• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم .
        • القسم الرئيسي : تفسير القرآن الكريم .
              • القسم الفرعي : تفسير السور والآيات .
                    • الموضوع : آية التطهير والعصمة .

آية التطهير والعصمة

بسم الله الرحمن الرحيم

بقلم سماحة العلامة الشيخ مهدي البحراني

قال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}(1)

تعتبر هذه الآية الكريمة من أبرز الآيات الدالة على فضل اهل البيت(عليهم السلام) وعصمتهم ولكي نتعرف على‌ ذلك لابد من التأمل في الألفاظ الواردة في الآية المباركة، وهي: الرجس، والارادة ـ (فهل هي ارادة تكوينية او تشريعية) وما هو الفرق بينهما، واهل البيت، فمن هم أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله).

ـ اما الرجس: فهو لغة: القَذَر. من الرجاسة وهي القذارة. والقذارة قد تكون بحسب ظاهر الشيء، وهي هيئة في الشيء توجب التجنب والتنفر منه. كرجاسة الخنزير. قال تعالى: {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ}(2).

وقد تكون بحسب باطنه. وهي الرجاسة والقذارة المعنوية ـ كالشرك والكفر أو العمل السيئ. قال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ}(3).  وقال تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ}(4)  حيث ان الاوثان لا رجس فيها بذاتها وانما يكون الرجس في عبادتها من دون الله تعالى ـ أي الشرك ـ الذي هو من الامور الباطنية والمعنوية.

قال الفخر الرازي في تفسيره(5) : الرجس في الاصل الشيء القذر... وقيل يقع على الاثم وعلى‌ العذاب وعلى‌ النجاسة وعلى النقائص.

وقال الراغب في مفرداته(6): الرجس يعني الشيء‌القذر سواء من ناحية كونه قذراً منفراً لطبع الانسان. أو بحكم العقل أو الشرع أو جميعها، فالرجس له أربع حالات من حيث طبع الانسان و من حيث ما هو خارج عن طبعه، وفسره في بعض التعابير بأنه الذنب أو الشرك أو العقيدة الباطلة أو البخل أو الحسد.

وبالتأمل في الآيات الكريمة نستكشف منها ان للرجس مراتب متفاوتة ـ مادية ظاهرية ـ و معنوية باطنية، ويتصف به العمل كما يتصف به المتلبس بذلك العمل. ويتعلق بالاعتقادات الباطلة كما يتعلق بالأخلاق والسلوك والملكات. بل يتعلق بالقلب وتوجه النفس.

وبحكم الضدية الواقعة بين الرجس والطهارة نجد تلكم المراتب ثابتة للطهارة أيضاً فهي قد تكون ظاهرية وتتعلق بالامور المادية. وقد تكون معنوية وتتصف بها الامور الباطنية.

ويشير الى الاولى قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ}(7).

حيث ان من الواضح كون هذه الطهارة المكتسبة من الماء هي تلك الطهارة المادية الظاهرية وأيضاً قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ}(8) .

ويشير الى الثانية قوله تعالى: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ}(9)  فانه يشير الى نوع آخر من الطهارة ـ وهي الباطنية ـ.

هذا و بما أن ـ أل ـ في لفظ ـ الرجس ـ الوارد في الآية تفيد العموم، لأنها للجنس و ليست للعهد. فعليه يكون معنى الآية المباركة ان الله شاء أن يبعد كل أنواع الرجس عنهم(عليهم السلام).

فهم ـ نظراً لاطلاق لفظ الرجس ولما له من معنى واسع يشكل كل أنواعه من الذنب والشرك والبخل والحسد والفسوق الظاهري والباطني والأخلاق والعادات السيئة التي تشمئز منها النفوس‌ـ مطهرون بارادة الله من كل هذه الامور. وبذلك تكون الآية مثبتة لعصمة النبي(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته وان ارادته تعالى: لابد وان تتحقق في ابعاد الرجس عن هذه الاسرة النبوية وهذا لايعني سوى (ضمان عصمتهم) مفهوماً. لبداهة كون الشرك والذنب من أجلى‌ مصاديق الرجس والقذارة. ولاشك أن نفي الرجس بشكل مطلق يقتضي نفي الذنوب مطلقاً.

كما ان وجود لفظ (انما) الدال على‌ الحصر ـ وضعاً ـ وظهوراً ـ في الآية. دليل على ان هذه المنقبة خاصة‌ بأهل البيت(عليهم السلام) قال العلامة في ميزانه(10):

ففي الآية قصران قصر الارادة في اذهاب الرجس والتطهير وقصر اذهاب الرجس والتطهير في اهل البيت(عليهم السلام).

وأما (الارادة): فهل في قوله تعالى: يريد الله. الارادة التشريعية أو التكوينية، وبعبارة اخرى: هل ان الله تعالى أمر أهل البيت بعدم ارتكاب الذنوب والقبائح، أو أنه تعالى زرع الطهارة في نفوسهم؟

بديهي أن المراد ليس المعنى الأول (التشريعية) لعدم انحصار الارادة التشريعية (التكليف باداء الواجبات وترك المحرمات) بأهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله) بل هي شاملة كل الناس بلا استثناء في حين ان وجود لفظ انما في الآية يدل على اختصاص وانحصار الامر في أهل البيت(عليهم السلام).

فالارادة هنا تكوينية إذن ـ لكن ليس بذلك المعنى الذي يستلزم القول بالجبر وأن أهل البيت(عليهم السلام) مجبورون بالعصمة بل المراد ان الائمة(عليهم السلام) كالأنبياء(عليهم السلام) ـ وكما سيأتي الحديث عن ذلك لا يذنبون مع قدرتهم على‌ ارتكاب الذنب، لأن الله تعالى قد منحهم سلسلة من المعارف والمبادئ الفطرية التي تدعوهم الى الطهارة من قبيل ما نجده في مثل العاقل الذي تمنعه معرفته ومبادؤه الفطرية من خروجه الى‌ الشارع عارياً أو أكله القذارات، مع قدرته على ذلك.

ان المعصومين(عليهم السلام) يمتلكون نوعين من القابلية (لياقة ذاتية موهوبة) لهم من قبل الله تعالى ـ ليكونوا اسوة للناس ـ (ولياقة اكتسابية من خلال اعمالهم وملكاتهم الداخلية، ومن مجموع هاتين القابليتين التي لا تخلو إحداهما على أقل تقدير عن صبغة اختيارية. ليحصل لهم هذا المقام السامي.

وبتعبير آخر ان المشيئة الالهية توفر الارضية للتوفيق الى بلوغ هذا المقام الشامخ. حتى يكون ترك الذنب بالنسبة لهم محالاً عادياً. لا عقلياً، تماماً كما يستحيل على انسان عالم مؤمن أن يصطحب معه الى المسجد خمراً‌، وكما يستحيل أن يأخذ العاقل الجمرة بيده ـ فان هذا الاستحالة ليست جبرية وعن كره بل هي ناتجة عن اختيارهما. فالاستحالة هنا ليست عقلية ـ لتستلزم الجبر ـ بل هل استحالة طبيعية وعادية. بمعنى‌ان العرف يرى‌ان صدور مثل هذا العمل من المؤمن و العاقل مستحيل من دون تعارض مع كونه فعلاً اختيارياً له.

وعين هذا يقال بالنسبة للأنبياء والأئمة(عليهم السلام) فمن المحال صدور الذنب منهم ـ نتيجة اللطف الالهي بهم ـ و ان كانوا قادرين على‌ ذلك.

وهذا اللطف الالهي ـ كسائر الالطاف الالهية ـ ليس اعتباطياً بل يخضع لحسابات خاصة. كما يشير القرآن الكريم الى‌ذلك في شأن ابراهيم الخليل(عليه السلام) حيث جعله للناس اماماً‌ بعد فلاحه في تجاوز الابتلاءات الالهية اذ يقول: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}(11).

وإذا لاحظنا بعض الأحاديث الشريفة نجدها تفسر لنا ذلك اللطف الالهي ـ العصمة ـ والوجه في اشتراطه في الامامة: فقد جاء في حديث عن الامام الثامن علي بن موسى‌ الرضا(عليه السلام): (هو معصوم مؤيد موفق مسدد قد امن الخطايا والزلل والعثار يخصه الله بذلك ليكون حجة على‌ عباده و شاهده على‌ خلقه)(12) .

وعن الامام أمير المؤمنين(عليه السلام): (ان الله انما امر بطاعة رسوله لانه معصوم مطهر لا يأمر بمعصية الله وانما امر بطاعة اولي الأمر لانهم معصومون مطهرون لا يأمرون بمعصية الله، فهم أولوا الأمر والطاعة لهم مفروضة من الله ورسوله لا طاعة لأحد سواهم) كما في قوله تعالى: {أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}(13).

سؤال وجواب: لكن قد يثار هنا سؤال وهو: ان الآية اذا كانت دليلاً على عصمة الخمسة(عليهم السلام) فلماذا جاءت بصيغة المضارع (انما يريد) ولماذا لم تكن (انما اراد الله ) فانهم اذا كانوا معصومين ثم يريد الله عصمتهم ـ فهو من تحصيل الحاصل(14).

ونجيب عن هذا السؤال ـ بأن القرآن مليء بهذا التعبير بشأن الامور المتعلقة بالارادة المستمرة ماضياً وحاضراً و مستقبلاً، وبتعبير آخر: ان الاتيان بالفعل المضارع غالباً ما يكون للدلالة على استمرار وثبات المشيئة على شيء ما في الماضي والحاضر والمستقبل. ويشهد على ‌ذلك ملاحظة قوله تعالى: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ}(15).

وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}(16).

وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ}(17).

فإن من البديهي ان مفهوم هذه الآيات ليس هو ان الله اراد ظلماً‌ في السابق او كان يريد العسر أو أنه لم يرد سابقاً التخفيف. بل ان مفادها جميعاً ـ هو: ان الارادة ثابتة ومستمرة في الماضي والحاضر والمستقبل.

ومن ذلك قوله تعالى: {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا}(18).

حيث يتضح جلياً ان ارادة الشيطان مستمرة في الماضي و الحاضر والمستقبل بهدف اغواء الناس وهناك آيات اخرى كثيرة في القرآن الكريم تبين أن المراد من كلمة (يريد) الاستمرارية وما يشمل الازمنة الثلاثة.

وعلى‌ هذا الاساس يكون مفهوم الآية {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ}، هو تعلق الارادة الالهية المستمرة بطهارة وقداسة وعصمة أصحاب الكساء(عليهم السلام).

وما المانع من اختيار الله بعض عباده وارادة طهارتهم وعصمتهم مع حاجة الناس الى‌ ذلك. وما دام ذلك ينطلق من مصلحة عباده فما هي المشكلة في ذلك.

ومن الواضح ان الرسالات السماوية لم تأت للناس لتعطي النظريات أو تطلق الشعارات فقط، بل جاءت لتجسد نظرياتها في الواقع العملي و تضفي عليها قالباً من الواقعية في الخارج وفي الحياة العملية، وذلك من خلال أشخاص يعتبرون المشاعل الوضاءة في حياة الناس والدعاة للرسالة، حتى يقتدي الناس بهم وباعمالهم الصالحة، فهم هداة الناس والاسوة الحسنة كما قال تعالى {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}(19) .

فالدين ليس مجرد نظريات تحفظ بل لابد فيه من التطبيق والعمل بهذه النظريات الالهية، ومن أوليات ما يقتضيه ضمان التطبيق ان يكون القائم على تطبيق تلك النظريات الدينية والمواقف الشرعية شخصاً تتجسد فيه مبادئ الفكر السماوي تجسداً مستوعباً لمختلف المجالات خلياً عن الافكار الشيطانية، ومن هنا كان الأنبياء والائمة(عليهم السلام) هم المثل الأعلى لجميع الناس والقدوة الصالحة لجميع الامم الامر الذي يؤكد عليه القرآن الكريم كثيراً قال تعالى: {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}(20).

وقال تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}(21)

فالصراط والطريق الذي ينبغي على‌الانسان سلوكه ويطلب من الله تعالى الهداية اليه هو صراط الذين انعم عليهم الذين قال سبحانه و تعالى عنهم {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا}(22)

فهؤلاء الذين أنعم الله عليهم هم القدوة الصالحة للناس وطريقهم هو الطريق المؤدي الى الله تعالى والخالي عن غضبه سبحانه، وعن كل ضلال.

وعليه فاذا كان المعصومون غير مختارين. فلم يتركوا المحرمات الالهية باختيارهم وارادتهم بل كان امتناعهم عنها نتيجة عدم قدرتهم واختيارهم، فهذا تأكيد لاتهام الدين بالمثالية في نظرياته وتأكيد لعدم قابلية النظرية للتطبيق في الواقع الخارجي، بل لم يكن ذلك مجرد اتهام إذ هو الحقيقة بعينها، لانه اذا لم يكن بمقدور الرسل والانبياء الذين يبلغون رسالات الله تعالى‌ ويدعون الناس الى الدين الامتناع عن المحرمات الالهية الا بالجبر وسلب الاختيار، فكيف بباقي الناس، وهل من المعقول ان يدعو الدين الى الاقتداء بذوات لم تتمكن من كف نفسها عن المعاصي والرذائل وليس باستطاعتها امتثال الاوامر الالهية وغيرها من القيم والاخلاق التي يتضمنها الدين الا بالجبر والاضطرار.

ثم كيف بعد هذا يوجه قوله تعالى: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ }(23) .

ما ذكره الآلوسي في تفسيره(24) .

اورد الآلوسي على‌ الاستدلال بالآية ما يلي:

حيث يقول: ـ رداً على‌استفادة العصمة من الآية الكريمةـ (وتعقبه بعض أحلّه المتأخرين، بانه لو فرض تعيّن كل ما ذهبوا اليه لا تسلم دلالتها على العصمة بل لها دلالة على عدمها اذ لا يقال في حق من هو طاهر: اني اريد ان اطهره، ضرورة امتناع تحصيل الحاصل، وغاية ما في الباب ان كون هؤلاء الاشخاص (رض) محفوظون من الرجس والذنوب بعد تعلّق الارادة باذهاب رجسهم يثبت بالآية ولكن هذا على‌ اصول اهل السنة لان وقوع مراده تعالى‌غير لازم عندهم لارادته مطلقاً.

وبالجملة لو كانت افادة معنى العصمة مقصودة لقيل هكذا: ان الله اذهب عنكم الرجس اهل البيت وطهركم تطهيراً.

ولكن يرد عليه: ان هذه النسبة للشيعة بان ارادته تعالى‌لا تستتبع وقوع الفعل المراد فهي نسبة غريبة جدا لم يذهب اليها احد من الشيعة وليته دلنا ولو على‌شيعي واحد يومن بهذا الرأي. وقد تقدم البحث في الارادة وان المراد لا يمكن تخلفه عن الارادة (اذا اراد الله للشيء ان يقول له: كن فيكون) في الارادة التكوينية.

وما ذكره: اذ لا يقال في حق من هو طاهر اني اريد ان اطهّره ضرورة امتناع تحصيل الحاصل.

والجواب: فان كان يقصد بذلك التعبير بـ (يذهب) في الآية كما يظهر من فحوى كلامه المتقدم خصوصا المقطع الاخير منه بملاحظة ان معنى‌الاذهاب هو الرفع لا الدفع اي رفع الرجس الموجود وعليه فلا تدل الآية على‌ العصمة بل دلالتها على‌ عدم العصمة أوضح.

فالجواب عنه نقضاً و حلاً:

اما نقضاً: فإنه مما لا خلاف فيه بين المفسرين والمحدثين ان رسول الله(صلى الله عليه وآله) ممن شملته الآية الكريمة فان كان اذهاب الرجس عنه(صلى الله عليه وآله) عند نزول الآية او على حد تعبيره (ان كون هؤلاء الاشخاص(عليهم السلام) محفوظين من الرجس والذنوب بعد تعلق الارادة باذهاب رجسهم) فلازمه عدم طهارته قبل نزول الآية وهذا ما لا يلتزم به القائل بل هو مخالف لجميع المسلمين اذ لا يستريب احد منهم في عصمة النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله) من حين البعثة على‌اقل التقادير و تأخر نزول هذه الآية عن البعثة‌بمدة ليست بالوجيزة من الواضحات.

وأما حلاً: فان لفظة (اذهب) ومشتقاتها تطلق في الاستعمال العربي الشائع ويراد منها الرفع والدفع اي رفع الحاصل او دفع ما هو ممكن الحصول و نصوص السنة‌الشريفة خير شاهد على‌ ذلك فقد ورد عن النبي(صلى الله عليه وآله) انه قال: (من اطعم اخاه حلاوة أذهب الله عنه مرارة الموت)(25).

وعن اميرالمؤمنين(عليه السلام): (من ابتدأ بالملح اذهب الله عنه سبعين نوعاً من البلاء)(26).

فمن هذه النصوص نتعرف على‌ معنى (اذهب) حيث استعملت في هذه النصوص بمعنى دفع ما يمكن ان يحصل، لا انه رفعها بعد ان كانت موجودة فيه.

قال السيد علي خان في رياض السالكين شرح الصحيفة السجادية عند قوله(عليه السلام): (فأزح عنا ريب الارتياب).

ليس المراد بالازاحة والاذهاب هنا ازالة ريب الارتياب بعد كونه وحصوله وان كان معناه في اصل الوضع كذلك بل هو من قبيل قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ}... ومعناه حسم اسباب الحرص وعدم الاعداد له رأسا لا ازالته بعد حصوله ومن هنا يتجلى المراد من الآية الشريفة لقوله تعالى: {لِيُذْهِبَ عَنكُمُ} ويتم الاستدلال على دفع الرجس وابعاده عن هؤلاء البررة.

وتعبيره تعالى ليذهب عنهم الرجس وليس ليذهبهم عنه او يصرفهم عنه تأكيد فضيلة لهم على نحو ما جاء في بيان فضيلة‌ بعض الانبياء(عليهم السلام) وهو يوسف(عليه السلام) حيث قال تعالى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}(27)  فكان السوء والفحشاء مصروفين عنه و ليس هو المنصرف عنهما وهذا يعني مزيد عناية ولطف من الله به اذ دفع ذلك عنه لانه وقع فيهما ثم انصرف بفضل الله تعالى.

شبهة اخرى للآلوسي في تفسيره (28):

وقد يستدل على كون الارادة هنا بالمعنى المذكور اي الشريعة دون المعنى المشهور (التكوينية) الذي يتحقق عنده الفعل بانه(صلى الله عليه وآله) قال حين ادخل علياً وفاطمة والحسنين(عليهم السلام) تحت الكساء (اللهم هؤلاء بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) اذ أية حاجة للدعاء لو كان ذلك مراداً بالارادة التكوينية وهل هو الا دعاء بحصول واجب الحصول.

ويرد عليه اولا ان جعل الارادة تشريعية لا يدفع محذور تحصيل الحاصل الذي فرضه للارادة التكوينية لانه حينئذ يكون معنى دعاء‌ النبي(صلى الله عليه وآله) هو (اللهم اجعل اهل بيتي مشمولين لامرك ونهيك واجعلهم مكلفين بالاحكام التي شرّعتها لجميع الناس) وهل هذا الا نفس تحصيل الحاصل الذي حاول التخلص منه؟

وثانياً: لا تنافي بين ان يكون الشيء حاصلاً والدعاء لادامته او زيادته فهذا رسول الله(صلى الله عليه وآله) الذي قال الله تعالى في حقه: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}(29)  مع ذلك(صلى الله عليه وآله) يقف في صلاته على‌ مدى حياته ليقول {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} ترى هل انه لم يكن قبلها مهديا اليه! كلا فانه دعاء لادامة تلكم الهداية فلماذا لم يعتبره الآلوسي دعاء بحصول الحاصل.

وبعبارة اخرى: ان الدعاء بالتطهير او باي امر حاصل يمكن تفسيره بوجهين:

الاول: ان حصول الشيء عند الانسان لا يعني الاستغناء عن الله تعالى في دوام ذلك الشيء و استمراريّته ولا يعني ايضا امكانية الخروج عن قدرته تعالى فيما لو اراد الله سبحانه ازالته او تغييره بل الانسان ـ اي انسان ـ محتاج في كل لحظات وجوده الى فيض الله تعالى و لطفه سواء في اصل وجوده و بقائه ام في توابع الوجود من العلم و الرزق والقدرة وما الى ذلك وقد جعل الله تعالى‌ لنفسه المشيئة في الامور قال تعالى: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}(30)

ومن هنا يمكن ان يكون دعاء الرسول الاكرم(صلى الله عليه وآله) في تطهير اهل بيته(عليهم السلام) طلبا من الله تعالى‌لادامة هذا الامر الحاضر واستمراريته.

وهذا من ادب الله سبحانه وتعالى‌ الذي أدب انبيائه واصفيائه(عليهم السلام) فانهم لا يرون لانفسهم اي استقلال فيما اتوا و لا يعتمدون على ماعندهم من قدرة بل يجدون انفسهم في فقر دائم وحاجة مستمرة الى الله تعالى وفيضه ولطفه قال تعالى {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا* إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ}(31) .

الثاني: ومن المعلوم ان المقامات السامية التي بلغها الصفوة من العباد ليست كلها درجة واحدة فالانبياء يتفاضلون فيما بينهم وتتفاوت درجاتهم ومراتبهم قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ}(32)  ولم يكن هذا التفاضل جزافا ومن دون ضوابط ولا انه اعتباري خال من الحقيقة بل هو حقيقي ناشئ من امور حقيقية كامنة في نفوس هؤلاء البررة(عليهم السلام)(33).

ومن هنا يمكن ان يكون دعاء الرسول(صلى الله عليه وآله) فيما نحن فيه من اجل ان يرتفع هؤلاء الاشخاص بمراتب القدس والطهارة ويصلوا بذلك الى حيث منتهى‌ القرب الالهي المشار اليه في الزيارة الجامعة الكبيرة بـ (اشرف محل المكرمين واعلى‌ منازل المقربين وارفع درجات المرسلين حيث لا يلحقه لاحق ولايسبقه سابق ولا يطمع في ادراكه طامع) وكذا ما في نفس الزيارة ايضا (عصمكم الله من الزلل وآمنكم من الفتن وطهركم من الدنس و اذهب عنكم الرجس وطهركم تطهيرا) فجاءت الآية معلنة هذا المعنى‌وذلك من خلال حصر ارادة الله تعالى التي لا خلف فيها باذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم.

والملاحظة الجديرة بالاهتمام هنا ان الكساء المبارك قد جمع عدة اصناف من المعصومين فضم من هو نبي قد مضت على بعثته عدة سنوات وهو رسول الله(صلى الله عليه وآله) واحتوى اماما لم يعلن عنه بيعته بالامامة بعد. وهو امير المؤمنين وفاطمة الزهراء والحسنين اللذين لم يبلغا الحلم.

وهذا النوع من الاجتماع تحت الكساءيدلل بوضوح على‌ شمولية العصمة والتطهير من الرجس لجميع حالات ومستويات المعصومين فليست العصمة مختصة بحال تبليغ الاحكام او التصدي للامامة كما في اميرالمؤمنين وايضا فان العصمة غير مختصة بما بعد البلوغ كما دلت الآية على‌ عصمة الحسنين وهما لم يبلغا الحلم فالعصمة قبل البعثة وبعد البعثة وفي حال تبليغ الاحكام ونزول الوحي وفي سائر الامور الحياتية وهو مذهبنا.

جاء في الحديث عن الامام الصادق(عليه السلام) انه قال: المعصوم هو الممتنع بالله من جميع(34)  المحارم وقد قال الله تعالى: {وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}(35)

هذا تمام البحث في الارادة والاشكالات الواردة والردود عليها.

 

من هم أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله) الذين نزلت الآية فيهم؟

 

رأى بعض او اكثر المفسرين من اهل السنة أن اهل البيت هم نساء النبي(صلى الله عليه وآله) والبعض الآخر أنهم نساء‌ النبي(صلى الله عليه وآله) مع الخمسة الطاهرين.

واما مذهب الامامية قالوا بانها نزلت في الخمسة الطاهرين قال البيضاوي في تفسيره(36) :

وخصصت الشيعة اهل البيت بفاطمة وعلي وابنيهما والاحتجاج بذلك على عصمتهم وكون اجماعهم حجة: ضعيف لان التخصيص بهم لا يناسب ما قبل الآية وما بعدها، والحديث الوارد بشان نزول الآية (لما روي ان رسول الله(صلى الله عليه وآله) خرج ذات غدوة وعليه مرط مرجل من شعر اسود فجلس فاتت فاطمة فادخلها فيه ثم جاء علي فادخله فيه ثم جاء الحسن والحسين فادخلهما فيه، ثم قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} يقتضي انهم أهل البيت لا انه ليس غيرهم. انتهى كلامه.

اقول: وانت خبير بان ما ذكره ضعيف.

اولا: فلأن القرآن نزل على لغة العرب ومن عادتهم انهم يخرجون من خطاب الى خطاب ثم يعودون اليه، فكون ما قبل الآية وما بعدها في ازواج النبي(صلى الله عليه وآله) لا ينافي كون وسطها فيهم وهذا الخروج من حكم الى‌ آخر في القرآن كثير جداً.

فكثير ما تأتي الآية واولها في شيء و اوسطها في آخر وآخرها في ثالث وثانياَ: ولو اريد النساء لقيل عنكن ويطهركن دون عنكم ويطهركم فهذا قرينة على المراد(37) .

وهذا ما ذكره العلامة الطباطبايي في ميزانه(38)  حيث قال وليس المراد بأهل البيت نساء‌النبي(صلى الله عليه وآله) خاصة (وهذا كذلك رد على البيضاوي واسلافه) لمكان الخطاب الذي في قوله: (عنكم) ولم يقل (عنكن) فاما ان يكون الخطاب لهن ولغيرهن كما قيل:

ان المراد بأهل البيت(عليهم السلام) (اهل البيت الحرام) وهم المتقون لقوله تعالى: {إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ}(39)  او اهل مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله) أو أهل مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله) أو أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله) وهم الذين يصدق عليهم عرفا اهل بيته من ازواجه واقربائه وهم آل عباس وآل عقيل وآل جعفر وآل علي او النبي(صلى الله عليه وآله) وازواجه ولعل هذا هو المراد مما نسب الى عكرمة وعروة انها في ازواج النبي(صلى الله عليه وآله) خاصة او يكون الخطاب لغيرهن كما قيل: انهم اقرباء النبي من آل عباس وآل عقيل وآل جعفر وآل علي.

لكن لا يمكننا كما (صرح بذلك الطباطبايي(قدس سره)) تعميم أهل البيت(عليهم السلام) في الآية لاولئك لان لازمه ارادة اذهاب الرجس عنهم جميعا وعصمتهم بناءاً على ما قدمناه من كونها بصدد بيان الارادة التكوينية، والالتزام بعصمة هؤلاء جميعاً لا يمكن ولم يقل احد من المسلمين بعصمة نساء النبي(صلى الله عليه وآله) وبالخصوص ابنة الاول وابنة الثاني وهما اللتان تآمرتا على رسول الله(صلى الله عليه وآله) في حياته. حتى اعتزل نساءه ونام على الحصير فنزلت سورة التحريم {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ}(40).

وكانت الاولى تؤذي النبي(صلى الله عليه وآله) عندما كانت تغار من ام المؤمنين خديجة فتقول له(صلى الله عليه وآله) مالي ولخديجة إنها عجوز حمراء الشدقين ابدلك خيراً‌ منها فغضب(صلى الله عليه وآله) حتى ‌اهتز شعره(41)  وجاء في كنز العمال انها قالت لرسول الله(صلى الله عليه وآله) ذات مرة انت تزعم انك لنبي وقالت لرسول الله(صلى الله عليه وآله) مرة اخرى اعدل و كان ابوها حاضراً فضربها حتى ‌سال دمها(42)  و خرجت بعد مماته(صلى الله عليه وآله) من البيت النبوي والله تعالى‌ امرها بالقعود في الدار اذ قال تعالى في نفس الآية {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}(43)  و ركبت الجمل والقضية معروفة‌تاريخيا(44)  وخرجت مرة ثانية لمنع دفن قرة عين الرسول وريحانته الحسن السبط بجوار جده الاعظم محمد(صلى الله عليه وآله) وركبت البغل فقال لها العباس يا عائشة:

تجمّلت تبغّلت ولو عشت تفيلت *** لك التسع من الثمن وبالكل تملّكت(45)

وما قاله عكرمه(46)  (ذكره الآلوسي في تفسيره)(47) : من شاء باهلته انها نزلت في نساء النبي(صلى الله عليه وآله) وكان ينادي في الاسواق بذلك فيلاحظ عليه.

اولا: هذا غلط لانه لو كانت الآية فيهن خاصة لكنى عنهن بكناية المؤنث.

وثانياً: لا نحتاج الى اثبات المسائل العلمية بالمباهلة والصراخ والعويل في الاسواق مع وجود النبي الاقدس(صلى الله عليه وآله) بين الامة عندما كان ينزل عليه الوحي من الآيات فانه كان يقرأها على‌ المسلمين ويقوم بتطبيقه وفعل النبي(صلى الله عليه وآله) حجة على ‌الجميع وهو حين نزلت آية التطهير قام ببسط الكساء على‌ الخمسة الطاهرين وهو معهم لا غيرهم حتى ان ام سلمة حاولت الدخول تحت الكساء فمنعها الرسول(صلى الله عليه وآله) وقال لها انت على ‌خير ومن الملاحظ ان جميع الروايات الواردة في المورد مع كثرتها في المجاميع الحديثية من الفريقين لم تذكر ان نساء النبي او لا اقل احداهن دخلت تحت الكساء بل تذكر انه(صلى الله عليه وآله) وضع الكساء على‌ الاشباح الخمسة المعصومين وهذه احدى‌القرائن على أنها نزلت في الخمسة وانهم هم اهل بيته، ومثلها تأكيد النبي(صلى الله عليه وآله) بوقوفه امام دار فاطمة لمدة ستة اشهر او ثمانية اشهر او تسعة اشهر حسب ما ورد في الاحاديث وهذا العمل من النبي(صلى الله عليه وآله) تأكيد لازالة الشكوك والشبهات ممن يدّعي أنها نزلت في غير اهل بيته وقد ذكر السيوطي في تفسيره(48)  و مسلم في صحيحه(49)  والترمذي في صحيحه(50)  نزولها في الخمسة الطاهرين:

ففي صحيح مسلم عن عائشة قالت: خرج النبي(صلى الله عليه وآله) غداة وعليه مرط مرجل من شعر اسود فلجا الحسن فادخله ثم جاء الحسين فادخله ثم جاءت فاطمة فادخلها ثم جاء علي فادخله ثم قال(صلى الله عليه وآله) انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا.

وذكر القندوزي الحنفي في ينابيعه(51)  واحمد في مسنده(52)  والترمذي في صحيحه(53) .

انه(صلى الله عليه وآله) قال لام سلمة: (لا تقربي كوني بمكانك وانت على خير) ومضافا الى ‌ذلك ان الزوجة لا تكون من اهل البيت لانها ان طلقت تذهب الى بيت والدها فتكون اجنبية.

ولان الاهل هم القربى‌ والعجيب من الآلوسي حيث ذكر(54)  ان اهل البيت يشمل حتى نسائه وفي آية المباهلة اعترف ان النبي(صلى الله عليه وآله) اخذ بيد اهل بيته: علي وفاطمة والحسن والحسين. وكذا الرازي(55)  عند تفسيره آية المودة فانه ذكر حديثا ثم قال آل محمد هم الذين يؤول امرهم اليه فكل من كان امرهم اليه اشد واكمل كانوا هم الآل ولاشك ان فاطمة وعليا والحسن والحسين كان الارتباط بينهم وبين رسول الله(صلى الله عليه وآله) اشد من غيرهم وهذا من المعلوم بالتواتر فوجب ان يكونوا هم الآل انتهى كلامه.

وبالنسبة للرواية قال ان الرواية كالمتفق على صحتها بين اهل التفسير والحديث.

والزمخشري(56)  وان لم يتعرض في آية التطهير الى انها نزلت في أهل البيت ومن هم ولكن في آية المباهلة شاء الله ان ينطق بالحق حيث قال فيها دليل ليس اقوى منه على فضل اصحاب الكساء(عليهم السلام).

واليك كلام الآلوسي في تفسيره(57)  حيث قال دلالتها على فضل آل الله ورسوله مما لا يمتري فيها مؤمن؟ والنصب هادم الايمان الى‌ ان قال والنواصب زعموا ان ما وقع منه(صلى الله عليه وآله) كان لمجرد الزام الخصم وتبكيته وانه لا يدل على فضل اولئك ثم قال الآلوسي في رد النواصب وانت تعلم ان هذا الزعم ضرب من هذيان واثر مس من الشيطان ثم قال وليس يصح في الاذهان شيء اذا احتاج النهار الى دليل.

هذا وقد قلنا انه لم توجد رواية واحدة توحي ان واحدة من نساء النبي دخلت تحت الكساء بل الروايات كلها تدل على‌ ان النبي(صلى الله عليه وآله) وضع الكساء على‌ الخمسة بل اكد ذلك بقراءة الآية على‌ دار فاطمة وكان الهدف انه(صلى الله عليه وآله) اراد ان يحدد اهل بيته ويعرفهم للمسلمين وان لا يضيع حقهم من بعده وانهم قرابته الذين وجبت مودتهم محبتهم بل جاء في الدر المنثور للسيوطي(58)  في ذيل الآية انه كان يكرر الجملة: (اللهم اهل بيتي وخاصتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا)

وقد ذكر صاحب كتاب احقاق الحق ان هناك اكثر من سبعين مصدرا من مصادر العامة المعروفة تصرح بان التطهير محصور في الخمسة واما من طرقنا فتزيد على الالف.

وذكر الحسكاني(59)  من علماء العامة اكثر من مائة وثلاثين حديثا في هذا المضمار.

جاء في غاية المرام عن الحمويني بإسناده عن يزيد بن حيان قال: دخلنا على‌ زيد بن ارقم فقال: خطبنا رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقال الا اني تركت فيكم الثقلين احدهما كتاب الله عز و جل ومن اتبعه كان على هدى و من تركه كان على ضلالة ثم اهل بيتي اذكّركم الله في اهل بيتي ثلاث مرات.

قلنا: من اهل بيته نساؤه؟ قال: لا اهل بيته عصبته الذين حرّمت الصدقة عليهم، آل علي و آل عباس وآل جعفر وآل عقيل وفي صحيح مسلم نفس الرواية ‌عندما قال نساؤه؟ قال زيد بن ارقم ايم الله ان المرأة تكون مع الرجل العصر ثم الدهر ثم يطلقها فترجع الى‌ اهلها وقومها.

اهل بيته اصله وعصبته ففسر البيت بالنسب يقال بيوتات العرب بمعنى الانساب.

ومن القرائن على‌ ان اهل بيته هم اقرباؤه وذريته في غير آية‌المباهلة والمودة ذكرهم في حديث الثقلين وهو: (اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي اهل بيتي)(60)  وحديث السفينة في قوله(صلى الله عليه وآله) (ان مثل اهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى)(61).

وحديث الثقلين والسفينة من المتواترات عند الفريقين.

وهذه الاحاديث تشرح بعضها وتفسر البعض الآخر.

سؤال وجوابه: بعدما ثبت ان الآية نزلت في الخمسة وانهم معصومون كيف يمكن شمول العصمة لبقية الائمة من ابناء الحسين(عليه السلام) وهذا يحتاج الى بحث تفصيلي ذكرناه في بحث الامامة وذكرنا ان الامامة بالنص الالهي ان الامام لابد ان الامام يكون معصوماً‌ كالنبي(صلى الله عليه وآله) وان يكون متصفاً بصفات النبي وانهم ليسوا انبياء بل ائمة المسلمين كما قالت الآية قال: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}(62).

فالظالم وغير المعصوم لا يمكن ان يكون اماماً وكذلك المقصود من آية اولي الامر {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}(63)  حيث اتفق اهل التفسير على ان هذه الآية ادل دليل على عصمة الرسول(صلى الله عليه وآله) وعلى عصمة اولي الامر واطاعتهم لانه لا تجب طاعة الفاسق وحيث انطبقت هذه العناوين على‌ التسعة من ولد الحسين ثبت انهم الائمة المعصومون(عليهم السلام) وهناك روايات كثيرة وردت عن طريق العامة والخاصة بذكر اسماء الائمة‌من ابناء الرسول(صلى الله عليه وآله) وانهم مطهرون معصومون ذكر القندوزي الحنفي في ينابيعه(64)  عن ابن عباس قال سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: (انا و علي و الحسن و الحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون تاسعهم المهدي المنتظر).

وذكر الحنفي القندوزي في ينابيعه(65)  والحمويني في فرائده(66).

ان يهودياً سأل النبي(صلى الله عليه وآله) عن وصية لانه قال له ما من نبي الا وله وصي و ان نبينا موسى بن عمران اوصى يوشع بن نون فقال(صلى الله عليه وآله) ان وصيي علي بن ابي طالب(عليه السلام) وبعده سبطاي الحسن والحسين(عليهما السلام) ثم تتلوه تسعة ائمة من صلب الحسين(عليه السلام) ائمة ابرار.

قال اليهودي فسمهم لي قال: اذا مضى الحسين فابنه علي فاذا مضى علي فابنه محمد، ثم ابنه جعفر ثم ابنه موسى ثم ابنه علي، ثم ابنه محمد، ثم ابنه علي، ثم ابنه الحسن، ثم الحجة بن الحسن(عليهم السلام) فهؤلاء اثنا عشر ائمة عدد نقباء بني اسرائيل فشهد اليهودي الشهادتين وشهد انهم الاوصياء من بعده ثم قال لقد وجدت هذا في الكتب المتقدمة وفيما عهد الينا موسى بن عمران(عليه السلام) وانه اذا كان في آخر الزمان يخرج نبي يقال له احمد خاتم الانبياء لا نبي بعده فيخرج من صلبه ائمة ابرار عدد الاسباط.

اقول: ان يهود ذلك الزمان مع علمهم بنبوة نبيهم موسى(عليه السلام) آذوه وقتلوه وشردوا حواريه بل ورد ان بني اسرائيل قتلوا في يوم وليلة سبعين نبيا وكذا منافقوا هذه الامة لم يحترموا اهل البيت مع ما وصى بهم خيرا فقتلوا عترته واهل بيته وشردوهم كما قال الشاعر:

لاتأمن الدهر ان الدهر ذو غير *** وذو لسانين في الدنيا ووجهين

اخنى على عترة الهادي فشتّتهم      *** فما ترى جامعاً منهم بشخصين

بعض بطيبة مدفون و بعضهم *** بكربلاء وبعض بالغريين

وارض طوس و سامراء قد ضمنت *** بغداد بدرين حلا وسط قبرين

يا سادتي المن انعى اسى ولمن         *** ابكي بجفنين من عيني قريحين

ابكي على‌ الحسن المسموم مضطهدا *** ام الحسين لقىً بين الخميسين

 

المصادر المعتمدة في البحث:

تفسير الميزان لآية الله العلامة الطباطبايي

تفسير الامثل ج 13، ص 217 لآية الله مكارم الشيرازي

نفحات القرآن ج 7، ص 89، المؤلف نفسه

تفسير روح المعاني

تفسير الزمخشري

العصمة للعلامة السيد كمال الحيدري ص 229.

الامامة والولاية في القرآن ص 124

الدرر الملتقطة للخواجوئي ص 193

الاسرار الفاطمية للشيخ فاضل المسعودي ص 180

نفحات الازهار للميلاني ج 20، ص 73.

احقاق الحق للشهيد التستري ج 2، ص 501

الدر المنثور للسيوطي

اصول الكافي، ج 1، ص 203.

بحار الانوار ج 5. ح 6 ص 194

تفسير أنوار التنزيل ج 2، ص 272

صحيح مسلم

صحيح البخاري

صحيح الترمذي

مسند أحمد بن حنبل

كنز العمال: ج 7 ص 116

الامامة والسياسة لابن قتيبة ج 1 ص 76

شرح ابن أبي الحديد ج 16، ص 217

تذكرة الخواص لابن جوزي ص 193

المستدرك للحاكم

شواهد التنزيل للحسكاني

ينابيع المودة

فرائد السمطين للحمويني

الهوامش ـــــــــــــ

1  . الاحزاب: 33.

2  . الانعام: 145.

3  . التوبة: 125.

4  . الحج: 30.

5  . ج 17: ص 169.

6  . ج 22، ص 30.

7  . الانفال: 11.

8  . المائدة: 6.

9  . البقرة: 25.

10  . تفسير الميزان: ج 16، ص 309.

11  . البقرة: 124.

12  . الكافي: ج 1، ص 203. باب النادر في فضل الامام وصفاته.

13  . احقاق الحق: ج 3، ص 78.

14  . تفسير روح المعاني: ج 22، ص 17.

15  . آل عمران: 108.

16  . البقرة: 185.

17  . النساء: 28.

18  . النساء: 60.

19  . الاحزاب: 21.

20  . الانعام: 90.

21  . الحمد: 6و7.

22  . النساء: 69.

23  . الانعام: 84.

24  . تفسير روح المعاني: ج 19، ص 18 نقلاً عن كتاب العصمة للعلامة السيد كمال الحيدري: ص 226.

25  . المستدرك: ج 16، ص 355.

26  . كنز العمال: ج 10، ص 86.

27  . يوسف: 24.

28  . تفسير روح المعاني: ج 19، ص 18.

29  . الشورى: 52.

30  . التكوير: 29.

31  . الكهف: 23و24.

32  . البقرة: 253.

33  . العصمة للعلامة السيد كمال الحيدري: ص 229.

34  . بحار الانوار: ج 5، ح 6، ص 194.

35  . آل عمران: 101.

36  . تفسير أنوار التنزيل: ج 1، ص 272. صحيح مسلم، ج 7، ص 310.

37  . الدرر الملتقطة للخواجوئي: ص 193

38  . تفسير الميزان: ج 16، ص 310.

39  . الانفال: 34.

40  . التحريم: 1

41  . راجع صحيح البخاري ج 4، ص 231 باب تزويج النبي خديجة وكذا صحيح مسلم.

42  . كنز العمال ج 7، ص 116؛ احياء العلوم للغزالي.

43  . الاحزاب: 33.

44  . راجع الامامة والسياسة لابن قتيبة، ج 1، ص 76، و شحر ابن ابي الحديد، ج 6، ص 217.

45  . انساب الاشراف للبلاذري ج 1، ص 411؛ تذكرة الخواص لابن الجوزي، ص 193، شرح النهج لابن ابي الحديد، ج 16، ص 14.

46  . هو عكرمة بن عبد الله المدني مولى عبدالله بن عباس مات سنة 107 هـ بالمدينة.

47  . روح المعاني: ج 22، ص 12.

48  . الدر المنثور: ج 5، ص 199.

49  . صحيح مسلم: ج 4، ص 1883 حديث 2422.

50  . صحيح الترمذي: ج 5، ص 351، حديث 3205.

51  . ينابيع المودة: ص 107.

52  . مسند احمد بن حنبل: ج 6، ص 292.

53  . صحيح الترمذي: ج 5، ص 351 حديث 3205.

54  . تفسير روح المعاني للآلوسي: ج 3، ص 167 و 168.

55  . تفسير الفخر الرازي: ج 27 ص 166 عند تفسيره آية المودة من سورة الشورى آية 23.

56  . تفسير الزمخشري: ج 1، ص 370.

57  . تفسير روح المعاني: ج 3، ص 167 و 168.

58  . تفسر الدر المنثور: ج 5: 199.

59  . شواهد التنزيل للحسكاني: ج 2، ص 25.

60  . تفسير الدر المنثور للسيوطي: ج 3، ص 148.

61  . المستدرك للحاكم: ج 3، ص 148.

62  . البقرة: 124.

63  . النساء: 59.

64  . ينابيع المودة: ص 258.

65  . نفس المصدر: ص 441، 486 الباب 76.

66  . فرائد السمطين: الباب 76، ج 2، الباب 31.

 


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/subject.php?id=1305
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2011 / 06 / 14
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 10 / 18