• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم .
        • القسم الرئيسي : تفسير القرآن الكريم .
              • القسم الفرعي : تفسير السور والآيات .
                    • الموضوع : قصّة آية المخلَّفون والعزلة الخانقـة .

قصّة آية المخلَّفون والعزلة الخانقـة

السيّد مالك الموسوي

(وَعَلَى الثَّلاثَةِ الذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) التوبة: 118.

(ما يُقْعِدُنَا بالمدينة ولا يكلّمنا رسولُ الله ولا إخواننا ولا أَهلونا، فهلِمُّوا نخرج إلى هذا الجبل.. فلا نزال فيه حتّى يتوبَ اللهُ علينا أو نموت).

هكذا قرّرَ الثلاثة الذينَ خُلِّفوا عن رَكْب المجاهدين في (غزوة تبوك) في ساعة العُسرة؛ لأنّهم آثروا المكوث عند أهليهم على الخروج مَعَ الجيش الإسلامي الزاحف لمحاربة الروم، القوّة العظمى آنذاك، والتي استطاعت أنْ تنتصر على الإمبراطوريّة الفارسيّة، القوّة العظمى الأُخرى المنافِسَة في العالَم.

لقد اتّخذوا قرارَهم في الذهاب إلى رؤوس الجبال خارج المدينة، بعد أَنْ قرّرَ الناسُ جميعاً ـ نساءً ورجالاً، صغاراً وكباراً ـ مقاطعتهم، وحتّى عدم ردِّ السلام عليهم! حتّى أنَّ نساءهم جِئْنَ إلى الرسول القائد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقلنَ له:

يا رسولَ قد بلغنا سخطُكَ على أزواجنا أَفَنَعْتَزِلُهُم؟

فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم):(لا... ولكن لا يقربوكنّ).

* ولنستمع إلى قصّتهم على لسان أحدهم (كعب بن مالك) وهو يحدّثنا بلوعة ومرارة وحزن(1):

كانَ من خبري حينما تخلّفتُ عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في غزوةِ تبوك.. أنّي لم أكن قط أقوى ولا أيسر منِّي.. واللهُ ما جمعتُ قبلها راحلتَين قط.. وكانَ

رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قلّما يُريد غزوة إلاّ ورّى بغيرها، حتّى كانت تلك الغزوة، فغزاها في حرٍّ شديد، واستقبل سَفَرَاً بعيداً، وعدوّاً كثيراً.. فجلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهّبوا أهبة عدوّهم، فأخبرهم بوجهتهم التي يُريد.

وغزا رسول الله تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال.. وأنا إليها أصغو، وطفقتُ أغدو؛ لكي أَتجهّزَ معهم فأرجع ولا أقضي شيئاً، فأقولُ لنفسي:

أنا قادرٌ على ذلك إنْ أردتُ.

فلم يزل ذلك يتهادى(2) بي حتّى استمرَّ بالناس الجِد، فأصبح رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) غادياً والمسلمون مَعَه ولم أقضِ في جهازي شيئاً، فلم يزل يتهادى بي حتّى أسرعوا وتفارط الغزو، فهممتُ أنْ أَرتحل فأدركهم، وليتَ أنِّي فعلتُ، ثمَّ لم يُقَدَّر لي ذلك، فطفقتُ إذا خرجتُ في الناس بعد خروج رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يحزنني أنّي لا أرى لي أُسوة إلاّ رجلاً مغموصاً عليه في النفاق، أو رجلاً ممّن عذر الله.

ولم يذكرني رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتّى بلغَ تبوك، فقال وهو جالسٌ في القوم بتبوك:

(ما فعل كعب بن مالك)؟

فقال رجلٌ من بني سلمة:

يا رسولَ الله حَبَسَه بُردَاه والنظر في عَطِفَيْه.

فقال لهُ معاذ بن جبل:

بئسما قلتَ، والله يا رسول الله ما علمنا عنهُ إِلاّ خيراً. فسكتَ رسول الله.

قال كعب:

لقد توانيتُ وثقلتُ بعد خروج رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أيّاماً.. أدخلُ السوق ولا أقضي حاجة، فلقيتُ هلال بن أُميّة، ومرارة بن الربيع.. وقد كانا تخلّفا أيضاً.. فتوافقنا أنْ نبكّر إلى السوق فلم نقضِ حاجة.. فلا زلنا نقول نخرج غداً أو بعد غدٍ حتّى بلغنا إقبال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَنَدِمْنَا..

فلمّا وافى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) استقبلناه نُهنِّئُهُ بالسلامة، فسلّمنا عليه.. فلم يرد علينا السلام وأعرضَ عنّا، وسلّمنا على إخواننا فلم يردّوا علينا السلام، فبلغ ذلك أهلينا فقطعوا كلامنا.. وكنّا نحضر المسجد فلا يُسلِّم علينا أحدٌ ولا يكلِّمنا.

فجاءت نساؤنا إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقلنَ:

قد بلغنا سخطُكَ على أزواجنا. أَفَنَعْتَزِلُهُم؟

فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (لا تعتزلنَّهم ولكن لا يقربوكنّ)(3).

أضاف كعب:

ونهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن كلامنا نحنُ الثلاثة مِن بين مَنْ تخلّفَ عنه.

فاجتنبْنا الناسَ.. حتّى تنكّرتْ لي في نفسي الأرض.. فما هي بالأرض التي كنتُ أعرف.. فلبثْنا على ذلك خمسين ليلة!

فأمّا صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما.

أمّا أنا فكنتُ أَشَدَّ القوم وأَجْلَدَهُم، أخرجُ فأشهد الصلاة مَعَ المسلمين وأطوفُ في الأسواق فلا يكلّمني أحد.. وآتي رسولَ الله فأُسلِّم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة وأقولُ في نفسي:

هل حرّكَ شفتيه بردِّ السلام أم لا؟

ثمَّ أُصلِّي قريباً منه وأُسارقه النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي نظر إِليّ، فإذا التفتُّ نحوه أعرض عنِّي، حتّى إِذا طال ذلك التفتُّ نحوه أعرض عنِّي، حتّى إِذا طال ذلك مِن هَجْر المسلمين مشيتُ حتّى تسوّرتُ حائط أبي قتادة ـ وهو ابن عمِّي وأحبُّ الناس إِليَّ ـ فسلَّمتُ عليه. فو الله ما ردّ عليَّ السلام. فقلت له:

يا أبا قتادة أُنشدُكَ الله، هل تعلم أنّي أُحبّ الله ورسوله؟

فسكت.

فعدتُ فنشدْتُهُ، فسكت.

فعدتُ ثالثة فنشدته، قال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي وتولَّيتُ حتّى تسوّرتُ الجدار.

ويستمر كعب في حديثه فيقول:

وبينما أنا أمشي بسوق المدينة.. إذا نبطيٌ من أنباط الشام مِمَّن قدم بطعامٍ يبيعه، يقول: مَن يدلّني على كعب بن مالك؟ فطفق الناسُ يشيرون له إلَيَّ.. حتّى جاءَ فدفَعَ إِليَّ كتاباً من ملك غسّان، فقرأتُه فإذا فيه:

(أمّا بعد فقد بلغنا أنَّ صاحبكَ قد جفاك، ولم يجعلك اللهُ بدار هوان ولا مضيعة، فالحقّ بنا نواسيك)!!

فقلتُ حين قرأتُها: وهذا أيضاً من البلاء!، فتيمَّمْتُ بها التنّور فسجرتُها!

ولمّا رأى كعب بن مالك وصاحباه ما قد حلَّ بهم، قالوا:

(ما يُقعدنا بالمدينة ولا يكلِّمنا رسول الله ولا إخواننا ولا أهلونا؟.. فهلمُّوا نخرج إلى هذا الجبل.. فلا نزال فيه حتّى يتوب الله علينا أو نموت).

فخرجوا إلى ذُباب، وهو جبلٌ في المدينة، فكانوا يصومونَ، وكان أهلوهم يأتونهم بالطعام والشراب، فيضعونه ناحية.. ثمَّ يولّونَ عنهم ولا يكلِّمونهم.

وبقوا على هذا أيّاماً كثيرة يبكونَ الليل والنهار، ويدعونَ اللهَ أنْ يغفر لهم.. فلمّا طال عليهم الأمر، قال لهم كعب:

يا قوم قد سخط الله علينا ورسوله.. وقد سخط علينا أهلونا وإخواننا.. فلا يكلِّمنا أحد.. فلم لا يسخطُ بعضُنا على بعض؟!

فتفرّقوا في الجبل وحلفوا أنْ لا يُكلِّم أحدٌ صاحبه حتّى يموت أو يتوب الله عليه!

فقال كعب:

فلبثنا عشر ليالٍ، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نُهي عن كلامنا، وما أنْ حلَّ صباحُ الليلة الخمسين، وبينما كنتُ جالساً أصلِّي صلاة الفجر، قد ضاقتْ عليَّ نفسي، وضاقتْ عليَّ الأرضُ بما رحبت، وإذا بصارخ يقول بأعلى صوته:

يا كعب بن مالك.. أَبْشِر!!

فخررتُ ساجداً، وعرفتُ أنْ قد جاءَ الفرج، فأذِنَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بتوبةِ الله علينا حين صلّى الفجر.

فذهبَ الناس يبشِّروننا.. فلمّا جاءَ الذي سمعتُ صوته يُبَشِّرني نزعتُ لهُ ثوبَيَّ فكسوتُهما إيّاه ببشارته، فاستعرتُ ثوبَيْن فلبستُهما فانطلقتُ أَؤُمُّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يتلقّاني الناس فوجاً بعد فوج يهنِّئونني بالتوبة ويقولون:

هنيئاً لك توبة الله عليك، حتّى دخلتُ المسجد، فإذا رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جالس وحولُهُ الناس، ولقد كانَ وجهه يبرقُ من السرور، فقال لي:

(أبْشِر بخير، يومٌ مرَّ عليكَ منذُ ولدتْك أُمّك).. ثمَّ قرأ قولَه تعالى:

(وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)(4).

* إنَّ في الآية المباركة وقصّتها دروساً رائعة، وعِبَرَاً كبيرة، ولعلّ مِن أهمِّها:

* الدرس الأوّل:

في ساعات العُسرة، وفي مواطن المِحْنة والشدّة تُبلى السرائر، وتُمتحنُ الضمائر.. ويمضي ركبُ المجاهدين في مسيرته الزاحفة الصاعدة مخلِّفاً وراءهُ طوابير المخلَّفين، وليس المتخلِّفين فحسب!!

إنّه تعبيرٌ قرآني لهُ دلالاتهُ وإيحاءاته، فهؤلاء في حقيقة الأمر قد خلّفهم ركبُ الجهاد السائر إلى حيثُ العلياء.. تارِكاً وراءه (الذين أدركتْهم ثقلةُ الأرض، ثقلة الحرص على الراحة، والشُح بالنفقة. وقعد بهم ضعفُ الهِمّة وهزال النَخْوة..).

(وكثيرونَ هم الذينَ:

ـ يشفقون من المتاعب.

ـ وينفرونَ من الجُهد.

ـ ويؤثرونَ الراحة الرخيصة على الكدح الكريم.

ـ ويفضِّلون السلامة الذليلة على الخطر العزيز.

ـ وهم يتساقطون إعياءً خلف الصفوف الجادّة الزاحفة العارفة بتكاليف الدعوات)(5).

إنَّ هؤلاء وأمثالهم نماذج مكرَّرة في كُلِّ زمان، تغمرهم الفرحةُ وهم يرونَ أنفسهم مَعَ الخَوَالِف، ظنّاً منهم أنّهم استطاعوا بِحِنْكَتِهِم أنْ يستغفلّوا القيادة الإسلاميّة، ويتخلّصوا من (ورطة) المسير مَعَ ركب الجهاد والمجاهدين، ولكنّهم لا يعلمونَ أنّهم خُلِّفوا كالمتاعِ، وأُهمِلُوا كما يُهْمَل الرخيصُ من الأشياء:

(فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لاَ تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(6).

وهناك نموذجٌ آخر من المخلَّفين.. الذينَ يعيشونَ الإيمان بالرسالة، والشعور بمسؤوليّات الجهاد والمقاومة.. في سبيل عزّتها ورفعتها وكرامتها، ولكن يُبطِّئهم ضعفُ الإرادة في المواقف الصعبة، فيعيشوا الكسل والاسترخاء، والتردّد والتوانِي، فيحرمهم من التطلّع إلى العَلْيَاء.. فتفوتهم الفرصة، لتكون عليهم غُصّة، ثُمّ يأخذهم الحزن العميق، والندم الشديد، واللوعةُ القاتِلَة، على مواقفهم الكسولةِ المتخاذِلَة.

(لهذا كعب وَزَمِيْلاَهُ يتخلَّفونَ عن ركب رسول الله، في ساعة العُسرة، ويدركهم الضعف البشري الذي يحبِّب إليهم الظلَّ والراحة، ولكنّهم سرعان ما يشعرون بالتقصير والخطيئة)(7).

وشتّان بين مَن يخلّفهم ركبُ المجاهدين لِكَسَلِهِم وتردّدهم واسترخائهم، وبينَ مَن يُخلِّفهم لتربّصهم ومكرهم ونفاقهم.

ولهذا فقد اختلف الموقف القرآني من المخلَّفين، بحسب اختلاف النوايا والمقاصد، فهناك الموقف الصارم والحاسم تجاه بعض النماذج، فلا يسمح لهم بالمشاركة في أيِّ معركةٍ قادمةً مهما الحَّوا على الخروج.

(فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ)(8).

ذلك لأنَّ الذين يفرحون بتخلُّفهم في ساعة العسرة.. نفاقاً وجُبناً ومَكراً.. ليس لهم الحق في المشاركة في الجولات القادمة؛ لأنّهم لا يستحقّونَ شرف الجهاد، ووسام الجنديّة في الصفوف الإيمانيّة، ولأنّهم يشكّلونَ الثغرة في أيّة معركة قادمة.

من هذا المنطلق فإنَّ (الذينَ يضعفون ويتخلّفونَ يجب نَبْذهم بعيداً عن الصف، وقايةً لهُ من التخلخل والهزيمة. والتسامح مَعَ الذينَ يتخلَّفونَ عن الصف في ساعة الشِدّة،.. ثُمَّ يعودونَ إليه في ساعة الرخاء، جنايةً على الصفِّ كلّه، وعلى الدعوة التي يكافح في سبيلها كفاحه المرير)(9).

ويستمر هذا الموقف الرافض لهؤلاء حتّى بعد مماتهم:

(وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ)(10).

ففي الوقت الذي نرى هذا الموقف القرآني الصارم والحاسم تجاه تلك الطائفة من المخلَّفين، نجد الموقف تجاه الثلاثة المخلَّفين مختلفاً، فقد فُتحَ لهم بابُ العودة إلى الانتظام بالصفوف المجاهدة من جديد، وسُمحَ لهم في الالتحاق بالركب المجاهد بعد الكرب الشديد.

ولهذا فقد أفردَ القرآن القيّم لهؤلاء الثلاثة موقفاً متميِّزاً بينَ طوائف المخلَّفين:

(وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ...).

* الدرس الثاني:

إنَّ الكسل والتواني والاسترخاء قد يُصيبُ بعض المؤمنين المخلصين المستبصرين في بعض المواقف الصعبة، عندما تستجيبُ النفوس لِهُتَاف الغريزة والشهوة، فتركنُ إلى الاسترواح في الظلال الباردة، وتكره النفير إلى سوح الوغى اللاهبة.

وقد سمعنا قبل قليل حديث أحد الثلاثة المخلَّفين (فتجهَّز المسلمون وطَفِقتُ أغدو لكي أتجهّزَ معهم.. فأرجع ولا أقضي شيئاً، فأقول لنفسي:

أنا قادرٌ على ذلك إِنْ أردتُ. فلم يزل يُتهادى بي حتّى استمرَّ الناس الجد.. فأصبح رسولُ الله غادياً والمسلمون مَعَه.. ولم أقضِ في جهازي شيئاً.. ولم يزل يتهادى بي حتّى أسرعوا.. فهممتُ أنْ أرتَحِلُ فأُدركهم.. وليت أنّي فعلتُ)!!

وكم كانَ حزنه كبيراً عندما لم يجد في طوابير المخلَّفين في المدينة (إلاّ رجلاً مغموصاً عليه في النفاق أو رجلاً مِمَّن عَذَرَ الله)! مِن الذينَ يملكون العذر الشرعي كالمرضى، والذينَ لا يملكون وسيلة الجهاد.

هكذا تفوت الفرصة على الذينَ يستجيبونَ لنداء الراحة والدعة.. فيعيشون الحسرة والندم واللوعة.

فهذا الصحابي المجاهد أبو خُيْثَمة كادَ أنْ يكون رابع الثلاثة لو لا أنْ تداركهُ نعمةٌ مِن ربّه، فانتفضت الإرادةُ في نفسه، وثارت العزيمةُ في قلبه، فرفضَ كُلَّ خطوط الضغط التي أرادت أَنْ تشدّه إلى الأرض.. عندما وجَدَ نَفْسهُ بعد أيّامٍ من مسيرة الركب الجهادي الزاحف إلى تبوك، بينَ امرأتين لهُ في عريشتَين لهما في حائحه (حديقته)، قد رشت كلّ واحدةٍ منهما عريشها، وبرَّدت لهُ فيه ماء، وهيّأت لهُ فيه طعاماً. فلمّا دَخَلَ قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتَيه وما صنعتا له، فتذكّر حالة الاسترخاء والدعة التي هو عليها، في الوقت الذي يغذُّ فيه ركبُ المجاهدين السير نحو مواجهة الأعداء، بقيادة الرسول الكريم.

فقال في نفسه:

لا والله ما هذا بإنصاف.. رسولُ الله قد غَفَرَ اللهُ له ما تقدّم من ذَنْبِهِ وما تأخّر، قد خرجَ في الضح والريح، وقد حمل السلاح يُجاهد في سبيل الله، وأبو خُيْثَمَة قويٌ قاعد، في ظلِّ بارد، وبينَ امرأتين حسناوَين.. في مالهِ مقيم؟!

لا والله ما هذا بالنصف!..

ثمَّ خاطبَ زوجتَيه خطابَ المجاهد الرسالي:

والله لا أدخل عريش واحدةٍ منكما حتّى أَلْحَقَ برسولِ الله، فَهَيِّئَا لي زاداً.

وسرعان ما خرجَ أبو خُيْثَمَة يغذُّ السير في طلب ركب المجاهدين، حتّى أدركه في تبوك(11).

لقد كانَ الرسولُ القائد يقول للمجاهدين، عند سماعِهِ أنباء مَنْ يتخلّف عن ركب المقاتلين:

(دعوة فإنْ يكُ فيه خير فسيلحقه الله تعالى بكم، وإنْ يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه)!

* الدرس الثالث:

في أجواء المجتمع الإسلامي الواعي لتكاليف الرسالة، وأعباء المسؤوليّة، لا مجال للمتخلِّفين القاعدين في صفوفه..

ولهذا فقد قاطع الناسُ في المدينة هؤلاء الثلاثة المخلَّفين، فلم يَنْبِس أحدٌ معهم بِبِنْتِ شِفَة، ولم يردّ عليهم مخلوقٌ بسلامٍ وتحيّة. وقد أدركتْ نساؤهم قيمة المقاطعة، وفلسفة العزلة، فكنَّ السبّاقات على تنفيذها بحقِّ أزواجهنّ.. وهكذا امتدَّتْ المقاطعة التامّة، والجفوةُ العامّة، من قِبَل الرجال والنساء على حدٍّ سواء.. حتّى أصبح هؤلاء الثلاثة بُعداء مطرودين غرباء.. وقد وَصَل بهم الأمر إلى درجةِ الإحساس المرير بالعزلة القاتلة، والغربة الخانقة، والوحشةِ التي بلغتْ حدّاً أصبحت فيه الأرض الواسعة جحْراً ضيّقاً، وكهفاً موحشاً.. وضغطتْ عليهم أنفسهم حتّى كادتْ أنْ تقطّع أنفاسهم..

وما أبلغ وأروع التعبير القرآني وهُوَ يصوّر لنا ما يعتملُ في نفوس هؤلاء:

(حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا...)!

لقد لعبت المقاطعةُ الاجتماعيّةُ دوراً فعّالاً في الإحساس بجسامةِ الذنب الذي  ارتكبوه, وعظم الجرم الذي اجترحوه. فهاهم يرونَ أنفسهم غرباء رغم أنّهم يعيشون بينَ نسائهم وأولادهم وأبناء عمومتهم وأصدقائهم. فلم تُعَد تلك المرأةُ زوجته التي كانت تسمع له وتطيع، ولم يُعَد ذلك الشاب ابنهُ الذي كانَ يَكنُّ له أسمى آيات الاحترام والتقدير.. وتحوّل ذلك الصديق الحميم الذي كانَ دائمَ السؤال عن الصحّة والأحوال، إِلى الجافي الذي يبخلُ حتّى بردِّ التحيّة والسلام.

ولهذا (قال بعضُهم لبعض: قد هَجَرَنَا الناسُ ولا يكلّمنا أحدٌ منهم، فهلاّ نتهاجر نحنُ أيضاً؟! فتفرّقوا ولم يجتمع منهم اثنان)(12)!!

وهكذا يُطوِّقُ المجتمع الإيماني الحي مظاهرَ التخاذل والتواني والقعود، من خلال تحسيس المُخطِئين بخطئهم، ممّا يدفعهم إلى تصحيح موقفهم. فقد ورَدَ في الحديث أنّ:

(أَدنى الإنكار أنْ تلقَى أهلَ المعاصي بوجوهٍ مُكْفَهِرَّة)(13).

مِن هنا كانَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أبرز صفةٍ للأمّة الإسلاميّة (الخيّرة) التي تعيش الريادة بينَ الأمم:

(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ...)(14).

إنَّ ذكر صفة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) قبل (الإيمان بالله) لهُ دلالاتُهُ الرائعة وإيحاءاته الكبيرة.

وإنَّ تعطيل تلك الفريضة في المجتمع يمثِّلُ بداية النهاية لحياة ذلك المجتمع وفاعليَّته وحيويَّته.

فعن الإمام الرضا (عليه السلام):

(كانَ رسولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: إذا أُمَّتي تواكلتْ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فَلْتَأْذَن بوقاعٍ منَ الله)(15).

الهوامش:

_______________

1 ـ راجع: تفسير القمِّي، وتفسير مجمع البيان للطبرسي، والميزان للطباطبائي، وفي ظلال القرآن لسيِّد قطب، في تفسير الآية. وقد اعتمدنا بصورة أساسيّة على رواية عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، التي أخرجها احمد والبخاري ومسلم عن طريق الزهري.

2 ـ التهادي: التثاقل والإبطاء، والتهادي ـ كما يقول صاحب لسان العرب ـ مشيُ الإبل الثقال، وهو مشيٌ في تمايل وسكون.

3 ـ تفسير القمِّي 1: 297.

4 ـ التوبة: 118.

5 ـ في ظلال القرآن ـ سيد قطب ـ 3/ 1682.

6 ـ التوبة: 81 ـ 82.

7 ـ في ظلال القرآن ـ سيِّد قطب ـ 3/ 1730.

8 ـ التوبة: 83.

9 ـ في ظلال القرآن ـ سيِّد قطب 3/ 1683.

10 ـ التوبة: 84.

11 ـ راجع: تفسير مجمع البيان للطبرسي.

12 ـ راجع: تفسير مجمع البيان للطبرسي.

13 ـ الوسائل: 11/ 413.

14 ـ آل عمران: 110.

15 ـ البحار: 100/ 92.


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/subject.php?id=478
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2009 / 04 / 21
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 07 / 14