• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم .
        • القسم الرئيسي : دروس الدار التخصصية .
              • القسم الفرعي : بيانات قرآنية .
                    • الموضوع : مكانة الإسلام عند الله تعالى .

مكانة الإسلام عند الله تعالى

إعداد اللجنة العلمية

في دار السيدة رقية (عليها السلام) للقرآن الكريم

تضمّنت هذه الدراسة مجموعة من البيانات المهمّة في الجانب التفسيري والعقدي والتربوي، بالإضافة إلى بيانات أهمّ المصادر الشيعيّة ـ (نهج البلاغة والصحيفة السجّاديّة) ـ تحت عنوان: البيانات العلويّة من النهج والصحيفة السجّاديّة.

كما لا تخلو هذه الدراسة من التحقيق في بعض الأهداف الرئيسة للدار، وهي الإشارة إلى أهمّ الدروس المرتبطة بعلم وفنّ التجويد القرآني.

ولم يكن العمل في هذه الدراسة مقتصـراً على عقل واحد أو فكر شخص لوحده، بل كان مخاضاً لعمل جماعي اتفقت كلمة القائمين عليه، وبعد أن اكتملت الفكرة ونضجت شُرع بالعمل للقيام بإعداد هذه الدراسة القرآنيّة المعاصرة لأجل تحقيق أهدافها المنشودة، حيث وُزّعت الأدوار كلٌّ بحسب اختصاصه ومعرفته ومجاله. فتولّى القيام بهذا العمل ثُلّة من الأساتذة المختصّين في مختلف المجالات العلمية:

1ـ الدكتور الشيخ شاكر الساعدي في بيان النكات العقدية.

2ـ سماحة الشيخ سهيل السهيل في بيان النكات الفقهية.

3ـ الأستاذ السيد حكمت الموسوي في بيان النكات التربوية.

4ـ الأستاذ حيدر الكعبي في مادة التجويد.

5ـ الأستاذ الحافظ حميد الكناني في إبراز البيانات العلوية من (نهج البلاغة والصحيفة السجادية).

وقام الأستاذان أحمد فرج الله وعصام العلي بمراجعة الكتاب تصحيحاً وتقويماً للنصّ.

والشيخ أحمد الخليفة بمتابعة سير العمل خلال فترة إعداده.

البيان الثامن

مكانة الإسلام عند الله تعالى

الآيات (82ـ86) من سورة آل عمران

﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ * قُلْ آَمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ * كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾

إنّ الإسلام على مستويين: ظاهر، وباطن. فالظاهر هو الإقرار بالشهادتين، وبه تحقن الدماء وتصان الأعراض والأموال. والباطن هو الإيمان، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة/ 22]

والإسلام باجتماعهما هو الدين الحقّ الذي بعث به النبي صلى الله عليه وآله وصدع بإظهاره، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة/ 33]، وقال عنه تعالى أيضاً: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران/ 85]، لأنّ الدين هو الصراط المستقيم، وهو مسلك العقل الذي يرشد إليه النبي صلى الله عليه وآله ويدل عليه، وهو ما عبّر القرآن بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام/ 153] فدلّ عليه وأمر باتباعه.

والدين الإسلامي هو كلّ ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله من الأصول والفروع والقوانين الإلهية، فقد دعا الناس إليه، وبلغ أصوله وفروعه بشكل كامل، فكان مثله كمثل الطبيب الذي يعالج مريضه بمرور الأيام وتناوب الأوقات، فيعطيه الجرعة تلو الجرعة حتى يقوى مزاجه الضعيف رويداً رويداً، فالنبي صلى الله عليه وآله قام بتبليغ أحكامه تدريجاً على فترة امتدت إلى ثلاث وعشرين سنة، وعندها دعاهم إلى حجّة الوداع، وبعد الانتهاء والعودة إلى مدينته الشـريفة وفي مفترق الطرق وقبل أن تتفرق بهم السبل، دعاهم للاجتماع حوله وأبلغهم وصيته فيمن يقوم مقامه وينوب عنه بأمر من الحقّ تبارك وتعالى، جاء فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة/ 67].

فخطبهم به وأخذ منهم الإقرار على أنفسهم أنّه أولى بهم من أنفسهم، فقال بعدها مقولته وبلغ رسالته: «مَن كنت مولاه فهذا علي مولاه». وما أن أتمّ خطبته وأكمل وصيته، وأخذ البيعة له من جميع الحاضرين موصياً بذلك الغائبين، نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة/ 3].

البيانات التفسيرية

﴿يَبْغُونَ﴾

الإنسان بطبعه يبحث دائماً عن الطريق والاُسلوب والميل إلى منهج معيّن مودع في فطرته، لذا فإنَّ الفعل المضارع ﴿يَبْغُونَ﴾ له دلالة على الميل الدائمي المستمر.

2 ـ ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾

إنَّ الدين والهداية الإلهيّة ملازمان للإنسان على الدوام، ووظيفة الأنبياء عليهم السلام إرشاد الناس والسير بهم إلى هدف واحد سام، وهو العبودية الخالصة لله سبحانه وتعالى، والإيمان بكلّ ما صدر عنه وانتهى إليه.

 3ـ ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾

بعد أن بيّن النبيّ الأكرم أنّه يؤمن بجميع الأنبياء عليهم السلام دعا أهل تلك الأديان إلى الوحدة.

 4ـ ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾

أوّلاً: يُفهم من مفردة ﴿يَبْتَغِ﴾ أنّ الآية تشير إلى اُولئك الذين سمعوا نداء الإسلام لكنّهم لم يعتنوا بذلك، وتخبطوا في الحياة الدنيا يميناً وشمالاً؛ فإنّ هؤلاء هم الخاسرون يوم القيامة، ولا يُقبل منهم أيُّ دين أو شريعة.

ثانياً: أنَّ الإسلام ناسخ لجميع الأديان السابقة، واختياره دليل على بصيرة الإنسان.

البيانات العقائدية

1ـ أنّ معاندة الحقّ والتولّي عنه يُعتبر من المهلكات العظيمة والجنايات الخطيرة.

2ـ التأكيد على أحقّية الدين الإسلامي، وأنّ من يبتغِ غيره فلن يُقبل منه.

3ـ أنَّ إيمان الموجودات بالله تعالى على نحوين؛ منها باختيار ومنها دون اختيار، بل في هذه الأخيرة يكون الإيمان من مقتضـى طبعها وخلقتها التكوينيّة؛ كبعض الموجودات السماويّة والأرضيّة المجبولة على الخضوع والطاعة لله تعالى.

4ـ الإيمان بجميع الأنبياء والرُّسل والكتب المنزلة عليهم هو من كمال الإيمان بالدين الإسلامي.

5ـ الارتداد عن الحقّ بعد الإيمان به هو من أعظم الذنوب الموجبة للسخط الإلهي وهلاك الإنسان.

البيانات الفقهية

1ـ إنَّ إنكار القضايا الضـروريّة من العقيدة؛ كإنكار التوحيد، أو إنكار الخالق، أو إنكار المعاد... إلى آخره، يُعدّ خروجاً عن الإسلام، ومن ثَمَّ يُحكم على المنكِر لها بالارتداد عن الدين والمروق عنه.

يحرم شرعاً إظهار البدع والخرافات وكلّ ما يخالف تعاليم الإسلام وما جاء به رسول الله.

3ـ لا يجوز للمسلم الترافع إلى الحاكم الظالم الذي يحكم بغير ما أنزل الله سبحانه على رسوله المصطفى. وأمّا القانون الوضعي إذا ما خالف الإسلام وتعاليمه فإنّه يحرم العمل به أو الركون إلى مَن يعمل به.

البيانات التربوية

1ـ لا وجه للبحث عن منهج آخر في حال وجود منهج شامل لصاحب منبع القدرة المطلقة الذي بيده جميع المصادر والموارد، ومعرفة هذا الأمر وقبوله يعطي للإنسان ضمان النجاح حال الطاعة.

2ـ أنَّ ذِكرَ السابقين من الأولياء يعزّز من قوة الإنسان وتوجّهه إلى اتّباعهم والسير على خطاهم.

3ـ ينبغي أن تكون بنود القانون غير متعارضة مع بعضها؛ لكي يسير الأفراد باتّجاه واحد.

4ـ افتراق جانب الأحاسيس والعواطف لدى الإنسان عن إدراكاته العقليّة من الاُمور الخطيرة جدّاً، ومن أمثلته:

أ ـ الذين كفروا في حال أنّهم شهدوا بالحقِّ بعدما عرفوه.

ب ـ الطبيب الذي يُدرك مضارّ التدخين جيداً مع أنّه لا يتحرّز عنه.

ج ـ الطالب الذي يُدرك فوائد المطالعة مع أنّه لا يُطالع.

لذا يجب التنسيق بين مركز العواطف والمدركات العقليّة عند الإنسان، والتمرّن على هذا الأمر بشكل دائم وصحيح، الأمر الذي يؤدي إلى حلّ الكثير من المشاكل والمفارقات التي يشهدها الإنسان ويعيشها في حياته اليوميّة.

البيانات العلوية من النهج والصحيفة السجادية

1ـ من خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام: «... ثُمَّ إِنَّ هَذَا الإسْلامَ دِينُ الله الَّذِي اصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، وَاصْطَنَعَهُ عَلَى عَيْنِهِ، وَأَصْفَاهُ خِيَرَةَ خَلْقِهِ، وَأَقَامَ دَعَائِمَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ، أَذَلَّ الأدْيَانَ بِعِزَّتِهِ، وَوَضَعَ الْمِلَلَ بِرَفْعِهِ، وَأَهَانَ أَعْدَاءَهُ بِكَرَامَتِهِ، وَخَذَلَ مُحَادِّيهِ بِنَصْـرِهِ، وَهَدَمَ أَرْكَانَ الضَّلالَةِ بِرُكْنِهِ، وَسَقَى مَنْ عَطِشَ مِنْ حِيَاضِهِ، وَأَتْأَقَ الْحِيَاضَ بِمَوَاتِحِهِ، ثُمَّ جَعَلَهُ لا انْفِصَامَ لِعُرْوَتِهِ، وَلا فَكَّ لِحَلْقَتِهِ، وَلا انْهِدَامَ لِأَسَاسِهِ، وَلا زَوَالَ لِدَعَائِمِهِ، وَلا انْقِلاعَ لِشَجَرَتِهِ، وَلا انْقِطَاعَ لِمُدَّتِهِ، وَلا عَفَاءَ لِشَرَائِعِهِ، وَلا جَذَّ لِفُرُوعِهِ، وَلا ضَنْكَ لِطُرُقِهِ، وَلا وُعُوثَةَ لِسُهُولَتِهِ، وَلا سَوَادَ لِوَضَحِهِ، وَلا عِوَجَ لِانْتِصَابِهِ، وَلا عَصَلَ فِي عُودِهِ، وَلا وَعَثَ لِفَجِّهِ، وَلا انْطِفَاءَ لِمَصَابِيحِهِ، وَلا مَرَارَةَ لِحَلاوَتِهِ؛ فَهُوَ دَعَائِمُ أَسَاخَ فِي الْحَقِّ أَسْنَاخَهَا، وَثَبَّتَ لَهَا آسَاسَهَا، وَيَنَابِيعُ غَزُرَتْ عُيُونُهَا، وَمَصَابِيحُ شَبَّتْ نِيرَانُهَا، وَمَنَارٌ اقْتَدَى بِهَا سُفَّارُهَا، وَأَعْلامٌ قُصِدَ بِهَا فِجَاجُهَا، وَمَنَاهِلُ رَوِيَ بِهَا وُرَّادُهَا. جَعَلَ الله فِيهِ مُنْتَهَى رِضْوَانِهِ وَذِرْوَةَ دَعَائِمِهِ وَسَنَامَ طَاعَتِهِ؛ فَهُوَ عِنْدَ الله وَثِيقُ الأرْكَانِ، رَفِيعُ الْبُنْيَانِ، مُنِيرُ الْبُرْهَانِ، مُضِي‏ءُ النِّيرَانِ، عَزِيزُ السُّلْطَانِ، مُشْرِفُ الْمَنَارِ، مُعْوِذُ الْمَثَارِ، فَشَرِّفُـوهُ وَاتَّبِعُوهُ، وَأَدُّوا إِلَيْهِ حَقَّهُ، وَضَعُوهُ مَوَاضِعَهُ» [نهج البلاغة ـ الخطبة/ 198].

2ـ وقال عليه السلام: «لأنْسُبَنَّ الإسْلامَ نِسْبَةً لَمْ يَنْسُبْهَا أَحَدٌ قَبْلِي: الإسْلامُ هُوَ التَّسْلِيمُ، وَالتَّسْلِيمُ هُوَ الْيَقِينُ، وَالْيَقِينُ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَالتَّصْدِيقُ هُوَ الإقْرَارُ، وَالإقْرَارُ هُوَ الأدَاءُ، وَالأدَاءُ هُوَ الْعَمَلُ» [نهج البلاغة ـ الحكمة/ 125].

3ـ وسُئل عليه السلام عن الإيمان فقال: «الإيمَانُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ: عَلَى الصَّبْرِ وَالْيَقِينِ، وَالْعَدْلِ وَالْجِهَادِ؛ وَالصَّبْرُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى الشَّوْقِ وَالشَّفَقِ، وَالزُّهْدِ وَالتَّرَقُّبِ؛ فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلا عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ اجْتَنَبَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا اسْتَهَانَ بِالْمُصِيبَاتِ، وَمَنِ ارْتَقَبَ الْمَوْتَ سَارَعَ إِلَى الْخَيْرَاتِ. وَالْيَقِينُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى تَبْصِرَةِ الْفِطْنَةِ، وَتَأَوُّلِ الْحِكْمَةِ، وَمَوْعِظَةِ الْعِبْرَةِ، وَسُنَّةِ الأوَّلِينَ؛ فَمَنْ تَبَصَّرَ فِي الْفِطْنَةِ تَبَيَّنَتْ لَهُ الْحِكْمَةُ، وَمَنْ تَبَيَّنَتْ لَهُ الْحِكْمَةُ عَرَفَ الْعِبْرَةَ، وَمَنْ عَرَفَ الْعِبْرَةَ فَكَأَنَّمَا كَانَ فِي الأوَّلِينَ.

وَالْعَدْلُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى غَائِصِ الْفَهْمِ وَغَوْرِ الْعِلْمِ، وَزُهْرَةِ الْحُكْمِ وَرَسَاخَةِ الْحِلْمِ؛ فَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ غَوْرَ الْعِلْمِ، وَمَنْ عَلِمَ غَوْرَ الْعِلْمِ صَدَرَ عَنْ شَرَائِعِ الْحُكْمِ، وَمَنْ حَلُمَ لَمْ يُفَرِّطْ فِي أَمْرِهِ، وَعَاشَ فِي النَّاسِ حَمِيداً.

وَالْجِهَادُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى الأمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالصِّدْقِ فِي الْمَوَاطِنِ، وَشَنَآنِ الْفَاسِقِينَ؛ فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ شَدَّ ظُهُورَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَنْ نَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ أَرْغَمَ أُنُوفَ الْكَافِرِينَ، وَمَنْ صَدَقَ فِي الْمَوَاطِنِ قَضـَى مَا عَلَيْهِ، وَمَنْ شَنِئَ الْفَاسِقِينَ وَغَضِبَ للهِ غَضِبَ اللهُ لَهُ وَأَرْضَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وَالْكُفْرُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ: عَلَى التَّعَمُّقِ وَالتَّنَازُعِ، وَالزَّيْغِ وَالشِّقَاقِ؛ فَمَنْ تَعَمَّقَ لَمْ يُنِبْ إِلَى الْحَقِّ، وَمَنْ كَثُرَ نِزَاعُهُ بِالْجَهْلِ دَامَ عَمَاهُ عَنِ الْحَقِّ، وَمَنْ زَاغَ سَاءَتْ عِنْدَهُ الْحَسَنَةُ، وَحَسُنَتْ عِنْدَهُ السَّيِّئَةُ، وَسَكِرَ سُكْرَ الضَّلالَةِ، وَمَنْ شَاقَّ وَعُرَتْ عَلَيْهِ طُرُقُهُ، وَأَعْضَلَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، وَضَاقَ عَلَيْهِ مَخْرَجُهُ.

وَالشَّكُّ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى التَّمَارِي وَالْهَوْلِ، وَالتَّرَدُّدِ وَالاسْتِسْلامِ؛ فَمَنْ جَعَلَ الْمِرَاءَ دَيْدَناً لَمْ يُصْبِحْ لَيْلُهُ، وَمَنْ هَالَهُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَمَنْ تَرَدَّدَ فِي الرَّيْبِ وَطِئَتْهُ سَنَابِكُ الشَّيَاطِينِ، وَمَنِ اسْتَسْلَمَ لِهَلَكَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ هَلَكَ فِيهِمَا» [نهج البلاغة ـ الخطبة/ 31].

4ـ سُئل عليه السلام عن الإيمان أيضاً، فقال: «الإيمَانُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ، وَإِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالأرْكَانِ» [نهج البلاغة ـ الحكمة/ 227].

5ـ كان من دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام في مكارم الأخلاق ومرضي الأفعال: «اللَّهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَبَلِّغْ بِإيْمَانِي أكْمَلَ الاِيْمَانِ، وَاجْعَلْ يَقِينِي أَفْضَلَ الْيَقِينِ، وَانْتَهِ بِنِيَّتِي إلَى أَحْسَنِ النِّيَّـاتِ، وَبِعَمَلِي إلى أَحْسَنِ الأعْمَالِ. اللّهمَّ وَفِّرْ بِلُطْفِكَ نِيَّتِي، وَصَحِّحْ بِمَـا عِنْدَكَ يَقِينِي، وَاسْتَصْلِحْ بِقُدْرَتِكَ مَا فَسَدَ مِنِّي. اللّهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاكْفِنِي مَا يَشْغَلُنِي الاهْتِمَامُ بِهِ، وَاسْتَعْمِلْنِي بِمَا تَسْأَلُنِي غَداً عَنْهُ، وَاسْتَفْرِغْ أَيَّامِي فِيمَا خَلَقْتَنِي لَهُ، وَأَغْنِنِي، وَأَوْسِعْ عَلَيَّ فِي رِزْقِكَ، وَلاَ تَفْتِنِّي بِالنَّظَرِ، وَأَعِزَّنِي، وَلا تَبْتَلِيَنِّي بِالْكِبْرِ، وَعَبِّدْنِي لَكَ وَلاَ تُفْسِدْ عِبَادَتِي بِالْعُجْبِ، وَأَجْرِ لِلنَّاسِ عَلَى يَدَيَّ الْخَيْرَ، وَلا تَمْحَقْهُ بِالْمَنِّ، وَهَبْ لِي مَعَـالِيَ الاَخْـلاَقِ، وَاعْصِمْنِي مِنَ الْفَخْرِ.

اللَّهمَّ صَـلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَلا تَـرْفَعْنِي فِيْ النَّاسِ دَرَجَـةً إلاّ حَطَطْتَنِي عِنْدَ نَفْسِي مِثْلَهَا، وَلا تُحْدِثْ لِي عِزّاً ظَاهِرَاً إلاّ أَحْدَثْتَ لِي ذِلَّةً بَاطِنَةً عِنْدَ نَفْسِي بِقَدَرِهَا.

اللَّهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد، وَمَتِّعْنِي بِهُدىً صَالِح لا أَسْتَبْدِلُ بِهِ، وَطَرِيقَةِ حَقٍّ لا أَزِيْغُ عَنْهَا، وَنِيَّةِ رُشْد لاَ أَشُكُّ فِيْهَا، وَعَمِّرْنِي مَا كَانَ عُمْرِيْ بِذْلَةً فِي طَاعَتِكَ، فَإذَا كَانَ عُمْرِي مَرْتَعَاً لِلشَّيْطَانِ فَـاقْبِضْنِي إلَيْـكَ قَبْـلَ أَنْ يَسْبِقَ مَقْتُـكَ إلَيَّ، أَوْ يَسْتَحْكِمَ غَضَبُكَ عَلَيَّ.

اللّهمَّ لا تَدَعْ خِصْلَةً تُعَابُ مِنِّي إلاّ أَصْلَحْتَهَا، وَلا عَائِبَةً اُؤَنَّبُ بِهَا إلاّ حَسَّنْتَهَا، وَلاَ اُكْـرُومَـةً فِيَّ نَاقِصَةً إلاّ أَتْمَمْتَهَا.

اللَّهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد، وَأَبْدِلْنِي مِنْ بِغْضَةِ أَهْلِ الشَّنَئانِ الْمَحَبَّةَ، وَمِنْ حَسَدِ أَهْلِ الْبَغْيِ الْمَوَدَّةَ، وَمِنْ ظِنَّةِ أَهْلِ الصَّلاَحِ الثِّقَةَ، وَمِنْ عَدَاوَةِ الأدْنَيْنَ الْوَلايَةَ، وَمِنْ عُقُوقِ ذَوِي الاَرْحَامِ الْمَبَرَّةَ، ومِنْ خِـذْلانِ الأقْرَبِينَ النُّصْـرَةَ، وَمِنْ حُبِّ الْمُدَارِينَ تَصْحيحَ الْمِقَةِ، وَمِنْ رَدِّ الْمُلاَبِسِينَ كَرَمَ الْعِشْرَةِ، وَمِنْ مَرَارَةِ خَوْفِ الظَّالِمِينَ حَلاَوَةَ الاَمَنَةِ.

اللَّهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاجْعَلْ لِيْ يَداً عَلَى مَنْ ظَلَمَنِي، وَلِسَـاناً عَلَى مَنْ خَـاصَمَنِي، وَظَفَراً بِمَنْ عَانَدَنِي، وَهَبْ لِي مَكْراً عَلَى مَنْ كَايَدَنِي، وَقُدْرَةً عَلَى مَنِ اضْطَهَدَنِي، وَتَكْذِيباً لِمَنْ قَصَبَنِي، وَسَلاَمَةً مِمَّنْ تَوَعِّدَنِي، وَوَفِّقْنِي لِطَاعَةِ مَنْ سَدَّدَنِي، وَمُتَابَعَةِ مَنْ أَرْشَدَنِي» [الصحيفة السجّاديّة ـ الدعاء/ 20].

ملاحظات في الوقف والوصل والابتداء

1 ـ يجوز الوقف في الآية: ﴿قُلْ آَمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ على كلمة ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾؛ بناء على كون جملة ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ استئنافيّة، مع أنّ الأفضل اعتبارها حالية ووصلها بما قبلها. وجملة ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ بما أنّها معطوفة على ﴿لَا نُفَرِّقُ ...﴾ فمن الأولى أيضاً وصلها بما قبلها. وفي حالة الاضطرار يمكن الوقف على ﴿وَالْأَسْبَاطِ﴾ والابتداء بـ ﴿وَمَا أُوتِيَ﴾؛ من باب الوقف المرخّص، وعند عدم الإمكان فالوقف على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ أو ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾، والابتداء بـ ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾، والوقف على ﴿وَعِيسَى﴾، والابتداء بـ ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ جائز.

2ـ عند عدم القدرة على قراءة الآية: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ حتّى آخرها فالوقف على ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ والبدء بما يليها صحيح.

أسئلة المناقشة

س1: ما هي الدلالة التي يعطيها الفعل المضارع ﴿يَبْغُونَ﴾ في الآية: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ﴾؟

س2: اذكر أهمَّ الوظائف المناطة بالأنبياء عليهم السلام تجاه الناس بشكل عام.

س3: ما المقصود بالإرشاد؟

س4: ماذا نفهم من مفردة ﴿يَبْتَغِ﴾ في الآية: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾؟

س5: تشيـر البيانات العقائدية للآيات (82 ـ 86) من سـورة آل عمران بأنَّ إيمان الموجودات على نحوين، وضحهما بإيجاز.

س6: كيف تجسّد مفهوم الارتداد عن الحقِّ بعد الإيمان؟

س7: علل: ينبغي أن تكون بنود القانون غير متعارضة مع بعضها.

س8: لماذا يجوز الوقف على كلمة ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ في الآية: ﴿قُلْ آَمَنَّا بِاللهِ ... وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ...﴾؟ وما هو الأفضل لها؟

س9: ما هو حكم عدم القدرة على قراءة الآية: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ حتّى آخرها؟


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/subject.php?id=2437
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2018 / 12 / 26
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 01 / 22