدافعا، فمن استعمال الثقيلة بعد العلم وايقاعه عليها قوله: " ويعلمون أن الله هو الحق المبين "(1) و " ألم يعلم بأن الله يرى "(2)، لان الباء زائدة. وكذلك التبين والتيقن، وماكان معناه العلم كقوله " ثم بدا لهم من بعد ما رء‌وا الآيات "(3) فهذا ضرب من العلم لانه تبين لامر قد بان فلذلك كان قسما كماكان علمت قسما في نحو قوله: ولقد علمت لتأتين منيتي وكذلك " ثم بدالهم من بعد مارء‌وا الآيات ليسجننه حتى حين(4) فهو

___________________________________

(1) سورة النور آية 25.

(2) سورة العلق آية 14.

(3، 4) سورة يوسف آية 35.

[597]

بمنزلة علموا ليسجننه وعلى ذلك قول الشاعر:

بدا لي أني لست مدرك مامضى *** (ولا سابقا شيئا اذا كان جائيا)

فأوقع بعدها الشديدة كما يوقعها بعدعلمت واماماكان معناه مالم يثبت ولم يستقر فنحو (أطمع) و (أخاف) و (اشفق) و (أرجو) فهذا ونحوه لايستعمل بعده إلا الخفيفة الناصبة للفعل كقوله تعالى: " والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي "(1) وقوله " تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم "(2) وقوله: " الا أن يخافا الايقيما حدود الله. فان خفتم ان لايقيما حدود الله "(3) وقوله: " فخشينا ان يرهقهما(4) وقوله " أأشفقتم أن تقدموا "(5) وكذلك أرجو، وعسى، ولعل فأما مايستعمل في الامرين نحو حسبت وظننت وزعمت فهذا النحو يجعل مرة بمنزلة (أرجو) و (أطمع) من حيث كان أمرا غير مستقر ومرة يجعل بمنزلة العلم من حيث استعمل استعماله. ومن حيث كان خلافه. والشئ قد يجري مجرى الخلاف نحو (عطشان) و (ريان) فاما استعمالهم استعمال العلم، فلانهم قد أجابوه بجواب القسم.

حكى سيبويه ظننت ليسقيني. وقيل في قوله " وظنوا مالهم من محيص "(6) ان النفي جواب الظن كما كان جوابا لعلمت في قوله " علمت ماأنزل هؤلاء إلارب السموات "(7) وكلا الوجهين جاء به القرآن مثل قراء‌ة من نصب قوله " أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا "(8)

___________________________________

(1) سورة الشعراء آية 82.

(2) سورة الانفال آية 26.

(3) سورة البقرة آية 229.

(4) سورة الكهف آية 81.

(5) سورة المجادلة آية 13.

(6) حم السجدة آية 48.

(7) سورة الاسرى آية 102.

(8) سورة العنكبوت آية 4.

[598]

" أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم "(9) " ألم أحسب الناس أن يتركوا "(10) ومثل قراء‌ة من رفع قوله " أم يحسبون أنالا نسمع سرهم "(11) " أيحسبون إنما نمدهم به من مال وبنين(12) " ايحسب الانسان أن لن نجمع عظامه "(13) فهذه مخففة من الشديدة.

ومثل ذلك في الظن قوله: " تظن أن يفعل بها فاقرة "(14) وقوله " إن ظنا أن يقيما حدود الله "(15) ومن الرفع قوله: " وانا ظننا أن لن تقول الانس والجن. وانهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا "(1) وإن هاهنا الخفيفة من الثقيلة لان الناصبة للفعل لا تقع بعدها (أن) لاجتماع الحرفين في الدلالة على الاستقبال كما لم تجتمع الناصبة مع السين، ولم يجتمعا كمالم يجتمع الحرفان بمعنى واحد.

ولذلك كانت (ان) في قوله " علم ان سيكون "(2) المخففة من الشديدة. ومن ذلك قوله " وظنوا أنهم احيط بهم "(3) فاما قوله: الذين يظنون انهم ملاقوا ربهم "(4) وقوله: " ظننت اني ملاق حسابيه "(5) فالظن هاهنا بمعنى العلم، وحسن وقوع الخفيفة من الشديدة في قول من رفع وإن كان بعده فعل لدخول (لا) وكونها عوضا من حذف الضمير معه وايلاء مالم يكن يليه.

___________________________________

(9) سورة الجاثية آية 20.

(10) سورة العنكبوت آية 2.

(11) سورة الزخرف آية 80.

(12) سورة المؤمنون آية 56.

(13) القيامة آية 3.

(14) سورة القيامة آية 25.

(15) سورة البقرة آية 230.

(1) سورة الجن آية 5 - 7.

(2) سورة المزمل آية 20.

(3) سورة يونس آية 22.

(4) سورة البقرة آية 46.

(5) سورة الحاقة آية 20.

[599]

ولوقلت علمت أن يقول لم يجز حتى يأتي بمايكون عوضا نحو (قد) و (لا) والسين وسوف، كماقال " علم ان سيكون " ولا يدخل على ذلك قوله: " وان ليس للانسان الاماسعى "(6) فلم يدخل بين (أن) و (ليس) شئ لان (ليس) ليس بفعل على الحقيقة. أما (فتنة) فلو نصب لكان صحيحا في العربية على تقدير: أن لا يكون قولهم فتنة. ولكن لم يقرأ به أحد.

قال الرماني: وحد الحسبان هو قوة أحد النقيضين. في النفس على الآخر على وأصله الحساب، فالنقيض القوي يحتسب به دون الآخر أي هو فيما يحتسب ولا يطرح ومنه الحسب لانه مما يحسب ولا يطرح لاجل الشرف ومنه قولهم: حسبك أي يكفيك، لانه بحساب الكفاية ومنه احتساب الاجر، لانه فيما يحتسب ويكفي. الفتنة هاهنا العقوبة. وقيل البلية - في قول السدي وقتادة والحسن ومجاهد - وقيل: الشدة. وكل ذلك متقارب.

وقال ابن عباس: الفتنة - هاهنا - الشرك. وأصل الفتنة الاختبار، ومنه افتتن بفلانة اذاهواها، لانه يظهر مايطوي من خبره بها. وفتنت الذهب في النار اذا خلصته ليظهر خبره في نفسه متميزا من شائب غيره.

وقوله " يوم هم على النار يفتنون "(1) أي يحرقون. فاذا هم خبث كلهم " وفتناك فتونا "(2) أي اختبرناك اختبارا أي ليظهر خبرك على خلوص أمرك في طاعتك أو غير ذلك من حالك.

___________________________________

(6) سورة النجم آية 39.

(1) سورة الذاريات آية 13.

(2) سورة 20 طه آية 40.

[600]

وقوله " فعموا وصموا " معناه عن الحق على وجه التشبيه بالاعمى والاصم لانه لايهدي إلى طريق الرشد في الدين كما لا يهتدي هذا إلى طريق الرشد في الدنيا لاجل العمى والصمم، فكذلك اولئك لاعراضهم عن النظر.

وقوله " ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا " إخبار منه تعالى أن هؤلاء الكفار حسبوا أن لايكون فتنة على ما فسرناها " فعموا وصموا " وقتلوا الانبياء وكذبوهم ثم أن فريقا منهم تابوا فتاب الله عليهم ثم عموا وصموا " يعني عادوا إلى ماكانوا عليه.

وقيل قوله " ثم عموا وصموا " في الاقرار بالنبي صلى الله عليه وآله وقوله: " كثير منهم " قال الزجاج يحتمل رفعه ثلاثة أوجه: أحدها - ان يكون بدلا من الفاء، فكأنه لما قال " عموا وصموا " ابدل الكثير منهم أي عمي وصم كثير منهم كما يقول جاء‌ني قومك أكثرهم. والثاني - أن يكون جمع الفعل متقدما على لغة من قال اكلوني البراغيث، وذهبوا قومك.

قال أبوعمرو الهذلي:

ولكن ديا في ابوه وامه *** بحوران يعصرن السليط اقاربه(1)

الثالث ان يكون (كثيرا) خبر ابتداء محذوف والتقدير ذو العمى والصمم " كثير منهم " ثم بين تعالى " إنه بصير " أي عالم " بمايعملون " أي بأعمالهم.

___________________________________

(1) اللسان (سلط)، (ديف) نسبة إلى الفرزدق.

[601]

قوله تعالى: لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة وماويه النار وما للظالمين من أنصار(72))

آية بلاخلاف.

اللام في قوله " لقد " لام القسم. أقسم الله تعالى بأنه " كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم " والكفر هو الجحود لمايجب عليه الاقرار به، والتصديق له.

وقال الرماني: هو تضييع حق النعمة بالجحد او ماجرى مجراه في عظم الجرم. ولذلك كان من قتل نبيا فهو كافر وان أقر بجميع نعم الله.

وعندنا إن قتل نبي يدل على ان قاتله جاحد لما يجب عليه الاقرار به، والاعتقاد لتصديقه.

والذين يقولون من النصارى: إن الله هو المسيح بن مريم هم اليعقوبية، وهم مع ذلك مثلثة، لانهم يقولون إن الاب والابن وروح القدس إله واحد.

وغيرهم يقولون: إن المسيح ابن الله. ولايقولون هو الله وأجمعوا على أنه إله.

وقوله: " وقال المسيح يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم " اخبار عن المسيح (ع) أنه قال لبني اسرائيل الذين كانوا في زمانه " اعبدو الله ربي وربكم " الذي يملكني وإياكم وإني واياكم عبيده، ومن خلقني وخلقكم " إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة " فالشرك هوالكفر. وإنما يطلق على من أشرك في عبادة الله غيره، وإنما كان كافرا، لانه جحد نعمة الله باضافتها إلى غيره، وزعمه أن غيره يستحق العبادة مع ما ثبت أنه لايقدر أحد على مايستحق به العبادة سوى الله تعالى. والشرك أصله الاجتماع في الملك، فاذا كان الملك بين نفسين، فهما شريكان وكذلك كل شئ يكون بين نفسين، ولايلزم على ذلك مايضاف إلى كل واحد منهما منفردا كالعبد يكون ملكا

[602]

لله وهوملك للانسان، لانه لو بطل ملك الانسان، لكان ملكا لله كماكان، لم يزد في ملكه شئ لم يكن.

وقوله: " فقد حرم الله عليه الجنة " اخبار من المسيح لقومه أن من يشرك بالله، فان الله يمنعه الجنة. والتحريم هاهنا هو تحريم منع لاتحريم عبادة.

وقوله: " ومأواه النار وما للظالمين من أنصار " معناه أنهم مع حرمانهم الجنة مستقرهم النار، ولاناصر لهم يدفع عنهم ويخلصهم مما هم فيه من أنواع العذاب.

قوله تعالى: لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلثة ومامن آله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم(73))

آية بلاخلاف.

وهذا قسم آخر من الله بأنه كفر من قال: " إن الله ثالث ثلاثة " والقائلون بهذه المقالة هم جمهور النصارى من الملكانية، واليعقوبية والنسطورية، لانهم يقولون: أب، وابن، وروح القدس إله واحد، ولايقولون ثلاثة آلهة. ويمنعون من العبارة. وإن كان يلزمهم أن يقولوا إنهم ثلاثة آلهة. وماكان هكذا صح أن يحكى بالعبارة اللازمة. وإنما قلنا: يلزمهم، لانهم يقولون الابن إله والاب إله وروح القدس إله. والابن ليس هو الاب. ومعنى " ثالث ثلاثة " أحد ثلاثة.

وقال الزجاج، لايجوز نصب ثلاثة لكن للعرب فيه مذهب آخر وهوأنهم يقولون رابع ثلاثة، فعلى هذايجوز الجر والنصب، لان معناه الذي صير الثلاثة أربعة بكونه فيهم.

[603]

ثم أخبر تعالى، فقال " وما من إله الاإله واحد " أي ليس إلا اله واحد. ودخلت (من) للتوكيد.

وقوله: " وإن لم ينتهوا عما يقولون " أي إن لم يرجعوا ويتوبوا عمايقولون من القول بالتثليث أقسم " ليمسن الذين كفروا منهم عذاب اليم " يعني الذين يستمرون على كفرهم والمس - هاهنا - مايكون معه احساس وهو حلوله فيه، لان العذاب لايمس الحيوان إلا أحس به ويكون المس بمعنى اللمس، لان في اللمس طلبا لاحساس الشئ، فلهذا اختير هاهنا المس.

واللمس ملاصقة معها إحساس وإنماقال " ليمسن الذين كفروا منهم " لامرين: أحدهما - ليعم الوعيد الفريقين الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم، والذين قالوا هو ثالث ثلاثة والضمير عائد إلى أهل الكتاب. الثاني - أنه من أقام منهم على الكفر لزمه هذا الوعيد في قول أبي علي، والزجاج، وليس في الآية مايدل على أن في أفعال الجوارح ما هو كفر لان الذي فيها هوالاخبار عن أن من قال الله ثالث ثلاثة فهوكافر، وهذالا خلاف فيه. وليس فيها أن هذا القول بعينه هو كفر أن دلالة على الكفر، فمن يقول الكفر هو الجحود، وان الايمان هوالتصديق بالقلب يقول إن في أفعال الجوارح ما يدل على الكفر الذي هو الجحود في القلب مثل القول الذي ذكره الله تعالى. ومثل ذلك السجود للشمس وعبادة الاصنام وغير ذلك، فلادلالة في الاية على ماقالوه.

[604]

قوله تعالى: أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم(74))

آية

الالف في قوله " أفلا " الف إنكار وأصلها الاستفهام، لانه لايصح للسؤال جواب عن مثل هذا فيكون حينئذ تقريعا لهم وإنكارا عليهم ترك التوبة وإنما دخلت " إلى " في قوله: " يتوبون إلى الله " لان معنى التوبة الرجوع إلى طاعة الله، لان التائب بمنزلة من ذهب عنها ثم عاد اليها، وقد بينا فيما مضى أن التوبة طاعة يستحق بها الثواب، فأما إسقاط العقاب عندها فهو تفضل من الله غير واجب.

والفرق بين التوبة والاستغفار أن الاستغفار طلب المغفرة بالدعاء أو التوبة أو غيرهما من الطاعة. والتوبة الندم على القبيح مع العزم على أن لايعود إلى مثله في القبيح أو الاخلال بالواجب والاستغفار مع الاصرار على القبيح لا يصح ولايجوز. وفي الآية تحضيض على التوبة والاقلاع من كل قبيح والانكار لتركها، وحث على الاستغفار " والله غفور رحيم " إخبار منه تعالى أنه يستر الذنوب ويغفرها رحمة منه لعباده.

قوله تعالى: ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام أنظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظرأنى يؤفكون(75))

آية

بلاخلاف أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه ليس المسيح بن مريم إلا رسول أرسله الله " قدخلت من قبله الرسل " أي انه رسول ليس بإله كماان الانبياء قبله رسل ليسوا بآلهة.

[605]

وانه أتى بالمعجزات من قبل الله كما أتوا بها من قبل ربهم، فمن ادعى له الآلهية فهو كمن ادعى الالهية لجميعهم لتساويهم في المنزلة ومعنى " خلت " مضت.

" وأمه صديقة " قيل في معناه قولان: أحدهما - أنهاكانت تصدق بآيات ربها ومنزلة ولدها، وتصدقه فيما أخبرها به بدلالة قوله " وصدقت بكلمات ربها "(1) ذكر ذلك الحسن، والجبائي. الثاني لكثرة صدقها وعظم منزلتها فيما تصدق به من أمرها أو سميت صديقة على وجه المبالغة، كماقيل: رجل سكيت. أي مبالغ في السكوت.

وقوله " كانا يأكلان الطعام " فيه احتجاج على النصارى، لان من ولدته النساء، وكان يأكل الطعام لايكون إلها للعباد لان سبيله سبيلهم في الحاجة إلى الصانع المدبر، لان من فيه علامة الحدث، لايكون قديما. ومن يحتاج إلى غيره لايكون قادرا لايعجزه شئ وقيل إن ذلك كناية عن قضاء الحاجة لان من أكل الطعام لابد أن يحدث حدثا مخصوصا على مجرى العادة.

وقوله " انظر كيف نبين لهم الآيات " أمر للنبي وامته بأن يفكروا فيما بين الله من الآيات والدلالات لهم على بطلان مااعتقدوه من ربوبية المسيح، وبنوته ثم أمره بأن ينظر ثانيا " أنى يؤفكون " أي كيف يؤفكون. وقيل من أين يؤفكون ومعنى " يؤفكون " يصرفون. وقيل يقلبون.

والمعنى متقارب، لان المعنى انظر كيف يصرفون عن الآيات التي بيناها لهم ويقال: لكل مصروف عن شئ مأفوك عنه، وقد افكت فلاناعن كذا أي صرفته عنه صرفا. فأنا آفكه إفكا فهومأفوك وقد أفكت الارض إذا صرف عنها المطر،

___________________________________

(1) سورة التحريم آية 12.

[606]

والافك الكذب، لانه صرف الخبر عن وجهه. والمؤتفكات المنقلبات من الرياح، وغيرها، لانها صرفت بقلبها عن وجهها.

قوله تعالى: قل أتعبدون من دون الله مالا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم(76))

آية

أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لهؤلاء النصارى الذين قالوا " إن الله ثالث ثلاثة ": " أتعبدون من دون الله مالايملك لكم ضرا ولا نفعا " أي توجهون عبادتكم إلى من لايقدر على الضر والنفع، لان القادر عليهما هو الله تعالى او من يمكنه الله من ذلك. ولو جاز توجيه العبادة إلى المسيح الذي لايملك ذلك لجاز توجيهها إلى الاصنام كمايقوله عباد الاصنام. وقد علمنا خلاف ذلك.

والملك: هوالقدرة على تصريف ماللقادر عليه أن يصرفه، فملك الضرر والنفع أخص من القدرة عليهما، لان القادر عليهما قد يقدر من ذلك على ماله أن يفعل، وقد يقدر منه على ماليس له أن يفعله.

والنفع: هو فعل اللذة أو السرور او ماأدى اليهما أو إلى واحد منهما مثل الملاذ التي تحصل في الحيوان. والصلة بالمال والوعد باللذة، فان جميع ذلك نفع، لانه يؤدي إلى اللذة، والضرر هوفعل الالم أو الغم أو ماأدى اليهما أو إلى واحد منهما كالآلام التي توجد في الحيوان والقذف والسب، لان جميع ذلك يؤدي إلى الآلام والغضب ضرر لانه من الاسباب المؤدية إلى الآلام.

[607]

وقوله " والله هو السميع العليم " قيل في معناه هاهنا قولان: أحدهما - أنه ذكر للاستدعاء إلى التوبة فهو يسمع قول العبد فيهاوما يضمره منها. والآخر التحذير من الجزاء بالسيئة، لانه يعلم الاعمال ويسمع الاسرار والاعلان. وذلك دليل على ملك الجزاء بالثواب والعقاب.

قوله تعالى: قل ياأهل الكتاب لاتغلوا في دينكم غير الحق ولاتتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل(77))

آية بلاخلاف.

أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يخاطب أهل الكتاب، وهم النصارى هاهنا.

وقال قوم: المرادبه اليهود والنصارى، لان اليهود أيضا غلوا في تكذيب عيسى، ومحمد صلى الله عليه وآله ويقول لهم " لاتغلو في دينكم " ومعناه لا تتجاوزوا الحد الذي حده الله لكم إلى الازدياد. وضده التقصير وهوالخروج عن الحد إلى النقصان. والزيادة في الحد والنقصان معا فساد أي ودين الله الذي أمر به هو بين الغلو، والتقصير، وهو الاقتصاد.

وقوله " ولا تتبعوا أهواء قوم " وقل لهم: لاتسلكوا سبيل الاوائل، لان الاتباع هوسلوك الثاني طريقة الاول على وجه الاقتداء به وقد يتبع الثاني الاول في الحق وقد يتبعه في الباطل. وإنما يعلم أحدهما بدليل. والمراد هاهنا النهي عن اتباع سبيلهم الباطل.

و (الاهواء) هاهنا المذاهب التي تدعو اليها الشهوة دون الحجة، لان قد يستثقل النظر لما فيه من المشقة، وميل طبعه إلى بعض المذاهب فيعتقده، وهوضلال فيهلك به.

[608]

وقوله: " قد ضلوا من قبل " فيه قولان: قال الحسن، ومجاهد: هم اليهود.

وقال أبوعلي هم أسلافهم الذين هم رؤساء ضلالتهم الذين سنوالهم هذا الكفر من الفريقين اليهود والنصارى " وأضلوا كثيرا " يعني هؤلاء الذين ضلوا من قبل وأضلوا أيضا كثيرا من الخلق. ونسب الاضلال اليهم، من حيث كان بدعائهم وإغوائهم.

وقوله " وضلوا عن سواء السبيل " قيل في معناه قولان: أحدهما - ضلوا باضلالهم غيرهم في قول الزجاج. الثاني - وضلوا من قبل، وضلوا من بعد، فلذلك كرر.

وقيل " وضلوا من قبل " عن الهدى في الدنيا " واضلوا كثيرا " عن طريق الجنة.

و " سواء السبيل " معناه مستقيم الطريق.

والمعنى فيه الحق من الدين، لانه يستقيم بصاحبه إلى الجنة، والخلود في النعيم.

وقيل له: سواء لاستمراره على استواء.

قوله تعالى: لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون(78))

آية بلاخلاف.

قيل في معني " لعن الذين كفروا من بني اسرائيل " الآية ثلاثة أقوال: أحدها - إيآسهم من مغفرة الله مع الاقامة على الكفر والمعصية لله - عزوجل - لدعاء الانبياء (عليهم السلام) عليهم بالعقوبة ودعوتهم مستجابة مع مافي ذلك من الفضيحة، وانطواء أولياء الله لهم على العداوة، والمظاهرة عليهم في إقامة الحجة.

[609]

الثاني - قال الحسن ومجاهد وقتادة وأبومالك لعنوا على لسان داود، فصاروا قردة وعلى لسان عيسى، فصاروا خنازير. وانما ذكر عيسى وداود، لانهما انبه الانبياء المبعوثين بعد موسى (ع) ولماذكر داود أغنى عن ذكر سليمان، لان قولهما واحد.

وقال أبوجعفر (ع) أماداود فلعن أهل ايلة لما اعتدوا في سبتهم وكان اعتداؤهم في زمانه، فقال: اللهم البسهم اللعنة مثل الرداء ومثل المنطقة على الحقوين، فمسخهم الله قردة. وأما عيسى فلعن الذين أنزلت عليهم المائدة ثم كفروا بعد ذلك.

الثالث - قال أبوعلي الجبائي: إنه إنما أظهر ذلك لئلا يوهموا الناس أن لهم منزلة بولادة الانبياء تنجيهم من عقوبة المعاصي. واللعن هو الابعاد من رحمة الله، فلعنه الله يعني أبعده الله من رحمته إلى عقوبته، ولايجوز لعن من لا يستحق العقوبة من الاطفال والمجانين والبهائم، لانه تعالى لا يبعد من رحمته من لا يستحق الابعاد عنها.

وقوله: " ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون " إشارة إلى اللعن الذي تقدم ذكره بمعصيتهم واعتدائهم. ف‍ (ذا) لماقرب و (ذلك) لمابعد، لانه اجتزئ في دلالة الخطاب لما قرب بالاقبال عليه. وفي القريب بالاشارة اليه فلما بعد لم يصلح الاجتزاء فيهما كما يصلح فيما قرب، فاتى بالكاف للخطاب واكد ذلك باللام وكسرت لالتقاء الساكنين والكاف في ذلك حرف وفي غلامك إسم، ولهذا لم يؤكد بمايؤكد في غلامك لانك لا تقول ذلك نفسك. كماتقول في غلامك نفسك.

[610]

وإنما قال: " بماعصوا وكانوا يعتدون " وإن كان الكفر أعظم الاجرام ليدل على أن من خلصت معصيته ممايكفرها أو بقته، وأنهم مع كفرهم قد عصوا بغير الكفر من الجرم الذي فسر في الآية التي بعد.

قوله تعالى: كانوا لايتناهون عن منكر فعلوه لبئس ماكانوا يفعلون(79))

آية بلاخلاف.

أخبر الله تعالى أن هؤلاء الكفار الذين ذكرهم لم يكونوا يتناهون عن منكر أي لم يكن ينهى بعضهم بعضا مثل قولك لايتضاربون ولا يترامون ولاينتهون ومعناه لايكفون عما نهوا عنه.

وقوله: " لبئس ماكانوا يفعلون " وفتحت اللام لام القسم وتقديره اقسم لبئس ماكانوا يفعلون كما فتحت لام الابتداء لانها لمالم تكن عاملة ك‍ (لام الاضافة) اختير لها أخف الحركات. ولايجوز أن تكون لام الابتداء، لانها لاتدخل على الفعل الافي باب (أن) ولا تدخل على الماضي.

و (ما) في قوله " لبئس ما " قيل فيهاقولان: أحدهما - أن تكون (ما) كافة ل‍ (بئس) كماتكف في (إنما) و (بعدما) و (ربما) والاخر - أن تكون اسما نكرة كأنه قال: بئس شيئا فعلوه، كما تقول بئس رجلا كان عندك.

وفي الآية دلالة على وجوب انكار المنكر، لان كل شئ ذم الله عليه فواجب تركه إلا أن يقيد بوقت يخصه، لان ظاهر ذلك يقتضي قبحه، والتحذير منه. والمنكر هو القبيح، سمي بذلك لانه ينكره العقل من حيث أن العقل يقبل الحسن ويعترف به، ولايأباه وينكر القبيح ويأباه والانكار ضد الاقرار.

[611]

فمايقربه العقل هوالحق، وماينكره، فهو الباطل.

وقيل في معنى (المنكر) - هاهنا - ثلاثة أقوال: أحدها صيد السمك في السبت.

والثاني - أخذ الرشوة في الحكم.

والثالث - أكل الربا وأثمان الشحوم.

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله لاقدست أمة لاتأخذ لضعيفها حقه غير مضيع.

قوله تعالى: ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون(80))

آية بلا خلاف.

هذا خطاب من الله للنبي صلى الله عليه وآله يقول له " ترى كثيرا منهم " يعني من هؤلاء اليهود في قول الحسن وأبي علي.

وقال غيرهما يعني أهل الكتاب أي " يتولون الذين كفروا " من عبدة الاوثان في قول الحسن وغيره.

وقال أبوجعفر يتولون الملوك الجبارين ويزينون لهم أهوائهم ليصيبوا من دنياهم.

فان قيل: كيف يتولى أهل الكتاب عبدة الاوثان مع إكفارهم إياهم على تلك العبادة؟ ! قلنا لانهم يعملون عمل المتولي بالنصرة والمعاونة والرضا بما يكون منهم من عداوة النبي صلى الله عليه وآله ومحاربته. ويجوز أن يكونوا تولوهم على ذلك في الحقيقة، فيكون على جهة تقييد الصفة.

فان قيل ما الفائدة في اخباره صلى الله عليه وآله يراه وهو عالم به؟ قلنا: عنه جوابان: أحدهما - التوبيخ لصاحبه فيقرعون بما هو من حالهم. والآخر التنبيه على باطن أمرهم بما يدل عليه ظاهر حالهم المعلومة فينكشف باطنهم القبيح.

[612]

وقوله " لبئس ما قدمت لهم أنفسهم " قيل في معناه قولان: أحدهما بئس شيئا قدموه من العمل لمعادهم في الآخرة في قول أبي علي. واللام لام القسم على ما بيناه. والثاني - أنه يجري مجرى قوله: " سولت لهم أنفسهم " أي قدمت لهم أنفسهم بما بعثهم على تولي الذين كفروا مع مخالفتهم.

وقوله: " أن سخط الله عليهم " قيل في موضع " أن سخط الله " قولان: أحدهما - رفع كقولك: ما قدموه لانفسهم سخط الله أي هو سخط الله عليهم وخلودهم في النار بما كان من توليهم ورفعه كرفع (زيد) في قولك: بئس رجلا زيد. الثاني - أنه جر على تقدير لان سخط الله عليهم وحصلوا على الخلود في النار وقال الزجاج: يجوز أن يكون نصبا على تقدير بئس الشئ ذلك، لان أكسبهم السخطة عليهم.

قوله تعالى: ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون(81))

آية بلا خلاف

قيل في معنى قوله " ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل اليه ما اتخذوهم " مع العلم بأنهم لايؤمنون بالنبي قولان: أحدهما - قال الحسن ومجاهد أنه في المنافقين من اليهود الثاني - المراد بالنبي موسى (ع) ومنعى (لو) - هاهنا - النفي

[613]

لايمانهم وإن لم يكون حرف نفي لكنه خرج مخرج الحجاج الذي يدل على نفي الايمان. وانما معناه تعليق الثاني بالاول في أنه يجب بوجوبه، فاذا ظهر أن الثاني لم يجب دل على ان الاول لم يكن قد دخله معنى النفي من هذه الجهة.

فان قيل: إذا كان المؤمن بالله لايطلق عليه اسم مؤمن إلا وهو مؤمن بالنبي وبما أنزل اليه فلم ذكرا؟. قلنا للدلالة على التفصيل لان تلك الصفة وان كانت دالة فانما تدل على طريق الجملة.

وقوله " ما اتخذوهم أولياء " يعني هؤلاء لو كانوا مؤمنين على الحقيقة لما اتخذوا المشركين أولياء و (ما) يجوز أن تكون جواب (لو) ولا يجوز أن تكون جواب (ان) لان حرف الجزاء يعمل فيما قبله و (ما) لها صدر الكلام فلا يعمل فيها. وليس كذلك (لم) فلذلك لم يجز ان آتيني ما ضرك ويجوز ان آتيني لم يضرك، لانه يجوز أن تقول زيدا لم أضرب ولا يجوز أن تقول زيدا ما ضربت وقوله: " ولكن كثيرا منهم فاسقون " إنما وصفهم بالفسق وإن كان الكفر أعظم في باب الذم لامرين: أحدهما إن معناه خارجون عن أمر الله فهذا المعنى لا يظهر بصفة كافر. والآخر ان الفاسق في كفره هو المتمرد فيه والكلام يدل على أنهم فاسقون في كفرهم أي خارجون إلى التمرد فيه.

[614]

قوله تعالى: لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لايستكبرون(82))

آية بلا خلاف

قيل في سبب نزول هذه الآية قولان: أحدهما - قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدي: إنها نزلت في النجاشي ملك الحبشة وأصحابه لما اسلموا.

وقال قتادة: نزلت في قوم من أهل الكتاب كانوا على الحق متمسكين بشريعة عيسى (ع) فلما جاء محمد (صلى الله عليه وآله) آمنوا به.

وقال مجاهد: نزلت في الذين جاء‌وا مع جعفر بن أبي طالب (رحمه الله) مسلمين واللام في قوله " لتجدن " لام القسم. والنون دخلت لتفصل بين الحال والاستقبال، هذا مذهب الخليل، وسيبويه وغيرهما.

وقوله: " عداوة " منصرف منتصب على التمييز. وصف الله تعالى اليهود والمشركين بأنهم أشد الناس عداوة للمؤمنين، لان اليهود ظاهروا المشركين على المؤمنين مع أن المؤمنين يؤمنون بنبوة موسى والتوراة التي أتى بها، فكان ينبغي أن يكونوا إلى من وافقهم في الايمان بنبيهم وكتابهم أقرب. وظاهروا المشركين حسدا للنبي (عليه السلام).

وقوله: " ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى " يعني الذين قدمنا ذكرهم - عن المفسرين.

وقال الزجاج يجوز أن يكون أراد به النصارى، لانهم كانوا أقل مظاهرة للمشركين، وبه قال الجبائي.

وروي عن ابن عباس أنه قال: من زعم أنها في النصارى فقد كذب. وإنما

[615]

هم النصارى الاربعون الذين فاضت أعينهم حين قرأ النبي صلى الله عليه وآله عليهم القرآن إثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام. وسارعوا إلى الاسلام ولم يسارع اليهود.

والمودة هي المحبة إذا كان معها ميل الطباع يقال: وددت الرجل أوده ودا وودادا ومودة: إذا أحببته وودته: إذا تمنيته أوده ودا. ومنه قوله " ودوا لو تدهن فيدهنون "(1).

وقوله " ذلك بأن منهم قسيسين ورهبان " فالقسيسون العباد في قول ابن زيد والقس والقسيس واحد إلا أنه قد صار كالعلم على رئيس من رؤساء النصارى في العبادة. ويجمع قسوسا وأصله في اللغة النميمة يقس قسا إذا نم الحديث.

قال رؤبة بن العجاج:

يضحكن عن قس الاذى غوافلا *** لا جعبريات ولا طهاملا(2)

الطهامل من النساء القباح.

ومصدره القسوسة والقسيسة فالقس الذي ينم حاله بالاجتهاد في العبادة.

والرهبان جمع راهب، كراكب وركبان وفارس وفرسان.

قال الشاعر:

رهبان مدين لو رأوك تنزلوا *** والعصم من شعف العقول الفادر(1)

وقيل: إنه يكون واحدا ويجمع رهابين كقربان وقرابين ورهابنة أيضا قال الشاعر:

___________________________________

(1) سورة القلم آية 9.

(2) اللسان (قسس)، (جعبر) ورايته (يمسين) بدل " يضحكن ".

(3) قائله جرير ديوانه: 305 واللسان (ذهب)، ومعجم البلدان (مدين).

[616]

لو عاينت رهبان دير في القلل *** لاقبل الرهبان يمشي ونزل(2)

وكل ذلك من الرهبة التي هي المخافة ورهب يرهب رهبا إذا خاف والترهيب ضد الترغيب.

وقوله " وإنهم لايستكبرون " معناه إن هؤلاء النصارى الذين آمنوا لايستكبرون عن اتباع الحق والانقياد له كما استكبر اليهود وعباد الاوثان وانفوا من قبول الحق، وأخبر الله تعالى في هذه الآية عن مجاوري النبي صلى الله عليه وآله من اليهود، ومودة النجاشي وأصحابه الذين أسلموا معه من الحبشة لان الهجرة كانت إلى المدينة وبها اليهود والى الحبشة وبها النجاشي وأصحابه فأخبر عن عداوة هؤلاء ومودة اولئك.

___________________________________

(1) تفسير القرطبي 6: 251 وتفسير الطبري 10: 503.

تم المجلد الثالث من التبيان ويليه المجلد الرابع وأوله قوله تعالى: " وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع..."(86)

 

 




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 11231121

  • التاريخ : 18/05/2022 - 17:04

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net