• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : السيرة .
                    • الموضوع : لمحات‌ ‌‌‌عـن حياة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام .

لمحات‌ ‌‌‌عـن حياة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام

 كانت الزهراء(ع) رابعة بنات النبي(ص)، وقد اختلفت الروايات‌ فـي‌ تـاريخ‌ ولادتها.

فـفي رواية «الكافي»، عن الإمام الباقر(ع): أنها ولدت بعد مبعث النبي بخمس سنين، وتوفيت وهي‌ في الثامنة عشرة من عمرها.

وأكـثر روايات أهل السنّة متفقة على أنها‌ كانت قبل مبعثه بخمس‌ سنوات، وفي ذلك تـقول بنت الشاطئ في حـديثها عـن بنات النبي(ص):

«لقد شاء اللّه يقترن مولدها بالحادث الجليل الذي ارتضت فيه قريش محمداً حكماً فيما شجر بينها من خلاف علي وضع الحجر‌ الأسود عند تحديد بناء الكعبة المكرمة، فاستبشر أبواها بمولدها، واحتفلا به احـتفالاً لم تألفه مكة في مولد انثى. سبقتها ثلاث اخوات ليس بينهنّ ولد، وأمضت طفولتها سعيدة بحب أبويها،  وتدليل أخواتها‌ لها، وبخاصة كبراهنّ زينب، التي كانت لها بمثابة ام صغيرة».

ومهما كان الحال، فلقد نشأت بين أبوين مـا عـرف التأريخ أكرم منهما، ولا كان لأحد في تأريخ الإنسانية ما لأبيها من الآثار‌ التي‌ غيرت وجه التاريخ، ودفعت الانسان أشواطاً بعيدة.

في ظل هذين الأبوين، درجت الزهراء واستقبلت منذ طفولتها حدثاً جليلاً تخطى مـكة والمـدينة والجزيرة العربية بكاملها، والعالم كله عصراً وراء‌ عصر.

لقد نشأت في دار أبويها وحيدة يغمرها حنان أبيها الذي فقد بنيه ولم يبق له من عزاء بعدهم إلاّ عب‌ء النبوّة الذي تأهب له زمناً، ونهض به زمناً، وتحمل‌ فـي‌ سـبيله ما تنوء به الجبال، فأنّى اتجه، وأنّى‌ ذهب، يرى‌ قريشاً وغلمانها وعبدانها تقف له بالمرصاد.

وفاطمة على صغر سنها ترى كلّ ذلك وتساهم مع امها في‌ التخفيف‌ من‌ وقع ذلك في نفسه، فكانت تتلوى من الألم لألمه. وكـان‌ أيـسر أذاه أن مـرّ عليه سفيه-كما جاء في روايـة الطـبري-فاغترف بـكلتا يديه من التراب والأوساخ وصبّها على‌ رأسه، فدخل‌ بيته‌ والتراب على رأسه، فقامت إليه بنته فاطمة وجعلت تغسل‌ التراب عن رأسه وتبكي، وهـي حـديثة عـهد بوفاة امها الصديقة الكبرى «خديجة»، وبالرغم من أن بكاءها كـان مـوجعاً‌ لقلبه، إلاّ‌ أن‌ ذلك وغيره من الصدمات القاسية، لم يزده إلاّ صبراً وثباتاً‌ وإيماناً،  فالتفت إليها وعيناها تهمي بالدموع وقال:

«لا تبكي يا بنية، إن اللّه مانح أبـاك ونـاصره‌ عـلى‌ أعداء دينه ورسالته».

ورأته مرة وهو ساجد في الحرم‌ وحوله‌ نـاس من مشركي قريش يسخرون منه. ويعدّون الخطط لإيذائه، فسمعت منهم ما يجرح نفسها ويدمي‌ فؤادها. وإذا بعتبة بن أبي مـعيط يـحمل سـلا جزور ويقذفه على ظهره وهو ساجد، فأقبلت‌ إليه‌ مسرعة باكية وأخذته عن ظـهره وألقـته جانباً.

ولما رفع رأسه‌ من‌ سجوده‌ دعا على جماعة من أولئك الذين كانوا حوله.

قال الأستاذ توفيق أبو عـلم فـي‌ كـتابه «أهل‌ البيت»: ان للسيدة فاطمة الزهراء تسعة أسماء، فاطمة، والصديقة، والمباركة، والطاهرة، والزكية، والمحدثة، والزهـراء وغـير‌ ذلك، وأنه كان يطلق عليها (أم النبي) لأنها كانت وحدها في بيته بعد موت أمها، تتولى رعايته، والسـهر عليه.

ونـقل عـن علي سلام اللّه عليه، أن الرسول قال: «إنّما سميت فاطمة لأن اللّه‌ قد‌ فطمها‌ وذريتها من النار يـوم القـيامة» كما جاء ذلك في «الصواعق» وغيرها.

وجاء في «صحيح البخاري» أن النبي(ص)كان‌ يقول: «فاطمة‌ بضعة‌ مني، فمن أغضبها أغضبني».

وروى مسلم في «صحيحه» انه قـال «فاطمة بـضعة مـني يريبني ما راباها ويؤذيني‌ ما آذاها». ورواها بنصها تارة، وبمضمونها اخرى كلّ من ابن حـجر فـي «الإصابة» والترمذي في «صحيحه» و‌النسائي‌ وغيرهما من المحدثين.

ولكثرة من روى ذلك عن النبي، أصبح‌ هذا‌ النـوع مـن المـرويات، من المتواتر في معناه إن‌ لم‌ يكن‌ متواتراً في لفظه.

وجاء في «الأغاني» لأبي الفرج‌ الأصفهاني: أن‌ عبد اللّه بن الحـسن المـثنى بن الحسن السبط- دخل على عمر بن عبد العزيز فرفع مجلسه‌ وأكرمه وقضى حـوائجه ولمـا‌ سـئل عن‌ سبب‌ اكرامه‌ وتعظيمه له أجاب- لقد حدثني الثقة‌ كأني‌ أسمع ذلك من فم رسول اللّه(ص)، انه قال: «فاطمة بـضعة مـني يـسرني‌ ما يسرها ويغضبني‌ ما يغضبها» وعبد اللّه هذا بضعة من‌ فاطمة بضعة رسول اللّه.

وجـاء فـي «المستدرك» للحاكم بسند ينتهي إلى‌ أبي‌ ثعلبة الخشني أنه قال: «كان رسول اللّه(ص) إذا رجع من سفر أو غزاة أتى المـسجد، فصلى‌ ركـعتين‌ ثم ثنى بفاطمة، ويأتي أزواجه‌ بعد‌ ذلك.

روي عن عبداللّه‌ بن‌ عمر، أنه قال: «كان رسـول اللّه‌ إذا‌ سافر، كانت آخر الناس عهداً به فاطمة، وإذا رجـع مـن سـفره كانت عليها أفضل الصلاة‌ والتحيات أول الناس عـهداً به».

وقـد‌ ورد كثيراً‌ وفي‌ أكثر من مرة، قول النبي(ص): «إنّ‌ اللّه يرضى لرضاك ويغضب لغضبك».

وهذه الأحاديث تكشف عـن مـنزلة عالية للزهراء سلام‌ اللّه‌ عـليها، منزلة مـا أعظمها مـن مـنزلة، أن يـرتبط‌ رضا‌ اللّه‌ برضا‌ فاطمة‌ وغضب اللّه‌ بـغضب‌ فاطمة، وهل هناك درجة أعلى من ذلك؟ انها درجة العصمة.

ولذا يعد الشيعة فاطمة مـن‌ المـعصومين‌ الأربعة‌ عشر.

ولم تنل الزهراء(سلام اللّه عليها) هذه المرتبة، إلاّ‌ لوجـود‌ خصال‌ عالية‌ في‌ نـفسها، وإلاّ لوجـود عوامل أهلتها لهذه المرتبة السـامية الرفـيعة، فما أعظم أن يرتبط رضا اللّه برضا امرأة من عباده.

لقد اتصفت الزهراء (سلام اللّه عليها) بصفتين عاليتين جداً:

اولاهما: الوعي، فقد كـانت‌ الزهـراء سلام اللّه عليها واعية تمام الوعـي فـكرياً، واعية تـمام الوعي علمياً، واعية بـالشريعة وبـالقرآن وما يرتبط بالقرآن، ثم كـان لهـا وعي اجتماعي هائل.

وثانيتهما: الإخلاص، فلقد كانت (سلام اللّه عليها) ذات مرتبة عالية‌ من‌ الاخلاص.

ويكفي أن يرتبط رضا اللّه برضاها ليكشف عـن مـرتبتها الإخلاصية العميقة.

كانت مؤمنة، عابدة، مسبحة، يزهر نورها في مـحرابها ولذا سـميت، (سلام اللّه عليها) بالزهراء.

فـي «الاستيعاب لابـن عـبد البر، بسنده ينتهي إلى‌ عائشة‌ أنـها كانت تقول: «أحب الناس من النساء إلى رسول اللّه ابنته فاطمة، ومن الرجال زوجها علي» وتضيف الى ذلك: «إنـه كـان صوّاماً قوّاماً».

وروي‌ في «المستدرك» بسند ينتهي الى جميع بـن‌ عـمير، أنه‌ قـال: «دخلت مـع أمـي على عائشة، فسمعتها مـن وراء الحـجاب، وأمي تسألها عن علي(ع)، تقول: «تسأليني عن رجل واللّه ما أعلم رجلاً كان أحبّ الى رسول اللّه‌ من‌ علي، ولا فـي الأرض‌ امرأة‌ كانت أحبّ إليه من فاطمة».

وجاء في كـتاب «أهل البـيت» للأستاذ تـوفيق أبـو عـلم وهـو يتحدث عن فاطمة(ع)، روايته عن أبي سعيد الخدري- أن علياً سأل فاطمة ذات يوم إذا كان‌ عندها‌ شيء من الطعام ليأكله، فقالت له: «لا والذي أكرم محمداً بالنبوة ما أصبح عندي شي‌ء ولا أكـلنا بعد شيئاً»، فقال لها: «ألا أعلمتني حتى أبغيكم شيئاً، فقالت: إني أستحي من اللّه أن أكلفك ما‌ لا‌ تقدر عليه، فخرج‌ من البيت واستقرض ديناراً ليبتاع لعياله ما يصلح لهم، وبينما هو بهذا الصدد وإذا‌ بالمقداد بن الأسود يـعترضه فـي يوم شديد الحر قد لوحته الشمس، فلما‌ رآه‌ علي(ع) أنكر حاله وقال: «ما الذي أزعجك يا مقداد وأخرجك من رحلك هذه الساعة؟» فقال له: «خل سبيلي يا ‌‌أبا‌ الحسن، ولا تسألني عمّا ورائي.» فقال له: «يا ابـن أخـي، لا يحلّ لك أن تكتمني حالك.» فقال: «أما‌ إذا‌ أبيت‌ فوالذي أكرم محمداً بالنبوة، ما أزعجني إلاّ الجهد، ولقد تركت أهلي يبكون من الجوع فخرجت من‌ البيت لأبحث لهم عن شيء يـسد ولو بعض ما يحتاجون إليه».

ويدّعي الراوي أن‌ عـليا‌ً لما سمع حديثه ورأى ما به من الجهد والجيرة آثره على نفسه ودفع له الدينار، ورجع الى البيت من غير أن يشتري شيئاً لأهله، وصلّى مع النبي ذلك‌ اليـوم، ولما انتهى من صـلاة المـغرب، قام النبي(ص) من محرابه، وقال له هل عندك شيء تعشينا به. فأطرق علي(ع) برأسه حياء من رسول اللّه واصيب بحيرة من أمره، وأخيراً، وبعد صمت طويل رحب‌ بالنبي(ص) وسارا معاً حتى دخلا على سيدة النساء فـاطمة(ع) فـوجداها تصلّي وخلفها جفنة تفور دخاناً، ولما أتمّت الصلاة توجهت إلى النبي(ص) وسلمت عليه، فمسح بيده على رأسها وقال: كيف أمسيت‌ وطلب منها العشاء، فأخذت الجفنة ووضعتها بين يديه. فنظر إليها علي(ع) كالمستغرب لأنه قد خرج مـن البـيت ليشتري شـيئاً بعد أن قالت له ما أصبح عندنا شيء ولا أكلنا شيئاً، فأدركت‌ سرّ‌ نظرته إليها وحلفت له أنها لا تعلم من أين جـاءتها الجفنة، فوضع رسول اللّه كفّه بين كتفي علي وقال: «هذا جزاء الدينار يـا عـلي، هذا مـن عند اللّه، إن اللّه يرزق‌ من‌ يشاء‌ بغير حساب.» ثم استعبر النبي(ص) وقال: «الحمد‌ للّه‌ الذي‌ لم يخرجكما من الدنيا حتى جزاك يـا ‌‌عـلي وجعل لك ولفاطمة ما جعله لزكريا ومريم حيث قال تعالى: كلّما‌ دخل‌ عليها‌ زكريا المـحراب وجـدّ عـندها رزقاً قال يا‌ مريم‌ أنّى لك هذا قالت هو من عند اللّه إن اللّه يرزق من يشاء بغير حساب».

وحدّث عـبد اللّه بن العباس، عن النبي(ص) أنه‌ قال‌ يوماً: «إن‌ اللّه خلق الناس من أشجار شتى وخلقت أنا وعـلي من شجرة واحدة فـما قـولكم في شجرة أنا أصلها وفاطمة فرعها وعلي لقاحها والحسن‌ والحسين‌ ثمارها وشيعتنا أوراقها فمن تعلق بغصن من أغصانها ساقه الى‌ الجنة، ومن تركها هوى الى النار.

وجاء في رواية لابن عباس عن النـبي(ص) أنه قال: «يا علي إن فاطمة‌ بضعة‌ مني، ونور عيني، وثمرة فؤادي، يسوؤني ما ساءها، وهي أول من يلحقني من أهل‌ بيتي، فأحسن‌ إليها‌ من بعدي، والحسن والحسين ابناي وريحانتاي وسيدا شباب أهل الجنة، فليكونا‌ عليك‌ كسمعك‌ وبصرك.

وأضـاف ابـن عباس، أن النبي(ص) رفع يديه إلى السماء وقال: «اللهم إني أشهدك‌ أني‌ محب لمن أحبّهم، ومبغض لمن أبغضهم، وسلم لمن سالمهم، وحرب لمن حاربهم، وعدو‌ لمن‌ عاداهم، وولي لمن والاهم».

وروي الرواة أيضاً، أن النبي(ص) كان جالساً ذات يوم وعـنده‌ عـلي‌ وفاطمة والحسنان، فقال: «اللهم إنك تعلم أن هؤلاء أهل بيتي وأكرم الناس‌ علي، فأحبب‌ من‌ يحبهم، وأبغض من يبغضهم، ووال من والاهم وعاد من عاداهم، وأهن من أهانهم، واجعلهم‌ مطهرين من كل رجس، معصومين مـن كـل ذنب، وأيدهم بروح القدس يا ربّ‌ العالمين».

وجاء في رواية ابن عبد البر في «الاستيعاب» أن النبي(ص) قال لها: «يا بنية، ألا ترضين أنك سيدة نساء العالمين؟» فقالت: «يا أبتي أين‌ مريم‌ ابنة‌ عمران؟» فقال: «هي سيدة نساء عالمها».

وبهذا المضمون، روى الصـدوق فـي «أماليه» عن النـبي(ص) أنه كان يقول: «فاطمة‌ سيدة‌ نساء العـالمين» ولمـا قـيل له أنها.... قال «تلك ابنة عمران، فأما ابنتي ‌فإنها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين».

إلى‌ كثير من الأحاديث التي رواها محدثو الشيعة والسنّة في مجاميعهم وصـحاحهم‌ والتـي تـتفق في مضامينها.

وقد‌ اختارها‌ اللّه‌ سبحانه من بين بـنات الرسـول لتكون أماً‌ للذرية‌ الطاهرة، تلك الذرية التي ستكون امتداداً لحياة الرسول فتتحمل ثقل الكفاح، وعب‌ء الجهاد.

روى‌ الرواة‌ أكثر من مرة، كما جـاء فـي «مستدرك‌ الصـحيحين» و«تاريخ‌ بغداد»، ان‌ النبي(ص) كان‌ يقول: «كل‌ بني آدم ينتمون الى عصبتهم، إلاّ ولد‌ فاطمة‌ فاني أنـا أبوهم، وأنا عصبتهم».

وقد أنزل اللّه عليه قرآناً لا‌ يأتيه‌ الباطل من بين يديه ولا‌ من خلفه، يفرض مودتهم على جميع الناس‌ من بعده فـي كـل عـصر‌ وزمان، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾

وأثناء‌ الهجرة، وعندمـا عـاد علي (سلام اللّه‌ عليه) يتابع‌ السير‌ بمن معه من‌ النسوة، طارده‌ جماعة من قريش، وكان‌ ممن‌ طارده (الحويرث بن نـقيب بـن عـبد قصي)، وكان ممن يؤذي النبي(ص) في مكة، فأقبل الحويرث على البعير‌ الذي‌ يحمل فـاطمة ومـعها إحدى الفواطم، فرماها‌ إلى الأرض‌ فأضر بها، وكانت‌ نحيلة الجسم قد أنهكت‌ جسمها الأحداث التي سبقت هـجرة أبيها.

ومـرت سـنوات على هذا الحادث، وجاء العام الثامن‌ للهجرة‌ الذي فتح النبي فيه مكة، وجريمة‌ الحويرث‌ عـالقة‌ فـي‌ الأذهان، وإذا بالنبي(ص) يسميه‌ مع‌ النفر الذين أهدر دماءهم وإن وجدوهم تحت أستار الكعبة، فقتله أمير المـؤمنين سـلام اللّه عليه.

وجـاء‌ في «جلاء‌ العيون» للسيد عبد اللّه شبّر، عن الخوارزمي، في «المناقب» وغيرهما من‌ الكتب، عن‌ أم‌ سلمة‌ وسلمان‌ الفارسي وأمـير المـؤمنين(ع) أن فاطمة قد خطبها في مطلع صباها أكابر قريش من أهل الفضل والسابقة فـي الاسـلام، وكـلّما جاءها خاطب أعرض عنه النبي بوجهه حتى‌ كان الرجل منهم يظن في نفسه أن رسول اللّه سـاخط عـليه أو نزل على رسول اللّه(ص) فيه وحي.

وجاء في «الطبقات الكبرى» لابن سعد؛ أن أبا بكر وعمر بن الخـطاب حـين خـطباها من‌ النبي(ص) لم‌ يزد على قوله-إني أنتظر فيها أمر اللّه- وقد تقدّم أمير المؤمنين(سلام اللّه عليه) على حـياء فـخطبها مـنه(ص) فاستقبله ببشاشة، ورحّب بقدمه وأقبل عليه يسأله برفق ولطف، فأجابه بصوت ضعيف وهو‌ مـطرق بـرأسه: «ذكرت فاطمة يا رسول اللّه» ولم يزد على ذلك، فردّ عليه النبي بقوله: «مرحباً وأهلاً». وخرج علي ليقص على أصـحابه مـا جرى له‌ وكانوا بانتظاره، فلما أخبرهم، قالوا: «لقد أجابك النبي‌ الى‌ ما تريد».

وفي رواية «كشف الغـمة» أن النـبي(ص) جمع المسلمين وقال لهم: «إن اللّه أمرني أن أزوج ابنتي فاطمة مـن عـلي وقـد زوجتها إياه على‌ أربع‌ مئة مثقال فـضة.» ثم التفت‌ الى‌ علي وقال: «لقد أمرني ربّي أن أزوجك فاطمة، وإني قد زوجتكما على أربـع مـئة مثقال من الفضة، أرضيت على هذا الزواج يا عـلي؟» فقال: «رضيته يـا رسول اللّه» وخـرّ سـاجداً الى اللّه. فقال النبي(ص) «بارك‌ اللّه‌ فيكما وجعل مـنكما الكـثير الطيب».

وتم ذلك الزواج المبارك، وعاشت سلام اللّه عليها في حياة بسيطة مادياً، ولكنها سامية معنوياً.

وفـي ذات يـوم، وقد رجع أبوها من‌ إحدى‌ غـزواته بسبي‌ وغنائم، قال لها عـلي سـلام اللّه عليه: «يا سيدة النساء، لقد ضاق صـدري لأجـلك، وهذا رسول اللّه(ص) قد رجع‌ بسبي من إحدى غزواته،  فاذهبي إليه والتمسي منه إحدى المـسبيات‌ لعلها‌ تخفف‌ عنك بعض الأعـمال. وكـانت تـطحن الشعير، فأجابته، والرحى فـي يـدها والتعب بادٍ عليها: أفعل إن شـاء اللّه. فـلما ‌‌أتمّت‌ عملها انتظرت ساعة لتسترد بعض قواها، ثم خرجت الى بيت أبيها بخطوات بطيئة، فلما رآها‌ رحـّب‌ بـها‌ وهشّ في وجهها كعادته، ثم سألها عـن حـاجتها، فمنعها الحـياء أن تـذكر مـا جاءت من‌ أجله، وردّت عـليه بقولها: «جئت لأسلّم عليك.» وعادت من حيث أتت لتخبر علياً(ع) بما‌ جرى لها. ولكن حرصه‌ عليها‌ دعـاه لأن يـقوم بنفسه ليقص على النبي(ص) ما تعانيه بـضعته مـن الجـهد والعـناء فـي إدارة البيت، فأخبر النبي بـحالها وهـي مطرقة من استحياء، فأجاب(ص): «لا واللّه لا أعطيكما وأدع أهل الصفة»!

ومست شكواهما قلب النبي(ص) وشغلته، عن كلّ شيء فأقبل عليهما ليخفف عـنهما، وقـال لهـما برفق: «ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟» فقالا: «بلى يا رسـول اللّه» فقال: «تـكبّران بـعد كـل صـلاة أربعاً وثلاثين، وتحمدان اللّه‌ ثلاثاً‌ وثلاثين وتسبّحانه ثلاثاً وثلاثين.» ثم ودّعهما ومضى.

ومضت السنّة على ذلك في كل صلاة كما تؤكد ذلك بعض المرويات.

لقد ظلت فاطمة الزهراء طيلة حياتها مع‌ أبـيها‌ وزوجها الإمام، وذابت في حبهما كما تذوب الشموع، وكانت مستقراً للذرية الطاهرة التي انحدرت بمشيئة اللّه صانع المشيئات من نبي ووصي، فأولدت لهما: الحسن والحسين، اللذين قال فيهما جدهما: «هذان‌ ولداي إمامان، قاما أو قعدا» وأدخلهما تحت كـسائه مـع أبيهما وأمهما، فأنزل اللّه عليه: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}

وأخبر الأمة بجميع أجيالها المتتالية إلى يوم‌ البعث، أنهما‌ وأباهما وأمهما والأمة‌ الأطهار‌ من ولد الحسين، لن يفترقا عن القرآن ما دام عـلى وجـه الأرض أناس يقدّسونه ويرددون آياته.

ومن الاناث ولدت له(ص) زينب وأم‌ كلثوم.

وليس صحيحاً ما جاء في بعض الروايات‌ الموضوعة، أن‌ النبي(ص) منع علياً من التزوج على فاطمة فإن عـلياً مـا كان ليخطر له ذلك. وإن هذه الروايـات مـتناقضة فيها بينها‌ مما‌ يجعل‌ الباحث يقطع بعدم صدورها من النبي(ص) وعدم وجود مثل هذا‌ في حياة الإمام والزهراء عليهما السلام.

أما الحديث عن مصحف فـاطمة، فقد جـاء في رواية الكليني، عن أحـمد بـن‌ عمر‌ الحلبي، عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد اللّه الصادق فقال لي: «يا أبا‌ محمد، لقد‌ علم رسول اللّه علياً ألف باب من العلم، يفتح له في كلّ باب ألف باب» قلت: «هذا واللّه‌ العلم.» فنكث‌ ساعة‌ في الأرض ثم قـال: «إنه لعـلم، وما هو ذاك يا أبا محمد، إن عندنا‌ الجامعة، وما‌ يدريهم ما الجامعة...» إلى أن قال: «وان عندنا مصحف فاطمة».

وقد ذكرت الروايات ما‌ في‌ هذا‌ الكتاب الموجود عند الزهراء، سلام اللّه عليها، من أحكام وتشريعات وإرشادات وتفسير للقـرآن‌ الكـريم‌ مما يـدل على عظم هذا الكتاب، وعلى سمو مقام الزهراء(ع) في العلم.

وهكذا‌ عاشت(ع) في‌ كنف‌ أبيها وزوجها، حتى آن لحياة النبي(ص) أن تنقضي، وأن يـرحل(ص)، وكانت تلك ضربة كبرى‌ في‌ حياتها.

فانه روي انه اجتمع نساء رسول اللّه(ص) عنده فـي مـرضه لم تغادر منهن‌ واحدة، فجاءت‌ فاطمة(ع) تمشي، لا تخطئ مشيتها مشية رسول اللّه(ص) فهش إليها، وقال: مرحباً بابنتي، وأقعدها إلى يمينه، وقد رآها مـتجلدة، تتكلف ‌‌الصـبر، و‌لا‌ تكف عن الدعاء والابتهال، فأشفق لما بها، وأدناها إليه، وتحدّث معها بكلام‌ لم‌ يـسمعه‌ أحـد، غير أنـها بكت وتغيرت ثم أدناها إليه، وتحدّث معها، فعادت إلى طبيعتها وابتسمت وكأن‌ ليس‌ في الأمر شيء.

وجاء فـي رواية عائشة، أنها قالت لها: «لقد خصك النبي بالسر دوننا، فبكيت‌ وابتسمت، اخبريني بما قال لك» فقالت لها الزهـراء: «ما كنت لأفشي سر رسـول اللّه(ص)».

ومـضت تقول: «فلما توفي رسول‌ اللّه، قلت‌ لها أسألك بما لي عليك من الحق إلاّ أخبرتني بما أسرّ إليك‌ رسول‌ اللّه، فقالت:

لقد أخبرني أولاً باقتراب أجله، وأوصاني‌ بالصبر‌ وتقوى اللّه فبكيت، وفي المرة الثانية قال‌ لي، وقد رأى ما بـي من الهم والجزع: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء‌ العالمين، وأن تكوني أول أهل بيتي‌ لحوقا‌ً بي؟ فاستبشرت بلقاء‌ اللّه، واللحوق‌ بأبي في داره التي أعدها اللّه‌ له».

واختار اللّه للنبي الأكرم لقاءه، فعلى الضجيج والصراخ في جميع أنحاء‌ المـدينة، وانـصرف علي(ع) وجماعة من خيار الصحابة‌ عن كل شيء إلاّ‌ عن‌ النبي(ص) وتجهيزه لمثواه الأخير، هذا، وفاطمة‌ يغشى عليها ساعة بعد ساعة، لهول المصاب. ولما تم دفنه تحاملت تسعى نحو القبر، وألقت‌ بـنفسها عـليه، مغشياً عليها، ولما أفاقت، أخذت‌ حفنة‌ من‌ ترابه، وأدنتها من‌ عينيها‌ اللتين قرحهما البكاء-كما جاء‌ في‌ رواية البخاري-وراحت تشمها، وتقول:

ماذا على من شمّ تربة أحمد أن لا يشم مدى الزمان‌ غواليا

صبّت عـلي مـصائب لو أنها صبّت على‌ الأيام‌ عدن لياليا

وبكى الحاضرون لبكائها، وتقطعت قلوبهم، و‌هم ينظرون إليها تقلب التراب بيديها، وتشمّه، ثم تحدق فيه، وكأنها يئست من الدنيا، وهي تقول:

إنّا‌ فقدناك فقد الأرض وابلها وغاب‌ مـذ غبت‌ عـنّا‌ الوحـي‌ والكتب

فليت قبلك‌ كان‌ الموت صـادفنا لما نـعيت وحـالت دونك الكثب

ثم التفتت الى أنس بن مالك، وقالت:

يا أنس، كيف‌ طابت‌ نفوسكم، أن‌ تحثوا التراب على رسول اللّه؟

وبقيت‌ بعد‌ أبيها‌ خمسة‌ وسبعين‌ يوماً.

وفي روايـة الإمـام الصادق:

انـها كانت تأتي قبور الشهداء في الجمعة مرتين وتقول: «ها هـنا كـان رسول اللّه، وها هنا كان المشركون».

ولم تر‌ ضاحكة طيلة حياتها بعده.

ومن خطاب لها ألقته في المسجد بحضور أبي ‌بكر وحشد كـبير مـن المسلمين:

«أنـتم عباد اللّه نصب أمره ونهيه، وحملة دينه ووحيه، وامناء‌ اللّه‌ عـلى أنفسكم، وبلغاؤه الى الامم، وزعيم حق له فيكم، وعهد قدمه إليكم، وبقية استخلفها عليكم، كتاب اللّه الناطق، والقرآن الصادق، والنور الساطع، والضـياء اللامـع، بينة بـصائره، منكشفة سرائره، متجلّية ظواهره، قائد الى الرضوان‌ أتباعه... لقد‌ جعل اللّه الايمان تطهيراً لكم من الشرك، والصـلاة تـنزيهاً لكم من الكبر، والزكاة تزكية للنفس ونماء في الرزق، والصيام تثبيتاً للإخلاص، و‌الحج‌ تشييداً للدين»

وظلت تـتحدث‌ عـن‌ الفـوائد التي يجنيها المسلم من فروع الاسلام، حتى قالت:

«لقد جاءكم رسول من أنفسكم، عزيز عـليه مـا عـنتم، حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم، فان تعزّوه وتعرفوه تجدوه‌ أبي‌ دون نسائكم، وأخا ابن‌ عمي‌ دون رجالكم، ولنعم المـعزيّ إليـه، فبلّغ الرسـالة صادعاً بالنذارة، مائلاً عن مدرجة المشركين، ضارباً ثبجهم، آخذاً بكظمهم، داعياً الى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة، يكسر الأصنام، ويـنكث الهـام، حتى انهزم الجمع وولوا الدبر... فأنقذكم اللّه بأبي، محمد، بعد‌ اللتيا‌ واللتي، وبعد أن مني بهم الرّجال وذؤبان العرب، ومـردة الكـتاب، كلما أوقـدوا ناراً للحرب أطفأها اللّه، أو نجم للشيطان، وفغرت فاغرة من المشركين قذف أخاه في لهـواتها، فـلا ينكفئ حتى يطأ‌ خماصها بأخمصه، ويخمد لهبها بسيفه، مكدوداً في ذات اللّه، مجتهداً في أمر اللّه، قـريباً مـن رسول اللّه، سيد أولياء اللّه، مشمراً، ناجحاً، كادحاً...» وهو خطاب‌ طويل ذو شجون.

*فلله هذه المرأة العظيمة، كانت في حياتها مجاهدة مـن أكـبر‌ المجاهدين.

*فسلام‌ اللّه عليك أيتها الزهراء، وسلام اللّه على أبنائك الطاهرين.

*اللهم اجعلنا من أتباعها ومـن مـحبيها، اللهم اغـرس ‌‌روحها‌ في نساء الأمة، انك السميع المجيب*

 


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/subject.php?id=2109
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2016 / 02 / 28
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 02 / 24