00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة المائدة من ( آية 7 ـ 33) 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن (الجزء الثالث)   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

قوله تعالى: (واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا واطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور(7))

آية بلاخلاف.

في هذه الآية اذكار بنعم الله تعالى عليهم برسوله (صلى الله عليه واله) وميثاقه الذي واثقهم به عندما ضمنوا لرسول الله صلى الله عليه وآله السمع والطاعة، ثم حذرهم ان ينقضوا ذلك بقلوبهم، واعلمهم أنه عليم بذات الصدور. والميثاق الذي واثقهم به قال البلخي: والجبائي هوما أخذ عليهم رسول الله (صلى الله عليه واله) عند اسلامهم وبيعتهم بأن يطيعوا الله في كل ما يفرضه عليهم مما ساء‌هم أو سرهم.

قال الجبائي: هو مبايعتهم له ليلة العقبة وبيعة الرضوان وهوقول ابن عباس وقال اخرون: هوما اخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم (ع) واشهدهم على انفسهم الست بربكم؟ قالوا: بلى. ذهب اليه مجاهد. والصحيح قول ابن عباس لامرين: احدهما - ان الخبر مروي في أخذ الميثاق على من استخرج من صلب ادم (ع) ضعيف تحيله العقول. والثاني - أن الله (تعالى) ذكر بعقب تذكيره المؤمنين ميثاقه الذي واثق به اهل التوراة بعدما أنزل كتابه على نبيه موسى (ع) فيما أمرهم به ونهاهم عنه،

[460]

فقال: " ولقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا " الايات بعدها منبها بذلك أصحاب رسول الله محمد (صلى الله عليه واله) على مواضع حظوظهم من الوفاء لله بما عاهدهم عليه وتعريفهم سوء عاقبة هل الكتاب في تضييعهم من الوفاء لله بما عاهدهم عليه وما ضيعوا من ميثاقه الذي واثقهم به في أمره ونهيه زاجرا لهم عن نكث عهده لئلا يحل بهم ما حل بمن تقدم من الناكثين عهده من اهل الكتاب.

وقال ابوالجارود عن ابى جعفر (ع) - الميثاق هوما بين لهم في حجة الوداع من تحريم كل مسكر وكيفية الوضوء على ما ذكره الله وغير ذلك ونصب امير المؤمنين (عليه السلام) اماما للخلق وهذا داخل فيما حكيناه عن ابن عباس إذ هو بعض ما أمر الله به.

قوله تعالى: (ياايها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ان لاتعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى واتقوا الله ان الله خبير بما تعملون(8))

آية بلاخلاف.

هذا خطاب للمؤمنين امرهم الله تعالى ان يكونوا قوامين بالقسط أي قائمين بالعدل يقومون به، ويدومون عليه شهدا. لله أي مبينون عن دين الله، لان الشاهد يبين ما شهدعليه. و " قوامين " نصب بانه خبر كان (شهداء) نصب على الحال.

وقوله: " ولايجرمنكم " قد فسرناه فيما مضى. قال الكسائي: وابوعبيدة معناه لايحملنكم بغض قوم على الا تعدلوا يقال: جرمني فلان على أن فعلت كذا أي حملني عليه وقال الفراء يجرمنكم يكسبنكم يقال: جرمت على أهلي أي كسبتهم. وفلان جريمة أهله أي كاسبهم قال الكسائي: وفيه لغتان جرمت اجرم جرما وأجرمت اجرم أجراما. وشنآن قال الكسائي: معناه البغض وفيه لغتان: فتح

[461]

النون الاولى وجزمها. وقد بينا اختلاف القراء فيه.

قال الزجاج: من حرك النون اراد بغض قوم. ومن سكن اراد بغيض قوم. وحكى ايضا جرم واجرم لغتين وقيل اجرمته ادخلته في الجرم كما قيل أثمته ومعناه ادخلته في الاثم والمعنى لايحملنكم شنآن قوم اي بغض قوم ألا تعدلوا في حكمكم فيهم، وسيرتكم بينهم، فتجوروا عليهم.

وقال عبدالله بن كثير: نزلت هذه الآية في يهود حين مضى النبي صلى الله عليه وآله إلى حصن بني قريظة يستعينهم في دية فهموا أن يقتلوه، فنزلت هذه الآية، ثم أمرهم بعدالنبي عن الجور أن يفعلوا العدل مع كل أحد وليا كان أو عدوا، فان فعل العدل أقرب لكم أيها المؤمنون إلى التقوى، ثم حذرهم تعالى فقال " واتقوا الله " أي خافوا عقابه باجتناب معاصيه وفعل طاعاته، فان الله خبير أي عالم باعمالكم والكناية في قوله: " هو أقرب للتقوى " كناية عن العدل أي العدل أقرب للتقوى، ولولم يكن هو في الكلام، لكان أقرب نصبا، كما قال: انتهوا خيرالكم وكنى عن الفعل في هذا الموضع بهو.

قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة واجر عظيم(9))

آية بلاخلاف.

وعد الله تعالى في هذه الآية الذين صدقوا بوحدانية الله واقروا بنبوة نبيه محمد (صلى الله عليه واله) وعملوا الصالحات ان لهم مغفرة او وعدهم مغفرة ووقعت الجملة موقع المفرد كما قال الشاعر:

وجدنا الصالحين لهم جزاء *** وجنات وعينا سلسبيلا

وتكون الجملة التي هي لهم مغفرة في موضع النصب، ولذلك عطف في البيت وعينا، فنصب على الموضع، ويحتمل ان يكون موضع (لهم مغفرة) في موضع الرفع، ويكون الموعود به محذوفا، ويكون التقدير لهم مغفرة وأجر عظيم فيما

[462]

وعدهم أولهم مغفرة وأجر عظيم هو الجنة. وهو معنى قول الحسن والجبائي والوعد، هوالخبر الذي يتضمن النفع من المخبر.

والوعيد: هوالخبر الذي يتضمن الضرر من المخبر.

وتقول: وعدته خيرا وأوعدته شرا والا يعاد مطلقا يكون في الشر.

والوعد مطلقا في الخير، فاذا قيدته بذكر الخير او الشر، قلت فيهما معا وعدته وأوعدته معا فيما حكاه الزجاج.

والمغفرة اصلها التغطية ومعناها تكفير السيئة.

والتكفير ايضا: التغطية ومنه تكفر في السلاح: اذا تغطى به قال لبيد: في ليلة كفرالنجوم غمامها والاجر المذكور في الآية هوالثواب الذي وعد الله المؤمنين به على فعلهم الطاعات.

والفرق بين الثواب والاجر في العرف أن الثواب هوالجزاء على الطاعات.

والاجر قد يكون مثل ذلك وقد يكون في المعنى المعاوضة على المنافع بمعنى الاجر.

الآية: 10 - 19

قوله تعالى: (والذين كفروا وكذبوا باياتنا اولئك اصحاب الجحيم(10))

آية.

قوله: " والذين كفروا " معناه جحدوا توحيد الله، وصفاته وعدله، وانكروا نبوة نبيه، والاعتراف بما جاء به من عند الله، وكذبوا بآيات الله أخبر الله عنهم أنهم اصحاب الجحيم. وجحيم اسم من اسماء جهنم، فعلى هذا قوله، " والذين " في موضع رفع على الابتداء " وكفروا " في صلة الذين وكذبوا باياتنا عطف على ما في الصلة.

وقوله: اولئك اصحاب الجحيم جملة في موضع خبر الذين. وحدالكفر عندنا كل معصية يستحق بها عقاب دائم، لان ما ليس بكفر من المعاصي لايستحق عليه إلا عقاب منقطع، ثم ينقسم قسمين فان كان كفرردة، تعلقت عليه أحكام من منع الموارثة من المسلم والصلاة عليه، والدفن في مقابر المسلمين، وغير ذلك. وان كان كافر ملة بأن يكون مظهرا للشهادتين لم يجر عليه شئ من هذه الاحكام.

[463]

وقال قوم: إن الكفر أعظم الاجرام، لانه جحد انعم الله، ونعمته أعظم النعم، ويستحق عليها أعظم الشكر، فيجب أن يكون كفرها وجحدها أعظم الاجرام والمكذب بآيات الله، وان يعلمها ايات، فهوكافر إذا كان له سبيل إلى معرفتها. ومعنى أصحاب الجحيم أنهم يخلدون في النار، لان المصاحبة تقتضي الملازمة كما يقال اصحاب الصحراء بمعنى الملازمين لها.

قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم اذهم قوم أن يبسطوا اليكم أيديهم فكف ايديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون(11))

آية بلاخلاف.

هذا خطاب للمؤمنين ذكرهم الله نعمته عليهم حين هم قوم أن يبسطوا اليهم أيديهم. واختلفوا في الباسطين أيديهم على خمسة اقوال: فقال مجاهد وقتادة وابومالك: هم اليهود هموا بأن يقتلوا النبي صلى الله عليه وآله لما مضى إلى بني قريظة يستعين بهم على دية مقتولين من بني كلاب بعد بئر معونة كانا وفدا على النبي (صلى الله عليه واله) فلقيهما عمروبن أمية الضمري فقال: أمسلمين؟ فقالا: بل رافدين، فقتلهما، فقال له النبي صلى الله عليه وآله قتلت قتيلين قبل أن يبلغا الماء والله لادينهما. ومضى إلى يهودبني قريظة يستعين بهم.

وقيل: كان يستقرض لاجل الدية لانه كل يحملها، فهمت بنو قريظة بالفتك به وبقتله، فأعلم الله تعالى النبي صلى الله عليه وآله ذلك فانصرف عنهم.

وقال الحسن: إنما بعثت قريش رجلا ليفتك بالنبي (صلى الله عليه واله) فاطلع الله نبيه على امره ومنعه الله منه، لانه دخل على النبي صلى الله عليه وآله وسيفه مسلول فقال له: أرنيه فاعطاه اياه، فلما حصل في يده قال: ماالذي يمنعني من قتلك؟ فقال النبي (صلى الله عليه واله) الله يمنعك فرمى بالسيف وأسلم. واسم الرجل عمرو بن وهب الجمحي بعثه صفوان بن أمية ليغتاله (صلى الله عليه واله) بعد بدر،

[464]

فاعلمه الله ذلك. وكان ذلك سبب إسلام عمرو بن وهب.

وقال الواقدي. غزا رسول الله صلى الله عليه وآله جمعامن بني ذبيان ومحارب بذي أمر فتحصنوا برؤوس الجبال، ونزل رسول الله صلى الله عليه وآله بحيث يراهم، فذهب لحاجته فاصابه مطرفبل ثوبه، فنشره على شجرة واضطجع تحته بعيدا من أصحابه، والاعراب ينظرون اليه فاخبروا سيدهم دعشور بن الحارث المحاربي فجاء حتى وقف على رأسه بالسيف مشهورا، فقال: يامحمد صلى الله عليه وآله من يمنعك منى اليوم؟ فقال: الله ودفع جبرائيل في صدره وقع السيف من يده، فاخذه رسول الله صلى الله عليه وآله، وقام على رأسه وقال: من يمنعك مني اليوم؟ فقال: لااحد وانا اشهد ان لااله إلا الله، وان محمدارسول الله صلى الله عليه وآله فنزلت الآية.

وقال ابوعلي الجبائي المعني بذلك ما لطف الله (تعالى) المسلمين من كف أعدائهم عنهم حين هموا باستئصالهم باشياء شغلهم بها من الامراض والقحط، وموت الاكابر، وهلاك المواشي وغير ذلك من الاسباب التي انصرفوا عندها عن قتل المؤمنين: وقال ابن عباس. كانت اليهود دعوا رسول الله صلى الله عليه وآله إلى طعام لهم، وعزموا على الفتك به، فاعلم الله ذلك نبيه صلى الله عليه وآله فلم يحضر.

وقال اخرون: نزلت الآية فيما عزم المشركون على الايقاع بالنبي صلى الله عليه وآله وأصحابه يوم بطن النخلة إذا دخلوا في الصلاة، فاعلمه الله ذلك، فصلى بهم صلاة الخوف. وانما جعل الله تخليص النبي مما هموا به نعمة على المؤمنين من حيث كان إمامهم وسيدهم، وكان مبعوثا اليهم بما فيه مصالحهم، فمقامه بينهم نعمة على المؤمنين، فلذلك اعتد به عليهم.

وقال قوم: هو مردود على قوله: " اليوم يئس الذين كفروا من دينكم " ومعناه جملة الظفر.

[ اللغة ]: والذكر هو حضور المعنى للنفس يقال: ذكر يذكر ذكرا.

واذكره إدكارا وتذا كروا تذاكرا. وذاكره مذاكرة. وذكره تذكيرا.

واستذكر استذكارا واذكر اذكارا.

وقد يستعمل الذكر بمعنى القول، لان من شأنه أن تذكر به المعنى.

[465]

والتذكر هو طلب المعني لاطلب القول.

والفرق بين الذكر والعلم ان الذكر ضده الجهل.

وقد يجمع الذكر للشئ والجهل به من وجه واحد.

ومحال ان يجتمع العلم به والجهل به من وجه واحد والفرق بين الذكر والخاطر أن الخاطر مرور المعنى على القلب.

والذكر حصول المعنى في النفس وايضا الذكر يجري على نقيض النسيان، لانه يستعمل بعدما نسيه. وليس كذلك الخاطر. والهم بالامر هو حديث النفس بفعله.

يقال: هم بالامريهم هما. ومنه الهم. وهو الفكر الذي يغم. وجمعه هموم واهتم اهتماما.

وأهمه الامر إذاعني به، فحدث نفسه به والفرق بين الهم بالشئ والقصد اليه انه قد يهم بالشئ قبل أن يريده ويقصده بان يحدث نفسه به وهو مع ذلك مميل في فعله ثم يعزم اليه ويقصد اليه.

قوله تعالى: (ولقد اخذ الله ميثاق بنى اسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله انى معكم لئن اقمتم الصلاة واتيتمم الزكوة وامنتم برسلى وعززتموهم واقرضتم الله قرضا حسنا لاكفرن عنكم سيئاتكم ولادخلنكم جنات تجري من تحتها الانهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سوآء السبيل(12))

آية بلا خلاف.

الميثاق: اليمين المؤكدة، لانه يستوثق بها من الامر، فاخذالله ميثاقهم باخلاص العبادة له، والايمان برسله. وما يأتون به من شرايع دينه.

وقوله: " بعثنا منهم اثني عشر نقيبا " فالنقيب فيه أربعة أقوال: قال الحسن " هو الضمين وقال الربيع: هوالامين.

وقال قتادة: هوالشهيد على قومه.

وقال قوم: هوالرئيس من العرفاء.

[ اللغة ]: واصل النقيب في اللغة النقب وهوالثقب الواسع.

وقال ابومسلم: هو فعيل بمعنى مفعول كانه اختير ونقر عليه، فقيل نقيب، لانه ينقب عن احوال

[466]

القوم، كما ينقب عن الاسرار. ومنه نقاب المرأة.

ومنه المناقب وهي الفضائل. والنقب: الطريق في الجبل.

ويقال نقب الرجل على القوم ينقب نقبا: إذا صار نقيبا.

ونكب عليهم ينكب نكابة: إذا صار منكبا. وهوعون العريف. وقد نقب نقابة.

والنقبة سراويل بغير رجلين لاتساع نقبه تلبسة المرأة.

وأول الجرب النقبة وجمعها النقب.

والنقب قال الشاعر:

متبذلا تبدو محاسنه *** يضع الهاء مواضع النقب

ويقال: كلب نقيب إذا نقب حنجرته، لئلا يرتفع صوته في نباحه يفعل ذلك البخلاء، لئلا يطرقهم ضيف بسماع نباح الكلاب.

ومنه نقبت الحائط: إذا بلغت في النقب آخره.

وفي معنى قوله: " اثني عشر نقيبا " قولان: احدهما - قال الحسن والجبائي: أنه اخذمن كل سبط منهم ضمينا بما عقد عليهم بالميثاق من امر دينهم. الثاني - قال مجاهد والسدي: إنهم بعثوا إلى الجبارين، ليقفوا على آثارهم ويرجعوا بذلك إلى موسى، فرجعوا ينهون قومهم عن قتالهم لمارأوا من شدة بأسهم، وعظم خلقهم إلى اثنين منهم. وقال البلخي: يجوز أن يكون النقباء رسلا ويجوز ان يكونوا قادة.

وقوله: " بعثنا " لايدل على أنهم رسل، كما اذا قال القائل: الخليفة بعث الامير أو القضاة لايفيد أنهم رسل، بل يفيدأنه ولاهم وقلدهم. والغرض بذلك إعلام النبي صلى الله عليه وآله أن هؤلاء الذين هموا بقتل النبي صلى الله عليه وآله صفاتهم وأخلاقهم أخلاق أسلافهم الغدر، ونقض العهد.

وقوله: " وقال الله اني معكم " معناه ناصركم على عدوكم وعدوي الذي أمرتكم بقتالهم إن قاتلتموهم، ووفيتم بعهدي وميثاقي الذي أخذته عليكم. وفي الكلام حذف، وتقديره وقال الله: إني معكم. وإنما حذف استغناء بقوله: " ولقد اخذ الله ميثاق بني اسرائيل " ثم ابتدأ تعالى قسما، لئن أقمتم الصلاة معشر بني إسرائيل

[467]

" وآتيتم الزكاة " أي اعطيتموها " وآمنتم برسلي " معناه وصدقتم بما اتاكم به رسلي من شرائع ديني وقال الربيع بن أنس: هذا الخطاب من الله للنقباء وقال غيره: هوخطاب لبني اسرائيل.

والتقديران موسى (ع) قال لهم عن الله تعالى: إن الله ناصركم على عدوكم ما اقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي " وعزز تموهم " قيل معناه قولان: احدهما - قال مجاهد والسدي: معناه نصرتموهم وهو اختيار الزجاج. الثاني - قال عبدالرحمن بن زيد: معناه ونصرتموهم وأطعتموهم. وبه قال أبو عبيدة.

والعزز - في اللغة -: الرد والمنع في قول الفراء تقول: عزرت فلانا: إذا أدبته، وفعلت به ما يردعه عن القبيح. وقال تعالى: " وتعزروه وتوقروه " ومعناه تنصروه. وإلا كان تكرارا.

وهواختيار الطبري وأنشد أبوعبيدة في التعزير بمعنى التوقير قول الشاعر:

وكم من ما جدلهم كريم *** ومن ليث يعزر في الندي(1)

أي يعظم. وهوقول أبي علي.

وقوله: " واقرضتم الله قرضا حسنا " معناه وانفقتم في سبيل الله، وجهاد عدوه وعدوكم قرضا حسنا.

وقيل: معناه بطيبة نفس. وقيل معناه الا يتبعه من ولااذى.

وقيل من الحلال دون الحرام. وانما قال: قرضا، ولم يقل إقراضا، لانه رده إلى قرض قرضا، كما قال: " انبتكم من الارض نباتا "(2) ولم يقل إنباتا ويقال: اعطيته عطاء.

وقال امرؤ القيس: ورضت فذلت صعبة اي إذلال(2) لان فيه معنى اذللت.

وقوله: " لاكفرن عنكم سيئاتكم " اللام جواب القسم. وهو قوله: " لئن اقمتم الصلاة " فالاولى لام القسم والثانية جوابه، وقال قوم: كل واحد منهما قسم.

___________________________________

(1) - مجاز القرآن لابي عبيدة 1: 157 وتفسير الطبري 10: 120.

الندي مجلس القوم ماداموا مجتمعين فيه.

(2) سورة نوح، آية 17.

(3) ديوانه: 141. راض الدابة علمها السير.

[468]

وصحيح الاول، لان الكلام لم يتم في قوله: " لئن اقمتم الصلاة واتيتم الزكوة " ومعنى " لاكفرن " لاعطين بعفوي وصفحي عن عقوبتكم على ما مضى اجرامكم، ولادخلنكم مع ذلك جنات تجري من تحتها الانهار والجنات البساتين والكفر معناه الجحود، والتغطية والستر.

قال لبيد: في ليلة كفر النجوم غمامها(1) وقوله تجري من تحتها يعني من تحت اشجار هذه الجنات الانهار.

وقوله: فمن كفر بعد ذلك منكم يعني من جحد منكم يامعشر بني اسرائيل ما أمرته به، فتركه أو ركب ما نهيته عنه بعد اخذي الميثاق عليه، فقد ضل يعني أخطأ قصد الطريق الواضح، وزال عن منهاج السبيل القاصد. والضلال هو الركوب على غير هدى. وسواء السبيل يعني وسطه.

قوله تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولاتزال تطلع على خائنة منهم الا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح ان الله يحب المحسنين(13))

آية بلاخلاف.

[ القراء‌ة ]: قرأحمزه والكسائي قسية بلاالف - وقرأ الباقون قاسية - بالف.

[ المعنى ]: المعني بالآية تسلية النبي صلى الله عليه وآله فقال الله له: لاتعجبن من هؤلاء اليهود الذين هموا ان يبسطوا ايديهم اليك وإلى اصحابك ونكثوا العهد الذي بينك

___________________________________

(1) - انظر 1: 60

[469]

وبينهم، وغدروا بك، فان ذلك من عادتهم، وعادات اسلافهم، لاني اخذت ميثاق سلفهم على عهد موسى على طاعتي، وبعثت منهم اثني عشر نقيبا، فنقضوا ميثاقي، ونكثوا عهدي، فلعنتهم بنقضهم ميثاقهم. وفي الكلام محذوف اكتفى بدلالة الظاهر عليه.

والمعنى فمن كفر بعد ذلك منكم، فقد ضل سواء السبيل، فنقضوه، فلعنتهم فبما نقضهم ذلك لعناهم فاكتفى بقوله: فبما نقضهم من ذكر فنقضوا. (وما) زائدة والتقدير فبنقضهم (وما) مؤكدة. وهوقول قتادة وجميع المفسرين ومثله قول الشاعر: لشئ ما يسود من يسود والهاء والميم كنايتان عن بني اسرائيل واللعن هوالطرد للسخط على العبد، وهوالابعاد من رحمة الله على جهة العقوبة.

وقال الحسن: هوالمسخ الذي كان فيهم حين صاروا قردة، وخنازير. ومعنى جعلنا - هاهنا - قال البلخي: سميناها بذلك عقوبة على كفرهم، ونقض ميثاقهم. قال: ويجوز أن يكون المراد ان الله بكفرهم لم يفعل بهم اللطف الذي تنشرح به صدورهم كما يفعل بالمؤمن.

وذلك مثل قولهم: افسدت سيفك: إذا تركت تعاهده حتى صدئ.

ويقولون: جعلت اظافيرك سلاحك: إذا لم تقصها.

ويشهد للاول قوله تعالى: " وجعلوا لله شركاء الجن " وأراد بذلك انهم سموا لله شركاء.

وقال ابوعلي: هو البيان عن حالهم، وجفا قلوبهم عن الايمان بالله ورسوله، كما يقال: جعلته فاسقا مهتوكا: إذا أبان عن حاله للناس. ومعنى قاسية. أي يابسة يقال للرحيم: لين القب، ولغير الرحيم: قاسي القلب.

والقاسي والقاسح - بالحاء - الشديد الصلابة.

ويقال: قسا يقسو قسوة ومنه " فهي كالحجارة أو أشد قسوة " وقسية أشد مبالغة.

وقاسية أعرف وأكثر في الاستعمال.

وقال ابوعبيدة: قاسية معناه فاسدة من قولهم: درهم قسي أي زائف قال أبوزبيد:

[470]

لها صواهل في صم السلام كما *** صاح الفسيات في ايدي الصياريف

يصف وقع المساحي في الحجارة.

وقال ابوعباس: الدرهم انما سمي قسيا اذا كان فاسدا لشدة صوته بالقس الذى فيه، فهو راجع إلى الاول.

وقال الراجر: وقد قسوت وقسا لداتي وقوله: " يحرفون الكلم " فالتحريف يكون بأمرين: بسوء التاويل، وبالتغيير والتبديل، كما قال تعالى: " ويقولون هومن عند الله وما هو من عند الله " بعد قوله: " وان منهم لفريقا يلوون السنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب " والكلم جمع كلمة.

وقوله: " ونسوا حظا مما ذكروا به " معناه تركوا نصيبا مما ذكروا به يعني مما أنزل على موسى. وهوقول الحسين والسدي وابن عباس.

وقوله: " ولاتزال تطلع على خائنة منهم " معناه على خيانة منهم وفاعله في اسماء المصادر كثير، نحو عافاه لله عافية. " والمؤتفكات بالخاطئة " و " اهلكوا بالطاغية " ويقال: قائلة بمعنى القيلولة. كل ذلك بمعنى المصدر وراغية الابل وثاغية الشاة.

ويقال: رجل خائنة قال الشاعر:

حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن *** للغدر خائنة مغل الاصبع

فخائنة على وجه المبالغة، كما قالوا: رجل نسابة، لانه يخاطب رجلا. ومعناه لاتخن، فتغلل اصبعك في المتاع أي تدخلها الخيانة، ومغل بدل من خائنة. ويجوز أن يكون على خائنة معناه على فرقة خائنة.

وقوله: " الا قليلامنهم " نصب على الاستثناء من الهاء والميم في قوله: " على خائنة منهم ".

وقوله: " فاعف عنهم واصفح ان الله يحب المحسنين " قال قتادة: هو

[471]

منسوخ بقوله: " قاتلوا الذين لايؤمنون بالله ولا باليوم الآخر " وقال ابوعلي بقوله: " واماتخافن من قوم خيانة فانبذ اليهم على سواء " وقال البلخي: يجوز أن يكون أمر بالعفو والصفح بشرط التوبة أو بذل الجزية، لانهم إذا بذلوا الجزية لايؤاخذون بشئ من كفرهم. وهو قول الحسن، وجعفر بن مبشر. واختار الطبري هذا. فعلى هذا لايكون منسوخا.

وقوله: " يحرفون الكلم " لايدل على أنه جعل قلوبهم قاسية، ليحرفوا بل يحتمل امرين: احدهما - ان يكون كلاما مستأنفا ويكون التمام عند قوله: " قاسية " ثم أخبر عنهم بانهم يحرفون الكلام عن مواضعه. الثاني - أن يكون ذلك حالا، لقوله: " فيما نقضهم ميثاقهم يحرفون " اي يحرفون الكلم ناسين لحظوظهم " لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية ".

قوله تعالى: (ومن الذين قالوا انا نصارى اخذنا ميثافهم فنسوا حظا مما ذكروا به فاغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون(14))

آية بلا خلاف.

قوله: " ومن الذين قالوا إنا نصارى " انما لم يقل: من النصارى لما قاله الحسن: من أنه اراد تعالى بذلك أن يدل على أنهم ابتدعوا النصرانية التي هم عليها اليوم، وتسموابها.

وقوله: " اخذنا ميثاقهم " يعني بتوحيد الله عزوجل، والاقرار بنبوة المسيح، وجميع انبياء الله وانهم كلهم عبيد الله لايذكر.

وقال ابوعلي: معناه تركوا العمل به، فكان كالذي لايذكر.

وقوله: " مما ذكروا به " يعني فيما أنزله الله على موسى وعيسي في التوراة والانجبيل، والكتب المتقدمة.

[472]

وقوله: " فاغرينا بينهم " قال مجاهد وقتادة وابن زيد والسدي والجبائي: معناه بين اليهود والنصارى.

وقال الربيع والزجاج والطبري: معناه بين النصارى. وهو ما وقع بينهم من الخلاف نحو الملكية، وهم الروم والنسطورية، واليعقوبية من العداوة. وأصل الاغراء تسليط بعضهم على بعض.

وقيل: معناه التحريش. وأصله اللصوق.

يقال: غريت بالرجل غرى - مقصور وممدود - ومعناه لصقت به.

قال كثير:

إذا قيل مهلا قالت العين بالبكا *** غراء ومدتها حوافل تهمل

واغريت زبدا بكذا حتى غرى به.

ومنه الغراء الذى يغرى به للصوق والاغراء بالشئ معناه الالصاق من جهة التسليط. وانما أغرى بينهم بالاهواء المختلفة في الدين في قول إبراهيم.

وقيل. بالقاء البغضاء بينهم - عن الحسن وقتادة - وقيل: يامر بعضهم أن يعادي بعضا في قول ابي علي فكأنه يذهب إلى ما تقدم من الامر لهم بمعاداة الكفار.

والذي يقوله أن الوجه في اغراء الله فيما بينهم أنه امر النصارى بمعاداة اليهود فيما يفعله اليهود من القبيح في التكذيب بالمسيح، وشتم امه، والقذف لها والغرية عليها، واضافتها اليه تعالى، ووصفها بما لا يليق، وامر اليهود بمعاداة النصارى في اعتقادهم التثليث، وان المسيح ابن الله وغير ذلك من اعتقاداتهم الفاسدة، نقضوا هذا الميثاق واعرضوا عنه حتى صار بمنزلة المنسي فكان في ذلك أمر كل واحد منهما بالطاعة، فان قيل يمنع من ذلك قوله: (فنسوا حظا مما ذكروا به فاغرينا بينهم العداوة والبغضاء) فجعل اغراء‌ه لهم بالعداوة جوابا لقوله: (فنسوا حظا مما ذكروا به) لان الفاء تدل على الجواب. واذا كانت جوابا، وجب أن يكون (تعالى) إنما أغرى بينهم، لاجل نسيانهم للحظ الذي ذكروا به، وانه عاقبهم بهذا الاغراء، وليس في الامر والنهي والعبادات عقوبات - بلاخلاف - فدل جوابه بالفاء في قوله: " فاغرينا " عقيب قوله: " فنسوا حظا " على أنه عاقب بالاغراء لاعلى ما قلتموه؟ قيل: قوله " فنسوا حظا مما ذكروا به " جوابه وانه فعل هذا الاغراء، لاجل نسيانهم. غيرأنه ليس بعقوبة، وان كان جوابا.

[473]

فكا لاجل نسيانهم. غير أنه ليس بعقوبة، وان كان جوابا. فكان الاغراء إنما وقع بينهم من أجل نسيانهم لحظهم من قبل أنهم نسواما ذكروابه من معرفة التوحيد، والتدين به، فصاروا إلى القول بالاتحاد والشرك والفربة عليه (تعالى) فلاجل ذلك أمرالله أضدادهم بمعاداتهم، واغرائهم بهم.

فان قيل: فان الله (تعالى) ذكر النصارى في هذه الآية بنسيان حظهم ثم أجاب بالفاء في قوله: " فاغرينا بينهم " وليس يصح على هذا ان يكون أغرى بينهم من اجل ما فعله النصارى من الكفر، لانه إذا أمر اليهود بمعاداة النصارى، لاجل نسيان النصارى وكفرهم فانماهذا عن امرالله اليهود بهم، وليس باغراء بعضهم ببعض، وقوله: " فاغرينا بينهم " يدل على ان الله بعث كل واحد من الفريقين على صاحبه، وهذا يوجب خلاف قولكم؟ ! قيل: الامر على ما قلتم من أن امر اليهود بمعاداة النصارى هو إغراء لهم بهم، وليس باغراء بين النصارى، لكنه تعالى قد ذكر اليهود فيما تقدم من هذه السورة، وتكذيبهم، وفريتهم على الله، ثم ذكر النصارى، فلما جمع بين الفريقين في الذكر في هذه السورة، وان لم يجمعهم في هذه الآية، جاز ان يذكر انه اغرى بينهم العداوة بان امر كل واحد منهما بمعاداة عدوه فيما عصى فيه. وصح الاغراء بينهم والقاء العداوة والتباعد والمنافرة، وصح أن يجعل ذلك جوابا.

وقد قال البلخي جوابا آخر: وهوان يكون الاغراء بين النصارى خاصة بعضهم لبعض على ظاهر الآية، وهو أن الله تعالى نصب الادلة على ابطال قول كل فرقة من فرق النصارى، فاذا عرفت طائفة منها فساد مذهب الاخرى فيما نصب الله لها من الادلة، وان جهلت فساد مقالة نفسها لتفريطها في ذلك، وسوء اختيارها، فجاز على هذا أن يضاف الاغراء في ذلك إلى الله من حيث انه امر كل فرقة منها بمعاداة الاخرى على ما تعتقده، وان أمرها ايضا بأن تترك ما هي متمسكة به لفساده وهذا واضح بحمد الله، فان قيل: أيجوز على هذا ان يقال ان الله اغرى بين المؤمنين والكفار العداوة؟ قلنا: اما اغراء المؤمن بالكفر فصحيح، واما اغراء الكافر بالمؤمن، فليس بصحيح، لان ما عليه المؤمنون حق، وما عليه الكفار، باطل.

[474]

وإنما يقال: إن الله اغرى بين قوم وقوم إذا كان على بطلان قول كل طائفة منهما دليل يدل على فساد قول من يخالفها فعلى هذا لايصح إطلاق القول بما قالوه، ومتى قيد القول على ما بيناه، جاز، وأن لم يخبر مع الاطلاق.

وقوله: " وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون " لماقال (تعالى) لنبيه: " فاعف عنهم واصفح " بين انه من وراء الانتقام منهم، وانه سيجازيهم عند ورودهم عليه، بما كانوا يصنعون في الدنيا من نقض الميثاق، ونكث العهد ويعاقبهم على ذلك بحسب استحقاقهم.

قوله تعالى: (يااهل الكتاب قد جاء‌كم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاء كم من الله نور وكتاب مبين(15) يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور باذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم(16))

آيتان كوفي وثلاث بصري ومدني.

هذا خطاب لاجل الكتاب من اليهود والنصارى الذين عصوا الرسول فيما أمرهم به، ودعاهم اليه، فقال لهم.

قد جاء‌كم رسولنا محمد (صلى الله عليه واله) يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب أي يبين للناس ما كنتم تخفونه.

وقال ابن عباس وقتادة: إن مما بينه رجم الزانين، وأشياء كانوا يحرفونها بسوء التأويل. وانما لم يقل: ياأهل الكتابين، لان الكتاب اسم جنس. وفيه معنى العهد، وهو أو جزوا حسن في اللفظ من حيث كانوا، كانهم أهل كتاب واحد. والوجه في تبيين بعضه، وترك بعضه أنه يبين ما فيه دلالة على نبوة النبي صلى الله عليه وآله من صفاته، ونعته، وبشارته به، وما يحتاج إلى علمه من غير ذلك مما تتفق له الاسباب التي يحتاج معها إلى استعلام ذلك، كما اتفق في الرجم وما عداهذين مما ليس في تفصيله فائدة يكفي ذكره في الجملة.

[475]

وقوله: " ويعفو عن كثير " معناه يترك كثيرا لايأخذكم به، ولايذكره لانه لم يؤمر به على قول ابي علي وقال الحسن: ويصفح عن كثير بالتوبة منه. ومعنى النورفي الآية يحتمل امرين: احدهما - أنه النبي (صلى الله عليه واله) في قول الزجاج والاخر - هو القرآن على قول ابي علي وانما سمي نورا، لانه يهتدى به كما يهتدى بالنور ، ويجب ان يتبع لانه نور مبين عن الحق من الباطل في الدين.

والاولى ان يكون كناية عن النبي، لان قوله: " وكتاب مبين " المراد به القرآن، وقوله: " يهدي به الله " يعني يفعل اللطف المؤدي إلى سلوك طريق الحق يعني بالنبي (صلى الله عليه واله) او الكتاب " من اتبع رضوانه " يعني رضا الله والرضوان والرضا من الله ضد السخط. وهوارادة الثواب لمستحقه وقال قوم: هو المدح على الطاعة والثناء.

وقال الرماني: هو جنس من الفعل يقتضي وقوع الطاعة الخالصة مما يبطلها، ويضاد الغضب. قال لان الرضا بما كان يصح، وارادة ما كان لايصح إذ قد يصح أن يرضى بما كان، ولايصح أن يريد ما كان. وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لان الرضا عبارة عن ارادة حدوث الشئ من الغير، غير انها لاتسمى بذلك إلا إذا وقع مرادها، ولم يتخللها كراهة، فتسميتها بالرضا، موقوفة على وقوع المراد إلا أن بعد وقوع المراد بفعل ارادة هي رضالما كان فسقط ما قاله.

وقوله: " سبل السلام " السبل جمع سبيل. وفي السلام قولان: احدهما - هوالله في قول الحسن والسدي - والمعنى دين الله. وقال: " هو الله الذي لااله إلاهو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن " الثاني - قال الزجاج: إنه السلامة من كل مخافة ومضرة إلا ما لايعتد به، لانه يؤول إلى نفع في العاقبة.

وقوله: " يخرجهم من الظلمات إلى النور باذنه " معناه من الكفر إلى الايمان، لان الكفر يتحير فيه صاحبه كما يتحير في الظلام، ويهتدي بالايمان إلى النجاة كما

[476]

يهتدي. بالنور وقوله: " باذنه " معناه بلطفه.

وقوله: " يهديهم إلى صراط مستقيم " معناه يرشدهم إلى طريق الحق. وهو دين الحق.

وقال الحسن: هو الذي يأخذ بصاحبه حتي يؤديه إلى الجنة. وبه قال أبوعلي.

ومعنى " صراط مستقيم " طريق مستقيم وهودين الله القويم الذي لا اعوجاج فيه.

قوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا ان الله هوالمسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن اراد ان يهلك المسيح ابن مريم وامه ومن في الارض جميعا ولله ملك السماوات والارض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شئ قدير(17))

آية بلا - خلاف -

اللام في قوله: " لقد كفر " جواب للقسم وتقديره أقسم لقد كفر الذين قالوا.

وانما كفروا بقولهم: إن الله هوالمسيح بن مريم على وجه التدين به، لانهم لوقالوه على وجه الحكاية منكرين لذلك لم يكفروا به.

وانما كانوا بذلك كافرين من وجهين: احدهما - انهم كفروا بالنعمة من حيث أضافوها إلى غير الله ممن ادعوا الهيته. والثاني - كفر صفة لانهم وصفوا المسيح وهومحدث بصفات الله تعالى، فقالوا: هو إله واحد فكل جاهل بالله كافر، لانه لما ضيع حق نعمة الله، كان بمنزلة من أضافها إلى غيره ومعنى من يملك من الله شيئا من يقدر ان يدفع من أمر الله شيئا، من قولهم: ملكت على فلان أمره: إذا اقتدرت عليه حتى لايمكنه انفاذ شئ من امره الابك. وتقديره من يملك من امره شيئا. ووجه الاحتجاج بذلك انه لو كان المسيح إلها، لقدر على دفع أمر الله اذا اتى باهلاكه واهلاك غيره، وليس بقادر عليه لاستحالة القدرة على مغالبة القديم (تعالى) إذا ذلك من صفات المحتاج الذليل.

[477]

وقوله: " ولله ملك السموات والارض وما بينهما " انهالم يقل وما بينهن مع ذكر السموات على الجمع، لانه أراد به النوعين أو الصنفين كما قال الشاعر:

طرقا فتلك هما همى اقريهما *** قلصا لواقح كالقسي وحولا

فقال: طرفا، ثم قال: فتلك هما همى.

فان قيل: كيف حكى عنهم ان الله هو المسيح بن مريم. وعندهم هو ابن الله؟ قلنا: لانهم زعموا انه اله. وهذا الاسم انما هو للاله بمنزلة ذلك، كما لو قال الدهري: إن الجسم قديم لم يزل، وان لم يذكره بهذا الذكر.

قوله تعالى: (وقالت اليهود والنصارى نحن ابناء الله واحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل انتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والارض وما بينهما واليه المصير(18))

آية بلاخلاف.

روي عن ابن عباس أن جماعة من اليهود قالوا للنبي حين حذرهم بنقمات الله وعقوباته، فقالوا: لاتخوفنا فاننا ابناء الله واحباؤه وقال السدي: إن اليهود تزعم ان الله عزوجل أوحى إلى بني اسرائيل إن ولدك بكر من الولد.

وقال الحسن: انما قالوا ذلك على معنى قرب الولد من الوالد. واما قول النصارى، فقيل فيه: إنهم تأولواما في الانجيل من قول عيسى اذهب إلى ابي وأبيكم.

وقال قوم: لما قالوا: المسيح ابن الله أجرى ذلك على جميعهم، كما يقولون: هذيل شعراء أي منهم شعراء وكما قالوا في رهط مسيلمة قالوا: نحن انبياء أي قال قائلهم. وكما قال جرير: ندسنا ابا مندوسة القين بالقنى فقال: ندسنا. وانما النادس رجل من قوم جرير.

[478]

وقوله: " واحباؤه " جمع حبيب، فقال الله لنبيه محمد (صلى الله عليه واله) قل لهؤلاء المفترين على ربهم: " فلم يعذبكم بذنوبكم " فلاي شئ يعذبكم بذنوبكم إن كان الامر على ما زعمتم، فان الاب يشفق على ولده. والحبيب على حبيبه، لايعذبه وهم يقرون بأنهم معذبون، لانهم لو لم يقولوا به، كذبوا بكتبهم وأباحوا الناس ارتكاب فواحشهم. واليهود تقر انهم يعذبون أربعين يوما. وهي عدد الايام التي عبدوا فيها العجل.

وقوله: " بل انتم بشر " معناه قل لهم: ليس الامر على مازعمتم انكم ابناء الله واحباؤه، بل انتم بشر ممن خلق من بني آدم ان أحسنتم جوزيتم على إحسانكم مثلهم، وإن اسأتم، جوزيتم علي إساء‌تكم، كما يجازى غيركم. وليس لكم عند الله إلاما لغيركم من خلقه.

وقوله: " يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء " فانه وان علق العذاب بالمشيئة، فالمراد به المعصية، لانه تعالى لايشاء العقوبة إلا لمن كان عاصيا، فكان ذكرها أوجزوأبلغ، لما في ذلك من رد الامر إلى الله الذي يجازي به على وجه الحكمه. وانماهذا وعيد من الله لهؤلاء اليهود والنصارى المتكلين على منازل أسلافهم في الجنان عندهم. فقال الله تعالى: لاتغتروا بذلك فانهم نالوا ما نالوا بطاعتي وايثار رضاي، لابالاماني.

وقال السدي: معنى " يغفر لمن يشاء " يعني يهدي من يشاء في الدنيا فيغفر له، ويميت من يشاء على كفره، فيعذبه.

وقوله تعالى: " ولله ملك السموات والارض " معناه انه يملك ذلك وحده لاشريك له يعارضه، فقد وجب اليأس مما قدروا من كل جهة، وأنه لامنجي لهم الا بالعمل بطاعة الله واجتناب معاصيه.

وقال أبوعلي: ذلك بأنه يملك السموات، والارض ومابينهما على أنه لاولد له، لان المالك لذلك لاشبه له، ولان المالك لايملك ولده لخلقه له.

وقوله: " واليه المصير " معناه انه يوؤل اليه امر العباد في أنه لايملك ضرهم،

___________________________________

(1) - في المطبوعة (يجزيها).

[479]

ولانفعهم غيره - عزوجل -، لانه يبطل تمليكه لغيره ذلك اليوم كما ملكهم في دار الدنيا كما يقال: صار أمرنا إلى القاضي لاعلى معنى قرب المكان، وإنما يراد بذلك أنه المتصرف فينا والآمر لنا دون غيره.

قوله تعالى: (يااهل الكتاب قدجاء‌كم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل ان تقولوا ما جاءنا من بشير ولانذير فقد جاء‌كم بشير ونذير والله على كل شئ قدير(19))

آية بلاخلاف

هذا خطاب لليهود والنصارى ناداهم الله خصوصا لينبههم على ما يذكر لهم.

وقوله (قد جاء‌كم رسولنا يبين لكم) يدل على أنه اختصه من العلم بما ليس مع غيره " على فترة من الرسل " يعني على انقطاع من الرسل. وفيه دلالة على أن زمان الفترة: لم يكن فيه نبي.

والفترة انقطاع ما بين النبيين عند جميع المفسرين.

والاصل فيها الانقطاع عما كان عليه من الجد فيه من العسل، يقال: فترعن عمله وفترته عنه.

وفتر الماء إذا انقطع عما كان عليه من البرد إلى السخونة.

وامرأة فاترة الطرف أي منقطعة عن حدة النظر.

وفتور البدن كفتور الماء، والفتر ما بين السبابة والابهام إذا فتحا.

وقال الحسن: كانت هذه الفترة بين عيسى ومحمد (ص) ستمائة سنة وقال قتادة خمسمائة وخمسين سنة.

وقال الضحاك أربعمائة سنة وبضعا وستين سنة.

وقوله (أن تقولوا ما جاء‌نا من بشير ولانذير) يدل على بطلان مذهب

[480]

المجبرة في القدرة، لان الحجة بمنع القدرة أوكد من الحجة بمنع اللطف، وتكون الحجة في ذلك لمن علم الله أن بعثة الانبياء مصلحة لهم، فاذا لم يبعث، تكون لهم الحجة، فامامن لايعلم ذلك فيهم، فلاحجة لهم، وان لم يبعث اليهم الرسل.

ومعنى " أن تقولوا " ألا تقولوا " ما جاء نا من بشير ولانذير ".

على قول الفراء وغيره من الكوفيين، كقوله تعالى: " يبين الله لكم أن تضلوا " ومعناه ألا تضلوا.

وقال البصريون: معناه كراهة أن تضلوا، وكراهة أن تقولوا، وحذفت كراهة.

كما قال " واسأل القرية " وإنما أراد أهلها. وأن " تقولوا " في موضع نصب عند أكثر البصريين وقال الخليل والكسائي: موضعه الجر وتقديره لئلا تقولوا.

والبيان الذي أتاهم به النبي صلى الله عليه وآله هودين الاسلام الذي ارتضاه الله.

وهوبيان نفس الحق من الباطل، ومايجب.

والبشير هوالمبشر لكل مطيع بالثواب.

والنذير هوالمنذر المخوف كل عاص لله بالعقاب ليتمسك المطيع بطاعته، ويجتنب العاصي لمعصيته.

والجملة التي ذكرناها قول ابن عباس وقتادة وجميع المفسرين.

الآية: 20 - 29

قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم مالم يؤت أحدا من العالمين(20))

آية بلاخلاف

في هذه الآية اعلام من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله قديم تمادي هؤلاء اليهود في الغي وبعدهم من الحق وسوء اختيارهم لانفسهم وشدة خلافهم لانبيائهم مع

[481]

كثرة نعم الله عليهم وتتابع أياديه وآلاله عليهم، مسليا بذلك نبيه صلى الله عليه وآله من مقاساتهم في ذات الله.

فقال: فاذكر يامحمد إذ قال موسى لهم (ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم) وأياديه لديكم وآلائه عليكم.

وهو قول ابن عباس وابن عيينة.

وقوله (إذ جعل فيكم أنبياء) يعني ان موسى ذكر قومه بنعمه عليهم، وبلائه لديهم فقال لهم (اذكروا نعمة الله عليكم) إذفضلكم بأن جعل فيكم أنبياء يخبرونكم بأنباء لغيب، ولم يعط ذلك غيركم في زمانكم هذا، وقيل ان الانبياء الذين ذكرهم الله أنهم جعلوا فيهم هم الذين اختارهم موسى إلى الجبل: وهم السبعون الذين ذكرهم الله تعالى فقال (واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا)(1) وقال قوم: هم الانبياء الذين كانوا بعد موسى (ع).

وقوله (وجعلكم ملوكا) معناه سخر لكم من غيركم خدما يخدمونكم.

وقال قتادة: لانهم أول من سخر لهم الخدم من بني اسرائيل، وملكوا.

قال قوم: كل من ملك بيتا أو خادما أو امرأة ولايدخل عليه إلا بأمره فهوملك - كائنا من كان - ذهب اليه عمرو بن العاص وزيد بن اسلم والحسن والفراء قال: هؤلاء إنما خاطبهم موسى بذلك لانهم كانوا يملكون الدور والخدم ولهم نساء وأزواج.

وبه قال الحسن وابن عباس ومجاهد.

وروي عن النبي صلى الله عليه وآله.

وقال السدي جعلهم ملوكا يملك الرجل منهم نفسه وأهله وماله.

وقال الزجاج: جعلكم الله تملكون أمركم ولايغلبكم عليه غالب.

___________________________________

(1) سورة 7 الاعراف آية 154.

[482]

وقال البلخي: ليس ينكر أن يكون الله جعل لهم الملك والسلطان ووسع عليهم التوسعة التي يكون الانسان بها ملكا.

وقال المؤرج: معناه - بلغة كنانة وهذيل - جعلكم أحرارا.

وقال أبوعلي: الملك هو الذي له ما يستغني به عن تكلف الاعمال وتحمل المشاق، والتسكع في المعاش.

وقال ابن عباس، ومجاهد: جعلوا ملوكا بالمن والسلوى والحجر والغمام. وزاد الجبائي: وبغير ذلك من الاموال.

وقال قوم: ملكوا أنفسهم بالتخلص من الغيظ.

وقوله: (وآتاكم مالم يؤت أحدا من العالمين) يعني أعطاكم ما لم يعط أحدا من عالمي زمانهم. وهوقول الحسن والبلخي.

وقال أبوعلي: أعطاكم مالم يعط أحدا من العالمين أي من اجتماع هذه الامور وكثرة الانبياء فيهم، والآيات التي جاء‌تهم، إنزال المن والسلوى عليهم. وهوقول الفراء والزجاج.

وقال ابن عباس ومجاهد والحسن: هذا خطاب موسى لامته - وهو الاظهر - وقال سعيد بن جبير، وأبومالك: هو خطاب من الله لامة محمد صلى الله عليه وآله.

وإنما قلنا: أن الاول أولى لان الله أخبر حاكيا عن موسى (ع) أنه قال لهم " اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا) ثم عطف على ذلك قوله: (وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين) فالعدول عن ذلك من غير ضرورة لايجوز.

وقوله: " أنيباء " لاينصرف في معرفة ولانكرة لان علامة التأنيث فيها لازمة مثل حمراء تأنيث أحمر. ويخالف ذلك علامة التأنيث في طلحة وقائمة تأنيث قائم فلذلك انصرف هذا في النكرة دون المعرفة.

[483]

قوله تعالى: (ياقوم ادخلوا الارض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين(21))

آية بلاخلاف

هذه حكاية عن موسى (ع) أنه خاطب قومه وأمرهم بالدخول إلى الارض المقدسة وهي: بيت المقدس على قول ابن عباس، وابن زيد، والسدي وأبي علي.

وقال الزجاج والفراء: هي دمشق وفلسطين وبعض الاردن.

قال الفراء بتشديد النون - وقال قتادة: هي الشام.

وقال مجاهد هي أرض الطور. والمقدسة في اللغة: المطهرة. وقيل: إنها طهرت من الشرك وجعلت مسكنا وقرارا للانبياء والمؤمنين، والاصل التقديس، وهو التطهير، ومنه قيل للسطل الذي يتطهرمنه: القدس. وقيل: بيت المقدس لانه يطهرمن الذنوب. ومنه تسبيح الله وتقديسه سبوح قدوس، وهو تنزيهه عما لايجوز عليه من نحو الصحابة والولد والظلم والكذب.

وقوله: " كتب الله لكم " يعني في اللوح المحفوظ. فان قيل: كيف كتب الله لهم مع قوله " فانها محرمة عليهم "؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - قال ابن اسحاق: إنها كانت هبة من الله لهم ثم حرمهم إياها. والثاني - إن ظاهر ذلك يقتضي العموم بأن الله كتب لهم، فلما قال " إنها محرمة عليهم أربعين سنة " استثنى ذلك من جملته.

ويحتمل أن يكون المراد انها يدخلها قوم منهم. وقيل: ان القوم الذين كتب لهم دخولها غير الذين حرم عليهم، والذين كتب لهم دخولها مع يوشع بن نون بعد موت موسى بشهرين.

[484]

وقوله: " ولاترتدوا على أدباركم " فيه قولان: أحدهما - لاترجعوا عن طاعة الله إلى معصيته - في قول أبي علي. الثاني - لاترجعوا عن الارض التي أمرتم بدخولها.

وقوله " فتنقلبوا خاسرين " قيل في معناه قولان: أحدهما - أنه كان فرض عليهم دحولها كما فرضت الصلاة والصوم والزكاة والحج، فلما لم يفعلوا فقد خسروا الثواب. هذا قول قتادة والسدي.

والثاني - أنه أراد بذلك خسران حظهم كالخسران في البيع بذهاب رأس المال. وخاسرين نصب على الحال، والعامل فيه " فتنقلبوا " دون قوله " ولاترتدوا ".

قوله تعالى: قالوا ياموسى ان فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فان يخرجوا منها فانا داخلون(22))

آية بلاخلاف

هذه حكاية من الله عن قوم موسى لما أمرهم بدخول الارض المقدسة، انهم قالوا: إن في الارض قوما جبارين، ونصب (جبارين) ب‍ (أن) و (فيها) خبر (إن) قدم على الاسم. والجبار هوالذي لاينال بالقهر وأصله - في النخل - ما فات اليد طولا والجبار من الناس هوالذي يجبرهم على مايريد.

وقال ابن عباس: بلغ من جبرية هؤلاء القوم أنه لما بعث موسى من قومه

[485]

اثنى عشر نقيبا ليخبروه خبرهم، رآهم رجل من الجبارين يقال له عوج فأخذهم في كمه مع فاكهة كان حملها من بستانه وأتى بهم الملك فنثرهم بين يديه وقال معجبا للملك منهم: هؤلاء يريدون قتالنا؟ فقال الملك: ارجعوا إلى صاحبكم فاخبروه خبرنا. وقال قتادة ومجاهد مثله.

قال مجاهد كانت فاكهتهم لايقدرعلى حمل عنقود لهم خمسة رجال بالخشب. ويدخل في قشر رمانة خمسة رجال. وان موسى كان طوله عشرة أذرع وله عصا طولها مثل ذلك ونزا من الارض مثل ذلك، فبلغ كعب عوج بن عوق فقتله.

وقيل كان سريره مئة ذراع.

وأصل الجبار من الاجبار على الامر وهوالاكراه عليه.

والجبر جبر العظم وهو كالاكراه على الصلاح.

قال العجاج:

قدجبر الدين الاله فجبر *** وعور الرحمن من ولى العور(1)

أي أصلحه ولامه كجبر العظم كرها.

والجبار هدر الارش لان فيه معنى الكره.

والجبار في صفات الله صفة التعظيم، لانه يفيد الاقتدار، وتقول: لم يزل الله جبارا بمعنى أن ذاته تدعو العارف بها إلى تعظيمها.

والفرق بين الجبار والقهار أن القهار هوالغالب لمن ناوأه أو كان في حكم المناوئ بمعصيته إياه، ولايوصف فيما لم يزل بأنه قهار.

والجبار في صفة المخلوقين صفة ذم، لانه يتعظم بما ليس له من العظمة. فان العظمة لله تعالى.

وقوله (وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها) يعني هؤلاء الجبارين " فان

___________________________________

(1) لسان العرب (جبر)، (عور)، والعور هنا بمعنى قبح الامر وفساده، تقول: عورت عليه أمره أي أفسدته عليه.

[486]

يخرجوا منها فانا داخلون " تمام الحكاية عن قوم موسى.

قوله تعالى: قال رجلان من الذين يخافون انعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فاذا دخلتموه فانكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين(23))

آيتان في البصري وآية عند الباقين.

هذا إخبار من الله تعالى عن رجلين من جملة النقباء الذين بعثهم موسى لتعرف خبر القوم. وقيل هما يوشع بن نون، وكالب، وقيل كلاب بن يوفنا، في قول ابن عباس ومجاهد والسدي وقتادة والربيع.

وقال الضحاك: هما رجلان كانا في مدينة الجبارين وكانا على دين موسى (ع).

وقوله: " من الذين يخافون " قال قتادة: يخافون الله - عزوجل - وقال أبوعلي يخافون الجبارين أي لم يمنعهم الخوف من الجبارين أن قالوا الحق " أنعم الله عليهما " بالتوفيق للطاعة.

وقال الحسن: أنعم الله عليهما بالاسلام. وكان سعيد بن جبير يقرأ " يخافون " بضم الياء.

وروي تأويل ذلك عن ابن عباس: انهما كانا من الجبارين أنعم الله عليهما بالاسلام.

وقوله: " ادخلوا عليهم الباب فاذ ادخلتموه فانكم غالبون " اخبار عن قول الرجلين انهما قالا ذلك. وإنما صار الظفر بدخول باب مدينة الجبارين لما رأوا من رعبهم وما ألقى الله في قلوبهم من حكمة بأنه كتبها لهم، وما تقدم من وعد موسى (ع) إياهم بأنهم إن دخلوا الباب غلبوا.

وقوله " وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين " معناه فتوكلوا على الله في

[487]

نصره إياكم على الجبارين إن كنتم مؤمنين بالله، وبما آتاكم به رسوله من عنده.

قوله تعالى: قالوا ياموسى انا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا انا ههنا قاعدون(24))

آية بلاخلاف.

هذا إخبار عن قوم موسى أنهم قالوا: لاندخل هذه المدينة مادام الجبارون فيها، لانهم جنبوا وخافوا من قتال الجبارين لعظم أجسامهم وشدة بطشهم، ولم يثقوا بوعد نبيهم بالنصر لهم عليهم والغلبة لهم.

وقوله " فاذهب أنت وربك " إنما أبرز الضمير ليصح العطف عليه، لانه لايجوز العطف على الضمير قبل أن يؤكد. وإنما جاز في قوله " فاجمعوا أمركم وشركاء‌كم "(1) ذلك، لان ذكر المفعول صار عوضا عن المنفصل مثل (لا) في " لو شاء الله ما اشركنا ولاآباؤنا "(2) وإنما لم يقرن قوله (اذهب أنت وربك فقاتلا) بالنكير - إذ الذهاب لايجوز عليه تعالى - لامرين: أحدهما - لان الكلام كله يدل على الافكار عليهم والتعجب من جهلهم في تلقيهم أمر نبيهم بالرد له والمخالفة عليه. الثاني - لانهم قالوا ذلك على المجاز بمعنى وربك معين لك - على ما ذكره البلخي - والاول أقوى لانه أظهر من أولئك الجهال. وإنما يتأول على ما قاله البلخي لوكانوا ممن لايجوز عليهم مثل ذلك.

وقال الحسن: هذا القول منهم يدل على أنهم كانوا مشبهة وأنهم كفروا بذلك بالله.

وقال أبو علي: إن كانوا قالوه على وجه الذهاب من مكان إلى مكان فهو كفر، لان

___________________________________

(1) سورة يونس آية 71.

(2) سورة الانعام آية 148

[488]

ذلك جل بالله تعالى. وإن قالوه على وجه الخلاف فهو فسق.

فان قيل: هل يجوز وصفه تعالى بالقتال كما قال " قاتلهم الله أنى يؤفكون)(1)؟ قلنا: هذا مجاز، والمعنى إن عداوته لهم عداوة المقاتل، وانه يحل بهم ما يحله بالمقاتل المستعلي بالاقتدار وعظم السلطان، وليس كذلك قول هؤلاء الجهال.

قوله تعالى: قال رب إني لاأملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين(25))

آية بلاخلاف.

في هذه الآية إخبار من الله تعالى عما قاله موسى (ع) عقيب ما كان من قومه من الخلاف وقلة القبول على نبيهم، وخرج ذلك مخرج الغضب منه على قومه لما كان من عصيانهم إياه. ومثل ذلك لايخرج إلاعلى غضب.

وقوله " لاأملك إلانفسي وأخي " مجاز، لان الانسان لايصح أن يملك نفسه، لان الاصل في الملك القدرة، والمالك هوالقادر، ومحال أن يقدر الانسان على نفسه، ثم من حق المملوك أن يكون مقدورا عليه أو في حكم المقدور عليه في أن له أن يصرفه تصريف المقدور عليه كملك الانسان للمال والعبد ونحوه، فلايجوز على هذا أن يملك نفسه. ومعنى الآية أنه لما ملك تصريف نفسه في طاعة الله جاز أن يصف نفسه بأنه يملكها، لانه مما يجوز أن يملكه.

وقوله: " وأخي " لانه كان أيضا طائعا له فيما يأمره به، فكان كالقادر عليه. ويحتمل موضعه أربعة أوجه:

___________________________________

(1) سورة 9 التوبة آية 31 وسورة 65 المنافقون آية 4.

[489]

أحدها - الرفع على موضع (إن) وتقديره: إني لاأملك إلا نفسي وأخي لايملك الا نفسه.

الثاني - الرفع أيضا بالعطف على الياء في (إني).

الثالث - النصب بالعطف على الياء في (إني).

الرابع - النصب بالعطف على نفسي.

وقوله " فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين " قيل في الوجه الذي سأل الفرق بينه وبينهم قولان: أحدهما - أن يحكم ويقتضي بما يدل على بعدهم عن الحق وذهابهم عن الصواب فيما ارتكبوا من العصيان ولذلك القوا في التيه. هذا قول ابن عباس والضحاك. الثاني - قال أبوعلي إنما دعا بأن يفرق بينه وبينهم في الآخرة بأن يكون هؤلاء في النار، وأن يكون هؤلاء في الجنة. ولو دعا بالهلاك في الدنيا لاهلكهم الله.

وقال قوم: إنما سأل أن ينصره الله عيلهم حتى يرجعوا إلى الحق.

وقال البلخي معناه باعد، وافصل.

وحكي عن المؤرج ان معناه: اقض - بلغة مدبن - والفرق الذي يدل على المباعدة مثل قول الراجز:

يارب فافرق بينه وبيني *** أشد ما فرقت بين اثنين

وقوله " الفاسقين " في الآية - لايدل على ان ما وقع منهم كان فسقا لاكفرا، لان الكفر قد يوصف بالفسق، لان الفسق هوالخروج من الطاعة إلى المعصية على وجه التمرد، ويكون ذلك في الكفر قال الله تعالى " إلا ابليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه "(1) وكان بذلك كافرا بلاخلاف.

___________________________________

(1) سورة 18 الكهف آية 51.

[490]

قوله تعالى: قال فانها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الارض فلا تأس على القوم الفاسقين(26))

آية

 هذه الآية إخبار من الله، وخطاب لموسى (ع) أن قومه قد حرم عليهم دخول بلد الجبارين أربعين سنة، وفي كيفية التحريم قولان: أحدهما - قول أكثر المفسرين: أنه تحريم منع كما قال الشاعر:

جالت لتصرعني فقلت لها اقصري *** اني امرؤ صرعي عليك محرم

يعني دابته التي هو راكبها ويريد بذلك إني فارس لايمكنك أن تصرعني.

وقال أبوعلي: يجوز أن يكون المراد به تحريم تعبد - والاول هو الاظهر - وقال البلخي: يجوز أن يكونوا أمروا بأن يطوفوا فيه أربعين سنة يتيهون في الارض يعني في المسافة التي بينهم وبينها.

وقال الربيع: وكان مقداره ستة فراسخ.

وقال مجاهد، والحسن: كانوا يصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا.

وقال الحسن: لم يمت موسى (ع) في التيه.

وروي عن ابن عباس أنه مات في التيه على علم منه فيه.

وأما هارون فانه مات قبل موسى في التيه، وكان أكبر من موسى. واستخلف موسى يوشع بعده. وقال: إن الله بعثه نبيا. وفي دخوله أيضا مدينة الجبارين خلاف. وأصل التيه التحير الذي لايهتدى لاجله للخروج عن الطريق إلى الغرض المقصود. وأصله الحيرة.

يقال: تاه يتيه تيها: إذا تحير.

وتيهته، وتوهته، والياء أكثر.

والتيهاء - من الارض - هي التي لايهتدي فيها.

يقال: أرض تيه وتيهاء.

قال الشاعر: تيه أتاويه على السفاط

[491]

فان قيل: يجوز على جماعة - عقلا - كثيرين أن يسيروا في فراسخ يسيرة فلا يهتدوا للخروج منها؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - قال أبوعلي: يكون ذلك بأن تحول الارض التي هم عليها إذا ناموا فيردهم إلى المكان الذي ابتدؤا منه. الثاني - أن يكون بالاشتباه.

والاسباب المانعة من الخروج عنها إما بأن يمحو العلامات التي يستدل بها أو بآن يلقى شبه بعضها على بعض، ويكون ذلك معجزة خارقة للعادة. وقيل: إن التيه كان عقوبة لهم بعدد الايام التي عبدوا فيها العجل عن كل يوم سنة.

ومن قال هذا قال: لم يكن موسى وهارون فيها، أو كانا فيها غير متوهين، كما كان ابراهيم في نار نمرود غير متألم بها.

وقوله: (أربعين سنة) نصبه يحتمل أمرين: أحدهما - على قول الربيع ب‍ " محرمة " حرمها عليهم أربعين سنة. والثاني - " يتيهون " على قول الحسن وقتادة، لانهما قالا: إنه ما دخلها أحد منهم.

وقيل: انه دخلها يوشع بن نون وكالب بن يوفنا بعد موت موسى بشهرين.

قالوا لانه لاخلاف بين المفسرين أن دخولها كان محرم عليهم على طريق التأييد. وإنما دخلها أولادهم مع يوشع وكالب بن يوفنا.

وقوله: " فلاتأس على القوم الفاسقين " خطاب لموسى (ع) أمره الله أن لا يحزن على هلاكهم لفسقهم.

والاسى: الحزن يقال أسى يأسى أسى أي حزن قال امرؤ القيس:

وقوفا بها صحبي على مطيهم *** يقولون لاتهلك أسى وتجمل

وقال الزجاج: هوخطاب للنبي صلى الله عليه وآله.

[492]

قوله تعالى: واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لاقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين(27))

آية بلاخلاف

وجه إتصال هذه الآية بما قبلها أن الله تعالى أراد أن يبين أن حال اليهود في الظلم ونقض العهد وارتكاب الفواحش من الامور كحال ابن آدم قابيل في قتله أخاه هابيل، وماعاد عليه من الوبال بتعديه. فأمر نبيه أن يتلو عليهم اخبارهما وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وآله لما ناله من جهلهم بالتكذيب في جحوده وتبكيت اليهود.

وقوله: " إذ قربا قربانا " متعلق بنبأ، وتقديره: اقرأ عليهم خبر ابني آدم وما جرى منهما إذ قربا قربانا. والقربان يقصد به القرب من رحمة الله من أعمال البر وهوعلى وزن فعلان من القرب، كالفرقان من الفرق، والعدوان من العدو، والشكران من الشكر، والكفران من الكفر.

قال ابن عباس وعبدالله بن عمر، ومجاهد، وقتادة، وأكثر المفسرين: إن المتقربين كانا ولدي آدم لصلبه: قابيل، وهابيل.

وقال الحسن، وأبو مسلم محمد بن بحر، والزجاج: هما من بني اسرائيل، لان علامة تقبل القربان لم تكن قبل ذلك. وكان سبب قبول قربان أحدهما. ورد الآخر أحد أمرين: أحدهما - أنه رد قربان أحدهما لانه كان فاجرا فاسقا. وقبل قربان هابيل لانه كان متقيا مطيعا، ولذلك قال الله (إنما يتقبل الله من المتقين). الثاني - انه قرب بشر ماله وأخسه. وقرب الآخر بخير ماله، وأشرفه. فتقبل الاشرف، ورد الاخس.

[493]

وقال قوم ان سبب القربان أنه لم يكن هناك فقير فمن أراد القربان أخرج من ماله ما أحب، ففعلا ذلك، فأكلت النار قربان أحدهما دون الآخر، ولم يكن ذلك عن أمر الله.

وقال أكثر المفسرين ورواه أبوجعفر وغيره من المفسرين: أنه ولد لكل واحد من قابيل وهابيل اخت توأم له فأمر آدم كل واحد بتزويج اخت الآخر. وكانت اخت قابيل أحسن من الاخرى، فارادها، وحسد أخاه عليها، فقال آدم قربا قربانا، فأيكما قبل قربانه فهي له، وكان قابيل صاحب زرع فعمد إلى اخبث طعام. وعمد هابيل إلى شاة سمينة ولبن وزبد، فصعدا به الجبل فأتت النار فأكلت قربان هابيل، ولم تعرض لقربان قابيل. وكان آدم غائبا عنهما بمكة، فقال قابيل لاعشت ياهابيل في الدنيا، وقدتقبل قربانك ولم يتقبل قرباني. وتريد أن تأخذ اختي الحسناء. وآخذاختك القبيحة، فقال له هابيل: ما حكاه الله تعالى، فشدخه بحجر فقتله، ثم حمله على عاتقه وكان يضعه على الارض ساعة ويبكي ويعود يحمله كذلك ثلاثة أيام إلى أن رأى الغرابين.

وقوله: " لاقتلنك " معناه قال الذي لم يتقبل قربانه: و " قال إنما يتقبل الله " يعني الذي تقبل قربانه، وإنما حذف لدلالة الكلام عليه.

وقيل في علامة القبول قولان: قال مجاهد كانت النار تأكل المردود.

وقال غيره بل كانت العلامة في ذلك نارا تأتي فتأكل المتقبل ولاتأكل المردود.

وقال قوم في الآية دلالة على ان طاعة الفاسق غير متقبلة لكنها تسقط عقاب تركها.

واما النافلة فيصل اليه ضرب من النفع بها. وتقبل الطاعة إيجاب الثواب عليها - وهذا الذي ذكروه غير صحيح - لان قوله " إنما يتقبل الله

[494]

من المتقين ": معناه إنما يستحق الثواب على الطاعات من يوقعها لكونها طاعة فاما إذا فعلها لغير ذلك فانه لايستحق عليها ثوابا. فاذا ثبت ذلك، فلا يمتنع أن تقع من الفاسق يوقعها على الوجه الذي يستحق عليها الثواب فيستحق الثواب ولاتحابط عندنا بين ثوابه وما يستحق عليه العقاب. والاتقاء يكون لكل شئ يمتنع منه غير أنه لايطلق اسم المتقين إلا على المتقين للمعاصي خاصة بضرب من العرف، لانه أحق ما يجب أن يخاف منه كما لايطلق خالق إلا على الله - عزوجل - لانه أحق بهذه الصفة من كل فاعل، لان جميع أفعاله تقع على تقدير وترتيب وقوله: " إنما يتقبل الله من المتقين " يعني القرابين إنما

قوله تعالى: لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لاقتلك إني أخاف الله رب العالمين(28))

آية

يتقبلها الله من الذين يتقون معاصي الله خوف عقابه دون من لايتقيها.

في هذه الآية إخبار عن ولد آدم المقتول، وهوهابيل أنه قال لاخيه حين هدده بالقتل لما تقبل قربانه ولم يتقبل قربان أخيه، فقال " لئن بسطت إلي يدك " ومعناه لئن مددت إلي يدك. والبسط هوالمد وهو ضد القبض " لتقتلني " معناه لان تقتلني ما أنا باسط يدي اليك لان أقتلك.

فان قيل لم قال ذلك وقد وجب بحكم العقل الدفع عن النفس وإن أدى إلى قتل المدفوع؟ ! قلنا: عنه جوابان: أحدهما - أن معناه لئن بدأتني بقتل لم أبدأك لاعلى أني لاادفعك عن نفسي إذا قصدت قتلي هذا قول ابن عباس وجماعة، وقيل: إنه قتله غيلة بأن ألقى عليه وهونائم صخرة شدخه بها.

[495]

الثاني - قال الحسن، ومجاهد، والجبائي: إنه كان كتب عليهم إذا أراد الرجل قتل رجل تركه ولم يمتنع منه. وكان عمرو بن عبيد يجيز الوجهين وهوالاقوى لان كلا الامرين جائز.

فان قيل كيف يجوز الوجه الاخير وفيه اطماع في النفس؟ ! قلنا: ليس فيه شئ من ذلك لانه يجري مجرى قول القائل لغيره لئن ظلمتني لم أظلمك، ولئن قبحت في أمري لم أقبح في أمرك بل في ذلك غاية الزجر والردع عن القبيح، لان القبيح منفر عن نفسه صارف عن فعله.

وقوله: " إني أخاف الله رب العالمين " يعني أخاف الله في ابتداء مدي اليك يدي لقتلك " رب العالمين " يعني رب الخلائق. واللام في قوله " لئن " لام القسم وتقديره أقسم " لئن بسطت إلي يدك " وجوابه " ما أنا بباسط " ولاتقع (ما) جوابا للشرط والفرق بينهما أن ل‍ (ما) صدر الكلام والقسم لايخرجها عن ذلك كما جاز ان يكون جواب القسم ب‍ (أن) ولام الابتداء، ولم يجز بالفاء لان المقسم عليه ليس يجب بوجوب القسم وإنما القسم يؤكده، وجواب الشرط يجب بوجوبه، واذا اجتمع القسم والجزاء كان جواب القسم أولى من جواب الجزاء، لانه لما تقدم وصار الجزاء في حشو الكلام غلبه على الجواب فصار له واكتفى به من جواب الجزاء لدلالته عليه.

وروى غياث بن ابراهيم عن ابي اسحق الهمداني عن علي (ع) أنه قال: لما قتل ابن آدم (ع) اخاه بكا وقال:

تغيرت البلاد ومن عليها *** فوجه الارض مغبر قبيح

تغير كل ذي لون وطعم *** وقل بشاشة الوجه المليح

[496]

فأجاب آدم (ع)

أيا هابيل قد قتلا جميعا *** وصار الحي بالموت الذبيح

وجاء بشرة قد كان فيه *** على خوف فجاء بها يصيح

قوله تعالى: إني أريد أن تبوء‌ بأثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين(29))

في هذه الآية إخبار عن ابن آدم (ع) المقتول أنه قال: لاأبدأك بالقتل لاني " أريد أن تبوء باثمي " ومعناه أن ترجع، وأصله الرجوع إلى المنزل يقال: باء إذا رجع إلى المباء‌ة وهي المنزل " وباء‌وا بغضب من الله "(1) أي رجعوا. والبواء الرجوع بالقود، وهم في هذا الامر بواء أي سواء، لانهم يرجعون فيه إلى معنى واحد.

وقال الشاعر:

ألا تنتهي عنا ملوك وتتقي *** محارمنا لايبؤؤالدم بالدم(2)

أي لا يرجع الدم بالدم.

وقوله " باثمي واثمك " معناه اثم قتلي ان قتلتني، واثمك الذي كان منك قبل قتلي - هذا قول ابن عباس، وابن مسعود والحسن، وقتادة، والضحاك، ومجاهد - وقال مجاهد معناه خطيأتي ودمي، ذهب إلى ان المعنى مثل إثمي.

وقال الجبائي، والزجاج. وإثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك. ويجوز أن يريد باثمي الاول اثم قتلي ان قتلتني

___________________________________

(1) سورة 2 البقرة آية 61 وسورة 3 آل عمران آية 112.

(2) اللسان (بوء) وفيه روايتان: لايبأء، لايبؤء.

[497]

واثمك الذي قتلتني، فاضافه تارة إلى المفعول واخرى إلى الفاعل، لانه مصدر يصح ذلك فيه، كماتقول ضرب زيد عمرا وضرب عمرو زيد فتضيفه تارة إلى الفاعل واخرى إلى المفعول.

فان قيل: كيف جاز أن يريد منه الاثم وهو قبيح؟ قلنا: المراد بذلك عقاب الاثم، لان الرجوع بالاثم رجوع بعقابه، لانه لايجوز لاحد أن يريد معصية الله من غيره كما لايجوز. أن يريدها من نفسه، وهوقول أبي علي وغيره.

وقال قوم: التقدير إني أريد أن لاتبوء باثمي كما قال " يبين الله لكم أن تضلوا " ومعناه ألا تضلوا. وهذا وجه يحتمله الكلام لكن الظاهر خلافه، وإنما يحمل على ذلك إذا دل الدليل على أنه لايجوز أن يريد من غيره الاثم. وليس ههنا مايدل عليه والكلام يدل على أنه أراد العقاب لامحالة لو أراد الاثم.

وقوله " فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين " لايدل على فساد القول بالارجاء، لان ظاهره يقتضي أنه يستحق بذلك النار والعذاب، وان ذلك جزاء‌ه وليس في ذلك ما يمنع من جواز اسقاطه بغير توبة فينبغي أن لايمنع منه. وفي الآية دلالة على أن الوعيد بالنار قد كان في زمن آدم بخلاف ما يدعيه جماعة من اليهود والنصارى.

الآية: 30 - 39

قوله تعالى: فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين(30))

آية بلاخلاف

[498]

قيل في معنى " طوعت له نفسه " ثلاثة أقوال: احدها - شجعته نفسه على قتل أخيه في قول مجاهد.

وقال قتادة زينت له نفسه قتل أخيه.

وقال قوم: معناه ساعدته نفسه على قتل اخيه، فلما حذف حرف الجر نصب قوله " قتل أخيه ".

ومن قال معناه زينت نصبه كأنه مفعول به. يقال طاع لهذه الظبية اصول الشجرة، وطاع لفلان كذا أي أتاه طوعا، ويقال أيضا انطاع. ولايقال اطاعته نفسه، لان (أطاع) يدل على قصد لموافقة معنى الامر، وليس كذلك طوع، لانه بمنزلة انطاع له اصول الشجرة. وفي الفعل ما يتعدى إلى نفس الفاعل نحو حرك نفسه، وقتل نفسه. وفيه ما لايتعدى نحو أمر ونهى، لان الامر والنهي لايكون إلا ممن هو أعلى لمن هودونه.

وقال ابن عباس وابن مسعود وأبومالك وأبوجعفر (عليه السلام): إنه قتله بصخرة شدخ رأسه بها، وقال مجاهد: لم يدر كيف يقتله حتى ظهر له ابليس فعلمه ذلك، ظهر في صورة طير، فأخذ طيرا آخر وترك رأسه بين حجرين فشدخه. وقابيل ينظر اليه ففعل مثله. وقيل هو أول قتل كان في الناس.

وقوله: " فأصبح من الخاسرين " لايدل على أنه قتله ليلا، لان معناه صار من الخاسرين بقتله ليلا أو نهارا، لانه يحسن في هذا أن يقال: أصبح، لانه بمنزلة الامر الذي بيت ليلا، فكانت ثمرته الوبال والخسران، والمعنى - ههنا - ذهاب رأس المال بهلاك نفسه. وذلك أعظم الخسران كما قال تعالى " خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة " فمعنى الآية أصبح من الذين باعوا الآخرة بالدنيا، فخسروا في ذلك وخابت صفقتهم.

[499]

قوله تعالى: فبعث الله غرابا يبحث في الارض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال ياويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين(31))

آية بلاخلاف

قرأ الحسن (ياويلتني) مضاف، وهما لغتان يقال ياويلتا وياويلتي ذكره الازهري.

قيل: إنه كان أول ميت من الناس فلذلك لم يدر كيف يواريه وكيف يدفنه حتى بعث الله غرابين أحدهما حي والآخر ميت، وقيل كانا حيين فقتل أحدهما صاحبه ثم بحث الحي الارض فدفن فيه الغراب الميت، ففعل به مثل ذلك قابيل، وهوقول ابن عباس وابن مسعود وابن مالك ومجاهد والضحاك وقتادة. وفي ذلك دلالة على فساد ما قال الحسن وأبوعلي وأبومسلم إنهما كانا من بني اسرائيل، لانه لم يكن الناس إلى زمان بني اسرائيل، لايدرون كيف يدفنون ميتهم، قال الرماني ولايجوز أن يكون الغراب مكلفا، لان المعلوم من دعوة الرسول أن المكلفين هم الملائكة والانس والجن، والمعلوم ضرورة أنه لامطيع لله أحد إلا من هذه الثلاثة أصناف، وأيضا فقد بعث الله النبي صلى الله عليه وآله إلى كل مكلف سوى الملائكة ولايقول أحد: إنه مبعوث إلى الغربان.

ومعنى " فبعث الله غرابا " ألهمها ذلك.

وقال الزجاج أكرم الله المقتول بأن بعث غرابا حثا عليه التراب ليريه كيف يواري سوأة أخيه.

[500]

وقال قوم: كان ملكا في صورة الغراب.

وقال أبوعلي يجوز أن يكون الغراب قد زاد الله في عقله ماعقل أمر الله لاعلى وجه التكليف كما نأمر صبياننا وأولادنا فيفهمون عنا.

ومعنى " سوء‌ة أخيه " قيل فيه قولان: أحدهما - قال أبوعلي: إنه جيفة أخيه، لانه كان تركه حتى أنتن فقيل لجيفته سوء‌ة. وقال غيره: معناه عورة أخيه والظاهر يحتمل الامرين.

وأصل السوء التكرة تقول ساء‌ه يسوء‌ه إذا أتاه بما يكرهه.

وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وآله أن الله ضرب لكم مثلا ابني آدم فخذوا من خيرهما ودعوا شرهما).

وقوله " قال وياويلتا " فيه حذف لان تقديره ليريه كيف يواري سوأة أخيه فواراه قال والقائل أخاه ياويلتاه.

وقال الزجاج الوقف في غير القران عليها ياويلتاه، والنداء لغير الآدميين نحو " ياحسرتا على العباد "(1). و " ياويلتا أألد وأنا عجوز "(2). وقال ياويلتا وإنما وقع في كلام العرب. على تنبيه المخاطب وان الوقت الذي يدعي هذه الاشياء هووقتها.

والمعنى ياويلتا تعالي فانه من ابانك أي قوله: مني الويل وكذلك ياعجبا: المعنى ياأيها العجب هذا وقتك.

وقال سيبويه: الويل كلمة تقال عند الهلكة.

وقيل الويل واد في جهنم وقوله " أعجزت " يقال عجزت عن الامر أعجز عجزا ومعجزة.

___________________________________

(1) سورة يس آية 30.

(2) سورة هودآية 72.

[501]

وقوله " فأصبح من النادمين " قيل كانت توبته غير صحيحة، لانها لو كانت صحيحة لاستحق عليها الثواب.

وقال أبوعلي: ندم على قتله على غير الوجه الذي يكون الندم توبة لانه ندم لانه لم ينتفع به وناله ضرر بسببه من أبيه واخوته. ولوكان على الوجه الصحيح لقبل الله توبته. وعلى مذهبنا كان يستحق الثواب لو كانت صحيحة، وإن لم يسقط العقاب.

قوله تعالى: من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاء‌تهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الارض لمسرفون(32))

آية عند الجميع.

قرأ أبوجعفر والزبير (من أجل) ذلك بفتح النون واسكان الهمزة ومثله (قد أفلح) وماأشبهه. الباقون يقطعون الهمزة بفتح النون بنقل الحركة من الهمزة إلى ماقبلها. ومن اسكنها تركها على أصلها. ومعنى (من أجل) من جراء ذلك وجريرته.

وقال الزجاج: معناه من جناية ذلك.

يقال أجلت الشئ أجلا إذا اجنيته.

قال الخواني:

وأهل خباء صالح ذات بينهم *** قد احتربوا في عاجل أنا آجله(1)

___________________________________

(1) اللسان (أجل) وروايته كنت بينهم) بدل (ذات بينهم) وفي الصحاح مثل هنا وقائله خوات بن جبير.

[502]

أي جانيه وقيل جاره عليهم.

وقال عدي بن زيد:

أجل ان الله قدفضلكم *** فوق من احكأ صلبا بارزا(1)

وأصله الجر.

ومنه الاجل الوقت الذي يجر اليه العقد الاول ومنه الآجل نقيض العاجل. ومنه (أجل) بمعنى نعم، لانه انقياد إلى مايجر اليه ومنه الاجال القطيع من بقر الوحش، لان بعضها ينجر إلى بعض.

و " ذلك " اشارة إلى قتل أحد ابني آدم أخاه ظلما. حكمنا الى بني اسرائيل أنه من قتل منهم نفسا بغير نفس أو فساد كان منها في الارض فاستحقت بذلك قتلها. وفسادها في الارض إنما يكون بالحرب لله ولرسوله واخافة - السبيل - على ما سنبينه فيما بعد - وهوقول الضحاك وجميع المفسرين.

واختلفوا في تأويل قوله (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض، فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) على ستة أقوال: أحدها - قال الزجاج: معناه إنه بمنزلة من قتل الناس جميعا في أنهم خصومه من قبل ذلك الانسان.

والثاني - قال أبوعلي: إن عليه مثل مأثم كل قاتل من الناس لانه سن القتل وسهله لغيره، فكان بمنزلة المشارك فيه. ومثله قوله (ع): (من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة كان له وزرها ووزر من عمل بها).

الثالث - قال الحسن وقتادة ومجاهد: إن معناه تعظيم الوزر والمأثم

___________________________________

(1) اللسان (أجل).

[503]

وتقديره ياابن آدم انك لو قتلت الناس جميعا كان لك من عملك ماتفوز به وتنجو من النار؟ ! - والله - كذبتك نفسك والشيطان، فكذلك قتلك ظلما الانسان أي كنت تستحق الخلود في النار كما كنت تستحقه بقتل الناس جميعا.

الرابع - قال ابن عباس: معناه من شد على عضد نبي أو امام عدل. فكأنما أحيا الناس جميعا. ومن قتل نبيا أو إماما عدلا، فكأنما قتل الناس جميعا.

الخامس - قال ابن مسعود وغيره من الصحابة: معناه (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا) عند المقتول " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا " عند المستنفذ.

السادس - قال ابن زيد معناه انه عليه من القود والقتل مثل مايجب عليه لو قتل الناس جميعا.

وقوله: (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) قال مجاهد معناه من نجاها من الهلاك مثل الغرق والحرق.

وقال الحسن وابن زيد معناه من عفا عن دمها وقد وجب القود عليها.

وقال أبوعلي معناه من زجر عن قتلها بمافيه حياتها على وجه يقتدى به فيها بأن يقتدى به فيها بأن يعظم تحريم قتلها كماحرمه الله. فلم يقدم عليه فقد حي الناس بسلامتهم منه وذلك احياؤه إياها. وهو اختيار الطبري والله تعالى هوالمحيي للخلق لايقدر على ذلك غيره تعالى. وإنما قال: (أحياها) على وجه المجاز بمعنى نجاها من الهلاك كما حكى عن نمرود ابراهيم " أنا أحيي وأميت " فاستبقا واحدا وقتل الاخر.

قوله (ولقد جاء‌تهم رسلنا بالبينات) قسم من الله تعالى أن رسله أتت بني اسرائيل الذين ذكر قصصهم وأخبارهم بالآيات الواضحة والحجج الدالة على صدق رسله وصحة ما أتوا به ثم أخبر أن

[504]

كثيرا منهم يعني من بني اسرائيل لمسرفون بعد مجيئ رسل الله اليهم ومعنى (لمسرفون) لعاملون بمعاصي الله، ومخالفون أمره ونهيه باتباعهم غير رسل الله.

والاسراف الخروج عن التقصير والاقتصاد وضده التقطير.

والاقتصاد هو التعديل بلا إسراف ولا اقتار وقد يمدح بالاقتصاد.

وقال أبوجعفر (ع): المسرفون هم الذين يستحلون المحارم ويسفكون الدماء.

قوله تعالى: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الاخرة عذاب عظيم(33))

آية بلاخلاف.

المحارب عندنا هو الذي أشهر السلاح وأخاف السبيل سواء كان في المصر أو خارج المصر، فان اللص المحارب في المصر وغير المصر سواء.

وبه قال الاوزاعي ومالك والليث بن سعد وابن لهيعة والشافعي والطبري.

وقال قوم: هو قاطع الطريق في غير المصر ذهب اليه أبوحنيفة وأصحابه وهوالمروي عن عطاء الخراساني.

ومعنى (يحاربون الله) يحاربون أولياء الله ويحاربون رسوله (ويسعون في الارض فسادا) وهو ماذكرناه من أشهار السيف واخافة السبيل. وجزاء‌هم على قدر الاستحقاق إن قتل قتل وان أخذ المال وقتل قتل وصلب وان أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف. وان اخاف السبيل فقط فانما عليه النفي لاغير هذا مذهبنا. وهو المروي عن أبي جعفر

[505]

عليه السلام وأبي عبدالله (ع) وهوقول ابن عباس وابي مجلز وسعيدبن جبير، والسدي، وقتادة، والربيع وابراهيم على خلاف عنه - وبه قال أبوعلي الجبائي والطبري وحكي عن الشافعي أنه إن أخذ المال جهرا كان للامام صلبه حيا وان لم يقتل.

" وان يقتلوا " في موضع رفع وتقديره إنما جزاؤهم القتل، والصلب أو القطع من موضع الخلاف، ومعنى (إنما) ليس جزاؤهم الا هذا قال الزجاج: اذاقال جزاؤك عندي درهم جاز أن يكون معه غيره، فاذا قال انما جزاؤك درهم كان معناه ماجزاؤك إلا درهم. واختلفوا في سبب نزول هذه الاية فقال ابن عباس والضحاك، نزلت في قوم كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وآله موادعة فنقضوا العهد، وأفسدوا في الارض، فخير الله نبيه في ماذكر في الآية، وقال الحسن وعكرمة نزلت في أهل الشرك.

وقال قتادة، وأنس وسعيد بن جبير والسدي: انها نزلت في العرنيين والعكليين حين ارتدوا وأفسدوا في الارض فأخذهم النبي صلى الله عليه وآله وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمل أعينهم(1) وفي بعض الاخبار أحرقهم بالنار. ثم اختلفوا في نسخ هذا الحكم الذي فعله بالعرنيين، فقال البلخي وغيره نسخ ذلك بنهيه عن المثلة. ومنهم من قال: حكمه ثابت في نظرائهم لم ينسخ.

وقال آخرون لم يسمل النبي صلى الله عليه وآله أعينهم وإنما أراد أن يسمل فأنزل الله آية المحاربة، والذي نقوله: إن عندنا ان كان فيهم طليعة لهم حتى يقتلوا قوما

___________________________________

(1) سمل أعينهم أي فقأها بحديدة محماة.

[506]

سملت عين الربيئة(1) وأجري على الباقين ماذكرناه.

وقال قوم: الامام مخير فيه ذهب اليه ابن عباس في رواية ومجاهد والحسن وسعيدبن المسيب، وعطا وابراهيم في رواية عنه.

فمن قال بالاول، ذهب إلى أن (أو) في الآية تقتضي التفصيل ومن قال بالثاني ذهب إلى انها للتخيير.

ومعنى قوله: " وأرجلهم من خلاف " معناه أن يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى. ولو كان موضع (من) (على) أو (الباء) لكان المعنى واحدا.

وقوله " أو ينفوا من الارض " في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - أنه يخرج من بلاد الاسلام ينفى من بلد إلى إلا أن يتوب ويرجع وهوالذي نذهب اليه.

وبه قال ابن عباس، وأنس بن مالك، ومالك ابن أنس، والحسن والسدي والضحاك، وقتادة، وسعيدبن جبير، والربيع ابن انس، والزهري.

وقال أصحابنا لايمكن أيضا من دخول بلاد الشرك، ويقاتل المشركون على تمكينهم من ذلك حتى يتوبوا ويرجعوا إلى الحق.

وقال الفراء النفي أن يقال: من قتله فدمه هدر.

والثاني - انه ينفى من بلد إلى بلد غيره ذهب اليه سعيدبن جبير في رواية أخرى، وعمربن عبدالعزيز.

الثالث - ان النفي هوالحبس ذهب اليه أبوحنيفة وأصحابه.

أصل النفي الاهلاك ومنه النفي الاعدام، فالنفي الاهلاك بالاعدام.

ومنه النفاية لردئ المتاع.

ومنه النفي، وهو ما تطاير من الماء عن الدلو، قال الراجز:

___________________________________

(1) ربيئة القوم عينهم الذي يطلعهم على أخبار العدو. يقف على مرتفع عال ويرقب حركات العدو.

[507]

كأن متنيه من النفي *** مواقع الطير على الصفي(1)

والنفي الطرد قال أوس بن حجر:

ينفون عن طرق الكرام *** كما ينفى المطارق مايلي الفرد

وقوله " ذلك لهم خزي في الدنيا " معناه أن فعل ماذكرناه من الاحكام خزي في الدنيا، والخزي الفضيحة يقال خزي يخزي خزيا إذا افتضح وخزى يخزى خزاية إذا استحيا وخزوته اخزوه خزوا إذا سسته ومنه قول لبيد: واخزها بالبر لله الاجل(2) " ولهم في الآخرة عذاب عظيم " معناه زيادة على ذلك وهذا يبطل قول من قال اقامة الحدود تكفير للمعاصي لانه يقال مع اقامة الحدود عليهم بين ان لهم في الآخرة عذابا عظيما ومعنى ان لهم في الآخرة عذابا عظيما انهم يستحقون ذلك ولايدل على انه يفعل بهم ذلك لامحالة لانه يجوز أن يعفو الله عنهم ويتفضل عليهم باسقاط عقابهم.

___________________________________

(1) اللسان (نفي) وروايته: كأن متنيه من النفي. من طول اشرافي على الطوي مواقع الطير على الصفي.

(2) اللسان (خزا) وقبله:

أكذب النفس اذا حدثتها *** ان صدق النفس يزدي بالامل

غير أن لاتكذبنها في التقى *** واخزها بالبر لله الاجل




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 11230929

  • التاريخ : 18/05/2022 - 15:16

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net