00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة هود 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : تفسير الصافي ( الجزء الثاني)   ||   تأليف : المولى محسن الملقب ب‍ " الفيض الكاشاني "

[ 430 ]

سورة هود

(عليه السلام) مكية في قول الاكثرين، وقال قتادة: إلا آية وهو قوله: (وأقم الصلوة طرفي النهار) فإنها مدنية عدد آيها مأة وثلاث وعشرون آية. بسم الله الرحمن الرحيم (1) الر: سبق تأويله في أول سورة يونس. كتاب أحكمت آياته: نظمت نظما محكما لا نقص فيه ولا خلل كالبناء المحكم. ثم فصلت: بدلائل التوحيد، والمواعظ، والاحكام، والقصص، ومعنى (ثم) (1): للتراخي في الحال لا في الوقت. القمي: عن الباقر عليه السلام هو القرآن من لدن حكيم خبير. قال من عند حكيم خبير. (2) أن لا تعبدوا إلا الله إننى لكم منه: من الله. نذير وبشير: بالعقاب على الشرك والثواب على التوحيد. (3) وأن استغفروا ربكم من الشرك والمعصية. ثم توبوا إليه: بالأيمان والطاعة. يمتعكم متاعا حسنا: يعشكم (2) في أمن ودعة. إلى أجل مسمى: هو آخر أعماركم المقدرة. ويؤت كل ذى فضل فضله: ويعط كل ذي فضل في دينه جزاء فضله في الدنيا والآخرة. وإن تولوا: وإن تتولوا. فإنى أخاف عليكم عذاب يوم كبير: يوم القيامة.

____________________________

1 - كما تقول فلان كريم الاصل ثم كريم الفعال ثم كذا وكذا.

 2 - عاش الرجل معاشا ومعيشا وكل واحد منهما يصلح ان يكون مصدرا أو ان يكون اسما مثل معاب ومعيب وممال ومميل واعاشه الله عيشة راضية (ص).  

[ 431 ]

القمي: يعني الدخان والصيحة. (4) إلى الله مرجعكم: في ذلك اليوم. وهو على كل شئ قدير: فيقدر على تعذيبكم أشد عذاب فكأنه تقرير لكبر اليوم. (5) ألا إنهم يثنون صدورهم: يعطفونها. ليستخفوا منه: من الله بسرهم فلا يطلع رسوله والمؤمنون عليه أو من رسوله. في الكافي، والعياشي: عن الباقر عليه السلام أخبرني جابر بن عبد الله أن المشركين كانوا إذا مروا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حول البيت طأطأ أحدهم ظهره ورأسه هكذا وغطى رأسه بثوبه حتى لا يراه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله الآية. والقمي: يكتمون ما في صدورهم من بغض علي عليه السلام، قال رسول الله إن آية المنافق بغض علي، وكان قوم يظهرون المودة لعلي عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويسرون بغضه. في الجوامع: وفي قراءة أهل البيت (يثنوني) على (يفعوعل) من الثني وهو بناء مبالغة. ألا حين يستغشون ثيابهم: يتغطون بثيابهم كراهة لاستماع كلام الله كقوله تعالى: (جعلوا أصابعهم فئ اذانهم واستغشوا ثيابهم). يعلم ما يسرون: في قلوبهم. وما يعلنون: بأفواههم يستوي في علمه سرهم وعلنهم. إنه عليم بذات الصدور: بأسرار ذات الصدور أو بالقلوب وأحوالها. قيل: نزلت في طائفة من المشركين قالوا إذا أرخينا ستورنا، واستغشينا بثيابنا، وطوينا صدورنا على عداوة محمد كيف يعلم. والقمي: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا حدث بشئ من فضل علي أو تلا عليهم ما أنزل الله فيه نفضوا ثيابهم، ثم قاموا يقول الله: (يعلم ما يسرون وما يعلنون) حين قاموا (إنه الله عليم بذات الصدور). (6) وما من دابة في الاءرض إلا على الله رزقها لتكفله إياه تفضلا ورحمة. ويعلم مستقرها: موضع قرارها ومسكنها. ومستودعها: قبل الاستقرار في أصلاب الآباء

[ 432 ]

وأرحام الامهات، والبيض. كل: كل واحدة من الدواب، ورزقها، ومستقرها، ومستودعها. في كتاب مبين: مذكور في اللوح المحفوظ، في نهج البلاغة: قسم أرزاقهم، وأحصى آثارهم وأعمالهم، وعدد أنفاسهم، وخائنة أعينهم، وما تخفي صدورهم من الضمير، ومستقرهم ومستودعهم من الارحام، والظهور إلى أن يتناهى بهم الغايات. (7) وهو الذى خلق السموات والأرض في ستة أيام: أي خلقهما وما بينهما كما سبق بيانه في سورة الاعراف. وكان عرشه على الماء: قبل خلقهما. القمي: وكان ذلك في مبدء الخلق. وفي الكافي: عن الباقر عليه السلام إن الله عز وجل ابتدع الاشياء كلها بعلمه على غير مثال كان قبله فابتدع السموات والارضين ولم يكن قبلهن سموات ولا أرضون أما تسمع لقوله تعالى: (وكان عرشه على الماء). وفيه، وفي التوحيد: عن الصادق عليه السلام عن قول الله عز وجل: (وكان عرشه على الماء) فقال: ما يقولون ؟ قيل: يقولون: إن العرش كان على الماء والرب فوقه، فقال: كذبوا من زعم هذا فقد صير الله محمولا، ووصفه بصفة المخلوقين، ولزمه أن الشئ الذي يحمله أقوى منه، ثم قال: إن الله حمل دينه وعلمه الماء قبل أن يكون سماء وأرض أو جن أو إنس أو شمس أو قمر. وفي حديث القمي: وكان الماء على الهواء، والهواء لا يحد ولم يكن يومئذ خلق غيرهما، والماء عذب فرات. أقول: تأويل هذه الاخبار عند الراسخين في العلم. ليبلوكم أيكم أحسن عملا: أي خلقهن لحكمة بالغة وهي أن يجعلها مساكن لعباده وينعم عليهم فيها بفنون النعم، ويكلفهم ويعرضهم لثواب الآخرة ولما شبه ذلك اختبار المختبر قال: (ليبلوكم) أي ليفعل بكم ما يفعل المبتلى لأحوالكم كيف تعملون، ولما كان في الاختبار معنى العلم، وهو طريق إليه قال: (أيكم أحسن عملا). في الكافي: عن الصادق عليه السلام ليس يعني أكثركم عملا ولكن أصوبكم

[ 433 ]

عملا، وإنما الاصابة خشية الله، والنية الصادقة. وروى العامة: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيكم أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله. ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت: فيتوقعوه. ليقولن الذين كفروا ان هذا إلا سحر مبين: تمويه ظاهر له لا حقيقة له، وقرئ ساحر. (8) ولئن أخرنا عنهم العذاب: الموعود. إلى أمة معدودة: قيل: الى جماعة من الاوقات قليلة. والقمي: عن أمير المؤمنين عليه السلام يعني به الوقت. ليقولن: استعجالا واستهزاء. ما يحبسه: ما يمنعه من الوقوع. ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم: ليس العذاب مرفوعا عنهم. وحاق بهم: وأحاط بهم وضع الماضي موضع المستقبل تحقيقا ومبالغة في التهديد. ما كانوا به يستهزؤن. القمي: يعني إن متعناهم في هذه الدنيا إلى خروج القائم عليه السلام فنردهم ونعذبهم (ليقولن ما يحبسه) أي يقولوا ألا يقوم القائم ؟ الا يخرج ؟ على حد الاستهزاء. وعن أمير المؤمنين عليه السلام: قال: الامة المعدودة: أصحاب القائم الثلاثمأة والبضعة عشر. والعياشي: عن الصادق عليه السلام قال: هو القائم وأصحابه. وعنه عليه السلام: (إلى أمة معدودة) يعني عدة كعدة بدر (ليس مصروفا عنهم) قال: العذاب. وعن الباقر عليه السلام: أصحاب القائم الثلاثمائة والبضعة عشر رجلا، هم والله الامة المعدودة التي قال الله في كتابه: وتلا هذه الآية، قال: يجتمعون والله في ساعة واحدة قزعا (1) كقزع الخريف. وفي الكافي، والمجمع: ما يقرب منه. (9) ولئن أذقنا الاءنسان منا رحمة: نعمة. ثم نزعناها: سلبناها منه. منه إنه ليؤس: شديد

____________________________

- القزع محركة قطع من السحاب رقيقة والواحد قزعة وفي الحديث كأنهم قزع الخريف ص. 

[ 434 ]

اليأس، قنوط من أن تعود عليه تلك النعمة المنزوعة قاطع رجاءه من سعة فضل الله. كفور: عظيم الكفران لنعمه. (10) ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته كصحة بعد سقم، وغنى بعد عدم. وفي اختلاف الفعلين في الاسناد نكتة لا تخفى. ليقولن ذهب السيئات عنى: أي المصائب التي سائتني وحزنتني. إنه لفرح: أشر بطر مغتر بها. فخور: على الناس بما أنعم الله عليه، قد شغله الفرح والفخر عن الشكر والقيام بحقها. القمي قال: إذا أغنى الله العبد ثم اقترصا به اليأس والجزع والهلع (1)، وإذا كشف الله عنه ذلك فرح. قيل: في لفظتي الاذاقة والمس: تنبيه على أن ما يجده الانسان في الدنيا من النعم والمحن كالانموذج لما يجده في الآخرة وإنه يقع في الكفران والبطر بأدنى شئ، لأن الذوق: إدراك الطعم، والمس: مبدء الوصول. (11) إلا الذين صبروا: في الشدة على الضراء إيمانا بالله واستسلاما لقضائه. وعملوا الصالحت: في الرخاء شكرا لآلائه سابقها ولاحقها. أولئك لهم مغفرة وأجر كبير. (12) فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك: تترك تبليغ بعض ما يوحى إليك، وهو ما يخالف رأي المشركين مخافة ردهم واستهزائهم به. وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل إليه كنز: ينفقه في الاستتباع كالملوك. أو جاء معه ملك: يصدقه. إنما أنت نذير: ليس عليك إلا الانذار بما أوحى إليك، ولا عليك ردوا أو اقترحوا فما بالك يضيق به صدرك. والله على كل شئ وكيل: فتوكل عليه فإنه عالم بحالهم، وفاعل بهم جزاء أقوالهم وأفعالهم، ويأتي في هذه الآية كلام في سورة بني اسرائيل ان شاء الله. وفي الكافي: عن الصادق عليه السلام في هذه الآية إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما نزل قديدا (غديرا خ ل) قال لعلي عليه السلام: إني سألت ربي أن

____________________________

1 - الهلع محركة الجزع ق. 

[ 435 ]

يوالي بيني وبينك ففعل، وسألت ربي أن يواخي بيني وبينك ففعل، وسألت ربي أن يجعلك وصيي ففعل، فقال رجلان من قريش: والله لصاع من تمر في شن بال أحب إلينا مما سأل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ربه، فهلا سأل ربه ملكا يعضده على عدوه أو كنزا يستعين به عن فاقته، والله ما دعاه إلى حق ولا باطل إلا أجابه الله إليه فأنزل الله إيه: (فلعلك تارك)، الآية. والقمي، والعياشي: ما يقرب منه وزاد العياشي ودعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين عليه السلام في آخر صلوته رافعا بها صوته يسمع الناس يقول: اللهم هب لعلي المودة في صدور المؤمنين، والهيبة والعظمة في صدور المنافقين، فأنزل الله تعالى (إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحت سيجعل لهم الرحمن ودا). فقال (رمع): والله لصاع من تمر في شن بال أحب إلي مما سأل محمد ربه، ألا سأله ملكا يعضده أو كنزا يستظهر به على فاقته فأنزل الله فيه عشر آيات من هود أولها (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك)، الآية. والعياشي: عن زيد بن أرقم، قال: إن جبرئيل الروح الامين نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام عشية عرفة فضاق بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مخافة تكذيب أهل الافك والنفاق فدعا قوما أنا فيهم فاستشارهم في ذلك ليقوم به في الموسم فلم ندر ما نقول له، وبكى. فقال له جبرئيل: يا محمد أجزعت من أمر الله. فقال: كلا يا جبرئيل، ولكن قد علم ربي ما لقيت من قريش إذ لم يقروا لي بالرسالة حتى أمرني بجهادهم وأهبط إلي جنودا من السماء فنصروني، فكيف يقرون لعلي عليه السلام من بعدي فانصرف عنه جبرئيل فنزل عليه (فلعلك تارك بعض ما) الآية. (13) أم يقولون افتريه قل فأتوا بعشر سور (1) مثله في البيان وحسن النظم.

____________________________

1 - وهذا صريح في التحدي وفيه دلالة على جهة إعجاز القرآن وإنما هي البلاغة والفصاحة في هذا النظم المخصوص لانه لو كان جهة الاعجاز غير ذلك ما قنع في المعارضة بالافتراء والاختلاق لان البلاغة ثلاث طبقات فأعلى طبقاتها معجز وادناها واوسطها ممكن فالتحدي في الآية انما وقع في الطبقة العليا منها ولو كان وجه الاعجاز الصرف لكان = 

[ 436 ]

مفتريات: مختلقات من عند أنفسكم إن صح أني اختلقته من عند نفسي فإنكم عرب فصحاء مثلي تقدرون على مثل ما أقدر عليه، بل أنتم أقدر لتعلمكم القصص، وتعودكم الاشعار. وادعوا من استطعتم من دون الله: إلى المعاونة على المعارضة. إن كنتم صادقين: إنه مفتر. (14) فإن لم يستجيبوا لكم: أيها المؤمنون من دعوتموهم إلى المعارضة، أو أيها الكافرون من دعوتموهم إلى المعاونة. فاعلموا أنما أنزل بعلم الله: ملتبسا بما لا يعلمه إلا الله، ولا يقدر عليه سواه. وأن لا إله إلا هو: وأعلموا أن لا إله إلا هو، لأنه العالم القادر بما لا يعلم ولا يقدر عليه غيره، لظهور عجز المدعوين. فهل أنتم مسلمون: ثابتون على الاسلام، راسخون فيه، أو داخلون في الاسلام مخلصون فيه. (15) من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها: باحسانه وبره. العياشي: عن الصادق عليه السلام يعني فلان وفلان. نوف إليهم أعمالهم فيها: نوصل إليهم جزاء أعمالهم في الدنيا من الصحة، والرياسة، وسعة الرزق، وكثرة الاولاد. وهم فيها لا يبخسون: لا ينقصون شيئا من أجورهم. (16) أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار: لأنهم استوفوا ما يقتضيه صور أعمالهم الحسنة وبقيت لهم أوزار العزائم السيئة. وحبط ما صنعوا فيها: أي في الآخرة لأنهم لم يريدونها. وباطل: في نفسه. ما كانوا يعملون: لأنه لم يعمل على ما ينبغي، ولم يبق له ثواب في الآخرة، ويجوز تعليق (فيها) بصنعوا، وإرجاع الضمير إلى الدنيا. القمي: يعني من عمل الخير على أن يعطيه الله ثوابه في الدنيا أعطاه الله ثوابه في الدنيا، وما كان له في الآخرة إلا النار. (17) أفمن كان على بينة من ربه: على برهان من الله يدله على الحق والصواب فيما يأتيه ويذره، والهمزة لأنكار أن يعقب من هذا شأنه هؤلاء المقصرين

____________________________

= الركيك من الكلام ابلغ من باب الاعجاز والمثل المذكور في الآية لا يجوز ان يكون المراد به مثله في الجنس لان مثله في الجنس يكون حكاية فلا يقع بها التحدي وانما يرجع ذلك الى ما هو متعارف بين العرب في تحدي بعضهم بعضا كما اشتهر في مناقضات امرء القيس وعلقمة وغيرها م ن. 

[ 437 ]

هممهم وأفكارهم على الدنيا وأن يقارب بينهم في المنزلة يعني أفمن كان على بينة كمن يريد الحيوة الدنيا كيف وبينهما بون بعيد. ويتلوه شاهد منه: يتبعه شاهد يشهد له منه. ومن قبله كتاب موسى: يعني التورية. إماما ورحمة. في الكافي: عن الكاظم، والرضا عليهما السلام أمير المؤمنين عليه السلام: الشاهد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورسول الله على بينة من ربه. وفي المجمع: عن أمير المؤمنين، والباقر، والرضا عليهم السلام: إن الشاهد منه: علي ابن أبي طالب عليه السلام يشهد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو منه. والقمي: عن الصادق عليه السلام إنما أنزل (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه إماما ورحمة ومن قبله كتاب موسى). وعن الباقر عليه السلام إنما نزلت (أفمن كان على بينة من ربه) يعني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ويتلوه) علي شاهد منه إماما ورحمة ومن قبله كتاب موسى أولئك يؤمنون به فقدموا وأخروا في التأليف. والعياشي: عنه عليه السلام الذي على بينة من ربه: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والذي تلاه من بعده: الشاهد منه أمير المؤمنين عليه السلام، ثم أوصياؤه واحد بعد واحد. وعن أمير المؤمنين عليه السلام: ما من رجل من قريش إلا وقد نزل فيه آية أو آيتان من كتاب الله، فقال رجل من القوم: فما نزل فيك يا أمير المؤمنين ؟ فقال: أما تقرء الآية التي في هود: (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) محمد: على بينة من ربه، وأنا: الشاهد. وفي الامالي:، والبصائر مثله. وفي الامالي: وأنا: الشاهد، وأنا: منه. وفي البصائر: وانا شاهد له فيه وأتلوه معه. أقول: وعلى هذه الرواية يكون المراد بالبينة: القرآن، ويكون يتلوه من التلاوة. وفي الاحتجاج: أنه سئل عن أفضل منقبة له ؟ فتلا هذه الآية، وقال: أنا الشاهد

[ 438 ]

من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وفيه في حديث قال: له بعض الزنادقة وأجد الله يخبر أنه يتلو نبيه شاهد منه وكان الذي تلاه عبدة الاصنام برهة من دهره. فقال عليه السلام: وأما قوله: (ويتلوه شاهد منه) فذلك حجة الله أقامها الله على خلقه وعرفهم أنه لا يستحق مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا من يقوم مقامه، ولا يتلوه إلا من يكون في الطهارة مثله بمنزلته لئلا يتسع من ماسه رجس الكفر في وقت من الاوقات إنتحال الاستحقاق لمقام الرسول، وليضيق العذر، على من يعينه على إثمه وظلمه إذ كان الله حظر على من مسه الكفر تقلد ما فوضه إلى أنبيائه وأوليائه بقوله تعالى لإبراهيم (لا ينال عهدي الظالمين) أي المشركين لأنه سمى الشرك ظلما بقوله (إن الشرك لظلم عظيم)، فلما علم ابراهيم أن عهد الله لا ينال عبدة الاصنام، قال: (واجنبني وبنى أن نعبد الاصنام) واعلم أن من آثر المنافقين على الصادقين والكفار على الابرار، فقد افترى على الله إثما عظيما إذ كان قد بين في كتابه الفرق بين المحق والمبطل، والطاهر والنجس، والمؤمن والكافر، وأنه لا يتلو النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند فقده إلا من حل محله صدقا وعدلا، وطهارة وفضلا. وفي المجمع: عن الحسين بن علي عليه السلام (الشاهد من الله): محمد. أقول: وعلى هذا من كان على بينة يعم كل مؤمن مخلص ذا بصيرة في دينه، وهذا لا ينافي نزوله في النبي والوصي، وإلى التعميم نظر من فسر الشاهد: بالقرآن، أي شاهد من الله يشهد بصحته. أولئك يؤمنون به: بالقرآن أو بالرسول. ومن يكفر به من الاءحزاب: من أهل مكة ومن تحزب معهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فالنار موعده: يردها لا محالة. في المجمع: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يسمع بي أحد من الامة لا يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا كان من أهل النار. فلا تك في مرية منه: من القرآن أو الموعد. والعياشي: عن الصادق عليه السلام من ولاية علي عليه السلام. إنه الحق من

[ 439 ]

ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون. (18) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الاشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين. (19) الذين يصدون عن سبيل الله: عن دينه. ويبغونها عوجا: يطلبون لسبيل الله زيغا عن الاستقامة يحرفونها بالتأويل، أو يبغونها بالإنحراف عن الحق والصواب. وهم بالآخرة هم كافرون. العياشي: عن الباقر عليه السلام هم أربعة ملوك من قريش يتبع بعضهم بعضا. أقول: الملوك الاربعة: الثلاثة، ومعاوية. وعن الصادق عليه السلام: الاشهاد: هم الائمة عليهم السلام. القمي: يعني بالاشهاد: الائمة عليهم السلام، (ألا لعنة الله على الظالمين): آل محمد حقهم، (يصدون عن سبيل الله): عن طريق الله وهي الامامة، (يبغونها عوجا) حرفوها إلى غيرها. (20) أولئك لم يكونوا معجزين في الارض ما كانوا معجزين الله في الدنيا أن يعاقبهم. وما كان لهم من دون الله من أولياء: يمنعونهم من العقاب لو أراد عقابهم ولكنه أخر عقابهم إلى هذا اليوم ليكون أشد وأدوم. يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع: لتصامهم عن الحق وبغضهم له. القمي: قال: ما قدروا أن يسمعوا بذكر أمير المؤمنين عليه السلام. وما كانوا يبصرون: لتعاميهم عن آيات الله. (21) أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون: خسروا بما بذلوا، وضاع عنهم ما حصلوا فلم يبق معهم سوى الحسرة والندامة. القمي: بطل الذين دعوه غير أمير المؤمنين عليه السلام.

[ 440 ]

(22) لا جرم أنهم في الآخرة هم الاخسرون: لا أحد أبين وأكثر خسرانا منهم. (23) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحت وأخبتوا إلى ربهم: اطمأنوا إليه وخشعوا له. أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون. (24) مثل الفريقين: الكافر والمؤمن. كالاءعمى والاءصم: كالأعمى وكالأصم أو كالأعمى الاصم. والبصير والسميع: كالبصير وكالسميع، أو كالبصير السميع، وذلك لتعامي الكافر عن آيات الله، وتصامه عن استماع كلام الله، وتأبيه عن تدبر معانيه. هل يستويان مثلا أفلا تذكرون: بضرب الامثال والتأمل فيها. (25) ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه أنى لكم: بأني لكم وقرئ بالكسر. نذير مبين بين لكم موجبات العذاب ووجه الخلاص. (26) أن لا تعبدوا إلا الله إنى أخاف عليكم عذاب يوم أليم: مؤلم، قد سبق ذكر اسم نوح ونسبه وشريعته والبشارة به في سورة الاعراف. (27) فقال الملاء: الاشراف. الذين كفروا من قومه ما نريك إلا بشرا مثلنا: لا مزية لك علينا تخصك بالنبوة ووجوب الطاعة. وما نريك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا: أخساؤنا. القمي: يعني الفقراء والمساكين. بادى الرأى: ظاهر الرأي من غير تعمق من البدو أو أول الرأي من البدء وإنما استرذلوهم لفقرهم فإنهم لما لم يعلموا إلا ظاهرا من الحيوة الدنيا كان الاحظ بها أشرف عندهم والمحروم أرذل. وما نرى لكم: لك ولمتبعيك. علينا من فضل: يؤهلكم للنبوة واستحقاق المتابعة. بل نظنكم كاذبين: أنت في دعوى النبوة، وإياهم في دعوى العلم بصدقك. (28) قال يا قوم أرأيتم: أخبروني. إن كنت على بينة من ربى: حجة شاهدة بصحة دعواي. وآتاني رحمة من عنده: بإيتاء البينة أو النبوة. فعميت عليكم: فخفيت

[ 441 ]

عليكم واشتبهت حتى لم تعرفوها ولم تفهموها فلم تهدكم، وقرئ بضم العين وتشديد الميم. أنلزمكموها: أنكرهكم على الاهتداء بها. وأنتم لها كارهون: لا تختارونها ولا تتأملون فيها. (29) ويا قوم لا أسألكم عليه على التبليغ. مالا: جعلا. إن أجرى إلا على الله: فإنه المأمول منه. وما أنا بطارد الذين ءامنوا: يعني الفقراء وهو جواب لهم حين سألوا طردهم. إنهم ملقوا ربهم: يلاقونه ويفوزون بقربه فيخاصمون طاردهم فكيف أطردهم. ولكني أراكم قوما تجهلون: الحق وأهله أو تتسفهون عليهم بأن تدعوهم أراذل. (30) ويا قوم من ينصرني من الله: بدفع انتقامه. إن طردتهم: وهم بتلك المثابة. أفلا تذكرون: لتعرفوا أن التماس طردهم وتوقيف الايمان عليه ليس بصواب. (31) ولا أقول لكم عندي خزائن الله: خزائن رزقه حتى جحدتم فضلي. ولا أعلم الغيب: ولا أقول إني أعلم الغيب حتى تكذبوني، استبعادا أو حتى أعلم أن هؤلاء اتبعوني بادي الرأي من غير بصيرة وعقد قلب. ولا أقول إنى ملك: حتى تقولوا ما أنت إلا بشر مثلنا. ولا أقول للذين تزدرى أعينكم: ولا أقول في شأن من استرذلتموهم لفقرهم من زرى عليه إذا عابه، وإسناده إلى الاعين للمبالغة والتنبيه على أنهم استرذلوهم بادى الرؤية من غير روية. لن يؤتيهم الله خيرا: فإن ما أعد الله لهم في الآخرة خير مما أتيكم في الدنيا. الله أعلم بما في أنفسهم إنى إذا لمن الظالمين: أن قلت شيئا من ذلك. (32) قالوا يا نوح قد جادلتنا: خاصمتنا. فأكثرت جدالنا: فأطلته. فأتنا بما تعدنا من العذاب. إن كنت من الصادقين: في الدعوى والوعيد فإن مناظرتك لا تؤثر فينا. (33) قال إنما يأتيكم به الله إن شآء: عاجلا أو آجلا. وما أنتم بمعجزين: بدفع العذاب والهرب منه. (34) ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن

[ 442 ]

يغويكم: بأن علم منكم الاصرار على الكفر فخلاكم وشأنكم. في قرب الاسناد، والعياشي: عن الرضا عليه السلام يعني الامر إلى الله تعالى يهدي من يشاء، وزاد العياشي: ويضل والعياشي، والقمي: عن السجاد عليه السلام نزلت في العباس. أقول: يعني فيه وفي أمثاله إذا عمم التنزيل. هو ربكم وإليه ترجعون. (35) أم يقولون افتريه: اعتراض. قل إن افتريته فعلى إجرامي: وباله وقرئ بفتح الهمزة على الجمع. وأنا برئ مما تجرمون: من إجرامكم في إسناد الافتراء إلي. (36) وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن فلا تبتئس: فلا تحزن حزن بائس مستكين. بما كانوا يفعلون: أقنطه الله من إيمانهم، ونهاه أن يغتم بما فعلوه من التكذيب والايذاء. في الكافي، والعياشي: عن الباقر عليه السلام إن نوحا لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم سرا وعلانية فلما أبوا وعتوا قال رب: (إنى مغلوب فانتصر) فأوحى الله تعالى إليه (أنه لن يؤمن من قومك إلا من قدءامن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون) فلذلك قال: نوح (ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا). (37) واصنع الفلك بأعيننا: متلبسا بأعيننا عبر بكثرة آلة الحس الذي به يحفظ الشئ ويراعى عن الاختلال والزيغ عن المبالغة في الحفظ والرعاية على طريقة التمثيل. ووحينا: إليك كيف تصنعها. ولا تخاطبني في الذين ظلموا: ولا تراجعني فيهم، ولا تدعني باستدفاع العذاب عنهم. إنهم مغرقون: محكوم عليهم بالأغراق فلا سبيل إلى كفه. (38) ويصنع الفلك: حكاية حال ماضيه. وكلما مر عليه ملاء من قومه سخروا منه: استهزؤا به لعمله السفينة. قيل: أنه كان يعملها في برية بعيدة من الماء أوان نجرته، وكانوا يضحكون منه، ويقولون: صرت نجارا بعدما كنت نبيا.

[ 443 ]

وفي الكافي: عن الباقر عليه السلام إن نوحا لما غرس النوى مر عليه قومه فجعلوا يضحكون ويسخرون ويقولون: قد قعد (1) غراسا حتى إذا طال النخل وكان جبارا (2) طوالا (3) قطعه، ثم نحته (4)، فقالوا: قد قعد نجارا، ثم ألفه فجعله سفينة فمروا عليه فجعلوا يضحكون ويسخرون ويقولون: قد قعد ملاحا في فلاة من الارض حتى فرغ منها. قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون: إذا أخذكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة. فسوف تعلمون. (39) من يأتيه عذاب يخزيه: يعني به إياهم، وبالعذاب: الغرق. ويحل عليه عذاب مقيم: دائم وهو عذاب النار. (40) حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور: نبع الماء منه وارتفع كالقدر تفور. في الكافي، والمجمع: عن الصادق عليه السلام كان التنور في بيت عجوز مؤمنة في دبر قبلة ميمنة المسجد يعني مسجد الكوفة فقيل له: فإن ذلك موضع زاوية باب الفيل اليوم ثم سئل وكان بدو وخروج الماء من ذلك التنور ؟ فقال: نعم إن الله عز وجل أحب أن يري قوم نوح آية، ثم إن الله تعالى أرسل المطر يفيض فيضا وفاض الفرات فيضا، والعيون كلهن فيضا فغرقهم الله وأنجى نوحا ومن معه في السفينة. وفيه، والعياشي: عنه عليه السلام جاءت إمرأة نوح إليه وهو يعمل السفينة فقالت له: إن التنور قد خرج منه ماء فقام إليه مسرعا حتى جعل الطبق عليه فختمه بخاتمه فقام الماء فلما فرغ من السفينة جاء الى خاتمه ففضه وكشف الطبق ففار الماء. وفي الكافي: عن أمير المؤمنين عليه السلام أن نوحا لما فرغ من السفينة وكان ميعاده فيما بينه وبين ربه في اهلاك قومه أن يفور التنور ففار، فقالت إمرأته: إن التنور قد فار،

____________________________

1 - وحدد شفرته حتى قعدت كأنها حربة أي صارت ق.

 2 - العظيم القوي الطويل ق.

 3 - كرمان المفرط الطول ق.

 4 - نحته ينحته كيضربه وينصره ويعلمه براه ق.

 5 - والمعنى فذلك حاله وحالهم حتى إذا جاء قضاؤنا بنزول العذاب م ن. 

[ 444 ]

فار فقام إليه فختمه، فقام الماء وأدخل من أراد أن يدخل وأخرج من أراد أن يخرج، ثم جاء إلى خاتمه ونزعه يقول الله (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر) (وفجرنا الاءرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر) قال: وكان نجرها في وسط مسجدكم. قلنا احمل فيها: في السفينة. من كل زوجين: أي من كل صنف ذكر وصنف أنثى، وقرئ بتنوين كل أي من كل نوع من الحيوانات المنتفع بها زوجين. إثنين: ذكرا وانثى. وأهلك: أريد إمرأته وبنوه ونساؤهم. إلا من سبق عليه القول: بأنه من المغرقين أريد ابنه كنعان وإمرأته وأهلة فإنهما كانا كافرين. ومن ءامن: والمؤمنين من غيرهم. ومآءامن معه إلا قليل. في المجمع: عن الصادق عليه السلام آمن مع نوح من قومه ثمانية نفر. وفي المعاني: عن الباقر عليه السلام مثله. والقمي: عن الصادق عليه السلام في حديث فلما فرغ نوح من إتخاذ السفينة أمره الله أن ينادي بالسريانية لا يبقى بهيمة ولا حيوان إلا حضر فأدخل من كل جنس من أجناس الحيوان زوجين السفينة وكان الذين آمنوا به من جميع الدنيا ثمانين (1) رجلا فقال الله عز وجل: (احمل فيها من كل زوجين اثنين) الآية، وكان نجر السفينة في مسجد الكوفة، فلما كان في اليوم الذي أراد الله عز وجل إهلاكهم كانت إمرأة نوح تخبر في الموضع الذي يعرف بفار التنور في مسجد الكوفة، وكان نوح عليه السلام قد اتخذ لكل ضرب من أجناس الحيوان موضعا في السفينة، وجمع لهم فيها ما يحتاجون إليه من الغذاء، فصاحت إمرأته لما فار التنور فجاء نوح إلى التنور فوضع عليه طينا وختمه حتى أدخل جميع الحيوان السفينة، ثم جاء إلى التنور ففض الخاتم، ورفع الطين، وانكسفت الشمس، وجاء من السماء ماء منهمر صب بلا قطر، وتفجرت الارض عيونا وهو قوله سبحانه: (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الاءرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر). وعن الباقر عليه السلام ليس كل من في الارض من بني آدم من ولد نوح عليه السلام قال الله تعالى في كتابه: (احمل فيها من كل زوجين اثنين) إلى قوله:

____________________________

1 - اقول لا تنافي بين ما سبق من أنه امن معه من قومه ثمانية نفر وبين هذا الحديث من كون الذين آمنوا معه من جميع الدنيا ثمانين رجلا جواز ان يكون المراد بالثمانية الذين كانوا في قومه بنوه الثلاثة سام وحام ويافث ونساؤهم وزوجته المسلمة وبنته ويكون الباقي من الثمانين من غير اهله (منه رحمه الله). 

[ 445 ]

(ومن ءامن) وقال: (ذرية من حملنا مع نوح عليه السلام). وفي الكافي، والعياشي: عن الصادق عليه السلام حمل نوح في السفينة الازواج الثمانية التي قال الله (ثمنية أزواج) فكان من الضأن اثنين زوج داجنة (1) يربيها الناس والزوج الآخر الضأن التي تكون في الجبال الوحشية أحل لهم صيدها الحديث. وقد سبق تمامه في سورة الانعام. وفي المجمع، والقمي: عنه عليه السلام لما أراد الله هلاك قوم نوح عليه السلام عقم أرحام النساء أربعين سنة فلم يلد لهم مولود ولما فرغ نوح من اتخاذ السفينة أمره الله أن ينادي بالسريانية أن يجتمع جميع الحيوانات فلم يبق حيوان إلا حضر فأدخل من كل جنس من أجناس الحيوان زوجين ما خلا الفأر والسنور، وأنهم لما شكوا من سرقين الدواب والقذر دعا بالخزير فمسح جبينه فعطس فسقط من أنفه زوج فأر فتناسل فلما كثروا شكوا إليه منها فدعا بالأسد فمسح جبينه فعطس فسقط من أنفه زوج سنور. وفي حديث آخر أنهم شكوا العذرة فأمر الله تعالى الفيل فعطس فسقط الخنزير. والعياشي: عنه عليه السلام إن نوحا حمل الكلب في السفينة ولم يحمل ولد الزنا. وعنه عليه السلام: ينبغي لولد الزنا أن لا تجوز له شهادة، ولا يؤم بالناس، لم يحمله نوح في السفينة، وقد حمل فيها الكلب والخنزير. وفي العلل: عن الرضا عليه السلام، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام أنه سئل ما بال الماعز معرقبة الذنب بادية الحياء والعورة ؟ فقال: لأن الماعز عصت نوحا لما أدخلها السفينة فدفعها فكسر ذنبها، والنعجة مستورة الحياء والعورة، لأن النعجة بادرت بالدخول إلى السفينة فمسح نوح يده على حيائها وذنبها فاستوت الالية. وفي الخصال: عن الرضا عليه السلام أتخذ نوح في الفلك تسعين بيتا للبهائم. والعياشي: عن الصادق عليه السلام أن الله أمر نوحا أن يحمل في السفينة من

____________________________

1 - دجن الحمام والشاة الفت وهي داجنة. 

[ 446 ]

كل زوجين اثنين فحمل الفحل والعجوة فكانا زوجا. في الكافي، والعياشي: عنه عليه السلام كان طول سفينة نوح عليه السلام ألف ذراع ومأتي ذراع، وعرضها ثمانمأة ذراع، وطولها في السماء ثمانين ذراعا. والقمي: عنه عليه السلام مثله كما يأتي. وفي العيون في الخبر الشامي ذكر الطول ثمانمأة: والعرض خمسمأة. وفي الكافي عنه عليه السلام في فضل مسجد الكوفة، قال ومنه فار التنور، وفيه نجرت السفينة. ومثله في المجمع: عن الباقر عليه السلام. وفي رواية في الكافي: ومنه سارت. والعياشي: عن سلمان، عن أمير المؤمنين عليه السلام في فضله، فيه نجر نوح سفينته، وفيه فار التنور، وبه كان بيت نوح ومسجده. وفي الكافي، والعياشي: عن الصادق عليه السلام وكان منزل نوح عليه السلام وقومه في قرية على منزل من الفرات مما يلي غربي الكوفة، وكان نوح عليه السلام رجلا نجارا فجعله الله نبيا وانتجبه، ونوح عليه السلام أول من عمل سفينة تجري على ظهر الماء قال: ولبث نوح في قومه (ألف سنة إلا خمسين عاما) يدعوهم إلى الهدى فيمرون به ويسخرون منه، فلما رأى ذلك منهم دعا عليهم فقال: يا رب لا تذر على الاءرض من الكافرين ديارا فأوحى الله إليه يا نوح اصنع الفلك وأوسعها وعجل عملها بأعيننا ووحينا، فعمل نوح سفينة في مسجد الكوفة بيده يأتي بالخشب من بعد حتى فرغ منها سئل في كم عمل نوح عليه السلام سفينته حتى فرغ منها قال: في دورين، قيل: وكم الدورين ؟ قال: ثمانون سنة، قيل: فإن العامة يقولون عملها في خمسمائة عام فقال: كلا والله، كيف والله يقول (ووحينا). أقول: آخر الحديث يحتمل معنيين أحدهما: إن ما يكون بأمر الله وتعليمه كيف يطول زمانه إلى هذه المدة، والثاني: أن يكون قد فسر الوحي هنا بالسرعة والعجلة فإنه

[ 447 ]

جاء بهذا المعنى، يقال: الوحا الوحا ممدودا ومقصورا يعني البدار البدار، والمعنى الثاني أتم في الاستشهاد. (41) وقال اركبوا فيها: صيروا فيها راكبين كما يركب الدواب في البر بسم الله مجريها ومرسيهآ: مسمين الله قائلين ذلك، ومعناه بالله، اجراؤها وارساؤها، والقمي: عن الصادق عليه السلام أي مسيرها وموقفها، وقرء مجريها بفتح الميم. إن ربى لغفور رحيم: أي لولا مغفرته لفرطاتكم ورحمته أياكم لما نجاكم. (42) وهى تجرى بهم في موج: من الطوفان. كالجبال: كل موجة منها كجبل في تراكمها وارتفاعها. في الخصال: عن الكاظم عليه السلام، وفي العيون: عن الرضا عليه السلام أن نوحا عليه السلام لما ركب السفينة أوحى الله إليه: يا نوح إن خفت الغرق فهللني ألفا، ثم سلني النجاة أنجك من الغرق ومن آمن معك، قال: فلما استوى نوح ومن معه في السفينة ورفع القلس (القلص خ ل) عصفت الريح عليهم فلم يأمن نوح عليه السلام واعجلته الريح فلم يدرك أن يهلل ألف مرة فقال: بالسريانية هيلوليا ألفا ألفا ياماريا أتقن قال فاستوى القلص واستمرت السفينة، فقال نوح عليه السلام: إن كلاما نجاني الله به من الغرق لحقيق أن لا يفارقني، قال: فنقش في خاتمه لا إله إلا الله ألف مرة يا رب اصلح. وفي الاحتجاج: عن الصادق عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن نوحا لما ركب السفينة وخاف الغرق قال: اللهم إني أسألك بمحمد وآل محمد لما أنجيتني من الغرق فنجاه الله عز وجل. ونادى نوح ابنه: كنعان. القمي، والعياشي: عن الصادق عليه السلام ليس بابنه إنما هو ابن إمرأته وهو لغة طي يقولون لابن الامرأة ابنه، يعني بفتح الهاء. في المجمع: عن علي والباقر والصادق عليهم السلام إنهم قرأوا كذلك.

[ 448 ]

وروي أيضا ابنها والضمير لأمرأته. وكان في معزل: أي مكان عزل فيه نفسه عن المركب. يا بنى اركب معنا: في السفينة. ولا تكن مع الكافرين. القمي: عن الصادق عليه السلام نظر نوح عليه السلام إلى إبنه يقع ويقوم، فقال له: (يا بنى اركب) الآية. (43) قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء: في الفقيه: عن الصادق عليه السلام إنه قال حين أشرف على النجف -: هو الجبل الذي اعتصم به ابن جدي نوح، عليه السلام فقال: (سآوي إلى جبل يعصمني من الماء) فأوحى الله إليه يا جبل أيعتصم بك مني أحد ؟ فغار في الارض، وتقطع إلى الشام. وفي العلل: ما يقرب منه. قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم: إلا الراحم وهو الله تعالى. وحال بينهما الموج: بين نوح وابنه. فكان من المغرقين. (44) وقيل يأرض ابلعى ماءك: أنشفي. العياشي: عن الصادق عليه السلام نزلت بلغة الهند إشربي، وفي رواية حبشية. وياسمآء أقلعى: أمسكي نداء الارض والسماء بما ينادي به العقلاء مما يدل على كمال القدرة والاقتدار، وإن هذه الاجرام العظيمة منقادة لتكوينه فيها ما يشاء، غير ممتنعة عليه عارفون جلالته وعظمته يتمثلون أمره على الفور من غير ريث. وغيض الماء: نقص. وقضى الاءمر: وأنجز ما وعد من إهلاك الكافرين وإنجاء المؤمنين. واستوت على الجودى: واستقرت عليه، وهو جبل بالموصل. وقيل بعدا للقوم الظالمين: أصله بعد بعدا بعيدا لا يرجى عوده، ثم استعير للهلاك، وخص بدعاء السوء، قيل الآية في غاية الفصاحة لفخامة لفظها، وحسن نظمها، والدلالة على كنه الحال مع إلايجاز الخالي عن الاخلال، وإيراد الاخبار على البناء للمفعول دلالة على تعظيم الفاعل، وأنه متعين في نفسه مستغني عن ذكره إذ لا يذهب الوهم إلى غيره للعلم بأن مثل هذه الافعال لا يقدر عليه سوى الواحد القهار. القمي: عن الصادق عليه السلام في حديث فدارت السفينة وضربتها الامواج

[ 449 ]

حتى وافت مكة، وطافت بالبيت، وغرق جميع الدنيا إلا موضع البيت، وإنما سمي البيت العتيق لأنه أعتق من الغرق، فبقي الماء ينصب من السماء أربعين صباحا، ومن الارض العيون حتى ارتفعت السفينة فمسحت السماء، قال فرفع نوح عليه السلام يده فقال: يا رهمان اتقن، وتفسيرها يا رب أحسن، فأمر الله عز وجل الارض أن تبلع ماءها وهو قوله عز وجل: (يا أرض ابلعى ماءك وياسمآء أقلعى) أي إمسكي (وغيض الماء وقضى الاءمر واستوت على الجودى)، فبلعت الارض ماءها فأراد ماء السماء أن يدخل في الارض فامتنعت الارض من قبولها وقالت: إنما أمرني الله أن أبلع مائي فبقي ماء السماء على وجه الارض، واستوت السفينة على جبل الجودي، وهو بالموصل جبل عظيم فبعث الله عز وجل جبرئيل فساق الماء إلى البحار حول الدنيا. والعياشي: ما يقرب من بعض ما تضمن هذا الحديث وهو دعاء نوح عليه السلام وقصة امتناع الارض. وفي التهذيب: عنه عليه السلام إن الله عز وجل أوحى إلى نوح عليه السلام وهو في السفينة أن يطوف بالبيت أسبوعا فطاف بالبيت كما أوحى إليه، ثم نزل في الماء إلى ركبتيه فاستخرج تابوتا فيه عظام آدم فحمله في جوف السفينة حتى طاف ما شاء الله أن يطوف، ثم ورد إلى باب الكوفة في وسط مسجدها ففيها قال الله للأرض: (ابلعى ماءك) فبلعت ماءها من مسجد الكوفة كما بدأ الماء منه، وتفرق الجمع الذي كان مع نوح عليه السلام في السفينة. وفي الكافي: عن الكاظم عليه السلام إن نوحا كان في السفينة وكان فيها ما شاء الله وكانت السفينة مأمورة فطاف بالبيت وهو طواف النساء، وخلى سبيلها نوح عليه السلام فأوحى الله عز وجل إلى الجبال إني واضع سفينة نوح عليه السلام عبدي على جبل منكن فتطاولت وشمخت وتواضع الجودي، وهو جبل عندكم فضربت السفينة بجؤجؤها الجبل، قال: فقال نوح عند ذلك: يا ماري أتقن وهو بالسريانية: رب إصلح. وفي المجمع، والعياشي: ما يقرب منه، قال: وهو جبل بالموصل.

[ 450 ]

والعياشي: عن الباقر عليه السلام سمع نوح عليه السلام صرير السفينة على الجودي فخاف عليها فأخرج رأسه من كوة كانت فيها فرفع يده وأشار بإصبعه وهو يقول: (يا رهمان اتقن) تأويلها رب أحسن. وفي الكافي، والعياشي: عن الصادق عليه السلام أنه سئل كم لبث نوح عليه السلام ومن معه في السفينة حتى نضب الماء وخرجوا منها ؟ فقال: لبثوا فيها سبعة أيام ولياليها، فطاف بالبيت أسبوعا، ثم استوت على الجودي، وهو فرات الكوفة. وفي رواية وسعت بين الصفا والمروة. وفي الكافي: عنه عليه السلام ارتفع الماء على كل جبل وعلى كل سهل خمسة عشر ذراعا. أقول: لعل ارتفاعه هذا المقدار بعدما استوى على الجميع وخفي فيه كل سهل وجبل. وفي الخصال: عنه عليه السلام إن نوحا عليه السلام لما كان أيام الطوفان دعا مياه الارض فأجابته إلا الماء المر والكبريت. (45) ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلى وإن وعدك الحق: وقد وعدت أن تنجي أهلي. وأنت أحكم الحاكمين: أعدلهم وأعلمهم. (46) قال يا نوح إنه ليس من أهلك: الذين وعدتك بنجاتهم لأنه ليس على دينك. في المجمع، والعياشي، والعيون: عن الرضا، عليه السلام إن الله قال لنوح: إنه ليس من أهلك لأنه كان مخالفا له، وجعل من اتبعه من أهله. إنه عمل غير صالح: تعليل لنفي كونه من أهله، وجعلت ذاته عملا غير صالح مبالغة في ذمه، وقرئ: عمل بصيغة الماضي وغير بالفتح: أي عمل عملا غير صالح. وفي العيون: عن الرضا عليه السلام كيف تقرؤن هذه الآية ؟ قيل: من الناس

[ 451 ]

من يقرأ: أنه عمل غير صالح، ومنهم من يقرأ: أنه عمل غير صالح فمن قرأ أنه عمل غير صالح نفاه عن أبيه، فقال: كلا لقد كان إبنه ولكن لما عصى الله نفاه عن أبيه، كذا من كان منا لم يطع الله فليس منا. وفي رواية اخرى نفاه عنه حين خالفه في دينه. والعياشي: ما في معنى الرواية الثانية. فلا تسألن ما ليس لك به علم: ما لا تعلم أصواب هو أم لا حتى تعرف كنهه، وقرئ تسألن بفتح اللام وتشديد النون المفتوحة، وبكسر النون المشددة وإثبات الياء. إنى أعظك أن تكون من الجاهلين. (47) قال رب إنى أعوذ بك أن أسألك: فيما يستقبل. ما ليس لى به علم ما لا علم لي بصحته تأدبا بأدبك واتعاظا بموعظتك. وإلا تغفر لى: ما فرط مني من السؤال. وترحمني: بالتوبة والتفضل علي. أكن من الخاسرين: أعمالا، قاله على سبيل الخضوع لله والتذلل والاستكانة. (48) قيل يا نوح اهبط بسلام منا أنزل من السفينة مسلما من المكاره محفوظا من جهتنا. وبركات عليك: ومباركا عليك، والبركات: الخيرات النامية. وعلى أمم ممن معك: يعني في السفينة لأنهم كانوا جماعات أو لتشعب الامم منهم. وأمم سنمتعهم: أي وممن معك امم سنمتعهم في الدنيا. ثم يمسهم منا عذاب أليم: أراد بهم الكفار من ذرية من معه. القمي: عن الصادق عليه السلام فنزل نوح بالموصل من السفينة مع الثمانين، وبنوا مدينة الثمانين، وكانت لنوح عليه السلام ابنة ركبت معه السفينة فتناسل الناس منها، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم نوح أحد الابوين. (49) تلك: إشارة إلى قصة نوح عليه السلام. من أنباء الغيب: أي بعضها. نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر: على مشاق الرسالة وإيذاء القوم كما صبر نوح. عليه السلام إن العاقبة: في الدنيا بالظفر، وفي الآخرة بالفوز. للمتقين: عن الشرك والمعاصي. القمي: عن الصادق عليه السلام بقي نوح عليه السلام في قومه ثلاث مأة

[ 452 ]

سنة يدعوهم إلى الله عز وجل فلم يجيبوه فهم أن يدعو عليهم فوافاه عند طلوع الشمس اثنا عشر ألف قبيل من قبائل ملائكة السماء الدنيا وهم العظماء من الملائكة، فقال لهم نوح عليه السلام: من أنتم ؟ فقالوا: نحن اثنا عشر ألف قبيل من قبائل ملائكة السماء الدنيا، وإن غلظ مسيرة السماء الدنيا خمسمأة عام، ومن السماء الدنيا إلى الدنيا خمسمأة عام، وخرجنا عند طلوع الصبح ووافيناك في هذا الوقت فنسألك أن لا تدعو على قومك، فقال نوح: قد أجلتهم ثلاثمأة سنة، فلما أتى عليهم ستمأة سنة ولم يؤمنوا هم أن يدعو عليهم فوافاه اثنا عشر ألف قبيل من قبائل ملائكة السماء الثانية، فقال نوح عليه السلام: من أنتم ؟ قالوا: نحن اثنا عشر ألف قبيل من قبائل ملائكة السماء الثانية وغلظ السماء الثانية مسيرة خمسمأة عام ومن السماء الثانية إلى السماء الدنيا مسيرة خمسمأة عام، وغلظ السماء الدنيا مسيرة خمسمأة عام، ومن السماء الدنيا إلى الدنيا مسيرة خمسمأة عام خرجنا عند طلوع الشمس، ووافينا ضحوة نسألك أن لا تدعو على قومك، فقال نوح عليه السلام: قد أجلتهم ثلاثمأة سنة، فلما أتى عليهم تسعمأة سنة ولم يؤمنوا هم أن يدعو عليهم فأنزل عز وجل (أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون) فقال نوح: (رب لا تذر على الاءرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) فأمره الله عز وجل أن يغرس النخل فأقبل بغرس النخل، فكان قومه يمرون به ويسخرون منه، ويستهزؤن به، ويقولون: شيخ قد أتى له تسعمأة سنة يغرس النخل، وكانوا يرمونه بالحجارة، فلما أتى لذلك خمسون سنة وبلغ النخل واستحكم أمر بقطعه فسخروا منه، وقالوا: بلغ النخل مبلغه وهو قوله عز وجل (وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون) فأمره الله أن يتخذ السفينة وأمر جبرئيل أن ينزل عليه ويعلمه كيف يتخذها فقدر طولها في الارض ألفا ومأتي ذراع، وعرضها ثمانمأة ذراع، وطولها في السماء ثمانون ذراعا، فقال: يا رب من يعينني على اتخاذها فأوحى الله عز وجل إليه ناد في قومك من أعانني عليها ونجر منها شيئا صار ما ينجره ذهبا وفضة، فنادى نوح عليه السلام فيهم بذلك فأعانوه

[ 453 ]

عليه، وكانوا يسخرون منه، ويقولون: سفينة يتخذ في البر. وفي الاكمال: عنه وأما إبطاء نوح عليه السلام فإنه لما استنزل العقوبة على قومه من السماء بعث الله تعالى جبرئيل الروح الامين معه سبع نوايات فقال: يا نبي الله إن الله تعالى يقول لك: إن هؤلاء خلائقي وعبادي لست أبيدهم بصاعقة من صواعقي إلا بعد تأكيد الدعوة وإلزام الحجة فعاود إجتهادك في الدعوة لقومك فإني مثيبك عليه، وأغرس: هذا النوى فإن لك في نباتها وبلوغها وادراكها إذا أثمرت الفرج والخلاص، فبشر بذلك من اتبعك من المؤمنين، فلما نبتت الاشجار وتأزرت وتسوقت واغتصنت وزهى التمر عليها بعد زمان طويل استنجز من الله العدة فأمره الله تعالى أن يغرس نوى تلك الاشجار ويعاود الصبر والاجتهاد، ويؤكد الحجة على قومه فأخبر بذلك الطوائف التي آمنت به، فارتد منهم ثلاثمأة رجل، وقالوا لو كان ما يدعيه نوح عليه السلام حقا لما وقع في وعد ربه خلف، ثم إن الله تعالى لم يزل يأمره عند كل مرة بأن يغرسها تارة بعد أخرى إلى أن غرسها سبع مرات، فما زالت تلك الطوائف من المؤمنين ترتد منهم طائفة بعد طائفة إلى أن عاد إلى نيف وسبعين رجلا فأوحى الله إليه عند ذلك وقال: يا نوح الآن أسفر الصبح عن الليل، لنعينك حين صرح الحق عن محضه، وصفا من الكدر بارتداد كل من كانت طينته خبيثة فلو أني أهلكت الكفار وأبقيت من قد إرتد من الطوائف التي كانت آمنت بك لما كنت صدقت وعدي السابق للمؤمنين الذين أخلصوا التوحيد من قومك، واعتصموا بحبل نبوتك بأني أستخلفهم في الارض، وأمكن لهم دينهم، وابدلهم خوفهم بالأمن، لكي تخلص العبادة لي بذهاب الشرك من قلوبهم، وكيف يكون الاستخلاف والتمكين وبذل الامن مني لهم مع ماكنت أعلم من ضعف يقين الذين ارتدوا وخبث طينتهم وسوء سرائرهم التي كانت نتائج النفاق وسنوخ الضلالة، فلو أنهم تنسموا من الملك الذي أوتي المؤمنين وقت الاستخلاف إذ أهلكت أعداؤهم لنشقوا روايح صفاته ولاستحكمت مراير نفاقهم وثارت خبال ضلالة قلوبهم، ولكاشفوا إخوانهم بالعداوة، وحاربوهم على طلب الرياسة، والتفرد بالأمر والنهي، وكيف يكون التمكين في

[ 454 ]

الدين وإنتشار الامر في المؤمنين مع إثارة الفتن وإيقاع الحروب ؟ كلا (فاصنع الفلك بأعيننا ووحينا). وفي العيون عن الرضا عليه السلام إنه قيل له يا ابن رسول الله لا علة أغرق الله الدنيا كلها في زمن نوح عليه السلام وفيهم الاطفال وفيهم من لا ذنب له ؟ فقال: ما كان فيهم الاطفال، لأن الله أعقم أصلاب قوم نوح وأرحام نسائهم أربعين عاما فانقطع نسلهم فغرقوا ولا طفل فيهم، وما كان الله تعالى ليهلك بعذابه من لا ذنب له، وأما الباقون من قوم نوح فاغرقوا بتكذيبهم لنبي الله نوح وسائرهم اغرقوا برضاهم بتكذيب المكذبين، ومن غاب عن أمر فرضي به كان كمن شهد. وفي الكافي، والاكمال: عن الصادق عليه السلام لما حسر (1) الماء عن عظام الموتى فرأى ذلك نوح عليه السلام جزع جزعا شديدا واغتم لذلك فأوحى الله عز وجل هذا عملك أنت دعوت عليهم، قال يا رب: إني استغفرك وأتوب إليك فأوحى الله إليه أن كل العنب الاسود ليذهب غمك. وعنه عليه السلام: كانت أعمار قوم نوح ثلاثمأة سنة. وفي الكافي: عنه عليه السلام عاش نوح ألفي سنة وثلاث مأة سنة، منها: ثمانمأة سنة وخمسون سنة قبل أن يبعث، وألف سنة إلا خمسين عاما وهو في قومه يدعوهم، وخمسمأة عام بعدما نزل من السفينة ونضب الماء، فمصر الامصار، وأسكن ولده البلدان، ثم أن ملك الموت جاءه وهو في الشمس فقال: السلام عليك فرد عليه نوح عليه السلام فقال: ما جاء بك يا ملك الموت ؟ فقال: جئتك لأقبض روحك، قال: دعني أدخل من الشمس إلى الظل، فقال له: نعم فتحول، ثم قال: يا ملك الموت كل ما مر بي من الدنيا مثل تحويلي من الشمس إلى الظل فامض لما أمرت به فقبض روحه. وعنه عليه السلام: عاش نوح عليه السلام بعد الطوفان خمسمأة سنة ثم أتاه جبرئيل فقال: يا نوح إنه قد انقضت نوبتك واستكملت أيامك فانظر إلى الاسم الاكبر، وميراث العلم، وآثار علم النبوة التي معك فإدفعها إلى ابنك سام فإني لا أترك الارض إلا وفيها عالم تعرف به طاعتي، ويعرف به هداي، وتكون النجاة فيما بين مقبض النبي ومبعث النبي

____________________________

1 - حسره يحسره كشفه والشئ حسورا انكشف ق 

[ 455 ]

الآخر ولم أكن أترك الناس بغير حجة لي وداع إلي وهاد إلى سبيلي وعارف بأمري فإني قد قضيت أن أجعل لكل قوم هاديا أهدي به السعداء ويكون حجة لي على الاشقياء، قال: فدفع نوح الاسم الاكبر، وميراث العلم، وآثار علم النبوة إلى سام، وأما حام ويافث فلم يكن عندهما علم ينتفعان به، قال: وبشرهم نوح بهود وأمرهم باتباعه وأمرهم أن يفتحوا الوصية في كل عام وينظروا فيها ويكون عيدا لهم. (50) وإلى عاد أخاهم هودا أخاهم يعني أحدهم كما سبق بيانه في سورة الاعراف. قال يا قوم اعبدوا الله وحده. مالكم من إله غيره: وقرء بالجر. إن أنتم إلا مفترون على الله باتخاذ الاوثان شركاء وجعلها شفعاء. (51) يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجرى إلا على الذى فطرني: خاطب كل رسول به قومه إزاحة للتهمة، وتمحيصا للنصيحة، فإنها لا تنجع مادامت مشوبة بالمطامع. أفلا تعقلون: أفلا تستعملون عقولكم فتعرفوا المحق من المبطل، والصواب من الخطأ. (52) ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه: إطلبوا مغفرة الله بالأيمان، ثم توسلوا إليها بالتوبة. يرسل السماء عليكم مدرارا: كثير الدر. ويزدكم قوة إلى قوتكم ويضاعف قوتكم، قيل: رغبهم في الايمان بكثرة المطر، وزيادة القوة، لأنهم كانوا أصحاب زروع وبساتين، وكانوا يدلون بالقوة والبطش. ولا تتولوا: ولا تعرضوا عني وعما أدعوكم إليه. مجرمين: مصرين على إجرامكم. (53) قالوا ياهود ما جئتنا ببينة: بحجة تدل على صحة دعواك، وهو كذب وجحود، لفرط عنادهم، وعدم اعتدادهم بما جاءهم من المعجزات. وما نحن بتاركي آلهتنا بتاركي عبادتهم. عن قولك وما نحن لك بمؤمنين اقناط له من الاجابة والتصديق. (54) إن نقول إلا اعتريك: أصابك. بعض آلهتنا بسوء بجنون لسبك إياها وصدك عنها، فمن ثمة تتكلم بكلام المجانين. قال إنى أشهد الله واشهدوا أنى برئ مما تشركون. (55) من دونه: من إشراككم آلهة من دونه. فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون واجههم بهذا الكلام مع قوتهم وشدتهم وتعطشهم إلى إراقة دمه ثقة بالله واعتمادا

[ 456 ]

على عصمته إياه، وإستهانة بهم وبكيدهم وإن اجتمعوا عليه وتواطئوا على إهلاكه. (56) إنى توكلت على الله ربى وربكم: تقرير له، والمعنى: وإن بذلتم غاية وسعكم لن تضروني فإني متوكل على الله واثق بكلامه، وهو مالكي ومالككم، ولا يحيق بي ما لم يرده، ولا تقدرون على ما لم يقدره. ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها أي إلا وهو مالك لها، قاهر عليها، يصرفها على ما يريد بها، والاخذ بالناصية تمثيل لذلك. إن ربى على صراط مستقيم: أنه على الحق والعدل، لا يضيع عنده معتصم، ولا يفوته ظالم. العياشي: عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه يعني إنه على حق يجزي بالأحسان إحسانا، وبالسئ سيئا، ويعفو عمن يشاء ويغفر سبحانه وتعالى. (57) فإن تولوا: فإن تتولوا. فقد أبلغتكم مآ أرسلت به إليكم: فقد أديت ما علي من الابلاغ وإلزام الحجة. ويستخلف ربى قوما غيركم: وعيد لهم بالأهلاك والاستبدال. ولا تضرونه شيئا: بتوليكم. إن ربى على كل شئ حفيظ: رقيب، فلا يخفى عليه أعمالكم ولا يغفل عن مؤاخذتكم. (58) ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين ءامنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ: تكرير لبيان ما نجيهم عنه أو المراد به تنجيتهم من عذاب الآخرة ايضا والتعريض بأن المهلكين كما عذبوا بالدنيا فهم معذبون في الآخرة بالعذاب الغليظ. (59) وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم: كفروا بها. وعصوا رسله: لأنهم إذا عصوا رسولهم فقد عصوا جميع رسل الله. واتبعوا أمر كل جبار عنيد: يعني رؤساؤهم الدعاة إلى تكذيب الرسل. (60) وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة: أي جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين تكبهم (1) في العذاب. ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود: دعاء عليهم بالهلاك، ودلالة بأنهم كانوا مستوجبين لما نزل بهم، وفي تكرير (ألا) وإعادة ذكر عاد

____________________________

1 - قوله تعالى فمن يمشي مكبا آه أي ملقى على وجهه يقال ذلك لكل ساير أي ماش كان على اربع قوائم أو لم يكن يقال كببت فلانا كبا القينة على وجهه فاكب هو بالالف وهي من النوادر التي يعدى ثلاثيها دون رباعيها من. 

[ 457 ]

تفظيع لأمرهم وحثهم على الاعتبار بحالهم، والحذر من مثل أفعالهم، وإنما قيل: قوم هود، ليتميزوا عن عاد ارم. القمي: إن عادا كانت بلادهم في البادية من المشرق إلى الاجفر (1) أربعة منازل، وكان لهم زرع ونخل كثير، ولهم أعمار طويلة، واجسام طويلة، فعبدوا الاصنام، وبعث الله إليهم هودا يدعوهم إلى الاسلام وخلع الانداد فأبوا ولم يؤمنوا بهود، وآذوه فكفت السماء عنهم سبع سنين حتى قحطوا، وكان هود زراعا، وكان يسقي الزرع فجاء قوم إلى بابه يريدونه فخرجت عليهم إمرأة شمطاء (2) عوراء (3)، فقالت: من أنتم، فقالوا: نحن من بلاد كذا وكذا أجدبت بلادنا فجئنا إلى هود نسأله أن يدعو الله حتى يمطر ويخصب بلادنا، فقالت: لو استجيب لهود لدعا لنفسه، وقد احترق زرعه لقلة الماء، قالوا فأين هو ؟ قالت: هو في موضع كذا وكذا، فجاؤوا إليه فقالوا: يا نبي الله قد أجدبت بلادنا ولم يمطر فسل الله أن يخصب بلادنا ويمطر فتهيأ للصلوة وصلى ودعا لهم فقال لهم: إرجعوا فقد أمطرتم وأخصبت بلادكم، فقالوا: يا نبي الله إنا رأينا عجبا قال: وما رأيتم ؟ قالوا: رأينا في منزلك إمرأة شمطاء عوراء قالت لنا: من أنتم ومن تريدون ؟ فقلنا: جئنا إلى هود ليدعو الله لنا فنمطر، فقالت: لو كان هود داعيا لدعا لنفسه، فإن زرعه قد احترق، فقال هود: ذاك أهلي وأنا أدعو الله لها بطول البقاء، فقالوا وكيف ذلك ؟ قال: لأنه ما خلق الله مؤمنا إلا وله عدو يؤذيه، وهي عدوي فلان يكون عدوي ممن أملكه خير من أن يكون عدوي وممن يملكني، فبقي هود في قومه يدعوهم إلى الله وينهاهم عن عبادة الاصنام حتى أخصبت بلادهم وأنزل الله تعالى عليهم المطر، وهو قوله عز وجل: (يا قوم استغفروا ربكم) الآيات فلما لم يؤمنوا أرسل الله عليهم الريح الصرصر (4) يعني الباردة، وهو قوله تعالى في سورة القمر (كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس

____________________________

1 - الاجفر موضع بين الخريمية وفيد ق والمراد بلادهم في جانب شرق الاجفر ببعد أربعة منازل منه.

 2 - في الحديث لا بأس بجز الشمط ونتفه وجزه احب الي من نتفه وهو بالتحريك بياض شعر الرأس يخالط سواده والرجل اشمط والمرأة شمطاء.

 3 - عورت العين عورا من باب تعب نقصت أو غارت والرجل اعور والانثى عوراء م.

 4 - والصرة بالكسر شدة البرد أو البرد كالصر فيهما واشد الصياح وبالفتح الشدة من الكرب والحرب والحر وريح صر وصرصر شديد الصوت أو البرد وصر النبات بالضم اصابه الضر. 

[ 458 ]

مستمر) وحكي في سورة الحاقة فقال: (وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما)، قال: كان القمر منحوسا بزحل سبع ليال وثمانية أيام. أقول: وقد سبق تمام بيان استيصالهم في سورة الاعراف. (61) وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الاءرض: هو كونكم منها لا غيره فإنه خلق آدم ومواد النطف التي خلق نسله منها من التراب. واستعمركم فيها: استبقاكم من العمر أو أمركم بعمارتها. فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربى قريب: منكم. مجيب: لمن دعاه. (62) قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا نرجو منك الخير لما كانت يلوح منك من مخايلة (1) فكنا نسترشدك في تدابيرنا ونشاورك في أمورنا فالآن انقطع رجاؤنا عنك وعلمنا أن لا خير فيك. أتنهينآ أن نعبد ما يعبد أآباؤنا وإننا لفى شك مما تدعونا إليه: من التوحيد والتبري عن الاوثان. مريب: موقع في الريبة أو ذي ريبة. (63) قال يا قوم أرءيتم إن كنت على بينة من ربى: بيان وبصيرة. واتاني منه رحمة: نبوة. فمن ينصرني من الله: فمن يمنعني من عذابه. إن عصيته: في تبليغ رسالته والنهي عن الاشراك به. فما تزيدونني إذا باستتباعكم إياي. غير تخسير: غير أن أنسبكم إلى الخسران أو غير أن تخسروني بإبطال ما منحني الله به. (64) ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله: ترع نباتها وتشرب ماءها. ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب: عاجل. (65) فعقروها فقال تمتعوا في داركم: عيشوا في منازلكم أو بلدكم. ثلاثة أيام: ثم تهلكون. ذلك وعد غير مكذوب. (66) فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين ءامنوا برحمة منا ومن خزى يومئذ: أي ونجيناهم من خزي ذلك اليوم، وذله وفضيحته، ولا خزي أعظم من خزي من كان

____________________________

1 - والمخايل جمع المخيلة وهي ما يوقع في الخيال يعني به الامارات وخلت الشئ خيلا ومخيلا ظننته. 

[ 459 ]

هلاكه بغضب الله وبأسه، أو أريد بيومئذ: يوم القيامة، وقرئ يومئذ: بفتح الميم بناء على بنائه حين أضيف إلى إذ. إن ربك هو القوى العزيز: القادر على كل شئ والغالب عليه. (67) وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين: ميتين وأصل الجثوم: اللزوم في المكان، وقد سبق تفسيره في سورة الاعراف مع تمام القصة. (68) كأن لم يغنوا فيها: كأن لم يقيموا فيها أحياء. ألا إن ثمود وقرئ منونا. كفروا ربهم ألا بعدا لثمود. (69) ولقد جاءت رسلنا إبرهيم: يعني الملائكة. بالبشرى: ببشارة الولد. في المجمع: عن الصادق عليه السلام كانوا أربعة جبرئيل وميكائيل واسرافيل وكروبيل (1). وفيه، والعياشي: عن الباقر عليه السلام إن هذه البشارة كانت باسماعيل من هاجر. ويأتي من العلل، والعياشي: إنها باسحق. قالوا سلاما: سلمنا عليك سلاما أي سلامة. قال سلام: أي أمركم سلام، وقرئ سلم بالكسر والسكون. فما لبث أن جاء بعجل حنيذ: مشوى نضيج (2). العياشي: عن الباقر عليه السلام يعني زكيا مشويا نضيجا. وعن الصادق عليه السلام: يعني مشويا نضيجا. وعنه عليه السلام إنه قال: كلوا، فقالوا: لا نأكل حتى تخبرنا ما ثمنه ؟ قال: إذا أكلتم فقولوا: بسم الله، وإذا فرغتم فقولوا: الحمد لله، قال: فالتفت جبرئيل إلى أصحابه وكانوا أربعة رئيسهم جبرئيل، فقال: حق لله أن يتخذ هذا خليلا. (70) فلما رأى أيديهم لا تصل إليه: لا يمدون إليه أيديهم نكرهم: أنكرهم. وأوجس منهم خيفة: أضمر منهم خوفا إن يريدوا به مكروها. قالوا لا تخف إنآ أرسلنا إلى قوم لوط: إنا ملائكة مرسلة إليهم بالعذاب، وإنما لم نمد إليه أيدينا لأنا لا نأكل. (71) وامرأته قائمة: تسمع محاورتهم وهي سارة ابنة لاحج، وهي ابنة خالته.

____________________________

1 - بفتح الكاف وتخفيف الراء المضمومة.

 2 - نضج اللحم والفاكهة نضجا أي استوى وطاب أكله والاسم النضج بضم النون فهو نضيج. 

[ 460 ]

العياشي: عن الباقر عليه السلام إنما عنى سارة. فضحكت: سرورا وحاضت من الفزع. في العلل، والعياشي: عن الباقر عليه السلام يعني تعجبت من قولهم. وفي المعاني، والمجمع، والعياشي: عن الصادق عليه السلام حاضت. والقمي: ضحكت أي حاضت، وقد كان ارتفع حيضها منذ دهر طويل. أقول: ومنه قول الشاعر: وعهدي بسلمى ضاحكا في لبابة ولم تعد حقا ثديها أن تحلبا ومنه ضحكت الثمرة (الشجرة خ ل) إذا سال صمغها. فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب: أي ومن بعده. وقيل: الوراء ولد الولد، وقرئ يعقوب بالرفع. (72) قالت يا ويلتى: يا عجبا وأصله في الشر فاطلق في كل أمر فظيع. ءألد وأنا عجوز وهذا بعلى: زوجي. شيخا: في العلل: عن أحدهما عليهما السلام وهي يومئذ ابنة تسعين سنة، وإبراهيم يومئذ ابن عشرين ومأة سنة. إن هذا لشئ عجيب: يعني الولد من الهرمين وهو استعجاب بحسب العادة دون القدرة. (73) قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت: يعني هذه وأمثالها مما يكرمكم الله به يا أهل بيت النبوة فليس هذا مكان تعجب. إنه حميد: فاعل ما يستوجب به الحمد. مجيد: كثير الخير والاحسان. العياشي: عن الصادق عليه السلام قال: أوحى الله إلى إبراهيم أنه سيولد لك، فقال: لسارة، فقالت: ءألد وأنا عجوز ؟ فأوحى الله إليه أنها ستلد ويعذب أولادها أربعمأة سنة بردها الكلام علي، قال: فلما طال على بني إسرائيل العذاب ضجوا وبكوا إلى الله أربعين صباحا فأوحى الله إلى موسى وهرون نخلصهم من فرعون، فحط عنهم سبعين ومأة سنة، قال: وقال أبو عبد الله عليه السلام هكذا أنتم لو فعلتم لفرج الله عنا، فأما إذا لم تكونوا فإن الامر ينتهي إلى منتهاه. (74) فلما ذهب عن إبراهيم الروع: أي ما أوجس من الخيفة يعني لما اطمأن قلبه بعد الخوف. وجاءته البشرى: بدل الروع. يجادلنا في قوم لوط: يجادل رسلنا في شأنهم ومعناهم، وكان لوط ابن خالته كما سبق ذكره في سورة الاعراف، ومجادلته إياهم أنه

[ 461 ]

قال لهم: إن كان فيها مأة من المؤمنين أتهلكونهم فقال: جبرئيل لا إلى آخر ما يأتي في قصته. (75) إن إبراهيم لحليم: غير عجول على من أساء إليه بالأنتقام. أواه: كثير الدعاء. العياشي: عنهما عليهما السلام قالا دعاء. منيب: راجع إلى الله تعالى بما يحب ويرضى، والغرض من هذا الكلام بيان الحامل له على المجادلة، وهو رقة قلبه، وفرط ترحمه. (76) يا إبراهيم: على إرادة القول، أي قالت الملائكة: يا إبراهيم. أعرض عن هذا عن الجدال، وإن كانت الرحمة دأبك فلا فائدة فيه. إنه قد جاء أمر ربك: قضاؤه وحكمه الذي لا يصدر إلا عن حكمة. وإنهم آتيهم عذاب غير مردود: لا مرد له بجدال ولا غيره. (77) ولما جاءت رسلنا لوطا سيئ بهم: ساءه مجيئهم لأنهم جاؤا في صورة غلمان فظن أنهم أناس فخاف عليهم أن يقصدهم قومه فيعجز عن مدافعتهم. وضاق بهم ذرعا: وضاق بمكانهم ذرعه، وهو كناية عن شدة الانقباض للعجز عن مدافعة المكروه. وقال هذا يوم عصيب شديد. (78) وجاءه قومه يهرعون إليه: يسرعون إليه كأنهم يدفعون دفعا لطلب الفاحشة من أضيافه. ومن قبل: ومن قبل ذلك الوقت. كانوا يعملون السيئات: الفواحش فتمرنوا بها ولم يستحيوا منها حتى جاؤا يسارعون إليه مجاهرين. قال يا قوم هؤلاء بناتى: فتزوجوهن، فدى بهن أضيافه كرما وحمية. في الكافي، والعياشي: عن الصادق عليه السلام عرض عليهم التزويج. والعياشي: عن أحدهما عليهما السلام أنه وضع يده على الباب ثم ناشدهم فقال: اتقو الله ولا تخزون في ضيفي، ثم عرض عليهم بناته بنكاح. والقمي: مقطوعا قال عنى به أزواجهم، وذلك أن النبي هو أبو أمته فدعاهم إلى الحلال ولم يكن يدعوهم إلى الحرام. هن أطهر لكم: هن أنظف فعلا وأقل فحشا، قيل: يعني أدبارهن.

[ 462 ]

وفي التهذيب، والعياشي: عن الرضا عليه السلام إنه سئل عن إتيان الرجل المرأة من خلفها ؟ قال: أحله آية من كتاب الله قول لوط: (هؤلاء بناتى هن أطهر لكم) وقد علم أنهم لا يريدون الفرج. فاتقوا الله: في مواقعة الذكور. ولا تخزون: ولا تخجلوني من الخزاية بمعنى الحياء أو لا تفضحوني من الخزي. في ضيفي: في شأنهم، فإن إخزاء ضيف الرجل إخزاؤه. أليس منكم رجل رشيد: يهتدي إلى الحق، ويرعوي عن القبيح. (79) قالوا لقد علمت مالنا في بناتك من حق: من حاجة. وإنك لتعلم ما نريد: عنوا إتيان الذكران. (80) قال لو أن لى بكم قوة لو قويت بنفسي على دفعكم. أوءاوى إلى ركن شديد: أو أويت إلى قوي أتمنع به عنكم لدفعتكم عن أضيافي، شبه القوي العزيز بالركن من الجبل في شدته ومنعته، في الجوامع: قال جبرئيل: إن ركنك لشديد افتح الباب ودعنا وإياهم. وفي المجمع: عن الصادق عليه السلام لو يعلم أي قوة له، وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رحم الله أخي لوطا كان يأوي إلى ركن شديد. وفي الكافي: عن الباقر عليه السلام رحم الله لوطا لو يدري من معه في الحجرة لعلم أنه منصور حيث يقول: (لو أن لى بكم قوة أوءاوى إلى ركن شديد) أي ركن أشد من جبرئيل معه في الحجرة. (81) قالوا يالوط إنا رسل ربك: أرسلنا لأهلاكهم فلا تغتم. لن يصلوا إليك: بسوء أبدا. فأسر بأهلك: من الاسراء وهو السير ليلا، وقرئ بالوصل من السري وهو بمعناه. بقطع من الليل: بطائفة منه. والعياشي: عن الصادق عليه السلام بقطع من الليل مظلما، قال: هكذا قراءة أمير المؤمنين عليه السلام. ولا يلتفت منكم أحد: ولا يتخلف أو لا ينظر إلى ورائه. إلا امرأتك: وقرئ بالرفع. إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب

[ 463 ]

جواب لأستعجال لوط، واستبطائه العذاب، في الجوامع: روي أنه قال: متى موعد اهلاكهم ؟ قالوا: الصبح. قال: أريد أسرع من ذلك لضيق صدره بهم، فقالوا (أليس الصبح بقريب). في العلل، والعياشي: عن الباقر عليه السلام فأسر بأهلك يا لوط إذا مضى لك من يومك هذا سبعة أيام ولياليها (بقطع من الليل) إذا مضى نصف الليل، قال: فلما كان اليوم الثامن مع طلوع الفجر قدم الله رسلا إلى إبراهيم يبشرونه بإسحق ويعزونه (1) بهلاك قوم لوط، وذلك قوله تعالى: (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى). (82) فلما جاء أمرنا جعلنا عليها سافلها: بأن جعل جبرئيل جناحه في أسفلها ثم رفعها إلى السماء ثم قلبها عليهم واتبعوا الحجارة من فوقهم. وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل: من طين متحجر هي معربة من - سنك كل بدليل قوله تعالى: (حجارة من طين). منضود: نضد معدا لعذابهم أو أرسل بعضه في أثر بعض متتابعا. القمي: يعني بعضها على بعض منضدة. مسومة: معلمة للعذاب. القمي: أي منقوطة. عند ربك: في خزائنه. وما هي من الظالمين ببعيد: فإنهم بظلمهم حقيق بأن يمطر عليهم، روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سأل عن جبرئيل فقال: يعني ظالمي أمتك ما من ظالم منهم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة. وفي الكافي: عن الباقر عليه السلام (وما هي من الظالمين ببعيد) ظالمي أمتك، إن عملوا ما عمل قوم لوط. وفيه، والعياشي: عن الصادق عليه السلام من مات مصرا على اللواط لم يمت حتى يرميه الله بحجر من تلك الاحجار فيكون فيه منيته، وزاد العياشي: ولا يراه أحد. والقمي: عنه عليه السلام ما من عبد يخرج من الدنيا يستحل عمل قوم لوط إلا رمى الله كبده من تلك الحجارة تكون منيته بها ولكن الخلق لا يرونه.

____________________________

1 - العزاء الصبر يقال عزيته تعزية فتعزى (صحاح). 

[ 464 ]

والعياشي: عنه عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما عمل قوم لوط ما عملوا بكت الارض إلى ربها حتى بلغ دموعها العرش فأوحى الله عز وجل إلى السماء أن أحصبهم وأوحى إلى الارض أن اخسفي بهم. في الكافي: عن الباقر عليه السلام قال، كان قوم لوط من أفضل قوم خلقهم الله فطلبهم إبليس الطلب الشديد، وكان من فضلهم وخيرتهم أنهم إذا خرجوا إلى العمل خرجوا بأجمعهم وتبقى النساء خلفهم ولم يزل إبليس يعتادهم وكانوا إذا رجعوا خرب إبليس ما كانوا يعملون، فقال بعضهم لبعض: تعالوا نرصد لهذا الذي يخرب متاعنا فرصدوه فإذا هو غلام أحسن ما يكون من الغلمان، فقالوا له: أنت الذي تخرب متاعنا مرة بعد مرة ؟ فاجتمع رأيهم على أن يقتلوه فبيتوه عند رجل، فلما كان الليل صاح فقال له: ما لك ؟ فقال: كان أبي ينومني على بطنه فقال له: تعال فنم على بطني، قال: فلم يزل يدلك الرجل حتى علمه أن يفعل بنفسه فأولا علمه إبليس، والثانية علمه هو، ثم انسل ففر منهم، وأصبحوا فجعل الرجل يخبر بما فعل بالغلام ويعجبهم منه، وهم لا يعرفونه فوضعوا أيديهم فيه حتى اكتفى الرجال بالرجال بعضهم ببعض، ثم جعلوا يرصدون مارة الطريق فيفعلون بهم حتى تنكب (1) مدينتهم الناس، ثم تركوا نساءهم وأقبلوا على الغلمان، فلما رأى أنه قد أحكم أمره في الرجال جاء إلى النساء فصير نفسه امرأة، ثم قال: إن رجالكن يفعل بعضهم ببعض قلن نعم قد رأينا ذلك، وكل ذلك يعظهم لوط ويوصيهم، وإبليس يغويهم حتى استغنى النساء بالنساء فلما كملت عليهم الحجة بعث الله جبرئيل وميكائيل وإسرافيل في زي غلمان عليهم أقبية، فمروا بلوط وهو يحرث، قال: أين تريدون ؟ ما رأيت أجمل منكم قط، قالوا: إنا أرسلنا سيدنا إلى رب هذه المدينة، قال: أو لم يبلغ سيدكم ما يفعل أهل هذه المدينة ؟ يا بني والله يأخذون الرجال فيفعلون بهم حتى يخرج الدم، فقالوا: أمرنا سيدنا أن نمر وسطها، قال: فلى إليكم حاجة، قالوا: وما هي ؟ قال: تصبرون

____________________________

1 - نكب عنه كنصر وفرح نكبا ونكبا ونكوبا عدل كنكب وتنكب ونكبه تنكيبا نحاه لازم متعد وطريق منكوب على غير قصد ونكبة الطريق ونكب به عدل والنكب الطرح بالتحريك شبه ميل في الشئ ق. 

[ 465 ]

هيهنا إلى اختلاط الظلام، قال: فجلسوا، قال: فبعث ابنته فقال: جيئي لهم بخبز، وجيئي لهم بماء في القرعة (1) وجيئي لهم عباء يتغطون بها من البرد، فلما أن ذهبت الابنة أقبل المطر والوادي، فقال لوط: الساعة يذهب بالصبيان الوادي، قال: قوموا حتى نمضي، وجعل لوط يمشي في أصل الحائط وجعل جبرئيل وميكائيل واسرافيل يمشون وسط الطريق فقال: يا بني امشوا هيهنا فقالوا: أمرنا سيدنا أن نمر في وسطها وكان لوط يستغنم الظلام، ومر إبليس فأخذ من حجر إمرأة صبيا فطرحه في البئر فتصايح أهل المدينة كلهم على باب لوط، فلما أن نظروا إلى الغلمان في منزل لوط، قالوا: يا لوط قد دخلت في عملنا، فقال: هؤلاء ضيفي فلا تفضحون في ضيفي، قالوا: هم ثلاثة خذ واحدا وأعطنا اثنين، قال: وأدخلهم الحجرة، وقال لوط: لو أن لي أهل بيت يمنعوني منكم، قال: وتدافعوا على الباب وكسروا باب لوط وطرحوا لوطا، فقال له جبرئيل: (إنا رسل ربك لن يصلوا إليك) فأخذ كفا من بطحاء (2) فضرب بها وجوههم، وقال: شاهت الوجوه فعمي أهل المدينة كلهم، وقال لهم لوط: يا رسل ربي فما أمركم ربي فيهم ؟ قالوا: أمرنا أن نأخذهم بالسحر، قال: فلي إليكم حاجة، قالوا: وما حاجتك ؟ قال: تأخذونهم الساعة، فإني أخاف أن يبدو لربي فيهم، فقالوا: يا لوط (إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب) لمن يريد أن يأخذ، فخذ أنت بناتك وامض ودع إمرأتك. وفيه، والعياشي: عن الصادق عليه السلام إن الله بعث أربعة أملاك في إهلاك قوم لوط، جبرئيل، وميكائيل، وإسرافيل، وكروبيل، فمروا بابراهيم وهم معتمون فسلموا عليه فلم يعرفهم، ورأى هيئة حسنة، فقال: لا يخدم هؤلاء أحد إلا أنا بنفسي، وكان صاحب ضيافة فشوى لهم عجلا سمينا حتى انضجه ثم قربه إليهم، فلما وضعه بين أيديهم رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة، فلما رأى ذلك جبرئيل حسر العمامة عن وجهه، وعن رأسه فعرفه إبراهيم فقال: أنت هو ؟ قال: نعم، ومرت سارة إمرأته فبشرها باسحق،

____________________________

1 - القرعة واحدة القرع وهو حمل اليقطين يجعل وعاء منه رحمه الله.

 2 - البطح ككتف والبطحة والبطحاء مسيل واسع فيه دقاق الحصى ق. 

[ 466 ]

ومن وراء اسحق يعقوب، فقالت: ما قال الله عز وجل: وأجابوها بما في الكتاب العزيز، فقال لهم إبراهيم: لماذا جئتم ؟ قالوا: في إهلاك قوم لوط، فقال لهم: إن كان فيها مأة من المؤمنين أتهلكونهم ؟ فقال جبرئيل لا، قال: فإن كان فيها خمسون ؟ قال: لا، قال فإن كان فيها ثلاثون ؟ قال: لا، قال: فإن كان فيها عشرون ؟ قال: لا، قال: فإن كان فيها عشرة ؟ قال: لا، قال: فإن كان فيها خمسة ؟ قال: لا، قال: فإن كان فيها واحد ؟ قال: لا (قال فإن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين) قال الراوي، لا أعلم هذا القول إلا وهو يستبقيهم، وهو قول الله (يجدلنا في قوم لوط) فأتوا لوطا وهو في زراعة له قرب القرية فسلموا عليه، وهم معتمون، فلما رأى هيئة حسنة، عليهم ثياب بيض، وعمايم بيض، فقال لهم: المنزل، فقالوا: نعم، فتقدمهم ومشوا خلفه فتندم على عرضه المنزل عليهم، فقال: أي شئ صنعت آتي بهم قومي وأنا أعرفهم، فالتفت إليهم فقال: إنكم لتأتون شرارا من خلق الله، قال تعالى لجبرئيل لا تعجل عليهم حتى يشهد عليهم ثلاث مرات، فقال جبرئيل: هذه واحدة، ثم مشى ساعة، ثم إلتفت إليهم فقال: إنكم لتأتون شرارا من خلق الله، فقال جبرئيل: هذه ثنتان، ثم مشى فلما بلغ باب المدينة إلتفت إليهم، فقال: إنكم لتأتون شرارا من خلق الله: فقال جبرئيل: هذه الثالثة، ثم دخل ودخلوا معه حتى دخل منزله فلما رأتهم إمرأته رأت هيئة حسنة فصعدت فوق السطح فصفقت فلم يسمعوا فدخنت فلما رأو الدخان أقبلوا يهرعون حتى جاؤا إلى الباب فنزلت إليهم، فقالت: عنده قوم ما رأيت قوما قط أحسن منهم هيئة فجاؤا إلى الباب ليدخلوا فلما رآهم لوط، قام إليهم فقال لهم: يا قوم (اتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد) وقال: (هؤلاء بناتى هن أطهر لكم) فدعاهم إلى الحلال فقالوا: (لقد علمت مالنا في بناتك من حق وأنك لتعلم ما نريد) فقال لهم: (لو أن لى بكم قوة أوءاوى إلى ركن شديد) فقال جبرئيل لو يعلم أي قوة له ؟ قال: فكاثروه حتى دخلوا البيت، فصاح بهم جبرئيل، وقال: يا لوط دعهم يدخلون فلما دخلوا أهوى جبرئيل باصبعه نحوهم فذهبت أعينهم، وهو قول الله: (فطمسنا على أعينهم) ثم ناداه جبرئيل فقال له: (إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل) وقال له

[ 467 ]

جبرئيل: إنا بعثنا في إهلاكهم فقال: يا جبرئيل عجل، فقال: (إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب) فأمره فيحمل هو ومن معه إلا أمرأته، ثم اقتلعها يعني المدينة جبرئيل بجناحه من سبعة أرضين، ثم رفعها حتى سمع أهل سماء الدنيا نباح الكلاب، وصراخ الديوك، ثم قلبها وأمطر عليها وعلى من حول المدينة حجارة من سجيل. أقول: وقد سبق نبذ من قصة قوم لوط، في سورة الاعراف ويأتي طرف آخر منه في سورة الحجر إن شاء الله. القمي: قد ذكر قصة ابراهيم ولوط ببيان مبسوط من غير إسناد إلى معصوم، فيها أشياء غير ما ذكرنا من أرادها رجع إليها. (84) وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من اله غيره: مضى تفسيره في سورة الاعراف. ولا تنقصوا المكيال والميزان إنى أريكم بخير: بسعة تغنيكم عن البخس. في الفقيه، والعياشي: عن الصادق عليه السلام في هذه الآية كان سعرهم رخيصا. وإنى أخاف عليكم عذاب يوم محيط: مهلك من قوله: (وأحيط بثمره) أو لا يشذ منه أحد منكم. (85) ويا قوم أوفوا المكيال والميزان صرح الامر بالأيفاء بعد النهي عن ضده مبالغة وتنبيها على أنه لا يكفيهم الكف عن تعمد التطفيف بل يلزمهم السعي في الايفاء ولو بزيادة لا يتأتي بدونها. بالقسط: بالعدل والسوية. في الكافي: عن الباقر عليه السلام وجدنا في كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا طفف المكيال والميزان أخذهم الله بالسنين والنقص. وفي رواية اخرى وشدة المؤنة وجور السلطان. ولا تبخسوا الناس أشياءهم: تعميم بعد تخصيص فإنه أعم من أن يكون في المقدار أو في غيره. ولا تعثوا في الاءرض مفسدين: هذا أيضا تعميم بعد تخصيص فإن العثو يعم تنقيص الحقوق وغيره من أنواع الفساد من السرقة والغارة وقطع السبل وغير ذلك.

[ 468 ]

(86) بقيت الله: ما أبقاه لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرام. خير لكم: مما تجمعون بالتطفيف. إن كنتم مؤمنين: بشرط الايمان إذ الثواب والنجاة من العقاب لا يحصلان إلا به أو يريد إن كنتم مصدقين بي في نصيحتي. وما أنا عليكم بحفيظ: أحفظ عليكم أعمالكم. في الكافي: عن الباقر عليه السلام أنه صعد جبلا يشرف على أهل مدين حين أغلق دونه باب مدين، ومنع أن يخرج إليه بالأسواق فخاطبهم بأعلى صوته يا أهل المدينة الظالم أهلها، أنا بقية الله، يقول الله: (بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ)، قال: وكان فيهم شيخ كبير فأتيهم فقال لهم: يا قوم هذه والله دعوة شعيب النبي عليه السلام والله لئن لم تخرجوا إلى هذا الرجل بالأسواق لتؤخذن من فوقكم ومن تحت أرجلكم الحديث. وفي الاكمال: عنه عليه السلام أول ما ينطق به القائم عليه السلام حيث خرج هذه الآية (بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين)، ثم يقول: أنا بقية الله، وحجته، وخليفته عليكم فلا يسلم عليه مسلم إلا قال: السلام عليك يا بقية الله في أرضه. (87) قالوا يا شعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا: من الاصنام، يعني تأمرك بأن تكلفنا ذلك أجابوا أمرهم بالتوحيد على الاستهزاء به، والتهكم بصلوته والاشعار بأن مثله لا يدعو إليه داع عقلي، وإنما دعاك إليه خطرات ووساوس من جنس ما تواظب عليه، وكان كثير الصلاة ولذلك جمعوا وخصوا بالذكر، وقرء على الافراد. أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء: أو نترك فعلنا في أموالنا وهو جواب النهي عن التطفيف والامر بالأيفاء. إنك لانت الحليم الرشيد: قيل: أرادوا بذلك نسبته إلى غاية السفه والغي ليتهكموا فعكسوا به. والقمي: قالوا إنك لأنت السفيه الجاهل فحكى الله عز وجل قولهم فقال: (إنك لاءنت الحليم الرشيد). (88) قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى: قيل إشارة إلى ما أتاه

[ 469 ]

الله من العلم والنبوة. ورزقني منه رزقا حسنا: قيل: إشارة إلى ما آتيه الله من المال الحلال، وجواب الشرط محذوف تقديره فهل يسع لي مع هذه الانعام أن أخون في وحيه وأخالفه في أمره ونهيه ولا آمركم بترك عبادة الاوثان والكف عن القبايح وإنما بعثني لذلك. وما أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهيكم عنه: يعني وما أريد أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستبد بها دونكم. إن اريد إلا الاصلاح: أن أصلحكم. ما استطعت: ما دمت استطيع الاصلاح، فلو وجدت الصلاح فيما أنتم عليه لما نهيتكم عنه، والجواب الاول: إشارة إلى مراعاة حق الله، والثاني: إلى مراعاة حق النفس، والثالث: إلى مراعاة حق الناس. وما توفيقي إلا بالله: إلا بهدايته ومعونته. عليه توكلت: فإنه القادر المتمكن من كل شئ دون غيره، وفيه إشارة إلى محض التوحيد الذي هو أقصى مراتب العلم بالمبدء. وإليه أنيب: إشارة إلى معرفة المعاد نبه بهذه الكلمات إلى اقباله على الله بشراشره فيما يأتي ويذر وحسم أطماع الكفار وعدم المبالاة بعداوتهم وتهديدهم بالرجوع إلى الله للجزاء. (89) ويا قوم لا يجرمنكم: لا يكسبنكم. شقاقي: خلافي ومعاداتي. أن يصيبكم مثل مآ أصاب قوم نوح: من الغرق. أو قوم هود: من الريح. أو قوم صالح: من الرجفة. وما قوم لوط منكم ببعيد: يعني إنهم اهلكوا في عهد قريب عهدكم فإن لم تعتبروا بمن قبلهم فاعتبروا بهم. واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه: عما أنتم عليه. إن ربى رحيم ودود: عظيم الرحمة، متودد على عباده، مريد لمنافعهم، وهو وعد على التوبة بعد الوعيد على الاصرار. (91) قالوا يشعيب ما نفقه: ما نفهم. كثيرا مما تقول وإنا لنريك فينا ضعيفا: لا قوة لك ولا عز، فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروها. القمي: وقد كان ضعف بصره. ولولا رهطك: قومك وعزتهم عندنا لكونهم على ملتنا. لرجمناك: لقتلناك شر قتلة. وما أنت علينا بعزيز: فتمنعنا عزتك عن القتل بل رهطك هم الاعزة علينا.

[ 470 ]

(92) قال يا قوم أرهطى أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا: وجعلتموه كالمنسي المنبوذ وراء الظهر لا يعبؤ به، والظهري: منسوب إلى الظهر، والكسر من تغييرات النسب. إن ربى بما تعملون محيط: فلا يخفى عليه شئ منها. (93) ويا قوم اعملوا على مكانتكم: قارين على ما أنتم عليه من الشرك والعداوة. إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب من المعذب والكاذب مني ومنكم سبق مثله في سورة الانعام. وارتقبوا: وانتظروا ما أقول لكم. إنى معكم رقيب: منتظر. في الاكمال، والمجمع: عن الرضا عليه السلام ما أحسن الصبر وإنتظار الفرج أما سمعت قول الله عز وجل (وارتقبوا إنى معكم رقيب). والعياشي: عنه عليه السلام إن انتظار الفرج من الفرج، ثم تلا هذه الآية. وفي المجمع: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان شعيب خطيب الانبياء. (94) ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين ءامنوا معه برحمة منا: إنما ذكر هنا وفي قصة عاد بالواو، وفي قصتي صالح وهود بالفاء، لسبق ذكر وعد يجري مجرى السبب في قصتي صالح وهود، دون الآخرين. وأخذت الذين ظلموا الصيحة: في الجوامع روي أن جبرئيل صاح بهم صيحة فزهق روح كل واحد منهم حيث هو. فأصبحوا في ديارهم جاثمين. (95) كأن لم يغنوا فيها: كأن لم يقيموا فيها أحياء. ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود: قيل: شبههم بهم لأن عذابهم كان أيضا بالصيحة، غير أن صيحتهم كانت من تحتهم، وصيحة مدين كانت من فوقهم. (96) ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين: بالمعجزات القاهرة والحجج الباهرة. (97) إلى فرعون وملأه فاتبعوا أمر فرعون: أمره بالكفر بموسى. وما أمر

[ 471 ]

فرعون برشيد: ما في أمره من رشد إنما هو غي وضلال. (98) يقدم قومه يوم القيامة: بتقدمهم إلى النار وهم يتبعونه كما كان لهم قدوة في الضلال في الدنيا. فأوردهم النار ذكره بلفظ الماضي مبالغة في تحققه. وبئس الورد المورود: بئس الورد الذي يردونه النار، لأن الورد وهو الماء الذي يورد إنما يراد لتسكين العطش، وتبريد الاكباد، والنار ضده. (99) وأتبعوا في هذه: الدنيا. لعنة ويوم القيامة: أي يلعنون في الدنيا والآخرة. بئس الرفد المرفود: رفدهم لأن الرفد: وهو العون والعطاء إنما يراد للنفع واللعنة مدر للعذاب في الدارين. القمي: (في هذه لعنة) يعني الهلاك والغرق، (ويوم القيامة): رفدهم الله بالعذاب. (100) ذلك: أي ذلك النبأ. من أنباء القرى: المهلكة. نقصه عليك منها قائم: باق كالزرع القائم. وحصيد: ومنها عافي الاثر كالزرع المحصود. العياشي: عن الصادق عليه السلام أنه قرء فمنها قائما وحصيدا بالنصب، قال: لا يكون الحصيد إلا بالحديد (1). (101) وما ظلمناهم: بإهلاكنا إياهم. ولكن ظلموا أنفسهم: بأن عرضوها له بارتكاب ما يوجبه. فما أغنت عنهم: فما نفعتهم ولا قدرت أن تدفع عنهم. آلهتهم التى يدعون من دون الله من شئ لما جاء أمر ربك: أي عذابه ونقمته. وما زادوهم غير تتبيب: غير تخسير. (102) وكذلك: ومثل ذلك الاخذ. أخذ ربك إذا أخذ القرى: أي أهلها. وهى ظالمة إن أخذه أليم شديد: وجيع صعب. في المجمع: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن الله يمهل الظالم حتى إذا

____________________________

1 - أي لا يكون الا بالسيف والرمح والسهم ونحو ذلك والظاهر انه مستأنف منفصل عما قبله لا انه علة لقراءة النصب بل بيان المراد مرفوعا أو منصوبا وعلى تقدير النصب يكون التقدير منها ابقى قائما ومنها احصد حصيدا على انهما حالان مؤكد ان مثل زيد ابوك عطوفا. 

[ 472 ]

أخذه لم يفلته ثم تلا هذه الآية. (103) إن في ذلك: أي فيما نزل بالأمم الهالكة. لاءية: لعبرة. لمن خاف عذاب الاءخرة: لعلمه بأنه أنموذج منه. ذلك: أي يوم القيامة، وعذاب الآخرة. يوم مجموع له الناس: الاولون والآخرون. وذلك يوم مشهود: كثير شاهدوه. القمي يشهد عليه الانبياء والرسل. وقيل: مشهود فيه أهل السموات والارضين. العياشي: عن أحدهما عليهما السلام في هذه الآية فذلك يوم القيامة وهو اليوم الموعود. وفي الكافي: عن السجاد في كلام له في المواعظ والزهد وأعلم أن من وراء هذا أعظم وأفظع وأوجع للقلوب يوم القيامة (ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود) يجمع الله عز وجل فيه الاولين والآخرين. (104) وما نؤخره أي اليوم إلا لأجل معدود إلا لأنتهاء مدة معدودة متناهية. (105) يوم يأت: وقرئ بحذف الياء. لا تكلم نفس: لا تتكلم نفس بما ينفع وينجي. إلا بإذنه: بإذن الله كقوله: (لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن ورضى له قولا) وهذا في موطن من مواطن ذلك اليوم، وقوله: (هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون) في موطن أخر منها كما في التوحيد عن أمير المؤمنين. فمنهم شقى: وجبت له النار بمقتضى الوعيد. وسعيد: وجبت له الجنة بموجب الوعد. (106) فأما الذين شقوا ففى النار لهم فيها زفير وشهيق: الزفير: إخراج النفس، والشهيق: رده، دل بهما على شدة كربهم وغمهم. (107) خالدين فيها مادامت السموات والأرض إلا ما شآء ربك إن ربك فعال لما يريد.

[ 473 ]

(108) وأما الذين سعدوا: ففى الجنة خالدين فيها ماد امت السموات والأرض إلا ما شآء ربك عطاء غير مجذوذ: غير مقطوع. القمي: في هذه الاية (يوم يأتي) والتي بعدها هذا في نار الدنيا قبل يوم القيامة، قال: وأما قوله (وأما الذين سعدوا ففى الجنة خالدين فيها) يعني في جنان الدنيا التي تنقل إليها أرواح المؤمنين (مادامت السموات والأرض إلا ما شآء ربك عطاء غير مجذوذ) يعني غير مقطوع من نعيم الآخرة، في الجنة يكون متصلا به، قال: وهو رد على من أنكر عذاب القبر والثواب والعقاب في الدنيا وفي البرزخ قبل يوم القيامة. أقول: ويؤيد هذا التفسير قوله تعالى (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا). قال الصادق عليه السلام: إن هذا في نار البرزخ قبل يوم القيامة إذ لا غدو ولا عشي في القيامة، ثم قال: ألم تسمع قول الله عز وجل: (يوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب). ويؤيد أيضا قوله: (مادامت السموت والأرض) يعني سموات الدنيا وأرضها كما هو معلوم. والعياشي: عن الباقر والصادق عليهما السلام ما معناه إن المراد بالجنة والنار في هذه الآية: ولاية آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وولاية أعدائهم. قال: قال الصادق عليه السلام: قال: الجاهل بعلم التفسير إن هذا الاستثناء من الله إنما هو لمن دخل الجنة والنار، وذلك إن الفريقين جميعا يخرجان منهما فتبقيان وليس فيهما أحد، وكذبوا قال: والله تبارك وتعالى ليس يخرج أهل الجنة ولا كل أهل النار منهما أبدا كيف يكون ذلك، وقد قال الله تعالى في كتابه: (ماكثين فيه أبدا) ليس فيه إستثناء. وقال الباقر عليه السلام: هاتان الآيتان في غير أهل الخلود من أهل الشقاوة والسعادة. (109) فلا تك في مرية: في شك. مما يعبد هؤلاء: بعد ما أنزل عليك من هذه القصص في سوء عاقبة عبادتهم للأوثان وتعرضهم بها لما أصاب أمثالهم قبلهم تسلية

[ 474 ]

لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ووعد له بالأنتقام منهم، ووعيد لهم. ما يعبدون إلا كما يعبدء ابآؤهم من قبل: أي حالهم في الشرك مثل حال آبائهم من غير تفاوت بين الحالتين فينزل بهم مثل ما نزل بآبائهم تعليل النهي عن المرية. وإنا لموفوهم نصيبهم: حظهم من العذاب كآبائهم. غير منقوص: بلا نقص. (110) ولقدء اتينا موسى الكتاب فاختلف فيه: فآمن به قوم وكفر به قوم، كما اختلف هؤلاء في القرآن. في الكافي: عن الباقر عليه السلام اختلفوا كما اختلفت هذه الامة في الكتاب، وسيختلفون في الكتاب الذي مع القائم الذي يأتيهم به حتى ينكره ناس منهم فيقدمهم فيضرب أعناقهم. ولولا كلمة سبقت من ربك: يعني كلمة الانظار إلى يوم القيامة. لقضى بينهم: بإنزال ما يستحقه المبطل ليتميز عن المحق. وإنهم: وإن كفار قومك. لفى شك منه: من القرآن. مريب: موقع للريبة. (111) وإن كلا: وإن كل المختلفين المؤمنين والكافرين. لما ليوفينهم ربك أعمالهم. القمي: قال: في القيامة. قيل: اللام في (لما) توطئة للقسم، والاخرى للتوكيد، أو (بالعكس) ؟، و (ما) مزيدة للفصل بينهما. يعني وإن جميعهم والله ليوفينهم ربك جزاء أعمالهم، وقرئ (أن) بالتخفيف من المثقلة على إعمال المخففة عمل الثقيلة إعتبارا لأصلها (ولما) بالتشديد على أن أصله - لمن ما - يعني لمن الذين يوفيهم وقرأ أبي (وإن كل) بالرفع (ولما) بالتشديد، على أن (إن) نافية، (ولما) بمعنى إلا، ويؤيده قراءة إلامكان (لما). إنه بما يعملون خبير: فلا يفوت عنه شئ وإن خفي. (112) فاستقم كمآ أمرت على جادة الحق غير عادل عنها، وهي شاملة للعقايد والاعمال. ومن تاب معك: وليستقم من تاب من الكفر وآمن معك. ولا تطغوا: ولا تخرجوا من حدود الله. إنه بما تعملون بصير: فهو مجازيكم عليه في الجوامع: عن الصادق عليه السلام (فاستقم كمآ أمرت) أي افتقر إلى الله

[ 475 ]

بصحة العزم، وعن ابن عباس ما نزلت آية كان أشق على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الآية ولهذا قال: (شيبتني هود والواقعة وأخواتهما). (113) ولا تركنوا إلى الذين ظلموا: ولا تميلوا إليهم أدنى ميل، فإن الركون هو الميل اليسير. فتمسكم النار: بركونكم إليهم. في المجمع: عنهم عليهم السلام إن الركون: المودة والنصيحة والطاعة. والقمي مثله. وفي الكافي: عن الصادق عليه السلام هو الرجل يأتي السلطان فيحب بقاءه إلى أن يدخل يده كيسه فيعطيه. والعياشي عنه عليه السلام أما أنه لم يجعلها خلودا ولكن تمسكم النار فلا تركنوا إليهم. وما لكم من دون الله من أولياء: من أنصار يمنعون العذاب عنكم. ثم لا تنصرون: ثم لا ينصركم الله. (114) وأقم الصلوة طرفي النهار وزلفا من الليل: وساعات من الليل قريبة من النهار من أزلفه إذا قربه وهو جمع زلفة. في التهذيب: عن الباقر عليه السلام طرفاه: المغرب والغداة، وزلفا من الليل: هي صلاة العشاء الآخرة. والعياشي: عن الصادق عليه السلام مثله. إن الحسنات يذهبن السيئات: يكفرنها. وفي الحديث النبوي المشهور إن الصلوة إلى الصلوة كفارة ما بينهما ما اجتنبت الكباير. وفي الامالي عن أمير المؤمنين عليه السلام إن الله يكفر بكل حسنة سيئة ثم تلا الآية. وفي الكافي، والعياشي: عن الصادق عليه السلام في هذه الاية صلاة المؤمن بالليل تذهب بما عمل من ذنب بالنهار. والقمي مثله. وفي الكافي: عنه عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أربع من كن فيه لم يهلك على الله بعدهن إلا هالك: يهم العبد بالحسنة فيعملها فإن هو

[ 476 ]

لم يعملها كتب الله له حسنة بحسن نيته وإن هو عملها كتب الله له عشرا، ويهم بالسيئة أن يعملها فإن لم يعملها لم يكتب عليه شئ وإن هو عملها أجل سبع ساعات، وقال صاحب الحسنات لصاحب السيئات وهو صاحب الشمال: لا تعجل عسى أن يتبعها بحسنة تمحوها فإن الله عز وجل يقول: (إن الحسنات يذهبن السيئات) أو الاستغفار فإن هو قال: (أستغفر الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم الغفور الرحيم ذو الجلال والاكرام وأتوب إليه) لم يكتب عليه شئ، وإن مضت سبع ساعات ولم يتبعها بحسنة وإستغفار، قال صاحب الحسنات لصاحب السيئات: اكتب على الشقي المحروم. وفي المجمع، والعياشي: عنه عليه السلام إعلم أنه ليس شئ أضر عافية ولا أسرع ندامة من الخطيئة، وإنه ليس شئ أشد طلبا ولا أسرع دركا للخطيئة من الحسنة، أما إنها لتدرك الذنب العظيم القديم المنسي عند صاحبه فتحطه وتسقطه وتذهب به بعد إثباته، وذلك قوله سبحانه: (إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين). وعن أحدهما: عليهما السلام أن عليا عليه السلام قال: سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ارجى آية في كتاب الله (أقم الصلوة طرفي النهار) وقرأ الآية كلها، وقال: يا علي والذي بعثني بالحق بشيرا ونذيرا إن أحدكم ليقوم إلى وضوئه فتساقط من جوارحه الذنوب فإذا استقبل الله بقلبه ووجهه لم ينفتل وعليه من ذنوبه شئ كما ولدته أمه، فإن أصاب شيئا بين الصلوتين كان له مثل ذلك حتى عد الصلوات الخمس. ثم قال: يا علي إنما مثل الصلوات الخمس لامتي كنهر جار على باب أحدهم فما يظن أحدهم إذا كان في جسده درن ثم اغتسل في ذلك النهر خمس مرات أكان يبقي في جسده درن فكذلك والله الصلوات الخمس لامتي. ذلك: قيل: إشارة إلى قوله (فاستقم) وما بعده. ذكرى للذاكرين: عظة للمتعظين. (115) واصبر: على الطاعات وعن المنهيات. فإن الله لا يضيع أجر المحسنين: عدل عن المضمر ليكون كالبرهان على المقصود. (116) فلولا كان: فهلا كان. من القرون من قبلكم أولوا بقية: من الرأي والعقل

[ 477 ]

والفضل وإنما سمى بقية لأن الرجل يستبقي لنفسه أفضل ما يخرجه، ومنه يقال: فلان من بقية القوم أي من خيارهم. وقولهم: في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا. ينهون عن الفساد في الاءرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم: لكن قليلا منهم أنجيناهم لأنهم نهوا عن الفساد. واتبع الذين ظلموا مآ أترفوا فيه: ما أنعموا فيه من الشهوات أراد بالذين ظلموا تاركي النهي عن المنكرات أي اتبعوا ما عودوا من التنعم وطلب أسباب العيش الهنئ ورفضوا ما وراء ذلك. وكانوا مجرمين: كأنه أراد بيان سبب استيصال الامم السالفة وهو فشو الظلم فيهم، واتباعهم للهوى، وتركهم النهي عن المنكرات. (117) وما كان ربك ليهلك القرى بظلم منه لهم أو منهم لأنفسهم كشرك ومعصية. وأهلها مصلحون: فيما بينهم، في المجمع: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهلها مصلحون ينصف بعضهم من بعض. أقول: وذلك لفرط رحمته ومسامحته في حقوق نفسه دون حقوق عباده، ولذا قيل: الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم. (118) ولو شآء ربك لجعل الناس أمة واحدة: مسلمين كلهم، القمي: أي على مذهب واحد. ولا يزالون مختلفين: بعضهم إختار الحق وبعضهم إختار الباطل لا تكاد تحد إثنين يتفقان مطلقا. (119) إلا من رحم ربك: إلا أناسا هداهم الله ولطف بهم فاتفقوا على دين الحق. ولذلك خلقهم: قيل: إن كان ضمير (هم) للناس فالاشارة إلى الاختلاف واللام للعاقبة أو إلى الاختلاف والرحمة جميعا وإن كان الضمير لمن فالاشارة إلى الرحمة. في الكافي، والعياشي، والعلل: عن الصادق عليه السلام كانوا أمة واحدة فبعث الله النبيين ليتخذ عليهم الحجة. وفي التوحيد: عنه عليه السلام خلقهم فليفعلوا ما يستوجبون به رحمته فيرحمهم. وفي الكافي: عنه عليه السلام في هذه الآية الناس يختلفون في إصابة القول وكلهم هالك إلا من رحم ربك، وهم شيعتنا ولرحمته خلقهم وهو قوله: (فلذلك

[ 478 ]

خلقهم) يقول: لطاعة الامام. والقمي: عن الباقر عليه السلام قال: (ولا يزالون مختلفين) في الدين (إلا من رحم خلقهم) يقول: لطاعة الامام. والقمي: عن الباقر عليه السلام قال: (ولا يزالون مختلفين) في الدين (إلا من رحم ربك) يعني آل محمد صلوات الله عليهم وأتباعهم يقول الله: (ولذلك خلقهم) يعني أهل رحمة لا يختلفون في الدين. والعياشي: عن السجاد عليه السلام في قوله: (ولا يزالون مختلفين) عني بذلك من خالفنا من هذه الامة، وكلهم فخالف بعضهم بعضا في دينهم، وأما قوله: (إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) فأولئك أولياؤنا في المؤمنين، ولذلك خلقهم من الطينة الطيبة الحديث. وتمت كلمة ربك: وهي قوله. لاملأن جهنم من الجنة والناس: من عصاتهما. أجمعين: القمي: وهم الذين سبق الشقاء لهم فحق عليهم القول أنهم للنار خلقوا، وهم: (الذين حقت عليهم كلمت ربك أنهم لا يؤمنون). (120) وكلا نقص عليك من أنباء الرسل نخبرك به. ما نثبت به فؤادك: تنبيه على المقصود من الاقتصاص وهو زيادة يقينه، وطمأنينة قلبه، وثبات نفسه، على أداء الرسالة، واحتمال الاذى. وجاءك في هذه: الانباء المقتصة عليك. الحق: ما هو حق. وموعظة وذكرى للمؤمنين. (121) وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم: حالكم الذي أنتم عليه. إنا عاملون: على حالنا. القمي: أي نعاقبكم. (122) وانتظروا: بنا الدواير. إنا منتظرون: أي ينزل بكم نحو ما نزل على أمثالكم. (123) ولله غيب السموات والأرض: لا لغيره. وإليه يرجع الاءمر كله: لا إلى غيره، وقرئ بضم الياء. فاعبده وتوكل عليه: فإنه كافيك. وما ربك بغافل عما تعملون: أنت وهم فيجازي كلا بما يستحقه، وقرئ بالياء. في ثواب الاعمال: عن الباقر عليه السلام من قرأ سورة هود في كل جمعة بعثه الله عز وجل يوم القيامة في زمرة النبيين، ولم تعرف له خطيئة عملها يوم القيامة، والحمد لله




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 9843241

  • التاريخ : 16/05/2021 - 18:30

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net