00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة المائدة من آية 63 ـ آخر السورة 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : تفسير الصافي ( الجزء الثاني)   ||   تأليف : المولى محسن الملقب ب‍ " الفيض الكاشاني "

[ 49 ]

(63) لولا ينههم الربانيون والأحبار علماؤهم عن قولهم الإثم كالكذب وكلمة الشرك مثل عزير ابن الله وأكلهم السحت قيل لولا إذا دخل على الماضي أفاد التوبيخ وإذا دخل على المستقبل أفاد التخصيص لبئس ما كانوا يصنعون ذمهم بأبلغ من ذم مرتكبي الكباير لان كل عامل لا يسمى صانعا حتى يتمكن في عمله ويتمهر والوجه فيه أن ترك الحسنة أقبح من مواقعة المعصية لأن النفس تلتذ بالمعصية وتميل إليها ولا كذلك ترك الإنكار عليها وعن ابن عباس هي اشد آية في القرآن. وفي الكافي عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه في خطبة له إنما هلك من كان قبلكم حيثما عملوا من المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار عن ذلك وأنهم لما تمادوا في المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار عن ذلك نزلت بهم العقوبات فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر الحديث. وفي كلام آخر له (عليه السلام) في حديث رواه ابن شعبة في تحف العقول قال اعتبروا أيها الناس بما وعظ الله به أولياءه من سوء ثنائه على الأحبار يقول لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وقال لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل إلى قوله لبئس ما كانوا يفعلون وقد مضى أخبار اخر في ذلك في سورة آل عمران عند قوله تعالى ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير. (64) وقالت اليهود يد الله مغلولة غل (1) اليد كناية عن البخل وبسطها عن الجود. والقمي قال قالوا قد فرغ الله من الأمر لا يحدث الله غير ما قدره في التقدير الأول فرد الله عليهم فقال بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء أي يقدم ويؤخر ويزيد وينقص وله البداء والمشيئة. وفي التوحيد عن الصادق (عليه السلام) في هذه الاية لم يعنوا أنه هكذا ولكنهم قالوا قد فرغ الله من الأمر فلا يزيد ولا ينقص قال الله جل جلاله تكذيبا لقولهم غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ألم تسمع الله تعالى يقول يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتب.

____________________________

(1) غل فلانا من باب منع ادخل عليه الغل وهو معروف والمصدر غل بفتح الفاء أو غلول كقعود. 

[ 50 ]

وفي العيون عن الرضا (عليه السلام) في كلام له في إثبات البداء مع سليمان المروزي وقد كان ينكره فقال احسبك ضاهيت اليهود في هذا الباب قال أعوذ بالله من ذلك وما قالت اليهود قال قالت اليهود يد الله مغلولة يعنون إن الله قد فرغ من الأمر فليس يحدث شيئا الحديث. والعياشي عن الصادق (عليه السلام) يعنون أنه قد فرغ مما هو كان غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا دعاء عليهم بل يداه مبسوطتان تثنية (1) اليد إشارة إلى تقابل أسمائه سبحانه وكناية عن غاية الجود فإن الجواد في الغاية إنما يعطي بيديه جميعا ينفق كيف يشاء على ما تقتضيه الحكمة والصلاح وليزيدن كثيرا منهم مآ انزل إليك من ربك طغيانا وكفرا على طغيانهم وكفرهم كما يزداد المريض مرضا من تناول غذاء الأصحاء وألقينا بينهم العدوة والبغضاء إلى يوم القيمة فكلماتهم مختلفة و قلوبهم شتى فلا يقع بينهم موافقة (2) كلما أوقدوا نارا للحرب أطفاها الله كلما أرادوا محاربة غلبوا قيل كانوا في أشد بأس وأمنع دار حتى أن قريشا كانت تعتضد بهم وكان الأوس والخزرج تتكثر بمظاهرتهم فذلوا وقهروا وقتل النبي بني قريظة واجلي بني النضير وغلب على خيبر وفدك واستأصل الله شأفتهم (3) حتى إن اليوم تجد اليهود في كل بلدة أذل الناس ويسعون في الأرض فسادا للفساد بمخالفة أمر الله والإجتهاد في محو ذكر الرسول من كتبهم قيل لما خالفوا حكم التوراة سلط الله عليهم بخت نصر ثم افسدوا فسلط الله عليهم فطرس الرومي ثم افسدوا فسلط الله عليهم المجوس ثم افسدوا فسلط الله عليهم

____________________________

(1) ويمكن أن يكون المراد النعمة ويكون الوجه في تثنية النعمة انه أراد نعم الدنيا ونعم الآخرة لان الكل وان كانت نعم الله فمن حيث اخص كل منهما بصفة تخالف صفة الآخر كأنهما جنسان ويمكن ان يكون تثنية النعمة انه اريد بهما النعم الظاهرة والباطنة كما قال الله واسبع عليهم نعمه ظاهرة وباطنة وقيل ان المراد باليد القوة والقدرة عن الحسن ومعناه قوتاه بالثواب والعقاب مبسوطتان بخلاف قول اليهود ان يده مقبوضة عن عذابنا.

 (2) وفي هذا دلالة معجزة لان الله أخبرهم فوافق خبره المخبر فقد كانت اليقود أشد اهل الحجاز بأسا وامنعهم دارا الى آخر ما ذكره في مجمع البيان واورد خلاصته في هذا الكتاب.

 (3) الشأفة قرحة تخرج في أصل القدم فيكوى فتذهب وإذا قطعت مات صاحبها والأصل واستأصل الله شأفته اذهبه كما تذهب تلك القرحة أو معناه ازاله من اصله. 

[ 51 ]

المسلمين والله لا يحب المفسدين فلا يجازيهم إلا شرا. (65) ولو أن أهل الكتاب آمنوا بمحمد (صلى الله عليه وآله) وبما جاء به واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم التي فعلوها ولم يؤاخذهم بها ولادخلناهم جنت النعيم فإن الإسلام يجب ما قبله وإن جل. (66) ولو أنهم أقاموا التورية والإنجيل بإذاعة ما فيهما والقيام بأحكامهما وما أنزل إليهم من ربهم. في الكافي والعياشي عن الباقر (عليه السلام) يعني الولاية لاكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم لوسع عليهم أرزاقهم وافيض عليهم بركات من السماء والأرض القمي قال من فوقهم المطر ومن تحت أرجلهم النبات منهم امة مقتصدة قد دخلوا في الإسلام القمي قوم من اليهود دخلوا في الإسلام فسماهم الله مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون وفيه معنى التعجب أي ما اسوء عملهم وهم الذين أقاموا على الجحود والكفر. (67) يا أيها الرسول بلغ مآ انزل إليك من ربك يعني في علي صلوات الله عليه فعنهم (عليهم السلام) كذا نزلت وإن لم تفعل فما بلغت رسالته (1) إن تركت تبليغ ما انزل إليك في ولاية علي (عليه السلام) وكتمته كنت كأنك لم تبلغ شيئا من رسالات ربك في استحقاق العقوبة وقرء رسالته على التوحيد والله يعصمك من الناس يمنعك من أن ينالوك بسوء إن الله لا يهدى القوم الكافرين في الجوامع عن ابن عباس وجابر بن عبد الله رضى الله عنه إن الله تعالى أمر نبيه (صلى الله عليه وآله) ان ينصب عليا عليه الصلاة والسلام للناس ويخبرهم بولايته فتخوف أن يقولوا حامى ابن عمه وأن يشق ذلك على جماعة من أصحابه فنزلت هذه الاية فأخذ بيده يوم غدير خم وقال (صلى الله عليه وآله) من كنت مولاه فعلي مولاه. وقرء العياشي عنهما (عليهما السلام) ما في معناه.

____________________________

(1) يعني ان لم تنص بولاية علي فيضيع امر التوحيد ولا يخلص ايمان الله وفي بعض القرءات الشاذة فما بلغت رسالاته بصيغة الجمع. 

[ 52 ]

ورواه في المجمع عن الثلعبي والحسكاني وغيرهما من العامة وفي الكافي عن الباقر (عليه السلام) في حديث ثم نزلت الولاية وإنما أتاه ذلك يوم الجمعة بعرفة أنزل الله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي وكان كمال الدين بولاية علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه فقال عند ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) امتي حديثوا عهد بالجاهلية ومتى اخبرتهم بهذا في ابن عمي يقول قائل ويقول قائل فقلت في نفسي من غير أن ينطق به لساني فأتتني عزيمة من الله بتلة (1) أوعدني ان لم ابلغ أن يعذبني فنزلت (يا أيها الرسول بلغ) الاية فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيد علي (عليه السلام) فقال أيها الناس إنه لم يكن نبي من الأنبياء ممن كان قبلي إلا وقد كان عمره الله ثم دعاه فأجابه فاوشك أن ادعى فأجيب وأنا مسؤولون فماذا أنتم قائلون ؟ فقالوا نشهد انك قد بلغت ونصحت وأديت ما عليك فجزاك الله أفضل جزاء المرسلين. فقال اللهم اشهد ثلاث مرات ثم قال: يا معشر المسلمين هذا وليكم من بعدي فليبلغ الشاهد منكم الغائب قال أبو جعفر (عليه السلام) كان والله أمين الله على خلقه وغيبه ودينه الذي ارتضاه لنفسه. وعنه (عليه السلام) أمر الله عز وجل رسوله بولاية علي (عليهما السلام) وانزل عليكم إنما وليكم الله ورسوله الاية وفرض ولاية اولي الأمر فلم يدروا ما هي فأمر الله محمدا (صلى الله عليه وآله) أن يفسر لهم الولاية كما فسر لهم الصلاة والزكاة والصوم والحج فلما أتاه ذلك من الله ضاق بذلك صدر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتخوف أن يرتدوا عن دينهم وأن يكذبوه فضاق صدره وراجع ربه عز وجل فأوحى الله تعالى إليه يا أيها الرسول الاية وصدع بأمر الله تعالى ذكره فقام بولاية علي (عليه السلام) يوم غدير

____________________________

(1) يقال بتلت الشئ أبتله بالكسر إذا قطعته وأبنته من غيره ومنه قوله طلقها بتة بتلة ومنه حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) في خبر النص فانتني عزيمة من الله بتلة أو عدني ان لم أبلغ ان يعذبني. 

[ 53 ]

خم فنادى الصلاة جامعة وأمر الناس أن يبلغ الشاهد الغائب. (1) قال (عليه السلام) وكانت الفريضة تنزل بعد الفريضة الأخرى وكانت الولاية آخر الفرايض فأنزل الله عز وجل اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي قال يقول الله تعالى عز وجل لا انزل عليكم بعدها فريضة قد أكملت لكم الفرائض. وفي الإحتجاج عنه (عليه السلام) أنه قال قد حج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من المدينة وقد بلغ جميع الشرايع قومه غير الحج والولاية فأتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال له " يا محمد إن الله عز وجل يقرؤك السلام ويقول لك إني لم أقبض نبيا من أنبيائي ولا رسولا من رسلي إلا بعد إكمال ديني وتأكيد حجتي وقد بقى عليك من ذلك فريضتان مما يحتاج أن تبلغهما قومك فريضة الحج، وفريضة الولاية والخلافة من بعدك، فإني لم أخل أرضي من حجة ولن أخليها أبدا فإن الله يأمرك أن تبلغ قومك الحج تحج ويحج معك كل من استطاع إليه سبيلا من أهل الحضر والأطراف والأعراب وتعلمهم من حجهم مثل ما علمتهم من صلاتهم وزكوتهم وصيامهم وتوقفهم من ذلك على مثال الذي أوقفتهم عليه من جميع ما بلغتهم من الشرايع ". فنادى مناد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الناس ألا إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يريد الحج وأن يعلمكم من ذلك مثل الذي علمكم من شرايع دينكم ويوقفكم من ذلك على ما أوقفكم عليه من غيره فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) وخرج معه الناس وأصغوا إليه لينظروا ما يصنع فيصنعوا مثله فحج بهم وبلغ من حج مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أهل المدينة وأهل الأطراف والأعراب سبعين ألف إنسان أو يزيدون على نحو عدد أصحاب موسى سبعين ألفا الذين أخذ عليهم بيعة هارون فنكثوا واتبعوا العجل والسامري وكذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ البيعة لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) بالخلافة على عدد

____________________________

(1) قال الفيروز آبادي فاصدع بما تؤمر أي شق جماعاتهم بالتوحيد أو أجبر بالقرآن أو أجبر بالقرآن أو اظهر أو احكم بالحق والفصل بالأمر أو اقصد بما تؤمر أو أفرق به بين الحق والباطل وصدعه كمنعه شقه أو شقه نصفين أو شقه ولم يفترق وفلانا قصده لمكرمه وبالحق تكلم به جهارا وبالامر اصاب به موضعه وجاهر به انتهى. 

[ 54 ]

أصحاب موسى فنكثوا البيعة واتبعو العجل سنة بسنة ومثلا بمثل واتصلت التلبية ما بين مكة والمدينة. فلما وقف بالموقف أتاه جبرئيل عن الله تعالى فقال يا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إن الله تعالى يقرؤك السلام ويقول لك إنه قد دنا أجلك ومدتك وأنا مستقدمك على ما لا بد منه ولا عنه محيص فاعهد عهدك (1) وقدم وصيتك واعمد إلى ما عندك من العلم وميراث علوم الأنبياء من قبلك والسلاح والتابوت وجميع ما عندك من آيات الأنبياء فسلمها إلى وصيك وخليفتك من بعدك حجتي البالغة على خلقي علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأقمه للناس علما وجدد عهده وميثاقه وبيعته وذكرهم ما أخذت عليهم من بيعتي وميثاقي الذي واثقتهم به وعهدي الذي عهدت إليهم من ولاية ولي ومولاهم ومولى كل مؤمن ومؤمنة علي بن أبي طالب (عليه السلام) فإني لم أقبض نبيا من الأنبياء إلا من بعد إكمال ديني واتمام نعمتي بولاية أوليائي ومعاداة أعدائي وذلك كمال توحيدي وديني وإتمام نعمتي على خلقي باتباع ولي وطاعته وذلك أني لا أترك أرضي بلا قيم ليكون حجة لي على خلقي فاليوم أكملت لكم دينكم الاية بولاية ولي ومولى كل مؤمن ومؤمنة علي عبدي ووصي نبي والخليفة من بعده وحجتي البالغة على خلقي مقرون طاعته بطاعة محمد (صلى الله عليه وآله) نبي ومقرون طاعته مع طاعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بطاعتي من اطاعه فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني جعلته علما بيني وبين خلقي من عرفه كان مؤمنا ومن أنكره كان كافرا ومن أشرك بيعته كان مشركا ومن لقيني بولايته دخل الجنة ومن لقيني بعدواته دخل النار فأقم يا محمد عليا صلوات الله عليهما علما وخذ عليهم البيعة وجدد عليهم عهدي وميثاقي الذي واثقتهم عليه فإني قابضك إلي ومستقدمك علي. فخشي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قومه وأهل النفاق والشقاق أن يتفرقوا ويرجعوا جاهلية لما عرف من عدواتهم ولما تنطوي عليه أنفسهم لعلي (عليه السلام) من

____________________________

(1) فاعهد عهدك أي أوص وصيتك واستعمال العهد في الوصية والعكس فوق حد الأحصاء في الآيات والأخبار وغيرهما كقوله تعالى وعهدنا الى آدم وعهدنا الى ابراهيم وغير ذالك. 

[ 55 ]

البغضة (1) وسأل جبرئيل (عليه السلام) أن يسأل ربه العصمة من الناس وانتظر أن يأتيه جبرئيل بالعصمة من الناس من الله جل اسمه فأخر ذلك إلى أن بلغ مسجد الخيف (2) فأتاه جبرئيل في مسجد الخيف فأمره أن يعهد عهده ويقيم عليا صلوات الله عليه علما للناس ولم يأته بالعصمة من الله جل جلاله الذي أراد حتى أتى كراع الغميم بين مكة والمدينة فأتاه جبرئيل (عليه السلام) وأمره بالذي أتاه به من قبل الله ولم يأته بالعصمة من الله جل جلاله الذي أراد فقال يا جبرئيل إني أخشى قومي أن يكذبوني ولا يقبلوا قولي في علي (عليه السلام) فرحل فلما بلغ غدير خم قبل الجحفة بثلاثة أميال أتاه جبرئيل على خمس ساعات مضت من النهار بالزجر والإنتهار (3) والعصمة من الناس فقال يا محمد إن الله تعالى يقرؤك السلام ويقول لك " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك في علي صلوات الله وسلامه عليه وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس وكان أوايلهم قربت من الجحفة (4) فأمره بأن يرد من تقدم منهم ويحبس من تأخر عنهم في ذلك المكان ليقيم عليا (عليه السلام) للناس ويبلغهم ما أنزل الله تعالى في علي (عليه السلام) وأخبره بأن الله عز وجل قد عصمه من الناس. فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما جاءته العصمة مناديا ينادي في الناس بالصلوة جامعة ويرد من تقدم منهم ويحبس من تأخر فتنحى عن يمين الطريق إلى جنب مسجد الغدير وأمره بذلك جبرئيل عن الله عز وجل وفي الموضع سلمات (5) فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقم (6) ما تحتهن وينصب له أحجار كهيئة المنبر

____________________________

(1) البغض بالضم ضد الحب والبغضة بالكسر والبغضاء شدته.

(2) الخيف ما انحدر من غلظ الجبل وارتفع عن مسيل ومنه سمى مسجد الخيف بمنى لانه بني في خيف الجبل والأصل مسجد خيف منى فخفف بالحذف.

 3 - نهره وانتهره أي زبره وزجره.

 (4) الجحفة بضم الجيم هي مكان بين مكة والمدينة محاذية لذى اخليفة من الجانب الشامي قريب من رابغ بين بدر وخليص.

 5 - السلمة كفرحة الحجارة ج ككتاب.

 (6) قم البيت قما من باب قتل كنسه. قوله تعالى فحشرناهم فلم نغادر منهم احدا أي لم نبق منهم أحدا ومنه سمى الغدير لانه ماء يغادره السيول أي تخلفه فعيل بمعنى مفعول أو فعيل بمعنى فاغل لانه يغدر بأهله أي ينقطع عند شدة الحاجة إليه ومنع الدعاء اللهم من نعمك وهي اجل من ان تغادر أي تنقطع وغدير خم موضع بالجحفة شديد الوباء قال الأصمعي لم يولد بغدير خم أحد فعاش الى أن ينجو منه ويوم الغدير هو يوم الثامن عشر من ذي الحجة وهو اليوم الذي نصب رسول الله (صلى الله عليه آله وسلم) عليا (عليه السلام) خليفة بحضرة الجمع الكثير من الناس جيث قال من كنت مولاه فعلي مولاه قال الغزالي = 

[ 56 ]

ليشرف على الناس فتراجع الناس واحتبس أواخرهم في ذلك المقام كان لا يزالون فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فوق تلك الأحجار ثم حمد الله تعالى وأثنى عليه فقال (صلى الله عليه وآله وسلم). الحمد لله الذي علا في توحده ودنا في تفرده وجل في سلطانته وعظم في أركانه وأحاط بكل شئ علما وهو في مكانه وقهر جميع الخلق بقدرته وبرهانه مجيدا لم يزل محمودا لا يزال بارئ المسموكات وداحي المدحوات وجبار الأرضين والسموات سبوح قدوس رب الملائكة والروح متفضل على جميع من براه متطول على جميع من أنشأه يلحظ كل عين والعيون لا تراه كريم حليم ذو أناة قد وسع كل شئ برحمته ومن عليهم بنعمته لا يعجل بانتقامه ولا يبادر إليهم بما استحقوا من عذابه قد فهم السرائر وعلم الضمائر ولم تخفى عليه المكنونات ولا اشتبهت عليه الخفيات له الإحاطة بكل شئ والغلبة على كل شئ والقوة في كل شئ والقدرة على كل شئ ليس مثله شئ وهو منشئ الشئ حين لا شئ دائم قائم بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم جل عن أن تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير لا يلحق أحد وصفه من معاينة ولا يجد أحد كيف هو من سر وعلانية إلا بما دل عز وجل على نفسه وأشهد بأنه الله الذي ملا الدهر قدسه والذي يغشى الأبد نوره والذي ينفذ أمره بلا مشاورة مشير ولا معه شريك في تقدير ولا تفاوت في تدبير صور ما أبدع على غير مثال وخلق ما خلق بلا معونة من أحد ولا تكلف ولا احتيال أنشاها فكانت وبرأها فبانت فهو الله الذي لا إله إلا هو المتقن الصنعة

____________________________

= وهو من أكابر علماء القوم في كتابه المسمى بسر العالمين ما هذا لفظه قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلى يو م الغدير من كنت مولاه فعلي مولاه فقال عمر بن الخطاب بخ بخ لك يا أبا الحسن لقد اصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة ثم قال وهذا رضى وتسليم وولاية وتحكيم ثم بعد ذالك غلب الهوى وحب الرياسة وعقود البنود وخفقان الرايات وازدحام الخيول وفتح الأمصار والأمر والنهى فحملتهم على الخلاف فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون الى ان قال ثم أن أبا بكر قال على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اقيلوني فلست بخيركم وعلي فيكم أفقال ذلك هزوا وجدا أو امتحانا فان كان هزوا فالخلفاء لا يليق بهم الهزل ثم قال والعجب من منازعة معاوية بن أبي سفيان عليا في الخلافة وأين أليس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قطع طمع من طمع فيها بقوله إذا ولى الخليفتان فاقتلوا الأخير منهما والعجب من حق واحد كيف ينقسم بين اثنين والخلافة ليست بجسم ولا عرض فتتجزى انتهى كلامه وفيه دلالة على انحرافه عما كان عليه والله أعلم. 

[ 57 ]

الحسن الصنيعة العدل الذي لا يجور والأكرم الذي ترجع إليه الامور وأشهد أنه الذي تواضع كل شئ لقدرته وخضع كل شئ لهيبته مالك الأملاك ومفلك الأفلاك ومسخر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل يطلبه حثيثا قاصم كل جبار عنيد ومهلك كل شيطان مريد لم يكن معه ضد ولا ند أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد إله واحد ورب ماجد يشاء فيمضي ويريد فيقضي ويعلم ويحصي ويميت ويحيي ويفقر ويغني ويضحك ويبكي ويدني ويقصي ويمنع ويعطي له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شئ قدير يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل لا إله إلا هو العزيز الغفار مستجيب الدعاء ومجزل العطاء محصي الأنفاس ورب الجنة والناس لا يشكل عليه شئ ولا يضجره صراخ المستصرخين ولا يبرمه إلحاح الملحين العاصم للصالحين والموفق للمفلحين ومولى العالمين الذي استحق من كل من خلق أن يشكره ويحمده على السراء والضراء والشدة والرخاء واومن به وبملائكته وكتبه ورسله أسمع أمره واطيع وأبادر إلى كل ما يرضاه واستسلم لقضائه رغبة في طاعته وخوفا من عقوبته لانه الذي لا يؤمن مكره ولا يخاف جوره أقر على نفسي بالعبودية وأشهد له بالربوبية وأؤدي ما أوحى إلي حذرا من أن لا أفعل فيحل بي منه قارعة لا يدفعها عني أحد وإن عظمت حيلته لا إله إلا هو لانه قد أعلمني أني إن لم ابلغ ما أنزل إلى فما بلغت رسالته فقد ضمن لي تبارك وتعالى العصمة وهو الله الكافي الكريم فأوحى الله إلي بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك في على صلوات الله وسلامه عليه وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس معاشر الناس ما قصرت في تبليغ ما أنزله إلى وأنا مبين لكم سبب هذه الآية إن جبرئيل هبط إلي مرارا يأمرني عن السلام ربي وهو السلام أن أقوم في هذا المشهد فاعلم كل أبيض وأسود أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أخي ووصيي وخليفتي والإمام من بعدي الذي محله مني محل هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي وهو وليكم بعد الله ورسوله وقد

[ 58 ]

أنزل الله تبارك وتعالى علي بذلك آية من كتابه إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم راكعون وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) أقام الصلوة وآتى الزكوة وهو راكع يريد الله عز وجل في كل حال وسألت جبرئيل (عليه السلام) أن يستعفي لي عن تبليغ ذلك إليكم أيها الناس لعلمي بقلة المتقين وكثرة المنافقين وإدغال (1) الآثمين وختل (2) المستهزئين بالاسلام الذين وصفهم الله تعالى في كتابه بأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ويحسبونه هينا وهو عند الله عظيم وكثرة اذاهم لي غير مرة حتى سموني اذنا وزعموا أني كذلك لكثرة ملازمته إياه وإقبالي عليه حتى أنزل الله عز وجل في ذلك ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو اذن قل اذن على الذين يزعمون أنه اذن خير لكم الآية ولو شئت أن أسمي بأسمائهم لسميت وأن اومي إليهم بأعيانهم لاومأت وأن أدل عليهم لدللت ولكني والله في امورهم قد تكرمت وكل ذلك لا يرضى الله مني إلا أن أبلغ ما أنزل إلي ثم تلا يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك في على وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس علموا معاشر الناس أن الله قد نصبه لكم وليا وإماما مفترضا طاعته على المهاجرين والأنصار وعلى التابعين لهم بإحسان وعلى البادي والحاضر وعلى الأعجمي والعربي والحر والمملوك والصغير والكبير وعلى الأبيض والأسود وعلى كل موحد ماض حكمه جايز قوله نافذ أمره ملعون من خالفه مرحوم من تبعه ومن صدقه فقد غفر الله له ولمن سمع منه وأطاع له معاشر الناس إنه آخر مقام أقومه في هذا المشهد فاسمعوا وأطيعوا وانقادوا لامر ربكم فإن الله عز وجل هو ربكم ووليكم وإلهكم ثم من بعدي علي صلوات الله وسلامه عليه

____________________________

(1) الدغلى محركة دخل في الأمر مفسد والشجر الكبير الملتف واشتباك النبت وكثرته والموضع يخاف فيه الاغتيال ج ادغال ودغال ومكان دغل ككتف.

 (2) يقال ختله يختله إذا خدعه وراوغه والمخاتلة المخادعة. 

[ 59 ]

وليكم وإمامكم بأمر الله ربكم ثم الإمامة في ذريتي من ولده إلى يوم القيامة يوم يلقون الله ورسوله لا حلال إلا ما أحله الله ولا حرام إلا ما حرمه الله عرفني الحلال والحرام وأنا أفضيت (1) بما علمني ربي من كتابه حلاله وحرامه إليه معاشر الناس ما من علم إلا وقد أحصاه الله في وكل علم علمته فقد أحصيته في علي إمام المتقين وما من علم إلا وقد علمته عليا وهو الإمام المبين معاشر الناس لا تضلوا عنه ولا تنفروا منه ولا تستنكفوا من ولايته فهو الذي يهدي إلى الحق ويعمل به ويزهق الباطل وينهى عنه ولا تأخذه في الله لومة لائم ثم إنه أول من آمن بالله ورسوله والذي فدى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنفسه والذي كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا أحد يعبد الله مع رسوله من الرجال غيره معاشر الناس فضلوه فقد فضله الله واقبلوه فقد نصبه الله معاشر الناس إنه إمام من الله ولن يتوب الله على أحد أنكر ولايته ولن يغفر الله له حتما على الله أن يفعل ذلك ممن خالف أمره فيه وأن يعذبه عذابا نكرا أبد الآباد ودهر الدهور فاحذروا أن تخالفوه فتصلوا نارا وقودها الناس والحجارة اعدت للكافرين أيها الناس بي والله بشر الأولون من النبيين والمرسلين وأنا خاتم الأنبياء والمرسلين والحجة على جميع المخلوقين من أهل السماوات والأرضين فمن شك في ذلك فهو كافر كفر الجاهلية الاولى ومن شك في شئ من قولي هذا فقد شك في الكل منه والشاك في الكل فله النار معاشر الناس حباني (2) الله بهذه الفضيلة منا منه علي وإحسانا منه إلى ولا إله إلا هو له الحمد مني أبد الآبدين ودهر الداهرين على كل حال، معاشر الناس فضلوا عليا فإنه أفضل الناس بعدي من ذكر وأنثى بنا أنزل الله الرزق وبقى الخلق ملعون ملعون مغضوب مغضوب من رد قولي هذا وإن لم يوافقه ألا إن جبرئيل خبرني عن الله تعالى بذلك ويقول من عادى عليا ولم يتوله فعليه لعنتي وغضبي فلتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله أن تخالفوه فتزل قدم

____________________________

(1) يقال أفضيت بكذا إلى فلان أي أوسلته إليه ومسته به.

 (2) يقال حبوت الرجل حباء بالكسر والمد أعطيته الشئ بغير عوض والاسم منه الحبوة بالضم ومنه بيع المحاباة. 

[ 60 ]

بعد ثبوتها إن الله خبير بما تعملون معاشر الناس إنه جنب الله نزل في كتابه يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله معاشر الناس تدبروا القرآن وافهموا آياته وانظروا إلى محكماته ولا تتبعوا متشابهاته فو الله لن يبين لكم زواجره ولا يوضح لكم تفسيره إلا الذي أنا آخذ بيده ومصعده إلي وشائل (1) بعضده ومعلمكم أن من كنت مولاه فهذا علي مولاه وهو علي بن أبي طالب (عليه السلام) أخي ووصيي وموالاته من الله عز وجل أنزلها على معاشر الناس إن عليا والطيبين من ولدي صلوات الله عليهم أجمعين هم الثقل الأصغر والقرآن هو الثقل الأكبر فكل واحد منبئ عن صاحبه وموافق له لن يفترقا حتى يردا علي الحوض أمناء الله في خلقه وحكامه في أرضه ألا وقد بلغت ألا وقد أسمعت ألا وقد أوضحت ألا وإن الله عز وجل قال وأنا قلت عن الله عز وجل ألا إنه ليس أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه غير أخي هذا ولا تحل إمرة المؤمنين لاحد غيره ثم ضرب بيده إلى عضده فرفعه وكان منذ أول ما صعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) شال عليا حتى صارت رجليه مع ركبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم قال معاشر الناس هذا علي أخي ووصيي وواعي علمي وخليفتي على امتي وعلى تفسير كتاب الله والداعي إليه والعامل بما يريضاه والمحارب لاعدائه والموالي على طاعته والناهي عن معصيته خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين والإمام الهادي وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين بأمر الله أقول ما يبدل القول لدي بأمر الله ربي أقول اللهم وال من والاه وعاد من عاداه والعن من أنكره واغضب على من جحد حقه اللهم إنك أنزلت علي أن الإمامة لعلي وليك عند تبياني ذلك ونصبي إياه بما أكملت لعبادك من دينهم وأتممت عليهم نعمتك ورضيت لهم الإسلام دينا فقلت ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الاخرة من الخاسرين اللهم إني اشهدك أني قد بلغت معاشر الناس إنما الله عز وجل أكمل دينكم بإمامته فمن لم يأتم به وبمن يقوم مقامه من ولدي من صلبه إلى يوم

____________________________

(1) شلت بالجرة أشول بها شولا رفعتها ولا تقل شلت ويقال أيضا اشلت الجرة فانشالت هي. 

[ 61 ]

القيامة والعرض على الله عز وجل فأولئك الذين حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون لا يخفف الله عنهم العذاب ولا هم ينظرون. معاشر الناس هذا علي أنصركم لي وأحقكم بي وأقربكم إلي وأعزكم علي والله عز وجل وأنا عنه راضيان وما نزلت آية رضى إلا فيه وماخاطب الله الذين آمنوا إلا بدأ به ولا نزلت آية مدح في القرآن إلا فيه ولا شهد الله بالجنة في هل أتى على الإنسان إلا له ولا أنزلها في سواه ولا مدح بها غيره. معاشر الناس هو ناصر دين الله والمجادل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو التقي النقي الهادي المهدي نبيكم خير نبي ووصيكم خير وصي وبنوه خير الأوصياء. معاشر الناس ذرية كل نبي من صلبه وذريتي من صلب علي صلوات الله عليهم أجمعين معاشر الناس إن إبليس أخرج آدم (عليه السلام) من الجنة بالحسد فلا تحسدوه فتحبط أعمالكم وتزل أقدامكم فإن آدم أهبط إلى الأرض بخطيئة واحدة وهو صفوة الله عز وجل فكيف بكم وأنتم أنتم ومنكم أعداء الله ألا إنه لا يبغض عليا إلا شقي ولا يتولى عليا إلا تقي ولا يؤمن به إلا مؤمن مخلص وفي علي والله أنزل سورة العصر بسم الله الرحمن الرحيم والعصر إلى آخره. معاشر الناس قد استشهدت الله وبلغتكم رسالتي وما على الرسول إلا البلاغ المبين معاشر الناس اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون معاشر الناس آمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزل معه من قبل أن نطمس وجوها فنرد على أدبارها معاشر الناس النور من الله عز وجل في ثم مسلوك في علي ثم في النسل منه إلى القائم المهدي صلوات الله وسلامه عليه الذي يأخذ بحق الله وبكل حق هو لنا لان الله عز وجل قد جعلنا حجة على المقصرين والمعاندين والمخالفين والخائنين والآثمين والظالمين من جميع العالمين. معاشر الناس إني أنذركم أني رسول الله إليكم قد خلت من قبلي الرسل أفإن مت أو قتلت إنقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا

[ 62 ]

وسيجزي الله الشاكرين ألا وإن عليا (عليه السلام) الموصوف بالصبر والشكر ثم من بعده ولدي من صلبه معاشر الناس لا تمنوا على الله تعالى إسلامكم فيسخط عليكم ويصيبكم بعذاب من عنده إنه لبالمرصاد معاشر الناس سيكون من بعدي أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون معاشر الناس إن الله وأنا بريئان منهم. معاشر الناس إنهم وأشياعهم وأتباعهم وأنصارهم في الدرك الأسفل من النار لبس مثوى المتكبرين ألا إنهم (1) أصحاب الصحيفة فلينظر أحدكم في صحيفته قال فذهب على الناس إلا شرذمة منهم أمر الصحيفة معاشر الناس إني أدعها إمانة ووراثة في عقبي إلى يوم القيامة وقد بلغت ما أمرت بتبليغه حجة على كل حاضر وغائب وعلى كل أحد ممن شهد أو لم يشهد ولد أو لم يولد فليبلغ الحاضر الغآئب والوالد الولد إلى يوم القيامة وسيجعلونها ملكا اغتصابا ألا لعن الله الغاصبين والمغتصبين وعندها سنفرغ لكم أيها الثقلان ويرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران معاشر الناس إن الله عز وجل لم يكن يذركم على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب معاشر الناس إنه ما من قرية إلا والله مهلكها بتكذيبها وكذلك يهلك القرى وهي ظالمة كما ذكر الله تعالى وهو إمامكم ووليكم وهو مواعيد الله والله يصدق ما وعده معاشر

____________________________

(1) قوله (صلى الله عليه وآله) الا انهم اصحاب الصحيفة أي أئمة النار الغاصبين لحق علي (عليه السلام) فلينظر أحدكم... أي فلينظر بعض منكم في صحيفة التي صنعها وحفظها عنده فيعرف نفسه انه من أئمة النار واصحابها ويعرف شركاءه في هذا الأمر انهم بأسرهم من رؤساء اهل النار وقضية الصحيفة معروفة مشهورة لا يناسب المقام التعرض لتفصيلها لطولها وماجمالها ان سبعين رجلا من رؤوس المعاندين واصول الكفر والنفاق منهم الأول والثانى لما عرفوا هذا الأمر من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ورغبته في علي (عليه السلام) قال وا في أنفسهم وبعضهم انا انما آمنا بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ظاهرا لجلب الرياسة ونظم أمر دنيانا والآن قد ترد الأمر على ابن عمه وقطع رجاءنا فما الحيلة ولاسيعنا طاعة علي (عليه السلام) فتوطئوا أو تحالفوا على دفع هذا الأمر وعلاجه ولو تقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى إذا دفعوا السم اليهما فدستا في اللبن واستقاه واجتمعوا في السقيفة وأوحى إليهم الشيطان وافسدوا ما افسدوا قال يعني الإمام محمد بن علي الباقر فذهب على الناس الا شرذمة منهم آه يعني ضاع واختفى عليهم أمر الصحيفة فلم يدروا ما في الصحيفة ولم يعرفوا اربابها فاغتروا بهم بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واما الشرذمة فهؤلاء المتحالفون وبعض خواص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذين اعلمهم النبي بفعل هؤلاء وما عقدوا عليه وما يريدون وسيركبونه في تخريب الدين وافساد أمور المسلمين. 

[ 63 ]

الناس قد ضل قبلكم أكثر الأولين والله لقد أهلك الأولين وهو مهلك الآخرين. معاشر الناس إن الله قد أمرني ونهاني وقد أمرت عليا ونهيته فعلم الأمر والنهي من ربه عز وجل فاسمعوا لامره تسلموا وأطيعوه تهتدوا وانتهوا لنهيه ترشدوا وصيروا إلى مراده ولا تتفرق بكم السبل عن سبيله أنا صراط الله المستقيم الذي أمركم باتباعه ثم علي من بعدي ثم ولدي من صلبه أئمة يهدون بالحق وبه يعدلون ثم قرأ الحمد لله رب العالمين إلى آخرها وقال في نزلت وفيهم نزلت ولهم عمت وإياهم خصت أولئك أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ألا إن حزب الله هم الغالبون ألا إن أعداء علي هم أهل الشقاق وهم العادون واخوان الشياطين الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ألا إن أوليآهم المؤمنون حقا الذين ذكرهم الله في كتابه فقال تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله إلى آخر الاية ألا إن أوليآءهم الذين وصفهم الله عز وجل فقال الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ألا إن أوليآءهم الذين يدخلون الجنة آمنين وتتلقاهم ؟ الملائكة بالتسليم إن طبتم فادخلوها خالدين ألا إن أوليآءهم الذين قال الله عز وجل يدخلون الجنة بغير حساب ألا إن أعدائهم الذين يصلون سعيرا ألا إن أعدائهم الذين يسمعون لجهنم شهيقا وهي تفور ولها زفير كلما دخلت أمة لعنت أختها الاية ألا إن أعدآءهم الذين قال الله عز وجل كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير الاية ألا إن أوليآءهم الذين يدخلون الجنة آمنين وتتلقهم الملائكة باتسليم ان طبتم فادخلوها خالدين ألا إن أولياء هم الذين قال الله عز وجل يدخلون الجنة بغير حساب ألا إن أعدائهم الذين يصلون سعيرا ألا إن أعدائهم الذين يسمعون لجهنم شهيقا وهي تفور ولها زفير كلما دخلت أمة لعنت أختها الآية ألا إن أعدائهم الذين يسمعون لجهنم شهيقا وهي تفور ولها زفير كلما دخلت أمة لعنت أختها الآية ألا إن أوليآءهم الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير معاشر الناس شتان ما بين السعير والجنة عدونا من ذمه الله ولعنه وولينا من أحبه الله ومدحه معاشر الناس ألا وإني منذر علي هاد معاشر الناس إني نبي وعلي وصيي ألا وإن خاتم الأئمة منا القائم المهدي صلوات الله وسلامه عليه ألا إنه الظاهر على الدين ألا إنه المنتقم من الظالمين ألا إنه فاتح الحصون وهادمها ألا إنه قاتل كل قبيلة من أهل الشرك ألا إنه مدرك كل ثار لاولياء الله عز وجل ألا إنه ناصر دين الله عز وجل ألا إنه

[ 64 ]

الغراف (1) من بحر عميق ألا إنه يسم (2) كل ذي فضل بفضله وكل ذي جهل بجهله ألا إنه خيرة الله ومختاره ألا إنه وارث كل علم والمحيط به ألا إنه المخبر عن ربه عز وجل المنبه بأمر إيمانه ألا إنه الرشيد السديد ألا إنه المفوض إليه ألا إنه قد بشر به من سلف بين يديه ألا إنه الباقي حجة ولا حجة بعده ولا حق إلا معه ولا نور إلا عنده ألا إنه لا غالب له ولا منصور عليه ألا إنه ولي الله في أرضه وحكمه في خلقه وأمينه في سره وعلانيته معاشر الناس قد بينت لكم وأفهمتكم وهذا علي يفهمكم ؟ بعدي ألا وإن عند انقضاء خطبتي أدعوكم إلى مصافقتي على بيعته والإقرار به ثم مصافقته من بعدي ألا وإني قد بايعت الله وعلي قد بايعني وأنا آخذكم بالبيعة له عن الله عز وجل ومن نكث فإنما ينكث على نفسه الاية معاشر الناس إن الحج والصفا والمروة والعمرة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر الاية. معاشر الناس حجوا البيت فما ورده أهل بيت إلا استغنوا ولا تخلفوا عنه إلا افتقروا معاشر الناس ما وقف بالموقف مؤمن إلا غفر الله له ما سلف من ذنبه إلى وقته ذلك فإذا انقضت حجته استأنف عمله معاشر الناس الحجاج معانون ونفقاتهم مخلفة والله لا يضيع أجر المحسنين. معاشر الناس حجوا البيت بكمال الدين والتفقه ولا تنصرفوا عن المشاهد إلا بتوبة واقلاع معاشر الناس أقيموا الصولة وآتوا الزكوة كما أمركم الله تعالى لئن طال عليكم الأمد فقصرتم أو نسيتم فعلي وليكم ومبين لكم الذي نصبه الله عز وجل بعدي ومن خلقه الله مني وأنا منه يخبركم بما تسألون عنه ويبين لكم ما لا تعلمون ألا إن الحلال والحرام أكثر من أن احصيهما واعرفهما فأمر بالحلال وأنهى عن الحرام في مقام (3) واحد فأمرت أن آخذ البيعة عليكم والصفقة لكم بقبول ما

____________________________

(1) الغراف كشداد نهر بين واسط والبصرة عليه كورة كبيرة وفرس البراء بن قيس ومن الأنهر الكثير الماء قاله الفيروز أبادي والمراد به هنا المعني الأخير أي هو النهر العظيم المنشق من عميق بحر الولاية.

 (2) قوله تعالى سنسمه على الخرطوم أي سنجعل له سمة أهل النار وهي أن سود وجهه وقوله انه يسم... يمكن ان يكون من هذا القبيل بأن يجعل سمة الفضل والجهل على اربابهما ووسمه وسما وسمة إذا اثر فيه بسمة وكي ووسمت في الشئ وسما من باب وعد علمية ومن هذين أيضا يناسب اخذه.

 3 - قوله في مقام واحد أي في مرتبة واحدة. 

[ 65 ]

جئت به عن الله تعالى في علي أمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمة من بعده صلوات الله عليهم أجمعين الذين هم مني ومنه أمة قائمة منهم المهدي صلوات الله عليه إلى يوم القيامة الذي يقضي بالحق معاشر الناس وكل حلال دللتكم عليه وكل حرام نهيتكم عنه فإني لم أرجع عن ذلك ولم أبدل ألا فاذكروا ذلك (1) واحفظوه وتواصوا به ولا تبدلوه ولا تغيروه ألا وإني أجدد القول ألا فأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ألا وإن رأس الأمر بالمعروف أن تنتهوا إلى قولي وتبلغوه من لم يحضره وتأمروه بقبوله وتنهوه عن مخالفته فإنه أمر من الله عز وجل ومني ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر إلا مع إمام معصوم معاشر الناس القرآن يعرفكم أن الأئمة (عليهم السلام) من بعده من ولده وعرفتكم أنهم مني ومنه حيث يقول الله وجعلها كلمة باقية في عقبه وقلت لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما معاشر الناس التقوى التقوى احذروا الساعة كما قال الله تعالى إن زلزلة الساعة شئ عظيم أذكروا الممات والحساب والموازين والمحاسبة بين يدي رب العالمين والثواب والعقاب فمن جاء بالحسنة اثيب ومن جاء بالسيئة فليس له في الجنان نصيب. معاشر الناس إنكم أكثر من أن تصافقوني بكف واحدة وأمرني الله أن آخذ من ألسنتكم الإقرار بما عقدت لعلي (عليه السلام) من إمرة المؤمنين ومن جاء بعده من الأئمة مني ومنه على ما أعلمتكم أن ذريتي من صلبه فقولوا بأجمعكم إنا سامعون مطيعون راضون منقادون لما بلغت عن ربنا وربك في أمر علي وأمر ولده من صلبه من الأئمة نبايعك على ذلك بقلوبنا وأنفسنا وألسنتنا وأيدينا على ذلك نحيى ونموت ونبعث ولا نغير ولا نبدل ولا نشك ولا نرتاب ولا نرجع عن عهد ولا ننقض الميثاق ونطيع الله ونطيعك وعليا أمير المؤمنين وولده الأئمة (عليهم السلام) الذين ذكرتهم من ذريتك من صلبه بعد الحسن والحسين (عليهما السلام) الذين قد عرفتكم مكانهما مني ومحلهما عندي ومنزلتهما من ربي فقد أديت ذلك

____________________________

(1) أي يوصي بعضكم إلى بعض. 

[ 66 ]

إليكم وإنهما سيدا شباب أهل الجنة وإنهما سيدا شباب أهل الجنة وأنهما الإمامان بعد أبيهما علي وأنا أبوهما قبله وقولوا أطعنا الله بذلك وإياك وعليا والحسن والحسين والأئمة صلوات الله عليهم الذين ذكرت عهدا وميثاقا مأخوذا لامير المؤمنين (عليه السلام) من قلوبنا وأنفسنا وألسنتنا ومصافقة أيدينا من أدركهما بيده وأقر بيده وأقربهما بلسانه لا نبتغي بذلك بدلا ولا نرى من أنفسنا عنه حولا أبدا أشهدنا الله وكفى بالله شهيدا وأنت به علينا شهيد وكل من أطاع ممن ظهر واستتر وملائكة الله وجنوده وعبيده والله أكبر من كل شهيد. معاشر الناس ما تقولون فإن الله يعلم كل صوت وخافية كل نفس فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ومن بايع فإنما يبايع الله يد الله فوق أيديهم معاشر الناس فاتقوا الله وبايعوا عليا صلوات الله عليه أمير المؤمنين والحسن والحسين والأئمة (عليهم السلام) كلمة باقية يهلك الله من غدر ويرحم الله من وفى ومن نكث فإنما ينكث على نفسه الاية. معاشر الناس قولوا الذي قلت لكم وسلموا على علي عليه الصلاة والسلام بأمرة المؤمنين وقولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير وقولو الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله معاشر الناس إن فضائل علي بن أبي طالب عند الله عز وجل وقد أنزلها على في القرآن أكثر من أن احصيها في مكان واحد فمن أنباكم بها وعرفها فصدقوه معاشر الناس من يطع الله ورسوله وعليا والأئمة الذين ذكرتم فقد فاز فوزا عظيما معاشر الناس السابقون إلى مبايعته وموالاته والتسليم عليه بإمرة أمير المؤمنين أولئك هم الفائزون في جنت النعيم معاشر الناس قولوا ما يرضى الله به عنكم من القول فإن تكفروا أنتم ومن في الارض جميعا فلن يضر الله شيئا اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات واغضب على الكافرين والحمد لله رب العالمين. فناداه القوم نعم سمعنا وأطعنا على أمر الله وأمر رسوله بقلوبنا وألسنتنا وأيدينا،

[ 67 ]

وتداكوا (1) على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى علي وصافقوا (2) بأيديهم فكان أول من صافق رسول الله الأول والثاني والثالث والرابع والخامس وباقي المهاجرين والأنصار وباقي الناس عن آخرهم على طبقاتهم وقدر منازلهم إلى أن صليت العشاء والعتمة في وقت واحد وواصلوا البيعة والمصافقة ثلاثا ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول كلما بايع قوم الحمد لله الذي فضلنا على جميع العالمين وصارت المصافقة سنة ورسما يستعملها من ليس له حق فيها. والقمي قال: نزلت هذه الاية في منصرف رسول الله من حجة الوداع وحج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حجة الوداع لتمام عشر حجج من مقدمه المدينة وكان من قوله في خطبته بمنى أن أحمد لله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه عني فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا ثم قال هل تعلمون أي يوم أعظم حرمة. قال الناس هذا اليوم. قال فأي شهر. قال الناس هذا الشهر. قال: وأي بلد أعظم حرمة ؟ قالوا بلدنا هذا. قال فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا هل بلغت أيها الناس قالوا نعم. قال اللهم اشهد ثم قال ألا كل مأثرة (3) أو بدع كانت في الجاهلية أو دم أو مال فهو

____________________________

(1) تداك عليه الناي أي اجتمعوا.

 (2) يقال صفقت له بالبيعة صفقا أي ضربت بيدي على يده وكانت العرب إذا وجب البيع ضربت أحد هما يده على يد صاحبه ثم انتقلت الصفقة في العقد فقيل بارك الله لك في صفقة يدك.

 (3) المأثرة بضم الثاء المكرمة لانها تؤثر وتتحدث بها. 

[ 68 ]

تحت (1) قدمي هاتين ليس أحد أكرم من أحد إلا بالتقوى ألا هل بلغت ؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد ثم قال: ألا وكل ربا (2) كان في الجاهلية فهو موضوع وأول موضوع منه رباء العباس بن عبد المطلب ألا وكل دم كان في الجاهلية فهو موضوع وأول موضوع منه دم ربيعة الأهل بلغت قالوا نعم قال اللهم اشهد ثم قال ألا وإن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه ولكنه راض بما تحتقرون من أعمالكم ألا وإنه إذا اطيع فقد عبد ألا أيها الناس إن المسلم أخ المسلم حقا ولا يحل لامرئ مسلم دم امرء مسلم وماله إلا ما أعطاه بطيبة نفس منه وإني امرت أن اقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ألا فهل بلغت أيها الناس قالوا نعم قال اللهم اشهد ثم قال أيها الناس احفظوا قولي تنتفعوا به بعدي وافقهوه تنتعشوا (3) ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف على الدنيا فإن أنتم فعلتم ذلك ولتفعلن لتجدوني في كتيبة (4) بين جبرئيل وميكائيل أضرب وجوهكم بالسيف. ثم التفت عن يمينه وسكت ساعة ثم قال إن شاء الله أو علي بن أبي طالب ثم قال ألا وإني قد تركت فيكم أمرين إن أخذتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي صلوات الله عليهم فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ألا فمن اعتصم بهما فقد نجا ومن خالفهما فقد هلك ألا هل بلغت قالوا نعم قال اللهم اشهد ثم قال ألا وإنه سيرد علي الحوض منكم رجال يعرفون فيدفعون عني فأقول رب

____________________________

(1) قوله تحت قدمي أي مضمحل ومشف وموهون كالشئ الذي يقع تحت القدمين فانه ليس شئ أهون منه ونسبه الى نفسه لانه الذى أزال حرمته.

 (2) لما تعارف بينهم في الجاهلية أكل الربا وممن كان يكثر هده المعاملة العباس عمه أو كان ذمة كثير منهم مشغولة بالمنافع الربوبية للعباس بمقتضي المعاملات الصادرة منه معهم في الجاهلية وقد حرمها الله فحينئذ إذا سروا العباس ومن عليه النبي بالفداء شرط عليه بخصوصه وان كان من لوازم الإسلام أيضا ان لا يطالب بها ويقنع بالاصل ويترك الفرع فأشار (صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبته الى هذا الأمر وإلى هذا الأمر وإلى أنه لا خصوصية في هذا للعباس بل هو حكم عام للمسلمين.

 (3) وفي الدعاء أسألك نعمة تنعشني بها وعيالي أي ترفعني بها عن مواطن الذل من قولهم نعشه الله ينعشه نعشا رفعه.

 (4) الكتيبة على فعيلة الطائغة من الجيش والجمع الكتاب. 

[ 69 ]

أصحابي فيقال يا محمد إنهم قد أحدثوا بعدك وغيروا سنتك فأقول سحقا (1) سحقا فلما كان آخر يوم من أيام التشريق أنزل الله تعالى إذا جاء نصر الله والفتح فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) نعيت (2) إلى نفسي ثم نادى الصلوة جامعة في مسجد الخيف فاجتمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال نضر الله (3) امرء سمع مقالتي فوعاها وبلغها لمن لم يسمعها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم اخلاص العمل لله والنصيحة (4) لائمة المسلمين ولزوم جماعتهم فإن دعوته (5) محيطة من ورائهم المؤمنون إخوة تكافي دماءهم يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين. قالوا: يارسول الله وما الثقلان ؟ فقال كتاب الله وعترتي أهل بيتي فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض كاصبعي هاتين وجمع بين سبابتيه ولا أقول كهاتين وجمع بين سبابتيه والوسطى فتفضل هذه على هذه فاجتمع قوم من أصحابه وقالوا يريد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجعل الإمامة في أهل بيته فخرج منهم أربعة نفر إلى مكة ودخلوا الكعبة وتعاهدوا وتعاقدوا وكتبوا فيما بينهم كتابا إن أمات الله محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) أو قتله أن لا يرد هذا الأمر في أهل بيته أبدا فأنزل الله على نبيه في ذلك أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجويهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من مكة يريد المدينة حتى نزل منزلا يقال له

____________________________

(1) قوله تعالى فيحقا لاصحاب السعير أي بعدا يقال سحق المكان فهو سحيق مثل بعد فهو بعيد لفظا ومعنى.

 (2) يقال نعيت الميت. من باب نفع إذا اخبر بموته وهو منعي ونعى إليه نفسه أخبر بموته.

 (3) نضر وجه من باب قتل أي حسن ونضر الله وجهه يتعدى ولا يتعدى ويقال نضر الله وجهه بالتشديد وانضر الله وجهه بمعناه وفي الخبر نضر الله امرء سمع مقالتي... أي حسنه بالسرور والبهجة لما رزق بعلمه ومعرفته من القدر والمنزلة بين الناس ونعمة في الأخرى حتى يرى عليه ونق الرخاء ورفيق النعمة أي ثلث خصال لا يضيق منها أو معها.

 (4) أي ترك الغش وركوب الصفا والصدق واخلاص لطاعة.

 (5) أي دعوة الله وهي الموت محيطة من ورائهم أي محيطة بالناس بعد انقضاء اجالهم أي من كان عاقبة أمره الموت ينبغي أن لا يترك هذه الخصال الثلاث. 

[ 70 ]

غدير خم وقد علم الناس مناسكهم وأوعز (1) إليهم وصيته إذ أنزل الله عليه هذه الاية يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك الاية فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال تهديد ووعيد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس هل تعلمون من وليكم ؟ قالوا: نعم الله ورسوله. قال ألستم تعلمون أني أولى بكم منكم بأنفسكم ؟ قالوا: بلى قال: اللهم اشهد فأعاد ذلك عليهم ثلاثا كل ذلك يقول مثل قوله الأول ويقول الناس كذلك ويقول اللهم اشهد ثم أخذ بيد أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه فرفعه حتى بدا للناس بياض ابطيه ثم قال ألا من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأحب من أحبه ثم قال: اللهم اشهد عليهم وأنا من الشاهدين فاستفهمه عمر من بين أصحابه فقال: يارسول الله هذا من الله أو من رسوله ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نعم هذا من الله ومن رسوله إنه أمير المؤمنين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين يقعده الله يوم القيامة على الصراط فيدخل أولياءه الجنة وأعداءه النار فقال أصحابه الذين ارتدوا بعده قال محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في مسجد الخيف ما قال وقال هيهنا ما قال وإن رجع إلى المدينة يأخذنا بالبيعة له فاجتمع أربعة عشر نفرا وتوامروا على قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقعدوا له في العقبة وهي عقبة هرشي (2) بين جحفة والأيواء فقعدوا سبعة عن يمين العقبة وسبعة عن يسارها لينفروا ناقة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما جن عليه الليل تقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في تلك الليلة العسكر فأقبل ينعس على ناقته فلما دنا من العقبة ناداه جبرئيل يا محمد إن فلانا وفلانا قد قعدوا لك فنظر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال من هذا خلفي فقال حذيفة بن اليمان أنا حذيفة بن اليمان يا رسول الله قال قد سمعت ما سمعت قال بلى قال فاكتم ثم دنا رسول الله (صلى الله عليه

____________________________

(1) أو عزت إليه بكذا تقدمت وكذلك وعزت إليه توعيزا قال في ص وقد يخفف.

 (2) هرشى كسكرى ثنية قرب الجحفة. 

[ 71 ]

وآله وسلم) منهم فناداهم بأسمائهم فلما سمعوا نداء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مروا ودخلوا في غمار الناس وقد كانوا عقلوا رواحلهم فتركوها ولحق الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وطلبوهم وانتهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى رواحلهم فعرفها فلما نزل قال ما بال أقوام تحالفوا في الكعبة إن أمات الله محمدا أو قتله أن لا يردوا هذا الأمر في أهل بيته أبدا فجاؤوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فحلفوا أنهم لم يقولوا من ذلك شيئا ولم يريدوه ولم يهموا بشئ في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل الله يحلفون بالله ما قالوا أن لا يردوا هذا الأمر في أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا من قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وما نقموا إلا أن أغنهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا نعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولى ولا نصير فرجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة وبقى بها المحرم والنصف من صفر لا يشتكي شيئا ثم ابتدأ به الوجع الذي توفى فيه. وفي المجمع روي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما نزلت هذه الآية قال لحراس من أصحابه يحرسونه الحقوا بملاحقكم فإن الله عصمني من الناس. (68) قل يا أهل الكتاب لستم على شئ على دين يعتد به حتى يسمى شيئا لفساده وبطلانه حتى تقيموا التوراة والإنجيل بالتصديق بما فيها من البشارة بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والإذعان بحكمه وما أنزل إليكم من ربكم. العياشي عن الباقر (عليه السلام) هو ولاية أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين فلا تتأسف عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم فإن ضرر ذلك يرجع إليهم لا يتخطاهم وفي المؤمنين مندوحة لك عنهم. (69) إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن يعني منهم

[ 72 ]

بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون قد سبق تفسيرها في سورة البقرة. (70) لقد أخذنا ميثاق بنى إسرائيل بالتوحيد والنبوة والولاية وأرسلنا إليهم رسلا ليذكروهم وليبينوا لهم أمر دينهم ويقفوهم على الأوامر والنواهي كلما جائهم رسول بما لا تهوى أنفسهم من التكاليف فريقا كذبوا وفريقا يقتلون قيل حكى الحال الماضية استحضارا لها واستفظاعا لها واستفظاعا (1) للقتل وتنبيها على أن ذلك ديدنهم ماضيا ومستقبلا ومحافظة على رؤس الاي. (71) وحسبوا ألا تكون فتنة أن لا يصيبهم من الله بلاء وعذاب بقتل الأنبياء وتكذيبهم وقرء لا تكون بالرفع أي أنه لا يكون فعموا عن الدين وصموا عن استماع الحق ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كرة أخرى كثير منهم بدل من الضمير والله بصير بما يعملون في الكافي عن الصادق (عليه السلام) وحسبوا أن لا تكون فتنة قال حيث كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بين أظهرهم فعموا وصموا حيث قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم تاب الله عليهم حيث قام أمير المؤمنين (عليه السلام) ثم عموا وصموا إلى الساعة (2). (72) لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بنى إسرائيل اعبدوا الله ربى وربكم أي إني عبد مربوب لا فرق بيني وبينكم احتج الله تعالى عليهم بقوله إنه من يشرك بالله في عبادته أو فيما يختص به من صفاته وأفعاله فقد حرم الله عليه الجنة لانها دار الموحدين ومأويه النار لانها معدة للمشركين وما للظالمين

____________________________

(1) فظع الأمر ككرم فظاعة فهو فظيع اي شديد شنيع جاوز المقدار في ذلك كافظع وافظعه واستفطعه وجده فظيعام (2) لعل المراد بالساعة في هذه الرواية ساعة غلبة الحق بظهور القائم (عليه السلام) جمعا بينها وبين سائر الروايات فان غلبة الحق على الكفر في ثلاث دورات الأولى في زمان الرسول (صلى الله عليه وآله) بحيث انقطعن الغذر عن كل احد والثانية في زمان أمير المؤمنين (عليه السلام) والثالثة في زمان القائم (عليه السلام) فحسب اهل الكتاب في الأولين انهم لم يغتتنوا بما وعدوا في كتبهم فلم يؤمنوا حتى علب الحق وانقطع عذرهم اختفى ظهور الحق فعموا وصموا لكن في الثالثة يؤ منون به كما فسر سابقا قوله تعالى وان من اهل الكتاب الا ليؤمنن به قبل موته. 

[ 73 ]

من أنصار وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا على أن الشرك ظلم وهو إما من كلام عيسى على نبينا و (عليه السلام) أو من كلام الله عز وجل. (73) لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلثة أي أحد ثلاثة قيل القائلون بذلك جمهور النصاري يقولون ثلاثة أقانيم (1) جوهر واحداب وابن وروح القدس إله واحد ولا يقولون ثلاثة آلهة ويمنعون من هذه العبارة وإن كان يلزمهم ذلك لانهم يقولون الإبن إله والأب إله وروح القدس إله والإبن ليس هو الأب. القمي عن الباقر (عليه السلام) في حديث أما المسيح فعصوه وعظموه في أنفسهم حتى زعموا أنه إله وأنه ابن الله وطائفة منهم قالوا ثالث ثلاثة وطائفة منهم قالوا هو الله وما من إله إلا إله واحد وهو الله وحده لا شريك له ومن مزيدة لتأكيد النفي وإن لم ينتهوا عما يقولون اقسم ليمسن الذين كفروا منهم من دام على كفره ولم ينقلع عنه عذاب أليم. (74) أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه فيه تعجيب من إصرارهم والله غفور رحيم يستر الذنوب على العباد ويرحمهم إذا تابوا. (75) ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا قبله أتى بمعجزات باهرة من قبل الله تعالى كما أتوا فإن أحيى الموتى على يده فقد أحيى العصا على يد موسى وجعلها حية تسعى وهو عجب وإن خلقه من غير أب فقد خلق آدم من غير أب وام وهو أغرب وأمه صديقة صدقت بكلمات ربها وكتبه كسائر النساء اللاتي تلازمن الصدق كانا يأكلان الطعام في العيون عن الرضا (عليه السلام) معناه أنهما كانا يتغوطان والقمي قال كانا يحدثان فكنى عن الحدث وكل من أكل الطعام يحدث. وفي الإحتجاج عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في جواب الزنديق قال له لو لا ما في القرآن من الإختلاف والتناقض لدخلت في دينكم ثم ذكر من ذلك إن الله شهر هفوات

____________________________

(1) الأفانيم الأصول واحد في اقنوم أحسبها رومية. 

[ 74 ]

أنبيائه وكنى عن أسماء أعدائه قال (عليه السلام) وأما هفوات الأنبياء وما بين الله في كتابه فإن ذلك من أدل الدلائل على حكمة الله الباهرة وقدرته القاهرة وعزته الظاهرة لانه علم أن براهين الأنبياء تكبر في صدور أممهم وان منهم من يتخذ بعضهم إلها كالذي كان من النصارى في ابن مريم فذكر دلالة على تخلفهم عن الكمال الذي كان انفرد به عز وجل ألم تسمع إلى قوله في صفة عيسى على نبينا و (عليه السلام) حيث قال فيه وفي أمه كانا يأكلان الطعام يعني أن من أكل الطعام كان له ثفل ومن كان له ثفل فهو بعيد مما ادعته النصارى لابن مريم أنظر كيف نبين لهم الايات ثم انظر أنى يؤفكون كيف يصرفون عن استماع الحق وتأمله وثم لتفاوت ما بين العجبين يعني أن بياننا للايات عجيب وإعراضهم عنها أعجب. (76) قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا يعني عيسى (عليه السلام) فإنه كان لا يملك شيئا من ذلك من ذاته وان ملك شيئا منه فإنما هو بإذن الله وتمليكه إياه والله هو السميع لما يقولون العليم بما يعتقدون. (77) قل يا أهل الكتب لا تغلوا في دينكم غير الحق غلوا باطلا يعني لا تتجاوزوا الحد الذي حده الله لكم ولا ترفعوا عيسى (عليه السلام) من حد النبوة إلى حد الألوهية ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل هم أئمتهم في النصرانية الذين كانوا في الضلال قبل مبعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأضلوا كثيرا ممن بايعهم على التثليث وضلوا لما بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن سوآء السبيل حين كذبوه وبغوا عليه. (78) لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم في الكافي والقمي عن الصادق عليه الصلوة والسلام الخنازير على لسان داود (عليه السلام) والقردة على لسان عيسى بن مريم (عليهما السلام). وفي المجمع عن الباقر (عليه السلام) أما داود فإنه لعن أهل إيلة (1) لما اعتدوا في سبتهم

____________________________

(1) أيلة جبل بين مكة والمدينة قرب ينبع وموضع بين ينبع ومصر وعقبتها. 

[ 75 ]

وكان اعتداؤهم في زمانه فقال اللهم ألبسهم اللعنة مثل الرداء ومثل المنطقة على الحقوين فمسخهم الله قردة وأما عيسى (عليه السلام) فإنه لعن الذين انزلت عليهم المائدة ثم كفروا بعد ذلك ورواه في الجوامع مقطوعا وزاد فقال عيسى (عليه السلام) اللهم عذب من كفر بعدما أكل من المائدة عذابا لا تعذبه أحدا من العالمين والعنهم كما لعنت أصحاب السبت فصاروا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. (79) كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه هذا بيان عصيانهم وإعتدائهم يعني لا ينتهون أو لا ينهى بعضهم بعضا عن المنكر. القمي قال كانوا يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمور ويأتون النساء أيام حيضهن. وفي ثواب الأعمال عن أمير المؤمنين (عليه السلام) لما وقع التقصير في بني إسرائيل جعل الرجل منهم يرى أخاه في الذنب فينهاه فلا ينتهي فلا يمنعه ذلك من أن يكون أكيله وجليسه وشريبه حتى ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ونزل فيهم القرآن حيث يقول جل وعزلعن الذين كفروا الاية. والعياشي عن الصادق (عليه السلام) أما أنهم لم يكونوا يدخلون مداخلهم ولا يجلسون مجالسهم ولكنهم كانوا إذا لقوهم أنسوا بهم لبئس ما كانوا يفعلون تعجيب من سوء فعلهم مؤكدا بالقسم. القمي عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل عن قوم من الشيعة يدخلون في أعمال السلطان ويعملون لهم ويجبون لهم ويوالونهم قال ليس هم من الشيعة ولكنهم من أولئك ثم قرء لعن الذين كفروا الاية. (80) ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا يوالوهم ويصادقونهم لبئس ما قدمت لهم أنفسهم لبئس زادهم إلى الاخرة أن سخط الله عليهم وفى العذاب هم خالدون في المجمع عن الباقر (عليه السلام) يتولون الملوك الجبارين ويزينون لهم أهوائهم ليصيبوا من دنياهم.

[ 76 ]

(81) ولو كانوا يؤمنون بالله والنبى وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء فإن الأيمان يمنع من ذلك ولكن كثيرا منهم فاسقون خارجون عن دينهم. (82) لتجدن أشد الناس عدوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا لشدة شكيمتهم (1) وتضاعف كفرهم وانهماكهم (2) في اتباع الهوى وركونهم إلى التقليد وبعدهم عن التحقيق وتمرنهم على تكذيب الأنبياء ومعاداتهم إياهم ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى للين جانبهم ورقة قلوبهم وقلة حرصهم على الدنيا وكثرة اهتمامهم بالعلم والعمل ذلك بأن منهم قسيسين رؤساء في الدين والعلم ورهبانا عبادا وأنهم لا يستكبرون عن قبول الحق إذا فهموه ويتواضعون. (83) وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربناء آمنا فاكتبنا مع الشاهدين من الذين شهدوا بأنه حق. (84) وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين استفهام إنكار واستبعاد لانتفاء الايمان مع قيام الداعي وهو الطمع في الانخراط (3) مع الصالحين والدخول مداخلهم. (85) فأثابهم الله بما قالوا عن اعتقاد واخلاص كما دل عليه قوله مما عرفوا من الحق والقول إذا اقترن بالمعرفة كمل الايمان جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وذلك جزاء المحسنين. العياشي عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا قال أولئك كانوا بين عيسى ومحمد (عليهما السلام) ينتظرون مجئ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) القمي كان سبب نزولها أنه لما اشتدت قريش في أذى رسول الله (صلى الله

____________________________

(1) فلان شديد الشكيمة إذا كان لا ينقاد لاحد لما فيه من الصلابة والصعوبة على العدو وغيره.

 (2) يقال انهمك الرجل في الشئ اي جد ولج وفي ق الإنهماك التمادي في الشئ واللجاج فيه (3) والنخراط معهم اما بمعنى الأستصلاح اي نصلح حالنا ونعالج انفسنا بمرافقتهم وبمعنى الأنسلال أي نلقى انفسنا بينهم فالاول من خرط العود قشر وسواه والثاني من اخترط السيف استله ومن خرط البعير في المرعى أو الدلو في البشر أرسلهما.

[ 77 ]

(عليه وآله وسلم) وأصحابه الذين آمنوا بمكة قبل الهجرة أمرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يخرجوا إلى الحبشة وأمر جعفر بن أبي طالب أن يخرج معهم فخرج جعفر ومعه سبعون رجلا من المسلمين حتى ركبوا البحر فلما بلغ قريشا خروجهم بعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إلى النجاشي ليردهم إليهم وكان عمرو وعمارة متعاديين فقالت قريش كيف نبعث رجلين متعاديين فبرأت بنو مخزوم من جناية عمارة وبرأت بنو سهم عن جناية عمرو بن العاص فخرج عمارة وكان حسن الوجه شابا مترفا فأخرج عمرو بن العاص أهله معه فلما ركبوا السفينة شربوا الخمر فقال عمارة لعمرو بن العاص قل لاهلك تقبلني فقال عمرو أيجوز هذا سبحان الله فسكت عمارة فلما انتشى (1) عمرو وكان على صدر السفينة فدفعه عمارة وألقاه في البحر فتشبث عمرو بصدر السفينة وأدركوه وأخرجوه فوردوا على النجاشي وقد كانوا حملوا إليه هدايا فقبلها منهم فقال عمرو بن العاص أيها الملك إن قوما خالفونا في ديننا وسبوا آلهتنا وصاروا إليك فردهم إلينا فبعث النجاشي إلى جعفر فجاءه فقال يا جعفر ما يقول هؤلاء فقال جعفر أيها الملك وما يقولون قال يسألون أن أردكم إليهم. قال أيها الملك سلهم أعبيد نحن لهم ؟ فقال عمرو لا بل أحرار كرام. قال فسلهم ألهم علينا ديون يطالبونها بها ؟ فقال لا ما لنا عليكم ديون. قال فلكم في أعناقنا دماء تطالبونها ؟ فقال عمرو: لا قال: فما تريدون منا ؟ آذيتمونا فخرجنا من بلادكم ؟ فقال عمرو بن العاص: أيها الملك خالفونا في ديننا وسبوا آلهتنا وأفسدوا شباننا وفرقوا جماعتنا فردهم إلينا لنجمع أمرنا فقال جعفر نعم أيها الملك خالفناهم بعث الله فينا نبيا أمر بخلع الأنداد وترك الاستقسام بالأزلام وأمرنا بالصلوة والزكوة وحرم الظلم والجور وسفك الدماء بغير حقها والزناء والرباء والميتة والدم ولحم الخنزير وأمرنا بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي فقال النجاشي بهذا

____________________________

(1) نش نشوا ونشوة مثلثة سكر. 

[ 78 ]

بعث الله عيسى بن مريم (عليه السلام) ثم قال النجاشي يا جعفر هل تحفظ مما أنزل الله على نبيك شيئا قال نعم فقرء عليه سورة مريم (عليه السلام) فلما بلغ قوله وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلى واشربي وقرى عينا. فلما سمع النجاشي بهذا بكى بكاء شديدا وقال: هذا والله هو الحق فقال عمرو بن العاص أيها الملك إن هذا مخالف لنا فرده إلينا فرفع النجاشي يده فضرب بها وجه عمرو ثم قال اسكت والله لان ذكرته بسوء لافقدنك نفسك فقام عمرو بن العاص من عنده والدماء تسيل على وجهه وهو يقول إن كان هذا كما تقول أيها الملك فانا لا نتعرض له وكانت على رأس النجاشي وصيفة (1) له تذب (2) عنه فنظرت إلى عمارة بن الوليد وكان فتى جميلا فأحبته فلما رجع عمرو بن العاص إلى منزله قال لعمارة لو راسلت جارية الملك فراسلها فأجابته فقال عمرو قل لها تبعث إليك من طيب الملك شيئا فقال لها فبعثت إليه فأخذ عمرو من ذلك الطيب وكان الذي فعل به عمارة في قبله حين ألقاه في البحر فأدخل الطيب على النجاشي فقال: أيها الملك إن حرمة الملك عندنا وطاعته علينا وما يلزمنا إذا دخلنا بلاده ونأمن فيه أن لا نغشه ولا نريبه وإن صاحبي هذا الذي معي قد راسل حرمتك وخدعها وبعثت إليه من طيبك ثم وضع الطيب بين يديه فغضب النجاشي وهم بقتل عمارة ثم قال لا يجوز قتله فإنهم دخلوا بلادي بأمان فدعا النجاشي السحرة فقال لهم اعملوا به شيئا أشد عليه من القتل فأخذوه ونفخوا في أحليله الزيبق فصار مع الوحش يغدو ويروح وكان لا يأنس بالناس. فبعثت قريش بعد ذلك فكمنوا له في موضع حتى ورد الماء مع الوحش فأخذوه فما زال يضطرب في أيديهم ويصيح حتى مات ورجع عمرو إلى قريش فأخبرهم إن جعفرا في أرض الحبشة في أكرم كرامة ولم يزل بها حتى هادن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قريشا وصالحهم وفتح خيبر فوافى بجميع من معه وولد لجعفر بالحبشة من أسماء بنت عميس عبد الله بن جعفر وولد للنجاشي ابن فسماه النجاشي محمدا وكانت ام حبيب

____________________________

(1) الوصيف كأمير الخادم والخادمة ج وصفاء كالوصيفة ج وصائف.

 (2) تطرد الذباب عنه. 

[ 79 ]

بنت أبي سفيان تحت عبد الله فكتب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى النجاشي يخطب أم حبيب فبعث إليها النجاشي فخطبها لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأجابته فخطبها فزوجها منه وأصدقها أربعمأة دينار وساقها عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعث إليها بثياب وطيب كثير وجهزها وبعثها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعث إليه بمارية القبطية أم إبراهيم وبعث إليه بثياب وطيب وفرس وبعث ثلاثين رجلا من القسيسين فقال لهم انظروا إلى كلامه وإلى مقعده ومشربه ومصلاه فلما وافوا المدينة دعاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الإسلام وقرء عليهم القرآن وإذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إلى قوله فقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين فلما سمعوا ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بكوا وآمنوا ورجعوا إلى النجاشي وأخبروه خبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقرؤوا عليه ما قرأ عليهم فبكى النجاشي وبكى القسيسون وأسلم النجاشي ولم يظهر للحبشة إسلامه وخافهم على نفسه وخرج من بلاد الحبشة يريد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما عبر البحر توفى فأنزل الله على رسوله لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود إلى قوله وذلك جزاء المحسنين. (86) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحب الجحيم (87) يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا لا تمنعوا أنفسكم طيبات ما أحل الله لكم ما طاب منه ولذ ولا تعتدوا عما حد الله إن الله لا يحب المعتدين في المجمع والقمي عن الصادق (عليه السلام) نزلت هذه الآية في أمير المؤمنين (عليه السلام) وبلال وعثمان بن مظعون فأما أمير المؤمنين (عليه السلام) فحلف أن لا ينام بالليل أبدا وأما بلال فإنه حلف أن لا يفطر بالنهار أبدا وأما عثمان (1) بن مظعون فإنه حلف أن لا ينكح أبدا وزاد القمي فدخلت امرأة عثمان على عائشة وكانت امرأة جميلة فقالت عائشة ما لي أراك متعطلة فقال ولمن أتزين فوالله ما قربني زوجي منذ كذا وكذا فإنه قد ترهب ولبس

____________________________

(1) عثمان بن مظعون أول صحابي مات بالمدينة. 

[ 80 ]

المسوح (1) وزهد في الدنيا فلما دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبرته عائشة بذلك فخرج فنادى الصلوة جامعة فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ما بال أقوام يحرمون على أنفسهم الطيبات إني أنام بالليل وأنكح وأفطر بالنهار فمن رغب عن سنتي فليس مني فقام هؤلاء فقالوا يا رسول الله فقد حلفنا على ذلك فأنزل الله لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم الاية. أقول: ليس في مثل هذا الخطاب والعتاب منقصة على المخاطب والمعاتب إن لم يكن محمدة نظيره قوله تعالى يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزوجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله موليكم وهو العليم الحكيم وقد ورد القرآن كله تقريع وباطنه تقريب. وفي الإحتجاج عن الحسن بن علي صلوات الله وسلامه عليهما في حديث أنه قال لمعوية ؟ وأصحابه أنشدكم بالله أتعلمون أن عليا (عليه السلام) أول من حرم الشهوات على نفسه من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل الله يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم. (88) وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا مباحا لذيذا واتقوا الله الذى أنتم به مؤمنون استدعاء إلى التقوى بألطف الوجوه. (89) لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم بما يبدو من غير قصد في الكافي والفقيه والعياشي عن الصادق (عليه السلام) هو قول الرجل لا والله وبلى والله ولا يعقد على شئ. ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان بما وثقتم الأيمان عليه بالقصد والنية يعني إذا حنثتم فحذف للعلم به وقرء عقدتم بالتخفيف وعاقدتم فكفارته فكفارة نكثه أي الفعلة التي تذهب اثمه وتستره إطعام عشرة مسكين من أوسط ما تطعمون أهليكم. في المجمع عن الصادق (عليه السلام) أنه قرء أهاليكم أو كسوتهم في الكافي عنه (عليه السلام) الوسط الخل والزيتون وأرفعه الخبز واللحم والصدقة مد من حئطة لكل

____________________________

(1) المسح بالكسر فالسكون واحد والمسوح ويعبر عنه بالبلاس وهو كساء معروف. 

[ 81 ]

مسكين والكسوة ثوبان وعنه (عليه السلام) هو كما يكون أنه يكون في البيت من يأكل أكثر من المد ومنهم من يأكل أقل من المد فبين ذلك وإن شئت جعلت له أدما والأدم أدناه ملح وأوسطه الخل والزيت وأرفعه اللحم. وعن الباقر (عليه السلام) ما تقوتون به عيالكم من أوسط ذلك قيل وما أوسط ذلك قال الخل والزيت والتمر والخبز تشبعهم به مرة واحدة قيل كسوتهم قال ثوب واحد وفي رواية ثوب يواري به عورته. أقول: فيحمل الثوبان في الرواية المتقدمة على ما إذا لم يوارها الواحد أو تحرير رقبة عتق عبد أو أمة ويجوز المولود كما في الكافي عن الصادق (عليه السلام) وعنه (عليه السلام) كل شئ في القرآن أو (أي لفظة أو) فصاحبه بالخيار ويختار ما يشاء. والعياشي عن الباقر (عليه السلام) مثله فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. في الكافي عن الكاظم (عليه السلام) أنه سئل عن كفارة اليمين ما حد من لم يجد وأن الرجل يسأل في كفه وهو يجد فقال إذا لم يكن عنده فضل عن قوت عياله فهو ممن لا يجد وعن الصادق (عليه السلام) كل صوم يفرق فيه إلا ثلاثة أيام في كفارة اليمين. وعنه (عليه السلام) صيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين متتابعات لا يفصل بينهن ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم أي حلفتم وحنثتم (1) واحفظوا أيمانكم بروا (2) فيها ما استطعتم ولا تحنثوا ولا تبذلوها لكل أمر أو كفروا إذا حنثتم أو الجميع كذلك يبين الله لكم آياته أعلام شرايعه لعلكم تشكرون نعمة التعليم والتبيين. في الكافي عن الصادق (عليه السلام) الايمان ثلاثة يمين ليس فيها كفارة ويمين (3) فيها

____________________________

(1) الحنث بالكسر الاثم والخلف في اليمين.

 (2) البر الصدق في اليمين وبكسر وقد بررت وبررت وبرت اليمين يتبر وتبر كيمل ويحل برا وبرا وبرورا وابرها امضاها على الصدق.

 (3) في الحديث اليمين الغموس هي التي تذر الديار بلاقع اليمين الغموس بفتح الغين هي اليمين الكاذبة الفاجرة التي يقطع بها الحالف ما لغيره مع علمه ان الأمر بخلافه وليس فيها كفارة لشده الذنب فيها سميت بذلك لانها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النارفهي فعول للمبالغة وفيه اليمين الغموس هي التي عقوبتها دخول النار وهي أن يحلف الرجل على مال امرء مسلم أو على حقه ظلما. 

[ 82 ]

كفارة ويمين غموس توجب النار فاليمين التي ليس فيها كفارة على باب برأن لا يفعله وكفارته أن يفعل واليمين التي تجب فيها الكفارة الرجل يحلف على باب معصية أن لا يفعله فيفعله فتجب عليه الكفارة واليمين الغموس التي توجب النار الرجل يحلف على حق امرئ مسلم على حبس ماله وعنه (عليه السلام) من حلف على يمين فرآى غيرها خيرا منها فأتى ذلك فهو كفارة يمينه. وعنه (عليه السلام) ما حلفت عليه مما فيه البر فعليك الكفارة إذا لم تف به وما حلفت عليه مما فيه المعصية فليس عليك فيه الكفارة إذا رجعت عنه وما كان سوى ذلك مما ليس فيه بر ولا معصية فليس بشئ وفي الخصال عنه (عليه السلام) لاحنث ولا كفارة على من حلف تقية يدفع بذلك ظلما عن نفسه وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يمين لولد مع والده ولا للمرأة مع زوجها. (90) يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون في الكافي عن الباقر (عليه السلام) لما نزلت هذه الاية قيل يا رسول الله وما الميسر فقال كل ما تقوم عليه حتى الكعاب والجوز قيل فما الأنصاب قال ما ذبحوا لالهتهم قيل فما الأزلام قال قداحهم التي يستقسمون بها. أقول: قد مضى في تفسير الأنصاب والأزلام حديث آخر في أول السورة وفي الآية ضروب من التأكيد في تحريم الخمر والميسر وقد مضت أخبار في ذلك عند قوله تعالى ويسألونك عن الخمر والميسر من سورة البقرة. والقمي عن الباقر (عليه السلام) في هذه الاية أما الخمر فكل مسكر من الشراب إذا خمر (1) فهو خمر وما أسكر كثيره فقليله حرام وذلك أن أبا بكر شرب قبل أن يحرم الخمر فسكر فجعل يقول الشعر ويبكي على قتلى المشركين من أهل بدر فسمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال اللهم أمسك على لسانه فامسك فلم يتكلم حتى ذهب عنه السكر

____________________________

(1) عن ابن الأعرابي انما سمي الخمر خمرا لانها تركت فاختمرت واختمارها بغير ريحها ويقال سميت بذلك لمخامرتها العقل والتخمير التغطية. 

[ 83 ]

فأنزل الله تحريمها بعد ذلك وإنما كانت الخمر يوم حرمت بالمدينة فضيخ البسر والتمر فلما نزل تحريمها خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقعد بالمسجد ثم دعا بآنيتهم التي كانوا ينبذون فيها فكفأها (1) كلها وقال هذه كلها خمر فقد حرمها الله فكان أكثر شئ كفى في ذلك اليوم من الأشربة الفضيخ ولا أعلم كفى يومئذ من خمر العنب شئ إلا اناء واحد كان فيه زبيب وتمر جميعا فأما عصير العنب فلم يكن يومئذ بالمدينة منه شئ حرم الله الخمر قليلها وكثيرها وبيعها وشرائها والأنتفاع بها وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه وقال حق على الله أن يسقي من شرب الخمر مما يخرج من فروج المومسات والمومسات الزواني يخرج من فروجهن صديد والصديد قيح ودم غليظ مختلط يؤذي أهل النار حره ونتنه وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من شرب الخمر لم تقبل منه صلوة أربعين ليلة فإن عاد فأربعين ليلة من يوم شربها فان مات في تلك الأربعين ليلة من غير توبة سقاه الله يوم القيامة من طينة خبال (الخبال الفساد) وسمى المسجد الذي قعد فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم أكفيت الأشربة مسجد الفضيخ من يومئذ لانه كان أكثر شئ اكفأ من الأشربة الفضيخ فأما الميسر فالنرد والشطرنج وكل قمار ميسر وأما الأنصاب فالأوثان التي كان يعبدها المشركون وأما الأزلام فالقداح التي كانت يستقيم بها مشركوا العرب في الامور في الجاهلية كل هذا بيعه وشراؤه والإنتفاع بشئ من هذا حرام من الله محرم وهو رجس من عمل الشيطان وقرن الله الخمر والميسر مع الأوثان. وفي الخصال عن الباقر لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الخمر عشرة غارسها وحارسها وعاصرها وشاربها وساقيها وحاملها والمحمولة إليه وبايعها ومشتريها وآكل ثمنها. (91) إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلوة فهل أنتم منتهون قيل إنما خص الخمر والميسر

____________________________

(1) كفأه كمنعه صرفه وكتبه وقلبه كأكفأه واكتفاه. 

[ 84 ]

باعادة الذكر وشرح ما فيهما من الوبال تنبيها على أنهما المقصود من البيان وذكر الأنصاب والأزلام للدلالة على أنهما مثلهما في الحرمة والشرارة كقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شارب الخمر كعابد الوثن وخص الصلوة من الذكر بالافراد للتعظيم والاشعار بأن الصاد عنها كالصاد عن الايمان من حيث أنها عماده والفارق بينه وبين الكفر ثم أعاد الحث على الإنتهاء بصيغة الأستفهام مرتبا على ما تقدم من أنواع الصوارف إيذانا بأن الأمر في المنع والتحذير بلغ الغاية وإن الأعذار قد انقطعت. (92) وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا عما نهينا عنه أو عن مخالفتهما فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين في الكافي عن الصادق (عليه السلام) في هذه الآية أما والله ما هلك من كان قبلكم وما هلك من هلك حتى يقوم قائمنا إلا في ترك ولايتنا وجحود حقنا وما خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الدنيا حتى ألزم رقاب هذه الأمة حقنا والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. (93) ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا من المستلذات أكلا كان أو شربا فان الطعم يعمهما في المجمع في تفسير أهل البيت (عليهم السلام) فيما طعموا من الحلال إذا ما اتقوا وءامنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين القمي لما نزل تحريم الخمر والميسر والتشديد في أمرهما قال الناس من المهاجرين والأنصار يا رسول الله قتل أصحابنا وهم يشربون الخمر وقد سماه الله تعالى رجسا وجعلها من عمل الشيطان وقد قلت ما قلت أفيضر أصحابنا ذلك شيئا بعد ما ماتوا فأنزل الله هذه الآية فهذا لمن مات أو قتل قبل تحريم الخمر والجناح هو الاثم وهو على من شربها بعد التحريم وقيل فيما طعموا أي مما لم يحرم عليهم إذا ما اتقوا أي المحرم وآمنوا وعملوا الصالحات أي ثبتوا على الإيمان والأعمال الصالحات ثم اتقوا أي ما حرم عليهم بعد كالخمر وآمنوا بتحريمه ثم اتقوا أي استمروا وثبتوا على اتقاء المعاصي وأحسنوا أي وتحروا الأعمال الجميلة واشتغلوا بها. أقول: لما كان لكل من الايمان والتقوى درجات ومنازل كما ورد عنهم (عليهم السلام) لم يبعد أن يكون تكريرهما في الاية إشارة إلى تلك الدرجات والمنازل ففي

[ 85 ]

الكافي عن الصادق (عليه السلام) للايمان حالات ودرجات وطبقات ومنازل فمنه التام المنتهي تمامه ومنه الناقص البين نقصانه ومنه الراجح الزائد رجحانه. وعن الباقر (عليه السلام) أن المؤمنين على منازل منهم على واحدة ومنهم على اثنتين ومنهم على ثلاث ومنهم على أربع ومنهم على خمس ومنهم على ست ومنهم على سبع فلو ذهبت تحمل على صاحب الواحدة ثنتين لم يقو وعلى صاحب الثنتين ثلاثا لم يقو وساق الحديث ثم قال وعلى هذه الدرجات. وفي مصباح الشريعة عنه (عليه السلام) التقوى على ثلاثة أوجه تقوى في الله وهي ترك الحلال فضلا عن الشبهة وهي تقوى خاص الخاص وتقوى من الله وهي ترك الشبهات فضلا عن الحرام وهي تقوى الخاص وتقوى من خوف النار والعقاب وهي ترك الحرام وهي تقوى العام ومثل التقوى كماء يجري في نهر ومثل هذه الطبقات الثلاث في معنى التقوى كأشجار مغروسة على حافة ذلك النهر من كل لون وجنس وكل شجرة منها يستمص الماء من ذلك النهر على قدر جوهره وطبيعته ولطافته وكثافته ثم منافع الخلق من تلك الأشجار والثمار على قدرهاو قيمتها قال الله تعالى صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل فالتقوى للطاعات كالماء للاشجار ومثل طبائع الأشجار في لونها وطعمها مثل مقادير الإيمان فمن كان أعلى درجة في الإيمان وأصفى جوهرا بالروح كان أتقى ومن كان اتقى كانت عبادته أخلص وأطهر ومن كان كذلك كان من الله أقرب وكل عبادة غير مؤسسة على التقوى فهي هباء منثور وقال الله تعالى أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم انتهى كلامه (عليه السلام) فنقول في بيان ذلك: إن أوائل درجات الإيمان تصديقات مشوبة بالشبه والشكوك على اختلاف مراتبها ويمكن معها الشرك كما قال سبحانه وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ويعبر عنها بالإسلام كما قال الله عز وجل قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم والتقوى المتقدمة عليها هي تقوى العام وأوسطها تصديقات لا يشوبها شك ولا شبهة كما قال عز وجل الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وأكثر

[ 86 ]

إطلاق الإيمان عليها خاصة كما قال إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون والتقوى المتقدمة عليها هي تقوى الخاص وأواخرها تصديقات كذلك مع شهود وعيان ومحبة كاملة لله عز وجل كما قال يحبهم ويحبونه ويعبر عنها تارة بالاحسان كما ورد في الحديث النبوي (صلى الله عليه وآله وسلم) الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه وأخرى بالايقان كما قال وبالاخرة هم يوقنون والتقوى المتقدمة عليها هي تقوى خاص الخاص وإنما قدمت التقوى على الإيمان لان الإيمان إنما يتحصل ويتقوى بالتقوى لانها كلما ازدادت ازداد الإيمان بحسب إزديادها وهذا لا ينافي تقدم أصل الإيمان على التقوى بل إزدياده بحسب ازديادها أيضا لان الدرجة المتقدمة لكل منها غير الدرجة المتأخرة ومثل ذلك مثل من يمشي بسراج في ظلمة فكلما أضاء له من الطريق قطعة مشى فيها فيصير ذلك المشي سببا لاضاءة قطعة أخرى منه وهكذا. وفي الكافي عن الصادق (عليه السلام) قال أتي عمر بقدامة بن مظعون قد شرب الخمر وقامت عليه البينة فسأل أمير المؤمنين (عليه السلام) فأمره أن يجلده ثمانين فقال قدامة يا أمير المؤمنين ليس علي حد أنا من أهل هذه الاية ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا قال قال علي صلوات الله وسلامه عليه لست من أهلها ان طعام أهلها لهم حلال ليس يأكلون ولا يشربون إلا ما أحله الله لهم ثم قال علي (عليه السلام) إن الشارب إذا شرب لم يدر ما يأكل ولا ما يشرب فاجلدوه ثمانين جلدة. أقول: في قوله (عليه السلام) إلا ما أحله الله لهم تنبيه على أنهم يحترزون عن الشبهات بل عن كل ما يمنعهم من الشهود مع الله والجناح في الاية نكرة في سياق النفي يعم أدنى مراتبه كاستحقاق العقاب والسر فيه أن شكر نعم الله تعالى أن تصرف في طاعة الله سبحانه على وجهها فليتدبر فيه وعلى ما حققناه أن صح إن سبب نزول هذه الاية ما ذكره القمي موافقا لطائفة من المفسرين فمعنى الاية إن الذين كانوا يشربون الخمر قبل نزول تحريمها إذا كانوا بهذه المثابة من الإيمان والتقوى والعمل الصالح فلا جناح عليهم في شربها.

[ 87 ]

(94) يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم يعني في حال إحرامكم نبه بقوله بشئ على تحقيره بالاضافة إلى الإبتلاء ببذل الأنفس والأموال. القمي قال: نزلت في عمرة الحديبية جمع الله عليهم الصيد فدخلوا بين رحالهم. وفي الكافي عن الصادق (عليه السلام) حشر عليهم الصيد في كل مكان حتى دنا منهم ليبلوهم الله به. وعنه (عليه السلام) حشر لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في عمرة الحديبية الوحوش حتى نالتها أيديهم ورماحهم. وفي رواية ما تناله الأيدي البيض والفراخ وما تناله الرماح فهو ما لا تصل إليه الأيدي، وفي المجمع عنه (عليه السلام) الذي تناله الأيدي فراخ الطير وصغار الوحش والبيض والتي تناله الرماح الكبار من الصيد ليعلم الله من يخافه بالغيب ليتميز من يخاف عقاب الاخرة وهو غائب منتظر فيتقي الصيد ممن لا يخافه فيقدم عليه فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم. (95) يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم محرمون، في التهذيب عن الصادق (عليه السلام) إذا حرمت فاتق قتل الدواب كلها إلا الأفعى والعقرب والفأرة فإنها (1) توهي السقاء وتضرم على أهل البيت البيت وأما العقرب فإن نبي الله مد يده إلى الحجر فلسعته عقرب فقال لعنك الله لا تدعين برا ولا فاجرا والحية إذا أرادتك فاقتلها وإن لم تردك فلا تردها والكلب العقور والسبع إذا أراداك فاقتلهما فإن لم يريداك فلا تردهما والأسود (2) الغدر فاقتله على كل حال ارم الغراب رميا والحدأة (3) على ظهر بعيرك وفي الكافي ما في معناه.

____________________________

(1) اي تخرقه وتضعفه عن امساك الماء.

 (2) الأسود الحية العظيمة ومنه المحرم يقتل الأسود العذر وهو بمعنى البالغ فمعناه الأسود البالغ في السواد والأسود العظيم الجوف فان العذر جاء بهذا المعنى ايضا.

 (3) الحدأة كعتبة وهو طائر خبيث ويجمع بحذف الهاء وفي الخبر لا بأس بقتل الحداء للمحرم. 

[ 88 ]

وعنه (عليه السلام) يقتل المحرم الزنبور والنسر والأسود الغدر والذئب وما خاف أن يعدو عليه وقال الكلب العقور وهو الذئب، وعنه (عليه السلام) كل ما خاف المحرم على نفسه من السباع والحيات فليقتله وإن لم يردك فلا ترده ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم وقرء فجزاء بالإضافة ؟ في التهذيب عن الصادق (عليه السلام) في تفسيرها في الظبي شاة وفي حمار وحش بقرة وفي النعامة جزور وزاد في رواية اخرى وفي البقرة بقرة والعياشي عن الباقر (عليه السلام) ما يقرب منه يحكم به ذوا عدل منكم في المجمع عن الباقر والصادق (عليهما السلام) ذو عدل، ؟ وفي الكافي عنهما (عليهما السلام) والعياشي عن الباقر (عليه السلام) العدل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام من بعده ثم قال هذا مما أخطأت به الكتاب وزاد العياشي يعني رجلا واحدا يعني الإمام. أقول: يعني أن رسم الألف في ذوا عدل من تصرف نساخ القرآن خطأ والصواب عدم نسخها وذلك لانه يفيد أن الحاكم اثنان والحال أنه واحد وهو الرسول في زمانه ثم كل إمام في زمانه على سبيل البدل. وفي التهذيب عن الباقر (عليه السلام) العدل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام من بعده يحكم به وهو ذو عدل فإذا علمت ما حكم به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام (عليه السلام) فحسبك ولا تسأل عنه هديا بالغ الكعبة. في الكافي عن الصادق (عليه السلام) من وجب عليه هدي في إحرامه فله أن ينحره حيث شاء إلا فداء الصيد فإن الله يقول هديا بالغ الكعبة وعنه (عليه السلام) من وجب عليه هدي فداء صيد أصابه وهو محرم فإن كان حاجا نحر هديه الذي يجب عليه بمنى وإن كان معتمرا نحر بمكة قبالة الكعبة. وعن الباقر (عليه السلام) مثله وزاد وإن شاء تركه إلى أن يقدم فيشتريه فإنه يجزي عنه عنه أو كفارة طعام مساكين وقرء كفارة طعام بالاضافة أو عدل ذلك صياما. في الكافي عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل عن محرم أصاب نعامة أو حمار وحش قال عليه بدنة قيل فإن لم يقدر على بدنة قال فليطعم ستين مسكينا قيل فإن لم يقدر

[ 89 ]

على أن يتصدق قال فليصم ثمانية عشر يوما والصدقة مد على كل مسكين وسئل عن محرم أصاب بقرة قال عليه بقرة قيل فإن لم يقدر على بقرة قال فليطعم ثلاثين مسكينا قيل فإن لم يقدر على أن يتصدق قال فليصم (1) تسعة أيام قيل فإن أصاب طيبا قال عليه شاة قيل فإن لم يقدر قال فإطعام عشرة مساكين فإن لم يجد ما يتصدق به فعليه صيام ثلاثة أيام. وفي الفقيه والقمي عن السجاد (عليه السلام) في حديث الزهري أو تدري كيف يكن عدل ذلك صياما يا زهري قال لا أدري قال يقوم الصيد قيمة ثم تفض (2) تلك القيمة على البر ثم يكال ذلك البر أصواعا فيصوم لكل نصف صاع يوما ليذوق وبال أمره يعني هذا الجزاء ليذوق ثقل فعله وسوء عاقبة هتكه لحرمة الاحرام عفا الله عما سلف يعني الدفعة الاولى ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام. في الكافي عن الصادق (عليه السلام) في محرم أصاب صيدا قال عليه الكفارة قيل فإن أصاب آخر قال فان أصاب آخر فليس عليه كفارة وهو ممن قال الله تعالى ومن عاد فينتقم الله منه وفي معناه أخبار أخروفي التهذيب عنه (عليه السلام) إذا أصاب المحرم الصيد خطأ فعليه الكفارة فإن أصاب ثانية خطأ فعليه الكفارة أبدا إذا كان خطأ فإن أصابه متعمدا كان عليه الكفارة فإن أصابه ثانية متعمدا فهو ممن ينتقم الله منه ولم يكن عليه الكفارة. وفي الكافي عنه (عليه السلام) في قوله الله عز وجل ومن عاد فينتقم الله منه قال إن رجلا انطلق وهو محرم فأخذ ثعلبا فجعل يقرب النار إلى وجهه وجعل الثعلب يصيح ويحدث من استه (3) وجعل أصحابه ينهونه عما يصنع ثم أرسله بعد ذلك فبينا الرجل نائم إذ جاءت حية فدخلت في فيه فلم تدعه حتى جعل يحدث كما أحدث الثعلب ثم خلت عنه.

____________________________

(1) قوله فليصم تسعة أيام طلاقه مقيد بصورة العجز عن صوم الثلثين أو ما وافق قيمة طعام الصدقة بالاجماع المنقول وقاعد ة معادلة الصوم لعدد المطعمين المستفادة من الآية وغير ذلك من الأخبار فهو بظاهره غير معمول به عند الأصحاب.

 (2) الفض الكسر التفرقة وقد فضه يفضه.

 (3) الاست العجز وقد يراد به حلقة الدبر واصلة سته على فعل بالتحريك يدل على ذلك ان جمعه استاه مثل حمل واحمال. 

[ 90 ]

(96) أحل لكم صيد البحر وطعامه متعاعا لكم وللسيارة ولسيارتكم يتزودونه قديدا (1) وحرم عليكم صيد البر مادمتم حرما في الكافي عن الصادق (عليه السلام) لا بأس أن يصيد المحرم السمك ويأكل مالحه (2) وطريه (3) ويتزود وقال أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة قال مالحه الذي يأكلون وفصل ما بينهما كل طير يكون في الاجام (4) يبيض في البر ويفرخ في البر فهو من صيد البر وما كان من صيد البر يكون في البر ويبيض في البحر فهو من صيد البحر وعنه (عليه السلام) كل شئ يكون أصله في البحر ويكون في البر والبحر فلا ينبغي للمحرم أن يقتله فإن قتله فعليه الجزاء كما قال الله تعالى وعن أحدهما (عليهما السلام) قال لا يأكل المحرم طير الماء واتقوا الله الذى إليه تحشرون. (97) جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما وقرء قيما بغير ألف للناس لمعايشهم ومكاسبهم يستقيم به امور دينهم ودنياهم يلوذ به الخائف ويأمن فيه الضعيف ويربح عنده التجار باجتماعهم عنده من سائر الأطراف ويغفر بقصده المذنب ويفوز حاجه بالمثوبات. في المجمع: عن الصادق (عليه السلام) من أتى هذا البيت يريد شيئا في الدنيا والاخرة أصابه والقمي قال مادامت الكعبة قائمة ويحج الناس إليها لم يهلكوا فإذا هدمت وتركوا الحج هلكوا والشهر الحرام والهدى والقلائد مضى تفسيرها ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الارض يعني إذا اطلعتم على الحكمة في جعل الكعبة قياما وما في الحج ومناسكه من الحكم علمتم أن الله يعلم الأشياء جميعا وأن الله بكل شئ عليم تعميم بعد تخصيص ومبالغة بعد إطلاق. (98) اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم وعيد ووعد لمن هتك محارمه ولمن حافظ عليها ؟ في التوحيد عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن جبرئيل (عليه السلام) قال قال الله تعالى من

____________________________

(1) القدية اللحم المقدد أي المشرح طولا.

 2 - ملح السمك والقدر طرح فيه الملح.

 (3) والطري الغض.

 (4) الاجمعة محركة الشجر جمع الكثير الملتف جمع اجم بالضم وبضمتين وبالتحريك واجام واجام وأجمات 44. 

[ 91 ]

أذنب ذنبا صغيرا كان أو كبيرا وهو يعلم أن لي أن أعذبه وان أعفو عنه عفوت عنه. (99) ما على الرسول إلا البلاغ تشديد في إيجاب القيام بما أمر به والله يعلم ما تبدون وما تكتمون من تصديق وتكذيب وفعل وعزيمة. (100) قل لا يستوى الخبيث والطيب إنسانا كان أو عملا أو مالا أو غير ذلك ولو أعجبك كثرة الخبيث فإن العبرة بالجودة والرداءة لا بالكثرة والقلة فاتقوا الله يا أولى الالباب في تحري (1) الخبيث وان كثر واثروا (2) الطيب وإن قل لعلكم تفلحون. (101) يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم في الكافي عن الباقر (عليه السلام) لا تسألوا عن أشياء لم تبد لكم إن تبد لكم تسؤكم. وفي المجمع عن أمير المؤمنين (عليه السلام) خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال إن الله كتب عليكم الحج فقال عكاشة بن محصن ويروى سراقة بن مالك أفي كل عام يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأعرض عنه حتى عاد مرتين أو ثلاثا فقال رسول الله فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم والله لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما استطعتم ولو تركتم كفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه. والقمي عن الباقر (عليه السلام) أن (3) صفية بنت عبد المطلب مات ابن لها فأقبلت فقال لها عمر غطي قرطك (4) فإن قرابتك من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا تنفعك شيئا فقالت له هل رأيت لي قرطا يا ابن اللخناء (5) ثم دخلت على رسول الله (صلى الله

____________________________

(1) التحري القصد والاجتهاد في الطلب والعزم على تخصيص الشئ بالفعل والقول.

 (2) قوله تعالى بل تؤثرون الحياة الدنيا ان تقدموها وتفضلوها على الاخرة.

 (3) صفية بنت عبد المطلب والدة الزبير ولذا كان علي ابن خاله.

 (4) القرط بالضم فالسكون هو الذي يعلق في شحمة الاذن والجمع قرطة وقراط أيضا كرمح ورماح.

 (5) لخن السقاء وغيره كفرح أنتن والجوزة فسدت ورجل الخن وامة لخناء لم يختنا واللخن مركة قبح ريح الفرج والارفاغ وقبح الكلام. 

[ 92 ]

عليه وآله وسلم فأخبرته بذلك وبكت فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنادى الصلوة جامعة فاجتمع الناس فقال ما بال أقوام يزعمون أن قرابتي لا تنفع لو قد قمت المقام المحمود لشفعت في خارجكم لا يسألني اليوم أحد من أبوه إلا أخبرته. فقام إليه رجل فقال من أبي يا رسول الله ؟ فقال أبوك غير الذي تدعى له أبوك فلان بن فلان فقام آخر فقال من أبي يا رسول الله قال أبوك الذي تدعى له ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما بال الذي يزعم أن قرابتي لا تنفع لا يسألني عن أبيه فقام إليه عمر فقال له أعوذ بالله يا رسول الله من غضب الله وغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعف عني عفا الله عنك فأنزل الله يا أيها الذين آمنوا الآية عفا الله عنها قيل استئناف أي عفا الله عما سلف من مسألتكم فلا تعودوا إلى مثلها وقيل بل صفة أخرى أي عن أشياء عفا الله عنها ولم يكلف بها وكف عن ذكرها ويؤيده قول أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه إن الله افترض عليكم فرائض فلا تضيعوها وحد لكم حدودا فلا تعتدوها ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها (1) وسكت لكم عن أشياء ولم يدعها نسيانا فلا تتكلفوها والله غفور حليم لا يعاجلكم بعقوبة ما يفرط منكم ويعفو عن كثير. (102) قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين حيث لم يأتمروا وجحدوا. (103) ما جعل الله ما شرع الله من بحيرة ولا سائبة (2) ولا وصيلة ولا حام في المعاني عن الصادق أن أهل الجاهلية كانوا إذا ولدت الناقة ولدين من بطن واحد قالوا وصلت فلا يستحلون ذبحها ولا أكلها وإذا ولدت عشرا جعلوها سائبة ولا يستحلون ظهرها ولا أكلها والحام فحل الابل لم يكونوا يستحلون فأنزل الله عز وجل إنه لم يحرم شيئا من ذلك قال وقد روي أن البحيرة الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن فإن كان

____________________________

1 - نهكت من الطعام بالغت في أكله يقال أنهك من هذا الطعام وكذلك أنهك عرضه أي بالغ في شتمه.

 2 - السائبة المهملة والعبد يعتق على أن لا ولاء له والبعير يدرك نتاج نتاجه فيسيب اي يترك لا يركب والناقة كانت تسيب في الجاهلية لنذر ونحوه أو كانت إذا ولدت عشرة ابطن كلهن اناث سيبت. 

[ 93 ]

الخامس ذكرا نحروه فأكله الرجال والنساء وإن كان الخامس أنثى بحروا اذنها أي شقوه وكانت حراما على النساء لحمها ولبنها فإذا ماتت حلت للنساء والسائبة البعير يسيب بنذر يكون على الرجل أن سلمه الله من مرض أو بلغه منزله أن يفعل ذلك والوصيلة من الغنم كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن فإن كان السابع ذكرا ذبح وأكل منه الرجال والنساء وإن كان أنثى تركت في الغنم وإن كان ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلا تذبح وكان لحومهما حراما على النساء إلا أن يموت منها شئ فيحل أكلها للرجال والنساء والحام الفحل إذا ركب ولد ولده قالوا قد حمى ظهره. وقد يروى أن الحام هو من الابل إذا أنتج عشرة أبطن قالوا قد حمى ظهره فلا يركب ولا يمنع من كلاء ولا ماء ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب بتحريم ذلك ونسبته إليه وأكثرهم لا يعقلون إن ذلك إفتراء وكذب يعني الأتباع الذين يقلدون في تحريمها رؤساءهم الذين يمنعهم حب الرياسة عن الاعتراف به. وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن لحي بن قمعة بن جندب كان قد ملك مكة وكان أول من غير دين إسماعيل فاتخذ الأصنام ونصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه (1) ويروى تجر قصبه في النار. (104) وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آبآءنا بيان لقصور عقلهم وإنهاكهم في التقاليد وأن لا سند لهم سواه أولو كان آبآؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون يعني أوجبهم ما وجدوا عليه آباءهم ولو كانوا جهلة ضآلين. (105) يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم احفظوها والزموا صلاحها لا يضركم من ضل إذا اهتديتم قيل نزلت لما كان المؤمنون يتحسرون على الكفرة ويتمنون إيمانهم.

____________________________

(1) القصب محركة عظام الاصابع وشعب الحلق ومخارج الانفاس والقصب بالضم الظهر والمعى والمراد هنا الامعاء روى عن ابن عباس وروى مكان ريح حر فيناسب الظهر أيضا. 

[ 94 ]

والقمي قال أصلحوا أنفسكم ولا تتبعوا عورات الناس ولا تذكروهم فإنه لا يضركم ضلالتهم إذا كنتم صالحين. وفي المجمع أن أبا ثعلبة سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الآية فقال ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر فإذا رأيت دنيا مؤثرة وشحا مطاعا وهوى متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخويصة (1) نفسك وذرعو امهم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون وعد ووعيد للفريقين على أن أحدا لا يؤاخذ بذنب غيره. (106) يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم الاشهاد الذي شرع بينكم فيما أمرتم به إذا حضر أحدكم الموت إذا شارفه وحضرت إماراته حين الوصية قيل فيه تنبيه على أن الوصية مما لا ينبغي أن يتهاون فيه إثنان شهادة اثنين ذوا عدل منكم من المسلمين أو آخران من غيركم من أهل الكتاب والمجوس كما يأتي إن أنتم ضربتم في الارض سافرتم فأصابتكم مصيبة الموت قاربكم الأجل تحبسونهما تقفونهما من بعد الصلوة لتغليظ اليمين بشرف الوقت ولانه وقت اجتماع الناس فيقسمان بالله أي الآخران إن ارتبتم (2) ارتاب الوارث منكم وهو اعتراض لا نشترى به بالقسم أو بالله ثمنا عوضا من الدنيا ولو كان ذا قربى أي ولو كان المقسم له ذا قربى ولا نكتم شهادة الله التي أمر الله باقامتها إنا إذا لمن الاثمين أي إن كتمنا. (107) فإن عثر فإن اطلع وحصل العلم على أنهما أي الآخرين استحقا إثما استوجبا عقوبة بسبب تحريف في الشهادة أو خيانة فآخران فشاهدان آخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم أي الذين حق عليهم يعني بهم الورثة الاوليان الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما وقرء عليهم استحق على البناء للفاعل والأولين بالجمع على أنه صفة للذين فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما أي يميننا أصدق

____________________________

1 - الخويصة تصغير الخاصة ياؤها ساكنة لان ياء التصغير لا يتحرك.

 2 - أي ان ارتبتم اعتراض والضمير في به للقسم وفي كان للمقسم له يعني لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضا من الدنيا ولو كان من نقسم له قريبا منا أراد أن هذه عادتهم: صدقهم وأمانتهم أبدا كقوله شهداء لله ولو على انفسكم وخص ذا القربى بالذكر لان الميل إليهم اتم والمداهنة بينهم اكمل قاله النيسابوري. 

[ 95 ]

سمى اليمين شهادة لوقوعها موقعها كما في اللعان وما اعتدينا وما تجاوزنا فيها الحق إنا إذا لمن الظالمين. (108) ذلك أي الحكم الذي تقدم أو تحليف الشاهدين أدنى أقرب أن يأتوا بالشهادة على وجهها على نحو ما تحملونها من غير تحريف ولا خيانة فيها أو يخافوا أن ترد أيمان أي ترد اليمين على المدعين بعد أيمانهم فيفتضحوا بظهور الخيانة واليمين الكاذبة جمع اليمين ليعم الشهود كلهم. في الكافي والفقيه والتهذيب عن الصادق عليه السلام في تفسير هذه الآية اللذان منكم مسلمان واللذان من غيركم من أهل الكتاب فإن لم تجدوا من أهل الكتاب فمن المجوس لان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سن في المجوس سنة أهل الكتاب في الجزية وذلك إذا مات الرجل في أرض غربة فلم يجد مسلمين أشهد رجلين من أهل الكتاب يحبسان بعد العصر فيقسمان بالله لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الاثمين قال وذلك إن ارتاب ولي الميت في شهادتهما فإن عثر على أنهما شهدا بالباطل فليس له أن ينفض شهادتهما حتى يجئ بشاهدين فيقومان مقام الشاهدين الأولين فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين فإذا فعل ذلك نقض شهادة الأولين وجازت شهادة الآخرين يقول الله تعالى ذلك أدنى أن يأتوا الآية. وفي الكافي مرفوعا خرج تميم الداري وابن بيدي وابن أبي مارية في سفر وكان تميم الداري مسلما وابن بيدي وابن أبي مارية نصرانيين وكان مع تميم الداري خرج (1) له فيه متاع وآنية منقوشة بالذهب وقلادة أخرجها إلى بعض أسواق العرب للبيع واعتل تميم الداري علة شديدة فلما حضره الموت دفع ما كان معه إلى ابن بيدي وابن أبي مارية وأمرهما أن يوصلاه إلى ورثته فقدما المدينة وقد أخذا من المتاع الانية والقلادة وأوصلا سائر ذلك إلى ورثته فافتقد القوم الآنية والقلادة فقال أهل تميم لهما أهل مرض صاحبنا

____________________________

(1) الخرج بالضم الجوالق ذو اذنين وهو عربي. 

[ 96 ]

مرضا طويلا أنفق فيه نفقة كثيرة فقالا لا ما مرض إلا أياما قلائل قالوا فهل سرق منه شئ في سفره هذا قالا لا قالوا فهل اتجر تجارة خسر فيها قالا لا قالوا افتقدنا أفضل شئ كان معه آنية منقوشة مكللة بالجواهر وقلادة فقالا ما دفع إلينا فقد أدينا إليكم فقدموهما إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأوجب عليهما اليمين فحلفا فخلى عنهما ثم ظهرت تلك الآنية والقلادة عليهما. فجاء أولياء تميم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا يا رسول الله قد ظهر على ابن بيدي وابن أبي مارية ما ادعيناه عليهما فانتظر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الله الحكم في ذلك فأنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم الآية فأطلق الله تعالى شهادة أهل الكتاب على الوصية فقط إذا كان في سفر ولم يجد المسلمين فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلوة فيقسمان بالله إن إرتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين فهذه الشهادة الاولى التي جعلها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإن عثر على أنهما استحقا إثما أي أنهما حلفا على كذب فآخران يقومان مقامهما يعني من أولياء المدعي من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله أنهما أحق بهذه الدعوى منهما وانهما قد كذبا فيما حلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أولياء تميم الداري أن يحلفوا بالله على ما أمرهم به فحلفوا فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) القلادة والآنية من ابن بيدي وابن أبي مارية وردهما إلى أولياء تميم الداري والقمي ما يقرب منه. وفي الكافي في عدة أخبار عن الصادق (عليه السلام) إذا كان الرجل في أرض غربة لا يوجد فيها مسلم جاز شهادة من ليس بمسلم على الوصية واتقوا الله واسمعوا سمع إجابة وقبول والله لا يهدى القوم الفاسقين إلى طريق الجنة. (109) يوم يجمع الله الرسل اذكره فيقول لهم ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب في الجوامع السؤال توبيخ ولذلك قالوا لا علم لنا ووكلوا الأمر إلى علمه بسوء إجابتهم ولجأوا إليه في الأنتقام منهم.

[ 97 ]

وفي المعاني عن الصادق (عليه السلام) يقولون لا علم لنا بسواك وقال القرآن كله تقريع وباطنه تقريب. وفي الكافي عن الباقر إن لهذا تأويلا يقول ماذا اجبتم في أوصيائكم الذين خلفتموهم على أممكم فيقولون لا علم لنا بما فعلو من بعدنا والقمي عنه (عليه السلام) مثله من دون أن يسميه تأويلا. (110) إذ قال الله بدل من يوم يجمع يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك قويتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا تكلمهم في جميع أحوالك على سواء وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتورية والانجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذنى وتبرئ الاكمه والابرص بإذنى وإذ تخرج الموتى بإذنى مضى تفسيرها في سورة آل عمران وقرء طائرا وإذ كففت بنى إسرائيل عنك يعني اليهود حين هموا بقتله إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين وقرء ساحر. (111) وإذ أوحيت إلى الحواريين العياشي عن الباقر (عليه السلام) الهموا أن آمنوا بى وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون مخلصون قد مضى الوجه في تسمية الحواريين وذكر عددهم في سورة آل عمران. (112) إذ قال الحواريون يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك وقرء بالخطاب والعياشي مقطوعا قراءتها هل يستطيع أن تدعو ربك وقيل هذه الاستطاعة بناء على ما تقتضيه الحكمة والارادة لا على ما تقتضيه القدرة أن ينزل علينا مائدة من السماء المائدة الخوان إذا كان عليه الطعام قال اتقوا الله من أمثال هذا السؤال إن كنتم مؤمنين بكمال قدرته. (113) قالوا نريد أن نأكل منها تمهيد عذر وبيان لما دعاهم إلى السؤال وتطمئن قلوبنا بالمشاهدة ونعلم أن قد صدقتنا في ادعاء النبوة ونكون عليها من الشاهدين

[ 98 ]

قيل نشهد عليها عند الذين لم يحضروها. (114) قال عيسى بن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا قيل يكون يوم نزولها عيدا نعظمه وكان يوم الأحد ولهذا اتخذه النصارى عيدا وقيل بل العيد السرور العايد ومنه يوم العيد لاولنا واخرنا نأكل منها جميعا وقيل لمن في زماننا ولمن بعدنا وآية منك وارزقنا وانت خير الرازقين. (115) قال الله إنى منزلها عليكم إجابة إلى سؤالكم وقرء منزلها بدون التشديد فمن يكفر بعد منكم فإنى أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين في المجمع عن الباقر (عليه السلام) إن عيسى بن مريم (عليهما السلام) قال لبني إسرائيل صوموا ثلاثين يوما ثم سلوا الله ما شئتم يعطكموه فصاموا ثلاثين فلما فرغوا قالوا إنا لو عملنا لأحد من الناس فقضينا عمله لأطعمنا طعاما وإنا صمنا وجعنا فادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها عليها سبعة أرغفة وسبعة أخوان (1) حتى وضعتها بين أيديهم فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم. وعن عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نزلت المائدة خبزا ولحما وذلك أنهم سألوا عيسى عليه السلام طعاما لا ينفد يأكلون منه قال فقيل لهم فإنها مقيمة لكم ما لم تخونوا (2) وتخبأوا وترفعوا فإن فعلتم ذلك عذبتكم قال فما مضى يومهم حتى خبأوا وترفعوا وخانوا. وعن سلمان الفارسي رضى الله عنه أنه قال والله ما تبع عيسى (عليه السلام) شيئا من المساوئ قط ولا انتهز شيئا ولا قهقه ضحكا ولا ذب ذبابا عن وجهه ولا أخذ أنفه من نتن شئ قط ولا عبث قط ولما سأله الحواريون أن ينزل عليهم المائدة لبس صوفا وبكى قال اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء الاية فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين

____________________________

1 - الخوان كغراب وكتاب ما يؤكل عليه الطعام كالاخوان.

 2 - قوله ما لم تخونوا وتخبأوا يمكن أخذه من جبا بالجيم الموحدة من باب منع وفرح أي لم تدعوا وتكرهوا أو تغضبوا ومن خبأ بالخاء المعجمة والباء الموحدة من باب منع أي ما لم تستروا وتخفوا امرها وخبأتم فيها من كيد خائبى أي خائب أو التاء المثناة من ختأه كمنعه كفه عن الامر اختتأ له أي خدمه. 

[ 99 ]

وهم ينظرون إليها وهي تهوى منقضة حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى على نبينا وآله و (عليه السلام) وقال اللهم اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها فتلة (1) مثلة وعقوبة واليهود ينظرون إليها ينظرون إلى شئ لم يروا مثله قط ولم يجدوا ريحا أطيب من ريحه. فقام عيسى عليه السلام فتوضأ وصلى صلاة طويلة ثم كشف المنديل عنها وقال بسم الله خير الرازقين فإذا هو سمكة مشوية ليس عليها فلوس تسيل سيلا من الدسم وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما عدا الكراث وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون وعلى الثاني عسل وعلى الثالث سمن وعلى الرابع جبن وعلى الخامس قديد. فقال شمعون يا روح الله أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة ؟ فقال عيسى (عليه السلام) ليس شئ مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة ولكنه شئ افتعله الله بالقدرة الغالبة كلوا ما سألتم يمددكم ويرزقكم من فضله فقال الحواريون يا روح الله لو أريتنا من هذه الاية اليوم آية اخرى فقال عيسى (عليه السلام) يا سمكة احيي بإذن الله تعالى فاضطربت السمكة وعاد عليها فلوسها وشوكها وفرقوا منها فقال ما لكم تسألون أشياء إذا اعطيتموها كرهتموها ما أخوفني عليكم أن تعذبوا يا سمكة عودي كما كنت بإذن الله فعادت السمكة مشوية كما كانت فقالوا يا روح الله كن أول من يأكل منها ثم نأكل نحن فقال عيسى (عليه السلام) معاذ الله أن آكل منها ولكن يأكل منها من سألها فخافوا أن يأكلوا منها فدعا لها عيسى (عليه السلام) أهل الفاقة والزمنى (2) والمرض والمبتلين فقال كلوا منها ولكم الهناء ولغيركم البلاء فأكل منها ألف وثلثماة رجل وامرأة من فقير ومريض ومبتلى وكلهم شبعان تتجشأ. (3) ثم نظر عيسى (عليه السلام) إلى السمكة فإذا هي كهيئتها حين نزلت من السماء ثم

____________________________

1 - قوله فتلة يقال فتله عن وجهه فانفتل أي صرفه فانصرف والمراد لعله لا تجعله سببا لانصراف النعمة.

 2 - الزمانة العاهة وآفة في الحيوان يقال زمن الشخص زمنا وزمانة فهو زمن من باب تعب وهو مرض يدوم زمانا طويلا.

 3 - التشجؤ تنفس المعدة. 

[ 100 ]

طارت المائدة صعداء وهم ينظرون إليها حتى توارت عنهم فلم يأكل يومئذ منها زمن إلا صح ولا مريض إلا برء ولا فقير إلا استغنى ولم يزل غنيا حتى مات وندم الحواريون ومن لم يأكل منها وكانت إذا نزلت اجتمع الأغنياء والفقراء والصغار والكبار يتزاحمون عليها فلما رآى ذلك عيسى عليه السلام جعلها نوبة بينهم فلبثت أربعين صباحا تنزل ضحى فلا تزال منصوبة يؤكل منها حتى إذا فاء الفئ طارت صعداء وهم ينظرون في ظلها حتى توارت عنهم وكانت تنزل غبا يوما ويوما لا فأوحى الله تعالى إلى عيسى (عليه السلام) اجعل مائدتي للفقراء دون الأغنياء فعظم ذلك على الأغنياء حتى شكوا وشككوا الناس فيها فأوحى الله تعالى إلى عيسى إني شرطت على المكذبين شرطا إن من كفر بعد نزولها أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين فقال عيسى (عليه السلام) إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم فمسخ منهم ثلثماة وثلاثة وثلاثون رجلا باتوا من ليلتهم على فرشهم مع نسائهم في ديارهم فأصبحوا خنازير يسعون في الطرقات والكناسات ويأكلون العذرة في الحشوش (1) فلما رأى الناس ذلك فزعوا إلى عيسى (عليه السلام) وبكوا وبكى على الممسوخين أهلوهم فعاشوا ثلاثة أيام ثم هلكوا قال وفي تفسير أهل البيت عليهم السلام كانت المائدة تنزل عليهم فيجتمعون عليها ويأكلون منها ثم ترفع فقال كبراؤهم ومترفوهم لا ندع سفلتنا يأكلون منها فرفع الله المائدة ببغيهم ومسخوا قردة وخنازير. والقمي اقتصر على ما نسبه إلى تفسير أهل البيت عليهم السلام مقطوعا والعياشي عن الباقر (عليه السلام) المائدة التي نزلت على بني إسرائيل كانت مدلاة (2) بسلاسل من ذهب عليها تسعة أخونة وتسعة أرغفة وفي رواية اخرى تسعة الوان أرغفة وفي المجمع عن الكاظم (عليه السلام) إنهم مسخوا خنازير والعياشي مثله.

____________________________

1 - الحش بالفتح والتشديد والفتح اكثر من الضم والكسر المخرج وموضع الحاجة واصله من الحش البستان لانهم كانوا كثيرا ما يتغوطون في البساتين فلما اتخذوا الكنيف وجعلوها خلفا عنها اطلقوا عليها الاسم مجازا وجمع الحش حشان مثل ضيف وضيفان.

 2 - ادليتها ارسلتها، تدلى من الشجرة تعلق. 

[ 101 ]

وفي التهذيب عن الرضا (عليه السلام) والجريث والضب فرقة من بني إسرائيل حيث نزلت المائدة على عيسى بن مريم (عليهما السلام) لم يؤمنوا فتاهوا (1) فوقعت فرقة في البحر وفرقة في البر وفي الخصال عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث المسوخات وأما الخنازير فقوم نصارى سألوا ربهم تعالى انزال المائدة عليهم فلما أنزلت عليهم كانوا أشد ما كانوا كفرا وأشد تكذيبا. (116) وإذ قال الله يا عيسى بن مريم العياشي عن الباقر (عليه السلام) لم يقله وسيقوله إن الله إذا علم شيئا هو كائن أخبر عنه خبر ما قد كان ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمى إلهين من دون الله توبيخ للكفرة وتبكيت لهم. القمي وذلك أن النصارى زعموا أن عيسى (عليه السلام) قال لهم إنى وأمي إلهين (2) من دون الله فإذا كان يوم القيامة يجمع الله بين النصارى وبين عيسى على نبينا وآله و (عليه السلام) فيقول ءأنت قلت الآية قال سبحانك انزهك تنزيها من أن يكون لك شريك ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق ما لا يحق لى أن أقوله إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك تعلم ما أخفيه ولا أعلم ما تخفيه. والعياشي عن الباقر (عليه السلام) في تفسيرها إن الأسم الأكبر ثلاثة وسبعون حرفا فاحتجب الرب تعالى بحرف فمن ثمة لا يعلم أحد ما في نفسه عز وجل أعطى آدم اثنين وسبعين حرفا فتوارثها الأنبياء حتى صارت عند عيسى فذلك قول عيسى عليه السلام تعلم ما في نفسي يعني اثنين وسبعين حرفا من الأسم الأكبر يقول أنت علمتنيها فأنت تعلمها ولا أعلم ما في نفسك يقول لأنك احتجبت من خلقك بذلك الحرف فلا يعلم أحد ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب. (117) ما قلت لهم إلا مآ أمرتنى به أن اعبدوا الله ربى وربكم وكنت عليهم شهيدا رقيبا مطلعا أمنعهم من أن يقولوا ذلك ويعتقدوه مادمت فيهم فلما توفيتنى

____________________________

1 - تاه في الارض أي ذهب متحيرا يتيه تيها وتيهانا.

 2 - لعل التقدير انى وامى اتخذوا الهين ولا يستقيم حكاية عن الآية كما لا يخفى. 

[ 102 ]

بالرفع إلى السماء من قوله أنى متوفيك ورافعك إليك والتوفي أخذ الشئ وافيا والموت نوع منه قال الله عز وجل يتوفى الأنفس حين موتها والتى لم تمت في منامها كنت أنت الرقيب عليهم المراقب لأحوالهم وأنت على كل شئ شهيد مطلع مراقب له. (118) إن تعذبهم فإنهم عبادك تملكهم وتطلع على جرائمهم قيل فيه تنبيه على أنهم استحقوا ذلك لأنهم عبادك وقد عبدوا غيرك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم القادر القوي على الثواب والعقاب الذي لا تثيب ولا تعاقب إلا عن حكمة وصواب فإن المغفرة حسنة لكل مجرم فان عذبت فعدل وإن غفرت ففضل. (119) قال الله هذا يوم (1) ينفع الصادقين صدقهم وقرء يوم بالنصب ولا يخلو من تكلف لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم. (120) لله ملك السموت والأرض وما فيهن وهو على كل شئ قدير فيه تنبيه على كذب النصارى وفساد دعواهم في المسيح وأمه. القمي والدليل على أن عيسى عليه السلام لم يقل لهم ذلك قوله تعالى هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم. ثم روى باسناده عن الباقر عليه السلام في هذه الاية إذا كان يوم القيامة وحشر الناس للحساب فيمرون باهوال يوم فيمرون بأهوال يوم القيامة فلا ينتهون تإالى العرصة حتى يجهدوا جهدا شديدا قال يقفون بفناء العرصة ويشرف الجبار عليهم وهو على عرشه فأول من يدعى بنداء يسمع الخلائق أجمعين أن يهتف باسم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم النبي القرشي العربي قال فيتقدم حتى يقف على يمين العرش. قال ثم يدعى بصاحبكم فيتقدم حتى يقف على يسار رسول الله صلى الله عليه

____________________________

1 - قوله تعالى هذا يوم ينفع هذا مبتدأ ويوم خبره وهو معرب لانه مضاف الى معرب فيبقى على حقه من الاعراب ويقرء يوم الفتح وهو منصوب على الظرف وهذا فيه وجهان احدهما هو مفعول قال الله هذا القول في يوم والثاني ان هذا مبتدء ويوم ظرف للخبر المحذوف اي هذا يقع أو يكون يوم ينفع وقال الكوفيون يوم في موضع رفيع خبر هذا ولكنه بني على الفتح لاضافته الى الفعل وعندهم يجوز بناؤه وان اضيف الى معرب وعندنا لا يجوز الا إذا اضيف الى مبني. 

[ 103 ]

وآله وسلم ثم يدعي بأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيقولون على يسار علي ثم يدعى بنبي نبي وأمته معه من اول البنيين الى آخرهم وأمنهم معهم فيقفون على يسار العرش. قال ثم أول من يدعى للمسائلة القلم قال فيتقدم فيقف بين يدى الله في صورة الادميين فيقول الله هل سطرت في اللوح ما ألهمتك وأمرتك به من الوحي فيقول القلم نعم يا رب قد علمت اني قد سطرت في اللوح ما أمرتني وألهمتني به من وحيك فيقول الله فمن يشهد لك بذلك فيقول يا رب وهل أطلع عى مكنون سرك خلق غيرك قال فيقول له أفلجت حجتك. قال ثم يدعى باللوح فيتقدم في صورة الادميين يقف مع القلم فيقول له هل سطر فيك القلم ما ألهمته وأمرته به من وحى فيقول اللوح نعم يا رب وبلغته اسرافيل ثم يدعى باسرافيل فيتقدم اسرافيل مع اللوح والقلم في صورة الادميين فيقول الله له هل بلغك اسرافيل ما بلغ فيقول يا رب وبلغته جميع أنبيائك وأنفذت إليهم جميع ما انتهى الى من أمرك وأديت رسالاتك الى نبي نبي ورسول رسول وبلغتهم كل وحيك وحكمتك وكتبك وان آخر من بلغته رسالتك ووحيك وحكمتك وعلمك وكتابك وكلامك محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم العربي القرشي الحرمي حبيبك قال أبو جعفر عليه السلام فأول من يدعى من ولد آدم للمسائلة محمد بن عبد الله فيدنية الله حتى لا يكون خلق أقرب الى الله يومئذ منه فيقول الله يا محمد صلى الله عليه وآله وسلم هل بلغك جبرئيل ما أوجبت إليك وأرسلته به إليك من كتابي وحكمتي وعلمي وهل أوحى ذلك إليك فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نعم يا رب قد بلغني جبرئيل جميع ما أوحيته إليه وأرسلته به من كتابك وحكمتك وعلمك وأوحاه الى فيقول الله لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم هل بلغت لامتك ما بلغك جبرئيل من كتابي وحكمتي وعلمي فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معم يا رب قد بلغت أمتي جميع ما أوحيت الى من كتابك وحكمتك وعلمك وجاهدت في سبيلك. فيقول الله لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فمن يشهد لك بذلك فيقول محمد صلى الله عليه وآله وسلم يا رب أنت الشاهد لي بتبليغ الرسالة وملائكتك والابرار من أمتي

[ 104 ]

وكفى بك شهيدا فيدعى بالملائكة فيشهدون لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بتبليغ الرسالة ثم يدعى بامة محمد فيسألون هل بلغكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسالتي وكتابي وحكمتي وعلمني وعلكم ذلك فيشهدون لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بتبليغ الرسالة والحمكة والعلم فيقول الله لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فهل استخلف في أمتك من بعدك من يقوم فيهم بحكمتي وعلمي ويفسر لهم كتابي ويبين لهم ما يختلفون فيه من بعدك حجة لي وخليفة في الارض فيقول محمد صلى الله عليه وآله وسلم نعم يا رب قد خلقت فيهم علي بن ابي طالب صلوات الله وسلامه عليه أخي ووزيري ووصيي وخير أمتي ونصبته لهم علما في حيوتي ودعوتهم الى طاعته وجعلته خليفتي في امتي إماما يقتدى به الامة من بعدي الى يوم القيامة فيدعى بعلي بن ابي طالب فيقال له هل أوصى إليك محمد صلى الله عليه وآله وسلم واستخلفك في أمته ونصبك علما لامته في حيوته وهل قمت فيهم من بعده مقامه فيقول له علي نعم يا رب قد أوصى الى محمد وخلفني في أمته نصبني لهم علما في حيوته فلما قبضت محمدا صلى الله عليه وآله وسلم إليك جحدتني أمته ومكروابي واستضعفوني وكادوا يقتلونني وقدموا قدامي من أخرت وأخروا من قدمت ولم يسمعوا مني ولم يطيعوا أمري فقاتلتهم في سبيلك حتى قتلوني فيقال لعلي هل خلفت من بعدك في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم حجة وخليفة في الارض يدعو عبادي الى ديني والى سبيلي فيقول علي نعم يا رب قد خلفت فيهم الحسن ابني وابن بنت نبيك فيدعى بالحسن بن علي صلوات الله عليهما فيسأل عما سئل عنه علي بن ابي طالب عليه السلام قال ثم يدعى بامام إمام وبأهل عالمه فيحتجون بحجتهم فيقبل الله عذرهم ويجيز حجتهم قال ثك يقول الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم العياشي عن امير المؤمنين عليه السلام قال كان القرآن ينسخ بعضه بعضا وانما يؤخذ من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بآخره وكان آخر ما نزل عليه سورة المائدة نسخت ما قبلها ولم ينسخها شئ لقد نزلت عليه وهو على بغلة شهباء وثقل عليه الوحي حتى وقفت وتدلى بطنها حتى رأيت سرتها تكاد تمس الارض وأغمي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى وضع يده على ذوابة شيبة بن وهب الجحمي ثم دفع ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقرأ علينا سورة

[ 105 ]

المائدة فعمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلمنا. وعن الصادق عليه السلام نزلت المائدة كملا ونزلت معها سبعون ألف ألف ملك وفي ثواب الاعمال عن الباقر عليه السلام من قرء سورة المائدة في كل يوم خميس لم يلبس إيمانه بظلم ولم يشرك به أبدا انشاء الله تعالى.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 9843319

  • التاريخ : 16/05/2021 - 19:06

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net