• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : السيرة .
                    • الموضوع : الزهراء؛ الأسوة الحسنة .

الزهراء؛ الأسوة الحسنة

اعداد: القسم الثقافي في دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم / عباس الجعفري

 

*** اللهم صل على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها بعدد ما أحاط به علمك يا رب العالمين ***

 «فاطمة» مفردة يعجز الإنسان ويكل اللسان عن الخوض في معناها، فهي كالشمس الطالعة للعالم وهي بالأفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار.

هي البدر المنير والسراج الزاهر والنور الساطع والنجم الهادي في غياهب الدجى، والبيد القفار ولجج البحار، هي الماء العذب على الظماء والدالة على الهدى، والمنجية من الردى من فارقها فهالك، هي السحاب الماطر والغيث الهاطل والشمس المضيئة والأرض البسيطة والعين الغزيرة والغدير والروضة.

هي المطهرة للذنوب المبرأة من العيوب مخصوصة بالعلم مرسومة بالحلم، لا يدانيها أحد ولا يعادلها عالم ولا يوجد منها بدل وليس لها مثل ولا نظير مخصوصة بالفعل كله من غير طلب منها له ولا اكتساب بل اختصاص من المفضل الوهاب.

فمن ذا الذي يبلغ معرفتها؟! هيهات هيهات! ضلت العقول وتاهت الحلوم وحارت الألباب وحسرت العيون وتصاغرت العظماء وتحيرت الحكماء وتقاصرت الحلماء وحصرت الخطباء وجهلت الألباء وكلت الشعراء وعجزت الأدباء وعييت البلغاء عن وصف شأن من شأنها أو فضيلة من فضائلها فأقرت بالعجز والتقصير وكيف توصف لها أو ينعت بكنهها وهي بحيث النجم من أيدي المتناولين ووصف الواصفين...

جاء في التوقيع الشريف الخارج عن إمام زماننا الحجة المنتظر أنه قال:

«وفي ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لي أسوة حسنة»

 [كتاب الغيبة للشيخ الطوسي، ص 286]

نقف قليلاً عند هذه القدوة الحسنة الذي قال في حقها أبوها الرسول الأعظم (ص): «فداها أبوها» [راجع: روضة الواعظين،‌ ص 444] ونذكر بعض العناوين من سيرتها المقدسة:

دفاعها عن الولاية والإمامة

ويتّضح ذلك من خلال خطبتها الشريفة في المسجد النبوي، وخطبتها الاُخرى بنساء المدينة، وفي مواقف اُخرى متعدّدة.

وكان لها دور رائد في الدفاع عن قضايا الإسلام المصيرية بعد رحيل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى عالم الخلود ورضوان ربه، فقد جهرت بالحق ودافعت عن الإمامة، وخطبت في مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطبة بليغة أعادت إلىٰ الأذهان الخطوط العريضة التي رسمها الإسلام لقيادة الاُمّة بعد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحفظ الدعوة وتأصيل مفاهيمها.

وعلى رغم المأساة التي تعرضت لها الزهراء عليها‌السلام بعد وفاة أبيها صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقد استطاعت أن تؤدي دورها في إلقاء الحجة علىٰ أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبيان الحقائق الناصعة التي طالما نوّه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بها في حياته.

قال الإمام الباقر عليه‌السلام: « أنّ عليّاً عليه‌السلام حمل فاطمة عليها‌السلام علىٰ حمارٍ وسار بها ليلاً إلى بيوت الأنصار يسألهم النصرة، وتسألهم فاطمة عليها‌السلام الانتصار له». [بحار الانوار، ج 28، ص 352]

إنّها مع الحقّ أبداً

عن أمير المؤمنين عليه‌السلام انه قال: «قال رسول الله (ص) لفاطمة: إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك» [معاني الأخبار، ج 2، ص ٣٠٢]. فإذا كان غضبها موافقاً لغضب الله في جميع الأحوال وكذلك رضاها، فهذا يعني أن رضاها وغضبها يوافق الموازين الشرعية في جميع الأحوال، وأنها لا تعدو الحق في حالتي الغضب والرضا، وفي ذلك دليل ساطع على عصمتها عليها‌ السلام يضاف لما جاء في آية التطهير.

عبادتها:

كانت فاطمة عليها‌السلام أعبد نساء زمانها، وقد ضربت المثل الأعلى بعبادتها وإيمانها وطاعتها وانقطاعها إلىٰ الله سبحانه.

عن الإمام الباقر عليه‌السلام ـ في حديث ـ قال: «قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: إنّ ابنتي فاطمة ملأ الله قلبها وجوارحها إيماناً ويقيناً إلىٰ مشاشها، ففرغت لطاعة الله» [راجع: دلائل الامامة للطبري،‌ ص 139].

ويقول فخر الدين الطريحي: والبتول فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قيل: سميت بذلك لانقطاعها إلى الله وعن نساء زمانها فضلاً، وعن نساء الأمة فضلاً وحسباً وديناً [راجع: مجمع البحرين، مادة بتل]

ومن مظاهر عبادتها عليها‌السلام طول قيامها في الصلاة وكثرة خشوعها، فقد روي عن الحسن البصري أنه قال: ما كان في هذه الاُمّة أعبد من فاطمة، كانت تقوم حتىٰ تتورّم قدماها. [الأسرار الفاطمية، ص 356].

وعلّمها رسول الله (ص) أذكاراً تقولها عند النوم وفي دبر كل صلاة، وهي معروفة بتسبيح فاطمة عليها‌السلام، وكان السبب في تشريعها على ما أخرجه الشيخ الصدوق وغيره عن أمير المؤمنين عليه‌السلام أنّه قال لرجلٍ من بني سعد: «ألاأُحدّثك عنّي وعن فاطمة عليها‌السلام، أنّها كانت عندي فاستقت بالقربة حتىٰ أثّرت في صدرها، وطحنت بالرحىٰ حتىٰ مجلت يداها، وكسحت البيت حتىٰ اغبرت ثيابها، وأوقدت تحت القدر حتىٰ دكنت ثيابها، فأصابها من ذلك ضرر شديد، فقلت لها: لو أتيت أباك فسألتيه خادماً يكفيك حرّ ما أنت فيه من هذا العمل، فأتت النبي (ص)، فوجدت عنده حدّاثاً، فاستحيت فانصرفت، فعلم (ص) أنها عليها‌السلام قد جاءت لحاجة فغدا علينا... فقال: يا فاطمة، ما كانت حاجتك أمسِ عند محمد؟ ... فقلت: أنا والله أُخبرك يا رسول الله، إنّها استقت بالقربة حتىٰ أثّرت في صدرها، وجرّت بالرحىٰ حتىٰ مجلت يداها، وكسحت البيت حتىٰ اغبرّت ثيابها، وأوقدت تحت القدر حتىٰ دكنت ثيابها، فقلت لها: لو أتيت أباك فسألتيه خادماً يكفيك حرّ ما أنت فيه من هذا العمل. قال (ص): أفلا أُعلّمكما ما هو خير لكما من الخادم؟ إذا أخذتما منامكما فكبّرا أربعاً وثلاثين تكبيرة، وسبّحا ثلاث وثلاثين تسبيحة، واحمدا ثلاثاً وثلاثين تحميدة، فقالت فاطمة عليها‌السلام: رضيت عن الله وعن رسوله، رضيت عن الله وعن رسوله»[علل الشرائع،‌ ج 2، ص 366].

وعن الإمام الحسن عليه‌السلام قال: «رأيت أُمي فاطمة عليها‌السلام قامت في محرابها ليلة جمعتها، فلم تزل راكعة ساجدة حتىٰ اتضح عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسمّيهم، وتكثر الدعاء لهم، ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها: يا أُمّاه، لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت: يا بني، الجار ثمّ الدار» [راجع: وسائل الشيعة (طبعة آل البيت)، ج 7، ص 113].

دورها في خارج البيت:

إذا تجاوزنا دور الزهراء عليها‌السلام في إدارة أعمال المنزل وتربية الأولاد، نرى أن سيدة النساء قد سجّلت عناوين مهمة وآفاقاً جديدة لدور المرأة المسلمة في مجمل النشاطات الاجتماعية والسياسية والحربية وغيرها، ممّا يتناسب مع واقع وحاجات وظروف ذلك العصر.

فقد كانت تعلّم النساء ما يشكل عليهنّ من الأحكام الشرعية والمعارف الإلهية الضرورية، ويبدو أن بيتها كان المدرسة النسائية الاُولى في الإسلام.

قال أبومحمد الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام: «حضرت امرأة عند الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام فقالت: إن لي والدة ضعيفة وقد لبس عليها في أمر صلاتها شيء، وقد بعثتني إليك أسألك، فأجابتها فاطمة عليها السلام عن ذلك، فثنت فأجابت ثم ثلثت إلى أن عشرت فأجابت ثم خجلت من الكثرة فقالت: لا أشق عليك يا ابنة رسول الله، قالت فاطمة: هاتي وسلي عما بدا لك، أرأيت من اكترى يوماً يصعد إلى سطح بحمل ثقيل وكراه مائة ألف دينار يثقل عليه؟ فقالت: لا. فقالت: اكتريت أنا لكل مسألة بأكثر من ملء ما بين الثرى إلى العرش لؤلؤاً فأحرى أن لا يثقل علي، سمعت أبي صلى الله عليه وآله يقول: إن علماء شيعتنا يحشرون فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم وجدهم في إرشاد عباد الله حتى يخلع على الواحد منهم ألف ألف حلة من نور ثم ينادي منادي ربنا عز وجل: أيها الكافلون لأيتام آل محمد - صلى الله عليه وآله -، الناعشون لهم عند انقطاعهم عن آبائهم الذين هم أئمتهم، هؤلاء تلامذتكم والأيتام الذين كفلتموهم ونعشتموهم فاخلعوا عليهم خلع العلوم في الدنيا فيخلعون على كل واحد من أولئك الأيتام على قدر ما أخذوا عنهم من العلوم حتى أن فيهم يعني في الأيتام لمن يخلع عليه مائة ألف خلعة وكذلك يخلع هؤلاء الأيتام على من تعلم منهم، ثم إن الله تعالى يقول: أعيدوا على هؤلاء العلماء الكافلين للأيتام حتى تتموا لهم خلعهم، وتضعفوها لهم فيتم لهم ما كان لهم قبل أن يخلعوا عليهم، ويضاعف لهم، وكذلك من يليهم ممن خلع على من يليهم. وقالت فاطمة عليها السلام: يا أمة الله إن سلكة من تلك الخلع لأفضل مما طلعت عليه الشمس ألف ألف مرة وما فضل فإنه مشوب بالتنغيص والكدر» [بحار الانوار، ج 2، ص 3]

وعنه عليه‌السلام قال: «قالت فاطمة عليها السلام وقد اختصم إليها امرأتان فتنازعتا في شىء من أمر الدين إحداهما معاندة والأخرى مؤمنة ففتحت على المؤمنة حجتها فاستظهرت على المعاندة ففرحت فرحاً شديداً، فقالت فاطمة: إن فرح الملائكة باستظهارك عليها أشد من فرحك، وإن حزن الشيطان ومردته بحزنها عنك أشد من حزنها، وإن الله عز وجل قال للملائكة: أوجبوا لفاطمة بما فتحت على هذه المسكينة الأسيرة من الجنان ألف ألف ضعف مما كنت أعددت لها، واجعلوا هذه سنة في كل من يفتح على أسير مسكين فيغلب معانداً مثل ألف ألف ما كان له معداً من الجنان» [الاحتجاج، ج 1، ص 11]

وكان للزهراء عليها‌السلام مشاركة فعّالة ومؤثّرة في الدعوة إلىٰ الله تعالى في مواقع مختلفة أهمها المباهلة مع النصارى، ونزل فيها قرآن يتلى إلى يوم القيامة ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آل عمران: 61] فكانت سيدة النساء عليها‌السلام هي المختصة بهذا الفضل ولم يشركها فيه أحد من نساء الاُمّة.

وكانت الزهراء عليها‌السلام معيناً للمحتاجين من أبناء المجتمع الإسلامي آنذاك، تنفق في سبيل الله وتعتق الرقاب وتعين الضعفاء، فقد توافق أغلب المفسرين علىٰ نزول قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا [سورة الإنسان: 8ـ9] في أهل البيت عليهم‌السلام: علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام حينما تصدقوا رغم خصاصتهم علىٰ المسكين واليتيم والأسير.

أخرج ابن شهرآشوب عن ابن شاهين في (مناقب فاطمة عليها‌السلام) وأحمد في مسند الأنصار عن أبي هريرة وثوبان أنّها عليها‌السلام نزعت قلادتها وقرطيها ومسكتيها ـ أي سواريها ـ ونزعت ستر بيتها، فبعثت به إلى أبيها صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقالت: «اجعل هذا في سبيل الله» فلمّا أتاه قال صلى‌الله‌ عليه‌ وآله‌: «قد فعلت فداها أبوها ـ ثلاث مرات ـ ما لآل محمد وللدنيا، فإنّهم خلقوا للآخرة، وخلقت الدنيا لغيرهم» وفي رواية أحمد: «فإنّ هؤلاء أهل بيتي، ولا أُحب أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا» [مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب، ج 3، ص 121].

التعاون وتقسيم العمل في داخل البيت:

ومن مظاهرالعظمة في بيت الزهراء عليها‌السلام والتي تستحق أن تكون قدوة لنا في حياتنا وأُسوة في تعاملنا داخل بيوتنا، هو التعاون بوئامٍ وإخلاص بين الزوج والزوجة علىٰ إدارة شؤون البيت وتقسيم العمل في داخله وخارجه.

روى العياشي عن أبي جعفر عليه‌السلام أنّه قال: «إنّ فاطمة عليها‌السلام ضمنت لعلي عليه‌السلام عمل البيت والعجين والخبز وقمّ البيت، وضمن لها علي عليه‌السلام ما كان خلف الباب: نقل الحطب وأن يجيء بالطعام...». [تفسير العياشي، ج 1، ص 171]

وعن الإمام الصادق عليه‌السلام قال: «كان أمير المؤمنين عليه‌السلام يحتطب ويستقي ويكنس، وكانت فاطمة عليها‌السلام تطحن وتعجن وتخبز» [الكافي، ج 5، ص 86].

وكان أمير المؤمنين عليه‌السلام يشاطرها الخدمة في أعمال المنزل الخاصة بها، فقد جاء عن ابن شاذان أنه دخل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على علي عليه‌السلام فوجده هو وفاطمة عليها‌السلام يطحنان في الجاروش ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: « أيكما أعيى؟» فقال علي عليه‌السلام: « فاطمة يا رسول الله» فقال لها: « قومي يا بنية» فقامت وجلس النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم موضعها مع علي عليه‌السلام فواساه في طحن الحبّ [الروضة في فضائل أمير المؤمنين لابن شاذان القمي، 56].

ومن مظاهر التواضع والعدل في بيت الزهراء عليها‌السلام أنّ تقسيم العمل لا يقتصر على أفراد الاُسرة وحسب، بل كانت تتناوب بالعمل مع الخادمة يوماً بيوم، حيث أخدمها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جارية أسمها «فضّة» بعد أن كثرت الفتوح والمغانم وارتفع الفقر عن أهل الصفّة وسائر ضعفاء المدينة.

نعم الزوجة للزوج

عن أمير المؤمنين عليه‌السلام قال: «والله ما أغضبتها ولا أكرهتها على أمرٍ حتى قبضها الله عزَّ وجلَّ. ولا أغضبتني، ولا عصيت لي أمراً، ولقد كنت أنظر إليها فتنكشف عنّي الهموم والأحزان» [بحار الأنوار، ج 43، ص 134]

وسأل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّاً عليه‌السلام: «كيف وجدت أهلك؟» فقال عليه‌السلام: «نعم العون علىٰ طاعة الله، وسأل فاطمة فقالت: خير بعل» [راجع: المناقب لابن شهر آشوب، ج3، ص 131]

تربية الأولاد :

اضطلعت الزهراء عليها‌السلام بمهمة اُخرى لا تقل عن مهمة مباشرتها لأعمال المنزل، تلك هي تربية الأولاد، فقد وهبها الله كرامة أُمومة الأوصياء، وأعطاها شرف الربط بين النبوة والإمامة، وقد استطاعت أن تجني من نتاج تربيتها أقدس الثمار. ولقد غرست الزهراء عليها‌السلام في نفوس أولادها خصال الخير ومكارم الأخلاق ومعالي الفضيلة، وأرضعتهم مبادئ التوحيد والدفاع عن الحقِّ. ونشأ أولاد الزهراء عليها‌السلام في ظل رعاية الاُمّ سيدة النساء والأب وصي المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحيطهم أشرف الأنبياء والرسل صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحنانه وعطفه وتربيته، فكانوا خيرة البشرية وقدوة الإنسانية.

ولقد حرّم الله سبحانه أولادها علىٰ النار كرامة لعفّتها وحصانتها، وبياناً لمنزلتهم عند الله تعالى، قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «إنّ فاطمة أحصنت فرجها فحرّمها الله وذريتها علىٰ النار» [راجع: معاني الأخبار، ص 106]

الكرم والسخاء :

وسجّلت الزهراء عليها‌السلام دوراً بارزاً في الانفاق في سبيل الله وعتق الرقاب وإعانة الضعفاء والمعوزين من أبناء المجتمع الإسلامي علىٰ الرغم من شظف العيش وشدّة الزمان.

وروي إن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فشكا إليه الجوع، فبعث إلى بيوت أزواجه فقلن: ما عندنا إلا الماء. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: من لهذه الليلة ؟ فقال علي عليه السلام: أنا يا رسول الله. فأتى فاطمة فأعلمها، فقالت: ما عندنا إلا قوت الصبية ولكنا نؤثر به ضيفنا. فقال علي عليه السلام: نومي الصبية وأنا أطفئ للضيف السراج. ففعلت وعشى الضيف. فلما أصبح أنزل الله عليهم هذه الآية : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [سورة الحشر: 9] [راجع: الأسرار الفاطمية، ص 159]

العفّة والحجاب :

لقد أعطى الإسلام للمرأة حقوقها، وشرّع القوانين لحمايتها ورعاية مصالحها، ومنحها الحرية ضمن تعاليمه السامية في طلب العلم والحصول على الملكية والإرث والعمل، ولكن بشرط أن لا تكون على نمط الحرية الإباحية التي تعرض فيها المرأة نفسها بالمجان، وتكون سبباً في إفساد بنية الاُسرة وانحراف المجتمع، كما هو الحال في المجتمعات الغربية.

ولقد ضربت الزهراء عليها‌السلام أروع الأمثلة في ما يجب أن تكون عليه المرأة المسلمة من حصانة وعفّة مع أدائها لدورها في داخل المنزل وخارجه علىٰ أتمّ وجه، فهي النموذج الأمثل الذي قدّمه الإسلام للمرأة، فمن الحقّ أن يقتدى بها في كل ما أُثر عنها من مبادئ العفّة والحجاب، فقد روي عنها عليها‌السلام أنّها قالت: «خير للمرأة أن لا ترىٰ رجلاً ولا يراها رجل» [راجع: المناقب لابن شهر آشوب، ج3، ص119].

فمن حيث خمار رأسها فقد وصف أنّه يصل إلى نصف عضدها، كما جاء بالاسناد عن الإمام الباقر عليه‌السلام أنه قال: «فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وما كان خمارها إلّا هكذا» وأومأ بيده إلى وسط عضده[مكارم الاخلاق، ص 93]

قال أمير المؤمنين عليه‌السلام: «إنّ فاطمة بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استأذن عليها أعمى فحجبته، فقال لها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: لِمَ حجبتيه وهو لا يراك، فقالت: يارسول الله إن لم يكن يراني فأنا أراه، وهو يشمّ الريح. فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: أشهد أنك بضعة مني»[حلية الأولياء،‌ج2، ص42].

 اللهم اجعلنا ممن يقتدي بالزهراء ويأخذ بحجزتها ويمكث في ظلها وأعنّا على تأدية حقوقها

والاجتهاد في طاعتها، واجتناب معصيتها، وامنن علينا برضاها بحق محمد وآل محمد.


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/subject.php?id=2218
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2017 / 02 / 16
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 02 / 24