• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم .
        • القسم الرئيسي : السيرة والمناسبات الخاصة .
              • القسم الفرعي : عاشوراء والأربعين .
                    • الموضوع : خصائص البكاء على صاحب الدمعة الساكبة .

خصائص البكاء على صاحب الدمعة الساكبة

(من كتاب الخصائص الحسينية، للعلامة الشيخ جعفر التستري)

القسم الأوّل

اعداد: القسم الثقافي / عباس الجعفري

قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: 16]. يعني بعد ما آتاكم من العقل والتدبير، وبعد ما شاهدتم الآيات في الأنفس والآفاق، والسماوات والأرض، وفي كلّ ذرّة وورقة، وبعد ما رأيتم العِبَر والغِيَر في الغافلين، وبعد ما تُليت عليكم الآيات، وبعد ما عمّرتم ما يتذكّر فيه مَنْ تذكّر وجاءكم النذير من بين أيديكم ومن خلفكم، وتكاثرت عليكم الأصوات المنادية الواعظة لكم، وبعد ما مرّ عليكم دهر في الإسلام وادعائكم وانتحالكم له، ألم يأنِ أن تخشع قلوبكم لذكر الله تعالى؟ فإذا ذكرتموه كنتم من المؤمنين، ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: 2]، وكففتم عن المعاصي.

ألم يأنِ للذين آمنوا وعرفوا عظمة ربّهم تعالى أن تخشع قلوبهم لذكر الله إذا قاموا بين يديه وخاطبوه، فيكونوا من المؤمنين ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 2]؟ فقد انتهى العمر ولم تصلِّ ركعتين خشوعاً لله تعالى، فصلَّ لربّك صلاة واحدة؛ فلعلّها تكون صلاة وداع.

ألم يأنِ للذين آمنوا وعرفوا أن لا نافع إلاّ الله تعالى، ولا ملجأ إلاّ له تعالى؟ أن تخشع قلوبهم لذكر الله فلا يكونوا من الذين لا يرون شيئاً إلاّ ويرون الله بعده، أو الذين لا يرون شيئاً إلاّ ويرون الله تعالى معه، أو قبله.

ألم يأنِ للذين آمنوا إذا اُفنيت أعمارهم يوماً في البُعد عن الله ولم يذكروه يوماً ولا ساعة ذكراً نافعاً، أن تخشع قلوبهم لذكر الله آناً واحداً لغلبة خوف واضطراب؟ فلعلّه يكون توبة إلى ربّهم ورجوعاً إليه بعد انقطاعهم عنه، فيكون لهم وصل بعد الإعراض والقطع، ولا يموتون حين هم عن ربّهم محجوبون.

ألم يأنِ للذين آمنوا بالله ورزقهم الله معرفة أوليائه، أن تخشع قلوبهم لذكر الحسين الشهيد (عليه ‌السلام) فيبكون عليه؟ فإنّه من خشوع القلب لذكر الله، كما إنّ مَنْ والاه فقد والى الله، ومَنْ عاداه فقد عادى الله، ومَنْ أحبّه فقد أحبّ الله، ومَنْ اعتصم به فقد اعتصم بالله، ومَنْ زاره فقد زار الله، ومَنْ خشع قلبه لذكره فقد خشع قلبه لذكر الله تعالى، ومَنْ انكسر قلبه لمصابه ومصاب أولياء الله تعالى فإنّه يكون صاحب قلب يحبّه الله تعالى فيفيض عليه من عنايته الخاصّة.

ألم يأنِ ذلك خصوصاً إذا دخل المحرّم وهلّ عاشوراء، أما ترى الناس ذوي كربة قد خُنقت منهم القلوب بالبكاء؟ فيا أيّها الذين آمنوا هذا أوّل خشوع القلب لذكر الإمام الحسين (عليه السلام) الراجع إلى ذكر الله تعالى، فاذكروا الله ذكراً كثيراً بذكر الحسين (عليه السلام)، ذكراً راجعاً إلى ذكر الله تعالى، وإقامة عزائه بما يرجع إلى خشوع القلب لذكر الله تعالى.

والمراد من القول: الراجع إلى ذكر الله سبحانه، أنّ خشوع القلب لذكر الحسين (عليه السلام) له أقسام، منها ما يرجع إلى ذكر الله، ويكون لله تعالى، والفرد الكامل منه لِمَنْ خلص إيمانه، يكون خشوع قلبه للحسين (عليه السلام) من القسم الراجع إلى خشوع القلب لذكر الله، نظير أصل ذكر الله، والتسبيح بحمده والخضوع له؛ فإنّ كلّ مخلوق يسبّح بحمد ربّه تبارك وتعالى، ويخضع له، ويسجد له سجوداً تكوينياً، ولكنّ الفضيلة للتكليفي الجامع للشرائط، وكذلك خشوع القلب له (عليه السلام) ومسألة بطلان الصّلاة بالبكاء على الحسين (عليه السلام) وحكمه يتوقفان على تشخيص هذه الأقسام.

فكلّ بكاء على الإمام الحسين (عليه السلام) يكون من خشوع القلب لذكر الله تعالى لا يبطل الصّلاة، وما كان لمحض الرقّة البشرية ففيه إشكال فتأمّل.

ولنفصّل الكلام في بيان هذا المطلب الشريف ببيان أقسام خشوع القلب للحسين (عليه السلام)، وبيان ما يتعلّق بالرثاء له في ضمن مقاصد بعون الملك الوهاب:

المقصد الأوّل: في المنشأ الباطني للبكاء وسبب حصوله

اعلم أنّ منشأ البكاء قد يكون سبباً ملحوظاً للباكي، وقد يكون غير ملحوظ، فهو نوعان:

القسم الأول: ما كان بلحاظ سبب ملحوظ

وأقسام البكاء بالسبب الملحوظ ثمانية:

1ـ لعلقة مع صاحب العزاء

 وأعظم العلقات الأبوة؛ ولذا قرن الله تعالى حقّ الوالدين بالتوحيد. قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الاسراء: 23]؛ وذلك لأنّهما علّة الإيجاد الصوري لك. فإذا كان حقّ علّة الإيجاد الصوري بهذه المرتبة، فلعلّه الإيجاد الصوري والمعنوي أحقّ بهذا الحق، فالوالد الحقيقي النبيّ والوصي (سلام الله عليهما)، وقضى ربّك بالإحسان إليهما، وكما جاء عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعلي المرتضى (عليه السلام): «يا علي، أنا وأنت أبَوَا هذه الأُمّة» [راجع: عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج 2، ص 91]. ولا ريب إنّ إقامة العزاء والبكاء على الحسين (عليه السلام) إحسان إلى النبي والوصي والزهراء (صلوات الله عليهم)، بل في بعض الروايات في تفسير قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، أنّ الوالدين الحسـن والحسين (عليهما السلام)، فالبكاء عليه إحسان إلى الوالد ابتداءً. والوجه في أنّ البكاء إحسان: إنّ الإحسان إيصال النفع، وعمدة النفع الإعزاز والاحترام، والبكاء إعزاز للأموات والمقتولين؛ ولذا سأل النبي إبراهيم (عليه السلام) ربّه تعالى في ابنة تبكيه بعد موته [راجع: الكافي، ج 6، ص 5]، ولمّا سمع النبي (صلّى الله عليه وآله) نساء الأنصار يندبنَ قتلى اُحد، قال (صلوات الله عليه وعلى آله): «أمّا حمزة فلا بواكي له» [راجع: شرح الاخبار للقاضي النعماني، ج 3، ص 231]؛ فأمر الأنصار نساءهم أن يندبنَ حمزة، فسمع النبي محمّد المصطفى (صلّى الله عليه وآله) فدعا لهنّ.

وقد جاء أيضاً: أنّه مرّ النبي (صلّى الله عليه وآله) بنسوة من الأنصار يبكينَ ميّتاً فزجرهن عمر، فقال النبي (صلّى الله عليه وآله): «دعهنّ يا عمر؛ فإنّ النفس مصابة، والعين دامعة، والعهد قريب» [راجع: نيل الاوطار للشوكاني، ج 4، ص 154]. ولمّا بكت نساء أهل المدينة على قتلى اُحد قال النبي (صلّى الله عليه وآله): «لكنّ حمزة لا باكية له». فسمع ذلك أهل المدينة فلم يقم لهم مأتم بعدها إلى اليوم إلاّ ابتدأ النساء فيه بالبكاء على حمزة [راجع: من لا يحضره الفقيه، ج ١، ص ١٨٣].

نكتة: حمزة سيد الشهداء (عليه السلام) تحقّقت له بعض أجزاء تجهيز الموتى من الكفن والصّلاة والدفن والتشييع وغير ذلك إلاّ النوادب، فعظم ذلك على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)!

ولكنّ الإمام الحسين (عليه السلام) سيد الشهداء لم يكن له شيء من ذلك إلاّ النوادب، بل قد زيد في ابتلائه مقابل ابتلاء الحمزة (عليهما السلام)، خلاف التمثيل بالجسد باستخراج كبد الحمزة، فقد زاد بلاء الحسين على الحمزة بالرض قبل وبعد الشهادة، وتقطيع الجسد المبارك إرباً إرباً؛ فكان الجرح على الجرح، والطعنة فوق الطعنة، وتكسير الضلوع والبدن السليب، وقطع الأصبع وضرب الجبهة، والغدر والموت عطشاً، وتقتيل أهل بيته وأولاده وإخوته، وأبناء إخوته وأبناء عمومته قبل شهادته ... حتّى نادت أُخته المباركة زينب الكبرى (عليها‌ السلام) بصوت حزين، أخذت تُنادي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ليشهد الندبة، لكن قد منعوهنّ فيها، بل ومن البكاء، بل ومن إجراء الدمع حتّى أشبعوها ومَنْ معها من الأطفال والنساء ضرباً بالسياط حتّى اسودّت أجسامهم من شدّة الضرب والزجر لهنّ وللأطفال.

فهلمّ نبكي عليه وعلى مصاب محمّد (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطياب (عليهم ‌السلام)، بكاءَ قرابةٍ حقيقيةٍ إن كنّا من الموالين بأدنى درجات الولاء والانسجام معهم ومع خطّهم القويم؛ فمَنْ لا يبكي كذلك فهو عاقّ قاطع الرحم.

2ـ الرقّة لعلقة الالتحام التي هي من أعظم القرابة

نظير العضو من الإنسان إذا عرضه مرض ووجع يكون الوجع في الكلّ، ومن هذه الجهة بكاء الحور العين، ولطمهنّ على الإمام الحسين (عليه السلام) في الجنان التي هي دار السرور؛ وذلك لأنّ لكلّ من المخلوقات مادة، وقد خُلقت الحور العين من نور الحسين (عليه السلام)، فهي ملتحمة به (عليه السلام) ومع ذلك كيف يمكن أن يكون واقعاً على الأرض تحت سنابك الخيل، ورأسه المبارك على الرمح، ودمه الطاهر مسفوك على الأرض، وفؤداه مثقوب، وكبده مقرح، وقلبه محترق، ونساءه وأطفاله مسبيّات قد حُرقت خيامهنّ قبل شهادته وسبينَ بعد شهادته ...، وتبقى الحور في القصور بأنعم بال وأحسن حال؟!

ومن جملة أقسام البكاء بكاءُ الشيعة عليه، هذا القسم أيضاً، وذلك في رواية عن الصادق (عليه السلام) قال: «شيعتنا منّا، وقد خُلقوا من فاضل طينتنا، وعُجنوا بنور ولايتنا، ورضوا بنا أئمّة، ورضينا بهم شيعة؛ يُصيبهم ما أصابنا، ويُبكيهم ما أبكانا، ويُحزنهم حزننا، ويسّرهم سرورنا، ونحن أيضا نتألّم بتألّمهم، ونطّلع على أحوالهم، فهم معنا لا يُفارقونا، ونحن لا نُفارقهم». ثمّ قال (عليه السلام): «اللّهمّ، إنّ شيعتنا منّا، فمَنْ ذكر مصابنا وبكى لأجلنا استحى الله تعالى أن يعذّبه بالنار» [راجع: منتخب الطريحي، ص 268].

وفي حديث الأربعمائة عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّ الله تبارك وتعالى اختارنا، واختار لنا شيعة ينصروننا، ويفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا، ويبذلون أنفسهم وأموالهم فينا، أولئك منّا وإلينا» [راجع: الخصال، ص 635].

فدّلت هذه الرواية على أنّ مخلصي الشيعة اختارهم الله تعالى كما اختار الشهداء، بل شهادتهم.

وفي ذلك علامات كما استدل الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) من المحبّة الخاصّة للطفل الذي رآه يلعب مع الإمام الحسين (عليه السلام) على أنّه يكون من أنصاره في واقعة كربلاء [راجع: بحار الأنوار، ج 44، ص 242].

فلاحظ علاقة الشيعة في نفسك وهلمّ نبكي عليه لذلك؛ فإنّ مَنْ لا يبكيه ولا يواليه ولو بأدنى درجات الولاء فإنّه يكون لا علاقة له معه، ومقطوع عنه، فهلمّ نتألّم لمصابه.

فالحسين (عليه السلام) يتألّم لآلامنا أيضاً، وكفى بذلك عزّة لنا وفرجاً، وأنّه (عليه السلام) يصلنا أيام تألّمنا في أحلك عواقب حالاتنا، اللّهمّ صلِّ على محمد حبيبك المصطفى وآله الأطهار المعصومين وعجّل في فرجهم يا الله.

3ـ الرقّة على المصيبة

كون [لصاحب] المصاب حقّ عليك، والحقوق كثيرة:

منها: حقّ الإيجاد

وهو حقّ الوالدين والأجداد، والحسين (عليه السلام) له علينا هذا الحقّ؛ فإنّ وجودنا ووجود آبائنا ببركة وجوده.

ومنها: حقّ الإسلام والإيمان وهو ثابت لكلّ مسلم على كلّ مسلم، فكيف يكون حقّ مَنْ صار سبباً لهدايتنا إلى الإيمان؟ فإن الحسين (عليه السلام) قد فدى نفسه لهذا الدين، ومعنى هذا أنّه لو لم يتحمّل تلك المصائب والمصاعب لما كان هناك إسلام ولا مسلمين، ولا نقول إلاّ كما قال المصطفى (صلّى الله عليه وآله): الإسلام محمدي الوجود حسيني البقاء. وهكذا اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون دوام الإسلام وحفظه بالحسين (عليه السلام)، وكما جاء أيضاً بالحديث المبارك «إنّ الله تعالى أبى أن بجري الأمور إلاّ بأسبابها» [راجع: بصائر الدرجات، ص 26]. والحمد لله (عزّ وجلّ).

وذلك إنّه لمّا استولت بنو أُميّة (لعنهم الله) على البلاد وأظهروا الفساد، سعوا جاهدين في إخفاء الحقّ حتّى شبّهوا الأمر على الناس؛ بحيث جعلوا سبّ الإمام أمير المتقين علي (عليه السلام) من أجزاء الصلاة، وأدخلوا في أذهان الناس أنّ بني أُميّة أئمّة الإسلام حقّاً، ورسخ هذا الباطل في أذهان الناس منذ طفولتهم، حيث إنّهم أجبروا المعلّمين على أن يُلقّنوا الأطفال والأجيال في مكاتبهم ومدارسهم هذا الأمر فاعتقد الناس أنّ هؤلاء أئمّة الدين، وأنّ مخالفتهم ضلالة. فلمّا قُتل الحسين (عليه السلام) ومَنْ معه بهذه الكيفية، وسُبي مَنْ سُبي بهذه الطريقة المخصوصة، تنبّه الناس والتفتوا إلى أنّ هؤلاء لو كانوا أئمّة حقّ ما فعلوا ذلك أبداً. ورأوا أنّ فعلهم هذا لا يُطابق ديناً ولا مذهباً ولا عدلاً، بل ولا يُطابق جور الجائرين على مرّ التاريخ؛ فعدلوا عن الاعتقاد بهم، وتبرؤوا منهم، وعدل مَنْ هداه الله إلى الحقّ، وظهرت الشيعة بشكل جليّ وواضح بعد أن كانوا مستضعفين مظلومين.

وأمّا السُنّة فعدلوا عن اعتقاد خلافتهم، وعلموا أنّهم حكّام جور، وجوّزوا لعنهم. والحقيقة إنّ الاهتداء إلى الدين الحقّ بعد ذلك الانحراف بدأ من ثورة الحسين (عليه السلام).

ومنها: حقّ الزاد والملح فإنّ به حياة كلّ شيء، وبه ينزل الغيث وينبت النبات، فجميع طعامك وشرابك إنّما هو ببركته.

ومنها: حقّ الإحياء؛ أوَليست حياتنا الحقيقية، أعني الروحية والإيمانية، هي ببركة الحسين (عليه السلام)؟ أوَليست أعمالنا كلّها بهدايته لنا؟

ومنها: حقّ الإسلام وسلامتنا الحقيقية مرجوّة من الحسين (عليه السلام).

ومنها: حقّ الوداد فهل يودّ شخص شيعته مثل الحسين (عليه السلام)؟! الذي هو إلى يمين العرش ينظر إلى زوّاره وإلى الباكين عليه؟ كما جاء في الروايات المعتبرة [راجع: كامل الزيارات، ص 206].

ومنها: حقّ التعب. فلو أنّ شخصاً أصابه صدع أو جرح يسير بسببك لكنت خجلاً منه أبداً، وبصدد تدارك تعبه، أفلا تكون بصدد تعب الحسين (عليه السلام) وما أصابه؟ وليت شعري بأيّ شيء نتدارك تعبه لنا؟! أبهذه القطرات من الدمع؟! أم بالسير الاعتقادي والعملي على نهجه المحمدي القويم؟! وهل نحن صادقين بهذا؟

فهلمّوا نبكي عليه لأداء حقوقه علينا، فمَنْ لا يبكيه لا عهد له ولا وفاء، ولا ننسى إنّ البكاء عليه هو أدنى درجات الوفاء لهم.

4ـ الرقّة على المصاب

لأنّه كبير وجليل، فإنّ لمصاب الكبير خصوصية توجب رقّة القلوب عليه ولو كان أجنبياً، بل ولو كان كافراً، بل ولو كان عدوّاً، وبذلك جرت سيرة الملوك أيضاً كما في قضية ذي القرنين مع دارا بن دارا.

وقد جرى حكم الشارع أيضاً على ذلك؛ ولذا رمى النبي المصطفى (صلّى الله عليه وآله) ثوبه لعدي بن حاتم زمن كفره ليجلس عليه، وقال: «أكرموا عزيز قوم ذلّ» [راجع: السيرة الحلبية للحلبي، ج2، ص 222].

ولأجل هذا لم يسلب علي (عليه السلام) ثياب عمرو بن عبد ود لمّا قتله، بل ولا نزع درعه، مع إنّه لم يكن له نظير، فقيل له في ذلك، فقال (عليه السلام): «إنّه كبير في قومه، وما اُحبّ هتك حرمته في بقائه عارياً» [راجع: اعيان الشيعة، ج 1، ص 399].

ولأجله أيضاً جعل الشارع لبنات ملوك الكفار إذا اُسرن واسترققن حكماً آخر من الاحترام، فيُخيّرن ولا يُعرضن على البيع في الأسواق.

فهلمّوا نبكي عليه بكاء العبد على سيّده، وبكاءً له؛ لأنّه جليل وكبير، هُتكت حرمته، وسُلب ثوبه، ودير بحريمه وأطفاله أُسارى من بلد إلى بلد حتّى طُمِعَ فيهن كالجواري، فمَنْ لا يبكيه كذلك لا مقام له، ولا يعرف قدر أحد.

5ـ الرقّة على مَنْ كان ذا صفات حميدة

فإنّ حسن الصّفات ومحمودها توجب الرقّة على المتّصف بها وإن لم تعرفه، بل قد ورد عن الشرع احترامه ولو كان كافراً، كما أوحى الله تعالى إلى موسى النبي (عليه السلام): «لا تقتل السامري فإنّه سخي» [الكافي: ج 4، ص 41].

وكما نزل جبرئيل (عليه السلام) من الله تعالى بالنهي عن قتل أحد أسرى الكفار؛ لكونه يُطعم الطعام.

فمصاب صاحب الصّفات الحسنة يؤثر في القلب أيّاً كان هذا الشخص، خصوصاً المصاب بما يُقابل مقتضى هذه الصفات.

فإذا رأيت مَنْ كان يهب الألوف قد احتاج إلى لقمة خبز يسأل الناس عنها لرقّ قلبك عليه بالخصوص، كذا مَنْ كان ذا حياء مُهاناً في ملأ من الناس وهكذا.

فإذا لاحظت صفات سيد الشهداء وخصوصياتها، ونظرت إلى التطابق بينها وبين خصوصيات مصائبه كان ذلك موجباً لرقّة خاصة عليه، وبكاءً مخصوصاً عليه.

فهلمّوا نبكي عليه بكاءً مقابلاً لصفاته الحميدة العليّة، فاستمع لمصائب خاصة في مقابلة صفات خاصّة:

الأولى: إنّ لسانه قد ذكر الله تعالى قبل خلق السماوات والأرض، وهلّل الله فتعلّمت الملائكة منه التسبيح والتحميد، ثمّ ذكر الله تعالى في عالم النور والأشباح والظِلال، ثمّ في بطن أُمّه الزهراء (عليها‌ السلام) والتي كانت تسمع منه التسبيح والتهليل، ثمّ حين ولادته المباركة، ثمّ أيام صغره وصباه وكبره، ثمّ حين شهادته، ثمّ حين كون رأسه على الرمح، أفيحق أن يُقرع وجهه الشريف بالخيزران بيد مثل يد يزيد وابن زياد في تلك الحالة، ويضحكا ويشمتا به بمحضر أهله؟!

الثانية: إنّه (عليه السلام) رأى أعرابياً لا يُحسن الوضوء فاتّفق مع أخيه الحسن المظلوم (عليه السلام) على أن يتوضأ كلّ منهما بمحضره. فقال الحسين (عليه السلام) للأعرابي: «أيُّنا يُحسن الوضوء؟». فقال الأعرابي: كلاكما تُحسنانه، روحي لكما الفداء، ولكن أنا الذي لا أُحسنه [راجع: مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب، ج 3، ص 169].

فهو (عليه السلام) قد تحرّج من أن يقول للجاهل: أنت جاهل؛ لئلاّ يكسر قلبه مع أنّه جاهل حقيقة، فكيف حاله هو حين خوطب بخطابات لا تليق إلاّ بأعداء الله تعالى؟! فقد قال له قائل: تعجّلت بنار الدنيا، وقال له الحصين بن تميم ـ حين أراد الصلاة ـ: إنّها لا تُقبل منك، لعن الله أعداء أوليائه.

الثالثة: أعطاه رجل رقعة، فقال له الإمام (عليه السلام) فوراً حاجتك مقضية، فقيل له: لولا قرأتها، فقال (عليه السلام): «أخشى أن يسألني الله تعالى يوم القيامة عن ذلّ مقامه بين يدي حين أقرأ رقعته» [توضيح الدلائل، ص 711]. يعني أنّه قد يتردد بين الخوف والرجاء حتّى أقرأ الرقعة فيصيبه ذلّ بين يدي ولا اُحبّ ذلك.

فكيف كان حاله حيث وقف بين أيدي أهل الكوفة يسألهم أموراً يعلم أنّهم لا يفعلونها، فطلب الإنصات لكلامه حينما أراد أن يتكلّم معهم فكانوا يتصايحون، فقال (عليه السلام): «ويلكم! ألا تسمعون؟! ألا تنصتون؟!» [بحار الانوار، ج 45، ص 8].

الرابعة: حضر (عليه السلام) عند أُسامة بن زيد حالة احتضاره، فتأوّه أُسامة وقال: يا غمّاه! فقال (عليه السلام): «يا أخي، لِما تأوّهت، وما غمّك؟». قال أُسامة: عليّ دين مقداره ستون ألف درهم. قال الإمام الحسين (عليه السلام): «عليّ قضاؤه». قال: أُحبّ أن يُقضى وأنا حيّ . فقضاه في مجلسه [راجع: أعيان الشيعة، ج 4، ص 104].

أفيحق لمثل هذا الرحيم الرؤوف، الإمام المعصوم (عليه السلام) أن يتأوّه ويتلهّف، ويلتمس في حالة احتضاره أموراً هيّنة يسيرة ولا يُقضى له منها حتّى قطرة من الماء؟! وا أسفاه! ووا غمّاه! ووا لهفاه! ووا كرباه عليك يا مولاي وسيدي الحسين!

الخامسة: وُجد يوم الطفّ في ظهره أثراً، فسألوا السجّاد (عليه السلام) عن سببه، فقال (عليه السلام): «ذلك ممّا كان ينقل على ظهره من الطعام في الليالي للأرامل والأيتام، والفقراء والمساكين» [راجع: مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب، ج 3، ص 222].

فهل من الإنصاف أن يُمنع من سقي طفل له رضيع قطرة من الماء؟

السادسة: مرّ يوماً على مساكين وقد أخرجوا كسرات من الخبز ليأكلوا فدعوه إلى طعامهم فثَنى وركه وجلس يأكل معهم، وهو يقول: «إن الله لا يحب المستكبرين». ثمّ قال: «قد أجبتكم فأجيبوني». فقالوا: نعم. فأتوا منزله، فقال للجارية: «اخرجي ما كنتِ تدّخرين». فجاءت بأطيب الطعام، فجلس يأكل معهم (سلام الله عليه) ليُطيّب قلوبهم. [راجع: بحار الانوار، ج 44، ص 189]

وقد سعى (عليه السلام) كثيراً في أن يُطيّب قلوب نساء وأطفال عطاشى بشربة من الماء فلم يمكّنوه من ذلك.

6ـ البكاء للتبعيّة

فإنّه قد يتحقّق البكاء تبعاً للباكين مع قطع النظر عن المبكي عليه، فابك تبعاً للنبي (صلّى الله عليه وآله) فلكم فيه أُسوة حسنة، لا بل تبعاً للأنبياء والأوصياء، لا بل تبعاً للسماوات والأرضين، أو الوحوش أو الطيور، أو الجنة أو النار، أو ما يُرى وما لا يُرى، أو الجن أو الملائكة، أو ابكِ تبعاً للأشجار، أو تبعاً للحجار.

فأيّ قلب هو أقسى من الحجر، أو تبعاً للحديد فقد بكى مسمار سفينة نوح النبي (عليه السلام) دماً، كما جاء دليل ذلك كلّه في الأحاديث والروايات [راجع: بحار الانوار، ج 44، ص 230]، فابك دماً تبعاً له.

7ـ الترحم للجنس

فإنّه يوجب الرقّة مع قطع النظر عن كلّ صفة وحقّ وعلاقة. مثلاً: إذا سمعت أنّ رجلاً بلا تقصير أتى إلى بريّة ومعه أولاد أطفال ونساء وشباب، وإخوان وأصحاب وأقارب فجرى عليه ما جرى لاحترق قلبك أسىً وألماً عليه. بل لو سمعت أنّ رجلاً مقصّراً، أو محلّلاً للحرام، أو محرّماً للحلال، أو عدوّاً لك، أو كافراً بالله تعالى صُنع به ما صُنع مع إمامنا الحسين (عليه السلام) لرحمته ورأفت بحاله، وقد كان يقول (عليه السلام): «هل تُطالبوني بقتيل قتلته؟ أو بمال لكم استملكته؟ أو شريعة بدّلتها؟» [راجع: ينابيع المودة لذوي القربى للقندوزي، ج ٣، ص ٨٠].

أقول: فدتك نفسي! لو كنت كذلك لما كنت مستحقّاً لما وقع عليك، فليست هناك جناية هذه عقوبتها، بل إنّه ليس متعارفاً لدى القُساة الفسقة المنافقون في طول تاريخ البشرية جريمة كما فُعل بك يا حسين يا حسين.

فهلمّوا نبكِ عليه بكاء ترحّم عليه، فمَنْ لا يبكيه كذلك لا مروّة له، ولا إنسانية سوية.

8ـ البكاء لهذه الصّفات بأجمعها

بل ولغيرها من صفات حسنة للإمام لم نذكرها، بل لم يكتبها التاريخ من الصّفات والمواقف الحسنة النورانية.

فالحسين (عليه السلام) والدك حقيقة وأنت ملتحم به، وهو كبير في السماوات والأرض، صاحب كلّ الحقوق عليك، صاحب الصّفات الحميدة، بكى عليه جميع الخلق، وهو من البشر ولا ذنب له ولا جرم، وقد وقع عليه كلّ ذلك، فمَنْ لا يبكيه كذلك فهو عاقّ شاقّ بلا وفاء وبلا عهود، ولا يعرف قدراً ولا مروّة له، وهو خارج عن الحقيقة الإنسانية.

النوع الثاني: البكاء من غير سبب ملحوظ

وله أفراد:

الأوّل: كلّ خضوع وانكسار، وخشوع وهمّ وغمّ يعرض للناس فإنّ مرجع الكلّ إلى الحسين (عليه السلام)؛ ولهذا المطلب مقدّمات ليس هنا محلّ بيانها.

الثاني: الرقّة عليه بالفطرة التي فُطر الناس عليها من غير اختيار، مع التفات الباكين إلى أنّه رقّة على المبكي عليهم، ويكون ذلك في أحبائهم وفي أعدائهم، مع الغفلة عن بغضهم فيغلب جانب الرقّة بحيث يوجب الغفلة عن البغض.

وذلك كبكاء يزيد حين رأته هند، وبكاء معاوية على علي (عليه السلام)، وهذا القسم لا نحتاج فيه إلى أن نقول: هلمّ وابكِ على أيّ شيء، بل نقول: اقطع النظر عن كلّ شيء، فافرض أنّك لا تعرف الحسين الشهيد (عليه السلام)، ولا تعرف قرابة ولا حقوقاً، ولا صفاتاً ولا جلالة، وافرض أنّه لا ثواب للبكاء عليه ولا أجر ولا تبعية لأحد، فلاحظ هل يجري الدمع بلا اختيار أم لا؟

الثالث: فطرة توجب الرقّة بلا اختيار مع الالتفات إلى جهة البغض، ومنع النفس عن الرقّة وتشجيعها على التصبّر، فمع ذلك يغلب البكاء كبكاء ابن سعد، وبكاء أخنس بن زيد، وبكاء خولي، وبكاء السالب لحلي فاطمة بنت الحسين (عليهما السلام)، وبكاء العسكر كلّه حين عرضت عليهم حالات أبكتهم مع منع أنفسهم عن البكاء، والتفاتهم إلى جهة بغضهم، وعدم رغبتهم في البكاء، ومنافاته لِما هم فيه وبصدده من مواجهة إمام زمانهم ومعاداته وقتاله، ولكنّه غلب على كلّ حالاتهم، حتّى على شقاوتهم وخبث طينتهم، وفيهم ما فيهم من أولاد زنا وكفر ونفاق وشقاق.

فإذا أردت أن تعرف هذه الحالة المبكية لِمَنْ كان عدوّاً له، مع التفاته لعداوته ومنع نفسه عن البكاء، فاستمع ثمّ امنع نفسك عن البكاء تجد أنّه يغلب عليك البكاء تلو البكاء بلا اختيار.

فلنذكر الآن بعضها ولا نقول: هلمّوا لنبكي، بل نقول: امنعوا أنفسكم عن البكاء واضبطوها وتجلّدوا، فانظروا هل تقدرون حقّاً على ذلك حيناً ما؟

فمِن تلك الحالات، ما كان فيها واقفاً في الميدان وفي بدنه ألف وخمسمائة إصابة، الضربة فوق الضربة، والجرح على الجرح، والرض على الرض، والضرب على الضرب ... والرأس مشقوق، والقلب مقسوم ظاهراً من السهم، وباطناً من ملاحظة العيال والنساء والأهل ومَنْ معهم من الأرامل والمواليات واليتامى، بل وابناه الرضيعان.

ومحترق ظاهراً من العطش، وباطناً من الفراق وضياع الإسلام، بل ومن هلاك مقاتليه بأن يكون مصيرهم إلى النار بسببه، وهذه رحمة لا تتوفر عادة إلاّ لدى الأنبياء وأوصياء الأنبياء (عليهم ‌السلام)، وما هذا إلاّ لنعلم عظم قدرهم وحكمة الله تعالى في خلقهم.

نعم، وباطناً من الفراق، وفي هذه الحالة يُضرب بالسيف على مذبحه، وهو يستسقي ماء، فامنع نفسك عن البكاء فقد بكى ابن سعد على هذه الحالة وسالت دموعه على لحيته.

ومنها حالة إدخال النساء والعيال والرؤوس المنصوبة على الرماح على يزيد، إذ وضِعت الرؤوس، ووقفت البنات والنساء والأرامل والعليل الإمام المعصوم (عليه السلام) مقيّدون، فحصلت هيئة فظيعة أوجبت غلبة الرقّة على يزيد (لعنه الله) حتّى قال: قبّح الله ابن مرجانة.

الى هنا ننهي القسم الأول من هذه السلسلة‌ على أن نعود ونتحدث في القسم الثاني عن باقي الموارد.

اللهم ارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة للحسين وآل الحسين (عليهم السلام)


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/subject.php?id=2401
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2018 / 09 / 12
  • تاريخ الطباعة : 2024 / 03 / 28