• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم .
        • القسم الرئيسي : تفسير القرآن الكريم .
              • القسم الفرعي : تفسير السور والآيات .
                    • الموضوع : تفسير القرآن الكريم سورة آل عمران (القسم الثالث) .

تفسير القرآن الكريم سورة آل عمران (القسم الثالث)

الأستاذ الشيخ محمود شلتوت

قلنا إن السورة عنيت بتقرير الحق في مسألة الألوهية وما يتعلق بها من أمر الدين والوحي والرسالة، وعنيت بتقرير العلة التي من شأنها أن تصرف الناس عن معرفة الحق، والعمل بمقتضاه، وإن هذه العلة ترجع إلى شدة الحرص على التمسك بالسلطان، والقبض لعي زخارف هذه الحياة.

وفيما بين الأمرين عرضت لكثير من عناد أهل الكتاب، وإثارتهم للشبه والشكوك في نفوس المسلمين، ومحاولتهم زعزعة الإيمان من قلوبهم، كفراً وعناداً، وصداً عن سبيل الله.

وفي جو هذه المواقف كلها وجَّهت السورة جملة نداءات للمؤمنين، ترشدهم فيها إلى ما يحفظون به أنفسهم من التأثر بحيل أعدائهم وخصومهم، ويركزون به وحدتهم، ويصونون كتلتهم، ويبقون به على شخصيتهم كأمة قوية متماسكة، لا يتسرب اليها شيء من عوامل الضعف والانحلال، لا من داخلها، ولا من خارجها.

وقد رأينا أن نتقدم بكلمات عن هذه النداءات التي سيجدون فيها القوى التي يحتمها الاجتماع لصيانة كل مجتمع، وما أجدرنا ـ معشر المسلمين ـ وبخاصة في هذا الوقت الذي انحلت فيه عرى الوحدة الإسلامية وتمكنت من المسلمين عوامل الإفساد داخلية وخارجية؛ ما أجدرنا أن نستمع إلى هذه النداءات الإلهية، وأن نتدبرها، وأن نعقل معناها، وأن ندرك وحيها، وأن نجعلها نبراسنا في الحياة، لتعود الينا صولة الأمة القوية، ومكانة الاخلاق القويمة، وننزل المنزلة التي أرادها الله لنا، وأنزل كتابه لأجلها (قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).

* * *

يتسرب الخلل إلى الجماعات، ويلحقها الضعف والوهن من نواح متعددة: يلحقها من جانب ضعفها النفسي، وقبولها التأثر بما يثار بينها من المثيرات، وما يذاع فيها من الأراجيف والاباطيل، ويلحقها من جهة انحلال أفرادها، وعدم تكتلهم حول هدفها وغايتها، ويلحقها من جانب السكوت عما يرتكب أبناؤها في داخلها من مخالفات وفسوق وآثام، فتنتشر حمي ذلك الوباء، فتعم الأمة، وتصبح كلها بعيدة عن الخير والفلاح، ويلحقها من جهة انخداعها بظواهر خصومها واعتقادها فيهم الإخلاص والصدق، فتمتزج بهم، وتلقي بحبال المودة إليهم، وتلحقها من جهة القسوة تملأ قلوب أغنيائها فتحول بينهم وبين الشعور بحاجة فقرائها، فلا يمد الغني يده بالمساعدة والمعونة للفقير المحتاج، فيضطغن ذلك الفقير بما يتقلب فيه من بؤس وشقاء، على ذلك الغني بما ينعم به من نعيم ورخاء، وبعد هذا وذاك يلحقها الضعف والوهن بأخلاق الجزع والهلع لما يصادفها من أحداث وصعاب، فتفقده قوة المقاومة وقوة التوقي، وتخر صريعة أمام الأحداث والخطوب، والأعداء والمحاربين.

ولعلنا بالتطبيق لهذه المبادئ على الأمم وأطوارها في قوتها وضعفها، سواء أكانت متدينة أم غير متدينة؛ ندرك تماماً أنه ما من أمة بقيت وقويت واستقر وجودها، واشتد ساعدها، واستمر لها الملك والسلطان، إلا كان الاحتياط من هذه الثغرات شأنها ودينها، وما من أمة أكلها الدهر، وأفتنها الحياة، إلا كانت ناحية أو أكثر من هذه النواحي مصدراً لنكبتها وما صارت إليه، (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً).

ولعلنا ندرك إذا انتهينا من هذا التطبيق، ووافانا التاريخ الصادق بالمثل عليه في جانب الإيجاب والسلب؛ لعلنا ندرك أن القرآن الكريم بإشارته إلى هذه المبادئ، وتحذيره من هذه الثغرات في مقام تكوين الأمم والاحتفاظ بعوامل بقائها؛ لم يفاجئ الناس بما ليس من سنن الله في كونه، ولم يكلفهم بغير ما تقضي به طبيعة الوجود، أو بما لم تجربه التجارب في مختلف الأمم والأزمان والآباد.

ولعلنا إذ ندرك هذا، ندرك أيضا أن ورود هذه المبادئ الاجتماعية الدقيقة، وهذه الارشادات التي لا يعرفها ولا يدرك آثارها إلا من رسخت في السياسة والاجتماع والتاريخ أقدامهم، وكانوا طول حياتهم في بحث وتنقيب عن علل الاجتماع، وما تبرأ به تلك العلل، وليس من المعقول أن محمداً (صلى الله عليه وسلم) بنشأته المعروفة، وفي بلده المحدود، وفي محيطه المعروف، قد وصل بنفسه إلى ذلك العلم، وأحاط به هذه الإحاطة الشاملة الكاملة التي تناولت علل الظاهر، وعلل الباطن، وعلل الداخل، وعلل الخارج، وأبرزه ذلك الإبراز القوي في تلك المناسبات التي تلتئم بمواضعها كل الالتئام، فسبحان من علمه هذا العلم، وأوحي إليه بهذا البيان (إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى).

ولنرجع إلى هذه النداءات فتعرض لها بعد هذه المقدمة بشيء من التفصيل: كان أول هذه النداءات هو قوله تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).

كثيراً ما كشف القرآن الكريم عن نيات الكفار وأهل الكتاب للمؤمنين، وأنهم لا يألون جهدهم في ردهم عن الحق الذي أشرقت أنواره على قلوبهم، وأنهم كانوا يتخذون لذلك صورا وألواناً من الشبُّه وإثارة الفتن والإيقاع بينهم، وفي ذلك يقول الله عز وجل في سورة البقرة: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ) ويقول فيها: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) ويقول: (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا) ويقول في سورتنا هذه: (وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).

وكان من هذا ما رواه المفسرون بصدد آيتنا هذه: (إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ): مرّ شاس بن قيس اليهودي ـ وكان عظيم الكفر، شديد الطعن على المسلمين، شديد الحسد لهم ـ على نفر من الانصار يجمع بين الأوس والخزرج، بعد أن استل الإسلام ما كان بينهما من أحقاد وضغائن، فشق عليه أن رآهم وقد طابت نفوسهم، وجلسوا يتبادلون أحاديث المودة والإيمان والإخاء، فجلس إليهم، وأخذ يجرهم شيئاً فشيئاً إلى أحداث الماضي حتى وقع بهم فيما كانوا فيه، وجرت بينهم ذكريات ذلك الماضي الذي جللهم بسواد العداوة والخصومة، وأخذ ينشدهم بعض ما قيل في حروبهم من الشعر، فحرك من وجدانهم، وهاج من شعورهم، وما زال بهم حتى تنادوا فيما بينهم، وعلي أنفسهم: السلاحَ السلاحَ، ولكن الله الذي كفلهم برعايته، وطهرهم من رجس الجاهلية، وعداواتها الغاشمة، وملأ بالإيمان قلوبهم، وأقام على الألفة والأخوة أمرهم، لم يمهل هذا الشيطان الذي نفث فيما بينهم سمومه، فأحبط سعيه، وأبطل كيده (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) فما هي إلا لحظات حتى بلغ الخبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فخرج إليهم تحيط به قلوب أخلصت لله ورسوله من المهاجرين والأنصار وصاح فيهم: أترجعون إلى أحوال الجاهلية وأنا بين أظهركم وقد أكرمكم الله بالإسلام وألف بين قلوبكم؟! فسكنت ثائرتهم وأغمدوا سيوفهم، ورجعوا إلى الله ورسوله تائبين نادمين مستغفرين، وهكذا التأم الجرح الذي حاول هذا المفسد أن ينكأه، وعانق بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وإخوانهم راضين مطمئنين، وأنزل الله هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ).

ولنقف هنا قليلا لنستخلص العبرة من هذا الموقف كله فنقول أولا: إنه لا يزال هذا الشأن الذي تناوله شاس بن قيس في جماعة المؤمنين الأولين، يتناوله أعداء المسلمين في كل عصور التاريخ حتى يومنا هذا، وإن للمسلمين في كل عصر من هؤلاء الخصوم النافسين عليهم مكانتهم، الحريصين على تمزيق شملهم، وتفريق كلمتهم، المنفرين لهم عن اجتماعهم حول كتابهم، (شاسا) يعمل هذا العمل، ويأب عليه جاهداً، لا وانياً عنه ولا مقصراً، ولكن هناك فرقا بين شاس اليوم وشاس الأمس، فقد كان الأول فرداً ضعيفاً ضئيلا، أو كان أفراداً معدودين ليست لهم قوة، ولا يستعينون بعلم ولا نظام ولا سلاح، ولا يملكون من الجاه والمال والسلطان ما يجذبون به عشاق المال والجاه والسلطان، أما شاس اليوم فيتمثل في دول مختلفة ذات قوة وعتاد وعلم وسلطان، وكيد وتدبير، تتجاذب المسلمين في كل أقطارهم، وتتفق جميعاً في غاية شاس الأول من هدم الإسلام وتمزيق أهله، وإحياء العداوات التي أطفأ الله نيرانها من قبل، وإذكاء نار الخصومة والبغضاء فيهم حتى جعلوهم كأرباب الأديان المتفرقة، ينفس بعضهم على بعض، ويكيد بعضهم لبعض، ويظن بعضهم الظنون ببعض، وقطعوهم أمما وشيعا، كل حزب بما لديهم فرحون.

ونقول ثانياً: إن شاس الأمس لم يستطع أن يصنع بتلك الكتلة المتراصة القوية شيئا مع وجود ذلك القلب القوي الرحيم، قلب محمد (صلى الله عليه وسلم)، ومن حوله جنود الإيمان والإخلاص، فأبطل الله بهم كيد الكائدين، ورد الألفة والمحبة إلى جماعة المؤمنين، فما أجدر المؤمنين اليوم أن يتنبهوا إلى شاسهم الذي يعمل في صفوفهم، وما أحوجهم إلى قائد قوي ذي عزمات يجمع شملهم، ويذود عنهم أعداءهم، ويطهر جوهم من فتن المفسدين، وكيد الكائدين.

وأحب أن ألفت الأنظار إلى ما تضمنته هذه الآية من عدالة في الحكم وإنصاف لأهل الكتاب، وعدم تجاوز للواقع في شأنهم، فإن أهل الكتاب، ككل أمة، فيهم الخبيث والطيب، والمحسن والمسيء، ومحب الخير ومحب الشر، وظروف الحياة والتعامل والاشتراك في الوطن، وبخاصة المصاهرة التي شرعها الله بيننا وبينهم، كل ذلك يقضي بإباحة تبادل مظاهر الحياة، ولا تخلو من أمر وإرشاد ونهي وإبداء رغبة وإشفاق وتعاون وشهادة ونحو ذلك مما يقضي به الاجتماع، وليس من الحكمة أن يُفَوِّت المسلمون على أنفسهم الانتفاع بما قد يجدونه من هؤلاء خاليا عن الإيذاء، محضا للنفع والخير، لهذا نرى القرآن في مثل هذا المقام يقصد في حكمه، ويعبر التعبير المتزن الذي يفتح للمسلمين باب التعامل مع أهل الكتاب، ويصدر الحكم في التحذير منهم جزئياً لا كلياً، أنظر إلى قوله تعالى: (ودت طائفة من أهل الكتاب). (وقالت طائفة من أهل الكتاب) (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا مادمت عليه قائما). (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ). (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ). (ليسوا سواء).

وعلى هذه السنة العامة جاء التعبير في آيتنا هذه: (إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)

وعلى هذه السنة الغالبة يُنزَّل قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)

( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ).

ثم يذكر الله للمؤمنين الذين يتعرضون لمثل هذه المواقف أن لديهم إذا رجعوا إلى نفوسهم وقلوبهم ما يعصمهم من التردي في هذه الحفرة التي يحفرها لهم أعداؤهم، لديهم آيات الله، وفيهم رسوله، آيات الله كتابه الناطق ودلائله الصامتة، وحِكم تشريعه البينة الواضحة، ومثله الماضية والحاضرة، أما رسوله فقد كان بشخصه في الأولين، وهو بسنته وسيرته وأخلاقه في الآخرين.

وإذا كان شخص الرسول قد غاب عن أعين الآخرين، فهو حاضر في قلوبهم، ماثل في أنفسهم، ولم تنقطع أسوتهم به، ولا متابعتهم له، فهم يذكرونه في الصباح والمساء، ويسمعون النداء باسمه في كل صلاة مفروضة، ويجرون اسمه لعي ألسنتهم في كل توحيد وتشهد، فمنزلة وجوده بعد مماته هي منتزلة وجود الكتاب فيهم، كلاهما متواتر يتلقاه جيل من المؤمنين عن جيل.

وقد صح في الخبر أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه، قال: (تركت فيكم أمرين لن تضلوا بعدي ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي)(1) والتمسك بهما هو الاعتصام بالله الذي جعله الله وقاية من الضلال والهلاك، وسبيلا إلى النجاة والهدى (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).

* * *

ثم جاءت الآية الثانية تشرح لنا سبيل هذا الاعتصام، وفي هذا السبيل أوصت بأمور:

(1) تقوى الله حق تقاته.

(2) الاعتصام بحبل الله.

(3) ذكر نعمة الله في تأليف قلوبهم بعد العداوة.

(4) الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

(5) الحذر من الوقوع فيما وقع فيه السابقون من التفرق والاختلاف بعد مجيء البينات.

هذا هو ما تضمنه النداء الثاني، وهو قوله تعالى

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

أما تقوى الله حق تقاته، فللمتقدمين في معناها عبارات: منها أن يطاع الله فلا يعصي، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، ومنها أن يجاهدوا في الله حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، وأن يقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم.

وقد أخذ بعضهم من بعض هذه العبارات: أن العباد قد كلفوا في هذه الآية بما لا طاقة لهم به، ويروون في ذلك عن ابن عباس، أنه لما نزلت هذه الآية شق الأمر على المسلمين، فانزل الله بعدها (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ونسخ ذلك قوله (اتقوا الله حق تقاته) وبقى عجز الآية (وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) وهذا لون ما كان لنا أن نراه في كتب التفسير، وما كان لأحد أن ينقله عن أحد في بيان معنى كلام الله، فإن تقوى الله حق تقاته، هي تقوى الله ما استطاع الإنسان. ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وهي ترجع إلى حفظ النفس من كل ما يدنسها خوفا من غضب الله وطمعاً في مرضاته، وعملا على إقرار الحق والصلاح في العالم، وأن يكون ذلك كله بقدر ما تحتمل قوى الانسان من فعل الخير والمعروف مع الإخلاص فيهما دون تفريط في مقدور، وظاهر أنه لا تعارض بين الآيتين حتى يقال إن إحداهما ناسخة للأخرى.

وهذا الأمر يرسم للمؤمنين سبيل صلاحهم، واستقرار مجتمعهم، ويربطهم في هذا الشأن برابطة وثيقة لا تنفصم عروتها، فإن كل إنسان إذا اتقى الله وراقبه وامتلأت نفسه بعظمته، فخاف غضبه، ورجا رضاه، طهرت نفسه، وأشرق عليها نور الحق واليقين، واتجهت إلى الخير في خلوتها وجلوتها، وسرائها وضرائها، وسائر أحوالها، فأفادت واستفادت، وهذا هو أساس الاصلاح الاجتماعي الحق، الذي يكون منبعه القلب، ومبعثه الإيمان، لا ذلك الذي يسوق اليه القانون، وتدفع إليه الرهبة والخوف من السلطان، ولعل الفساد الذي نراه متفشياً في العالم، ضارباً أطنابه في ربوعه، إنما نشأ من إهمال هذا الجانب، وتركيز الحياة على أسس لا تتصل بالقلب، ولا تمت إلى الروح.

ومرة أخرى نلفت الأنظار إلى أن تحديد هذا المعنى أساساً للصلاح، والمناداة به في غير ما آية من كتاب الله، وفي غير ما حديث عن رسول الله، لمن آيات الله على صدق محمد، وعلى أنه يتلقى عن الله العليم بخفيات النفوس، الخبير بطبائعها وما تصلح عليه.

وقد جاء قوله تعالى (وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) من مقتضيات تقوى الله حق تقاته، ومعناه لتستمروا على الإيمان، ولتجتنبوا عوامل الخسران والكفران، ولتسدوا دون قلوبكم وأعمالكم منافذ الضلال والبهتان، فلا تتأثرون بشبهة، ولا تركنون إلى خديعة، ولا تغترون بظاهرة، فإنكم إذا كان ذلك منهجكم وسنتكم لم يفارقكم إسلامكم لحظة، ولم يأتكم الموت إلا وأنتم مسلمون.

هذا وقد كثر في القرآن أمر الناس بتقوى الله، وجاء ذلك على أساليب مختلفة وتنبيهات متعددة، ومذكراً حيناً بنعمة الخلق، وحيناً بنعمة الرزق، وحيناً بهول الساعة ويوم الجزاء، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً) (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ) (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لاَ يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً). (وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) إلى غير ذلك.

وقد كان الأمر بالتقوى شأنا عاما على ألسنة جميع الرسل، كما أن موجبات تقواه والخوف منه عامة في جميع الأمم، وبذلك التقت الرسل أولهم مع آخرهم على هذه الكلمة: (أفلا تتقون). (فاتقوا الله وأطيعون).

إذا وجدت التقوى في النقوس دفعت إلى التمسك بكتاب الله، والاعتصام بحبله، وذلك يكون بتعرف أحكام الله أوامره ونواهيه، والعمل بها، والخضوع لها، ونبذ ما سواها والعمل على نشرها.

وحبل الله كما روي مرفوعا عن النبي (صلى الله عليه وسلم) هو القرآن الكريم، الذي يهدي للتي هي أقوم، وهو هدى الله الذي بعث به الأنبياء، وختم به الرسالات، وعُبر عنه بالحبل ـ والحبل أداة الربط والحفظ ـ للإشارة إلى أن الكتاب بتعالميه أحكامه يربط العاملين به بعضهم ببعض، ويربطهم جميعاً بربهم، ويكون عصمة لهم من التردي في مهاوي الأهواء والشهوات.

وبعد أن تأمر الآية المؤمنين بالتمسك والاعتصام بحبل الله، المقتضي لجمع الكلمة، تصرح بالنهي عن التفرق (ولا تفرقوا) وقد أطلق النهي عن التفرق إطلاقا، فشمل التفرق الناشيء عن الاعتداد بالعصبيات والجنسيات، كما كانت سنة أهل الجاهلية التي أبطلها الإسلام، والتي لأجلها نزلت هذه الآيات، والتي جاء فيها قوله (صلى الله عليه وسلم): (ليس منا من دعا إلى عصبية) وشمل التفرق الناشئ عن الآراء المبتدعة التي سحر بها فريق من الناس، وآثروها على كتاب الله فنبذوه وراءهم ظهرياً، واتبعوا ما تملي عليهم الشهوات والأهواء، وصاروا بها شيعا يضرب بعضهم رقاب بعض (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ).

وليس من التفرق المنهي عنه أن تختلف الآراء والأفهام فيما جعله الله محلا للآراء والأفهام، ووكل أمره إلى اجتهاد المجتهدين عن طريق النظر في الأدلة والمصالح ومراعاة ما ينفع الناس، وإنما التفرق المنهي عن هو التفرق عن سبيل الله الواضحة البينة، والإعراض عما نص الله عليه، وتحكيم الهوى في الدين والمصلحة، وعدم الرجوع في معرفة الحق والصالح إلى قواعد التشريع العامة التي تضمنها كتاب الله وهديه (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) (وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءتْ مَصِيراً).

فالاختلاف في التوحيد وصور العبادات وعقيدة البعث والجزاء تفرق في الدين، والاختلاف في جعل أساس التشريع هو كتاب الله، تفرق في الدين، واتخاذ الاختلاف في الرأي فيما جعله الله محلا للرأي سبيلا للتقاطع والتدابر تلبيةً لورح العصبية المذهبية، تفرق في الدين.

وقد اختلفت الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون هذا الاختلاف المذهبي، ولم ينكر منهم أحد على أحد، ولم يقاطع منهم أحد أحدا، بل اقتدي الشافعي بالحنفي والحنبلي بالمالكي، وبجل عبدُ الله بن عمر، عبدَ الله بن مسعود، وكانوا جميعاً في كل عصورهم مع اختلافهم في الفهم والرأي إخواناً في الله، معتصمين بحبل الله، وما كان أجمل صورة المسلمين وقد اجتمعت وفودهم في المؤتمر الإسلامي الأول بفلسطين في المسجد الأقصى، فصلى بهم أحد كبار مجتهدي الشيعة الإمامية فضيلة الأستاذ الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، لا فرق بين من يدعى بسنى، ولا من يدعي بشيعي، وكانوا جميعاً صفوفا متراصة خلف إمام واحد، يدعون رباً واحداً، متجهين إلى قبلة واحدة (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِي).

وما أجمل أن ترى جماعة التقريب وقد التف أعضاؤها حول منضدة واحدة يبحثون في شئون الإسلام ويستعرضون أحواله ويرسمون خطط الدعوة إلى الله، وفيهم الزيدي والإمامي والحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي، وفيهم رجال الدين ورجال الدولة وغاية الجميع واحدة هي العمل على ضم صفوف المسلمين وتنقيتها من أشواك التفرق.

وهذا هو الوضع الديني الصحيح، ولكن نفراً من المسلمين في الماضي والحاضر لذَّلهم ـ لأمر ما ـ أن يتخذوا من الاختلاف في الآراء والمذاهب سبيلا للتشنيع الذي ولد البغضاء بين المسلمين وفرق كلمتهم، وفي اعتقادي إن هذا النفر لا يصدر في موقفه هذا عن رأي يدين به، ولكن عن مصلحة يحاول الحصول عليها أو استبقاءها، ومصداق ذلك قوله تعالى في الخلف الطالح: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لاَ يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ).

وفي سبيل النهي عن التفرق يذكر الله المؤمنين الأولين، وقد حل بينهم بفضل التمسك بكتاب الله والاعتصام به الودُّ والصفاء محل البغض والجفاء ـ يذكرهم بتلك الأخوة التي أفرغها عليهم الأيمان بالله، والتي أنعم الله بها عليهم فقضت على ما كان بينهم من حروب طاحنة، وتباغض مستمر، وعداء مستحكم، ووحّدت في نفوسهم الإحساس والشعور والرغبة في تحقيق الأغراض السامية، وأصبحوا بفضل هذا الصفاء وتلك الأخوة أسرة واحدة على قلب رجل واحد متحابين متعاونين شعارهم تقوى الله وصالح الناس، وفي هذا إيجاء جلى واضح لمؤمني العصور من بعدهم بأن هذه النعمة ـ نعمة الأخوة ـ تدوم بينهم وثمراتها، بما وجدت به في أولهم من التمسك بالكتاب والاعتصام بحبل الله.

وبعد أن تأمرهم بتقوى الله والاعتصام بحبله، وتنهاهم عن التفرق، تأمرهم بما يحفظ عليهم الأخوة والاعتصام، ويقيهم شر التدهور والانحلال، ويبعث فيهم الشعور بالتضامن في مسئولية بعضهم عن بعض، وفي مسئوليتهم عن الناس جميعا، قتطلب منهم دعوة الناس إلى الحق، وتطلب منهم الائتمار فيما بينهم بالمعروف والتناهي عن المنكر، وقد جعل الإسلام ذلك فرضا من فروض الدين، وعنصراً من عناصر الحياة الطيبة، وأقسم الله سبحانه وتعالى بالعصر، أن الانسان لا يسلم من خسران في هذه الحياة إلا إذا ضم إلى إيمانه وعمله الصالح، التواصي بالحق، والتواصي بالصبر، وهما عمادا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقصن علينا مصير الأولين، الذين انحطت فيما بينهم الفضيلة وتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى تركز البغي فيما بينهم، واستشرى الفساد في جميع شئونهم (فَلَوْلاَ كَانَ مِنْ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنْ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ). (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ).

وقد تلقى المسلمون الأولون هذا المبدأ العظيم، وعرفوا به مسئوليتهم عن الناس، ومسئولية بعضهم عن بعض، فدعوا غيرهم إلى الحق، وقاموا فيما بينهم بالنصح والإرشاد، وتقبل المنصوحون من الناصحين شاكرة ألسنتهم، مطمئنة قلوبهم، فاستقامت لهم الشئون، وتقدمت بهم الحياة، وكانوا أقوياء أعزاء يملون ولا يملي عليهم، ويقولون ويفعلون ما يقولون، وظلوا كذلك حتى نبتت فيهم جراثيم الهوى والشهوة، فأفسدت عليهم تصورهم للحياة، وظنوها مادة عليها يتنافسون، وأموالا وجاها وملكا بها يتفاخرون، فانحلت من بينهم الروابط، واندفعوا في طريق الجاهلية الأولى، يرون المنكر فيسكتون عنه، بل يدافع كل منهم عن سفهائه، ويتعصب لأوليائه، ونسوا بذلك حبل الله فأنساهم الله أنفسهم، وسلط عليهم شرارهم وأعداءهم، وكاد يحل بهم ما حل بالأمم قبلهم، وتعرضوا للعذاب العظيم، وكتاب الله قائم بينهم، وناطق بالحجة عليهم، يحذرهم وينهاهم أن يسلكوا سبيل المفسدين، وأن يفعلوا كما فعل الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات.

* * *

أما النداء الثالث فهو قوله تعالى.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَاأَنْتُمْ أُوْلاَءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).

إن كتاب الله يضع للمؤمنين الحد الفاصل بين من يصح مخالطتهم والتعاون معهم من المخالفين في الدين، ومن لا يصح معه ذلك، كما يبين مدى هذا التعاون وحدوده، فإنه لم يجعل مجرد المخالفة في الدين سببا من أسباب الحرب والخصام، أو من أسباب التقاطع وعدم التعاون، وإنما جعل السبب في ذلك العداء الذي يدفع المخالفين إلى إيذاء المسلمين، وفتنتهم عن دينهم، واخراجهم من ديارهم وأوطانهم، وسلب حقوقهم، وخنق حرياتهم، والاعتداء عليهم، ولذلك يقرر حسن معاملة المخالفين الذين لم يكن لهم من عداوة المؤمنين، ما يدفعهم إلى البغي والعدوان، وفي هذا يقول الله تعالى.

(لاَ يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ).

فهذا الصنف الأخير من المخالفين الذين يبارزون المسلمين بالعداء، أو بالمظاهرة للأعداء، هم الأعداء الذين يجب على المؤمنين إن يحذروهم، وأن يبتعدوا عن موالاتهم، حذراً من الوقوع في شرهم، وقد كثرت آيات التحذير في القرآن الكريم عن موالاة هؤلاء، وجعل القرآن مودتهم مظهراً من مظاهر عدم الإيمان بالله واليوم الآخر، وخروجاً على جماعة المؤمنين، وهدما لشخصيتهم التي بها يعتزون (لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ * لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).

جاءت هذه الآية مقررة للمبدأ الذي قررته سائر الآيات الواردة في الموضوع وتبين أوصاف هذا الصنف من المخالفين في الدين. الذي ينهانا الله عن مخالطته: ينهانا أن نتخذ خلصاء نعتمد عليهم فيما يعظم من شئوننا فنفضي إليهم بأسرارنا، ونستشيرهم في أمورنا، من قوم غيرنا لا يدخرون جهدا في إلحاق الضرر بنا، ومن أحب أمانيهم أن نقع في الشر والمكروه ونلاقي العنت والمشقة، قد انطوت قلوبهم على البغضاء وامتلأت بالحقد حتى فاضت على ألسنتهم، لا يبادلوننا حباً بحب ولا يوافقوننا فيما نؤمن به من الكتاب، فنحن نؤمن به كله، وهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، وهم ينافقوننا، فاذا التقوا بنا ظهروا لنا بمظهر المودة، وقالوا آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض ظهرت عليهم أمارات الحقد والغيظ، ثم هم بعد هذا وذاك يفرحون بالشر يحيط بنا ويحزنون للخير يمسنا.

تلك أوصافهم، فيجب أن نتعرفهم بها، وأن نتدرع في مكافحتهم بالصبر والتقوى، فلا نأذن للوساوس أن تدفع بنا إلى موالاتهم، ولا نركن إلى الظواهر التي ترغبنا فيهم، وتخدعنا عن حقيقتهم، وتزين صحبتهم والانتفاع بهم، فإن الحزم أن يترك الخير المتوهم للشر المحقق، وقد ضمن الله لنا بالصبر والتقوى، السلامة من كيدهم والنجاة من شرهم.

* * *

هذه هي الآيات الثلاث التي اتسع المقام اليوم للتحدث فيها، ولنا عودة إلى التحدث عن بقية النداءات الواردة في هذه السورة.


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/subject.php?id=285
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2008 / 11 / 12
  • تاريخ الطباعة : 2024 / 07 / 24