• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم .
        • القسم الرئيسي : المقالات القرآنية التخصصية .
              • القسم الفرعي : الأخلاق في القرآن .
                    • الموضوع : دروس أخلاقية من سورة الفاتحة ( الدرس الثالث) .

دروس أخلاقية من سورة الفاتحة ( الدرس الثالث)

الشيخ : عيسى جاسم القفّاص

(الحمد لله رب العالمين)

الحمد يعني الثناء على الجميل الاختياري من الذات والصفات والأفعال، والثناء على الله ثناء على كل شيء يرتبط به سبحانه على ذاته وصفاته وأفعاله، وكل ما في العالم أفعاله وكل خير منه سبحانه، قال تعالى {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ}(1)، والرب هو الذي يعطي المربوب ما يحتاجه، والله رب العالمين رب الدنيا والآخرة، رب الغيب والشهادة، رب الأنبياء والمساكين، فهو الذي يعطي كل موجود ما يحتاجه، سواء كانت حاجة معنوية أو مادية، فالحمد له وحده لا غير، وحتى الحمد الذي يصدر من عبده إنما هو بتوفيقه، يقول زين العابدين(ع) في مناجاة الشاكرين: (فكيف لي بتحصيل الشكر وشكري إياك يفتقر إلى شكر؟! فكلما قلت لك الحمد، وجب علي لذلك أن أقول لك الحمد (2). وهذه الآية عين لا تنبض بالمواعظ للعبد المسكين:

‌أ-  لا حمد لغيره(3): على العبد أن لا ينتظر الثناء من أحد من العباد؛ لأنه ليس له حول ولا قوة فيما قام به، وعليه أن يشعر أن كل أعماله الصالحة التي يقوم بها إنما هي بتوفيق من الله، ولولا عناية الله لما قام بشيء من الأعمال الصالحة، فهو الموفق لكل خير، فعلام العجب إذن؟ إذا كان الخير ليس إلا له فعلام الغرور، أحيانا يشعر الإنسان أنه في منصب لولاه لما قام أحد غيره به! وهذا من حيل الشيطان، وأحيانا يشعر الإنسان أن له مقاما كبيرا لما يقوم به من أعمال صالحة وخدمات للمجتمع؟ واعجباه ألا يقرأ هذا الفقير كل يوم قوله تعالى الحمد لله؟ ليس للعبد شيء وإنما الحمد لله، تأمل أيها العبد في قوله تعالى {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(4)، هل هذه الآية مبالغة؟ أم حقيقة؟ على كل إنسان خصوصا أصحاب المناصب والمراكز الاجتماعية وسيما المناصب المعنوية المرتبطة بالدين، أن يركز هذه الحقيقة في نفسه وأنه لم يقم بشيء وليس هو شيء، إنما كل شيء منه سبحانه وهو المحمود بل وهو الحامد سبحانه، وأكثر مصائبنا من النفس وحبها وحب الدنيا، عندما يرى الإنسان نفسه شيئا وأنه لابد أن يحمد ويحترم ويقدس، من هنا تبدأ المشاكل الأساسية في المجمع، وتحل كل المشاكل عندما لا يرى الإنسان نفسه شيئا، وأنه لا يستحق لا حمدا ولا شكرا، وإنما الذي يستحق ذلك هو الله، لقد تمكنت المجاملات والرسوم وحب النفس من مجتمعنا أيما تمكن حتى انقلبت المفاهيم - والعياذ بالله سبحانه - ؛ فترى كثيرا من أصحاب المناصب الدينية ربما يغضب كالأسد إذا لم يسد إليه الشكر والحمد ولم يشر إليه بالبنان.

‌ب-  الشرك في الحمد: كثيرا منا يبتلى بالشرك في الحمد فيحمد سوى الله، فيحمد ويشكر ذلك الذي أعطاه المال ويغفل عن كونه من الله سبحانه، وأن هذا العبد ليس إلا وسيلة سخرها الله، أحيانا يعوِّل المؤمن في معيشته على الراتب الشهري الذي يستلمه من الشركة الفلانية، دون أن يلتفت إلى أن الرزق بيد الله، وأن هذا المال من الله هذا شرك خفي، والحديث عن الرضا(ع) ( من لم يشكر المنعم من المخلوقين لم يشكر الله)(5) لا يتنافى مع هذه الحقيقة؛ لأنه لابد (6) أن يشكر المخلوق مع الالتفات إلى أنه مخلوق ليس من عنده شيء، وأن ذلك من عند الله، كثيرٌ منا يحمد غير الله، كثيرٌ منا يشكر الغني الذي أعطاه مالا غافلا عن الله، كثيرٌ منا يشكر المسؤول في الشركة لأنه وظفه في الشركة، ويغفل عن الله، كثيرٌ منا يمدح العالم العارف الفلاني غافلا عن كونه رشحة من جمال الخالق، كثيرٌ منا يثني على عِلْمِ فلان من العلماء غافلا عن كون علمه تجلي من علم الخالق... ونغفل عن قوله تعالى وما نقرؤه كل يوم {الْحَمْدُ للّهِ}.

مالك يوم الدين

ملكُ اللهِ ملكٌ حقيقيٌ(7) وهو يملك الدنيا والآخرة، والآخرة باطن هذه الدنيا، قال تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}(8) ولكن تظهر ملكيته للجميع يوم القيامة، قال تعالى: {هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً}(9) فالولاية لله في الدنيا والآخرة، لكنها تظهر للجميع يوم القيامة وتتجلى بأكمل صورها؛ لأن بصر الإنسان يكون نافذا يوم القيامة، بل بمجرد أن يموت قال تعالى: {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}(10) وفي يوم القيامة يجازى الإنسان عن جميع ما فعل، عن كل صغيرة وكبيرة، قال تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}(11)، فالله مالك يوم القيامة وفيه يحاسب الناس وهذا معنى يوم الدين أي يوم الحساب، وفي هذه العقيدة دروس:

ذكرى الدار :

يجب على الإنسان أن يضع نصب عينيه دائما أن مرده إلى القبر وإلى الحياة الخالدة التي لا موت فيها، وأنه إما إلى حفرة من حفر النار أو إلى روضة من رياض الجنة، عن أبي عبد الله(ع) قال: (إن للقبر كلاما في كل يوم يقول: أنا بيت الغربة، أنا بيت الوحشة، أنا بيت الدود، أنا القبر، أنا روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار)(12)، وهذه الحالة إذا عاشها الإنسان عصمته عن الذنوب والاستغراق في ملذات الدنيا، وهكذا كان حال أهل البيت(عليهم السلام)، روي عن أم كلثوم بنت علي(عليها السلام): (لما كانت ليلة تسع عشرة من شهر رمضان قدمت إليه عند إفطاره طبقا فيه قرصان من خبز الشعير وقصعة فيها لبن وملح جريش، فلما فرغ من صلاته أقبل على فطوره، فلما نظر إليه وتأمله حرك رأسه وبكى بكاء شديدا عاليا، وقال: يا بنية ما ظننتُ أن بنتا تسوء أباها كما قد أسأت أنت إلي. قالت: وما ذا يا أباه؟ قال: يا بنية أتقدمين إلى أبيك إدامين في فرد طبق واحد؟ أتريدين أن يطول وقوفي غدا بين يدي الله  يوم القيامة؟! أنا أريد أن أتبع أخي وابن عمي رسول الله(ص)، ما قدم إليه إدامان في طبق واحد إلى أن قبضه الله، يا بنية ما من رجل طاب مطعمه ومشربه وملبسه إلا طال وقوفه بين يدي الله  يوم القيامة، يا بنية إن الدنيا في حلالها حساب وفي حرامها عقاب...، يا بنية والله لا آكل شيئا حتى ترفعين أحد الإدامين، فلما رفعته تقدم إلى الطعام فأكل قرصا واحدا بالملح الجريش)(13).

الإنسان الذاكر للآخرة عندما يهم بظلم أحد يفكر في الآخرة، وأنه سوف يؤخذ بظلمه فيتراجع، وإذا أراد أن يتكبر يتذكر أنه إن فعل فسوف يجعل كالذر ذليلا يقوم القيامة تطؤه الخلائق، ولذا قال رسول الله(ص) (كفى بالموت واعظا)(14)، وكان أهل البيت(عليهم السلام) وهم المعصومون يضطربون عند ذكر الموت، تصف أم كلثوم سلام الله عليها حال أمير المؤمنين(ع) ليلة التاسع عشر من شهر رمضان فتقول: (ويكثر الدخول والخروج وهو ينظر إلى السماء وهو قلق يتململ ... قالت: ولم يزل تلك الليلة قائما وقاعدا وراكعا وساجدا، ثم يخرج ساعة بعد ساعة يقلب طرفه في السماء، وينظر في الكواكب وهو يقول: والله ما كَذِبْتُ ولا كُذِّبْتُ، وإنها الليلة التي وُعدت بها، ثم يعود إلى مصلاه ويقول: اللهم بارك لي في الموت، ويكثر من قول: إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ويصلي على النبي وآله، ويستغفر الله كثيرا. قالت: فلما رأيته في تلك الليلة قلقا متململا كثير الذكر والاستغفار أرقت معه ليلتي وقلت: يا أبتاه ما لي أراك هذه الليلة لا تذوق طعم الرقاد؟ قال: يا بنية إن أباك قتل الأبطال وخاض الأهوال وما دخل الخوف له جوفا، وما دخل في قلبي رعب أكثر مما دخل في هذه الليلة، ثم قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقلت: يا أباه مالك تنعى نفسك منذ الليلة؟ قال: يا بنية قد قرب الأجل وانقطع الأمل)(15).

علينا أن نراجع أنفسنا جيدا فهل نحن ذاكرون للموت؟ أم هي لقلقة لسان؟ ويستدل على ذلك بالآثار والعمل الصالح، فأكثرنا ذكرا للموت أكثرنا زهدا في الدنيا، وأكثرنا خوفا من الله، وأكثرنا ورعا وأكثرنا جهادا وخدمة للدين.

والحمد لله رب العالمين.

 المصادر :

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النساء:79.

(2) الصحيفة السجادية.

(3) لأنه لا حمد إلا للرب حيث لا شيء إلا من الرب الحقيقي.

(4) الأنفال:17.

(5) ميزان الحكمة: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق.

(6) بحكم العقل.

(7) في قبال الملك الاعتباري.

(8) الروم:7.

(9) الكهف:44.

(10) سورة ق:22: وفي هذه الآية إشارة أيضا إلى أن الآخرة هي باطن الدنيا فتأمل.

(11) الكهف:49.

(12) الكافي: الشيخ الكليني:ج3/ باب ما ينطق به موضع القبر: وفي الرواية تغليب للإنذار، ولذا قدم أنا بيت الغربة و... .

(13) بحار الأنوار: 42 / 276.

(14) تحف العقول:35.

(15 ) بحار الأنوار: 42 / 276.


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/subject.php?id=587
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2009 / 07 / 02
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 07 / 18